← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 137

فتح الباري لابن رجب

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (4 834 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

٤ - باب الصلاة في الثوب الواحد ملتحفا به وقال الزهري في حديثه: الملتحف: المتوشح، وهو المخالف بين طرفيه على عاتقيه، وهو الاشتمال على منكبيه. وقالت أم هانئ: التحف النبي ﷺ بثوب، وخالف بين طرفيه على عاتقيه. حديث أم هانئ قد خرجه البخاري في هذا الباب، وإنما مراده هنا: تفسير الالتحاف المذكور فيه، وقد حكى عن الزهري أنه فسره بالتوشح، وذكر أن التوشح والالتحاف والاشتمال بالثوب المأمور به في الصلاة: هو أن يطرح الثوب على منكبيه، ويرد طرفيه على عاتقيه، فإن لم يردهما فهو السدل المنهي عنه، كما سنذكره - أن شاء الله تعالى. وقد فسر يعقوب بن السكيت التوشح، فقال: هو أن يأخذ طرف الثوب الذي ألقاه على منكبه الأيمن من تحت يده اليسرى، ويأخذ طرفه الذي ألقاه على الأيسر من تحت يده اليمنى، ثم يعقدهما على صدره. وفرق الأخفش بين التوشح والاشتمال، فقال: التوشح: هو أن يأخذ طرف الثوب الأيسر من تحت يده اليسرى، فيلقيه على منكبه الأيمن، ويلقي طرف الثوب الأيمن من تحت يده اليمنى على منكبه الأيسر. قال: والاشتمال: أن يلتف الرجل بردائه أو بكسائه من رأسه

стр. 877

إلى قدميه، يرد طرف الثوب الأيمن على منكبه الأيسر. خرج في هذا الباب ثلاثة أحاديث: الحديث الأول: حديث عمر بن أبي سلمة، وخرجه من طرق: فخرجه أولا:

стр. 878

٣٥٤ - عن عبيد الله بن موسى: ثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عمر بن أبي سلمة، أن النبي ﷺ صلى في ثوب واحد قد خالف بين طرفيه. وبدأ بهذه الطريق لعلوها؛ فإنه رواه عن عبيد الله بن موسى - وهو: العبسي الكوفي -، عن هشام بن عروة سمعه منه. وقد قيل: أنه لم يرو عنه في ((كتابه)) بغير واسطة غير هذا الحديث، وهذا وهم؛ فإنه روى عنه - أيضا - بغير واسطة أول حديث في ((كتاب الإيمان)) ، وهو حديث: ((بني الإسلام على خمس)) . ثم قال:

стр. 879

٣٥٥ - ثنا محمد بن المثنى: ثنا يحيى، عن هشام، قال: حدثني أبي، عن عمر ابن أبي سلمة، أنه رأى النبي ﷺ يصلي في ثوب واحد في بيت أم سلمة، قد ألقى طرفيه على عاتقيه. ويحيى هو: القطان، وفي هذه الرواية: زيادة تصريح هشام بسماعه له من أبيه، ورؤية عمر بن أبي سلمة لذلك من النبي ﷺ .

стр. 880

ثم قال:

стр. 881

٣٥٦ - ثنا عبيد بن إسماعيل: ثنا أبو إسامة، عن هشام، عن أبيه، أن عمر بن أبي سلمة أخبره، قال: رأيت النبي ﷺ يصلي في ثوب واحد مشتملا به في بيت أم سلمة، واضعا طرفيه على عاتقيه. ففي هذه الرواية: تصريح عروة بسماعه له من عمر بن أبي سلمة، وفيه - أيضا -: رؤية عمر للنبي ﷺ يصلي كذلك، وفيه تسمية ذلك اشتمالا، وتفسيره بوضع طرفي الثوب على عاتقيه. وفي رواية خرجها مسلم في ((صحيحه)) : ((متوشحا به)) وأظن البخاري من هذه الوجوه الثلاثة عن هشام ليبين أن من رواه: عن هشام، عن أبيه، عن عَبْد الله بن عَبْد الله بن أبي أمية المخزومي، عن النبي ﷺ فقد وهم؛ فإن إسحاق رواه، عن هشام كذلك. خرجه من طريقه الإمام أحمد. وخرجه - أيضا - من طريق أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة كذلك، وهو وهم - أيضا. وممن جزم بأنه وهم: علي بن المديني، وأبو زرعة وأبو حاتم الرازيان.

стр. 882

وممن رواه عن هشام، عن أبيه، عن عمر بن أبي سلمة: شعبة، ومالك، وحماد بن زيد وغيرهم. الحديث الثاني:

стр. 883

٣٥٧ - ثنا إسماعيل بن أبي أويس: حدثني مالك، عن أبي النظر مولى عمر بن عبيد الله، أن أبا مرة مولى أم هانئ بنت أبي طالب اخبره، أنه سمع أم هانئ قالت: ذهبت إلى رسول الله ﷺ عام الفتح، فوجدته يغتسل وفاطمة ابنته تستره. قالت: فسلمت عليه، فقال: ((من هذه؟)) قلت: أنا أم هانئ بنت أبي طالب. فقال: ((مرحبا بأم هانئ)) ، فلما فرغ من غسله قام، فصلى ثمان ركعات ملتحفا فِي ثوب واحد، فلما انصرف قلت: يا رسول الله، زعم ابن أبي، أنه قاتل رجلا قد أجرته: فلان بن هبيرة، فقال رسول الله ﷺ : ((قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ)) . قالت: وذلك ضحى. وخرجه مسلم من رواية جعفر بن محمد، عن أبيه، عن أبي مرة، عن أم هانئ، أن رسول الله ﷺ صلى في بيتها عام الفتح ثمان

стр. 884

ركعات، في ثوب واحد، قد خالف بين طرفيه. وأول الحديث قد سبق في ((كتاب الغسل)) ، ويأتي الكلام على باقيه في ((صلاة الضحى)) وفي ((الجهاد)) في ((أمان المرأة)) - أن شاء الله تعالى. الحديث الثالث:

стр. 885

٣٥٨ - ثنا عبد الله بن يوسف: أنا مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أن سائلا سأل رسول الله ﷺ عن الصلاة في ثوب واحد، فقال رسول الله ﷺ : ((أو لكلكم ثوبان؟)) . وقد رواه ابن عيينة والأوزاعي عن الزهري، كما رواه مالك. ورواه يونس وعقيل عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة. قال أبو حاتم الرازي: كلاهما صحيح. ورواه الأوزاعي، [و] في روايته: قال: ((ليتوشح به، ثم ليصل فِيهِ)) . وقيل: أنه تفرد بهذه اللفظة عن الزهري. وقوله: ((أو لكلكم ثوبان؟)) إشارة إلى أن منهم من لا يجد سوى ثوب واحد، فلو لَمْ يصل احد فِي ثوب واحد لشق ذَلِكَ عَلَى بعض النَّاس أو كثير منهم، والحرج مرفوع عَن هذه الأمة بقوله: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة:٦] ، وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ

стр. 886

حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨] . فدلت أحاديث هذا الباب كلها على أنه يجوز أن يصلي الرجل في ثوب واحد، يشتمل به على منكبيه، ويخالف بين طرفيه على عاتقيه، وهو أفضل من الاتزار به، وعقده على قفاه، فإنه إنما يتزر به ويعقد عند ضيقه. هذا قول أصحابنا والشافعية وغيرهم، وسيأتي من حديث جابر التصريح بهذا المعنى. وكان كثير من الصحابة يصلي كذلك ويأمر به، منهم: علي، وجابر، وخالد بن الوليد. وقد روي عن طائفة من السلف ما يدل على خلاف ذلك، وان الاتزار بالثوب الواحد في الصلاة أولى من الاشتمال. وروى وكيع، عن فضيل بن غزوان، عن عبد الله بن واقد قال: صليت إلى جنب ابن عمر وأنا متوشح، فأمرني بالأزرة. وعن عون بن صالح، عن حيان البارقي، قال: قال ابن عمر: لا تلبب كتلبب اليهود - يعني: في التوشح. وفي ((سنن أبي داود)) من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ قال: أو قال عمر -: ((إذا كان لأحدكم ثوبان فليصل فيهما، فإن لم يكن إلا ثوب فليتزر، ولا يشتمل اشتمال اليهود)) . وقد سبق أنه حديث مختلف في رفعه وفي وقفه على عمر بن

стр. 887

الخطاب، وقد روي موقوفا على ابن عمر من قوله. وفي رواية مرفوعة خرجها الحاكم وصححها: ((إذا لم يجد أحدكم إلا ثوبا واحدا فليشده على حقويه، ولا يشتمل اشتمال اليهود)) . قال الأثرم في هذا الحديث: ليس كل احد يرفعه، وقد روي عن النبي ﷺ من وجوه خلافه - يشير إلى الالتحاف والاتشاح بالثوب، كما تقدم. وإن صح حديث ابن عمر فهو محمول على ما إذا لم يرده على عطفيه، فإن ذلك هو السدل المكروه، وبذلك فسر السدل الإمام أحمد وأبو عبيد وغيرهما من الأئمة. وممن كره السدل في الصلاة: علي، وابن مسعود، قال أحمد: صح عن علي أنه كرهه، وجعله من فعل اليهود، واختلفوا فيه عن ابن عمر. وفي كراهته أحاديث مرفوعة في أسانيدها مقال. وعن أحمد، أنه لا يكره، إلا إذا لم يكن تحته قميص. وكان الحسن وابن سيرين يسدلان على قميصهما، ورخص النخعي في السدل على القميص، وكرهه على الإزار، وحكي نحوه عن أحمد. وفسر آخرون السدل بما ذكرنا، وزادوا: أن يكون مسبلا تحت

стр. 888

الكعبين، وهذا هو المروي عن الشافعي، وهو الذي ذكره أكثر أصحابه، وبعض أصحابنا، وقاله الخطابي وغيره، وجعلوا حكمه حكم إسبال الإزار تحت الكعبين: أن كان خيلاء حرم ذلك، وإن لم يكن خيلاء ففيه الاختلاف المشهور. والصحيح: أن ذلك ليس بشرط في السدل، وان الاختلاف في كراهة السدل إذا لم يعطف أحد طرفي ثوبه على الآخر وإن لم يكن مسبلا. والله أعلم. قال يزيد بن أبي حكيم: رايت سفيان الثوري يصلي مرخيا رداءه في الأرض، قد اشتمله وكشف عن بطنه وصدره، غير أنه زر طرفي الثوب، ممسكا عليها عند موضع الأزرة، فسأله: أسدل هذا؟ قال: لا، حتى يرخيه ولا يمسكه. وكذلك روى إسحاق بن منصور، أنه رأى أحمد يصلي سادلا، وطرفا ثوبه بيده، فإذا قام من الركوع خلى عنهما.

стр. 889

٥ - باب إذا صلى في الثوب الواحد فليجعل على عاتقيه خرج فيه حديثين: أحدهما: قال:

стр. 890

٣٥٩ - ثنا أبو عاصم، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد، ليس على عاتقه شيء)) . هكذا الرواية: ((لا يصلي)) بالياء، فيكون إخبارا عن الحكم الشرعي، أو إخبارا يراد به النهي، كما قيل مثله في قول الله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة:٢٣٣] . والثاني: قال:

стр. 891

٣٦٠ - ثنا أبو نعيم: ثنا شيبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، سمعته - أو كنت سألته - قال: سمعت أبا هريرة يقول: أشهد أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من صلى في ثوب واحد فليخالف بين طرفيه)) .

стр. 892

في هذه الرواية تصريح يحيى بن أبي كثير بالسماع لهذا من عكرمة، فزال بذلك ما كان يخشى من تدليسه، والتصريح بسماع عكرمة له من أبي هريرة. والحديث الأول: نهي لمن صلى في ثوب واحد أن يجرد عاتقيه، والثاني: أمر لمن صلى في ثوب واحد أن يخالف بين طرفية ويضعهما على عاتقيه. وقد اجمع العلماء على استحباب ذلك وأنه الأفضل، بل كرهوا للمصلي أن يجرد عاتقيه في الصلاة. قال النخعي: كان الرجل من أصحاب النبي ﷺ إذا لم يجد رداء يصلي فيه وضع على عاتقيه عقالا ثم صلى. وقال النخعي - أيضا -: كانوا يكرهون إعراء المناكب في الصلاة. خرجهما ابن أبي شيبة في ((كتابه)) . وقد سبق قول ابن عمر - وروي عنه مرفوعا -: ((إذا صلى أحدكم فليلبس ثوبه؛ فإن الله أحق أن يتزين له)) . وفي رواية عنه: ((إذا صلى أحدكم فليتزر وليرتد)) . ولو صلى مكشوف المنكبين، فقال أكثر الفقهاء: لا إعادة عليه، وحكي رواية عن أحمد. وقال أبو جعفر محمد بن علي: عليه الإعادة لارتكابه النهي.

стр. 893

والمشهور من مذهب أحمد: أنه أن صلى الفريضة كذلك أعاد، وفي إعادة النفل عنه روايتان. وقد قيل: أن الشافعي نص على وجوبه في الصلاة، وحكى بعض المالكية عن أبي الفرج من أصحابهم: أن ستر جميع الجسد في الصلاة لازم، وفي صحة هذا نظر. ونص أحمد على أنه لو ستر احد منكبيه وأعرى الآخر صحت صلاته؛ لأنه لم يرتكب النهي، فإن النهي هو إعراء عاتقيه، ولم يوجد ذلك. وقال القاضي أبو يعلي: يجب ستر جميع منكبيه كالعورة. وقال في موضع: يجزئ ستر بعضهما، ولا يجب سترهما بما لا يصف البشرة، كالعورة. ولأصحابنا وجه: أنه يجزئ أن يضع على عاتقيه ولو حبلا أو خيطا وان لم يستره به. ولهم وجه آخر: أنه كان ذلك يسمى لباسا أجزأه، وإلا فلا. وقد سبق أن من ألصحابه من كان يضع على عاتقيه عقالا ثم يصلي. وقال النخعي: تقليد السيف في الصلاة بمنزلة الرداء. وكان سعيد بن جبير يفعله. وعن الحسن قال: السيوف أردية الغزاة. وروي عن عمر بن عبد العزيز، أنه صلى بالناس في قوس ليس عليه رداء غيرهما. وروى أبو نعيم الفضل بن دكين: ثنا مندل، عن الأحوص بن

стр. 894

حكيم، عن مكحول، قال: صلى رسول الله ﷺ بالناس في قوس. وقال النخعي: كان يكره القوس. وقال الثوري: القوس والسيف بمنزلة الرداء. وعن الأوزاعي نحوه.

стр. 895

٦ - باب إذا كان الثوب ضيقاً فيه حديثان: أحدهما:

стр. 896

٣٦١ - ثنا يحيى بن صالح: ثنا فليح بن سليمان، عن سعيد بن الحارث، قال: سألنا جابر بن عبد الله عن الصلاة في الثوب الواحد؟ فَقَالَ: خرجت مَعَ رَسُول الله فِي بعض أسفاره، فجئت ليلة لبعض أمري فوجدته يصلي، وعلي ثوب واحد فاشتملت بِهِ وصليت إلى جانبه فلما انصرف قَالَ: ((مَا السرى يَا جابر؟)) فأخبرته بحاجتي، فلما فرغت قال: ((ما هذا الاشتمال الذي رايت؟)) قلت: كان ثوب - يعني: ضاق - قال: ((فإن كان واسعا فالتحف به، وإن كان ضيقا فاتزر به)) . قوله: ((ما السرى يا جابر)) يدل على أن هذا السير كان فِي آخر الليل، وهو السرى، وفهم النبي ﷺ من جابر أنه جاء في ذلك الوقت لحاجة له، ولذلك قال له ذلك. وأما إنكاره عليه الاشتمال بالثوب الواحد، فقال الخطابي: الاشتمال الذي أنكره أن يدير الثوب على بدنه كله، لا يخرج منه يده.

стр. 897

قلت: قد خرج هذا الحديث مسلم وأبو داود وغيرهما بسياق يدل على بطلان هذا التفسير، من رواية عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، عن جابر، فذكر حديثا طويلا، وفيه: قال: كنت مع النبي ﷺ في غزاة، فقام يصلي، وكانت علي بردة ذهبت أخالف بين طرفيها، فلم يبلغ لي، وكانت لها ذباذب فنكستها، ثم خالفت بين طرفيها، ثم تواقصت عليها لا تسقط، ثم جئت حتى قمت عن يسار رسول الله ﷺ ، فأخذ بيدي فأدارني حتى أقامني عن يمينه، فجاء جبار بن صخر فقام عن يساره، فأخذنا بيديه جميعا حتى أقامنا خلفه. قال: وجعل رسول الله ﷺ يرمقني وأنا لا أشعر، ثم فطنت به، فأشار إلي أن أتزر بها فلما فرغ رسول الله ﷺ قال: ((يا جابر)) قلت: لبيك يا رسول الله، قال: ((إذا كان واسعا فخالف بين طرفيه، وإذا كان ضيقا فاشدده على حقوك)) . فهذا السياق يدل على أن بردة جابر كانت ضيقة، لا تتسع للاتزار بها والارتداء، ولذلك تواقص عليها لئلا تسقط. قال الخطابي في ((المعالم)) : معناه: أنه ثنى عنقه ليمسك الثوب به، كأنه يحكي خلقة الأوقص من الناس - يعني: مائل العنق. وقد استدل بهذا الحديث من قال: أن الصلاة بإزار واحد مع إعراء المنكبين صحيحة؛ فإن النبي ﷺ أمر جابرا أن يتزر ويصلي لما عجز عن ستر عورته ومنكبيه بالبردة التي عليه لضيقها. وممن استدل بذلك الشافعي وأصحابه ومن وافقهم.

стр. 898

وقد روى شرحبيل بن سعد، عَن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا ما اتسع الثوب فتعاطف به على منكبيك ثم صل وإذا ضاق عن ذلك فشد به حقويك، ثم صل على غير رداء)) . خرجه الإمام أحمد، وشرحبيل هذا مختلف في أمره. وأجاب أصحابنا عن ذلك من وجهين: أحدهما: ما أجاب به أبو بكر الأثرم: أن ذلك محمول على حالة العجز عن ستر المنكبين، والنهي عن إعرائهما إنما يكون للقادر على سترهما. وهذا - أيضا - قول إسحاق، قال: أن أعرى منكبيه في الصلاة من ضرورة فجائز -: نقله عنه حرب. والثاني: أن حديث جابر هذا محمول على صلاة النافلة، وحديث أبي هريرة محمول على صلاة الفرض، وهذا جواب أبي بكر عبد العزيز بن جعفر. ويشهد له: أن في رواية البخاري أن ذلك كان ليلا؛ وقوله: ((ما السرى يا جابر؟)) يدل على أنه كان من أخر الليل، فيحتمل أن تكون تلك صلاة الليل، أو صلاة الوتر. والله أعلم. وقال حنبل: قيل لأبي عبد الله - يعني: أحمد -: الرجل يكون عليه الثوب اللطيف لا يبلغ أن يعقده، ترى أن يتزر به ويصلي؟ قال: لا أرى ذلك مجزئا عنه، وأن كان الثوب لطيفا صلى قاعدا وعقده من ورائه، على ما فعل أصحاب النبي ﷺ في الثوب الواحد. وهذه رواية مشكلة جدا، ولم يروها عن أحمد غير حنبل، وهو

стр. 899

ثقة إلا أنه يهم أحيانا، وقد اختلف متقدمو الأصحاب فيما تفرد به حنبل عن أحمد: هل تثبت به رواية عنه أم لا؟ ولكن اعتمد الأصحاب على هذه الرواية، ثم اختلفوا في معناها: فقال القاضي أبو يعلى ومن اتبعه: من وجد ما يستر به منكبيه أو عورته ولا يكفي إلا أحدهما فإنه يستر عورته، ويصلي جالسا؛ لأن الجلوس بدل عن القيام، ويحصل به ستر العورة، فيستر بالثوب اللطيف منكبيه حيث لم يكن له بدل. وقال طائفة من أصحابنا: إذا كان الثوب يستر منكبيه وعجيزته سترهما، وصلى قاعدا لحصول ستر المنكبين وستر العورة، فإن لم يحوهما اتزر به، وصلى قائما. وهؤلاء، منهم: من اعتبر ستر عجزه خاصة، فيكون قبله مستترا بالجلوس. وهذا إنما يصح على قولنا: أن العورة الفرجان خاصة، فأما على المذهب المشهور: أن العورة ما بين السرة والركبة فقد حصل كشف معظم العورة، وستر ذلك آكد من ستر المنكبين.

стр. 900

ومنهم: من اعتبر ستر جميع عورته مع المنكبين، فأسقط القيام لذلك، وهو ظاهر كلام ابن أبي موسى، وهو اقرب. وقياس المذهب: أنه لا يلزمه ذلك في هذه الحال، بل يخير بينه وبين ستر عورته وحدها وصلاته قائما، كما يخير العاري بين أن يصلي قاعدا مراعاة لستر بعض عورته بالجلوس وبين أن يصلي قائما مراعاة لركن القيام. ولأصحابنا وجه آخر: أنه يلزمه أن يستر عورته ويصلي قائما كقول جمهور العلماء، ورجحه صاحب ((المغني)) ؛ لأن القيام وستر العورة واجبان بالإجماع، بخلاف ستر المنكبين. وعليه يدل: حديث جابر المخرج في هذا الباب، وحديث سهل بن سعد كما سيأتي - أن شاء الله تعالى -، وإليه أشار أحمد في رواية حنبل بقوله: ((وعقده من ورائه على ما فعل أصحاب النبي ﷺ )) ، لكن حديث سهل ليس فيه أنهم كانوا يصلون جلوسا. وقول الأثرم وإسحاق بن راهويه: أنه يفرق في ستر المنكبين بين القادر والعاجز، فيجب مع القدرة ويسقط عند العجز أشبه الأقاويل في المسألة، وعليه يدل تبويب البخاري. والله أعلم. الحديث الثاني:

стр. 901

٣٦٢ - حدثنا مسدد، ثنا يحيى، عن سفيان: ثنا أبو حازم سلمة

стр. 902

بن دينار، عن سهل، قال: كان رجال يصلون مع النبي ﷺ عاقدي أزرهم على أعناقهم كهيئة الصبيان. وقال للنساء: ((لا ترفعن رءوسكن حتى يستوي الرجال جلوسا)) . في هذا الحديث من الفقه: أن الإزار الضيق يعقد على القفا إذا أمكن ليحصل به ستر بعض المنكبين مع العورة، ولهذا استدل به الإمام أحمد في رواية حنبل كما سبق. وفيه: أن صفوف النساء كانت خلف الرجال. وفيه: أن من انكشف من عورته يسير في صلاة لم تبطل صلاته. وقد استدل بذلك طائفة من الفقهاء، وتوقف فيه الإمام أحمد، وقال: ليس هو بالبين. يشير إلى أنه لم يذكر فيه انكشاف العورة حقيقة، إنما فيه خشية ذلك؛ وإنما ذكر حديث عمرو بن سلمة الجرمي أنه كان يصلي بقومه في بردة له صغيرة فكان إذا سجد تقلصت عنه فيبدو بعض عورته حتى قالت عجوز من ورائه: ألا تغطون عنا است قارئكم. وقد خرجه البخاري في موضع آخر من ((كتابه)) هذا.

стр. 903

ومذهب أحمد: أنه إذا انكشفت العورة كلها أو كثير منها، ثم سترها في زمن يسير لم تبطل الصلاة؛ وكذلك أن انكشفت منها شيء يسير، وهو ما لا يستفحش في النظر ولو طال زمنه، وإن كان كثيرا وطالت مدة انكشافه بطلت الصلاة. وكذا قال الثوري: لو انكشفت عورته في صلاته لم يعد - ومراده: إذا عاد سترها في الحال. ومذهب الشافعي: أنه يعيد الصلاة بانكشافها بكل حال، وعن أحمد ما يدل عليه. وعن أبي حنيفة وأصحابه: أن انكشف من المغلظة دون قدر الدرهم فلا إعادة، ومن المخففة أن انكشف دون ربعها فكذلك، ويعيد فيما زاد على ذلك. ولا فرق بين العمد والسهو في ذلك عند الأكثرين. وقال إسحاق: أن لم يعلم بذلك إلا بعد انقضاء صلاته لم يعد. وهو الصحيح عند أصحاب مالك - أيضا. وحكي عن طائفة من المالكية: أن من صلى عاريا فإنه يعيد في الوقت ولا يعيده بعده. وقالوا: ليس ستر العورة من فرائض الصلاة كالوضوء، بل هو سنة. والمنصوص عن مالك: أن الحرة إذا صلت بادية الشعر أو الصدر أو ظهور القدمين أعادت في الوقت خاصة.

стр. 904

٧ - باب الصلاة في الجبة الشامية وقال الحسن في ثياب تنسجها المجوس: لم ير بها بأسا. وقال معمر: رأيت الزهري يلبس من ثياب اليمن ما صبغ بالبول. وصلى علي ﵁ في ثوب غير مقصور. المقصود بهذا الباب: جواز الصلاة في الثياب التي ينسجها الكفار، وسواء نسجوها في بلادهم وجلبت منها، أو نسجت في بلاد المسلمين. روى أبو إسحاق الفزاري، عن زائدة ومخلد، عن هشام، عن الحسن، أنه قال في الثياب التي تنسجها المجوس فيؤتى بها قبل أن تغسل: لا بأس بالصلاة فيها. وروى سعيد بن منصور: ثنا حماد بن زيد، عن مطر الوراق، عن الحسن، أنه كان لا يرى بأسا أن يصلي في السابري والدستوائي ونحو ذلك قبل أن تغسل. وروى وكيع في ((كتابه)) عن الربيع بن صبيح، عن الحسن، قال: لا بأس مما يعمل المجوس من الثياب.

стр. 905

وعن علي بن صالح، عن عطاء أبي محمد، قال: رايت على علي قميصا من هذه الكرابيس، لبيسا غير غسيل. ورواه عبد الله بن الإمام أحمد في ((كتاب العلل)) : ثنا أبي: ثنا محمد بن ربيعة: ثنا علي بن صالح: حدثني عطاء أبو محمد قال: رأيت عليا اشترى ثوبا سنبلانيا فلبسه، ولم يغسله، وصلى فيه. وروى أبو بكر الخلال بإسناده، عن ابن سيرين، قال: ذكر عند عمر الثياب اليمانية، أنها تصبغ بالبول؟ فقال: نهانا الله عن التعمق والتكلف. وروى الإمام أحمد، عن هشيم، عن يونس، عن الحسن، أن عمر بن الخطاب أراد أن ينهى عن حلل الحبرة؛ لأنها تصبغ بالبول، فقال له أبي: ليس ذاك لك، قد لبسهن النبي ﷺ ، ولبسناهن في عهده. وروى ابن أبي عاصم في ((كتاب اللباس)) من طريق محمد بن عبيد الله العرزمي - وفيه ضعف - عن عبد الملك بن عمير، عن قبيصة بن جابر، قال: خطب عمر الناس، فقال: أنه بلغني أن هذه البرود اليمانية التي تلبسونها تصبغ بالبول؛ بول العجائز العتق، فلو نهينا الناس عنها؟ فقام عبد الرحمان بن عوف، فقال: يا أمير المؤمنين، أتنطلق إلى شيء لبسه رسول الله ﷺ وأصحابه فتحرمه؟! إنها تغسل بالماء، فكف عُمَر عَن ذَلِكَ. وقد روي عَن الْحَسَن أنه كَانَ إذا سئل عَن البرود إذا صبغت بالبول،

стр. 906

فهل ترى بلبسها بأسا؟ حدث بحديث عمر مع أبي بن كعب كما تقدم. وقال حنبل: كان أبو عبد الله - يعني: أحمد - يصبغ له يهودي جبة فليبسها، ولا يحدث فيها حدثا من غسل ولا غيره. فقلت له، فقال: ولم تسأل عما لا تعلم؟! لم يزل الناس منذ أدركناهم لا ينكرون ذلك. قال حنبل: وسئل أبو عبد الله عن يهود يصبغون بالبول؟ فقال: المسلم والكافر في هذا سواء، ولا تسال عن هذا ولا تبحث عنه وقال: إذا علمت أنه لا محالة يصبغ من البول وصح عندك فلا تصل فيه حتى تغسله. وقال يعقوب بن بختان: سئل أحمد عن الثواب يصبغه اليهودي؟ قال: ويستطيع غير هذا؟! - كأنه لم ير به بأسا. وقال المروذي: سمعت أبا عبد الله يسأل عن الثوب يعمله اليهودي والنصراني، تصلي فيه؟ قال: نعم، القصار يقصر الثياب، ونحن نصلي فيها. وكل هذا يدل على أن ما صنعه الكفار من الثياب فإنه يجوز الصلاة فيه من غير غسل، ما لم تحقق فيه نجاسة، ولا يكتفى في ذلك بمجرد القول فيه حتى يصح، وأنه لا ينبغي البحث عن ذلك والسؤال عنه. وحكى ابن المنذر هذا القول عن مالك والشافعي وأحمد وأصحاب الرأي، فلم يحك عن احد فيه خلافا، وهو قول الثوري وإسحاق -: نقله عنه حرب. ومن أصحابنا من قال لا نعلم في هذا خلافا. ومنهم من نفى

стр. 907

الخلاف فيه في المذهب. ومن الأصحاب من حكى فيه خلافا عن أحمد. ونقل أبو داود أن أحمد سئل عن الثوب النسيج يصلى فيه قبل أن يغسل؟ قال: نعم، إلا أن ينسجه مشرك أو مجوسي. وقال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ: قرأت على أبي عَبْد الله - يعني: أحمد -: ابن أبي عدي، عن ابن عون، قال: كان محمد بن سيرين يختار إذا اخذ الثوب من النساج أن لا يلبسه حتى يغسله. قال أبو عبد الله: إليه اذهب. أو قال: أحب إلي أن لا يصلي فيه حتى يغسله. وحمل أبو بكر عبد العزيز بن جعفر هذه الرواية على أن الثوب نسجه مشرك وثني أو مجوسي، كما رواه أبو داود، فإن كان كتابيا صلى فيه بغير غسل، على ما رواه المروذي. قال: وإن صلى فيما نسجه وثني أو مجوسي من غير غسل فلا يتبين لي الإعادة؛ لأن الأصل طهارته. وقال ابن أبي موسى: اختلف قول أحمد في الثوب ينسجه يهودي أو نصراني: هل يصلي فيه مسلم قبل أن يغسله أم لا؟ على روايتين، فأما الثوب الذي ينسجه مجوسي فلا يصلى فيه حتى يغسل قولا واحدا. وهذا كله فيما ينسجه الكفار من الثياب، ولم يلبسوه،

стр. 908

فأما ما لبسوه من ثيابهم، فاختلف العلماء في الصلاة فيه قبل غسله: فمنهم: من رخص في ذلك. قال الحسن: لا بأس بالصلاة في رداء اليهودي والنصراني وهو قول الثوري، وأبي حنيفة، ورواية عن أحمد. قال الثوري: وغسلها أحب إلي. ومنهم: من كره ذلك، من غير تحريم، وهو قول الشافعي، ورواية عن أحمد. وكره أبو حنيفة وأصحابه ما ولي عوراتهم، كالإزار والسراويل. وقال الشافعي: أنا لذلك أشد كراهة. وقالت طائفة: لا يصلى في شيء من ثيابهم حتى يغسل، وهو قول إسحاق، وحكي رواية عن أحمد، وهو قول مالك - أيضا -، وقال: إذا صلى فيه يعيد ما دام في الوقت. وفرقت طائفة بين من تباح ذبيحته ومن لا تباح: قال أحمد - في رواية حنبل - في الصلاة في ثوب اليهودي والنصراني: إذا لم يجد غيره غسله وصلى فيه، وثوب المجوسي لا يصلى فيه، فإن غسله وبالغ في غسله فأرجو؛ هؤلاء لا يجتنبون البول، واليهود والنصارى كأنهم اقرب إلى الطهارة من المجوس. وفرقت طائفة بين ما يلي عوراتهم وما لا يلي العورات: قال أحمد - في رواية حنبل -: لا بأس بالصلاة في ثوب اليهودي والنصراني، إلا ما يلي جلده، فأما إذا كان فوق ثيابه فلا بأس به. وقال عَبْد الله بن أحمد: سمعت أبي قال: كل ثوب يلبسه يهودي أو

стр. 909

نصراني أو مجوسي إذا كان مثل الإزار والسراويل فلا يعجبني أن يصلى فيه؛ وذلك أنهم لا يتنزهون من البول. ونقل بكر بن محمد، عن أبيه، عن أحمد، فيمن صلى في سراويل يهودي أو نصراني أو مجوسي: أحب إلي أن يعيد صلاته كلها. ونقل حرب، عن أحمد، قال: لا يصلى في شيء من ثياب أهل الكتاب التي تلي جلده: القميص والسراويل وغير ذلك. قال ابن أبي موسى: لا تستعمل ثياب المجوسي حتى تغسل، ولا ما سفل من ثياب أهل الكتاب كالسراويل، وما لصق بأبدانهم حتى يغسل. والمسألة: ترجع إلى قاعدة تعارض الأصل والظاهر، فالأصل الطهارة، والظاهر أنه لا يسلم من النجاسة، وقد يقوى ذلك الظاهر في حق من لا تباح ذبائحه؛ فإن ذبائحهم ميتة، وما ولي عوراتهم؛ فإن سلامته من النجاسة بعيد جدا، خصوصا في حق من يتدين بالنجاسة. خرج البخاري في هذا الباب:

стр. 910

٣٦٣ - حديث: الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن مغيرة بن شعبة، قال كنت مع النبي ﷺ في سفر، فقال: ((يا مغيرة، خذ الإداوة)) ، فأخذتها، فانطلق رسول الله ﷺ حتى توارى عني فقضى حاجته وعليه جبة شامية، فذهب ليخرج يده من كمها فضاقت، فأخرج يده من أسفلها، فصببت عليه فتوضأ وضوءه للصلاة، ومسح على خفيه، ثم صلى.

стр. 911

وقد سبق هذا الحديث في ((كتاب الطهارة)) من وجوه أخر عن المغيرة، وخرجه في ((كتاب اللباس)) من طريق الشعبي، عن عروة بن المغيرة، عن أبيه، وفي حديثه: ((وعليه جبة من صوف)) . وفيه من الفقه: جواز الصلاة فيما يجلب من بلاد المشركين من ثيابهم. وجواز الصلاة في الصوف، وجواز الوضوء فيما هو ضيق الكمين وإن لم يتمكن من إخراج يديه منه عند الوضوء، إذا أخرج يديه من أسفله. وخرج الإمام أحمد، وأبو داود، من حديث علي بن زيد بن جدعان، عن أنس، أن ملك الروم أهدى للنبي ﷺ مستقة من سندس، فلبسها. وعلي بن زيد، مختلف في أمره، وليس بالحافظ جدا. قال الأصمعي: المساتق: فراء طوال الأكمام، واحدتها: مستقة. والمستقة: بفتح القاف. وتضم - أيضا. قال الخطابي: يشبه أن تكون هذه المستقة مكففة بالسندس؛ لأن نفس الفرو لا يكون سندسا. قلت: بل الظاهر أن غشاء الفرو كان حريرا، ويدل عليه: ما رواه سالم بن نوح، عن عمر بن عامر، عن قتادة، عن أنس: أن أكيدر دومة أهدى إلى رسول الله ﷺ جبة سندس، فلبسها

стр. 912

رسول الله ﷺ ، فعجب الناس منها، ثم أهداها إلى عمر، فقال: يا رسول الله، تكرهها وألبسها؟ قال: ((يا عمر إنما أرسلت بها إليك لتبعث بها وجها فتصيب بها مالا)) . وذلك قبل أن ينهى عن الحرير. وخرجه البزار وغيره، وخرجه مسلم مختصرا. وهذا - والله أعلم - هو فروج الحرير الذي قال عقبة بن عامر: أهدي لرسول الله ﷺ فروج حرير فلبسه، ثم صلى فيه ثم انصرف فنزعه نزعا شديدا، كالكاره له، ثم قال: ((لا ينبغي هذا للمتقين)) . وقد خرجه البخاري في موضع آخر. وخرج مسلم من حديث أبي الزبير، عن جابر، قال: لبس النبي ﷺ يوما قباء من ديباج أهدي له، ثم أوشك أن نزعه، ثم أرسل به إلى عمر - وذكر بقية الحديث.

стр. 913

٨ - باب كراهية التعري في الصلاة وغيرها

стр. 914

٣٦٤ - حدثنا مطر بن الفضل: ثنا روح: ثنا زكريا بن إسحاق: ثنا عمرو بن دينار، قال: سمعت جابر بن عبد الله يحدث، أن رسول الله ﷺ كان ينقل معهم الحجارة للكعبة وعليه إزاره، فقال له العباس عمه: يا بن أخي، لو حللت إزارك فجعلته على منكبيك دون الحجارة. قال: فحله، فجعله على منكبيه، فسقط مغشيا عليه، فما رئي بعد ذلك عريانا. هذا الإسناد مصرح فيه بالسماع من أوله إلى آخره، وقد قيل: أنه من مراسيل الصحابة؛ فإن جابرا لم يحضر هذه القصة، وإنما سمعها من غيره، إما من النبي ﷺ أو من بعض أكابر أصحابه، فإن كان سمع ذلك من النبي ﷺ فهو متصل. وقد اختلفوا في قول الصحابي: ((أن النبي ﷺ فعل كذا)) ، هل يحمل على الاتصال، أم لا؟ والتحقيق: أنه أن حكى قصة أدركها بسنه، ويمكن أن يكون شهدها حملت على الاتصال، وإن حكى ما لم يدرك زمنه فهو مرسل لذلك. والله أعلم. وبناء الكعبة حين نقل النبي ﷺ مع قريش الحجارة لم يدركه جابر، فإن ذلك كان قبل البعثة بمدة، وقد قيل: أن عمر النبي ﷺ كان حينئذ

стр. 915

خمس عشرة سنة. قال معمر، عن الزهري: كان ذلك حين بلغ النبي ﷺ الحلم. وأما سقوطه مغشيا عليه، فقيل: من شدة حيائه ﷺ من تعريه؛ فإنه كان مجبولا على أجمل الأخلاق وأكملها منذ نشأ، ومن أعظمها شدة الحياء. وقيل: بل كان لا مر شاهده وراءه، أو لنداء سمعه عن التعري. وقد خرج البخاري هذا الحديث في ((باب: بنيان الكعبة)) من ((كتاب: بدء الخلق)) من طريق ابن جريج، عن عمرو بن دينار، وفيه: قال. فخر إلى الأرض، وطمحت عيناه إلى السماء، ثم أفاق، فقال: ((إزاري، إزاري)) ، فشد عليه إزاره. وقد روى الأزرقي في ((كتاب: أخبار مكة)) . ثنا جدي: ثنا مسلم بن خالد، عن ابن أبي نجيح، عن أبيه، قال: جلس رجال من قريش في المسجد الحرام، فيهم حويطب بن عبد العزى ومخرمة بن نوفل، فتذاكروا بنيان قريش الكعبة - فذكر حديثا طويلا في ذلك -، وفيه: فنقلوا الحجارة، ورسول الله ﷺ يومئذ غلام لم ينزل عليه الوحي، ينقل معهم الحجارة على رقبته، فبينا هو ينقلها إذ انكشف نمرة كانت عليه، فنودي: يا محمد، عورتك، وذلك أول ما نودي - والله
следующие страницы →