Полный текст (211 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
الطَّبْعَةُ الأُولَى
١٤٣٩/ -٢٠١٧
جمَيِعُ الحُقُوقِ مَحفُوظَةٌ للمُؤَلِّفِ
مُؤسَّسَةُ العِلْمِ الشَّرِيفِ - المملكة المتحدة
стр. 2
الفِهْرِسُ الْعَامُ
مُقَدِّمَةُ الكِتَابِ ٧
القِسْمُ الأَوَّلُ: مَنْ هُوَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ٢١
القِسْمُ الثَّانِي: الجَسَدُ الشَّرِيفُ ٢٩
القِسْمُ الثَّالِثُ: مَظَاهِرُ الزِّينَةِ ٦٥
القِسْمُ الرَّابِعُ: خِزَانَةُ المَلَابِسِ ٧٧
القِسْمُ الخَامِسُ: القِيَادَةُ وَالدَّعْوَةُ ٨٩
القِسْمُ السَّادِسُ: الطَعَامُ وَالشَّرَابُ ١٠٣
القِسْمُ السَّابِعُ: أَسَالِيبُ الكَلَامِ ١٢١
القِسْمُ الثَّامِنُ: العِبَادَةُ ١٣١
القِسْمُ التَّاسِعُ: مَظَاهِرُ الكَمَالِ ١٤٣
القِسْمُ العَاشِرُ: المُعَامَلَاتُ ١٧١
القِسْمُ الحَادِي عَشَرَ: الرَّحِيلُ ١٩١
القِسْمُ الثَّانِي عَشَرَ: المُبَشِّرَاتُ ٢٠٣
أَسَانِيدُ المُؤَلِّفِ ٢٠٩
الإِجَازَةُ بِرِوَايِةِ الكِتَابِ ٢٣٥
الفِهْرِسُ المُفَصَّلُ لِأَبْوَابِ الكِتَابِ ٢٣٧
стр. 3
مُقَدِّمَةُ الكِتَاب
اللهم يَا رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ كَمَا يَنْبَغِي لِجَلَالِ وَجْهِكَ وَلِعَظِيمِ سُلْطَانِكَ، سُبْحَانَكَ لَا نُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلى نَفْسِكَ، عَزَّ جَارُكَ، وَجلَّ ثَنَاؤُكَ، وَلَا إلهَ غَيْرُكَ، وَلَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ، وَلَكَ العُتْبَى حَتَّى تَرْضَى، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيم. الحَمْدُ لِلّاهِ بِجَمِيعِ مَحَامِدِهِ كُلِّهَا مَا عَلِمْنَا مِنْهَا وَمَا
لَمْ نَعْلَمْ، عَلَى جَمِيعِ نِعَمِهِ كُلِّهَا مَا عَلِمْنَا مِنْهَا وَمَا لَمْ نَعْلَمْ، عَدَدَ خَلَائِقِهِ كُلِّهِمْ مَا عَلِمْنَا مِنْهُمْ وَمَا لَمْ نَعْلَمْ.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ المَلِكُ الحَقُّ المُبِينُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ المُصْطَفَى، وَرَسُولُهُ المُجْتَبَى، وَحَبِيبُهُ المُرْتَضَى، خاتَِمُ النَّبِيِّينَ، وَإِمَامُ المُرْسَلِينَ، وَقَائِدُ الغُرِّ المُحَجَّلِينَ، الصَّادِقُ الوَعْدِ الأَمِينُ.
هُوَ السَّاجِدُ الرَّاكِعُ، الخَاشِعُ الخَاضِعُ، الحَلِيمُ المُتَوَاضِعُ، سَيِّدُ السَّادَاتِ، وَأَصْلُ البَرَكَاتِ وَمَنْبَعُ الخَيْرَاتِ. رُضَابُهُ أَحْلَى مِنَ الشَّهْدِ، وَخَدُّهُ أَبْهَى مِنَ الوَرْدِ، وَعَرَقُهُ أَطْيَبَ مِنَ النَّدِّ. شَعَرُهُ كَشُذُورِ الذَّهَبِ، وَمِشْيَتُهُ كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ مِنْ صَبَبٍ. الرَّوْضُ الزَّاهِرُ، وَالبَحْرُ الزَّاخِرُ، الَّذِي جَمَعَ مَحَاسِنَ الأَوَائِلِ وَالأَوَاخِرِ، صَاحِبُ الأَخْلَاقِ العَظِيمَةِ، وَالشَّمَائِلِ الحَمِيدَةِ، وَالخَصَائِصِ الفَرِيدَةِ.
اللهم إنَّا نَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّكَ وَرَسُولَكَ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا قَدْ بَلَّغَ الرِّسَالَةَ، وَأَدَّى الأَمَانَةَ،
стр. 4
وَنَصَحَ الأُمَّةَ، وتَرَكَنَا مِنْ بَعْدِهِ عَلَى بَيْضَاءَ نَقِيَّةٍ لَا يَزِيغُ عَنْهَا إِلَّا هَالِك. اللهم فَصَلِّ وَسَلِّمْ مِنَّا عَلَيْهِ أَفْضَلَ الصَّلَاةِ وَأَزْكَى السَّلَامِ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ، وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ جَعَلَ نَبِيَّهُ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ قُدْوَةً لِلنَّاسِ فَقَالَ : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [سُورَةُ الأَحْزَابِ: ٢١]. وَأَوْجَبَ اللهُ عَلَيْنَا طَاعَتَهُ، وَجَعَلَ اتِّبَاعَهُ دَلِيلًا عَلَى صِدْقِ مَحَبَّتِنَا لَهُ سُبْحَانَهُ، وَشَرْطًا لَا بُدَّ مِنْهُ لِلْفَوْزِ بِمَحَبَّتِهِ لَنَا وَمَغْفِرَةِ ذُنُوبِنَا فَقَالَ : ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٣١)﴾ [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: ٣١].
وَلَمَّا جَعَلَ اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ ﷺ قُدْوَةً لِلنَّاسِ فِي أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ وَأَحْوَالِهِ، فَإِنَّهُ عَصَمَهُ مِنِ ارْتِكَابِ الذُّنُوبِ وَالمَعَاصِي، وَوَقَاهُ مِنَ الوُقُوعِ فِي الخَطَأِ وَالزَّلَلِ، وَطَهَّرَهُ مِنْ فِعْلِ مَا فِيهِ عَيْبٌ أَوْ خَلَلٌ، وَجَعَلَ خَلْقَهُ وَخُلُقَهُ، وَنَعْتَهُ وحِلْيَتَهُ، وَأَعْمَالَهُ وَأَقْوَالَهُ جَمِيعًا فِي أَعْلَى مَرَاتِبِ الجَمَالِ، وَأَقْصَى غَايَاتِ الكَمَالِ.
وَقَدْ تَفَنَّنَ الصَّحَابَةُ فِي وَصْفِ ذَلِكَ الجَمَالِ البَدِيعِ، وَاجْتَهَدُوا فِي الكَشْفِ عَنْ مَظَاهِرِ ذَلِكَ الكَمَالِ الرَّفِيعِ، فَاجْتَمَعَتْ مِنْ ذَلِكَ أَحَادِيثُ الشَّمَائِلِ النَّبَوِيَّةِ، وَهِيَ جُزْءٌ لَا يَتَجَزَّأُ مِنَ كتب السُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ وَمصنفات الحَدِيثِ الشَّرِيفِ. إِذِ
стр. 5
السُّنَّةُ عِنْدَ عُلَمَاءِ الحَدِيثِ هِيَ: مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ وَصْفٍ أَوْ تَقْرِيرٍ.
وَمَعَ كَثْرَةِ التَّآلِيفِ فِي مَوْضُوعِ الشَّمَائِلِ النَّبَوِيَّةِ بَيْنَ مُخْتَصَرٍ وَمُطَوَّلٍ، وَقَدِيمٍ وَحَدِيثٍ، فَإِنَّ المَكْتَبَةَ الإِسْلَامِيَّةَ لَا تَزَالُ تَحْتَاجُ إِلَى كِتَابٍ سَهْلٍ مُيَسَّرٍ عَلَى نَمَطِ كِتَابِ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ. إِذِ الكَلَامُ فِي كُلِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللهُ تَعَالَى لَهُ حُدُودٌ، لكنَّ الكَلَامَ فِي وَصْفِ النَّبِيِّ ﵊ غَيْرُ مَحْدُودٍ. وَلِكُلِّ كَلَامٍ بِدَايَةٌ وَنِهَايَةٌ، إِلَّا وَصْفَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَيْسَ لَهُ أَمَدٌ وَلَا غَايَةٌ.
وَكَيْفَ نَصِفُ خُلُقًا جَعَلَهُ اللهُ تَعَالَى عَظِيمًا، وَسَمَّاهُ رَؤُوفًا رَحِيمًا! أَمْ كَيْفَ نُنْصِفُ رَحْمَةً جَعَلَهَا اللهُ تَعَالَى عَامَّةً لِلْعَالَمِينَ!
وَأَنَّى لَنَا أَنْ نُدْرِكَ حَقَّهُ عَلَيْنَا وَقَدْ جَعَلَهُ اللهُ تَعَالَى أَوْلَى بِنَا مِنْ أَنْفُسِنَا!
نَبِيٌّ أُنْزِلَ القُرْآنُ عَلَيْهِ، وَحَنَّ الجِذْعُ إِلَيْهِ، وَتَفَجَّرَ المَاءُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ.
نَبِيٌّ انْشَقَّ لَهُ القَمَرُ، وَسَعَى إِلَيْهِ الشَّجَرُ، وَسَبَّحَ فِي كَفِّهِ الحَجَرُ.
نَبِيٌّ أَمْرُهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ، وَطَاعَتُهُ طَاعَةٌ لِلّاهِ، وَبَيْعَتُهُ بَيْعَةٌ لِلّاهِ.
نَبِيٌّ مَا ضَلَّ وَمَا غَوَى، وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى.
نَبِيٌّ سَمَّاهُ اللهُ نُورًا، وَجَعَلَهُ سِرَاجًا مُنِيرًا.
نَبِيٌّ أَخَذَ اللهُ لَهُ مِنَ الأَنْبِيَاءِ المِيثَاقَ، وَعَرَجَ بِهِ فَوْقَ السَّبْعِ الطِّبَاقِ.
стр. 6
نَبِيٌّ جَعَلَهُ اللهُ تَعَالَى مَلْجَأً لِلْخَلَائِقِ يَومَ الدِّينِ، وَخَصَّهُ بِالشَّفَاعَةِ العُظْمَى مِنْ بَيْنِ جَمِيعِ المُرْسَلِينَ.
نَبِيٌّ كَانَ أَطْهَرَ النَّاسِ نَسَبًا، وَأَكْرَمَهُمْ مَعْدِنًا، وأَطْيَبَهُمْ أَصْلًا، وَأَعْظَمَهُمْ أَدَبًا.
نَبِيٌّ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ، وَرَفَعَ ذِكْرَهُ، وَأَعْلَى قَدْرَهُ.
نَبِيٌّ كَانَ أَبْهَى مِنَ الشَّمْسِ، وَأَحْلَى مِنَ القَمَرِ.
نَبِيٌّ كَانَتْ يَدُهُ شِفَاءً، وَرِيقُهُ دَوَاءً.
نَبِيٌّ كَانَ أَعْلَمَ الخَلْقِ بِاللهِ، وَأَخْشَاهُمْ وَأَتْقَاهُمْ لِمَوْلَاهُ.
نَبِيٌّ يُصَلِّي عَلَيْهُ اللهُ تَعَالَى وَمَلَائِكَتُهُ بِلَا انْقِطَاعٍ، وَتُبَلِّغُهُ المَلَائِكَةُ سَلَامَ النَّاسِ عَلَيْهِ فِي كُلِّ طَرْفَةِ عَيْنٍ مِنْ جَمِيعِ الأَصْقَاعِ.
نَبِيٌّ أَقْسَمَ اللهُ تَعَالَى بِأَنَّ الآخِرَةَ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الأُولَى، وَأَنَّ لَهُ أَنَّ رَبَّهُ سَوْفَ يُعْطِيهِ إِلَى أَنْ يَرْضَى.
نَبِيٌّ أَكْمَلَ اللهُ لَهُ الدِّينَ، وَأَتَمَّ عَلَيْهِ النِّعْمَةَ، وَجَعَلَ أَتْبَاعَهُ خَيْرَ أُمَّةٍ.
نَبِيٌّ اصْطَفَاهُ اللهُ تَعَالَى وَاجْتَبَاهُ، وَعَصَمَهُ وَطَهَّرَهُ وَآوَاهُ، وَأَيَّدَهُ وَكَفَاهُ، وَنَصَرَهُ فِي كُلِّ مَوطِنٍ وَكَانَ مَوْلَاهُ.
كَيْفَ لَا، وَهُوَ صَاحِبُ المَقَامِ المَحْمُودِ، وَاللِّوَاءِ المَعْقُودِ، وَالحَوْضِ المَوْرُودِ.
стр. 7
كَيْفَ لَا، وَهُوَ أَجَلُّ الأَنْبِيَاءِ قَدْرًا، وَأَعْظَمُهُمْ شَرَفًا وَمَجْدًا وَفَخْرًا
كَيْفَ لَا، وَهُوَ مَعْدِنُ الأَنْوَارِ، وَمَنْبَعُ الأَسْرَارِ، وَسَيِّدُ الأَبْرَارِ.
كَيْفَ لَا، وَهُوَ أَشْرَفُ العِبَادِ، وَأَفْضَلُ العُبَّادِ.
كَيْفَ لَا، وَهُوَ حَبِيبُ اللهِ، وَسَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَمُشَفَّعٍ، وَأَوَّلُ مَنْ يَقْرَعُ بَابَ الجَنَّةِ.
وَقَدْ قُلْتُ فِي مَدْحِهِ ﵊:
لَيْسَ لِلْعَينِ دُونَ رُؤْيَاكَ مَضْجَعْ ... لا وَلِلْقَلْبِ قَبْلَ لُقْيَاكَ مَرْبَعْ
يَا حَبِيبًا لَهُ الفَضَائِلُ دَانَتْ ... أَنْتَ مِنْ كُلِّ مَا بَرَا اللهُ أَرْفَعْ
يَا مَلِيكَ الجَمَالِ يَا مَنْ عَلى عَرْ ... شِ الكَمَالِ ارْتَقَى الذُّرَى وَتَرَبَّعْ
قَدْ مَلَكْتَ القُلُوبَ فَاحْكُمْ بِمَا شِئْـ ... ـتَ فَكُلُّ الوَرَى لَكَ يَخْضَعْ
أَنْتَ أَوْلَى بِالمُؤْمِنِينَ مِنَ الأَنْـ ... ـفُسِ بَلْ أَنْتَ حَاكِمٌ لَيْسَ يُدْفَعْ
أَنْتَ أَهْدَى لِلْحَقِّ أَزْكَى وَأَنْقَى ... أَنْتَ أَتْقَى لِلّاهِ دَوْمًا وَأَخْشَعْ
أَنْتَ أَوْفَى لِلْخَلْقِ أَسْنَى وَأَسْمَى ... أَنْتَ أَقْوَى وَفِي المَعَامِعِ أَشْجَعْ
أَنْتَ أَحْيَى مِنَ العَذارَى احْتِشَامًا ... أَنْتَ أَنْدَى يَدًا وَأَسْخى وَأَوْرَعْ
أَنْتَ أَبْهَى مِنَ البُدُورِ وَأَحْلَى ... أَنْتَ لِلْحُسْنِ وَالمَلاحَةِ مَنْبَعْ
أنْتَ بَابُ الهُدَى وَأَصْلُ المَزَايَا ... أَنْتَ لِلْفَضْلِ وَالمَفَاخِرِ مَجْمَعْ
يَا حَبِيبِي عَطْفًا عَليَّ فَإِنِّي ... لَيْسَ لي مِنْ سِوَاكَ يَا جَدُّ مَقْنَعْ
стр. 8
أفَيُلَامُ المُسْلِمُونَ إِنْ تَعَلَّقُوا بِجَنَابِهِ، أَوْ هَامُوا فِيهِ وَاشْتَاقُوا إِلَى رُؤْيَةِ أَنْوَارِهِ! وَقَدْ قَالَ الرَّسُولُ الأَعْظَمُ سَيِّدُنا مُحَمَّدٌ ﷺ فِيمَا أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ سَيِّدِنَا أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ».
فَازْدَدْ لِلنَّبِيِّ ﷺ حُبًّا تَزْدَدْ مِنَ اللهِ تَعَالَى قُرْبًا، وَأَكْثِرْ مِنْ ذِكْرِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ ﷺ فَإِنَّ ذِكْرَهُ ذِكْرٌ لِلّاهِ ، وَصَلِّ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ، وَهِمْ فِي جَمَالِهِ وَتَوَلَّهْ فِي كَمَالِهِ، وَتَتَبَّعْ مَا شِئْتَ مِنْ أَوْصَافِهِ وَأَحْوَالِهِ. وَأَصْبِحْ وَأَمْسِ عَلَى الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ، وَنَمْ وَقُمْ وَأَنْتَ مُشْتَاقٌ إِلَيْهِ، لِتَكُونَ أَيُّهَا الأَخُ المُحِبُّ الصَّادِقُ مِمَّنْ وَصَفَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ فِي الحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ عَنْ سَيِّدِنَا أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: «مِنْ أَشَدِّ أُمَّتِي لِي حُبًّا نَاسٌ يَكُونُونَ بَعْدِي، يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ رَأَىنِي بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ».
وَقَدْ يَبْدُو لِكَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ أَنَّ الِاقْتِدَاءَ بِالنَّبِيِّ ﵊ صَارَ أَمْرًا عَسِيرًا فِي هَذَا الزَّمَانِ، فَقَدِ اجْتَاحَتْ بِلَادَ المُسْلِمِينَ ثَقَافَاتٌ غَرِيبَةٌ حَلَّتْ مَحَلَّ كَثِيرٍ مِنَ السُّنَنِ، وَفُتِنَ النَّاسُ بِلُغَةِ المُنْتَصِرِ، وَشُغِفُوا بثَقَافَتِهِ، وَتَعَلَّقُوا بعَادَاتِهِ، وَأَعْرَضُوا عَنْ سُنَنٍ حَمِيدَةٍ، وَأَدَارُوا ظُهُورَهُمْ لِأَخْلَاقٍ مَجِيدَةٍ، حَتَّى صَارَتِ السُّنَنُ النَّبَوِيَّةُ غَرِيبَةً، يُنْكِرُ بَعْضُ النَّاسِ عَلَى فَاعِلِهَا، وَقَدْ يَسْتَهْزِئُونَ بِالمُتَحَلِّي بِهَا، أَوْ صَارَتْ وَصْمَةً يُوصَمُ المُتَمَسِّكُ بِهَا بِالتَّطَرُّفِ، أَوْ يُوصَفُ
стр. 9
بِالتَّأَخُّرِ، كَإِطْلَاقِ اللِّحْيَةِ، وَلَعْقِ الأَصَابِعِ، وَلُبْسِ الإِزَارِ، وَاسْتِعْمَالِ السِّوَاكِ. وَكَثُرَتِ الفِتَنُ، وَتَشَعَّبَتِ الآرَاءُ، وَانْتَشَرَ الضَّلَالُ، وَعَمَّ الفَسَادُ، وَكَادَ يَصِيرُ الصَّوَابُ خَطَأً وَالخَطَأُ صَوَابًا.
وَلَكِنَّ النَّبِيَّ ﵊، بِمَا آتَاهُ اللهُ تَعَالَى مِنْ عِلْمٍ بِمَا سَيَكُونُ، وَاطِّلَاعٍ عَلَى مَا سَيَؤُولُ إِلَيْهِ حَالُ المُسْلِمِينَ مِنْ بَعْدِهِ، أَخْبَرَ عَنْ مِثْلِ هَذَا الزَّمَانِ الذي نحنُ فِيه، وَبَيَّنَ ثَوَابَ المُتَمَسِّكِينَ بِالسُّنَةِ فِيهِ، فَقَالَ ﷺ فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالبَزَّارُ عَنْ سَيِّدِنَا عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁: «إِنَّ مِنْ وَرَاءِكُمْ زَمَانَ صَبْرٍ، لِلْمُتَمَسِّكِ فِيهِ أَجْرُ خَمْسِينَ شَهِيدًا. فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللّاهِ، مِنَّا أَوْ مِنْهُمْ؟ قَالَ: مِنْكُمْ».
مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَضَعْتُ هَذَا الكِتَابَ فِي شَمَائِلِ النَّبِيِّ ﵊، وَجَمَعْتُ فِيهِ خَمْسَمِائَةِ حَدِيثٍ نَبَوِيٍّ شَرِيفٍ فِي صِفَةِ خَلْقِ النَّبِيِّ ﷺ وَخُلُقِهِ، وَمَا يَتَّصِلُ بِذَلِكَ مِنْ أَحْوَالِهِ مَعَ اللهِ تَعَالَى فِي العِبَادَةِ، وَمَعَ النَّاسِ فِي الدَّعْوَةِ، وَمَعَ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ، وَالكِبَارِ وَالصِّغَارِ، وَالمَرْضَى وَالأَصِحَّاءِ، وَالأَصْحَابِ وَالأَعْدَاءِ، فِي الحَضَرِ وَالسَّفَرِ، وَالحِلِّ وَالتَّرْحَالِ، وَالسِّلْمِ وَالحَرْبِ، وَالبَيْتِ وَالمَسْجِدِ، وَالسُّوقِ وَالطَّرِيقِ.
وَلَمْ أَقْصِدْ فِي هَذَا الكِتَابِ حَصْرَ جَمِيعِ أَحَادِيثِ الشَّمَائِلِ، إِذْ تَبْلُغُ بِلَا مُبَالَغَةٍ نَحْوَ عَشَرَةِ آلَافِ حَدِيثٍ، وَلَكِنِّي أَرَدْتُ بَيَانَ أُمَّهَاتِ الصِّفَاتِ النَّبَوِيَّةِ، وَتَقْدِيمَ
стр. 10
أَبْرَزِ الأَخْلَاقِ المُحَمَّدِيَّةِ، فَاخْتَرْتُ أَصَحَّ الأَحَادِيثِ فِي كُلِّ بَابٍ، تَيْسِيرًا عَلَى القَارِئِ المُتَعَطِّشِ لِمَعْرِفَةِ دَقَائِقِ الشَّمَائِلِ النَّبَوِيَّةِ الحَمِيدَةِ، وَلَطَائِفِ الخِصَالِ المُحَمَّدِيَّةِ الفَرِيدَةِ. وَقَلِيلٌ يَنْتَفِعُ بِهِ القَارِئُ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ يَنْقَطِعُ عَنْ قِرَاءَتِهِ، عَلَى أَنَّ هَذَا القَلِيلَ الَّذِي جَمَعْتُهُ قَدْ لَا يُقَالُ لَهُ قَلِيلٌ. فَإِنَّ كُلَّ قَطْرَةٍ مِنْ بِحَارِ الحَبِيبِ المُصْطَفَى ﷺ دُرَّةٌ، وَكُلُّ ذَرَّةٍ مِنْ أَنْوَارِهِ مَجَرَّةٌ.
وَنَظَمْتُ سِلْكَ هَذِهِ الأَحَادِيثِ فِي اثْنَيْ عَشَرَ قِسْمًا تَجْمَعُ مِائَةً وَخَمْسَةً وَسَبْعِينَ بَابًا، فَابْتَدَأْتُ بِالتَّعْرِيفِ بِالنَّبِيِّ ﷺ مَنْ هُوَ، مُبَيِّنًا اصْطِفَاءَ اللهِ تَعَالَى لَهُ مِنَ الأَزَلِ، وَسَرَدْتُ نَسَبَهُ الشَّرِيفَ وَأَشَرْتُ إِلَى بَعْضِ أَسْمَائِهِ. وَانْتَقَلْتُ إِلَى وَصْفِ الجَسَدِ الشَّرِيفِ، ثُمَّ إِلَى مَظَاهِرِ الزِّينَةِ وَالمَلَابِسِ وَأَحْوَالِهِ فِي القِيَادَةِ وَالدَّعْوَةِ، وَطَعَامِهِ وَشَرَابِهِ وَكَلَامِهِ وَعِبَادَتِهِ. وَجَمَعْتُ أَخْلَاقَ النَّبِيِّ ﷺ في قِسْمٍ عُنْوَانُهُ: مَظَاهِرُ الكَمَالِ، وَأَحْوَالَهُ مَعَ النَّاسِ في قِسْمٍ سَمَّيْتُهُ المُعَامَلَاتِ، ثُمَّ ذَكَرْتُ قِسْمَ الرَّحِيلِ، وَخَتَمْتُ بِقِسْمِ المُبَشِّرَاتِ.
وَقَدِ اقْتَصَرْتُ عَلَى أَهَمِّ المُخَرِّجِينَ لِلْحَدِيثِ، لِكَيْ لَا أُثْقِلَ الكِتابَ بِمَا يَصُدُّ القَارِئَ عَنْ قِرَاءَتِهِ أَوْ يَصْرِفُهُ عَنْ قَصْدِهِ. إِذْ إِنَّ مَلْءَ الحَوَاشِي بِالتَّخْرِيجَاتِ وَدِرَاسَةِ الأَسَانِيدِ بَابٌ آخَرُ مِنَ العِلْمِ، هُوَ بِطَلَبَةِ عُلُومِ الحَدِيثِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ أَوْلَى. وَلَنَا بِالإِمَامِ النَّوَوِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي رِيَاضِ الصَّالِحِينَ أُسْوَةٌ. وَالقَارِئُ يُرِيدُ خُلَاصَةَ الحُكْمِ، وَزُبْدَةَ الكَلَامِ، وَهَذَا مَا وَفَّقَنِي اللهُ تَعَالَى إِلَى
стр. 11
تَقْدِيمِهِ. فَإِذَا كَانَ الحَدِيثُ فِي أَحَدِ الصَّحِيحَيْنِ لَمْ أَتَجَاوَزْهُمَا. ثُمَّ إِذَا كَانَ فِي أَحَدِ الكُتُبِ السِّتَّةِ اقْتَصَرْتُ فِي التَّخْرِيجِ عَلَيْهَا غالِبًا إِلَّا لِفَائِدَةٍ فِي لَفْظِ الحَدِيثِ، وَأُشِيرُ إِلَى دَرَجَتِهِ بِاخْتِصَارٍ، وَقَدْ أَنْقُلُ فِي الحَوَاشِي خُلَاصَةَ الحُكْمِ عَلَيْهِ عَنْ بَعْضِ الحُفَّاظِ. وَتَحَرَّيْتُ فِي اخْتِيَارِ الأَحَادِيثِ، فَلَمْ أُدْرِجْ فِي هَذَا الكِتَابِ حَدِيثًا مَوْضُوعًا، وَلَا حَدِيثًا ذَكَرَ فِيهِ الحُفَّاظُ أَنَّهُ شَدِيدُ الضَّعْفِ لَا يَصْلُحُ لِلِاسْتِدْلَالِ.
وَأَدْرَجْتُ فِي بِدَايَاتِ بَعْضِ الأَبْوَابِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالمَوْضُوعِ مِنْ آيَاتِ القُرْآنِ الكَرِيمِ، فَإِنَّ كَلَامَ اللهِ تَعَالَى بِلَا شَكٍّ هُوَ أَعْظَمُ مَصْدَرٍ مِنْ مَصَادِرِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَخَيْرُ دَلِيلٍ إِلَى مَعْرِفَةِ عَظِيمِ قَدْرِ النَّبِيِّ ﷺ . وَشَرَحْتُ الأَلْفَاظَ الغَرِيبَةَ بِأَوْجَزِ عِبَارَةٍ، لِكَيْ لَا يَخْرُجَ الكِتَابُ عَنِ المَقْصُودِ، وَهُوَ نَقْلُ القَارِئِ الكَرِيمِ إِلَى رُوحِ النَّصِّ، لِيَسِيرَ مَعَهُ فِي وَصْفِ الأَحْدَاثِ وَالمَشَاهِدِ، وَيَتَمَثَّلَ الصُّوَرَ وَيَشْهَدَ المَعَالِمَ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجِدَ أَيَّ عَقَبَةٍ تَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ.
وَعِلْمُ الشَّمَائِلِ النَّبَوِيَّةِ خَاصٌّ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِوَصْفِ النَّبِيِّ ﷺ حِسًّا وَمَعْنًى، أَيْ وَصْفِ جَسَدِهِ الشَّرِيفِ، وَوَصْفِ أَخْلَاقِهِ، أَوْ بَيَانِ أَوْجُهِ جَمَالِهِ وَكَمَالِهِ. وَهُوَ بِذَلِكَ عِلْمٌ مُتَمَيِّزٌ عَنْ عُلُومِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ الأُخْرَى، وَهِيَ مُتَعَدِّدَةٌ، أَهَمُّهَا: المَغَازِي، وَالسِّيرَةُ، وَالمُعْجِزَاتُ، وَالخَصَائِصُ، وَالحُقُوقُ.
وَمِنَ المُصَنَّفَاتِ فِي المَغَازِي كِتَابُ المَغَازِي لِمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ القُرَشِيِّ (-١٤١)،
стр. 12
وَكِتَابُ المَغَازِي لِمُحَمَدِ بْنِ عُمَرَ الوَاقِدِيِّ (١٣٠ - ٢٠٧).
وَفِي السِّيرَةِ: كِتَابُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ المَدَنِيِّ (٨٥ - ١٥١) وَقَدْ هَذَّبَهُ أبو محمد عَبْدُ المَلِكِ بْنِ هِشَامٍ الحِمْيَرِيُّ (-٢١٨).
وَفِي المُعْجِزَاتِ: كِتَابُ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ لِلْحَافِظِ أَبِي نُعَيمٍ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ الأَصْبَهَانِيِّ (٣٣٦ - ٤٣٠)، وَكِتَابُ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ لِلْإِمَامِ أَبِي بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنِ الحُسَيْنِ البَيْهَقِيِّ (٣٨٤ - ٤٥٨).
وَفِي الخَصَائِصِ: كِتَابُ الخَصَائِصِ الكُبْرَى المُسمَّى كِفايةَ الطالب اللبيب في خصائص الحبيب ﷺ لِلْحَافِظِ جَلَالِ الدِّينِ عَبْدِ الرَّحْمَانِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيِّ (٨٤٩ - ٩١١).
وَفِي الحُقُوقِ الوَاجِبَةِ لَهُ ﷺ : كِتَابُ الشِّفَا بِتَعْرِيفِ حُقُوقِ المُصْطَفَى ﷺ لِلْقَاضِي أَبِي الفَضْلِ عِيَاضِ بْنِ مُوسَى اليَحْصَبِيِّ (٤٧٦ - ٥٤٤).
وَتَفَرَّعَتْ عَنِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ عُلُومٌ أُخْرَى اشْتَغَلَ العُلَمَاءُ بِهَا، مِنْهَا: الأَسْمَاءُ النَّبَوِيَّةُ، وَالنَّسَبُ النَّبَوِيُّ، وَالمَوْلِدُ النَّبَوِيُّ، وَالوَثَائِقُ النَّبَوِيَّةُ، وَالمَدَائِحُ
النَّبَوِيَّةُ، وَفَضَائِلُ النَّبِيِّ ﷺ ، وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ .
وَلَمْ يُوجَدْ شَخْصٌ فِي تَارِيخِ البَشَرِ وُصِفَ لَنَا بِدِقَّةٍ، وَنُقِلَتْ لَنَا أَخْبَارُهُ وَأَحْوَالُهُ بِالتَّفْصِيلِ كَمَا وُصِفَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ . وَالكُتُبُ المُتَعَلِّقَةُ بِالنَّبِيِّ ﷺ مِمَّا أُلِّفَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا فِي عُلُومِ الحَدِيثِ الشَّرِيفِ وَالسِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ رُبَّمَا
стр. 13
تَزِيدُ عَلَى مِائَةِ أَلْفِ كِتَابٍ، فَكَيْفَ إِذَا جُمِعَتِ المُصَنَّفَاتُ فِي سَائِرِ اللُّغَاتِ.
وَأَشْهَرُ مَنْ صَنَّفَ فِي عِلْمِ الشَّمَائِلِ النَّبَوِيَّةِ الإِمَامُ الحَافِظُ أَبُو عِيسَى مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ سَوْرَةَ التِّرْمِذِيُّ (٢٠٩ - ٢٧٩). وَقَدْ اعْتَنَى العُلَمَاءُ بِرِوَايَةِ كِتَابهِ وَسَمَاعِهِ، فَقُرِئَ وَدُرِسَ، وَمَرَّتْ قُرُونٌ وَلَمْ يَنْدَرِسْ، وَأُلِّفَ عَلَيْهِ كُلُّ شَرْحٍ نَفِيسٍ، وَعُقِدَتْ لَهُ مَجَالِسُ السَّمَاعِ وَالتَّدْرِيسِ. وَقَدْ أَكْرَمَنَا اللهُ تَعَالَى بِإِقْرَائِهِ دِرَايَةً مَعَ الشَّرْحِ خَمْسَ مَرَّاتٍ، وَرِوَايَةً مَعَ الضَّبْطِ نَحْوَ عِشْرِينَ مَرَّةً.
وَقَدْ تَلَمَّسْتُ خِلَالَ تَدْرِيسِهِ حَاجَةَ النَّاسِ إِلَى كِتَابٍ جَدِيدٍ سَهْلٍ لَا يَحْتَاجُ إِلَى أُسْتَاذٍ. فَكِتَابُ الإِمَامِ التِّرْمِذِيِّ كِتَابٌ جَلِيلُ القَدْرِ، لَكِنَّهُ وُضِعَ لِلْعُلَمَاءِ وَالطَّلَبَةِ، وَلَا يَتِمُّ الِانْتِفَاعُ بِهِ إِلَّا إِذَا تَمَّتْ دِرَاسَتُهُ عَلَى الشُّيُوخِ، أَوْ قُرِئَ مَعَ شَرْحٍ. وَمَا كُلُّ قَارِئٍ يَجِدُ الوَقْتَ لِذَلِكَ. وَمِنْ هُنَا نَشَأَتْ فِكْرَةُ وَضْعِ كِتَابٍ جَدِيدٍ، فَإِنَّ أَشَدَّ مَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ الأُمَّةُ فِي هَذَا العَصْرِ هُوَ مَعْرِفَةُ أخْلاقِ النَّبِيِّ ﷺ وَشَمَائِلِهِ، فَهِيَ مِفْتَاحُ المَحَبَّةِ وَالشَّوْقِ وَالتَّعْظِيمِ وَالِاقْتِدَاءِ.
وَلَعَلَّ أَوْسَعَ كِتَابٍ أَلَّفَهُ الأَقْدَمُونَ فِي شَمَائِلِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا اطَّلَعْتُ عَلَيْهِ هُوَ كِتَابُ الأَنْوَارِ فِي شَمَائِلِ النَّبِيِّ المُخْتَارِ ﷺ تَأْلِيفُ الإِمَامِ رُكْنِ الدِّينِ مُحْيِي السُّنَّةِ الحُسَيْنِ بْنِ مَسْعُودٍ البَغَوِيِّ الفَرَّاءِ المُتَوَفَّى سَنَةَ ٥١٦ هِجْرِيَّةً، فَقَدَ حَوَى ١٢٥٧ حَدِيثًا. وَقَدْ عَلَّقَ عَلَيْهِ العَلَّامَةُ الوَالِدُ الشَّيْخُ إِبْرَاهِيمُ اليَعْقُوبِيُّ ﵀ وَخَرَّجَ أَحَادِيثَهُ، وَقَرَأْتُهُ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ خِلَالَ تَصْحِيحِ تَجَارِبِ الطَّبْعِ، وَتُوُفِّيَ
стр. 14
رَحِمَهُ اللهُ قَبْلَ صُدُورِهِ، فَأَعْدَدْتُ فَهَارِسَهُ وَقَدَّمْتُ لَهُ، وَقَرَأْتُهُ خِلَالَ ذَلِكَ عِدَّةَ مَرَّاتٍ. وَقَدْ نَشَرَتْهُ دَارُ الضِّيَاءِ بِدِمَشْقَ سَنَةَ ١٤٠٩ وَأَعَادَتْ نَشْرَهُ دَارُ المَكْتَبِيِّ بِدِمَشْقَ أَيْضًا سَنَةَ ١٤٢٠.
وَصَدَرَتْ مُنْذُ ذَلِكَ الوَقْتِ عِدَّةُ مُصَنَّفَاتٍ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ وَالشَّمَائِلِ وَالفَضَائِلِ وَالدَّلَائِلِ كَانَتْ حَبِيسَةَ خَزَائِنِ المَخْطُوطَاتِ، مِمَّا أَتَاحَ لِلْمُشْتَغِلِينَ بِهَذِهِ العُلُومِ الِاطِّلَاعَ عَلَى كُنُوزٍ مِنَ المُصَنَّفَاتِ فِي الجَنَابِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ. وَقَدِ اسْتَفَدْنَا مِنْ مُعْظَمِ هَذِهِ المُصَنَّفَاتِ عِنْدَ جَمْعِ هَذَا الكِتَابِ.
وَمِنْ فَضْلِ اللهِ تَعَالَى عَلَيْنَا أَنَّهُ أَكْرَمَنَا حَالَ الصِّبَا وَالشَّبَابِ بِتَحَمُّلِ الحَدِيثِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ عَنِ العُلَمَاءِ الثِّقَاتِ بِطُرُقِ السَّمَاعِ وَالعَرْضِ وَالإِجَازَةِ رِوَايَةً وَدِرَايَةً. وَقَدِ اتَّصَلَتْ أَسَانِيدُنَا بِمَشَاهِيرِ الحُفَّاظِ بِطُرُقٍ مَتِينَةٍ عَالِيَةٍ. فَقَدْ قَرَأْتُ مُعْظَمَ الكُتُبِ السِّتَّةِ وَالمُوَطَّأَ بِرِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى اللَّيْثِيِّ وَرِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ الشَّيْبَانِيِّ وَالشَّمَائِلَ لِلتِّرْمِذِيِّ وَغَيْرَهَا مِنْ كُتُبِ السُّنَّةِ المُشَرَّفَةِ عَلَى وَالِدِي عَلَّامِةِ الشَّامِ الشَّيْخِ إِبْرَاهِيمَ اليَعْقُوبِيِّ (١٣٤٣ - ١٤٠٦). وَأَجَازَنِي رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى مِرَارًا إِجَازَةً عَامَّةً بِالرِّوَايَةِ، وَإِجَازَةً خَاصَّةً بِالدِّرَايَةِ وَالأَهْلِيَّةِ لِلتَّدْرِيسِ وَالإِفْتَاءِ، وَهِيَ الإِجَازَةُ المُعْتَبَرَةُ الَّتِي عَلَيْهَا المُعَوَّلُ، فَإِنَّ الإِجَازَةَ بِالرِّوَايَةِ لَيْسَتْ شَهَادَةً بِالأَهْلِيَّةِ، وَكَمْ رَأَيْنَا مِنَ المُنْتَسِبِينَ لِلْعِلْمِ فِي هَذَا العَصْرِ مِمَّنْ يَتَفَاخَرُ بِرِوَايَةِ الحَدِيثِ وَنَيْلِ الإِجَازَاتِ، ثُمَّ إِذَا قَرَأَ الحَدِيثَ لَحَنَ فِيهِ.
стр. 15
وَقَدْ أَجَازَنِي بِالرِّوَايَةِ سِوَى العَلَّامَةِ الوَالِدِ بِاسْتِجَازَتِهِ ﵀ لِي جَمْعٌ مِنْ كِبَارِ العُلَمَاءِ، مِنْ أَعْلَاهُمْ رُتْبَةً وَإِسْنَادًا: مُفْتِي المَالِكِيَّةِ فِي الشَّامِ السَّيِّدُ مُحَمَّدٌ المَكَّيُّ الكَتَّانِيُّ (١٣١٢ - ١٣٩٣) وَالعَلَّامَةُ الأَدِيبُ الشَّيْخُ زَيْنُ العَابِدِينَ الحُسَيْنِيُّ التُّوْنُسِيُّ (١٣٠٥ - ١٣٩٧) وَالشَّيْخُ مُحَمَّدٌ وَفَا القَصَّابُ (١٣٢٢ - ١٣٩٧) وَشَيْخُ قُرَّاءِ حِمْصَ وَأَمِينُ الفَتْوَى فِيهَا العَلَّامَةُ الشَّيْخُ عَبْدُ العَزِيزِ عُيُونُ السُّودِ (١٣٣٥ - ١٣٩٩) وَمُفْتِي الحَنَفِيَّةِ العَلَّامَةُ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ أَبُو اليُسْرِ عَابِدِينَ (١٣٠٧ - ١٤٠١) وَالمُسْنِدُ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ صَالِحٌ الخَطِيبُ (١٣١٣ - ١٤٠١) وَأَمِينُ الفَتْوَى فِي لُبْنَانَ الشَّيْخُ مُخْتَارٌ العَلَايِلِيُّ (١٣١٦ - ١٤٠٤) وَالمُعَمَّرُ الصَّالِحُ الشَّيْخُ عُمَرُ الحِمْصِيُّ (١٢٩٢ - ١٤٠٥) وَالعَلَّامَةُ المَشْهُورُ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ صَالِحٌ الفَرْفُورُ (-١٤٠٦) وَالعَارِفُ الشَّيْخُ عَلِيٌّ البُودِيْلِمِيُّ التِّلِمْسَانِيُّ (-١٤٠٨).
وَقَدْ بَسَطْتُ بَعْضَ أَسَانِيدِنَا إِلَى أَشْهَرِ الأَثْبَاتِ فِي ذَيْلِ هَذَا الكِتَابِ، لِيَعْرِفَ العُلَمَاءُ وَالطَّلَبَةُ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الرِّوَايَةَ عَنَّا طُرُقَ اتِّصَالِنَا بِالأَئِمَّةِ الأَعْلَامِ الَّذِينَ عَلَيْهِمْ مَدَارُ الإِسْنَادِ وَالرِّوَايَةِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي مُقَدِّمَةِ الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ المُبَارَكِ أَنَّهُ قَالَ: «الإِسْنَادُ مِنَ الدِّينِ وَلَوْلَا الإِسْنَادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ». وَيَقُولُ الإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: «هَذَا الحَدِيثُ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ». وَقَدْ خَتَمَ الإِمَامُ التِّرْمِذِيُّ كِتَابَهُ الشَّمَائِلَ بِهَذَا الحَدِيثِ، كَمَا أَخْرَجَهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي مُقَدِّمَةِ الصَّحِيحِ أَيْضًا.
стр. 16
وَإِذْ أَضَعُ هَذَا الكِتَابَ بَعْدَ أَنْ تَمَّ بَيْنَ أَيْدِي المُحِبِّينَ لِسَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَإِنِّي أَشْكُرُ اللهَ تَعَالَى عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيَّ مِنْ إِنْجَازِ هَذَا الكِتَابِ، وَأَشْكُرُ كُلَّ مَنْ سَاعَدَ عَلى تَنْضِيدِهِ وَتَصْحِيحِهِ وَطَبْعِهِ وَنَشْرِه. وأَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَتَكَرَّمَ عَلَيَّ بِقَبُولِه، وَأَنْ يَنْفَعَ بِهِ كُلَّ مَنْ قَرَأَهُ وَنَظَرَ فِيهِ وَدَرَّسَهُ، وَأَنْ يُعِينَنِي وَإِيَّاكَ أَيُّهَا القَارِئُ الكَرِيمُ عَلَى اتِّبَاعِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الأَقْوَالِ وَالأَفْعَالِ وَالأَحْوَالِ، وَأَنْ يُنْعِمَ عَلَيْنَا جَمِيعًا بِرُؤْيَتِهِ، وَأَنْ يَسْقِيَنَا جَمِيعًا مِنْ حَوْضِهِ الشَّرِيفِ شَرْبَةً هَنِيئَةً لَا نَظْمَأُ بَعْدَهَا أَبَدًا، وَأَنْ يَرْزُقَنَا شَفَاعَتَهُ وَمُرَافَقَتَهُ ﵊ فِي الفِرْدَوْسِ الأَعْلَى مِنَ الجَنَّةِ.
وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الحَمْدُ لِلّاهِ رَبِّ العَالَمِينَ. وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
وَكُتِبَ فِي الرِّبَاطِ لِأَرْبَعِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ شَهْرِ صَفَرِ الخَيْرِ سَنَةَ ١٤٣٩
المُؤَلِّفُ
مُحَمَّدٌ أَبُو الهُدَى اليَعْقُوبِيُّ
стр. 17
القِسْمُ الأَوَّلُ: مَنْ هُوَ رَسُولُ اللهِ ﷺ -
وفيه ثلاث أبواب
стр. 18
(١) بَابُ اصْطِفَاءِ النَّبِيِّ ﷺ -
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)﴾ [سُورَةُ البَقَرَةِ: ١٢٧ - ١٢٩].
وَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ (٨١)﴾ [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: ٨١].
وَقَالَ : ﴿وَإِذَا جَآءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَآ أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [سُورَةُ الأَنْعَامِ: ١٢٤].
وَقَالَ : ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَأَئٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨)﴾ [سُورَةُ الزُّخْرُفِ: ٢٦ - ٢٨].
стр. 19
١ - عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
٢ - عَنِ العَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: «يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ قُرَيْشًا جَلَسُوا فَتَذَاكَرُوا أَحْسَابَهُمْ بَيْنَهُمْ، فَجَعَلُوا مَثَلَكَ مَثَلَ نَخْلَةٍ في كُبْوَةٍ (١) مِنَ الأَرْضِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ اللهَ خَلَقَ الخَلْقَ فَجَعَلَنِي مِنْ خَيْرِهِمْ، مِنْ
خَيْرِ فِرَقِهِمْ، وخَيْرَ الفَريقَيْنِ، ثُمَّ تَخَيَّرَ القَبائِلَ فجَعَلَني مِنْ خَيْرِ قَبِيلَةٍ،
ثُمَّ تَخَيَّرَ البُيُوتَ فجَعَلَني مِن خَيْرِ بُيُوتِهِمْ، فَأَنَا خَيْرُهُمْ نَفْسًا وخَيْرُهُمْ بَيْتًا».
حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَحْمَدُ وَالبَزَّارُ.
٣ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «بُعِثْتُ مِنْ خَيْرِ قُرُونِ بَنِي آدَمَ قَرْنًا فَقَرْنًا، حَتَّى بُعِثْتُ مِنَ القَرْنِ الَّذِي كُنْتُ فِيهِ». أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ.
٤ - وَعَنْ قَتَادَةَ بْنِ دِعَامَةَ السَّدُوسِيِّ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ قَالَ: «التَّوْحِيدُ وَالإِخْلَاصُ، وَلَا يَزَالُ فِي ذُرِّيَّتِهِ مَنْ يُوَحِّدُ اللهَ وَيَعْبُدُهُ» (٢). حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ. стр. 20
٥ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَثَلِي وَمَثَلُ الأَنْبِيَاءِ كَمَثَلِ قَصْرٍ أُحْسِنَ بُنْيَانُهُ، تُرِكَ مِنْهُ مَوْضِعُ لَبِنَةٍ، فَطَافَ بِهِ النُّظَّارُ يَتَعَجَّبُونَ مِنْ حُسْنِ بُنْيَانِهِ إِلَّا مَوْضِعَ تِلْكَ اللَّبِنَةِ، لَا يَعِيبُونَ سِوَاهَا. فَكُنْتُ أَنَا سَدَدْتُ مَوْضِعَ تِلْكَ اللَّبِنَةِ، خُتِمَ بِيَ البُنْيَانُ، وَخُتِمَ بيَ الرُّسُلُ». أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
٦ - عَنِ العِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنِّي عِنْدَ اللهِ مَكْتُوبٌ خَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَإِنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ، وَسَأُحَدِّثُكُمْ بِأَوَّلِ أَمْرِي: دَعْوَةُ إِبْرَاهِيمَ، وَبِشَارَةُ عِيسَى، وَرُؤْيَا أُمِّي الَّتِي رَأَتْ حِينَ وَضَعَتْنِي، وَقَدْ خَرَجَ لَها نُورٌ أَضَاءَتْ لَها مِنْهُ قُصُورُ الشَّامِ». حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ والحَاكِمُ (١).
٧ - عَنْ مَيْسَرَةَ الفَجْرِ (٢) ﵁ قَالَ: قُلْتُ: «يَا رَسُولَ اللهِ، مَتَى كُتِبْتَ نَبِيًّا؟
قَالَ: وآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالجَسَدِ». حديث صحيح أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ والحَاكِمُ (٣).
(٢) بَابُ نَسَبِ النَّبِيِّ ﷺ -
٨ - رَسُولُ اللهِ ﷺ هُوَ سَيِّدُنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ
فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ стр. 21
مُضَرَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ. وَهَذَا نَسَبٌ مُتَوَاتِرٌ عِنْدَ أَهْلِ التَّارِيخِ وَالنَّسَبِ، لَا اخْتِلَافَ فِيهِ، وذَكَرَهُ البُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ.
٩ - عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵇ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «خَرَجْتُ مِنْ نِكَاحٍ وَلَمْ أَخْرُجْ مِنْ سِفَاحٍ، مِنْ لَدُنْ آدَمَ إِلَى أَنْ وَلَدَني أَبِي وَأُمِّي». حَدِيثٌ حَسَنٌ
أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي المُعْجَمِ الأَوْسَطِ.
١٠ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ أَبَا سُفْيانَ بْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ: «أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وكانُوا تُجَّارًا بِالشَّامِ، فِي المُدَّةِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَادَّ فِيهَا أَبَا سُفْيَانَ وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ. فَأَتَوْهُ وَهُمْ بِإِيْلِيَاءَ، فَدَعَاهُمْ فِي مَجْلِسِهِ وَحَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ، ثُمَّ دَعَاهُمْ وَدَعَا بِتَرْجُمَانِهِ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا بِهَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ: أَنَا أَقْرَبُهُمْ نَسَبًا. فَقَالَ: أَدْنُوهُ مِنِّي، وَقَرِّبُوا أَصْحَابَهُ فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ. ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُمْ: إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ، فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ. فَوَاللّاهِ لَوْلَا الحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَأْثُرُوا عَلَيَّ كَذِبًا لَكَذَبْتُ عَنْهُ. ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَنْ قَالَ: كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ؟ قُلْتُ: هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ (١)». وَذَكَرَ بقيةَ الحَدِيثَ. أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. стр. 22
١١ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «كُلُّ سَبَبٍ وَنَسَبٍ مُنْقَطِعٌ يَوْمَ القِيَامَةِ غَيْرَ سَبَبِي وَنَسَبِي». حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ (١).
(٣) بَابُ أَسْمَاءِ النَّبِيِّ ﷺ -
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَاءِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [سُورَةُ الصَّفِّ: ٦]. وقال : ﴿قَدْ جَآءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ﴾ [سُورَةُ المَائِدَةِ: ١٥]. وَقَالَ : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا (٤٦)﴾ [سُورَةُ الأَحْزَابِ: ٤٥ - ٤٦]. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (٢)﴾ [سُورَةُ مُحَمَّدٍ: ٢]. وَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١)﴾ [سُورَةُ المُزَّمِّلِ: ١]. وَقَالَ ﷻ : ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ [سُورَةُ المُدَّثِّرِ: ١] وقال: عَزَّ مِنْ قَائلٍ: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ (٢١)﴾ [سُورَةُ الغَاشِيَةِ: ٢١].
١٢ - عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ لِي أَسْمَاءً: أَنَا مُحَمَّدٌ، стр. 23
وَأَنَا أَحْمَدُ، وَأَنَا المَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللهُ بِيَ الكُفْرَ، وَأَنَا الحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي، وَأَنَا العَاقِبُ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ نَبِيٌّ». أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
١٣ - عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمَانِ ﵄ قَالَ: لَقِيتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي بَعْضِ طُرُقِ المَدِينَةِ فَقَالَ: «أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَنَا أَحْمَدُ، وَأَنَا نَبِيُّ الرَّحْمَةِ، وَنَبِيُّ التَّوْبَةِ، وَأَنَا المُقَفَّى، وَأَنَا الحَاشِرُ، وَنَبِيُّ المَلاحِمِ». حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ في الشَّمَائِلِ.
١٤ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ﵄: «أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ
إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ قَالَ: فِي التَّوْرَاةِ: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا
أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ. أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيْتُكَ المُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ وَلَا سَخَّابٍ فِي الأَسْوَاقِ، وَلَا يَدْفَعُ السَّيِّئَةَ بالسَّيِّئَةِ، ولَاكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ. وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ المِلَّةَ
العَوْجَاءَ بِأَنْ يَقُولُوا: لَا إِلَاهَ إِلَّا اللهُ، فَيَفْتَحُ بِهِ أَعْيُنًا عُمْيًا، وَآذَانًا صُمًّا، وَقُلُوبًا غُلْفًا». أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ.
стр. 24
القِسْمُ الثَّانِي: الجَسَدُ الشَّرِيفُ
стр. 25
(٤) بَابُ صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ -
١٥ - عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا مَرْبُوعًا، بَعِيدَ مَا بَيْنَ المَنْكِبَيْنِ، عَظِيمَ الجُمَّةِ (١) إِلَى شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ، عَلَيْهِ حُلَّةٌ (٢) حَمْرَاءُ، مَا رَأَيْتُ شَيْئًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ». أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
١٦ - عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵇ قَالَ: «لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ بِالطَّوِيلِ وَلَا بِالقَصِيرِ، شَثْنُ (٣) الكَفَّيْنِ وَالقَدَمَيْنِ، ضَخْمُ الرَّأْسِ، ضَخْمُ الكَرَادِيسِ (٤)، طَوِيلُ المَسْرُبَةِ (٥)، إِذَا مَشَى تَكَفَّأَ (٦) تَكَفُّؤًا كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ مِنْ صَبَبٍ (٧)، لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ مِثْلَهُ ﷺ ». حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ.
١٧ - عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ مِنْ وَلَدِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵇ قَالَ: كَانَ عَلِيٌّ إِذَا وَصَفَ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالطَّوِيلِ стр. 26
المُمَّغِطِ (١) وَلَا بِالقَصِيرِ المُتَرَدِّدِ (٢)، وَكَانَ رَبْعَةً مِنَ القَوْمِ، لَمْ يَكُنْ بِالجَعْدِ القَطَطِ (٣) وَلَا بِالسَّبْطِ، كَانَ جَعْدًا رَجِلًا. وَلَمْ يَكُنْ بِالمُطَهَّمِ (٤) وَلَا بِالمُكَلْثَمِ (٥)، وَكَانَ فِي وَجْهِهِ تَدْوِيرٌ. أَبْيَضُ مُشْرَبٌ (٦)، أَدْعَجُ (٧) العَيْنَيْنِ، أَهْدَبُ (٨) الأَشْفَارِ (٩)، جَلِيلُ المُشَاشِ (١٠) وَالكَتِدِ (١١)، أَجْرَدُ ذُو مَسْرُبَةٍ (١٢)، شَثْنُ (١٣) الكَفَّيْنِ وَالقَدَمَيْنِ.
إِذَا مَشَى كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ فِي صَبَبٍ (١٤)، وَإِذَا التَفَتَ التَفَتَ مَعًا. بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ، وَهُوَ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ. أَجْوَدُ النَّاسِ صَدْرًا، وَأَصْدَقُ النَّاسِ لَهْجَةً، وَأَلْيَنُهُمْ عَرِيكَةً، وَأَكْرَمُهُمْ عِشْرَةً، مَنْ رَآهُ بَدِيهَةً هَابَهُ، وَمَنْ خَالَطَهُ مَعْرِفَةً стр. 27
أَحَبَّهُ، يَقُولُ نَاعِتُهُ: لَمْ أَرَ قَبْلَهُ، وَلا بَعْدَهُ مِثْلَهُ ﷺ ».
أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ (١).
١٨ - عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵉ قَالَ: سَأَلْتُ خَالِي هِنْدَ بْنَ أَبِي هَالَةَ - وَكَانَ وَصَّافًا - عَنْ حِلْيَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَنَا أَشْتَهِي أَنْ يَصِفَ لِي مِنْهَا شَيْئًا أَتَعَلَّقُ بِهِ، فَقَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَخْمًا مُفَخَّمًا، يَتَلَأْلَأُ وَجْهُهُ تَلَأْلُؤَ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ، أَطْوَلُ مِنَ المَرْبُوعِ، وَأَقْصَرُ مِنَ المُشَذَّبِ (٢)، عَظِيمُ الهَامَةِ (٣)، رَجِلُ الشَّعْرِ (٤)، إِنِ انْفَرَقَتْ عَقِيقَتُهُ (٥) فَرَقَهَا، وَإِلَّا فَلَا يُجَاوِزُ شَعَرُهُ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ إِذَا هُوَ وَفَّرَهُ. أَزْهَرُ اللَّوْنِ، وَاسِعُ الجَبِينِ، أَزَجُّ (٦) الحَوَاجِبِ، سَوَابِغَ (٧) فِي غَيْرِ قَرَنٍ، بَيْنَهُمَا عِرْقٌ يُدِرُّهُ (٨) الغَضَبُ، أَقْنَى العِرْنِيْنِ (٩)، لَهُ نُورٌ يَعْلُوهُ يَحْسَبُهُ مَنْ لَمْ стр. 28
يَتَأَمَّلْهُ أَشَمَّ (١).، كَثُّ اللِّحْيَةِ، سَهْلُ الخَدَّيْنِ، ضَلِيعُ (٢) الفَمِ، مُفَلَّجُ (٣) الأَسْنَانِ، دَقِيقُ المَسْرُبَةِ. كَأَنَّ عُنُقَهُ جِيدُ دُمْيَةٍ، فِي صَفَاءِ الفِضَّةِ، مُعْتَدِلُ الخَلْقِ، بَادِنٌ مُتَمَاسِكٌ.
سَوَاءُ البَطْنِ وَالصَّدْرِ، عَرِيضُ الصَّدْرِ، بَعِيْدُ مَا بَيْنَ المَنْكِبَيْنِ، ضَخْمُ الكَرَادِيسِ، أَنْوَرُ المُتَجَرَّدِ، مَوْصُولُ مَا بَيْنَ اللَّبَّةِ وَالسُّرَّةِ بِشَعَرٍ يَجْرِي كَالخَطِّ، عَارِي الثَّدْيَيْنِ وَالبَطْنِ مِمَّا سِوَى ذَلِكَ، أَشْعَرُ الذِّرَاعَيْنِ وَالمَنْكِبَيْنِ وَأَعَالِي الصَّدْرِ، طَوِيلُ الزَّنْدَيْنِ، رَحْبُ الرَّاحَةِ، شَثْنُ الكَفَّيْنِ وَالقَدَمَيْنِ، سَائِلُ (٤) الأَطْرَافِ - أَوْ قَالَ: شَائِلُ (٥) الأَطْرَافِ - خَمْصَانُ (٦) الأَخْمَصَيْنِ، مَسِيحُ القَدَمَيْنِ، يَنْبُو عَنْهُمَا المَاءُ. إِذَا زَالَ زَالَ قَلْعًا، يَخْطُو تَكَفِّيًا، وَيَمْشِي هَوْنًا، ذَرِيعُ المِشْيَةِ، إِذَا مَشَى كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ مِنْ صَبَبٍ، وَإِذَا التَفَتَ التَفَتَ جَمِيعًا. خَافِضُ الطَّرْفِ، نَظَرُهُ إِلَى الأَرْضِ أَطْوَلُ مِنْ نَظَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ، جُلُّ نَظَرِهِ المُلاحَظَةُ، يَسُوقُ (٧) أَصْحَابَهُ، وَيَبْدَأُ مَنْ لَقِيَ بِالسَّلامِ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ. стр. 29
١٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبْيَضَ كَأَنَّمَا صِيغَ مِنْ
فِضَّةٍ، رَجِلَ الشَّعَرِ». حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ (١).
٢٠ - عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ الكِنَانِيِّ ﵁ قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَمَا بَقِيَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ أَحَدٌ رَأَىهُ غَيْرِي. قُلْتُ: صِفْهُ لِي، قَالَ: كَانَ أَبْيَضَ مَلِيحًا مُقَصَّدًا». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
٢١ - عَنْ حُبَيْشِ بْنِ خَالِدٍ ﵁ صَاحِبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ : «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ وَخَرَجَ مِنْهَا مُهَاجِرًا إِلَى المَدِينَةِ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ ﵁، وَمَوْلَى أَبِي بَكْرٍ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، وَدَلِيلُهُمَا اللَّيْثِيُّ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُرَيْقِطٍ مَرُّوا عَلَى خَيْمَتَيْ أُمِّ مَعْبَدٍ الخُزَاعِيَّةِ [﵂]، وَكَانَتِ امْرَأَةً بَرْزَةً جَلْدَةً، تَحْتَبِي بِفِنَاءِ القُبَّةِ ثُمَّ تَسْقِي وَتُطْعِمُ. فَسَأَلُوهَا لَحْمًا وَتَمْرًا لِيَشْتَرُوهُ مِنْهَا، فَلَمْ يُصِيبُوا عِنْدَهَا
شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَكَانَ القَوْمُ مُرْمِلِينَ (٢) مُسْنِتِينَ (٣). فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى
شَاةٍ فِي كِسْرِ (٤) الخَيْمَةِ فَقَالَ: مَا هَذِهِ الشَّاةُ يَا أُمَّ مَعْبَدٍ؟ قَالَتْ: شَاةٌ خَلَّفَهَا الجَهْدُ عَنِ الغَنَمِ، قَالَ: فَهَلْ بِهَا مِنْ لَبَنٍ؟ قَالَتْ: هِيَ أَجْهَدُ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: أَتَأْذَنِينَ أَنْ أَحْلُبَهَا؟ قَالَتْ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، إِنْ رَأَيْتَ بِهَا حَلَبًا فَاحْلُبْهَا. فَدَعَا стр. 30
بِهَا رَسُولُ الله ﷺ فَمَسَحَ بِيَدِهِ ضَرْعَهَا وَسَمَّى اللهَ تَعَالَى، وَدَعَا لَهَا فِي شَاتِهَا، فَتَفَاجَّتْ (١) عَلَيْهِ وَدَرَّتْ، وَاجْتَرَّتْ (٢)، فَدَعَا بِإِنَاءٍ يُرْبِضُ (٣) الرَّهْطَ فَحَلَبَ فِيهِ ثَجًّا (٤) حَتَّى عَلَاهُ البَهَاءُ، ثُمَّ سَقَاهَا حَتَّى رَوِيَتْ، وَسَقَى أَصْحَابَهُ حَتَّى رَوُوْا، وَشَرِبَ آخِرَهُمْ ﷺ . ثُمَّ أَرَاضُوا (٥)، ثُمَّ حَلَبَ فِيهِ ثانيًا بَعْدَ بَدْءٍ حَتَّى مَلَأَ
الإِنَاءَ، ثُمَّ غَادَرَهُ عِنْدَهَا، ثُمَّ بَايَعَهَا، وَارْتَحَلُوا عَنْهَا.
فَقَلَّ مَا لَبِثَتْ حَتَّى جَاءَهَا زَوْجُهَا أَبُو مَعْبَدٍ يَسُوقُ أَعْنُزًا عِجَافًا يَتَسَاوَكْنَ (٦) هُزَالًا، مُخُّهُنَّ قَلِيلٌ. فَلَمَّا رَأَى أَبُو مَعْبَدٍ اللَّبَنَ عَجِبَ وَقَالَ: مِنْ أَيْنَ لَكِ هَذَا يَا أُمَّ مَعْبَدٍ وَالشَّاءُ عَازِبٌ (٧) حَائِلٌ (٨) وَلَا حَلُوبَةَ فِي البَيْتِ؟ قَالَتْ: لَا وَاللهِ إِلَّا أَنَّهُ مَرَّ بِنَا رَجُلٌ مُبَارَكٌ مِنْ حَالِهِ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: صِفِيهِ لِي يَا أُمَّ مَعْبَدٍ. قَالَتْ: رَأَيْتُ رَجُلًا ظَاهِرَ الوَضَاءَةِ، أَبْلَجَ (٩) الوَجْهِ، حَسَنَ الخَلْقِ، لَمْ تَعِبْهُ ثَجْلَةٌ (١٠)، وَلَمْ تُزْرِ بِهِ стр. 31
صَعْلَةٌ (١)، وَسِيمٌ قَسِيمٌ (٢)، فِي عَيْنَيْهِ دَعَجٌ (٣)، وَفِي أَشْفَارِهِ (٤) وَطَفٌ (٥)، وَفِي صَوْتِهِ صَهَلٌ (٦)، وَفِي عُنُقِهِ سَطَعٌ (٧)، وَفِي لِحْيَتِهِ كَثَاثَةٌ، أَزَجُّ (٨) أَقْرَنُ (٩). إِنْ صَمَتَ فَعَلَيْهِ الوَقَارُ، وَإِنْ تَكَلَّمَ سَمَاهُ وَعَلَاهُ البَهَاءُ. أَجْمَلُ النَّاسِ وَأَبْهَاهُ مِنْ بَعِيدٍ،
وَأَحْسَنُهُ وَأَجْمَلُهُ مِنْ قَرِيبٍ، حُلْوُ المَنْطِقِ فَصْلًا لَا نَزْرٌ وَلَا هَذْرٌ، كَأَنَّ مَنْطِقَهُ خَرَزَاتُ نَظْمٍ يَتَحَدَّرْنَ.
رَبْعَةٌ لَا تَشْنَؤُهُ مِنْ طُولٍ، وَلَا تَقْتَحِمُهُ عَيْنٌ مِنْ قِصَرٍ، غُصْنٌ بَيْنَ غُصْنَيْنِ (١٠)، فَهُوَ أَنْضَرُ الثَّلَاثَةِ مَنْظَرًا، وَأَحْسَنُهُمْ قَدْرًا. لَهُ رُفَقَاءُ يَحُفُّونَ بِهِ، إِنْ قَالَ سَمِعُوا لِقَوْلِهِ، وَإِنْ أَمَرَ تَبَادَرُوا إِلَى أَمْرِهِ. مَحْفُودٌ (١١)، стр. 32
مَحْشُودٌ (١)، لَا عَابِسٌ وَلَا مُفَنَّدٌ (٢). قَالَ أَبُو مَعْبَدٍ: هُوَ وَاللهِ صَاحِبُ قُرَيْشٍ الَّذِي ذُكِرَ لَنَا مِنْ أَمْرِهِ مَا ذُكِرَ، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَصْحَبَهُ، وَلَأَفْعَلَنَّ مَا وَجَدْتُ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا». حَدِيثٌ صحيح أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ والحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَوَافَقَهُ الذَّهَبِيُّ (٣).
(٥) بَابُ خَاتَمِ النُّبُوَّةِ
٢٢ - عَنْ أَبِي زَيْدٍ عَمْرِو بْنِ أَخْطَبَ الأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ
ﷺ : «يَا أَبَا زَيْدٍ، ادْنُ مِنِّي فَامْسَحْ ظَهْرِي، فَمَسَحْتُ ظَهْرَهُ، فَوَقَعَتْ
أَصَابِعِي عَلَى الخَاتَمِ. قُلْتُ: وَمَا الخَاتَمُ؟ قَالَ: شَعَرَاتٌ مُجْتَمِعَاتٌ». حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ.
٢٣ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَرْجِسَ ﵁ قَالَ: «أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ فِي نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَدُرْتُ هَكَذَا مِنْ خَلْفِهِ، فَعَرَفَ الَّذِي أُرِيدُ، فَأَلْقَى الرِّدَاءَ عَنْ ظَهْرِهِ، فَرَأَيْتُ مَوْضِعَ الخَاتَمِ عَلَى كَتِفَيْهِ، مِثْلَ الجُمْعِ (٤) حَوْلَهَا خِيلانٌ (٥)، كَأَنَّهَا ثَآلِيلُ (٦)، فَرَجَعْتُ حَتَّى اسْتَقْبَلْتُهُ، فَقُلْتُ: غَفَرَ اللهُ لَكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: стр. 33
وَلَكَ. فَقَالَ القَوْمُ: أَسْتَغْفَرَ لَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، وَلَكُمْ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [سُورَةُ مُحَمَّدٍ: ١٩]». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
٢٤ - عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵄ قَالَ فِي حَدِيثٍ لَهُ: «وَرَأَيْتُ الخَاتَمَ عِنْدَ كَتِفِهِ مِثْلَ بَيْضَةِ الحَمَامَةِ يُشْبِهُ جَسَدَهُ (١)». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
(٦) بَابُ وَجْهِ النَّبِيِّ ﷺ -
ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى وَجْهَ النبيِّ ﷺ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ عدةَ مَرَّاتٍ، مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [سُورَةُ البَقَرَةِ: ١٤٤]. وَقَوْلُهُ : ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ [سُورَةُ الرُّومِ: ٣٠]. وَقَوْلُهُ ﷻ : ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: ٢٠].
٢٥ - عَنْ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄ قَالَ: «كَانَ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهًا وَأَحْسَنَهُ (٢) خَلْقًا، لَيْسَ بِالطَّوِيلِ البَائِنِ وَلَا بِالقَصِيرِ». أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
٢٦ - عَنِ سَعِيدِ بْنِ إِيَاسٍ الجُرَيْرِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي الطُّفَيْلِ (٣) ﵁: «أَرَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ. كَانَ أَبْيَضَ مَلِيحَ الوَجْهِ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. стр. 34
٢٧ - عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵄ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي لَيْلَةٍ إِضْحِيَانٍ (١) وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِ وَإِلَى القَمَرِ، فَلَهُوَ عِنْدِي أَحْسَنُ مِنَ القَمَرِ». حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وَالحَاكِمُ.
٢٨ - عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵄ يَصِفُ لِحْيَةَ النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: «وَجْهُهُ مِثْلُ السَّيْفِ؟ قَالَ: لَا، بَلْ كَانَ مِثْلَ الشَّمْسِ وَالقَمَرِ، وَكَانَ مُسْتَدِيرًا». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
٢٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ
كَأَنَّ الشَّمْسَ تَجْرِي فِي وَجْهِهِ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ (٢).
٣٠ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «آخِرُ نَظْرَةٍ نَظَرْتُهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ
كَشَفَ السِّتَارَةَ يَوْمَ الاثْنَيْنِ، فَنَظَرْتُ إِلَى وَجْهِهِ كَأَنَّهُ وَرَقَةُ مُصْحَفٍ (٣)».
أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وسيأتي الحديث بتمامه في باب وفاة النبي ﷺ .
٣١ - عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: قُلْتُ لِلرُّبَيِّعِ
بِنْتِ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ ﵄: «صِفِي لَنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ . قَالَتْ: يَا بُنيَّ!
لَوْ رَأَيْتَهُ رَأَيْتَ الشَّمْسَ طَالِعَةً». حَديثٌ حَسَنٌ أَخْرَجَهُ الدَّارِمِيُّ. стр. 35
٣٢ - عَنْ أُمِّ المُؤْمِنِينَ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا غَضِبَ احْمَرَّ وَجْهُهُ». أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
٣٣ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ ﵁ قَالَ: «لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المَدِينَةَ انْجَفَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ، وَقِيلَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ، قَدِمَ رَسُولُ اللهِ، قَدِمَ رَسُولُ اللهِ. فَجِئْتُ
فِي النَّاسِ لِأَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا اسْتَثْبَتُّ وَجْهَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ
لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ. وَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ! أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلَامٍ».
أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: صَحِيحٌ.
٣٤ - عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ يُحَدِّثُ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ تَبُوكٍ قال: «فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنَ السُّرُورِ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ
ﷺ إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ وَكُنَّا نَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْهُ».
أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ.
وَقَدَ تَقَدَّمَ فِي وَصْفِ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ ﵇ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ قَوْلُهُ: «وَلَمْ يَكُنْ بِالمُطَهَّمِ (١) وَلَا بِالمُكَلْثَمِ (٢)، وَكَانَ فِي وَجْهِهِ تَدْوِيرٌ» (٣). وَتَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ هِنْدِ بْنِ أَبِي هَالَةَ ﵁: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَخْمًا مُفَخَّمًا، يَتَلَأْلَأُ وَجْهُهُ تَلَأْلُؤَ القَمَرِ стр. 36
لَيْلَةَ البَدْرِ» (١). وَتَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ أُمِّ مَعْبَدٍ ﵂ قَوْلُهَا: «رَأَيْتُ رَجُلًا ظَاهِرَ الوَضَاءَةِ، أَبْلَجَ الوَجْهِ» (٢). وَسَيَأْتِي فِي حَدِيثِ يَزِيدَ الفَارِسِيِّ فِي بَابِ صِفَةِ لِحْيَة النَّبِيِّ ﷺ : «جَمِيلُ دَوَائِرِ الوَجْهِ» (٣).
(٧) بَابُ صَدْرِ النَّبِيِّ ﷺ -
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١)﴾ [سُورَةُ الشَّرْحِ: ١]. وَقَالَ اللهُ : ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ (١٩٤)﴾ [سُورَةُ الشُّعَرَاءِ: ١٩٣ - ١٩٤].
٣٥ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇ وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمَانِ، فَأَخَذَهُ فَصَرَعَهُ، فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ، فَاسْتَخْرَجَ القَلْبَ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً (٤)، فَقَالَ: هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ، ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ لَأَمَهُ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِي مَكَانِهِ، وَجَاءَ الغِلْمَانُ يَسْعَوْنَ إِلَى أُمِّهِ يَعْنِي ظِئْرَهُ (٥)، فَقَالُوا: إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، فَاسْتَقْبَلُوهُ وَهُوَ مُنْتَقِعُ (٦) اللَّوْنِ، قَالَ أَنَسٌ: وَقَدْ كُنْتُ أَرَى أَثَرَ ذَلِكَ المِخْيَطِ فِي صَدْرِهِ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. стр. 37
(٨) بَابُ بَصَرِ النَّبِيِّ ﷺ -
قَالَ اللهُ تَعَالى مُخْبِرًا عَنْ بَصَرِ النَّبِيِّ ﷺ : ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾ [سُورَةُ النَّجْمِ: ١٧ - ١٨].
٣٦ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «هَلْ تَرَوْنَ قِبْلَتِي هَهُنَا؟ فَوَاللّاهِ مَا يَخْفَى عَلَيَّ رُكُوعُكُمْ وَلَا سُجُودُكُمْ، إِنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ
ظَهْرِي». أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
٣٧ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا جَلَسَ يَتَحَدَّثُ يُكْثِرُ أَنْ يَرْفَعَ طَرْفَهُ إِلَى السَّمَاءِ». حَدِيثٌ حَسَنٌ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي وَصْفِ نَظَرِهِ ﷺ قَوْلُ هِنْدِ بْنِ أَبِي هَالَةَ ﵁: «خَافِضُ الطَّرْفِ، نَظَرُهُ إِلَى الأَرْضِ أَطْوَلُ مِنْ نَظَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ، جُلُّ نَظَرِهِ المُلاحَظَةُ» (١).
(٩) بَابُ عَيْنَيِ النَّبِيِّ ﷺ -
لَقَدْ شَرَّفَ اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ الكريم ﷺ بِذِكْرِ عَيْنَيْهِ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ [سُورَةُ الحِجْرِ: ٨٨]. وَقَالَ سُبْحَانَهُ:
﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٣١)﴾ [سُورَةُ طه: ١٣١]. стр. 38
٣٨ - عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵄ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ضَلِيعَ الفَمِ (١)، أَشْكَلَ العَيْنِ (٢)، مَنْهُوسَ (٣) العَقِبِ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
٣٩ - عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵄ قَالَ: «كَانَ فِي سَاقَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ حُمُوشَةٌ (٤). وَكَانَ لا يَضْحَكُ إِلا تَبَسُّمًا، فَكُنْتُ إِذَا نَظَرْتُ إِلَيْهِ قُلْتُ: أَكْحَلُ العَيْنَيْنِ، وَلَيْسَ بِأَكْحَلَ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁: «أَدْعَجُ العَيْنَيْنِ، أَهْدَبُ الأَشْفَارِ» (٥). وَتَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ أُمِّ مَعْبَدٍ ﵂ قَوْلُهَا: «فِي عَيْنَيْهِ دَعَجٌ، وَفِي أَشْفَارِهِ وَطَفٌ» (٦).
(١٠) بَابُ سَمْعِ النَّبِيِّ ﷺ -
قَدْ زَادَهُ اللهُ تَشْرِيفًا فَذَكَرَ أُذُنَهُ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ، فَقَالَ رَدًّا عَلَى المُنَافِقِينَ: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦١)﴾ [سُورَةُ التَّوْبَةِ: ٦١]. стр. 39
٤٠ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِحَائِطٍ (١) مِنْ حِيطَانِ المَدِينَةِ أَوْ مَكَّةَ، فَسَمِعَ صَوْتَ إِنْسَانَيْنِ يُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ. ثُمَّ
قَالَ: بَلَى، كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ، وَكَانَ الآخَرُ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ».
أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ.
٤١ - عَنْ أَبِي ذَرٍّ الغِفَارِيِّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ، وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ: أَطَّتِ السَّمَاءُ، وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ، مَا فِيهَا
مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا عَلَيْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ. وَاللهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ
لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَلَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الفُرُشَات، وَلَخَرجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ (٢) إِلَى اللهِ. لَوَدِدَتُ أَنِّي شَجَرَةٌ تُعْضَدُ (٣)».
حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالحَاكِمُ (٤).
٤٢ - عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﵁ قَالَ: «بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي أَصْحَابِهِ إِذْ قَالَ لَهُمْ: أَتَسْمَعُونَ مَا أَسْمَعُ؟ قَالُوا: مَا نَسْمَعُ مِنْ شَيْءٍ. قَالَ: إِنِّي لَأَسْمَعُ أَطِيطَ (٥) стр. 40
السَّمَاءِ، وَمَا تُلَامُ أَنْ تَئِطَّ، مَا فِيهَا مَوْضِعُ شِبْرٍ إِلَّا عَلَيْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ أَوْ قَائِمٌ». حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ.
(١١) بَابُ صَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ -
ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى صَوْتَ نَبِيِّهِ ﷺ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ عِنْدَمَا نَهَى المُؤْمِنِينَ عَنْ رَفْعِ أَصْوَاتِهِمْ فَوْقَ صَوْتِهِ فَقَالَ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾ [سُورَةُ الحُجُرَاتِ: ٢].
٤٣ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا بَعَثَ اللهُ نَبِيًّا إِلَّا حَسَنَ الوَجْهِ حَسَنَ الصَّوْتِ، وَكَانَ نَبِيُّكُمْ أَحْسَنَهُمْ وَجْهًا وَأَحْسَنَهُمْ صَوْتًا». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ (١).
٤٤ - عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄ قَالَ: «خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى أَسْمَعَ العَوَاتِقَ في خُدُورِهِنَّ، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَخْلُصِ الإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ، لَا تَغْتَابُوا المُسْلِمِينَ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوَرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ يَتَّبِعْ عَوْرَةَ أَخِيهِ اتَّبَعَ اللهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنِ اتَّبَعَ عَوْرَتَهُ فَضَحَهُ فِي جَوْفِ بَيْتِهِ».
أَخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ (٢). следующие страницы →