بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد ...
فقد آثرنا اختيار دراستنا عن علم الكلام - أو أصول الدين - لتوضيح آراء علماء الحديث والسنة وبيان منهجهم، ذلك لأن الدراسات الكلامية التقليدية أولت عنايتها للفرق المنشقة عن أهل القرون الأولى - كالخوارج والشيعة والقدرية والجهمية - كما تعمقت وتوسعت في عرض المذهبين الكبيرين: الاعتزالي والأشعري، ولم تلتفت للنتاج العقلي للمحدثين والفقهاء بالقدر الكافي الذي يسمح بإبراز مواقفهم من أصول الدين ومنهجهم في النقاش والرد على مخالفيهم، مع العلم بأنهم كانوا يستندون إلى أدلة عقلية وبراهين منطقية قائمة على تفسير الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، والاسترشاد أيضًا بفهم الأوائل الذين كانوا أكثر علمًا ودراية بأسرار اللغة العربية وأسباب النزول ودقائق العقائد المتصلة بأصول الدين.
وفي ضوء هذه الحقيقة، نرى أن طريقة أهل الحديث والسنة تحتاج إلى نظرة إنصاف وتقدير حيث شاعت الفكرة التي تصفهم بأنهم (نصيين) وليسوا (عقليين) ، فضلاً عن أوصاف أخرى تشاع عنهم خطأ كوصفهم بالجمود وما إلى ذلك من صفات شوهت صورهم في أذهان الخاصة والعامة.
وكثيرًا ما تروج - مع الأسف - أفكار وتسود أراء مع مجافاتها للحقيقة ومجانبتها الصحة وذلك بسبب ترديدها المتواصل. وساعد على ذلك عوامل ثقافية وتاريخية ومذهبية وسياسية، كلها أدت إلى ترقي الفكرة الشائعة إلى مرتبة تكاد تصل إلى اليقين في دوائر البحث العلمي، سواء على مستوى الجامعات والكليات المتخصصة، أو المهتمين بالدراسات الإسلامية من العلماء والباحثين والمؤرخين وغيرهم، إلا فيما ندر.
وقد آن الأوان لإعطاء علماء الحديث والسنة حقهم، لا أقول من التقدير
стр. 2
فحسب، بل من التبيين والإيضاح.
إزاء كل هذه العوامل، رأينا أن المسؤولية العلمية تقتضي منا إلقاء الضوء على منهج هؤلاء، وبيان الطابع العقلي بحيث يجعلهم في صفوف نظَّار المسلمين الأصليين وإنه وفقًا لاتباع مناهج المتكلمين أصحاب النظر العقلي، يمكننا وضع علماء السنة والحديث الذين خاضوا في قضايا علم الكلام في الصفوف الأولى. وكان مثار اهتمامنا بهذا الاتجاه، هو وقوفنا على سمات بارزة تربط بين هؤلاء العلماء الذين لا ينتمون إلى الدوائر الكلامية بمدارسها المعروفة، ذلك أن من يتتبع الحركات الفكرية المناوئة للفرق المنشقة منذ ظهورها، يعثر - كما فَعلْنا - على ملامح عناصر ثابتة لتيار إسلامي أصيل يعبر عن غالبية عقائد المسلمين، ظلوا يعارضون منذ البداية كافة الانشقاقات التي خالفت الأصول الإسلامية.
وكان من سمات منهجنا تتبع الآثار الأولى حيث نلحظ المعارضة الشديدة لأية بادرة للخروج عن الصف الأول المتماسك الذي تركه رسول الله ﷺ على المحجة البيضاء، وكان يجابه بعلاج حاسم، وربما يعد من المفيد الاستشهاد على بعض هذه الملامح المشهورة تاريخيًا: كما حدث في حرب الردة إذ حاول بعض المسلمين الامتناع عن دفع الزكاة فكان موقف أبي بكر الصديق ﵁ المعروف، الذي استند فيه إلى قاعدة إيمانية نظر منها إلى شمول الدائرة الإسلامية التي لا تفرق بين الصلاة والزكاة، فتحرك بدافع هذا الفهم الواضح، ورأى أن أي انفراط يعني تخلخل الأساس واهتزازه وضياع المعالم للإسلام. وفي أيام عمر بن الخطاب ﵁ نرى واقعة زجره لصبيغ عندما سأل عن الآيات المتشابهات فنهاه عن الخوض فيما لا طائل وراءه وثبت بعد ذلك صدق إلهام عمر.
وفي خلافة عثمان ﵁، عندما ظهرت الفتن بأيدي محركيها، كان الخليفة الثالث يناقش بالحجج والأدلة آراء دعاة الفتنة ويدحضها، ولكنهم كانوا قد ركبوا رؤوسهم وبيتوا أمرًا بليل، فعبروا بجريمتهم على أنهم لم يكونوا طلاب حق وعدل، بل دعاة تفرقة وأدوات فتن كيدت للإسلام من وراء الستار. كذلك وقف علي بن أبي طالب وابن عباس ﵄ وعمر بن عبد العزيز وغيرهم كما تروي لنا المصادر التاريخية لمناقشة الخوارج بالأدلة العقلية المستمدة من الكتاب والسنة.
стр. 3
وظل هذا الاتجاه سائرًا في طريقه لمواجهة ما ظهر من الفرق، ففي مواجهة الخوارج والشيعة والقدرية والجهمية وقف عشرات العلماء لمقارعة الحجة وتقديم الأدلة والبراهين على انحرافاتهم، ونعني بهم أمثال الحسن البصري وسعيد بن المسيب والأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ووقائع وقوف كل من الشافعي والدارمي لمعارضة بشر المريسي معروفة مشهورة بكتب التاريخ والملل والنحل، كذلك تحدي الإمام أحمد بن حنبل لكل من المأمون والمعتصم والواثق في مسألة (خلق القرآن) ، إلى جانب أتباعه الذين ظلوا محافظين على منهجه لمواجهة المنهج الأشعري، بل إننا نرى موقف الأشعري نفسه إمام المذهب - في كتابه (الإبانة) ، (ومقالات الإسلاميين) - معبرًا عن الاتجاه السلفي العام في أصول الدين، حيث وجد فيه المنهج الصحيح الذي يستطيع به مواجهة منهج الكلام الاعتزالي الذي بلغ ذروته في عصر المأمون (٢١٥ هـ) ثم المعتصم ثم الواثق (٢٢٧ هـ - ٢٣٢ هـ) .
وأثناء فترة حالكة في تاريخ الحضارة الإسلامية ظهر شيخ الإسلام ابن تيمية (٦٦١ - ٧٢٨ هـ) ليستجمع مؤلفات علماء السنة والحديث قبله، ويظهرها في قالب (كلامي) يدحض به كافة الآراء حوله بعد أن تضخمت واستفحل أمرها، فكانت موَاقِفه الكلامية الحاسمة إزاء كل الفرق والمذاهب التي جعلت منه علامة بارزة على منهج علماء الحديث والسنة يستضاء بها في ظلمات الغربة واليأس، وسنرى في هذا الكتاب كيف وفق شيخ الإسلام إلى استنتاج طرق الاستدلالات العقلية من القرآن الكريم، مثل (الميزان القرآني) و (الآيات) و (اللزوم) و (قياس الأولى) و (أدلة الكمال) .
هذا ما رأينا بحثه ودراسته.
أما تكرار الحديث عن علم الكلام لمباحثه المعروفة في دوائر الفرق والمعتزلة والأشاعرة، مع انحياز لمذاهبهم الكلامية، فلن يخدم الحقيقة التي نسعى لمعرفتها في مجال البحث العلمي، لأن تجاهل غالبية علماء المسلمين في القرون الأولى - مع جلالة قدرهم ومكانتهم الدينية والعملية، ومن اتبع نفسه منهجهم - أو عرض آرائهم من وجهة نظر خصومهم بغير إنصاف، كل هذا يتنافى مع ما نتوخاه من معرفة الحقيقة - لا سيما إنَّ علماء الكلام عنوا بأصول الدين، لا بفروعه، ولكن المناهج السائدة عكست الآية، ذلك أن أغلب الدارسين اكتفوا بكتب علماء الكلام المتأخرين المشوبة
стр. 4
بكثير من الأنظار الغريبة الدخيلة وآراء عهد انحدار الحضارة الإسلامية، مع المنهج العلمي التاريخي الصحيح الذي يقتضي أن نرجع إلى الأصول الأولى قبل كل شيء (١) .
وقد التزمنا باتباع هذا المنهج المعبر عن أصول حضارتنا أيام ذروتها، فكانت خطتنا البدء بالنظر في عصر النبي ﷺ وصحابته والتابعين، ثم التدرج لبحث ظهور الفرق وأسبابه، مع انتفاء بعض المناقشات التي دارت بين علماء الحديث والمعتزلة، كعبد العزيز المكي وبشر المريسي، والإمام أحمد والقاضي ابن أبي دؤاد.
وتابعنا هذه الخطة فعرضنا لمذهب الأشاعرة ونقده من وجهة نظر علماء الحديث والسنة - لا سيما رأي ابن تيمية.
كذلك خصصنا بابًا للحديث عن موقف ابن تيمية من القضايا الكلامية. وفي النهاية رأينا ضرورة عرض نبذة عن الفكر الإسلامي المعاصر.
ولم يغب عن ذهننا أن موضوع الكتاب له وجهان:
الأول - تاريخي ربما قد خمد بسببه الانفعال الذي كان مشتعلاً بين طيات السطور في الكتب الكلامية. ولكن بقيت المسائل موضوعيًا نابضة بالحياة إلى وقتنا الحاضر، لأنه ما من مسلم يقرأ القرآن ويطالع كتب الحديث إلا وتدور في ذهنه أوجه التفسير والتأويل، والتأمل في قضايا أصول الدين، من كلام عن الله تعالى ذاتًا وصفاتًا وأمور الغيب الأخرى، كقيام الساعة والحساب والعقاب والجنة والنار وأفعال العباد والإيمان بالقضاء والقدر وغيرها. ونرى أن خير عون - بعد توفيق الله تعالى - هو الاستضاءة بالفهم والتدبر بفهم علماء السنة وتدبرهم والاستناد إلى حججهم الشرعية العقلية، فإنها شرعية لأنها مستمدة من الشرع، وعقلية لأنها تتفق مع أدلة العقل الصحيحة.
الثاني - الجانب المعاصر في الفكر الإسلامي المتجه إلى مقاومة الغزو الفكري للحضارة الغربية، فما لم نستكمل الدراسة بإلقاء النظر إلى الفكر الإسلامي المعاصر فإن الدراسة بذلك تصبح مبتورة، ولا تفيد القارئ الذي يريد فهم ما يدور حوله،
стр. 5
لتعينه على التمييز بين الصواب والخطأ. لذلك رأينا إعطاء فكرة عن ملامح المشكلات الكلامية في عصرنا الحاضر مع اختلافها عما أثير في القرون الماضية.
ونقرر عن ثقة واقتناع، بأن طريقة القرآن الكريم التي أجلاها وأظهرها علماء السنة هي الطريقة الثابتة الصحيحة على أمد الدهر، ولا تهز ثقتنا بهذا الأصل ما نراه حولنا من تطورات علمية وتكنولوجية بهرت العقول والقلوب، ذلك لأن المعلومات العلمية مهما ازدادت وتشعبت وتفرعت، فإنها لا تناقض ولا تعارض سنن الله تعالى في الكون والآفاق، فبقدر ما يهب الله عباده العلماء من القدرات والوسائل المتطورة لاكتشاف أبعاد أكبر في الآفاق أو أبعاد أعمق في النفس البشرية، بقدر ما تتأكد لهم ثبات السنن الإلهية.
وقد مهد الطريق لهذا المنهج كثير من العلماء المتخصصين ذوي الكفايات الممتازة في مجالات تخصصهم، فإن أصبنا الغرض فذلك بتوفيق من الله تعالى، وإن أخطأنا فمن أنفسنا والشيطان، والخير أردنا وما توفيقي إلا بالله العلي القدير.
مصطفى حلمي
الإسكندرية في ٣ ذو الحجة سنة
١٤٠٢ هـ
٢٠ سبتمبر سنة ١٩٨٢ م
стр. 6
الباب الأول
الفصل الأول:
عصر الصحابة ﵃
- أصول الدين في عصر النبي ﷺ والصحابة.
- رد الرسول ﷺ على وفد نجران.
- القرآن كلام الله تعالى.
- الإيمان بالقدر وفهمه على الوجه الصحيح.
- الملائكة.
стр. 7
عصر الصحابة ﵃
ظلت أغلب دراسات المحدثين في الإسلاميات التي تحوم حول علم الكلام في نشأته وتطوره تعتمد على كتب المتكلمين أنفسهم من المعتزلة والأشاعرة في الغالب، فلا تكاد تعثر على دراسة عن المسلمين الأوائل ومناهجهم الشرعية العقلية في الاستدلال على أصول الدين.
ونلحظ أن أغلب البحوث المعاصرة تعتمد على آراء المستشرقين الذين يهتمون عادة بالفرق المنشقة عن أهل السنة والجماعة، والاهتمام بإيجاد الصلات بين معتقدات الفرق والمصادر الخارجية من عقائد وديانات وفلسفات يونانية وفارسية ونحوها.
وكثيرًا ما تتضخم أبحاثهم بالمسائل الخلافية والعناية بالفرق الغالية، وتصور التاريخ الإسلامي من خلال الخلافات والانشقاقات، فتختفي الحقيقة تحت أكوام من الجدل والخلاف بحيث يصعب على القارئ التمييز بين الحق والباطل.
ومثل هذا المنهج - فضلا عن النتائج المغرضة التي يراد الوصول إليها فإنه يتجاهل حقيقة بارزة لا يمكن إخفاؤها، ألا وهي أن آراء الفرق المنشقة قد حوصرت منذ ظهورها بواسطة علماء الحديث والسنة، ورفضتها الغالبية من أهل السنة والجماعة التي ظلت مستمسكة بالعقيدة الصحيحة المتلقاة بالقبول والفهم منذ عصر النبي ﷺ وصحابته.
لهذا، رأينا - مستعينين بالله إجلاء المنهج المتبع بواسطة علماء الحديث والسنة، وكانت أولى خطواتنا البدء بعصر الصحابة لاستقراء الاتجاهات الدالة على ألوان من النظر العقلي قبل أن يظهر أهل الكلام وقبل أن ينشق الصف الإسلامي إلى فرق ومذاهب متطاحنة، لنحاول أن نقف على تفسيرات أصحاب الصدر الأول للآيات القرآنية والأحاديث النبوية المتصلة ما سماه المتكلمون بـ (أصول الدين) والتي لم توضع في الصيغ الكلامية أو الأنساق الفلسفية خلال العصور المبكرة التي نتحدث عنها، ولكن الذي حدث هو أنه كلما تفتقت مسألة، أو حدث انشقاق طارئ مستحدث، قام لها من يتصدى بالتفسير والتوضيح، أو النهي والزجر إذا كان من قبل
стр. 8
البدع المنهي عنها.
ثم ظهر على مر الأعصار المتكلمون في الفرق المختلفة فصاغوا كل هذا الكلام وشرحوه في أبواب وفصول نقلته إلينا مصادرهم، وجاء الباحثون لمحاولة استقصاء هذه المسائل في صيغها التقليدية بعينها، فلم يعثروا لها على أثر، فظنوا أن الصحابة لم يعرفوها، ولم يتطرقوا إليها، بينما الحق أنهم عرفوها وفهموا دقائقها، كما ينبغي أن تفهم وتعرف. ولا شك أن الأدلة تدعم اتجاهنا في اتخاذ عصر الصحابة نقطة البدء في البحث؛ لأن دراسة التاريخ الإسلامي ترشدنا إلى معرفة أسبقية الأوائل في العلم والعمل، في العقيدة والسلوك. وسنتخذ هذا المنهج في البحث لمحاولة شجب النتائج التي توصل إليها أمثال جولد تسيهر وغيره من المستشرقين الذين يطبقون على الإسلام - في العقائد والعبادات - آثار فكرة التطور، فيتصورون أنه بدأ بسيطًا ثم تطور على يد المسلمين فكانت أكبر زلاتهم.
ولما كانوا غير مسلمين معنا بالدليل القطعي الثابت في قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) [المائدة، الآية: ٣] فإن استقراء الأحداث بأناة وصبر وجهد - مع توافر الصدق وحسن الطوية - ليثبت أن الإسلام في حياة الرسول اكتمل في عقائده وعباداته وأخلاقه وأحكامه ونصوصه وقواعده وأن الرسول صلوات الله عليه انتقل إلى الرفيق الأعلى، وترك الإسلام على هذا النحو وأن المسلمين من القرن الأول يرفضون من أي مخلوق، ومن أي جماعة، أن يضعوا في هذا الدين جديدًا إلى يوم الناس هذا، ويعتبرون أي تزيد على هذا الدين بدعة تحارب.
وسنحاول على قدر الاستطاعة، وبقدر ما تسمح به هذه الدراسة، الالتفات إلى عصر الصحابة والتابعين للبحث عن مواقفهم إزاء المسائل التي أثارها المتكلمون في العصور التالية.
أصول الدين في عصر النبي ﷺ والصحابة:
تتعدد المواقف التي توضح اتجاه الصحابة في تلقي الآيات القرآنية والنظر إليها، فإذا بدأنا في دراسة تلك المواقف لمنهج استقرائي، استطعنا الوقوف على استنباطهم
стр. 9
للنصوص الشرعية من الكتاب والسنة، فيتضح لنا كيف بدأ التنازع، وأسباب حدوث الانشقاقات عن القواعد الإسلامية بعدهم. وكيف جوبهت الفرق المنشقة عن صف الجماعة، كالخوارج والشيعة والمرجئة والقدرية وغيرها، وظل علماء السلف من أهل الحديث والسنة يحملون على أعناقهم هذه المهمة يفندون مزاعم المنشقين، موضحين أسباب انحرافاتهم، مبينين القواعد الإسلامية الصحيحة المتلقاة عن الأوائل.
وتجتمع عناصر بحثنا في رأينا من قواعد عامة تجمع مواقف الصحابة منها أنهم تكلموا في أصول الدين جميعًا، كما أنهم يتفقون في المنهج فيفسرون بالقرآن مستندين إلى طرق الاستدلالات العقلية التي أشار إليها وحض على استخدامها.
ونستطيع أن نستدل من الأحداث التاريخية على أن الرسول ﷺ شرح لهم الأصول الإسلامية كلها أو ما يسميه المتكلمون بـ (أصول الدين) ، والأمثلة كثيرة نقتطف بعضًا منها فيما يلي:
بدء الخلق:
روى مسلم في صحيحه في باب الإيمان عن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: "لا يزال الناس يسألونك عن العلم حتى يقولوا هذا الله خلقنا فمن خلق الله؟ " قال أبو هريرة جاءني ناس من الأعراب فقالوا: يا أبا هريرة هذا الله خلقنا فمن خلق الله؟ فأخذ حصى بكفه فرماهم به ثم قال: قوموا صدق خليلي ﷺ وهناك عدة روايات لمسلم بهذا المعنى، جاء في إحداها قول الرسول صلوات الله عليه: "فمن وجد من ذلك شيئًا فليقل آمنت بالله " وقوله: "فمن بلغ ذلك فليستعذ بالله " فأرجع الرسول ﷺ هذا السؤال إلى وسوسة الشيطان.
وروى البخاري في صحيحه في كتاب (بدء الخلق) عن عمران بن حصين قال: دخلت على النبي ﷺ وعقلت ناقتي بالباب، فأتاه ناس من بني تميم فقال: اقبلوا البشرى يا بني تميم. قالوا: قد بشرتنا فأعطنا مرتين، ثم دخل ناس من أهل اليمن فقال: اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم. قالوا: قد قبلنا يا رسول الله: قالوا: جئناك نسألك عن أول هذا الأمر. قال: (كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء وخلق
стр. 10
السموات والأرض.. ") .
وسئل رسول الله ﷺ أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فانزل الله تعالى هذه الآية: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ) [البقرة، الآية: ١٨٦] (١) .
رد الرسول ﷺ على وفد نجران:
تروي لنا كتب التاريخ قصة المباهلة المشهورة بين الرسول ﷺ ووفد نجران، نختار منها المناقشة الدائرية بينه وبينهم، وكان عمادها الجدل بالتي هي أحسن.
وقد أورد الطبري في تفسيره أن النصارى أتوا إلى رسول الله ﷺ فخاصموه في عيسى ابن مريم، وقالوا له: من أبوه؟
وقالوا على الله الكذب والبهتان لا إله إلا هو لم يتخذ صاحبة ولا ولدا. فقال لهم النبي ﷺ : (ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا وهو يشبه أباه) ؟ قالوا: نعم.
قال: فإن ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء.
قال: ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت وأن عيسى يأتي عليه الفناء؟
قالوا: بلى.
قال: ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شيء يكلؤه ويحفظه ويرزقه.
قالوا: بلى.
قال: فهل يملك عيسى من ذلك شيئًا؟ قالوا: لا.
قال: ألستم تعلمون أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء؟
قالوا: بلى.
قال: فهل يعلم عيسى من ذلك شيئًا إلا ما علم؟
قالوا: لا.
قال: ألستم تعلمون أن ربنا لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب ولا يحدث الحدث؟
قالوا: بلى.
стр. 11
قال: ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها، ثم غذي كما يتغذى الصبي ثم كان يطعم ويشرب الشراب ويحدث الحدث؟
قالوا: بلى.
قال: فكيف يكون هذا كما زعمتم؟
قال: فعرفوا ثم أبوا إلا جحودًا. فأنزل الله تعالى: (الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) [آل عمران، الآيتان: ١، ٢] (١) .
القرآن كلام الله تعالى:
قبل إثارة محنة خلق القرآن قد لا نعثر في المصادر التاريخية على روايات تشرح موقف الصحابة بنفس الطريقة التي تقابلنا بكتب الفرق أثناء مناقشة بعضها البعض، كالمعتزلة والأشاعرة، أو المعتزلة والسلف، ولكن مع هذا، نستطيع لمح آراء متناثرة تفيدنا في التوصل إلى معرفة موقف الصحابة بما ورد على ألسنة أئمتهم كعلي وابن مسعود وابن عباس ﵃، وأقوالهم حجة.
ومن المعروف تاريخيًا أن أول من قال بأن القرآن مخلوق الجعد بن درهم من سني نيف وعشرين ومائة بعد الهجرة ثم الجهم بن صفوان.
ولكن الثابت عن هؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم أنهم قالوا: إن القرآن كلام الله، صحيح لم يرد لفظ غير مخلوق، لأن المشكلة ظهرت بعدهم واستخدم المتكلمون هذه الألفاظ ولكن استقراء النصوص الواردة عنهم تفيد ذلك، فقد اعترض الخوارج - كما هو معروف - عليًا بن أبي طالب لأنه حكم الحكمين وقالوا له: (حكمت رجلين قال: ما حكمت مخلوقًا إنما حكمت القرآن) وفي إجابته أنه ما حكم إلا القرآن نفي لهذا الخلق عنه.
وأيضا قال عبد الله بن مسعود ﵁: (من حلف بالقرآن فعليه بكل آية يمين، ومن كفر بحرف منه فقد كفر به أجمع) (٢) .
стр. 12
وأما قول ابن عباس ﵄، قد كان مرة في جنازة فلما وضع الميت في لحده قام رجل فقال: اللهم رب القرآن اغفر له، فوثب إليه ابن عباس فقال: القرآن منه وفي رواية أخرى (القرآن كلام الله وليس بمربوب منه خرج وإليه يعود) .
الإيمان بالقدر وفهمه على الوجه الصحيح:
وفي الإيمان بالقدر الذي تنازع فيه المسلمون فيما بعد رأينا كيف كان أبو بكر ﵁ مصيبًا حين يقول: أقول برأيي فإن كان صوابا فمن الله وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان فهذا القول يدل على تأييده لحقيقة المسؤولية الأخلاقية ونفي الجبر، كما عزر عمر بن الخطاب ﵁ من ادعى أن سرقته كانت بقضاء الله، فلما سأله فقال:
قضى الله علي، فأمر بقطع يده وضربه أسواطًا، فلما استفسروا من عمر عن سبب هذا التعزير (١) فأجاب: القطع للسرقة، والجلد لما كذب على الله. ولما قال محاصرو عثمان ﵁ حين رموه: الله يرميك. قال: كذبتم لو رماني ما أخطأني.
وهناك توضيح أيضًا على لسان علي بن أبي طالب ﵁ شارحًا الفرق بين قضاء الله تعالى وأمره، قد سأله شيخ عند انصرافه من صفين أكان المسير بقضاء الله وقدره؟ فأجابه علي رضوان الله عليه: والذي خلق الحبة وبرأ النسمة، ما هبطنا واديا ولا علونا قلعة إلا بقضاء وقدر، ففهم الشيخ خطأ أن عليًا يفسر ما حدث بالجبر لذلك أسرع علي فأفهمه معنى الإيمان بالقدر على حقيقته، وأنه لا يتنافى مع حرية إرادة الإنسان ومسؤوليته عن أفعاله، فقال له:
لعلك تظن قضاء واجبًا وقدرًا حتمًا، لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب وسقط الوعد والوعيد، ولما كانت تأتي من الله لائمة لمذنب ولا محمدة لمحسن، ولا كان المحسن بثواب الإحسان أولى من المسيء، ولا المسيء بعقوبة الذنب أولى من المحسن.. ثم أردف قائلاً: (إن الله تعالى أمر تخييرًا، ونهى تحذيرًا، ولم يكلف مجبرًا، ولا بعث الأنبياء عبثًا) (٢) .
стр. 13
ويسوق لنا التاريخ أيضًا ما فهمه عمر بن الخطاب وابنه ﵄ وتمييزهما الدقيق بين العلم الإلهي المسبق المحيط بكل شيء وبين أفعال الإنسان التي يؤديها بحريته وإرادته.
وللقارئ هذا المثل الذي يضربه عمر بن الخطاب ﵁ في شرح الصلة بين العلم الإلهي والفعل الإنساني قال: (مثل علم الله فيكم كمثل السماء التي أظلتكم، والأرض التي أقلتكم، فكما لا تستطيعون الخروج من السماء والأرض، كذلك لا تستطيعون الخروج من علم الله، كما لا تحملكم السماء والأرض على الذنوب، كذلك لا يحملكم علم الله على ما تم) .
وبسؤال عبد الله بن عمر ﵄ عن حالة بعض الناس الذي يزنون ويشربون الخمر ويسرقون ويقتلون النفس زاعمين أن ذلك كان في علم الله تعالى، فغضب ثم قال: (سبحان الله العظيم، قد كان ذلك في علمه أنهم يفعلونها، ولم يحملهم علم الله على فعلها) (١) .
والإجابة توضح نفسها ولا تحتاج إلى مزيد، فإن علم الله تعالى المحيط بكل شيء - لأنه سبحانه بكل شيء عليم - صفة من صفات الكمال، والعلم الإلهي بما حدث ويحدث وسيحدث لا يحمل العباد على أفعالهم.
الملائكة:
قال جماعة من المفسرين: كان لعمر أرض بأعلى المدينة فكان يأتيها، وكان طريقه على موضع مدارسة اليهود، وكان كلما مر دخل عليهم فسمع منهم وأنه دخل عليهم ذات يوم فقالوا: يا عمر ما من أصحاب محمد ﷺ أحد أحب إلينا منك، إنهم يمرون بنا فيؤذوننا وتمر بنا فلا تؤذينا، وإنا لنطمع فيك، فقال لهم عمر: أي يمين فيكم أعظم؟ قالوا: الرحمن قال: فبالرحمن الذي أنزل التوراة على موسى بطور سيناء أتجدون محمدًا عندكم نبيًا؟ فسكتوا فقال: تكلموا ما شأنكم والله ما سألتكم وأنا شاكٌّ في شيء من ديني، فنظر بعضهم لبعض، فقام رجل منهم فقال: أخبروا الرجل أو لأخبرنه، قالوا: نعم إنا نجده مكتوبًا عندنا، ولكن صاحبه من الملائكة الذي يأتيه
стр. 14
بالوحي هو جبريل، وجبريل عدونا وهو صاحب كل عذاب وقتل وخسف، ولو أنه كان وليه ميكائيل لآمنا به. فإن ميكائيل صاحب كل رحمة وكل غيث قال لهم: فأنشدكم بالرحمن الذي أنزل التوراة على موسى بطور سيناء أين ميكائيل وأين جبريل من الله؟ قالوا جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره، قال عمر: فأشهد أن الذي هو عدو للذي عن يمينه هو عدو للذي عن يساره والذي هو عدو للذي عن يساره هو عدو للذي عن يمينه وأن من كان عدوًا لهما فإنه عدو لله.
ثم رجع عمر ليخبر النبي ﷺ فوجد جبريل قد سبقه بالوحي فدعاه النبي ﷺ فقرأ عليه: (قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ) [البقرة، الآيتان: ٩٧، ٩٨] فقال عمر: والذي بعثك بالحق لقد جئت وما أريد إلا أن أخبرك (١) .
стр. 15
الفصل الثاني:
مكانة الصحابة ﵃ في الأمة
- منهج الصحابة في النظر والتدبر.
- الأدلة النقلية والعقلية على فضل الصحابة.
أولا: الأدلة النقلية.
ثانيًا: الدليل العقلي.
стр. 16
مكانة الصحابة ﵁ في الأمة
تخبرنا كتب التاريخ وصحائفه عن اكتمال الفهم والمعرفة لأصول الدين جميعًا لدى الصحابة ﵃ وكان ذلك بفضل طاعتهم للآيات القرآنية التي حثتهم على التدبر في غير موضع، مثل قوله تعالى: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ [ص، الآية: ٢٩] وعلى العكس وصف الكفار والمنافقين بالإعراض عن تدبره في مثل قوله تعالى : (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) [النساء، الآية: ٨٢] ومعنى ذلك أن معانيه مما يمكن للكفار والمنافقين فهمها ومعرفتها فهي إذن ممكنة للمؤمنين أيضًا، ويدل على أن معانيه كانت معروفة بينة لهم.
وأيضًا فإن الله بين أنه أنزل القرآن عربيًا لكي يعقلوه: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) [يوسف، الآية: ٢] والعقل لا يكون إلا مع العلم بمعانيه، وذم من لا يفقهه: (فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا) [النساء، الآية: ٧٨] فلو كان المؤمنون غير عاقلين لاصطفوا في صف واحد مع المنافقين والكفار الذين ضرب لهم مثلاً بقوله تعالى: (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) [البقرة، الآية: ١٧١] فكيف إذن يمكن وضع السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار بمنزلة الكفار الذين ذمهم الله في أكثر من موضع لأنهم أعرضوا عن تدبر القرآن واتبعوا أهواءهم، فقال تعالى في وصفهم: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ) [محمد، الآية: ١٦] (١) .
ويضيف شيخ الإسلام ابن تيمية إلى كل هذه الأدلة، ما ثبت عن كل واحد من أصحاب ابن مسعود وابن عباس أنه نقل عنهما من التفسير ما لا يحصيه إلا الله فقد قال ابن مسعود: "لو أعلم أحدًا أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل لأتيته".
وجاء التابعون فتعلموا التفسير من الصحابة، قال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس من أوله إلى آخره، أقف عند كل آية وأسأله عنها؛ لهذا قال سفيان
стр. 17
الثوري: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به. فالأصل أن الرسول ﷺ قد يبلغ الرسالة كما أمر ولم يكتم منها شيئًا تنفيذا لقوله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) [النحل، الآية: ٤٤] وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) [المائدة، الآية: ٦٧] وقد أخبر الله بأنه قد أكمل الدين، وقال الرسول صلوات الله عليه: "ما تركت من شيء يقربكم إلى الجنة إلا وقد حدثتكم به، وما من شيء يبعدكم عن النار إلا وقد حدثتكم به".
وبناء على هذا الأصل، فإنه تبين لنا أنه ﷺ أوضح كافة الأصول الإسلامية مما أخبر به عن الله تعالى من أسماء الله وصفاته مما جاء في القرآن، وشرح وبين لأصحابه هذه الأصول كلها كأحسن ما يكون البيان. قال أبو ذر: "لقد توفي رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علمًا".
كان الصحابة حريصين على الفهم والاستيعاب الدقيق الكامل لكل ما يتعلمونه من القرآن والحديث، فإن عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما كانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ عشر آيات لم يجاوزوهما حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل (قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا) وقام عبد الله بن عمر يحفظ سورة البقرة في ثمان سنين لاستغراقه في المعرفة والفهم (١) .
وكانت أم الدرداء تصف زوجها بأن أفضل عمله التفكر (٢) وعلى العكس من هذه الحقيقة، فإن الادعاء بأن الصحابة كانوا مشغولين بالجهاد - كما يذكر بعض المتكلمين - فإنه يحمل في طياته ذم الصحابة بل يجعل مذهب السلف أن الرسول ﷺ بلغ قرآنًا لا يفهم معناه، بل تكلم بأحاديث الصفات وهو لا يفهم معناها، وأن جبريل كذلك وأن الصحابة والتابعين كذلك وهذا الموقف - كما يذكر ابن تيمية - ضلال عظيم (٣) .
стр. 18
وشرح ذلك يحتاج إلى مزيد من الإيضاح، نذكره فيما يلي:
منهج الصحابة في النظر والتدبر:
لقد خاطب الإسلام العقل كما رأينا ودعا الإنسان إلى النظر في آثار مخلوقات الله تعالى، وقد مضى عصر الصحابة في الصدر الأول على هذا المنهج القرآني الواضح كان قدوتهم الرسول ﷺ وحده في النظر والسلوك، حيث عاشوا معه وشاهدوا التنزيل وسألوا واستفسروا عما يعنُّ لهم من قضايا تحتاج إلى شرح وإيضاح.
وهكذا استمدوا من كتاب الله تعالى معرفة وحدانية الله تعالى، وإثبات صفاته، وعرفوا الأنبياء والرسل ﵈ وقصصهم مع أممهم، ووقفوا منه على أصل خلق آدم ﵇ وعداوة إبليس له ولبنيه وعرفوا مكانة الملائكة وأدوارهم من بين مخلوقات الله تعالى، واستمدوا معلوماتهم عن اليوم الآخر وحساب الله تعالى وجنته وناره والقدر خيره وشره إلى ذلك من القضايا التي تشكل أركانًا رئيسية وأصولاً في الإيمان. وكلها جمعها القرآن الكريم - كما يرى الزركشي - في أقسام ثلاثة: توحيد وتذكير وأحكام. (فالتوحيد تدخل فيه معرفة المخلوقات ومعرفة الخالق بأسمائه وصفاته وأفعاله، والتذكير ومنه الوعد والوعيد والجنة والنار وتصفية الظاهر والباطن، والأحكام ومنها التكاليف كلها وتبيين النافع والضار والأمر والنهي والندب. فالأول: (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) [البقرة، الآية: ١٦٣] فيه التوحيد كله في الذات والصفات والأفعال، والثاني: (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [الذاريات، الآية: ٥٥] . والثالث: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ) [المائدة، الآية: ٤٩] (١) .
وقد خط لهم القرآن الكريم الاستدلال بمخلوقات الله تعالى على وحدانيته سبحانه وعلمه وحكمته، فإنها جميعًا تبرهن على أن لها صانعًا حكيماً خبيراً تام القدرة بالغ الحكمة، كما دعاهم إلى آثار الصنعة في أنفسهم أيضًا (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ [الذاريات، الآية: ٢١] إشارة إلى ما فيها من آثار الصنعة ولطيف الحكمة
стр. 19
الدالين على وجود الصانع الحكيم (١) .
ونهاهم الرسول ﷺ عن التفكر في الخالق جل شأنه، فجاء في الأثر "تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق) ، وتعليل النهي أنه ليس كمثله شيء (فالتفكر والذي مبناه على القياس ممتنع في حقه، وإنما هو معلوم بالفطرة، فيذكره العبد) (٢) كذلك جاء الرسول ﷺ بسنته كمصدر ثان للإسلام ولذلك أصبح المنهج الصحيح يقتضي معرفة سنته وتنفيذها، فمن كان أعلم بسنته وأتبع لها كان الصواب معه، وهذه الأوصاف تنطق على الصحابة ﵃ ثم الأجيال التالية من أهل الحديث والسنة (وهؤلاء هم الذين لا ينتصرون إلا لقوله، ولا يضافون إلا إليه، وهم أعلم الناس بسنته وأتبع لها لكن التفرق والاختلاف كثير في المتأخرين) (٣) .
وبهذه الطريقة وضعوا الأسس السليمة للمنهج الصحيح في معرفة أصول الدين وفروعه، فمن أراد إذن معرفة شيء من الدين والكلام فيه، نظر فيما قاله الله والرسول ﷺ ، فمنه يتعلم وبه يتكلم وفيه ينظر ويتفكر وبه يستدل، هذا أصل منهج أهل الحديث والسنة.
أما المخالفون لهذا المنهج، فلم يراعوا قاعدته ويلتزموا بخطواته، إذ أنهم بدلاً من البدء بالنظر فيما قاله الله ورسوله ﷺ ، بدأوا بما رأوه بعقولهم كما فعل المتكلمون، أو بما ذاقوه بوجدانهم - كما فعل الصوفية - فإذا وجدوا السنة توافقه وإلا لم يبالوا بذلك، فإذا وجدوها تخالفه، أعرضوا عنها تفويضًا أو حرفوها تأويلاً (٤) .
وهذه الصورة المخالفة للمنهج الإسلامي الصحيح كثيرًا ما نراها في عصرنا أيضًا، بسبب ضغوط ثقافة الغرب وحضارته، وعلى أثر انتصاره العسكري والسياسي وتفوقه العلمي ونفوذه الثقافي، وتأثيره الساحر على العقول والنفوس، في مقابل ضآلة
стр. 20
المعرفة بالإسلام بأصوله وفروعه، نجم عنه أن أصبح الكثيرون يتبنون الأفكار والفلسفات الغربية ويعطونها شكلاً إسلاميًا، ظانين بذلك أنهم يدافعون عنه ويقدمونه إلى الأجيال الشابة في ثوب عصري!! (١) .
стр. 21
الأدلة النقلية والعقلية على فضل الصحابة ﵃
تشهد الأدلة النقلية والعقلية معًا على فضلهم، وبيان ذلك كالآتي:
أولا: الأدلة النقلية:
منها ما قاله تعالى في وصفهم: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [التوبة، الآية: ١٠٠] فكانوا هم الأفضل ثم يتناول الوصف من اتبعهم إلى يوم القيامة. وأيضًا ثبت في الصحيحين من غير وجه أن النبي ﷺ قال: "خير القرون القرن الذي بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم".
كما ظهر من دراسة السنة النبوية مكانة الصحابة الخاصة بعد رسول الله ﷺ ، لا سيما الخلفاء الراشدين وباقي العشرة المبشرين بالجنة.
والحديث: "فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين. عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة" (١) .
والآيات والأحاديث كثيرة في وصف أفضالهم ومكانتهم الممتازة، مثل قوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) [آل عمران، الآية: ١١٠] .
وقوله تعالى: (لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) [الحديد، الآية: ١٠] .
والحديث "أوصيكم بأصحابي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يفشو الكذب حتى يحلف الرجل ولا يستحلف ويشهد الشاهد ولا يستشهد" (٢) .
كما وصفهم الرسول ﷺ في حديث آخر بأنهم خير القرون، وبأن غيرهم لو أنفق مثل أحد ذهبًا، ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه.
وقد عانوا وكابدوا كثيرًا بعد الاهتداء للإسلام من أهلهم وعشيرتهم وقبائلهم وأقرب أقربائهم ولكنهم لم يبالوا، بل صبروا وثبتوا لأنهم تذوقوا حلاوة الإيمان في القلوب أيقنوا صدق الرسول ﷺ واقتنعوا بعقيدتهم ولم تتأثر نفوسهم وقلوبهم بأية
стр. 22
اضطهادات أو مشاق يقابلونها بسبب عقيدتهم، ثم انطلقوا ينشرونها، ويدافعون عنها ويبذلون في ذلك الأنفس والنفائس.
يقول ابن الوزير اليماني:
لولا ثقل موازينهم في الشرف والدين ما اتبعوا رسول الله ﷺ بأدلة الدين الجديد فلم يعبأوا أمام وضوح الأدلة ورسوخها في عقولهم ومالوا عن إلف دين الآباء والأتراب والقرباء إلى أمر شاق على القلوب، ثقيل على النفوس، لا سيما وهم في ذلك الزمان أهل الأنفة (١) .
والصحابة ﵃ هم أيضًا الواسطة بين الرسول ﷺ وبين الأمة، ولذلك امتدحهم ﵇ وجعلهم الأفضل على مدى الأجيال، ففي حديث صحيح قال رسول الله ﷺ : (لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه " (٢) .
قال ابن عبد البر: (وما أظن أهل دين من الأديان إلا وعلماؤهم معنيون بمعرفة أصحاب أنبيائهم، لأنهم الواسطة بين النبي وبين أمته) (٣) .
والأدلة كثيرة تدل على فطنتهم وذكائهم، وأنهم كانوا أصحاب دراية وفكر ونظر، ولم يكونوا من السذج بحيث يخدعون أو يؤمنون كإيمان العامة. يروي لنا ابن كثير في تفسيره عن أحد صالحي المهاجرين وهو جندب بن كعب الأزدي أنه رأى عند الوليد بن عقبة ساحرًا يلعب بين يديه، فكان يضرب رأس الرجل ثم يصبح به فيرد إليه رأسه، فقال الناس: سبحان الله يحيي الموتى! فلما كان الغد جاء مشتملاً على سيفه، وذهب حيث يلعب لعبه ذلك، فاخترط الرجل سيفه فضرب عنق الساحر وقال: إن كان صادقا فليحي نفسه وتلا قوله تعالى: (أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ) [الأنبياء، الآية: ٣] ولا شك أنه كان يعرف الحديث "حد الساحر ضربة
стр. 23
بالسيف" (رواه الترمذي) (١) .
ولا نظن أننا نغالي إذا قلنا: إنهم عاشوا على أعتاب عالم الغيب وتمثلوه، كأنه عالم مشاهد حاضر أمامهم يرونه ويعيشون فيه، فكانوا يتنافسون في طلب الشهادة للانتقال من الحياة الفانية إلى الحياة الباقية، تحقيقًا للسعادة الأبدية عند ربهم وها هو حارثة ﵁ يسأله رسول الله ﷺ : "كيف أصبحت يا حارثة؟ " قال: أصبحت مؤمنًا حقًا، قال: "انظر ما تقول؟ فإن لكل قول حقيقة"، قال: يا رسول الله، عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري كأني بعرش ربي بارزًا، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار يتعاوون فيها، قال: "الزم، عبد نور الله الإيمان في قلبه" (٢) .
فأما درجة السابقين كأبي بكر وعمر فتلك لا يبلغها أحد وقد ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: "قد كان في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في أمتي فعمر" وفي حديث آخر "إن الله ضرب الحق على لسان عمر وقلبه" وقال علي: "كنا نتحدث أن السكينة تنطق على لسان عمر" وفي الترمذي وغيره (لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر، ولو كان بعدي نبي ينتظر لكان عمر) .
ومع هذا فالصديق أكمل منه؛ فإن الصديق كمل في تصديقه للنبي ﷺ فلا يتلقى إلا عن النبي والنبي معصوم. والمحدث - كعمر - يأخذ أحيانًا عن قلبه ما يلهمه، ويحدث به، لكن قلبه ليس معصومًا. فعليه أن يعرض ما ألقي عليه على ما جاء به الرسول ﷺ ، فإن وافقه قبله، وإن خالفه رده. ولهذا رجع عمر عن أشياء، وكان الصحابة يناظرونه ويحتجون عليه، فإذا بينت له الحجة من الكتاب والسنة رجع إليها وترك ما رآه والصديق إنما يتلقى عن الرسول ﷺ لا عن قلبه. فهو أكمل من المحدث. وليس بعد أبي بكر الصديق أفضل منه، ولا بعد عمر محدث أفضل منه (٣) .
بعد هذا التوضيح لا نرى مزيدًا لمستزيد لتقرير كمال المنهج الذي اتبعه
стр. 24
الصحابة في معرفة الدين أصولاً وفروعًا (١) .
ثانيًا الدليل العقلي:
ففضلاً عن النصوص المستفيضة عن الصحابة ﵃ في التفسير، والتي تدل على فهمهم للقرآن الكريم وتدبرهم، وإحاطتهم بالأدلة التي قدمها كالآيات وضرب الأمثلة واستخدام الأقيسة العقلية، فإن استخدامنا للدليل العقلي يبرهن أيضًا على أن حواريي الرسل وصحابتهم هم أكثر الناس فهمًا لرسالتهم من غيرهم بأصولها الكبرى وفروعها ودقائقها أيضًا، وأن المتأخرين هم أكثر الناس بعدًا عن الرسالات وفهمها باستثناء القلة الحريصة على اتباع السابقين عليهم بمنهج النقل الدقيق كما فعل أهل الحديث والسنة.
وهذا هو التفسير المنطقي المعقول الذي يشهد به تاريخ الدعوات الدينية، فهي (تقوم إبان نشأتها على معتنقين اتجهوا نحوها بقلوبهم وتفاوتوا فيها بأرواحهم. وكم روى التاريخ من أخبار الرسول صلوات الله عليه وأن إشارته كانت تقابل بالتنفيذ من الجميع، فإذا ما فترت الدعوة وضعفت العقيدة وخمدت حرارة الإيمان الأولى، أخذ الناس يبحثون في معتقداتهم ويعللون ويناقشون ويعارضون) (٢) .
ولم نذهب بعيدًا في التعليل والتفسير بينما كان عبد الله بن عباس ﵄ سباقًا إلى تعليل اختلاف المسلمين متنبئًا بما سيحدث في العصور التالية لعصر الصحابة مفسرًا إياه بنقص درايتهم بالقرآن وافتقادهم لفهمه على الوجه الصحيح فقد خلا عمر ﵁ ذات يوم فجعل يحدث نفسه: كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد؟ فأرسل إلى ابن عباس ﵄ فقال: كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد وقبلتها واحدة وكتابها واحد؟ فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين، إنما أنزل علينا القرآن فقرأناه وعلمنا فيما أنزل وأنه سيكون بعدنا أقوام يقرأون القرآن ولا يدرون فيما نزل، فيكون لهم فيه رأي فإذا كان كذلك اختلفوا فيكون لكل قوم فيه رأي..
стр. 25
فإذا اختلفوا اقتتلوا (١) .
وكانت طرق استدلال الصحابة مستمدة من النظر في المخلوقات والتأمل في عجائب صنع الله تعالى وما يطرأ عليها من تغيرات على مدار الأزمنة، فأيقنوا أنها لا بد أنها مخلوقة من رب حكيم، أحسن كل شيء خلقه وأتقن صنع كل شيء. عن الحسن البصري قال: (كانوا - يعني الصحابة - يقولون: الحمد لله الرب الرفيق الذي لو جعل هذا الخلق خلقًا دائمًا لا ينصرف لقال الشاك في الله: لو كان لهذا الخلق رب لحادثه (٢) وإن الله قد حادثه بما ترون من الآيات: إنه جاء بضوء طبق ما بين الخافقين، وجعل فيها معاشا وسراجا وهاجا، ثم إذا شاء ذهب بذلك الخلق وجاء بظلمة طبقت ما بين الخافقين وجعل فيها سكنًا ونجومًا وقمرًا منيرًا، وإذا شاء بني بناء جعل فيه من المطر والبرق والرعد ما شاء وإذا شاء صرف ذلك وإذا شاء جاء ببرد يقرقف الناس (من القرقفة أي: الرعدة) ، وإذا شاء ذهب بذلك وجاء بحر يأخذ بأنفاس الناس، ليعلم الناس أن لهذا الخلق رباً يحادثه بما يرون من الآيات، كذلك إذا شاء ذهب بالدنيا وجاء بالآخرة.
وترى الصحابة - طبقًا لهذا الاستدلال - قد سلكوا الطريق الفطري المطابق لطريق البرهان العقلي في إثبات وجود الله ، وأنه خالق كل شيء وهو سبحانه المحدث الفاعل بمشيئته وقدرته، ولم يفعلوا كما فعل بعض فلاسفة اليونان عندما فسروا صدور الكون بأنه معلول يقارن علته (فإن ذلك يمتنع محادثته أي: إحداث الحوادث فيه) (٣) .
من هذا يتبين أيضًا أن أدلة الشرع أدلة عقلية، فقد فطر الله تعالى عباده على معرفة الحق وقد بعث الرسل - كما يصفهم ابن تيمية - بتكميل الفطرة قال تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) [فصلت، الآية: ٥٣]
стр. 26
وتفسيرها (أنه سبحانه أخبر أنه سيريهم الآيات الأفقية والنفسية المبينة، لأن القرآن الذي أخبر به عباده حق، فتتطابق الدلالة البرهانية العيانية ويتصادق موجب الشرع المنقول والنظر المعقول) (١) .
والتفسير العقلي أيضًا يبرهن على تجاوبهم الكامل مع العقيدة التي تغلغلت إلى نفوسهم فإن الدارس لأحوالهم وسلوكهم خلال سنوات الأزمات والجهاد الشاق على النفس وعلى الهوى وفي مواجهة الأهل والأصحاب والعادات المألوفة والعقائد الوثنية الباطلة بعد أن تلقوها من رسول الله ﷺ ، بعد كل هذا يمكن وصفهم بأنهم الأعلم والأحكم من كل من جاء بعدهم.
ونكتفي بواقعة واحدة للمقارنة، تلك هي موقعة تبوك حيث بلغت بهم الشدة مبلغها.
يقول ابن كثير: (ومن هنا تتبين فضيلة أصحاب محمد ﷺ على سائر أصحاب الأنبياء في صبرهم وعدم تعنتهم كما كانوا معه في أسفاره وغزواته منها عام تبوك في ذلك القيظ والحر الشديد والجهد لم يسألوا خرق عادة ولا إيجاد أمر مع أن ذلك كان سهلاً على الرسول ﷺ لما أجهدهم الجوع سألوه في تكثير طعامهم فجمعوا ما معهم فجاء قدر مبرك الشاة فدعَا فيه وأمرهم فملأوا كل وعاء معهم. وكذا لما احتاجوا إلى الماء سأل الله تعالى فجاءت سحابة فأمطرتهم، فشربوا وسقوا الإبل وملأوا أسقيتهم ثم نظروا فإذا هي لم تجاوز العسكر فهذا هو الأكمل في الاتباع أي: المشي مع قدر الله مع متابعة الرسول ﷺ (٢) .
وهل نتصور أن أهل العصور التالية كانوا أكثر فهمًا للدين وأصوله من الصحابة؟ أو أنهم أفقه وأورع منهم؟ إن ذلك يعد قلبًا للأوضاع وتبديلاً لموازين القياس الصحيح، إذ سجل لنا التاريخ فضائل أعمال الجيل الأول بمثاليتهم في الفهم والتطبيق فلم يشغلهم عن الجهاد؛ والأعمال الصالحة تنطوي في ذاتها على عمق الإدراك والوعي بالرسالة والتحرك بها فانصرفوا عن الجدال واهتموا بالأعمال، ولكن الأوضاع
стр. 27
انقلبت بعدهم، فظهر الجدل في الدين على حساب العمل، أو كان بداية لفرقة وحدة المسلمين وتفتيت جماعتهم وظهور علامات الوهن بين صفوفهم.
لذلك اعتبر علماء الحديث ظهور الجدل الكلامي لونًا من الردة، وعللوه بقلة الفقه في الدين وذهاب العلماء لقول الدارمي: (وكانوا مقموعين أيام الصحابة والتابعين مقهورين بسلطان الدولة وحجج العلماء، ولكنهم عندما بعد الزمن وجدوا الفرصة لنشر مذاهبهم عندما وجدوا من الرعاع جهلاً ومن العلماء قلة) (١) .
لقد بحث المتكلمون ونقبوا في تاريخ الصحابة وأيامهم فلم يجدوا آثارًا تدل على خوض الصحابة فيهم، فاستنتجوا أنهم لم يعرفوها وهذا منهج خاطئ في البحث والتصور لقول السفاريني:
ولما كان عصر الصحابة والتابعين لهم بإحسان خاليًا من البدع الكلامية والشبه الخيالية والخصوم المعتزلية، لم تكن أدلة علم أصول الدين مدونة هذا التدوين (٢) . كما تمادى المتكلمون بالطعن في الصحابة فزعموا أنهم كانوا مشغولين بالجهاد عن تناول أمهات أصول الدين والحق أن الجهاد كان ثمرة العقيدة وتجسيدًا وتعبيرًا عن تمكنها من النفوس والقلوب.
ولا يمكن تفسير الانتصارات المذهلة للصحابة إلا في ضوء استجابتهم لعقيدة الإسلام وفهمها حق الفهم وتطبيقها عمليًا فاجتذبوا غيرهم من الشعوب ذات الحضارات العريقة فكان الصحابة في وضع الطلائع والصفوة الممتازة.
ولما كانت حضارة الإسلام منتصرة وسائدة لا انتصارًا عسكريًا فحسب فإن - ذلك يعبر عن المقدمات - ولكن تغلغلا إلى أعماق الشعوب عقائديًا ونفسيًا؛ لأن حملة العقيدة الجديدة كانوا هم الأفضل والأجدر بالاتباع والانقياد.
وظهرت حروب الردة لتكشف معادن الرجال مبرهنة على أن قوة الإيمان في صف أبي بكر والصحابة وقد وقفت سدًا مانعًا لمواجهة أية ثغرة في العقيدة، وكانت
стр. 28
محكًا لأثر الإيمان في النفوس والفهم الصحيح لعقائد الإسلام، فقد كشفت الردة عن (حقيقة التصور الإلهي في أذهان المسلمين وسلوكهم حين تحول إلى أعمال وحرب حتى لا يتمكن المرتدون من تشويه العقيدة، أو انتقاص المنهج، أو إدخال شيء من الجاهلية في الإسلام) (١) .
إن هذا الفهم الممتزج بالإيمان هو الدافع الحقيقي لجهاد الصحابة مع رسول الله ﷺ والتسابق للاستشهاد، ومع الصديق ﵁ بعده.
ألا يحق لعلماء أهل السنة والجماعة سلوك طريقهم واعتبارهم الجيل المثالي في العقيدة والسلوك؟
ولن يدهشنا إذًا عندما نرى أحد علمائهم - وهو الدارمِيّ - يقول:
فلم يظهر جهم وأصحابه - وهم أول من قالوا بالجبر ونفوا الصفات الإلهية - في زمن أصحاب رسول الله ﷺ وكبار التابعين فيروى عنهم فيها أثر منصوص، مسمى ولو كانوا بين أظهرهم مظهرين آراءهم لقتلوا كما قتل علي ﵁ الزنادقة - وهم أتباع عبد الله بن سبأ اليهودي الذين قالوا بتأليه علي وظهروا في عصره، ولقتلوا كما قتل أهل الردة (٢) .
ويوضح لنا الدارمي - بهذا الرأي - كيف دارت عجلة التاريخ لتطبيق سننه في رقي الأمم وتدهورها، إذ عبرت الفلول المهزومة في الحضارات المغلوبة عن نفسها بنشر فلسفاتها ونظراتها للألوهية والكون والإنسان، أو إثارة المشكلات العقائدية التي كانت تعاني منها إبان أزماتها.
ومما أذهل عقول مؤرخي التاريخ وفلاسفته أن المسلمين قاموا بغزو بلاد ذات حضارات عريقة، فكان من المنتظر قياسًا على الغزوات المماثلة من قبل كغزوات الإسكندر الأكبر مثلا - حيث لم تجاوز أعماله مجال التعمير الحضاري بمظهرها المادي فقط - كان من المنتظر بقاء الأفكار الفلسفية والدينية للسكان الأصليين كما هي
стр. 29
ولكن ما حدث نتيجة انتصار المسلمين لم يتوقع، لأنه اكتسح ما لاقاه في طريقه كالسيل الجارف، (فتغير كل شيء بين يوم وليلة. ولم يقتصر في هذه المرة على الواجهة السياسية والاقتصادية في المدن الكبرى فقط، وإنما تغلغل في الأعماق النفسية لهذه الشعوب جميعًا: فاللغات والأفكار والقانون والآمال والعادات وتصور العالم وعقيدة الألوهية، كل ذلك قد طرأ عليه تغيير جذري سريع) (١) .
والشواهد أكثر من أن يستدل بها في هذا الموضع وإلا اضطررنا إلى عرض حياة عشرات، بل مئات الصحابة رضوان الله عليهم ومنهم من فسر القرآن الكريم ومنهم من تفقه ومنهم من اختص بالإفتاء والاجتهاد والأمثلة كثيرة على مثل هذه التخصصات.
ولو مضينا في دراسة أنشطتهم العلمية لخرجنا بصورة كاملة عن حقيقة عقائدهم، إذ توصلوا إليها في كافة أوجه أصول الدين من عقيدة التوحيد إلى الصفات الإلهية إلى مسألة القضاء والقدر الإلهي، إلى الإنسان وحقيقته وغايته وأخلاقه، إلى المجتمع ومكوناته والحياة الإنسانية بكافة جوانبها، حتى قال الإمام أحمد بن حنبل: (لقد حدثت أجناس الأعمال في عصر الصحابة) .
وقال الإمام أحمد: (أنه ما من مسألة إلا وقد تكلم فيها الصحابة أو في نظيرها فإنه لما فتحت البلاد وانتشر الإسلام حدثت جميع أجناس الأعمال فتكلموا فيها بالكتاب والسنة، وإنما تكلم بعضهم في مسائل قليلة) (٢) .
ويقصد بذلك أنهم أرسوا قواعد الحياة الإسلامية الحقيقية كلها.
هذه الحياة الكاملة التي تتناول العقيدة والعبادات والأخلاق في دائرة واحدة يعبرون عنها بحياتهم اليومية العادية والمعارك العسكرية والمعاملات التجارية والعلاقات الاجتماعية في الأخوة والصحبة والزواج والعتاق والمسرات والأحزان
стр. 30
وهذه المزية ينفرد بها الصحابة دون من جاء بعدهم، لأنه ما إن انقضى عصرهم حتى ظهرت بواكير التحول التدريجي البطيء عن هذه الحياة أقل درجة منها، ثم ظهرت الفتن والقلاقل، شأنه سنن الحياة في النزول عن القمة بعد بلوغها الذروة.
ومن هنا أصبحت تقاس أطوارنا تاريخيًا بالنظر إلى اقترابها أو ابتعادها عن المجتمع الإسلامي في الخلافة الراشدة وما حققته الحضارة الإسلامية في هذا الطور العظيم، فإذا تكلمنا عن الشورى والبيعة والعدالة، وإذا تكلمنا عن المساواة في الحقوق والواجبات بين الناس، وإذا تكلمنا عن الفتوحات ورايات الإسلام الخفاقة المنتشرة في الأرض حينذاك، فلن تجد مصدرا غنيًا كاملاً بكل ما تحقق في هذه الميادين إلا في وقت الخلافة الراشدة والقرون الأولى المفضلة.
ولهذا فإن التاريخ يسجل الصلة العكسية بين ظهور الحضارة الإسلامية واتساع نفوذها وأثر إشعاعها وفتوحاتها، وبين ظهور الفرق وانقسام صفوف المسلمين بين نحل ومذاهب تتطاحن وتتناحر.
وإذا عبرنا بلغة فلسفة التاريخ لفهم تاريخ المسلمين، عثرنا على الرباط الوثيق بين تنفيذ قواعد الشرع وفَهْم الإسلام من واقع مصدريه وبين النصر والظهور للمسلمين وبلوغ حضارتهم إلى الذروة، ففي العصور الأولى عندما كان الصحابة والتابعون يسيرون على طريق الشرع بفهم ووعي، انتصروا في الغزوات وقهروا الأعداء وحققوا مجتمعًا إنسانيًا مثاليًا لم تر البشرية مثله، ثم أصاب الوهن المجتمعات الإسلامية وظهر الضعف في أوصالها على أثر ضعف العقيدة في النفوس وظهور البدع. ولا تخطئ عين الباحث المنقب في كتب التاريخ ملاحظة ما حققه المسلمون في عصر النبي ﷺ بقيادته ثم الصحابة التابعون.
وإذا شئنا تفصيلا موجزًا، رأينا أن عصر بني أمية امتلأ بالفتوحات والانتصارات ولكن يعاب على أمرائهم تأخير الصلاة.
وكان أوائل خلفاء بني العباس أفضل ممن سبقهم من بني أمية في أداء الصلاة في أوقاتها وفي عصر المأمون (٢١٥ هـ) ترجمت الكتب اليونانية وكان ذلك على حساب العقيدة، فعندما تدخلت المفاهيم الفلسفية اليونانية، انحرفت العقيدة. وزادها انحرافًا غلو التشيع ثم التصوف بمذاهبه المتطرفة كالحلول ووحدة الوجود، واختلط
стр. 31
علم الكلام لدى المعتزلة بمصطلحات الفلسفة اليونانية.
ورويدًا رويدًا ضعفت الذاتية الإسلامية الأصلية - المتضمنة للعقيدة والأعمال - لدى الكثيرين وحلت محلها أفكارٌ فلسفية أجنبية، أو مذاهب كلامية متطرفة، فأضعفت من أثر العقيدة في النفوس، وحولت المسلمين إلى غير أهداف الأجيال الأولى، ونزعت من القلوب الخوف والرجاء والمحبة لله تعالى بأسمائه وصفاته الحسنى التي كان الأوائل يندفعون بها في ميادين الحياة والجهاد وتعمير الأرض والسعي فيها، تحولت إلى مناقشات وجدال، فخمدت الجذوة المشتعلة وتحولت أحيانًا إلى ما يشبه الرماد، فظهر الضعف وتغلب الأعداء.
стр. 32
الباب الثاني
أحداث الردة والفتن
- الافتراق عن مذهب الصحابة ﵃
- موقف التابعين إزاء المخالفين
- ظهور الجدل في أصول الدين.
- مذهب أهل السنة والجماعة.
стр. 33
تمهيد:
تبين لنا مما تقدم أن المسلمين في الصدر الأول من الصحابة وأوائل عصر التابعين تقيدوا بالمنهج الإسلامي الصحيح.
فإن أفضل الخلق بعد الأنبياء هم الصحابة، فلا ينتصر لشخص انتصارًا مطلقًا عامًا إلا لرسول الله ﷺ ، ولا لطائفة انتصاراً مطلقًا إلا للصحابة ﵃ (١) .
وإن ارتد ناس بعد رسول الله ﷺ فليسوا من الفرقة الناجية هم:
أولاً: خصوم أبي بكر ﵁ كمسيلمة الكذاب.
ثانيًا: السبئية أتباع عبد الله بن سبأ.
ثالثًا: المختار بن أبي عبيد.
وشرح حديث الفرق الناجية يقتضي أنه كل من خرج عن الجماعة فينطق عليه وصف الرسول ﷺ ، قال ابن تيمية: وكذلك يدل الحديث على مفارقة الاثنين والسبعين في أصول العقائد، بل ليس في ظاهر الحديث إلا مباينة الثلاث والسبعين كل طائفة للأخرى، وحينئذ فمعلوم أن جهة الافتراق جهة ذم لا جهة مدح، فإن الله تعالى أمر بالجماعة والائتلاف وذم التفريق والخلاف، فقال تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) [آل عمران، الآية: ١٠٣] .
وقال تعالى: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ) [آل عمران، الآية: ١٠٥، ١٠٦]
قال ابن عباس وغيره: (تبيض وجوه أهل السنة وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة) . وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ [الأنعام، الآية: ١٥٩] (٢) .
стр. 34
وقال: (وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ) [البقرة، الآية: ٢١٣]
وقال: (وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ [البينة، الآية: ٤] وإذا كان كذلك فأعظم الطوائف مفارقة للجماعة وافتراقًا في نفسها أولى الطوائف بالذم وأقلها افتراقًا ومفارقة للجماعة أقربها إلى الحق (١) .
والحديث نفسه ليس في الصحيحين بل قد طعن فيه بعض أهل الحديث كابن حزم وغيره، ولكن قد رواه أهل السنن كأبي داود والترمذي وابن ماجه ورواه أهل الأسانيد كالإمام أحمد.
وعلى أية حال فإن الحديث يصف حال الجماعة، فقد رواه في حديث آخر: (هم الجماعة) .
وفي رواية: (من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي) .
السنة: ما كان ﷺ هو وأصحابه عليها في عهده مما أمرهم به أو أقرهم عليه أو فعله.
أما الجماعة: فهم المجتمعون الذين ما فرقوا دينهم وكانوا شيعًا، وهم أقل اختلافًا في أصول دينهم من سائر الطوائف (٢) وأهل الجماعة أقل اختلافًا في أصول دينهم من سائر الطوائف.
فإن الحق مع الرسول ﷺ ، فمن كان أعلم بسننه وأتبع لها كان الصواب معه وهؤلاء هم الذين لا ينتصرون إلا لقوله ولا يضافون إلا إليه، وهم أعلم الناس بسننه وأتبع لها وأكثر سلف الأمة كذلك، لكن التفرق والاختلاف كثير في المتأخرين (٣) .
وقد سار أهل الحديث والسنة والجماعة بمنهج اتباعهم الكتاب والسنة الثابتة عن نبيهم ﷺ في الأصول والفروع وما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ ، بخلاف المنشقين عن هذا المنهج - كما سيتضح لنا تباعًا - فإنهم خالفوا هذه القاعدة الأصولية
стр. 35
كالمعتزلة والشيعة والخوارج ومن وافقهم، فإنهم لا يتبعون الأحاديث التي رواها الثقات عن النبي ﷺ التي يعلم أهل الحديث صحتها والأدلة على ذلك أن المعتزلة يقولون: هذه أخبار آحاد، ويطعن الشيعة في الصحابة ونقلهم وهذا طعن ضمني في الرسالة. والخوارج يعبرون عن موقف قائلهم (اعدل يا محمد فإنك لم تعدل) ولهذا قال النبي ﷺ : (ويلك إن لم أعدل من يعدل لقد خبت وخسرت إن لم أعدل) (١) .
وقد ظهرت الفرق والآراء الكلامية المبتدعة تباعًا، وجابهها علماء السنة والجماعة للرد عليها وإعادتها إلى الصف الإسلامي بعقيدته في الصدر الأول.
وكلما تفتقت الأحداث عن انحراف ما، أسرع الجهابذة من علماء أهل السنة والجماعة لتصويبه وإظهار وجه الحق، إذ ظهرت أفكار الخوارج بسبب قصورهم في فهم آيات من القرآن الكريم، وبدأ التشيع عندما قتل الحسين سيد الشهداء إلى آخر الأحداث التي سجلتها كتب التاريخ، فأخذت الآراء تكثر وتتشعب، والفرق تتشكل وتتحزب حول معتقداتها.
ثم انتقلت أصداء هذه الخلافات والمناقشات إلى كتب علم الكلام لتأخذ مكانها بين الآلاف من صفحاتها عرضًا وتفنيدًا ونقاشًا، وهكذا ظهر الجدل في أصول الدين.
الافتراق عن مذهب الصحابة في أصول الدين:
إن مذهب الصحابة ﵃ كما يذكر الشاطبي- وعليه دأبوا أن الحجة القاطعة والحاكم الأعلى هو الشرع لا غيره، فلم ينكر أحد منهم ذلك، بل أقروا وأذعنوا لكلام الله وكلام رسول الله ﷺ ولم يصادموه ولا عارضوه بأشكال، بل آمنوا به وأقروه (٢) .
وتعليل ذلك عنده:
١ - إن الرسول ﷺ نهاهم عن التنقيب فيما لا طائل وراءه بمثل قوله (ذروني ما تركتكم فإنما هلك الذين من قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا
стр. 36
نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فخذوا منه ما استطعتم) ولهذا قال عمر بن الخطاب ﵁: (إن أصحاب الرأي أعداء السنن أعيتهم أن يحفظوها وتفلتت منهم أن يعوها، واستحيوا حين سئلوا أن يقولوا لا نعلم فعارضوا السنن برأيهم فإياكم وإياهم) . والآثار كثيرة تشير إلى ذم إيثار نظر العقل على آثار النبي ﷺ . ثم جاء جهم بن صفوان وغيره فخالفوا السنن وعارضوها بعقولهم فاستعملوا قياسهم وآراءهم في رد الحديث.
٢- إن جميع ما قالوه مستمد من معنى قول الله تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ) ثم قال: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) ، فإنها صريحة في هذا الرأي الذي قررناه - فإن كل ما لم يجر على المعتاد في الفهم متشابه.
٣- اتخذوا من الشرع حجة قاطعة وحاكمًا أعلى، وظهرت هذه الحقيقة في عدة مواقف عقب انتقال الرسول ﷺ ، ومنها يوم السقيفة إذ قال بعض الأنصار: (منا أمير ومنكم أمير) فأتى الخبر عن رسول الله ﷺ بأن الأئمة من قريش أذعنوا لطاعة الله ورسوله ﷺ ولم يعبأوا برأي من رأى غير ذلك لعلمهم بأن الحق هو المقدم على آراء الرجال.
وفي حرب أبي بكر لمانعي الزكاة، قال له عمر ﵄: كيف نقاتل وقد قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءَهُمْ وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله" فرد أبو بكر بقوله (إلا بحقها) ، فقال: الزكاة حق المال، مع أن الذين أشاروا عليه بترك قتالهم إنما أشاروا عليه بأمر مصلحي ظاهر تعضده مسائل شرعية، ولكن لم يقو عنده آراء الرجال إن تعارض مع الدليل الظاهر الخ.
ونفهم - من استقراء أقوالهم وسلوكهم في جميع أصول الدين - أنهم كانوا يتقيدون بهذا المنهج أي: تقديم الشرع على العقل، لا عن قصور في الفهم، ولكن لمعرفتهم بمكانة الشرع وضرورة تقديمه على الاستنباطات العقلية التي لا تستند إلى دليل.
стр. 37
وإليكم مواقفهم من هذه الأصول:
١ - ففيما يتصل بمسائل الغيب كالكلام عن الميزان والصراط وعذاب القبر والميزان وأوصاف أهل الجنة وأوصاف أهل النار.
فلم ينكر أحد منهم ما جاء من ذلك بل أقروا وأذعنوا لكلام الله وكلام رسوله ﷺ ولم يصادموه ولا عارضوه بأشكال، ولو كان شيء من ذلك لنقل إلينا كما نقل إلينا سائر سيرهم وما جرى بينهم من القضايا والمناظرات في الأحكام الشرعية، فلما لم ينقل إلينا شيء من ذلك دل على أنهم آمنوا به وأقروه، كما جاء من غير بحث عن الكيفيات لأمور الغيب.
ويذكر لنا الشاطبي في كتابه "الاعتصام" طريقة الصحابة إزاء هذه المسائل موضحًا على سبيل التفصيل الاتجاه الصحيح في تلقي الأخبار المنقولة عن صاحب الشرع ﷺ :
- ففهموا وصف الصراط بأنه كحد السيف لأن العادة قد تخرق حتى يمكن المشي والاستقرار.
وفى مسألة الميزان فأثبتوا أن كيفيته تليق بالدار الآخرة، لأن الأعمال ليست كالأجسام التي توزن في دارنا، ولم يأت في النقل ما يعين أنه كميزاننا من كل وجه. مسألة عذاب القبر، فإن رد الروح إلى الميت وتعذيبه بغير أن يراه البشر أو يسمعونه أمر ثابت بالحديث.
والعقل يسلم بما نراه، فالميت يعالج سكرات الموت ويخبر بآلام لا مزيد عليها ولا نرى عليه من ذلك أثر، وكذلك أهل الأمراض المؤلمة.
ويلحق بها مسألة سؤال الملكين للميت وإقعاده في قبره، فإنه إنما يشكل إذا حكمنا المعتاد في حياتنا الدنيا، ولكنه من قبيل خرق العوائد التي لا تحيط بمعرفتها العقول. كإنطاق الجوارح شاهدة على صاحبها يوم القيامة، وقراءة الصحف لمن لم يقرأ قط.
رؤية الله في الآخرة جائزة، إذ لا دليل في العقل يدل على أنه لا رؤية إلا على الوجه المعتاد عندنا.
كلام الباري تعالى إنما نفاه من نفاه وقوفًا مع الكلام الملازم للصوت
стр. 38
والحرف، وهو في حق الله محال؛ فكلامه تعالى خارج عن مشابهة المعتاد، لائق بالرب، إذ لا يجزم العقل بأن الكلام إذا كان على غير الوجه المعتاد - محال. فالموقف الصحيح إذن الوقوف مع ظاهر الأخبار مجردًا.
وكذلك باقي الصفات إنما نفاها من نفاها للزوم التركيب عنده في ذات الباري تعالى وهذا قطع من العقل الذي ثبت قصور إدراكه في المخلوقات فكيف بإثبات صفات الله تعالى، فالصواب في حقه أن يثبت من الصفات ما أثبته لنفسه، والإقرار مع ذلك بالوحدانية له على الإطلاق والعموم.
تحكيم العقل على الله تعالى بحيث يقول: يجب عليه بعثة الرسول ويجب عليه الصلاح والأصلح ويجب عليه اللطف.. إلى آخر ما ينطق به أصحاب المذاهب العقلية المنحرفة، ونتج هذا لأن المعتاد إنما حسن في المخلوق من حيث هو عبد مقصور محصور ممنوع، والله تعالى ما يمنعه شيء ولا يعارض أحكامه حكم، فالواجب الوقوف مع قوله تعالى: (قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ) [الأنعام، الآية: ١٤٩] ، وقوله: (يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) [آل عمران، الآية: ٤٠] . ويقول الإمام الشاطبي في النهاية: (فالحاصل من هذه القضية أنه لا ينبغي للعقل أن يتقدم بين يدي الشرع، فإنه من التقدّم بين يدي الله ورسوله ﷺ بل يكون ملبياً من وراء وراء) (١) .
موقف التابعين إزاء المخالفين:
كان موقف علماء التابعين امتدادًا للصحابة ﵃ ومن هنا نراهم يجابهون الآراء الشاذة التي أعلنها أمثال "غيلان الدمشقي" و"جهم بن صفوان ".
وقد حفلت كتب التاريخ بالمناقشات الدائرة بين بعض التابعين وزعماء الخوارج وأصحاب الآراء التي شذ بها أصحابها عن معتقدات الصدر الأول.
وسنقتطف نبذة يسيرة من هذه المناقشات لمعرفة المنهج الذي اتبعه علماء التابعين في جدالهم مع المخالفين، ومنها مناقشة دارت بين "عمر بن عبد العزيز" - الذي لقب بالخليفة الخامس بسبب تقواه وعدله واستنانه بسنن الراشدين قبله - وبين "غيلان الدمشقي" الذي كان أول من أعلن نفي القدر وتنسب إليه فرقة (القدرية) أي: نفاة القدر.
стр. 39
يذكر لنا الملطي المحاورة الدائرة بينهما فيقول:
(لما دخل "غيلان" إلى "عمر بن عبد العزيز" سأله عن أمر الناس فأخبره صلاحًا، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ويحك يا غيلان ما هذا الذي بلغني عنك؟ قال: يا أمير المؤمنين أتكلم فتسمع؟ قال: تكلم، فقرأ (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) [الإنسان، الآية: ١ - ٣] .
ويبدو من إجابة غيلان أنه استند إلى آيات من سورة الإنسان - أو الدهر- فاقتطع آيات من السورة لكي يؤيد فكرته المسبقة عن نفي القدر.
لذلك سنجد في إجابة "عمر بن عبد العزيز" ﵀ ما يضع القضية في وضعها الصحيح، فيذكر غيلان بالأصل والمبدأ، وهو أن الإنسان مخلوق خلقه الله تعالى، وهو خالقه وخالق أعماله، ولا ينفي ذلك جعل الإنسان مسؤولاً عما يفعله ومريدًا له ومسؤولاً عنه.
لهذا قال عمر: (ويحك من هاهنا تأخذ الأمر وتدع بدء خلق آدم ﵇؟ ثم تلا قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ) [البقرة، الآية: ٣٠ - ٣٣] .
فقال غيلان: والله يا أمير المؤمنين لقد جئتُك ضالاً فهديتني، وأعمى فأبصرتني، وجاهلاً فعلمتني، والله لا أتكلم في شيء من هذا الأمر أبدًا.
فقال عمر: والله لئن بلغني أنك تكلمت في شيء منه لأجعلنك للناس أو للعالمين نكالاً، فلم يتكلم في شيء حتى مات عمر ﵀، فلما مات عمر استأنف الكلام بما وعد بالانتهاء عن الخوض فيه (١) .
ولدينا مصدر آخر يسجل مناقشة ثانية دارت بين "عمر بن عبد العزيز"
стр. 40
وغيلان "الدمشقي"، لها مدلول مشابه، مع الاختلاف في الحجج التي قدمها عمر ﵀، حيث تذكر أنه أفحم غيلان بآيات من سورة "يس" كقوله تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ) [يس، الآية: ٨] وقوله : (فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ) [يس، الآية: ٩] وغيرها - وكانت إجابة "غيلان" لا تخرج أيضًا عن ترديده القول في كل آية يسمعها "كأني لم أقرأ هذه الآية قط".
ولكن "غيلان" نقض العهد في زمان "هشام" فاستدعاه مذكرًا إياه بعهده لعمر بن عبد العزيز، فلما طلب "غيلان" العفو عنه هذه المرة أيضًا رفض هشام وأمره بقراءة أوائل سورة "الفاتحة"، فقرأ (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) .
فسأله هشام: علام استعنته؟ على أمر بيده لا تستطيعه إلا به أو على أمر في يدك أو بيدك؟ ثم أمر به ليضربوا عنقه (١) .
ويتضح من هذه النصوص المنهج الذي اتبعه الأوائل في فهم الصلة بين المشيئة الإلهية والإرادة الإنسانية، فنجد "عمر بن عبد العزيز" يذكر غيلان بمبدأ خلق آدم ﵇ وتعليمه الأسماء كلها وإسجاد الملائكة له فالذي خلقه - سبحانه - من قبل ولم يك شيئًا وعلمه ما لم يكن يعلم؛ وهو الذي يمده أيضًا بالقدرة على الفعل، فيظهر الفقر الذاتي لآدم ﵇ وبنيه؛ وأنهم لا يستقلون عن خالقهم فهو خالقهم وخالق أفعالهم، مع نسبة الأفعال للإنسان نفسه طبقًا لقواعد الشرع والعقل واللغة؛ ومن ثم مسؤوليته عنها وجزاؤه في مقابلها، إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر.
ونلحظ أيضًا أن طريقة عمر بن عبد العزيز ﵀ خالية من استخدام أية مصطلحات خارجة عن الآيات القرآنية، كل ما هناك أنه لفت نظر غيلان إلى الآيات المثبتة للقدرة المطلقة لله تعالى - فإنه سبحانه على كل شيء قدير - وهو توجيه ضمني إلى غيلان - وغيره ممن تأثروا به - إلى خطأ موقف اتخاذ الرأي المسبق ثم البحث في القرآن الكريم على ما يؤيده - فهذه طريقة الذين يضربون كتاب الله