أن في القرآن الأدلة الدالة للناس على تحقيق ما فيه من الأخبار والأوامر كثيرة (١) .
والله - سبحانه - أنزل في كتبه البينات والهدى، فمن تصور الشيء على وجهه فقد اهتدى إليه، ومن عرف دليل قبوله فقد عرف البينات، فالتصور الصحيح اهتداء وهو سبحانه - إذا ذكر الأنبياء - نبينا وغيره - ذكر أنه أرسلهم بالآيات البينات وهي الأدلة والبراهين البينة المعلومة علمًا يقينًا إذْ كان كلّ دليل لا بد أن ينتهي إلى مقدمات بينة بنفسها قد تسمى بديهيات وقد تسمى ضروريات وقد تسمى أوليات، وقد يقال هي معلومة بأنفسها، فالرسل صلوات الله عليهم بعثوا بالآيات البينات (٢) .
أيحتاج الناس بعد ذلك إلى أقيسة وأدلة المتكلمين والفلاسفة، إن الكتب المنزلة وآخرها القرآن الحكيم - كلها بذاتها - آيات بينة لأنها كلام الله تعالى أوحى به إلى أنبيائه ورسله، كذلك اتجه الوحي إلى مخاطبة الفطرة التي فطر الناس عليها، ومنها تمييزها الموازين العقلية بين الحق والباطل إذا حافظت على فطرتها ولم تنصت إلى هواتف الشيطان أو تجنح مع هوى النفس.
مواقفه إزاء القضايا الكلامية
الصفات الإلهية:
إن أهم المسائل التي أثارت الجدل بين ابن تيمية وخصومه المعاضرين هي صفات الله ، فقد اختلفت أهم الفرق بين نفيها - كجهم بن صفوان والمعتزلة - أو الغلو في إثباتها فوقعوا في التشبيه والتجسيم - كالهشامية والكرامية وقلة من الحنابلة الذين يصفهم ابن تيمية بأنهم أتوا من المنكرات والإمام أحمد بريء منهم - أو اتخاذ الموقف الوسط كما فعل الأشاعرة الذين أثبتوا لله صفات سبعة هي الحياة والعلم والقدرة والإرادة والكلام والسمع والبصر، وفرقوا بين صفات الذات وصفات الفعل، وعدوا صفات الفعل كالتنزيل والإتيان والخلق والرضى والغضب وغيرها من الحوادث التي ينبغي تنزيه الله عنها تبعًا للأصل (ما لا يخلو من الحوادث
стр. 212
فهو حادث) .
وفي اعتراض ابن تيمية على المتكلمين، يرى أنهم أقاموا برهانهم على محاولة إثبات الصانع بإثبات حدوث الأجسام التي لا يثبت حدوثها إلا بحدوث ما يقوم بها من الصفات والأفعال فألجأهم هذا إلى نفي صفات الله تعالى وأفعاله القائمة به وظنوا بهذه المقدمة أنهم سيبطلون قول الدهرية، ولكن الدهرية - في رأي ابن تيمية - كانت حجتهم أقوى إذ قالوا: كيف يحدث الحادث بلا سبب حادث؟
ويستند منهج المتكلمين بعامة إلى قاعدة (ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث) وإن كان معتقدهم أن كل ما يرى وتقوم به الصفات فهو جسم، ومن قال: إنه جسم أراد أنه مركب من الأجزاء.
ولكن ابن تيمية يرى أن هذا الطريق طويل ويؤدي إلى الوقوع في الخطأ أما الطريق الصحيح فهو إثبات صفات الكمال لله ، إذ يثبت له - تعالى - صفات الكمال المطلق ذاتًا وصفاتًا مستخدمًا قياس الأولى - أي إنه ما من صفة يثبت وجودها للمخلوق فإن إثباتها للخالق أولى، فضلاً عن ثبوت الصفات الإلهية بالسمع والعقل.
وقد جاء الأنبياء جميعًا بإثبات هذه الصفات - بالتفصيل - أي بإثبات مفصل ونفي مجمل كقوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشورى، الآية: ١١] فعكس المتكلمون الآية وجاءوا بنفي مفصل وإثبات مجمل، والدليل وصف المعتزلة لله بأنه ليس كذا وليس كذا ... إلخ. ويستخلص ابن تيمية من مذاهب المتكلمين إلزامات يؤدي إليها السياق: فإن التوحيد عند المعتزلة - وهو في حقيقته نفي الصفات الإلهية - قول من أبطل الباطل عقلاً، لأنهم يسلمون بأن الله حي عليم قدير، ومن المعلوم أن حيًا بلا حياة وعليمًا بلا علم وقديرًا بلا قدرة يعبر عن موقف معاند للعقل والشرع واللغة، فإن الصفة إذا قامت بمحل عاد حكمها على ذلك المحل، لا غيره.
وكذلك الأمر بالنسبة للأشاعرة الذين أثبتوا صفات الذات وفروا من إثبات الأفعال، إذ لا يعقل أن يكون الموصوف حيًا عالمًا قادرًا متكلمًا رحيمًا مريدًا بحياة قامت بغيره ولا بعلم وقدرة قامت بغيره، ولا بكلام ورحمة وإرادة قامت بغيره والكلام بمشيئة المتكلم وقدرته أكمل ممن لا يكون بمشيئته وقدرته.
стр. 213
وفي تناوله لصفة الكلام لمشيئة الكلام بالذات التي أثارت أشد ألوان الجدل بين السلف والمعتزلة والأشاعرة، فإن ابن تيمية يثبت أن السلف قالوا: إن الله لم يزل متكلمًا إذا شاء وكيف شاء لأن الكلام صفة كمال لا صفة نقص وإنما تكون صفة كمال إذا قام به لا يتصف بما هو بائن عنه، فبرهن على خطأ المعتزلة لقولهم بأن كلام الله مخلوق، واعتبر قول الأشاعرة بدعة، لأنهم ميزوا - تأثرًا بابن كلاب - بين الكلام النفسي وغيره.
وعلينا بعد هذا البيان، الانتقال لمعالجة واحدة من أهم القضايا التي أثارت الخصومات ضد شيخ الإسلام، وألبت الخصوم عليه ورمته بسببها بتهمة التجسيم، وذلك توطئة لمناقشة هذه التهمة وتفنيدها فيما بعد:
إثبات صفات الله تعالى وأفعاله بالأدلة العقلية:
يثبت علماء السنة والحديث ما يقوم بالله تعالى من الصفات كالحياة والعلم والقدرة والإرادة والكلام والسمع والبصر كما يثبتون الأفعال التي يشاؤها ويقدر عليها كالخلق والإحياء والإماتة والاستواء وغير ذلك من الأفعال.
ولا نزاع بين أهل السنة وغيرهم بطبيعة الحال أن أدلة السمع توافرت على إثبات هذه الصفات والأفعال، لكن الذين يخالفون دلالة السمع من المتكلمين يدعون أنها دلالة ظاهرة لا قاطعة، ويرون أن الدلالة العقلية القاطعة خالفتها.
ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية فى شرح القواعد التي يستند إليها في الدلالة العقلية القاطعة التي يشجب بها رأي الفلاسفة الدهرية القائلين بقدم العالم وينقد بها أيضًا المتكلمين سواء المعتزلة الذين نفوا الصفات ونفوا الأفعال بالتأويل.
قال شيخ الإسلام: معلوم بالسمع اتصاف الله تعالى بالأفعال الاختيارية، كالاستواء إلى السماء، والاستواء على العرش، والقبض، والطي، الإتيان، والمجيء، والنزول ونحو ذلك؛ بل الخلق، والإحياء والإماتة، فإن الله تعالى وصف نفسه بالأفعال اللازمة كالاستواء وبالأفعال المتعدية كالخلق، فإن الفعل لا بد له من فاعل، سواء كان فعله مقتصراً عليه أو متعديًا إلى غيره. والفعل المتعدي إلى غيره لا يتعدى
стр. 214
حتى يقوم بفاعله، إذ لا بد من الفاعل. وهذا معلوم سمعًا وعقلاً (١) .
واستعان ابن تيمية في شرحه ببعض قواعد اللغة العربية التي يقرها الكافة ويعرفونها، فإن أهل اللغة التي نزل بها القرآن متفقون على أن الإنسان إذا قال: (قام فلان وقعد) أو قال: (أكل فلان الطعام وشرب الشراب) فإنه لا بد أن يكون في الفعل المتعدي إلى المفعول به ما في الفعل اللازم وزيادة.
إذاً كلتا الجملتين فعلية، وكلتاهما فيه فعل وفاعل، الثانية امتازت بزيادة المفعول.
فإذا وضعنا هذه القاعدة نصب أعيننا في التفسير لتبين لنا التفسير الواضح لمثل قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) [الحديد: ٤] إذ تضمن فعلين: أولهما متعد لمفعول به، والثاني مقتصر لا يتعدى، فإذا كان الثاني - وهو قوله تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى) فعلاً متعلقًا بالفاعل، فقوله: (خَلَقَ) كذلك، بلا نزاع بين أهل العربية.
ويستكمل ابن تيمية الشرح من حيث الأدلة العقلية، فيوضح أن من جوز أن يقوم بذات الله تعالى فعل لازم له، كالاستواء والمجيء ونحو ذلك، لم يمكنه أن يمنع قيام فعل يتعلق بالمخلوق، كالخلق والبعث والإماتة والإحياء. كما أن من جوز أن تقوم به صفة لا تتعلق بالغير كالحياة، لم يمكنه أن يمنع قيام الصفات المتعلقة بالغير، كالعلم والقدرة والسمع والبصر.
وينبغي أن نقرر أيضًا تبعًا لما نشاهده في الكون من مخلوقات حادثة، أن علم المخلوقات بأفعال الله تعالى الاختيارية القائمة بنفسه، وهذه الأفعال سبب حدوثها، والله تعالى حي قيوم لم يزل موصوفًا بأنه يتكلم بما يشاء. فعال لما يشاء.
إذن يثبت بذلك خلق السموات والأرض بما جاء به الشرع، ولا يمكن القول بحدوث العالم إلاّ بإثبات الأفعال الإلهية لا - كما يزعم نفاة الأفعال الذين يزعمون أن العقل دل على نفيها فالعقل عند التحقيق يبطل النفي ويوافق الشرع، لأن نفي
стр. 215
الأفعال يؤدي إلى إنكار حدوث المخلوقات، بينما هي مشهورة مرئية لنا جميعًا، دالة بنفسها على خالق حكيم قدير.
كذلك بالنظر إلى أفعال الله تعالى، يمكننا وضع القضية في الصيغة المنطقية
الآتية:
إن الله تعالى موصوف بصفات الكمال، منزه عن النقائص، وكل كمال وصف به المخلوق من غير استلزامه لنقص، فالخالق أحق به، وكل نقص ينزه عنه المخلوق فالخالق أحق بأن ينزه عنه، والفعل صفة كمال لا صفة نقص، كالكلام والقدرة، وعدم الفعل صفة نقص كعدم الكلام وعدم القدرة، فدل العقل على صحة ما دل عليه الشرع وزال الإشكال وهو المطلوب.
ألا يدعو إلى الدهشة بعد هذا البيان وصف الشيخ بالتجسيم وتلفيق التهم إليه؟!
ولكن إذا استرجعنا ترجمة حياته وعلمنا كثرة حساده وخصومه زالت دهشتنا. ونبادر الآن لنكمل عرض الطرق البرهانية القرآنية التي طرحها ابن تيمية بديلاً لطرق المتكلمين والفلاسفة، مع تفضيله لمنهج الأنبياء لأنه الأكمل، مبرهنًا أيضًا على صدق نبوة نبينا محمد ﷺ .
стр. 216
ثانيًا: طرق البراهين القرآنية
١ - الميزان القرآني:
ويرى ابن تيمية أن القياس الصحيح هو الميزان المنزل من الله تعالى الذي يستدل به العقل، فإن من أعظم صفات العقل معرفة التماثل والاختلاف، فإذا رأى الشيئين المتماثلين، علم أن هذا مثل هذا فجعل حكمهما واحدًا، قال الله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ) [الشورى: ١٧] وقال سبحانه: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) [الحديد: ٢٥] وفسر السلف الميزان بالعدل وفسره بعضهم بما يوزن به، وهما متلازمان وقد أخبر أنه أنزل ذلك مع رسله كما أنزل معهم الكتاب ليقوم الناس بالقسط، ويبين أيضًا في موضع آخر أن القياس الصحيح هو من العدل الذي أنزله الله تعالى، وأنه لا يجوز أن يختلف الكتاب والميزان، فلا يختلف نص ثابت عن الرسل وقياس صحيح - لا قياس شرعي ولا عقلي، ولا يجوز قط أن الأدلة الصحيحة النقلية تخالف الأدلة الصحيحة العقلية وليس في الشريعة شيء على خلاف القياس الصحيح على خلاف القياس الفاسد (١) .
وبعد عرض مسهب مقارن للأقيسة المنطقية والميزان القرآني، يقرر ابن تيمية أن الله تعالى يبين الحقائق بالمقاييس العقلية والأمثال المضروبة، ويبين طريق التسوية بين المتماثلين والفرق بين المختلفين (٢) وينكر على من يخرج عن ذلك كقوله تعالى: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) [الجاثية: ٢١] وقوله سبحانه: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) [القلم: ٣٥، ٣٦] أي هذا حكم جائر، لا عادل فإن فيه تسوية بين مختلفين.
وقال : (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ) [ص الآية: ٢٨] وقوله سبحانه: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ
стр. 217
تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا) [البقرة: ٢١٤] .
وإذا سأل سائل: إذا كان هذا مما يعرف بالعقل، فكيف جعله الله تعالى مما أرسلت به الرسل؟ وهذا السؤال في غير موضعه لأن صاحبه يفترض أن العقل مباين للشرع، وأن ما يعلم بالعقل قسيمًا - أو مقابلا - للعلوم النبوية وبعبارة أخرى يجعل الأحكام العقلية منفصلة عن العلوم النبوية، فهذه نقلية سمعية وتلك عقلية برهانية.
والإجابة على هذا السؤال سهلة يسيرة إذا قرأنا القرآن، حيث يتبين منه أن الرسل ضربت للناس الأمثال العقلية التي يعرفون بها التماثل والاختلاف، فإن الرسل خاطبت الناس بما يعرفونه، ودلت على ما يفهمونه بفطرتهم التي خلقهم الله بها، فليست العلوم النبوية إذن مقصورة على مجرد الخبر، كما يظنه أهل الكلام، بل الرسل - صلوات الله عليهم - بينت العلوم العقلية التي بها يتم دين الناس علمًا وعملاً، وضربت الأمثال، وذلك يظهر دور الرسل الذين جاءوا بتكميل الفطرة وإصلاحها، فكملت الفطرة بما نبهتها عليه وأرشدتها مما كانت الفطرة معرضة عنه لأسباب الغفلة، وكذلك تصلح الفطرة وتعيدها إلى طبيعتها إذا قيست بالآراء والأهواء الفاسدة، ويكون دور الرسل أيضًا إزالة ذلك الفساد وتذكير البشر ما كانت فطرتهم معرضة عنه (١) .
وكانت طريقة السلف الصالح تتلخص في الاستدلال بالأدلة العقلية التي يحتاج إليها في العلم بما لا يقدر عليه المتكلمون بإتيانه، بل إن غاية ما يذكرونه قد جاء القرآن بخلاصته على أحسن وجه، وذلك كالأمثال المضروبة التي يذكرها الله تعالى في كتابه التي وصفها بقوله: (وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ) [سورة الروم: آية ٥٨] .
ولا يمل ابن تيمية من تكرار وإعادة القول: بأن الأمثال المضروبة في القرآن الكريم هي الأقيسة العقلية، ويضيف إلى ذلك أنه يدخل فيها ما يسميه المناطقة براهين، وهو القياس المؤلف من المقدمات اليقينية، بل إن لفظ البرهان في اللغة أعم
стр. 218
من ذلك، سمى الله تعالى آيتي موسى ﵇ برهانين، فقال سبحانه: (فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ) [سورة القصص: ٣٢] .
٢ - قياس الأولى: (على وزن الأعلى) :
ولعل أهم نقد لشيخ الإسلام ابن تيمية للقياس الأرسططاليسي أن هذا القياس إذا استخدم في الاستدلال على (واجب الوجود) ﵎، لا يدل على ما يختص به، وإنما يدل على أمر مشترك كلي بينه وبين غيره؛ لأن قياس الشمول تستوي أفراده، والله تعالى ليس كمثله شيء.
ولا يجتمع سبحانه، هو وغيره، تحت كلٍّ تستوي أفراده، وقد جعلوا الوجود المطلق موضوع الفلسفة الأولى.
فإن وصفهم (للوجود) الذي هو موضوع العلم الإلهي عندهم هو الوجود المطلق الكلي، فإذا كان هذا هو (العلم الأعلى) عندهم، لم يكن العلم (الأعلى) عندهم علمًا بشيء موجود في الخارج، بل علمًا بأمر مشترك بين جميع الموجودات، وهو مسمى (الوجود) ، وذلك كمسمى (الشيء) ، و (الذات) ، و (الحقيقة) ، و (النفس) و (العين) ، و (الماهية) ونحوها من المعاني العامة.
ويرى ابن تيمية أن العلم بهذا ليس هو علمًا بموجود في الخارج، لا بالخالق ولا بالمخلوق، وإنما هو علم بأمر مشترك كلي تشترك فيه الموجودات، لا يوجد إلا في
стр. 219
الذهن (١) .
وهذا بخلاف (العلم الأعلى) عند المسلمين؛ فإنه العلم بالله - تعالى - الذي هو في نفسه أعلى من غيره من كل وجه. والعلم به أصل لكل علم ولاختصاص الله - تعالى - بصفات الكمال بالإطلاق، فقد استعمل الأنبياء ﵈ في الاستدلال عليه - تعالى - قياس الأولى (على وزن الأعلى) ، لإثبات أن كل ما ثبت لغيره من كمال فثبوته له بطريق الأولى وما تنزه عنه غيره من النقائص فتنزهه عنه بطريق الأولى.
والآيات الكثيرة في القرآن في هذا الصدد تستند إلى قياس الأولى. قال تعالى: (ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ) [الروم: ٢٨] .
وقال تعالى: (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (٥٧) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٥٩) لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [النحل: ٥٧ - ٦٠] .
ويستخدم القرآن الكريم أيضًا قياس الأولى في بيان إمكان المعاد:
(أ) فتارة يخبر عمن أماتهم ثم أحياهم، كما أخبر عن قوم موسى بقوله: (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [البقرة الآية: ٥٥، ٥٦] .
وكما أخبر عن المسيح ﵇ أنه كان يحيي الموتى بإذن الله.
وبنفس الطريقة أخبر عن أصحاب الكهف أنهم لبثوا نيامًا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعًا [الكهف: ٢٥] وقال تعالى: (وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ) [الكهف: ٢١] .
وقد ورد تفسير هذه الآية عن غير واحد من العلماء أن قضية البعث أثيرت في ذلك الزمان أيضًا فتنازع الناس حول حقيقته، هل هو بالأرواح فقط أم بالأرواح
стр. 220
والأجساد؟ ولذلك أعثر الله تعالى هؤلاء على أهل الكهف، وعلموا أنهم بقوا نيامًا لا يأكلون ولا يشربون ثلاثمائة سنة شمسية وهي ثلاثمائة وتسع هلالية، فأعلمهم الله بذلك إمكان إعادة الأبدان (١) .
(ب) وتارة يستدل القرآن الحكيم على البعث بالنشأة الأولى، وأن الإعادة أهون من الابتداء، كقوله تعالى: (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) [يس: ٧٨ - ٧٩] وقوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) [الروم: ٢٧] .
(جـ) وتارة يستدل على إمكان ذلك بخلق السموات والأرض، فإن خلقها أعظم من إعادة الإنسان، كقوله تعالى: (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ) [يس: ٨١] وقوله سبحانه: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [الأحقاف: ٣٣] .
(د) وتارة يستدل على إمكانه بخلق النبات، كقوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [الأعراف: ٥٧] وقوله سبحانه: (وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ) [فاطر: ٩] .
ومن طرق الميزان القرآني: اللزوم والاعتبار:
نقد ابن تيمية كما تقدم القياس المنطقي الأرسططاليسي للوصول إلى إثبات أنه لا يفيد العلم، ولا يدعي شيخ الإسلام أن النقد نقده، ولكن يرجعه إلى نظار المسلمين فمع كثرة التعب، ليس فيه فائدة علمية بل كثيرًا ما يمكن علمه بدونه، ففيه تطويل كثير متعب فإنه متعب للأذهان مضيع للزمان، ويضرب مثالاً على ذلك
стр. 221
بمن يريد مثلاً الوصول إلى مكة أو غيرها من البلاد فإذا سلك الطريق المستقيم المعروف وصل في مدة قريبة بسعي معتدل، ولكن إذا قيض له من يدور به طرقًا دائرية - ويسلك به مسالك منحرفة يتعب تعبًا كثيرًا حتى يصل إلى الطريق المستقيمة إن وصل. وإلا فقد يصل إلى غير المطلوب، فيعتقد اعتقادات فاسدة. وقد يعجز بسبب ما يحصل له من التعب والإعياء، فلا هو نال مطلوبه، ولا هو استراح.
ويرى ويشارك ابن تيمية نظار المسلمين في وصف هذا القياس بأنه استعمال لطرق غير فطرية ويعذب النفوس بلا منفعة، كما أن القياس الأرسطي لا يفيد إلا بأمور كلية، لا يفيد العلم بشيء معين من الموجودات، بل الأيسر والأبين العلم بالمعينات لا الكليات (١) .
هذا القياس الذي لا يتضمن إلا شكل الدليل وصورته لأن الكليات تقع في النفوس بعد معرفة الجزئيات المعينة، أي أن النظريات العلمية العامة لا يتوصل إليها إلا بعد معرفة الجزئيات في العلوم المختلفة والتوصل منها إلى استنباط القانون العام الذي ينتظمها جميعًا (ومن تدبر جميع ما يتكلم فيه الناس من الكليات المعلومة في الطب والحساب والطبيعيات والتجارات وغير ذلك وجد الأمر كذلك) (٢) .
ويستنتج من ذلك أن قياس التمثيل أقوى وأكثر يقينًا من قياس الشمول لأنه بالأول يصل إلى المفردات المعينة للقضية الكلية، ومن أعظم صفات العقل معرفة التماثل والاختلاف، أي قياس الطرد وقياس العكس، وهو ما استخدمه القرآن الكريم بهدف الاعتبار.
الاعتبار (٣) :
ويمضي ابن تيمية في الاستشهاد بالآيات القرآنية الدالة على ذلك، فإن ما أمر
стр. 222
الله به من الاعتبار في كتابه يتناول قياس الطرد وقياس العكس، قال تعالى: (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ) [الشعراء، الآية: ١٠٥] وقال سبحانه: (كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ) [الشعراء، الآية: ١٢٣] فإنه لما أهلك المكذبين للرسل بتكذيبهم، كان من الاعتبار أن يعلم أن من فعل مثل ما فعلوا أصابه مثل ما أصابهم فيبقى تكذيب الرسل سببًا للعقوبة، وهذا قياس الطرد. كما يعلم أن من لم يكذب الرسل لا يصيبه ذلك، وهذا قياس العكس، وهو المقصود من الاعتبار بالمكذبين والاعتبار يكون بهذا وبهذا، قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) [يوسف: ١١١] وقال: (قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا) إلى قوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ) [آل عمران: ١٣] (١) .
ولهذا المدلول يرى ابن تيمية أن كثرة الإشارة إلى قصة موسى ﵇ وفرعون في القرآن الكريم يرجع إلى الاعتبار في كل مرة تذكر فيها. إنه ينكر فكرة (التكرار) في القرآن. لأن المقصود من إعادة القصة في سور وآيات متعددة هو توضيح عبرة جديدة لم يشر إليها في موضع آخر من الكتاب.
ومن هنا فليس في القرآن تكرار أصلا.
أما أهمية قصة موسى وفرعون فترجع إلى أنهما في طرفي نقيض في الحق والباطل فإن موسى ﵇ بلغ الغاية القصوى من الإيمان وكلمه الله سبحانه تكليمًا بلا حجاب، بينما كفر فرعون بالربوبية وبالرسالة، وكان موقفه أشد إنكارًا من باقي المخالفين للرسل لأن أكثرهم لا يجحدون وجود الله (وربما يقصد هنا أنهم يشركون) كذلك لم يكن للرسل من التكليم لرب العالمين.
فصارت قصة موسى وفرعون أعظم القصص وأعظمها اعتباراً لأصل الإيمان ولأصل الكفر، ولهذا كان النبي ﷺ يقص على - أمته عامة - عن بني إسرائيل، وكان يتأسى بموسى في أمور كثيرة، ولما بشر بقتل أبي جهل يوم بدر قال: (هذا فرعون هذه الأمة) (٢) .
стр. 223
اللزوم:
ويرى ابن تيمية أن الحقيقة المعتبرة في كل دليل هو (اللزوم) ، فمن عرف أن هذا لازم لهذا استدل بالملزوم على اللازم بغير ذكر لفظ اللازم ولا تصور معنى هذا اللفظ لأن الإنسان بفطرته السوية يعرف أن كل شيء مصنوع لا بد له من صانع وكثيرًا ما يستخدم الناس أمثال هذه القضية بقولهم: (إن كذا لابد له من كذا أو إنه إذا كان كذا كان كذا) وبغير استخدام لفظ (اللزوم) فإن الصياغة نفسها تتضمن العلم باللزوم باعتباره حقيقة معتبرة.
كذلك الأمر في المخلوقات، فان كل ما في الوجود فهو آية لله تعالى، مفتقر إليه محتاج إليه، لا بد له منه، فيلزم من وجوده وجود الصانع.
والآية القرآنية الآتية واضحة الدلالة على معنى اللزوم قال تعالى: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) [الطور: ٣٥] وفي الصحيحين عن جبير بن مطعم أنه لما قدم في فداء الأسرى عام بدر سمع النبي ﷺ يقرأ في المغرب بسورة الطور قال فلما سمعت قوله تعالى: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) أحسست بفؤادي يتصدع.
ولا شك أن للآية تقسيمًا حاصرًا بين أمرين لا ثالث لهما، فهل خلقوا من غير خالق خلقهم؟ فهذا ممتنع بالبداهة، أم خلقوا أنفسهم؟ فهذا أشد امتناعًا. فعلموا أن لهم خالقًا خلقهم، وهو .
ويمضى ابن تيمية في شرح الاستدلال العقلي في هذه الآية بقوله: (ذكر الدليل بصيغة استفهام الإنكاري ليبين أن هذه القضية التي استدل بها فطرية، بديهية، مستقرة في النفوس، لا يمكن إنكارها. فلا يمكن لصحيح الفطرة أن يدعي وجود حادث بدون محدث أحدثه، ولا يمكنه أن يقول هو أحدث نفسه) (١) .
النبوة:
استوعب ابن تيمية آراء السابقين عليه في موضوع النبوة والبرهنة عليها، وقد
стр. 224
تدخل في المواد التي قرأها فأضاف إليها وعدل بعضها، لأنه لم يوافق على ما كتبه الرازي - وهو أقرب المتكلمين إليه زمنًا.
ويقوم برهانه على إثبات النبوة بعامة ونبوة محمد ﷺ ومجيئه بالقرآن عند أهل الأرض وتواتر معجزاته وأخباره. ويستدل أيضًا على نبوته بنسبه المنتمي إلى سلالة إبراهيم الذي جعل الله في ذريته النبوة والكتاب، فلم يأت نبي من بعد إبراهيم إلا من ذريته، وجعل له ابنين إسماعيل وإسحاق، وذكر في التوراة هذا وهذا وهو من قريش صفوة بني إبراهيم.
وأيضًا يستند إلى سيرته وآياته وأخلاقه وشريعته من حين ولد إلى أن بعث ومن حيث بعث إلى أن مات وبتدبر نسبه وبلده وأصله.
فإذا قارن بين تواتر أخبار الفلاسفة وأخبار الأنبياء، رجح أخبار الأنبياء كموسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم لأن أنباءهم معلومة عند الناس من تواتر وجود أولئك فضلاً عن تواتر ما يخبرون به، ولهذا صار ظهور الأنبياء مما تؤرخ به الحوادث في العالم لظهور أمرهم عند الخاصة والعامة، فإن التاريخ يكون بالحادث المشهور الذي يشترك الناس فيه ليعرفوا به كم مضى قبله وبعده.
كما يفضلون من حيث أساليبهم في الإقناع والدعوة، فيأمرون البشر بما فيه صلاحهم وينهونهم عما فيه فسادهم، ولا يشغلونهم بالكلام في أسباب الكائنات كما يفعل الفلاسفة، فإن هذا الأسلوب كثير التعب قليل الفائدة أو موجب للضرر. ويضرب مثلاً على النبي بالطبيب الذي يأمر مريضه بتناول الدواء المفضي إلى علاجه، فيسترد صحته إذا استمع لنصحه، ولكن الفيلسوف يتجه باهتمامه إلى الحديث عن أسباب المرض وصفته وذمه وذم ما أوجبه ولو سأله المريض عن الدواء الشافي لعجز عن الإجابة.
وقد يثار التساؤل حول من لم تبلغهم الرسالات السماوية، أو من لم تقم عليه الحجة في الدنيا بالرسالة كالأطفال والمجانين وأهل الفترات الخالية من الأنبياء والرسل. وهنا، يختار من الأقوال أرجحها، وخلاصتها أن هؤلاء يمتحنون يوم القيامة فيبعث إليهم من يأمرهم بطاعته، فإن أطاعوه استحقوا الثواب وإن عصوه استحقوا العقاب، أما الحجة بالقرآن فقد قامت على من بلغه كما قال تعالى: (لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ)
стр. 225
[الأنعام: ١٩] فمن بلغه بعض القرآن دون بعض قامت عليه الحجة فيما بلغه دون ما لم يبلغه.
كما تظهر وظيفة الأنبياء - أو دورهم، ومهامهم - في كونهم وسائط بين الله وبين عباده في تبليغ أمره ونهيه ووعده ووعيده، وما أخبر به عن نفسه وملائكته وغير ذلك مما كان ويكون.
وتفصح الآيات القرآنية عن الرسول بأنه لا يعلم الغيب وأنه ليس ملكًا يملك الخزائن، وإنما هو بشر لا يستغني عن المأكل والمشرب.
ولابن تيمية كتاب (النبوات) عالج فيه الموضوع باستفاضة، كما أشار في كتب كثيرة ربما أكثرها استفاضة (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح) إذ عرض فيه دلالة وبراهين نبوة محمد ﷺ ، ومنها الأدلة العقلية التي استخدمها هرقل ملك الروم، إذ سأل أبا سفيان قبل إسلامه (كيف نسبه فيكم؟ قال هو فينا ذو نسب قال فهل قال هذا القول منكم أحد قبله قط؟ قال: لا قال فهل كان من آبائه من ملك؟ قال: لا قال: فأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ قال: بل ضعفاؤهم فقال أيزيدون أم ينقصون؟ قال: بل يزيدون قال: فهل يرتد منهم أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قال: لا قال فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال: لا، قال فهل يغدر؟ قال: لا، قال فهل قاتلتموه؟ قال: نعم، قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قال: الحرب بيننا وبينه سجال ينال منا، وننال منه قال: فبماذا يأمركم؟ قال: يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئًا واتركوا ما يقول آباؤكم ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة) .
ومن هذه الإجابات كلها تأكد هرقل من نبوة الرسول ﷺ وفسر إجابات أبي سفيان بالآتي (أن الرسل تبعث في أحساب قومها ولو كان من آبائه ملك قلت رجل يطلب ملك أبيه والضعفاء هم أتباع الرسل، وأنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ثم يكذب على الله) واستدل من عدم ارتداد أتباعه عن دينه بسبب الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب وأنهم يزيدون - فكذلك الإيمان حتى يتم ومن الحرب الدائرة بينه وبين قومه وأنها سجال ينالون منه وينال منهم دلت على أن الرسل يبتلون ثم تكون لهم العاقبة إلى جانب أنه لا يغدر ولم يسبقه أحد قبله بقوله وكذلك أوامره بعبادة الله
стр. 226
تعالى أي الصلاة والزكاة والعفاف.
قال هرقل في النهاية: (إن يكن ما تقول فيه حقًا إنه لنبي وكنت أعلم أنه خارج ولم أكن أظنه منكم ولو أعلم أني أخلص إليه لأحببت لقاءه ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه وليبلغن ملكه ما تحت قدمي) (١) .
ونرى بعد ذلك استكمال الحديث عن معالم المنهج الذي عاش ابن تيمية من أجل توضيحه ولفت الأنظار إليه وحث المسلمين - خاصتهم وعامتهم - إلى اتباعه والاستضاءة به إذ إن العلاقة بين اجتهادات شيخ الإسلام وبين قضايا أصول الدين لم تنقطع بموته، فهي تمتد لكل الأعصار لأن محورها يتمثل في أهم قضية للإنسان يترتب عليها النتيجة الحاسمة في مصيره، أي قضية الإيمان بالله تعالى وعبادته والإيمان بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والبعث والحساب والعقاب والملائكة وغيرها من كائنات عالم الغيب وحقائقه حيث لا تكتمل المعرفة الإنسانية الحقة إلا بعد الإحاطة بها مقترنة بالعبادة والاستسلام لله تعالى وحده.
ولهذا فإن دراسة اجتهادات شيخنا تصبح متجددة أبدًا لأنها تتصل بأهم ما ينبغي أن يشغل الإنسان إذا ما تطلع إلى مبدئه ومعاده وسبل تحقيق سعادته.
وكان من دواعي اطمئنان ابن تيمية ويقينه - بل تفاؤله رغم العوامل التي عاشها وكانت مثبطة للهمم - أن الإسلام يتميز بعناية الله تعالى وحفظه وظهوره إلى قيام الساعة، قال الشيخ: (وذلك أن الله ﵎ أكمل الدين بمحمد ﷺ خاتم النبيين، وبينه وبلغه البلاغ المبين، فلا تحتاج أمته إلى أحد بعده يغير شيئًا من دينه، وإنما تحتاج إلى معرفة دينه الذي بعث به فقط، وأمته لا تجتمع على ضلالة، بل لا يزال في أمته طائفة قائمة بالحق حتى تقوم الساعة فإن الله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله فأظهره بالحجة والبيان وأظهره باليد واللسان، ولا يزال في أمته أمة ظاهرة وهذا حتى تقوم الساعة) (٢) .
стр. 227
وكل ما تحتاجه الأمة إذن، هو معرفة الدين بالمنهج الذي وضعه الله - تعالى - في كتابه وبالهدى النبوي الحق، وصحة المنهج ليست مرتبطة بعصر من العصور أو بمصر من الأمصار، بل صحته ثمرة أصوله ويقينية براهينه، وما على المسلمين إلا اتباعه.
وسننظر في الباب القادم، كيف وقف هذا المنهج شامخًا ثابتًا؛ لمواجهة التحديات حتى عصرنا الحاضر.
стр. 228
الباب السابع
- القضايا الكلامية في العصر الحاضر.
- المشكلات الكلامية في ضوء التفسير التاريخي.
- مسائل الإجماع في العقيدة والعبادات.
- الالتقاء بالغرب وآثاره على القضايا الكلامية.
- ما هي الحضارة؟
- صلة العلم بالدين في العصر الحديث (أو العلاقة بين المادة والروح) .
- المشكلات الكلامية الطارئة في العصر الحديث.
- ملامح الفكر الإسلامي المعاصر.
- الإسلام والعلم.
стр. 229
القضايا الكلامية في العصر االحاضر
المشكلات الكلامية في ضوء التفسير التاريخي:
كانت الموضوعات الآنفة من هذه الدراسة بمثابة إيضاح للمنهج الذي استخدمه الأوائل والسائرون على طريقهم، وقد رأينا كيف اتخذ علماء السلف من القرآن والسنة سلاحًا لحماية العقيدة، وأثبتوا أن هذا المنهج أفضل وأحكم من منهج المتكلمين.
ولكن بعد انقضاء القرون، وابتلاء الأمة الإسلامية بمحن وتجارب استهلكت طاقات ضخمة من قواها البشرية والاقتصادية والعسكرية، وتراوحت خلالها مكانتها الحضارية - التي احتلتها عن جدارة طيلة عدة قرون بين مد وجزر، ثم تحطم أخيرًا في بداية القرن الحالي فقط كيان دولتها بإلغاء الخلافة، وأصبحنا الآن، ربما أكثر اقتناعًا من أي وقت مضى بمخاطر الخلافات وتصارع الفرق الإسلامية وتشتت الجهود وبعثرة القدرات.
وبسبب الثغرات الخلافية الجسيمة ضاعت الأندلس وتسللت الشيعة الباطنية إلى حكم مصر والمغرب والشام والبحرين، وسقطت بغداد تحت سنابك خيل التتار عام ٦٥٦ هـ ثم كانت الخاتمة - لهذا السبب ولغيره من الأسباب - نجاح الاستعمار الغربي في أواخر القرن السادس عشر في عقد الأنشوطة حول المسلمين - كما يذكر أرنولد توينبي - وذلك بفضل غزوه للمحيط، وبعدها ضيق الغرب الأنشوطة في القرن التاسع عشر (١) فإذا أنصتنا إلى صوت آخر، ارتفع من وراء القرن الثامن الهجري وهو ابن تيمية - وجدناه يبرهن في إيجاز على العقيدة المتلقاة عن الأوائل في شمولها وكمالها، أنتجت أجيالا مؤمنة دافعت عنها وعضت عليها بالنواجذ وظهر السر في استمساك أهل السنة والجماعة بها أنهم عرفوا أنها المعبرة عن صدق العقيدة المتلقاة عن الرسول ﷺ ، وكل انحراف عنها أو ميل بها ذات اليمين أو ذات اليسار، سيفقدها قوتها في القلوب والصدور، فضلا عن انحرافها عن أصول الإيمان والإسلام
стр. 230
الصحيح.
والتطبيق التاريخي لهذه القاعدة يوضح انتصار المسلمين عندما كانت غالبيتهم مستمسكة بهذه الأصول، وبالعكس انهزامهم وانحدار حضارتهم عندما تفشت العقائد الزائغة.
ولتقريب المعنى إلى أجيالنا الشابة، فإن العقيدة هي حجر الزاوية وقطب الرحى لحضارة الإسلام، شأنها في ذلك شأن الأيدولوجية في العصر الحديث، فإن عقيدة المسلمين هي (أيدولوجيتهم بالاصطلاح الغربي) الثابتة الدائمة، بها سادوا، وبها أقاموا حضارة أنارت العالم، وسارت معهم أينما كانوا في عصور مجدهم وانتصاراتهم، وعندما انحرفوا عنها وتركوها وراء ظهورهم انطفأ نور الحضارة، وتقهقروا إلى الوراء، وذلوا أمام غيرهم.
وكانت هذه الظاهرة تتدرج على مراحل للمتتبع لتاريخ المسلمين.
يقول ابن تيمية: (ونجد الإسلام والإيمان كلما ظهر وقوي كانت السنة وأهلها أظهر وأقوى، وإن ظهر شيء من الكفر والنفاق ظهرت البدع بحسب ذلك، مثل دولة الهادي والرشيد ونحوهما مما كان يعظم الإسلام والإيمان ويغزو أعداءه من الكفار والمنافقين، كان أهل السنة في تلك الأيام أقوى وأكثر وأهل البدع أذل وأقل) (١) .
وبمثل هذه القاعدة ينتقل إلى النظر إلى تاريخ المسلمين بعامة، فيبرهن ابن تيمية على أن أتباع محمد ﷺ أدعى للعلم والتوحيد والسعادة. ويعني المقارنة بين الصحابة والتابعين لهم، وبين المتكلمين وفلاسفة المسلمين، ويقف أمام الأحداث التاريخية فيعللها بسبب مخالفة الأصول الإسلامية في القرآن والحديث، فيرى أن انقراض دولة بني أمية كان بسبب الجعد بن درهم والجهم بن صفوان، إلى جانب أسباب أخرى أوجبت إدبارها.
ويعني بذلك أن العقيدة عندما خمدت في النفوس وفقدت فاعليتها عما كانت
стр. 231
لدى المسلمين الأوائل، ظهر الضعف في الأمة، إذ تحولت العقيدة الراسخة من قوة محركة ناجمة عن اقتناع عقلي ويقين قلبي إلى أفكار جدلية تتطاول إلى الحديث عن الذات الإلهية ففقدت القلوب الهيبة.
ولما تضاءلت العقيدة في النفوس وأصابها الوهن، تحولت إلى مناقشات وجدل كلامي وفلسفي، وظهر النفاق والبدع والفجور، هان المسلمون على أعدائهم، فغزا الصليبيون أراضي الإسلام، واستولوا على بيت المقدس في أواخر المائة الرابعة (١) وكذلك الأمر بالنسبة لحروب التتار، حتى إن البعض رأى أن هولاكو ملك التتار بمثابة بخت نصر لبني إسرائيل، مستندين إلى تفسير سورة بني إسرائيل التي توعدهم فيها الله تعالى إذا أفسدوا في الأرض (٢) .
ويمضي شيخ الإسلام في تفسير الأحداث التاريخية وفقاً لهذه القاعدة فيذكر أن محنة خلق القرآن كانت بداية لتشجيع القرامطة الباطنية في إظهار آرائهم، بعد ترجمة كتب الفلسفة، ولما رأت الفلاسفة أن المنسوب إلى الرسول ﷺ وأهل بيته هو هذا القول الذي يقوله المتكلمون الجهمية ومن اتبعهم، ورأوا أن هذا القول الذي يقولونه فاسد من جهة العقل، طمعوا في تغيير الملة، فمنهم من أظهر إنكار الصانع وأظهر الكفر الصريح وقاتلوا المسلمين، وأخذ قرامطة البحرين الحجر الأسود (٣) ولم يقتصر الأمر على انتصار الخصوم في مجال الحروب فحسب، بل امتد الخطب إلى مجال الفكر والعقيدة، لأن فتح باب القياس الفاسد في العقليات بواسطة المتكلمين، شجع الزنادقة على المضي في تنفيذ مخططاتهم، فانتهى بالقرامطة إلى إبطال الشرائع المعلومة كلها، كما قال لهم رئيسهم بالشام: قد أسقطنا عنكم العبادات فلا صوم ولا صلاة ولا حج ولا زكاة (٤) .
وقبل الانتهاء من هذه اللمحة لموقف ابن تيمية من التاريخ، فإننا نعجب من تفاؤله، بينما كان في وسط ظروف حالكة الظلام، ومع هذا فإنه يقدم تفسيرًا
стр. 232
لحديث (إن الله يبعث لهذه الأمة في رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها) ، فالتجديد إنما يكون بعد الدروس، وذاك هو غربة الإسلام، ثم يحاول إدخال الطمأنينة على القلوب بقوله: (وهذا الحديث يفيد المسلم أنه لا يغتم بقلة من يعرف حقيقة الإسلام، ولا يضيق صدره بذلك، ولا يكون في شك من دين الإسلام، كما كان الأمر حين بدأ قال تعالى: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ) [يونس، الآية: ٩٤] إلى غير ذلك من الآيات والبراهين الدالة على صحة الإسلام) (١) ، ولكنه في الوقت نفسه يحذر من مخالفة الأوامر الإلهية، لأن الذنوب تورث الهزائم والكوارث للمسلمين، كالهزيمة التي أصابتهم يوم أحد. وهكذا يعود بنا إلى نفس الأصل الذي يفسر به التاريخ، ويعلل المقصود بقصص بني إسرائيل في القرآن اتخاذهم عبرة لنا، مستشهدًا ببعض السلف القائلين: (إن بني إسرائيل ذهبوا وإنما يعني أنتم) ومن الأمثال السائرة: إياك أعني واسمعي يا جارة.
مسائل الإجماع في العقيدة والعبادات:
وفي ضوء هذه التفسيرات التاريخية والعبرة مما حدث، فإن الحكمة تقتضي التخفيف من غلواء التفرق، مع تلمس مسائل الإجماع بين المسلمين؛ لأن الأحوال المعاصرة تجعل من الاستمرار في بث الفرقة لونًا من ألوان التدمير العقائدي والحضاري للمسلمين كافة.
وقد رأينا خلال البحث نتائج بارزة تثبت من ناحية ما يلي:
أولا: عودة أئمة الأشاعرة إلى المنهج السلفي بعد المعاناة الطويلة في طريق التأويل الكلامي.
ثانيًا: إجماعهم - بالاتفاق مع علماء السنة والحديث - على أن أدلة الشرع متوافقة مع قوانين العقل وموازينه، ومن ثم أصبح ضروريًا جمع المسلمين حول المادة العظمى: كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
ومن ناحية أخرى، نود في ختام هذا البحث إضافة أكثر العوامل أهمية، وإبرازه والالتفاف حوله، ونعني به عناصر الوحدة التي تجمع بين المسلمين قاطبة، لأن
стр. 233
تحليل عناصرها يثبت أنها تفوق أسباب الخلاف والفرقة.
أضف إلى ذلك أن المشكلات الكلامية المثارة في الماضي نشأت عن أسباب وعوامل نبعت من البيئة الثقافية حينذاك، وقد قتلت بحثًا وتحليلاً ومناقشة وظهر فيها الحق بين المذاهب والفرق، وربما كانت محتملة عندما كانت الحضارة الإسلامية سائدة، أما وقد آل الحال إلى ما نحن عليه، فلم يعد من المحتمل إثارة هذه المشكلات من جديد.
وقد سبقنا علماء الحديث والسنة إلى توجيهنا إلى هذا الأصل الجامع، منهم ابن حزم بكتابه (مراتب الإجماع في العبادات والمعاملات والاعتقادات) وعنوانه يشير إلى مضمونه، يعنينا ما سجله في باب الاعتقادات، قال:
(اتفقوا أن الله وحده لا شريك له خالق كل شيء غيره، وأنه تعالى لم يزل وحده ولا شيء غيره معه، ثم خلق الأشياء كلها كما شاء، وأن النفس مخلوقة، والعرش مخلوق، والعالم كله مخلوق، وأن النبوة حق وأنه كان أنبياء كثير منهم من سمى الله تعالى في القرآن ومنهم من لم يسم لنا، وأن محمدَ بن عبد الله القرشي الهاشمي المبعوث بمكة المهاجر إلى المدينة رسول الله ﷺ إلى جميع الجن والإنس إلى يوم القيامة.
وأن دين الإسلام هو الدين الذي لا دين لله في الأرض سواه، وأنه ناسخ لجميع الأديان قبله، وأنه لا ينسخه دين بعده أبدًا، وأن من خالفه ممن بلغه كافر مخلد في النار أبدًا، وأن الجنة حق وأنها دار نعيم أبداً لا تفنى ولا يفنى أهلها بلا نهاية، وأنها أعدت للمسلمين والنبيين المتقدمين وأتباعهم على حقيقة ما أتوا به قبل أن ينسخ الله تعالى أديانهم بدين الإسلام.
وأن القرآن المتلو الذي في المصاحف بأيدي الناس في شرق الأرض وغربها من أول (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) إلى آخر (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) هو كلام الله ووحيه أنزله على نبيه محمد ﷺ مختارًا له من بين الناس وأنه لا نبي مع محمد ﷺ ولا بعده أبدًا) .
إلى أن يقول: (واتفقوا أنه منذ مات النبي ﷺ فقد انقطع الوحي وكمل الدين
стр. 234
واستقر وأنه لا يحل لأحد أن يزيد شيئًا من رأيه بغير استدلال منه، ولا أن ينقص منه شيئًا ولا يبدل شيئًا مكان شيء ولا أن يحدث شريعة، وأن من فعل ذلك كافر، واتفقوا أن كلام رسول الله ﷺ إذا صح أنه كلامه بيقين فواجب اتباعه..) (١) .
وكذلك العبادات، هناك إجماع في أمور رئيسية لخصها ابن تيمية كما يلي:
(وذلك مثل إجماعهم على أن محمدًا ﷺ أرسل إلى جميع الأمم، وكذلك إجماعهم على استقبال الكعبة البيت الحرام في صلاتهم ... وكذلك الإجماع على وجوب الصلوات الخمس وصوم شهر رمضان وحج البيت العتيق، وإجماعهم على وجوب الاغتسال من الجنابة وتحريم الخبائث وإيجاب الطهارة للصلاة، فإن هذا كله مما نقلوه عن نبيهم، وهو منقول عنه ﷺ نقلاً متواترًا، وهو مذكور في القرآن) (٢) .
لذلك ينبغي أن تخف أصوات الخلافات ويجتمع المسلمون على مادة الإسلام العظمى: كتاب الله وسنة رسوله ﷺ والاسترشاد باجتهادات علماء الحديث والسنة، لا سيما وقد جدت تحديات في هذا العصر تقتضي منهم الوقوف جبهة واحدة.
ولما كانت حضارة العصر الغالبة هي الحضارة الغربية، فيجدر الإشارة باختصار إلى أثر الالتقاء بها في محيط المشكلات الكلامية.
فكيف حدث الالتقاء؟ وما هي آثاره في الماضي والحاضر؟
الالتقاء بالغرب وآثاره على القضايا الكلامية:
يحدد توينبي اللقاء الأول بين الإسلام والغرب في الماضي عندما كان المجتمع الغربي في دور طفولته بينما كان الإسلام الدين المميز للعرب في عصرهم البطولي. وكان العرب قد فرغوا من فتح وتوحيد البلاد التي كانت مهد الحضارات القديمة في الشرق الأوسط، وكانوا يحاولون توسيع هذه الإمبراطورية - كما يراها - لتصبح دولة عالمية، وينتهي المؤرخ الإنجليزي الكبير إلى التقرير بأنه في هذا اللقاء الأول اكتسح المسلمون نصف المجتمع الغربي تقريبًا وكادوا يفرضون سيادتهم على البلاد الغربية
стр. 235
كلها (١) .
واتضحت الفجوة الثقافية بين الحضارتين عندما وقف علماء السنة سدًا منيعًا في وجه الفلسفة اليونانية المعبرة عن غزو ثقافي مضاد للعالم الإسلامي حينذاك.
وفي التنابذ والمعارضة لآثار اليونان الفلسفية، ظهرت المعارضة الشديدة بواسطة علماء السنة والجماعة، وربما شكلت آثار المعارضة للفلسفة اليونانية آثارها في صفحات الكتب وكانت أحد عوامل ظهور الأفكار والاصطلاحات المترجمة كالجوهر الفرد والحدوث والقدم، فضلا عن آثار المنطق الأرسططاليسي، وردود الفعل التي أحدثها بين الآخذين به كالغزالي وغيره من بعض علماء الفقه، والمعارضين له كابن تيمية ومن سبقه من علماء السنة والحديث الذين أعلنوا (أنه من تمنطق تزندق) .
وبوجه عام كان التنافر بين العقيدة الإسلامية والفلسفية معبرًا عن اختلاف بين حضارتين.
يقول الدكتور عبد الرحمن بدوي: (وإذا رأينا الاتجاه العام لروح الحضارة الإسلامية ينفر نفورًا شديدًا من التراث اليوناني فيحمل عليه حملة عنيفة شعواء هي رد فعل قوي لهذا الروح ضد روح حضارة أخرى شعرنا بما بينها وبينها من تباين يكاد يصل إلى حد التناقض) (٢) .
وفي ضوء هذا التحليل الدقيق تزداد معرفتنا لأسباب معارضة علماء السنة والجماعة لآراء المعتزلة المستمدة من فلاسفة اليونان، ولنفس السبب أيضًا سنرى كيف تكونت معارضة علماء المسلمين للفلسفة الغربية وتصوراتها عندما حدث الالتقاء الثاني الذي بدأ منذ القرن السادس عشر الميلادي في شكل غزوات وحروب استعمارية متوالية ظلت نحو ثلاثة قرون، بدأت بشكل حاسم - كما يذكر توينبي -
стр. 236
في أواخر القرن السادس عشر وأوائل السابع عشر وحسب تعبيره الذي أسلفناه قال: (لم يقتصر الأمر على الإحداق بالعالم الإسلامي ولكن أمكن تطويقه تمامًا) ، ثم يستطرد قائلاً: (ووضع الطوق حول رقبة الفريسة) .
ولكن مما يدهشه - وغيره من المؤرخين والباحثين - أن العالم الإسلامي قد استطاع أن يصمد للعدوان الأوروبي طوال القرون من الخامس عشر حتى الثامن عشر ويعزو صموده المذهل إلى ما يصفه (بالاعتداد بالذات التي رسبت في عقل المسلمين الباطن بفعل الأمجاد الرائعة التي حققوها إبان عصور الازدهار الإسلامية) ويدهشنا هذا التعليل - مع وجاهته - إلا أنه يغفل ذكر العامل الأساسي المباشر المتمثل في العقيدة، لا سيما أنه يرى عند بحث علاقة الإسلام - كعقيدة دينية بالحضارة الإسلامية - أن هذه الحضارة قد وفدت مع العقيدة الدينية (١) .
وفي ضوء هذه الأحداث التاريخية حتى العصر الحاضر تتشكل ملامح الفكر الأساسي المعاصر، وتظهر طبيعة القضايا (الكلامية) المثارة.
لذلك يجدر بنا إعطاء فكرة عامة عن حضارة العصر وسماتها البارزة وسنبدأ بتعريف الحضارة.
ما هي الحضارة ؟
لفظ (الحضارة) من الألفاظ التي اختلف الباحثون حوله، ولعله خضع بدوره للثقافة والبيئة والأحوال الاجتماعية والاقتصادية للمفكرين والفلاسفة الذين قاموا بتعريف الحضارة فكثيرًا ما تعكس الأفكار والنظريات ظروف العصور وأحوالها إما تأييدًا أو معارضة أو تعديلاً ويمكننا طرح وجهتي النظر الرئيسيتين حول تعريف الحضارة كما يأتي:
أحدهها: يعنى بطرق الثقافة والقيم الأخلاقية والآداب والفنون.
الثاني: يعنى بالمنجزات والأعمال التي حققها الإنسان في مجال التشييد والبناء والإنتاج الصناعي والزراعي، أو بعبارة أخرى (التكنولوجيا) أي استخدام النتائج
стр. 237
المكتشفة بالتجارب العلمية في مجالات الحياة المختلفة والاستفادة منها.
وتبسيطًا للتعريف الثاني وتوضيحه، فإن الحضارة بهذا المعنى تعتبر عنوانًا على كل ما أحدثه الإنسان أو أبدعه أو بدله في كائن طبيعي، وجعل له قيمة.
وأبسط مثال على ذلك أن الحجر الذي نجده في الطبيعة كما خلقه الله - تعالى - هو طبيعي، بينما الحجر الذي صقلته يد الإنسان لتستخدمه في أمر ما هو حضاري (١) .
ولكننا نرى نقص هذا التعريف لأنه يشير فقط إلى ما استحدثه الإنسان في العالم الطبيعي من تغييرات تعبّر عن مواهب الإنسان وإمكانياته العقلية والجسدية وتكشف عن رغبة الإنسان في تذليل الصعاب التي تعترضه أثناء رحلة حياته الطويلة في الدنيا حيث أقام السدود للاستفادة من فيضانات الأنهار وقطع أشجار الغابات ليحولها إلى أراضي زراعية، وتسلح ضد الحيوانات المفترسة ليأمن على نفسه وأولاده وعشيرته إلى تشييد المنازل ورصف الطرق واختراع الآلات. ولعلنا نعيش الآن أرقى مرحلة اجتازها الإنسان، ولكننا لا نغفل أيضًا أعمال الإنسان في مجالات الحروب والتدمير فكلها من قبيل تدخل الإنسان في الطبيعة فهل تعد أيضًا من الأعمال الحضارية فما حكم صنع القنابل الذرية والهيدروجينية والصواريخ النووية والإشعاعات القاتلة المهلكة؟
إننا نرى أن أعمال الإنسان الحضارية (واللاحضارية) تعبر عن مداركه وقدرته إلى جانب غرائزه وشهوته ودوافعه، فإذا كان يبني وينشئ لجعل الحياة أسهل وأجمل وأمتع مدفوعًا بالقيم الأخلاقية ومستهدفًا إقامة الحق والخير والعدل فإنه يقيم حضارة حقيقية يسعد في ظلها الناس، أما إذا أخذ يخترع الأسلحة المدمرة ليقتل ويفتك بأعدائه ويعتدي على غيره ويفرض إرادته وينهب الخيرات ويستولي على أراضي غيره ومتملكاته طمعًا وحسدًا وإشباعًا لشهوة السيطرة والامتلاك والتعالي فإن محصلة ذلك تعبر عن أعمال لا حضارية.
стр. 238
واستكمالاً للحديث عن الحضارة فإننا لا نستطيع دفع المخاطر عن تصور الحضارة المعاصرة التي نحيا في ظلها بالتقليد والمحاكاة (١) ، كما لا نستطيع في مجال المقارنة بينهما وبين الحضارة الإسلامية إغفال حالة التأخر التي تحياها المجتمعات - التي كانت في يوم ما معبرة عن الحضارة الإسلامية إبان القرون الخوالي.
ومهما يكن من أمر فقد كان اصطدام الحضارتين أمرًا حتميًا ويوجبه اختلاف العقائد والتصورات والقيم والنظم وهو أمر حتمي لسنن الله تعالى في قيام الأمم وسقوطها قال تعالى: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ) [البقرة: ٢٥١ - الحج، الآية: ٤٠] . نجم عنه تفاعل مشكلات (كلامية) بالمصطلح المعروف، إذ إن الهزائم في الميادين العسكرية لم تمنع علماء الإسلام من التصدي للحضارة الغازية ونقدها من واقع الأصول الإسلامية في الكتاب والسنة فضلاً عن المنجزات التي حققها المسلمون عندما كانت حضارتهم هي السائدة والقائدة.
ولعل الترتيب المنطقي في موضوعنا يلزم تسلسل الأفكار بحيث نبدأ بتعريف سمات الحضارة المعاصرة وأثرها على الفكر الإسلامي تأييدًا أو معارضة مما نجم عنه ظهور قضايا لا زالت موضوع البحث والجدل.
ولعلنا نصل إلى هدفنا من خلال بيان نقد هذه الحضارة وخلاصته أن التقدم الصناعي والتجارة العالمية هما اللذان أديا - بخلاف المرتقب والمتوقع - إلى وقوع الحرب العالمية الأولى، كما أن الاختراعات التي وضعت في أيدي الجيوش جعلت الحرب ذات طابع مدمر فأصبح الغالب والمغلوب سيان، ثم إن الإنجازات التكنولوجية جعلت الدول في وضع يسمح لها بالقتال من مسافة بعيدة والقضاء على أعداد ضخمة من الناس كالأشعات والأسلحة السامة وغيرها.
ويستخلص - أشفتيسر - من هذا كله أن الإنجازات المادية ليست حضارة، ولا تصبح حضارة إلا بمقدار ما تستطيع عقلية الشعوب المتمدينة توجيهها وجهة
стр. 239
كمال الفرد والجماعة، ويرى أن أهل أوروبا خدعوا بمظاهر التقدم في المعرفة والقوة فلم يفكروا في الخطر الذي يتعرضون له من جراء تضاؤل القيمة التي يعطونها للعناصر الروحية في بناء الحضارة، ومن ثم فإن إعادة بناء الحضارة على الوجه الصحيح يتطلب أولا: الأخذ من جديد بالنظرة الأخلاقية التي سادت في القرن الثامن عشر. ويتطلب ثانيًا: تكوين نظرية في الكون، فالواقع أن كل ما تقدم إنساني يتوقف
على التقدم في نظريته في الكون، وينبغي أن نهز الناس في هذا العصر وندفعهم إلى التفكير الأولي في حقيقة الإنسان ومكانته في هذا العالم فإن تصور العلم والحياة، وكذلك الأخلاق كلها أمور لا عقلية. ويجب أن يكون لدينا الشجاعة للاعتراف بذلك (١) .
ولشرح الغرض من ضرورة نظرية عن الكون للحضارة، سنعطي القارئ فكرة موجزة عن الأصل الذي تنبثق منه الأفكار الفلسفية والنظم الاجتماعية، فإن المتتبع للنظم والمبادئ الاجتماعية التي ظهرت في عصر العلم بأوروبا جعلت الاقتصاد أساسًا للمجتمع، والحق أن القاعدة الاقتصادية مجرد فرع من مبدأ عام في العقيدة من أصل الوجود، ثم يتفرع إلى استخلاص الأحكام والمبادئ اللازمة لصلاح المجتمع.
يقول الدكتور الفندي: (والعجب أيضًا، بل أعجب أن المادية في نظر أساطينها، مثل الماركسية، إنما تصل نهاية المطاف إلى ما وراء الطبيعة. أي لا يمكن أن تقتصر المادية على عالم المادة فحسب وإنما تنتهي إلى ما هو أكبر من ذلك عندما تتطرق إلى الحديث عن نظام الكون العام) (٢) .
وكثيرًا ما يحلل الفلاسفة معالم المادية الظاهرة الوضوح على الحضارة المعاصرة، ويفسرونها بغياب العقيدة الدينية وإنكار الجانب الروحي للإنسان، ويعالج هذا المبحث عادة بتحليل العلاقة بين العلم والدين.
стр. 240
صلة العلم بالدين في العصر الحديث: (أو العلاقة بين المادة والروح)
إن الانبهار والذهول أمام التقدم العلمي الذي سحر أعين الناس وقلوبهم قد شكل معالم القضية الماثلة للأذهان وهي: ضمور الاعتقاد بالغيبيات والحقائق الدينية حيث ساد في وقت ما الاعتقاد أن العلم سيحقق السعادة الكاملة وبذلك يمكن الاستغناء عن العقائد الدينية.
هذه هي القضية الملحة التي دارت حولها المناقشات وتشكل حجر الزاوية في ملامح العصر الحاضر.
ويرى برتراند رسل أن العلوم في العصور الجديدة أسكرت البشر ودفعت الكثيرين للسيطرة على بقية البشر بواسطة القوى التي حققها التقدم العلمي، وهو لا ينتقد هذه المعارف العلمية في ذاتها، ولكن ينتقد وضعها في أيدي أناس يفتقدون الحكمة. ولو وضعت في أيدي الحكماء لعرفوا كيف يستخدمونها.
إن هذه الحكمة موجودة إلا أنها - مع الأسف - لا حول لها ولا قوة على الأحداث، ثم يعطينا فكرة عن ضرورة تحقيق التعادل بين قوتي العلماء والحكماء فيقول: (لقد دعا الأنبياء والحكماء إلى تجنب الدنايا والصغائر، ولو أننا أنصتنا إليهم لعشنا في سعادة متجددة) (١) .
والرأي الذي ذهب إليه رسل يشاركه فيه الكثيرون في الآونة الأخيرة بعد المراحل التي مر بها العلم منذ عدة قرون، فقد توقع أغلب العلماء في القرن التاسع عشر الميلادي الذين آمنوا بالعلم، توقعوا له القدرة على الإحاطة في المستقبل بمجهولات الغيب التي لم يحط بها في ذلك الحين ولكن حينما أطل القرن العشرون تواضعت دعوى العقل (٢) .
وأخذت عقول العلماء تنحني إجلالا لحقائق ما فوق طور العلم التجريبي الحسي، ورأينا الاعترافات تصدر من علماء كثيرين لهم مكانتهم فها هو أنيشتين يقول: (العلم بغير دين أعرج، والدين بغير علم أعمى) .
стр. 241
ويقف مندهشًا أمام السر في نجاح العلماء معللا إياه بالإلهام مقرراً في يقين (إن العاملين في العلم الجادين في عصرنا هذا المادي هم وحدهم الذين يتصفون بالتدين العميق) (١) .
ويقرر كارليل أن التقدم الهائل الذي أحرزته علوم الجماد على علوم الحياة هو أحد الكوارث التي تعاني منها الإنسانية، ويعلل ذلك بأن قوانين العلاقات البشرية ما زالت غير معروفة، لأن علوم الاجتماع والاقتصاد والنفس علوم تخمينية افتراضية، على عكس ما ظنه الكثيرون عندما خدعوا في بعض المذاهب التي حازت شهرة في صفحات التاريخ وعلى ألسنة الناس، كمبادئ الثورة الفرنسية وخيالات ماركس ولينين (٢) .
ما هي النتيجة إذن بين التقدم الهائل في العلوم التجريبية وبين قصور العلوم الإنسانية عن اللحاق بها؟
يجيب الدكتور حسين مؤنس على هذا السؤال بقوله: (فإن الذين يفكرون في الدمار أنشط بكثير ممن يفكرون في البناء؟ فهناك من صنع القنبلة الذرية التي قتلت مائة ألف في ثوان وزاد عليه الذي صنع القنبلة الهيدروجينية التي تقتل المائتي ألف في ثوان، ثم جاء صاحب قنبلة النيوترون التي تشل أهل البلد الضخم وتصرعهم دون أن تؤذي العقارات والأشياء (٣) .
ويتبين من ذلك أن العلم التجريبي أقام مدنًا ومصانع وجامعات وعبَّد الطرق، وساهم في تسهيل المواصلات وتذليل عقبات لا تحصى في حياة الإنسان، ولكنه ساهم في الوقت نفسه في تعاسته للأسباب الآنفة. كذلك يرجع فشل العلوم الإنسانية في علاج الأزمات لكونها افتراضية تخمينية وليست تقريرًا لواقع وبرهانًا على حقائق، إذ لا تملك وسائل الإثبات وتنقصها دقة مناهج العلوم الأخرى في الهندسة والفيزيقا
стр. 242
والكيمياء والطب وغيرها من العلوم.
وهكذا أصبح العالم المتحضر منتفخًا بالإمكانيات ولكنه ضامر بالإرادات، أشياؤه كثيرة وأفكاره قليلة.
وهذا الوضع البائس المتناقض بين وفرة الأشياء وفراغ النفس أدخل البشرية في دوامة يصاب الإنسان فيها بالدوار (١) .
ولا نجد مبررًا للدفاع عن الجانب العلمي التكنولوجي بحجة وصول الإنسان إلى القمر إذ أن هذا النجاح يحمل في ذاته دلالة مفادها أن الصاروخ الذي يحمل مركبة الفضاء يستطيع إن يحمل قنابل ذات رؤوس نووية تصل إلى أي مكان في العالم فتهلك الحرث والنسل، قد تعود بالإنسان في طرفة عين إلى العصر الحجري من جديد.
ولكن ما معنى ذلك كله في ضوء البحث عن السعادة الحقيقية للإنسان على هذه الأرض، وما أثره على موقف المدافعين عن العقيدة الدينية في مواجهة المسحورين بالمخترعات العلمية لا سيما في العالم الإسلامي الذي يشعر بالفارق الضخم بينه وبين العالم الغربي؟
معناه أن منهج المعرفة الخاص بالكون قد هدى الله إليه الإنسان (أما منهج المعرفة الخاص بالإنسان نفسه، فإنه لما كان من العسير على الإنسان أن يعرف نفسه بنفسه فقد هداه الله إليه بالوحي في رسالات السماء) (٢) .
ومعناه أيضًا: أن ركني الحضارة الإنسانية بمعناها الصحيح لا بد أن تحقق الارتقاء أو التحسن المادي والمعنوي معًا.
ونحن نميل إلى الرأي الذي يغلب التحسن المعنوي على التحسن المادي، (لأن الغاية القصوى للتحسين هي شعور الإنسان بالأمان والاطمئنان والكفاية،
стр. 243
وقيام مجتمعه على التفاهم والتعاون والمحبة، بدلا من قيامه على التحايل والأنانية والقانون الذي تنفذه قوة غالبة) (١) .
وبمثل هذا التحليل والتعليل الموجز لحضارة الغرب من حيث مقوماتها وآثارها، نستطيع تلخيص الأفكار والفلسفات الرئيسية التي تشكل ملامح المشكلات الكلامية فى عصرنا الحاضر، والتي استدعت اتخاذ موقف النقد والتمحيص من جانب علماء الإسلام، ودورهم هنا كدور أسلافهم من علماء السنة عندما واجهوا فلسفة اليونان منذ القرن الثاني والثالث الهجريين.
المشكلات الكلامية الطارئة في العصر الحديث:
لا شك أن هناك جانباً هامًا لا يزال محتفظًا بجدته وحيويته في القضايا المثارة في كتب الكلام لأنه متصل بالعقائد كالإيمان بالله تعالى ورسوله ﷺ والبعث والحساب والعقاب وما إلى ذلك من مسائل أصول الدين، ولهذا فإنه يحتفظ بأهميته ومكانته في العقول والقلوب، وينبغي أن يكون الأمر كذلك حيث يتحرى المسلمون معرفة أصول العقيدة فإذا درسناها وفق منهج صحيح واضح المعالم كما فعل علماء الحديث والسنة، فإنه يتيسر الوصول إلى الحقيقة بين وجهات النظر المتباينة.
ولا شك أيضًا أن مشكلات أخرى طرأت في العصر الحاضر لم تعرفها الأجيال الماضية ولا تدخل في نطاق القضايا الكلامية المثارة آنذاك بنفس المناهج، بالإضافة إلى الانقلابات الحادثة في نظم التعليم والاقتصاد والسياسة، وظهور التخصص في مجالات العلوم والمعارف.
كل هذا أدى إلى تشابك المشكلات وتداخلها.
ولكن إذا أعدنا للأذهان مرة أخرى تعريف ابن خلدون لعلم الكلام - أي إنه يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية - رأينا أن ظهور القضايا الجديدة تشكل في مجموعها لونًا من علم الكلام الحديث أو المعاصر.
صحيح أن العلماء القائمين بدور الدفاع عن العقائد الإيمانية في عصرنا لا
стр. 244
تنطبق عليهم أوصاف أسلافهم، ولكن حصيلة إنتاجهم العلمي يدخل في دائرة القضايا الكلامية حيث قاموا بالدفاع عن الإسلام - كل حسب تخصصه - وقد صدرت لهذا الغرض مئات المؤلفات والأبحاث، وكتبت آلاف المقالات، وانعقدت عشرات المؤتمرات والندوات، وكلها نتيجة جهود مخلصة لعلماء المسلمين في شتى صنوف العلوم والمعارف، واستهدفت الشرح والتفسير والدفاع عن الإسلام عقيدة وشريعة ونظمًا وأخلاقًا وتشكل في مجموعها ملامح عامة، يدور حولها الفكر الإسلامي المعاصر، ونعرضها بإيجاز:
ملامح الفكر الإسلامي المعاصر:
وما دمنا نتكلم عن الإسلام في العصر الحديث، فإننا نحترس من استخدام المصطلح الشائع الذي تأثرت به العلوم منذ ظهور فكرة دارون في النشوء والارتقاء ونعني به مصطح (التطور) والذي استخدمه الكثيرون حتى في مجال العقائد، ونسترشد هنا برأي الأستاذ الدكتور قاسم ﵀ في رده على روجيه باستيد الذي ظن أن العقائد في الإسلام قد تطورت كما هي الحال فيما يتعلق بالعقائد المسيحية، وأغلب الظن أن جهله بعقائد الإسلام نفسه كان سببًا في جنوحه إلى هذا الرأي. وإذا بينا أن العقائد الإسلامية لم تتطور لهذا السبب اليسير، وهو أن القرآن دون مباشرة ولأن العقائد تتجه إلى العقل قبل كل شيء فلا يشعر بحاجة إلى تعديلها وتحويرها (١) .
ولا يحتاج الأمر إلى كبير عناء للاستدلال على أن الاتجاه العام للفكر الإسلامي المعاصر، هو اتخاذ الإسلام محوراً ترتكز عليه جهود المخلصين من المفكرين المسلمين للانطلاق نحو إحياء جديد للحضارة الإسلامية التي ازدهرت في عصور الارتقاء بفضله.
إن القرآن خلق العرب خلقًا جديدًا وقد وعد الله تعالى للمتمسكين به بالرفعة في الدارين والله (غير مخلف وعده والقرآن لم يتغير وإنما المسلمون هم الذين تغيروا) (٢) .
ولسنا نؤرخ هنا عوامل اضمحلال الحضارة الإسلامية - إلا أننا نستطيع أن نغفل ظاهرة أخرى تشكل ملامح الفكر الإسلامي في عصرنا الحاضر، وهو إظهار فضل مفكري الإسلام على الحضارة الأوروبية المعاصرة، لقد بقي الغرب في تأخره
стр. 245
ثقافيًا واقتصاديًا (طوال الفترة التي عزل فيها نفسه على الإسلام ولم يواجهه، ولم ييدأ ازدهار الغرب ونهضته إلا حين بدأ احتكاكه بالعرب سياسيًا وعلميًا وتجاريًا.
واستيقظ الفكر الأوروبي، على قدوم العلوم والآداب والفنون العربية من سباته الذي دام قرونًا ليصبح أكثر غنى وجمالا وأوفر صحة وسعادة) (١) .
إن فهم هذه الحقيقة كان دافعًا لإعادة الثقة بالنفس، والتحول من موقف الخضوع لسلطان الحضارة الغربية، إلى موقف منابذتها وإظهار القدرة الذاتية للإسلام في مواجهة التحديات، لأن العالم الإسلامي (هدف ثمين من أهداف تصدير الأفكار نظرًا إلى موقعه وخطورة موقفه بين الكتل المتصارعة..، وأن يبقى هذا العالم مفتقرًا إليها على اختلافها وأن يحال بينه وبين أفكاره الأصلية التي يمكن أن تغنيه عن الاستيراد وتحقق له الاكتفاء الذاتي) (٢) .
ونلمح نموذجًا لهذا الموقف المتحدي من جانب الشيخ رشيد رضا في قوله: نتحداهم بالقرآن - وهو يقصد الفلاسفة والمؤرخين من جميع الأمم ولا سيما أحرار الإفرنج - بأن يأتوا بالإصلاح الديني والاجتماعي والسياسي مؤكدًا تقديم أسمى الحضارة على أساس قرآني (٣) . ويبدو أن هذه النزعة للشيخ السلفي أحدثت تأثيرًا حاسمًا في أغلب مفكري الإسلام المحدثين، إذ رأوا مثله، بأنه لا بد من إظهار حقيقة الإسلام كما عرفه السلف الصالح ورفض التأثيرات المتراكمة التي فصلت بين المسلمين في عصورهم الأخيرة وبين فهم أجدادهم للإسلام في القرون الأولى.
وفي ضوء ظروف العصر كان لا بد للنظر إلى الإسلام في شموله في ذاته لأنه يتناول الجانب المادي وحياة الروح معًا.
ويقتضي ذلك فصل الإسلام ذاته عن فهم المسلمين للإسلام خلال العصور المتأخرة لأنه بمضي العصور، وبسبب التقاء المسلمين بثقافات الأمم الأخرى، حدث أن تفرعت
стр. 246
شعب ثلاث: أحدها فقهي، والثاني كلامي، والثالث أخلاقي، وكلما تقدم الزمن، انفصل بعضها عن بعض (بعد أن كان الإسلام وحدة شاملة) (١) .
ومن أقوال محمد إقبال: (إننا نحن المسلمين نواجه عملاً ضخمًا إن واجبنا أن ننظر في الإسلام من جديد؛ بصفته نظامًا فكريًا، من غير أن تقطع صلتنا عن الماضي (٢) ، وسنرى أنه كذلك قام بنقد أسس الحضارة الغربية المادية موضحًا أن المنهج الصحيح لفهم الإسلام هو أن (يطابق الكتاب والسنة وفهم السلف) (٣) .
ولكن لا يعني الاقتداء بالسلف الرجوع إلى الماضي بحيث تصبح الأمة الإسلامية (كأنها تعيش في متحف للتاريخ، كلا ولكن المقصود إقامة روح الإسلام الذي عرفه السلف وأخرج العرب من جزيرتهم فسادوا الأمم) (٤) .
الإسلام والعلم:
هناك مقدمة لابد منها في بيان صلة العالم بالإسلام، وعالجها كثير من الباحثين وأفاضوا في شرح جوانبها لتجلية العلاقة الوثيقة بين الإسلام والعلم واستبعاد التوهم المصطنع الذي حاول به البعض الفصل بينهما في بداية الالتقاء بالحضارة المعاصرة وكان العالم الإسلامي حينذاك يغط في نوم عميق (٥) ، فقام البعض محاولاً الدفاع عن حقائق الدين فأدّى به إلى الفصل
стр. 247
القاطع بين حقائق الدين ومعطيات العلم، وبالتالي إيجاد ثنائية بين التفكير العقلي واليقين القلبي، فموضوع العقل العلم وموضوع القلب الإيمان، وذلك تقليدًا لما حدث في أوروبا في عصر النهضة من انفصال بين الدين والعلم للأسباب التي قامت هناك حينذاك.
ثم تغيرت هذه الصورة رويدًا رويدًا عندما انتشر التعليم، وأعيدت الثقة في النفوس وقام العلماء بشرح الآيات القرآنية في ضوء الاكتشافات العلمية، وظهرت حقيقة التوافق بين الإسلام والعلم بالأدلة التي لا تقبل الشك.
وهنا نجد الدكتور موريس بوكاي يبدي دهشته البالغة عندما يستكشف في بحثه المبتكر في هذا المجال التوافق التام بين النص القرآني ومعطيات العلم الحديث، ثم - سرعان ما يقرر أنه لا داعي للعجب أو الدهشة في هذا (إذا عرفنا أن الإسلام قد اعتبر دائمًا أن الدين والعلم توأمان متلازمان فمنذ البدء كانت العناية بالعلم جزءا لا يتجزأ من الواجبات التي أمر بها الإسلام. وأن تطبيق هذا الأمر هو الذي أدى إلى ذلك الازدهار العظيم للعلوم في عصر الحضارة الإسلامية، تلك التي اقتات منها الغرب نفسه قبل عصر النهضة في أوروبا) (١) .
أما عن وجهتي النظر التي يقابلهما الباحث في هذه القضية، وأعني بذلك وجهة النظر القائلة بأن النظريات العلمية كلها منصوص عليها بين دفتي القرآن الكريم، والأخرى التي تفضل عدم الزج بالقرآن في مجالات علمية قابلة للتغير في ضوء التجارب والمكتشفات المتوالية، فإن الرأي الوسط الذي نميل إليه أن كتاب الله يستثير في بني آدم عملية التفكير ويحضهم على النظر في آيات الله الكونية المحيطة بهم في جوانب المخلوقات في عوالم النبات والحيوان والأفلاك والمجتمعات والتاريخ.
ومهما يكن اختلاف الآراء حول القرآن الكريم من آيات عرف العلماء الآن دلالتها العلمية في العصر الحاضر من شمس وقمر وكواكب، أو تتحدث عن الأرض والسماء، أو خلق الإنسان وأطواره، فإن الرأي الراجح بين الرأيين السالف الإشارة إليهما - أن القرآن الحكيم ليس في الواقع من مراجع العلوم (ولكنه وجه الحديث إلى القلوب المتفتحة وإلى العقول الواعية في نفس الوقت، وهو بذلك كتاب مشاعر وأخلاق وفكر في آن واحد، يعطي من
стр. 248
كل منها القدر اللازم للبشرية حتى لا تكون ثمة حجة لقارئه في مختلف العصور ومنها عصر العلم) (١) .
وها هي طريقة القرآن تبرهن أنها الوحيدة الثابتة بثبات القرآن مع تغير الدهور. ويزيدنا الدكتور "موريس بوكاي" إيضاحًا فيذهب إلى أن القرآن ليس كتابًا يهدف إلى عرض بعض القوانين التي تتحكم في الكون.
إن له هدفا وسببًا جوهريًا. وأوصاف القدرة الإلهية هي المناسبة الرئيسية في توجيه الدعوات للبشر أن يتأملوا في أعمال الخالق. وتصاحب هذه الدعوات إشارات إلى أمور يمكن للملاحظة الإنسانية أن تدركها أو قوانين عرفها الله تلك - التي تسود انتظام الكون - في ميدان علوم الطبيعة وفيما يخص الإنسان على حد سواء. وهناك جزء من هذه الأقوال يسير الفهم ولكن هناك جزء آخر لا يمكن إدراك دلالته إلا إذا كان المرء يملك معارف علمية لازمة لهذا (٢) .
إن ثبات القوانين الطبيعية والنواميس الكونية يقابلها في انتظامها في مسيرتها ثبات أحكام العقول وبديهية الأوليات، إذْ لو لم تستمد العلوم أساسها من أوليات وبديهيات لانهار الصرح العلمي، ولما أمكن إثبات نظرية علمية.
وبنفس البديهيات والأوليات، عرف الإنسان ربه ، بل الأسبق في فطرة الإنسان أن يعرف خالقه، فهو مفطور على ذلك كما أنه مفطور أيضًا على معرفة القوانين الأولية والبديهيات العقلية.
ويرى الدكتور الفندي أن الذي يدرس ما جاء في القرآن الكريم من آيات بينات في شتى المجالات، يجد أن الإسلام إنما يخلق مجتمعًا (طبيعياً) يساير الفطرة ويتمشى مع الناموس الطبيعي، سواء من حيث ما فطر عليه، أو ما جبلت عليه الطبيعة.
стр. 249
وهي نفس الفكرة التي أجمع عليها العلماء المسلمون عند تأكيدهم لتوافق الآيات العيانية والسمعية، وأن أدلة الشرع هي أدلة عقلية، حيث يأتي النظر والاستدلال أيًّا كانت وسائله تبعًا للعصور والأزمنة، معضدًا للفطرة التي فطر الله الناس عليها، وبانياً على العقيدة النظم الصالحة للمجتمع الإنساني.
وهنا تظهر روعة القرآن الكريم، بل إنه أروع الكتب التي توضح العقيدة على هذا النمط وهو إلى جانب هذا، إنما يعطي الأحكام والأمثال والآيات كلها من الكون نفسه، ولهذا نطق على الإسلام اسم (الدين الكوني) أو دين الفطرة، ولهذا أيضًا يظل القرآن معجزًا أبد الدهر وتبقى حجته قوية إلى ما شاء الله (١) .
وإذا كان قيام علماء الكلام في القرون الماضية باستخدام الأدلة المنطقية والتفكير النظري السائد آنذاك، فإن ما يتصل بالقضايا التي اصطلح على تسميتها (كلامية) في تاريخ الفرق، يتصل أوثق الصلات بالآفاق التي كشف عنها العلم وتجاربه في العصور الحديثة.
ونود القول بأن الطريقة الاستدلالية التي استخدمها القرآن الكريم ظلت هي الوحيدة بين الطرق الأخرى - أي منهج الكلام والفلسفة - فهي ثابتة في نفسها كميزان عقلي متوافقة مع الاجتهادات العقلية، وتخاطب البشرية قاطبة مهما اختلفت الأزمنة والأمكنة.
وإذا أردنا إثبات ذلك بنبذة موجزة عن دليل الآفاق، فإن هذا الدليل ما زال - وسيظل - ثابتًا، لأن نواميس الله تعالى في الكون والنفس لا تتغير، وبقدر ما يمنح الله تعالى العلماء من علم لاكتشاف المجهول، بقدر ما تتسع معارفهم وعلومهم عن الكون والمخلوقات والأنفس.
وقد سبق الإشارة إلى استخدام الصحابة ﵃ طريقة الاستدلال بحدوث العالم وهي طريقة عقلية شرعية كما قال تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ) [السجدة، الآية: ٢٧] فهذا مرئي بالعيون، وقال تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) ثم قال
стр. 250
(أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [فصلت، الآية: ٥٣] (١) .
والآيات الكونية والنفسية أمامنا ثابتة النواميس ولكن وسائل العلماء أخذت في التطور فاستطاعوا اختراع آلات المقاييس والمجاهر (٢) التي عمقت وزادت من القدرات الإنسانية على الاكتشاف ووسعت قوى الإدراك حيث يرى العلماء الآن في عالم الأفلاك ما لم يره علماء العصور السابقة ويجري العلماء المتخصصون التجارب بالوسائل المتطورة في مجالات عوالم الطبيعة والبحار والحيوان والنبات والميكروب وغيرها من الكائنات.
السنن الإلهية إذن ثابتة، ولكن التطور حدث في وسائل الإنسان لمعرفة أسرارها، وفي ضوء هذه الحقيقة كيف أمر الله تعالى في كتابه الحكيم بالتدبر والنظر والتفقه والاستدلال بآيات الله تعالى حولنا وفي أنفسنا.
والمستقرئ لآيات القرآن الكريم يلحظ أن أسلوب الدعوة القرآني يقوم على استثارة الفطرة الإنسانية، كمثل قوله تعالى: (أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) بدلا من لغة الفلسفة التي لجأ إليها أغلب المتكلمين ظنًا منهم أنها تؤدي للدفاع عن عقيدة الإسلام.
وفي ضوء الآفاق التي امتدت إليها البحوث العلمية، أصبح الأسلوب المقبول هو الذي استخدمه القرآن الكريم قبل نحو أربعة عشر قرنًا، ومن ثم فإن المنهج الذي اتبعه علماء السنة أي الاقتصار على استخدام الأدلة الشرعية هو المناسب أيضًا لطبيعة العصر إذ يمكن اليوم وضع تعاليم القرآن أمام الناس بنفس الأسلوب الفطري الذي نزلت به آياته.
والأمثلة كثيرة مبسوطة في المؤلفات التي عالجت موضوعات الدين بلغة العلم واكتشافاته، نشير إلى بعض الأفكار الرئيسية بها، إذ يرى وحيد الدين خان أن الأسلوب العلمي - على عكس الأسلوب الكلامي - يعتمد على البساطة والإيجابية التي تراعي سرد