← Тараджим

Тараджим · id 1386

تاريخ العلماء النحويين للتنوخي

أبو المحاسن التنوخي

Полный текст (210 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

بن عبد الله بن زيد بن مَالك بن الْحَارِث بن عَامر بن عبد الله ابْن عَامر بن مَالك بن عَوْف بن أسلم، وَهُوَ ثمالة من أَزْد. وَإِنَّمَا نَسَبْتُه لطعن بعض النَّاس فِي نسبه. مولده الْبَصْرَة. وابتدأ بِقِرَاءَة " الْكتاب " على الْجرْمِي فَقَرَأَ بعضه، وكَمَّل بَاقِيه على الْمَازِني. واشتهر أمره بِبَغْدَاد بعد خمول، وَذَاكَ أَن المتَوَكل استحضره إِلَى

стр. 37

سر من رأى، لِأَنَّهُ قَرَأَ يَوْمًا وَالْفَتْح بن خاقَان بِحَضْرَتِهِ: (وَمَا يُشْعِرُكُمْ إِنَّهَا) ، فَقَالَ الْفَتْح: يَا سَيِّدي (أَنَّهَا) ، فَقَالَ: مَا أعرفهَا إِلَّا بِالْكَسْرِ. فَأمر بإحضار المُبرِّد، فَحَضَرَ، وَورد إِلَى الْفَتْح بن خاقَان فسلَّم عَلَيْهِ، فَذكر لَهُ مَا استحضره لَهُ، فَوَافَقَ الْفَتْح، فَرفع مَجْلِسه، ثمَّ أُدخل بعد ذَلِك المتَوَكل، فصوَّب قِرَاءَته، وَذكر جَوَاز الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا. ثمَّ سَار إِلَى بَغْدَاد، وَتكلم فِي جَامع الْمَنْصُور، وَأخذ يُجيب عَن مسَائِل يُفهم أَنه قد سُئل عَنْهَا، فَقَامَ الزَّجَّاج من حَلقَة أَحْمد بن يحيى ثَعْلَب إِلَيْهِ، وَألقى عَلَيْهِ عدَّة مسَائِل، فَأجَاب فِي جَمِيعهَا، فَلَزِمَهُ وَترك مجْلِس ثَعْلَب. فَسمِعت شَيخنَا أَبَا الْقَاسِم الدقيقي، رَحمَه الله تَعَالَى، يَقُول: مَا زَالَ " الْكتاب " مُطَّرحاً بِبَغْدَاد، لَا يُنظر فِيهِ، وَلَا يعول عَلَيْهِ، حَتَّى ورد المُبرِّد إِلَيْهَا، فبيَّنه، على علو قدره وشرفه، ورغَّب النَّاس فِيهِ، فَكَانَ لَا يُمكِّن أحدا من قِرَاءَته عَلَيْهِ حَتَّى يقرأه على الزَّجَّاج، ويُصححه.

стр. 38

قَالَ الْمَعْرُوف باليوسفي: كنت يَوْمًا قَاعِدا عِنْد أبي حَاتِم السجسْتانِي، إِذْ أَتَاهُ شَاب من نيسابور، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا حَاتِم، إِنِّي قد قدمت إِلَى بلدكم، وَهُوَ مَحل الْعلم وَالْعُلَمَاء، وَأَنت شيخ هَذِه الْمَدِينَة، وَقد أَحْبَبْت أَن أَقرَأ عَلَيْك " كتاب سِيبَوَيْهٍ ". فَقَالَ سهل بن مُحَمَّد: الدَّين النَّصِيحَة، إِن أردْت أَن تنْتَفع بِالْقِرَاءَةِ فاقرأ على هَذَا الْغُلَام. يَعْنِي مُحَمَّد بن يزِيد، فعجبت من ذَلِك. وَكَانَ الْمبرد يَقُول الشّعْر، وَمن شعره، مَا أنشدنيه أبي مُحَمَّد بن مسعر، ﵀، قَالَ: أَنْشدني أَحْمد بن مُحَمَّد الْأَنْبَارِي، ويُعرف بالحميري، الْقَارئ بمعرة النُّعْمَان، قَالَ: أنشدنا دَاوُد بن الْهَيْثَم التنوخي، قَالَ: أنشدنا الْمبرد لنَفسِهِ: شَرِبْتُ مِن فِضَّةٍ ومِن ذَهَبِ ... أسْرَعَ فِي فَضَّتِي وَفِي ذَهَبِي

стр. 39

فصِرْتُ عُطلاً لم تُبْقِ حِلْيَتَهُ ... عليَّ مِن حِلْيةٍ سِوَى الأدبِ والأدبُ الحِلْيةُ النَّفِيسَةُ لَا ... زُخْرُفَةٌ مِن زَخارِفِ النَّسبِ وحدَّث الْحسن بن إِسْمَاعِيل الْبَغْدَادِيّ، قَالَ: كنت يَوْمًا عِنْد الْمبرد إِذْ جَاءَ غُلَام حسن الْوَجْه، فَقَالَ لَهُ الْمبرد: أَيْن كنت هَذِه الْمدَّة؟ قَالَ: كنت عليلاً. فَأَطْرَقَ أَبُو الْعَبَّاس سَاعَة، ثمَّ أنشأ يَقُول: فلَوْ كَانَ المَريضُ يَزِيدُ حُسْناً ... كَمَا تَزْدادُ أنتَ علَى السَّقامِ لَمَا عِيدَ الْمرِيضُ إِذا وعُدَّتْ ... لَنا الشَّكْوى مِن النِّعَمِ العظامِ فَأَما مَا ذكرت من الطعْن فِي نسبه، فإنَّ أَبَا الْقَاسِم عبد الله بن مُحَمَّد بن يحيى بن أبي العوَّام الْمصْرِيّ، حدَّث سنة أَربع وَأَرْبَعين وثلاثمائة، قَالَ: حدَّثني يَمُوت بن المُزَرَّع الْبَصْرِيّ، قَالَ: صرت مَعَ

стр. 40

أبي الْعَبَّاس إِلَى أبي شُرَاعة فَقَالَ: يَا أَبَا شراعة، أَنْشدني أبياتك فِي آل ريَاح. فَقَالَ لَهُ أَبُو شراعة الْقَيْسِي: بِاللَّه يَا أَبَا الْعَبَّاس فِيمَن تنتمي الْيَوْم؟ فَقَالَ: فِي ثمالة. قَالَ: بِاللَّه يَا أَبَا الْعَبَّاس هلاَّ اخْتَرْت لنَفسك نسبا هُوَ أرفع من هَذَا! فَقَالَ لَهُ الْمبرد: دَعْنَا من هزلك، وأنشدنا أبياتك فِي آل ريَاح. فأنشده وَنحن عِنْده:

стр. 41

بَنِي رِيَاحٍ أعادَ اللهُ نِعْمَتَكُمْ ... خَيْرَ المَعادِ وأسْقَى رَبْعَكُم دِيَمَا فكَمْ بهَا مِن فَتىً حُلْوٍ شَمائِلُهُ ... يكادُ يَنْهَلُّ مِن أعْطافِهِ كَرَمَا لم يَلْبَسُوا نِعْمَةَ للهِ مُذْ خُلِقُوا ... إلاَّ تَلَبَّسَها إخْوانُهم نِعَمَا ويُروى أَن الْمبرد ولد لَيْلَة الْأَضْحَى، سنة عشرٍ وَمِائَتَيْنِ بِالْبَصْرَةِ، وَأقَام بهَا مُدَّة طَوِيلَة قبل أَن يصير إِلَى بَغْدَاد. وأملى كتبا كَثِيرَة: " الْمدْخل إِلَى علم سِيبَوَيْهٍ " و " المُقتضب "، و " الْكَامِل "، و " الْجَامِع ". وَله " كتاب صَغِير " يرد على سِيبَوَيْهٍ نَحْو أَرْبَعمِائَة مَسْأَلَة. قَالَ الزّجاج: رَجَعَ عَن أَكْثَرهَا إِلَى قَول سِيبَوَيْهٍ. قَالَ: وفيهَا مَا يلْزم سِيبَوَيْهٍ على مذْهبه نَحْو أَرْبَعِينَ مَسْأَلَة. وَالَّذِي أعتقد فِي ذَلِك أَن سِيبَوَيْهٍ لَا يتَعَلَّق بِهِ شَيْء مِمَّا ذُكر عَنهُ، لِأَنَّهُ يروي عَن الْعَرَب قَول الشَّاعِر: وَلم يَرْتَفِقْ والناسُ مُحْتَضِرُونَهُ جَمِيعًا...........

стр. 42

وَمثل: أَبَا ابنُ التَّارِكِ البكْرِيِّ بِشْرٍ ... عَلَيْهِ الطَّيْرُ تَرْقُبُهُ وَقُوعا

стр. 43

وَهل يُسمى مثلُ رِوَايَة هَذَا على الْمجَاز " غلط من الرَّاوِي ". وأكبر ظَنِّي أَن أَبَا عَليّ الْفَارِسِي إِنَّمَا عدل عَن إقراء كتبه، والتكثر بالرواية عَنهُ، بِهَذِهِ الْحَال. ويُروى عَنهُ أَنه قَالَ: مَا أَدْرِي، لِمَ لقَّب ذَلِك الْكتاب بالكامل! وَمن كتبه كتاب " الرَّوْضَة "، فِي من أشعار النحدثين، وَله " كتاب فِي القوافي "، و " كتاب فِي الخطِّ والهجاء "، و " كتاب فِي الْقُرْآن "، وَكتاب " اخْتِيَار الشّعْر "، وَكتاب لقبه " الْكَافِي " فِيهِ أخبارٌ، لَا أَدْرِي لِمَ اخْتَار لَهُ هَذَا اللقب، من أَي شَيْء يَكْفِي؟. وَكَانَ البحتري صديقا لَهُ، وَكَانَ - فِيمَا ذكر - يَجْتَمِعَانِ على الشَّرَاب. ويروي أَن البحتري كتب إِلَيْهِ بِهَذِهِ الأبيات: يومُ سَبْتٍ وعنْدَنا مَا يَكْفِي الْحُرَّ ... طَعاماً والوِرْدُ مِنَّا قَرِيبُ ولَنَا مَجْلِسُ على الشَّطِّ فَيَّا ... حٌ فسِيحٌ تَرْتاحُ فِيهِ القُلوبُ فَأْتِنَا يَا محمدُ بن يَزِيد ... فِي اسْتِتَارِ كَيْلاَ يراكَ الرَّقِيبُ اطْرُدِ الْهَمَّ باصْطِباحِ ثَلاثٍ ... مُتْرَعاتٍ تُنْفَي بِهِنَّ الكُروبُ إنَّ فِي الرَّاحِ رَاحَةً مِن جَوَى الحُبِّ ... وقلبِي إِلَى الأديبِ طرُوبُ لَا يَرُعْكَ الْمَشِيبُ مِنِّي فإنِّي ... مَا ثَنانِي عَن التَّصابِي الْمَشِيبُ

стр. 44

ويروى أَن البحتري صَار إِلَيْهِ يَوْمًا إِلَى مَجْلِسه، فَنَهَضَ إِلَيْهِ الْمبرد، فأقسم عَلَيْهِ البحتري، فَقَالَ: لَئِنْ قُمْتُ مَا فِي ذَاك مِنِّي غَضاضَةٌ ... عليَّ وإنِّي لِلْكريمِ مُذَلَّلُ على أنَّها مِنِّي لِغَيْرِكَ سُبَّةُ ... ولكنَّها بيْنِي وبَيْنَك تَجْمُلُ وتُوفي لليلتين بَقِيَتَا من ذِي الْحجَّة، سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ. ودُفن فِي مَقْبرَة بَاب الْكُوفَة، وَصلى عَلَيْهِ يُوسُف بن يَعْقُوب القَاضِي، وَله سِتّ وَسَبْعُونَ سنة. وَقَالَ أَحْمد بن عبد السَّلَام يرثيه:

стр. 45

ذهَب المُبَرِّدُ وانْقَضَتْ أيَّامُهْ ... ولَيَذْهَبَنَّ مَع المُبَرِّدِ ثَعْلَبُ بَيْتُ من الآدابِ أصْبَح شَطْرُه ... خَرِباً وباقِي شَطْرِه فسيَخْربُ

стр. 46

فتدارَكُوا مِن عِلْمِه فَبِكأْسِ مَا ... شَرِبَ المُبَرِّدُ ثَعْلَبُ فسَيَشْربُ وعَلْيكُمُ أَن تكْتُبوا أنْفَاسَهُ ... إنْ كانتِ الأنْفاسُ مِمَّا تُكْتبُ وَكَانَ قَالَ فيهمَا:

стр. 47

أيا طالِبَ النَّحْوِ لَا تَجْهلنَّ ... وعُذْ بالمُبَرِّدِ أَو ثَعْلَبِ تَجِدْ عِنْد هَذَيْنِ عِلْمَ الوَرَى ... فَلَا تَكُ كالجملِ الأجْرَبِ عُلومُ الْخَلائِقِ مَقرُونَةٌ ... بهذَيْنِ فِي الشَّرْقِ والمَغْرِبِ * * * ٢٩ - أَبُو عُثْمَان المازنيّ اسْمه بكر بن مُحَمَّد.

стр. 48

كتب أَبُو غَسَّان رَفيع إِلَيْهِ بِأَبْيَات، فَقَالَ: مَا سَأَلَني فيتعبني، وَيُقَال: فيعييني. والأبيات: تَفكَّرْتُ فِي النَّحْوِ حتَّى ضَجِرْتُ ... وأتْعَبْتُ نَفْسِي لَهُ والْبَدَنْ

стр. 49

وأتْعَبْتُ بَكْراً وأشْيَاعَهُ ... بطُولِ الْمَسَائِلِ فِي كُلِّ فَنّ خَلاَ أنَّ بَابا عَلَيْهِ العفا ... ءُ للفاء يَا ليته لم يَكُنْ ولِلْواوِ بَابٌ إِلَى جَنْبِهِ ... مِن المَقْتِ أحْسَبُه قد لُعِنْ أجَبْت لما قِيلَ هَذَا كَذَا ... على النَّصْبِ قَالُوا بإِضْمارِ أنْ

стр. 50

أدْرك أَبَا الْحسن الْأَخْفَش، وَقَرَأَ عَلَيْهِ أَكثر " الْكتاب "، وكمَّله على الْجرْمِي. وَيُقَال: إِنَّه تَحَرَّف من حمله فِي كُمِّه مَرَّات، وَكَانَ يعظِّم شَأْنه. ويُروى أَنه قَالَ؛ من أَرَادَ أَن يعْمل كتابا كَبِيرا فِي النَّحْو بعد سِيبَوَيْهٍ فليستحي. وَعمل كتبا لَطِيفَة؛ " كتابا فِي التَّصريف "، و " كتاب الْألف وَاللَّام "، و " كتاب مَا يلحن فِيهِ الْعَامَّة ". وَكَانَ الواثق أَمر بإحضاره من الْبَصْرَة، للخُلْفِ الْوَاقِع بَين جَارِيَة

стр. 51

مغنية وَبَين ابْن السّكيت، فِي قَول الشَّاعِر: أظَلُومُ إنَّ مُصَابَكُمْ رَجُلاً ... أهْدَى السَّلامَ تَحِيَّةً ظُلْمُ

стр. 52

أنشدته الْجَارِيَة هَكَذَا بِنصب " رجل "، وَقَالَ يَعْقُوب: " رجلٌ ". فَلم ترجع إِلَى قَوْله، وَذكرت أَنَّهَا أَخَذته عَن المازنيِّ. والحكاية مَشْهُورَة. وَاخْتلف فِي وَفَاته، فَقَالَ بعض المصنفين الْمُتَقَدِّمين: سنة تسع وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ. وَقَالَ أَحْمد بن أبي يَعْقُوب: سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ.

стр. 53

قَالَ الْمَازِني: سَأَلَني الْأَصْمَعِي عَن قَول الرَّاوِي: يَا بِئْرُ يَا بئرَ بني عَدِيِّ لأَنْزَحَنْ جَوْفَكِ بالدُلِيِّ حَتَّى تَعُودِي اقْطَعَ الْوَلِيِّ فَقلت: أَرَادَ قليباً أقْطَعَ الوليّ. فَاسْتحْسن جوابي. * * *

стр. 54

٣٠ - أَبُو عمر صَالح بن إِسْحَاق الْجرْمِي مولى الجَرْم بن رَبَّان، من قضاعة.

стр. 55

قَرَأَ " كتاب سِيبَوَيْهٍ " على أبي الْحسن الْأَخْفَش. وَلَقي يُونُس بن حبيب، لم يلق سِيبَوَيْهٍ. قَالَ الْمبرد: كَانَ أغوص نظرا من الْمَازِني، وَكَانَ الْمَازِني أحدَّ مِنْهُ. وَله كتاب " فرخ سِيبَوَيْهٍ "، وَله " كتاب فِي التَّصريف ". * * * ٣١ - أَبُو حَاتِم سهل بن مُحَمَّد السجسْتانِي روى " الْكتاب " عَن الْأَخْفَش.

стр. 56

وَقَالَ أَبُو حَاتِم: قَالَ أَبُو زيد: يُقَال تَّغديت وتعشَّيت، وَلم أسمع: غَدَوْت وَلَا عشوت. قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: قد سَمعتهَا. وَله " كتاب نَحْو " وَلم يشْتَهر بِعلم النَّحْو اشتهار غَيره. وَله رِوَايَة فِي اللُّغَة، وصنف " كتابا فِي الْوَقْف والابتداء ". قَالَ ابْن دُرَيْد، تُوفي أَبُو حَاتِم فِي رَجَب، سنة خمس وَخمسين وَمِائَتَيْنِ. * * *

стр. 57

٣٢ - أَبُو الْفضل الْعَبَّاس بن الْفرج الرِّيَاشيّ مولى مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الْهَاشِمِي، كَانَ أَبوهُ عبدا لرجل من جذام، يُقَال لَهُ رياش فغلب عَلَيْهِ، ونُسب إِلَى رياشٍ مولى كَانَ بَاعه من الْهَاشِمِي، فَأعْتقهُ. روى أَبُو الْقَاسِم عبد الرَّحْمَن الزجاجي، عَن عَليّ بن سُلَيْمَان الْأَخْفَش، عَن ثَعْلَب، قَالَ: قدم الرياشي بَغْدَاد سنة ثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، فصرت إِلَيْهِ لآخذ عَنهُ، فَقَالَ: أأَسأَلك عَن مَسْأَلَة؟ قلت: نعم.

стр. 58

فَقَالَ: أتجيز " نِعْمَ الرَّجُلُ يقوم "؟ فَقلت: نعم هِيَ جَائِزَة عِنْد الْجَمِيع، أما الْكسَائي فيضمر، وَالتَّقْدِير عِنْده: نِعْمَ الرَّجل رجلٌ يقوم. لِأَن " نِعْمَ " عِنْده فعل. وَالْفراء يضمر، لِأَن " نِعْمَ " عِنْده اسْم، وَيرْفَع " الرجل " بنعم، و " يقوم " صلَة الرجل. وَأما صَاحبك - يَعْنِي سِيبَوَيْهٍ - فَإِنَّهُ يضمر شَيْئا، و " نعم " أَيْضا عِنْده فِعلٌ، وَلَكِن يَجْعَل " يقوم " مترجماً. فَسكت. قلت: فأسألك عَن مَسْأَلَة؟ قَالَ: نعم. قلت: " يقوم نِعْمَ الرَّجُلُ "؟ قَالَ: جَائِز. قلت: هَذَا خطأ عِنْد الْجَمِيع. أما على مَذْهَب الْكسَائي، فَإِنَّهُ لَا يولي الْفِعْل فعلا. وَأما الْفراء، فَإِن " يقوم " عِنْده صلَة، والصلة لَا يتَقَدَّم على الْمَوْصُول. وَأما على مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ، فَإِنَّهُ لَا يجوز، لِأَنَّهُ تَرْجَمَة، والترجمة تَبْيِين وإيضاح للجملة الَّتِي تتقدمها، وَلَا يجوز تَقْدِيمهَا عَلَيْهَا. فَقَالَ: أَنا تَارِك للعربية، فَخذ فِيمَا قصدت لَهُ. ففاتحته الْأَخْبَار، ففتحت بِهِ ثبج بحرٍ. وَقَالَ الرياشي: تحفظت كتب أبي زيد، إِلَّا أَنِّي لم أُجالسه كَمَا جالست الْأَصْمَعِي.

стр. 59

وروى مُحَمَّد بن رستم الطَّبَرِيّ، قَالَ: أخبرنَا أَبُو عُثْمَان الْمَازِني، قَالَ: كنت عِنْد سعيد بن مسْعدَة الْأَخْفَش، أَنا وَأَبُو الْفضل الرياشي، فَقَالَ الْأَخْفَش: إِن " مذ " إِذا رفع بهَا فَهِيَ اسْم الْمُبْتَدَأ، وَمَا بعْدهَا خَبَرهَا، كَقَوْلِك: " مَا رَأَيْته مذ يَوْمَانِ "، وَإِذا خُفض بهَا فَهِيَ حرف معنى لَيْسَ باسم، كَقَوْلِك: مَا رَأَيْته مذ الْيَوْم. فَقَالَ الرياشي: فَلم لَا يكون فِي الْمَوْضِعَيْنِ اسْما، فقد رُوِيَ الْأَسْمَاء تنصب وتخفض، كَقَوْلِك: " هَذَا ضَارب زيدا "، و " ضَارب زيد أمس " فَلم لَا يكون بِهَذِهِ الْمنزلَة؟ فَلم يَأْتِ الْأَخْفَش بمقنع. قَالَ أَبُو عُثْمَان: فَقلت لَهُ: لَا تشبه " مذ " مَا ذكرت من الْأَسْمَاء؛ لأَنا لم نر الْأَسْمَاء هَكَذَا تلْزم موضعا وَاحِدًا، إِلَّا إِذا عارضت حُرُوف الْمعَانِي، نَحْو " أَيْن " و " كَيفَ " وَكَذَلِكَ " مذ " هِيَ مضارعة لحروف الْمعَانِي، فلزمت موضعا وَاحِدًا. قَالَ الطَّبَرِيّ: فَقَالَ ابْن أبي زرْعَة للمازني: أفَرَأَيْت حُرُوف الْمعَانِي تعْمل عملين مُخْتَلفين متضادين؟

стр. 60

قَالَ: نعم، كَقَوْلِك: " قَامَ الْقَوْم حاشا زيد "، و " حاشا زيدا "، و " على زيد ثوبٌ "، و " علا زيد الْجَبَل ". فَيكون مرّة حرفا وَمرَّة فعلا بِلَفْظ وَاحِد. وقُتل الرياشي سنة سبع وَخمسين وَمِائَتَيْنِ، قتلته الزَّنْج وَقت دُخُولهَا الْبَصْرَة، فِي هَذِه السّنة. قَالَ ابْن الْخياط: سَمِعت الْعَنزي يَقُول: سَمِعت الْمَازِني

стр. 61

يَقُول: قَرَأَ عليّ الرياشي " كتاب سِيبَوَيْهٍ " فَكَانَ مَا أفدت مِنْهُ أكبر مِمَّا أَفَادَ مني. قَالَ ابْن الْخياط: الَّذِي اسْتَفَادَ مِنْهُ الْمَازِني النّصْف الآخر من الْكتاب لأنَّ آخِره لُغَة. * * * ٣٣ - الزيَادي، أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن سُفْيَان بن سُلَيْمَان بن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن بن زِيَاد بن أَبِيه وَكَانَ قد قَرَأَ " كتاب سِيبَوَيْهٍ " وَلم يتممه، وَله نكت فِي " كتاب سِيبَوَيْهٍ "، وَخلاف لَهُ فِي مَوَاضِع.

стр. 62

وَقَرَأَ على الْأَصْمَعِي، وروى عَنهُ، وَعَن غَيره. * * * رَجَعَ: ٣٤ - التوزي، أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد مولى قُرَيْش. وتَوَّز: مَدِينَة. توفّي سنة ثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ.

стр. 63

وحدَّث سهل بن مُحَمَّد، قَالَ: كنت أَنا والتوزي عِنْد أبي الْحسن الْأَخْفَش، فَقَالَ لي التوزي: مَا صنعت فِي كتاب " الْمُذكر والمؤنث ". قلت: قد جمعت مِنْهُ شَيْئا. قَالَ: فَمَا تَقول فِي الفردوس؟ قلت: مُذَكّر. قَالَ: فإنَّ الله تَعَالَى يَقُول: (الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خالِدُونَ) . قلت: ذهب إِلَى معنى الْجنَّة، كَمَا قَالَ: (منْ جَاءَ بالْحسنةِ فلهْ عَشْرُ أَمْثَالِهَا) ، فأنَّثَ المِثْل. وكما قَالَ الشَّاعِر:

стр. 64

وإنَّ كِلاباً هَذِه عَشْرُ أَبْطُنٍ ... وأنتَ بَرِيءٌ مَن قَبائِلِهَا الْعَشْرِ فَقَالَ لي: يَا عَاقل، أَلَيْسَ النَّاس يَقُولُونَ: نَسْأَلك الفردوس الْأَعْلَى؟ فَقلت: يَا نَائِم، هَذِه الْحجَّة حجتي، لأنَّ الْأَعْلَى من صِفَات الْمُذكر، وَلَو كَانَ مؤنثا قيل، الْعليا. فَسكت خجلاً * * * ٣٥ - أَبُو عَليّ مُحَمَّد بن المستنير قُطرب وَيُقَال: إِنَّه إِنَّمَا سُمي قُطرباً لقَوْل سِيبَوَيْهٍ، وَكَانَ يخرج بالأسحار

стр. 65

فيجده على بَابه حَرِيصًا على التَّعَلُّم: إِنَّمَا أَنْت قُطرب ليل. وَهُوَ مولى سلم بن زِيَاد. وَأخذ النَّحْو عَن سِيبَوَيْهٍ. وَله " كتاب فِي الْقُرْآن "، حسن كثير الْفَوَائِد. وَله كتاب فِي النَّحْو يُلقَّب ب " الجماهير "، وَكَانَ سَبَب تصنيف هَذَا الْكتاب أَن الرشيد قَالَ لَهُ يَوْمًا: كَيفَ تُصَغِّرُ الدُنيا؟

стр. 66

فَقَالَ: هِيَ مصغرة يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. فَقَالَ لَهُ: اعْمَلْ كتابا لعبد الله وَمُحَمّد، فَإِنَّهُمَا من أحْوج الورى إِلَيْهِ. فعمله، وَلَيْسَ بالطائل. وَكَانَ من تلاميذه الْمَعْرُوف بِأبي الْقَاسِم المُهبلَّي، فَجعل لَهُ مَالا على أَن يقدمهُ على نَفسه فِي شعر لقَوْله: ذَا مَا أقَرَّ بِهِ قُطْرُبٌ ... عَلَى نفسِهِ لأبي الْقِاسم وأشْهَد هُوداً وجَهْماً عليْهِ ... وأشْهَدَ غَزْوَانَ مَعْ عاصِمِ بأنْ قَالَ قد بَذَّنِي فِي الْقِياسِ ... وصَيَّرْتُ فِي يَدِه خَاتِمِي فأعْلَمُ بالنَّحْوِ مِن سِيبَوَيْه ... وأجْوَدُ بالمالِ مِن حاتِمِ بَدِيهَتُه عندَ رَدِّ الجَوابِ ... يزيدُ علَى فِكْرَةِ العالمِ فصِرْتُ علَى السِّنِّ تِلْميذَهُ ... وأضْحَى أَبُو قَاسمٍ عالِمِي * * *

стр. 67

٣٦ - أَبُو الْحسن سعيد بن مسْعدَة الْأَخْفَش مولى بني مجاشع بن دارم، وإليهم ينْسب، فَيُقَال الْمُجَاشِعِي، ويُلقب أَيْضا بالراوية. وَهُوَ أحذق أَصْحَاب سِيبَوَيْهٍ، وَقد لَقِي من لقِيه، وَلَيْسَ لكتابه طَرِيق إِلَّا من جِهَته، وَذَلِكَ أَن " كتاب سِيبَوَيْهٍ " لَا يُعلم أَن أحدا قَرَأَهُ على سِيبَوَيْهٍ، وَلَا قَرَأَهُ عَلَيْهِ سِيبَوَيْهٍ، وَلكنه لما مَاتَ سِيبَوَيْهٍ قُرئ " الْكتاب " على

стр. 68

أبي الْحسن الْأَخْفَش، وَكَانَ مِمَّن قَرَأَهُ عَلَيْهِ أَبُو عمر الْجرْمِي، وَأَبُو عُثْمَان الْمَازِني، وَغَيرهمَا. وَكَانَ أسن من سِيبَوَيْهٍ، وَصَحب الْخَلِيل أَولا، وَكَانَا جَمِيعًا يطلبان، فجَاء الْأَخْفَش بعد أَن برع إِلَى سِيبَوَيْهٍ يناظره، فَقَالَ لَهُ الْأَخْفَش: إِنَّمَا ناظرتك لأستفيد لَا لغيره. فَقَالَ: تُراني أَشك فِي هَذَا!! وَكَانَ ثَعْلَب يفضله، وَيَقُول: هُوَ أوسع النَّاس رِوَايَة، وَأول من أمْلى غَرِيب كل بَيت تَحْتَهُ، وَكَانَ قبله تُفسر القصيدة بعد فراغها. وروى ثَعْلَب أَيْضا، رَوَاهُ ابْن مُجَاهِد، عَنهُ، عَن مسلمة، قَالَ: حَدثنِي الْأَخْفَش، قَالَ: جَاءَنَا الْكسَائي، إِلَى الْبَصْرَة، فَسَأَلَنِي أَن أَقرَأ عَلَيْهِ " كتاب سِيبَوَيْهٍ "، أَو أقرئه، فَفعلت، فوجَّه إليَّ خمسين دِينَارا. وَيُقَال: إِنَّه كَانَ معلما لولد الْكسَائي. ويروى عَن الْأَخْفَش أَنه قَالَ: لما جرى بَين سِيبَوَيْهٍ وَالْكسَائِيّ مَا جرى بِحَضْرَة البرامكة رَحل سِيبَوَيْهٍ عَن بَغْدَاد، يُرِيد الأهواز، فَلَمَّا وصل إِلَى ظَاهر الْبَصْرَة وجَّه إليَّ فَجِئْته، فعرَّفني خَبره مَعَ البغداديين، وَمَا جرى من التعصب عَلَيْهِ، وودَّعني وَمضى إِلَى الأهواز.

стр. 69

فأصلحت حَالي، وَجَلَست فِي سمارية، (١) فصرت إِلَى بَغْدَاد، ثمَّ إِنِّي وافيت مَسْجِد الْكسَائي، فَصليت خَلفه صَلَاة الْفجْر، فَلَمَّا فرغ وانتقل من محرابه، قعد بَين يَدَيْهِ الْفراء والأحمر وَهِشَام وَابْن سَعْدَان الضَّرِير، فسلَّمت عَلَيْهِ وَعَلَيْهِم، ثمَّ ألقيت مائَة مَسْأَلَة عَلَيْهِ، فَلم يصبْ فِي مَسْأَلَة وَاحِدَة، فهمَّ أَصْحَابه بالوثوب ي، فَقَالَ: بِاللَّه أَنْت الْأَخْفَش أَبُو الْحسن سعيد؟ فَقلت: نعم. فقان إليَّ، فعانقني، وَقَالَ لي: أَوْلَادِي أولى بك، أُحبُّ أَن يتأدبوا بأدبك، وَتَكون غير مفارق لي. فأجبته إِلَى ذَلِك. فَلَمَّا اتَّصَلت الْأَيَّام، سَأَلَني أَن أؤلف كتابا فِي الْقُرْآن، فَعمِلت كتابي، وَجَعَلته إِمَامًا، وَعمل هُوَ بعد ذَلِك كِتَابه فِي الْقُرْآن، وَعمل أَيْضا عَلَيْهِ الْفراء كتابا فِي مَعَاني الْقُرْآن. وَكَانَ الْأَخْفَش بِبَغْدَاد، والطوسي مستميله.

стр. 70

وتُوفي سنة خمس عشرَة وَمِائَتَيْنِ. وَله " الْكتاب الْأَوْسَط "، وَكتاب " التصريف ". وَمن أَصْحَاب الْأَخْفَش، نصر بن عَليّ بن نصر الْجَهْضَمِي. رُوِيَ عَنهُ، وَقَالَ: سمعته يَقُول: أَصْحَاب الْخَلِيل أَرْبَعَة؛

стр. 71

سِيبَوَيْهٍ، وَالنضْر بن شُمَيْل، وَعلي بن نصر، ومؤرج. وتُوفي مؤرج سنة خمس وَتِسْعين وَمِائَة. ولحن الْأَخْفَش يَوْمًا، فَقيل لَهُ فِي ذَلِك، فَقَالَ:

стр. 72

لَعَمْرُكَ مَا اللَّحْنُ مِن شِيمَتِي ... وَلَا أنَا مَن خَطَأً ألْحَنُ ولكِنَّني قد عَرَفْتُ الأنامَ ... أُخاطِبُ كلا بِمَا يُحْسِنُ * * * ٣٧ - سِيبَوَيْهٍ عَمْرو بن عُثْمَان بن قنبر

стр. 73

يُكنى أَبَا بشر، مولى لبني الْحَارِث. ولد بقرية من قرى شيراز، يُقَال لَهَا الْبَيْضَاء. وَقد الْبَصْرَة يكْتب الحَدِيث، فَلَزِمَ حَلقَة حَمَّاد بن سَلمَة،

стр. 74

فاستملى مِنْهُ يَوْمًا قَول النَّبِي ﷺ : " لَيْسَ أحد من أَصْحَابِي إِلَّا لَو شِئْت أخذت عَلَيْهِ، لَيْسَ أَبَا الدَّرْدَاء "، فَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: لَيْسَ أَبُو الدَّرْدَاء. فَقَالَ لَهُ أَبُو حَمَّاد: لحنت يَا سِيبَوَيْهٍ، لَيْسَ هَذَا حَيْثُ ذهبت، " لَيْسَ " اسْتثِْنَاء. فَقَالَ: سأطلب علما لَا تلحنني فِيهِ. فَلَزِمَ الْخَلِيل. وروى عبيد الله بن معَاذ، قَالَ: جَاءَ سِيبَوَيْهٍ إِلَى حَمَّاد فَقَالَ: أحدثَّك هِشَام عَن أَبِيه، فِي رجل رعُف فِي الصَّلَاة فَانْصَرف. فَقَالَ لَهُ: أَخْطَأت، إِنَّمَا هُوَ " رَعَف ". فَانْصَرف إِلَى الْخَلِيل، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: صدق حَمَّاد.

стр. 75

قَالَ المَخْزُومِي، وَكَانَ كثير المجالسة للخليل: مَا سمعته يَقُول: مرْحَبًا بزائرٍ لَا يُمَلُّ. إِلَّا لسيبويه. وَقَالَ النطاح: كنت عِنْد الْخَلِيل يَوْمًا، فَأقبل سِيبَوَيْهٍ، فَقَالَ الْخَلِيل: مرْحَبًا بزائرٍ لَا يُمَلُّ. وَقَالَ ابْن عَائِشَة: كُنَّا نجلس عِنْد سِيبَوَيْهٍ النحويِّ فِي الْمَسْجِد -
следующие страницы →