بن عبد الله بن زيد بن مَالك بن الْحَارِث بن عَامر بن عبد الله ابْن عَامر بن مَالك بن عَوْف بن أسلم، وَهُوَ ثمالة من أَزْد.
وَإِنَّمَا نَسَبْتُه لطعن بعض النَّاس فِي نسبه.
مولده الْبَصْرَة.
وابتدأ بِقِرَاءَة " الْكتاب " على الْجرْمِي فَقَرَأَ بعضه، وكَمَّل بَاقِيه على الْمَازِني.
واشتهر أمره بِبَغْدَاد بعد خمول، وَذَاكَ أَن المتَوَكل استحضره إِلَى
стр. 37
سر من رأى، لِأَنَّهُ قَرَأَ يَوْمًا وَالْفَتْح بن خاقَان بِحَضْرَتِهِ: (وَمَا يُشْعِرُكُمْ إِنَّهَا) ، فَقَالَ الْفَتْح: يَا سَيِّدي (أَنَّهَا) ، فَقَالَ: مَا أعرفهَا إِلَّا بِالْكَسْرِ. فَأمر بإحضار المُبرِّد، فَحَضَرَ، وَورد إِلَى الْفَتْح بن خاقَان فسلَّم عَلَيْهِ، فَذكر لَهُ مَا استحضره لَهُ، فَوَافَقَ الْفَتْح، فَرفع مَجْلِسه، ثمَّ أُدخل بعد ذَلِك المتَوَكل، فصوَّب قِرَاءَته، وَذكر جَوَاز الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا.
ثمَّ سَار إِلَى بَغْدَاد، وَتكلم فِي جَامع الْمَنْصُور، وَأخذ يُجيب عَن مسَائِل يُفهم أَنه قد سُئل عَنْهَا، فَقَامَ الزَّجَّاج من حَلقَة أَحْمد بن يحيى ثَعْلَب إِلَيْهِ، وَألقى عَلَيْهِ عدَّة مسَائِل، فَأجَاب فِي جَمِيعهَا، فَلَزِمَهُ وَترك مجْلِس ثَعْلَب.
فَسمِعت شَيخنَا أَبَا الْقَاسِم الدقيقي، رَحمَه الله تَعَالَى، يَقُول: مَا زَالَ " الْكتاب " مُطَّرحاً بِبَغْدَاد، لَا يُنظر فِيهِ، وَلَا يعول عَلَيْهِ، حَتَّى ورد المُبرِّد إِلَيْهَا، فبيَّنه، على علو قدره وشرفه، ورغَّب النَّاس فِيهِ، فَكَانَ لَا يُمكِّن أحدا من قِرَاءَته عَلَيْهِ حَتَّى يقرأه على الزَّجَّاج، ويُصححه.
стр. 38
قَالَ الْمَعْرُوف باليوسفي: كنت يَوْمًا قَاعِدا عِنْد أبي حَاتِم السجسْتانِي، إِذْ أَتَاهُ شَاب من نيسابور، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا حَاتِم، إِنِّي قد قدمت إِلَى بلدكم، وَهُوَ مَحل الْعلم وَالْعُلَمَاء، وَأَنت شيخ هَذِه الْمَدِينَة، وَقد أَحْبَبْت أَن أَقرَأ عَلَيْك " كتاب سِيبَوَيْهٍ ". فَقَالَ سهل بن مُحَمَّد: الدَّين النَّصِيحَة، إِن أردْت أَن تنْتَفع بِالْقِرَاءَةِ فاقرأ على هَذَا الْغُلَام. يَعْنِي مُحَمَّد بن يزِيد، فعجبت من ذَلِك.
وَكَانَ الْمبرد يَقُول الشّعْر، وَمن شعره، مَا أنشدنيه أبي مُحَمَّد بن مسعر، ﵀، قَالَ: أَنْشدني أَحْمد بن مُحَمَّد الْأَنْبَارِي، ويُعرف بالحميري، الْقَارئ بمعرة النُّعْمَان، قَالَ: أنشدنا دَاوُد بن الْهَيْثَم التنوخي، قَالَ: أنشدنا الْمبرد لنَفسِهِ:
شَرِبْتُ مِن فِضَّةٍ ومِن ذَهَبِ ... أسْرَعَ فِي فَضَّتِي وَفِي ذَهَبِي
стр. 39
فصِرْتُ عُطلاً لم تُبْقِ حِلْيَتَهُ ... عليَّ مِن حِلْيةٍ سِوَى الأدبِ
والأدبُ الحِلْيةُ النَّفِيسَةُ لَا ... زُخْرُفَةٌ مِن زَخارِفِ النَّسبِ
وحدَّث الْحسن بن إِسْمَاعِيل الْبَغْدَادِيّ، قَالَ: كنت يَوْمًا عِنْد الْمبرد إِذْ جَاءَ غُلَام حسن الْوَجْه، فَقَالَ لَهُ الْمبرد: أَيْن كنت هَذِه الْمدَّة؟
قَالَ: كنت عليلاً.
فَأَطْرَقَ أَبُو الْعَبَّاس سَاعَة، ثمَّ أنشأ يَقُول:
فلَوْ كَانَ المَريضُ يَزِيدُ حُسْناً ... كَمَا تَزْدادُ أنتَ علَى السَّقامِ
لَمَا عِيدَ الْمرِيضُ إِذا وعُدَّتْ ... لَنا الشَّكْوى مِن النِّعَمِ العظامِ
فَأَما مَا ذكرت من الطعْن فِي نسبه، فإنَّ أَبَا الْقَاسِم عبد الله بن مُحَمَّد بن يحيى بن أبي العوَّام الْمصْرِيّ، حدَّث سنة أَربع وَأَرْبَعين وثلاثمائة، قَالَ: حدَّثني يَمُوت بن المُزَرَّع الْبَصْرِيّ، قَالَ: صرت مَعَ
стр. 40
أبي الْعَبَّاس إِلَى أبي شُرَاعة فَقَالَ: يَا أَبَا شراعة، أَنْشدني أبياتك فِي آل ريَاح.
فَقَالَ لَهُ أَبُو شراعة الْقَيْسِي: بِاللَّه يَا أَبَا الْعَبَّاس فِيمَن تنتمي الْيَوْم؟
فَقَالَ: فِي ثمالة.
قَالَ: بِاللَّه يَا أَبَا الْعَبَّاس هلاَّ اخْتَرْت لنَفسك نسبا هُوَ أرفع من هَذَا!
فَقَالَ لَهُ الْمبرد: دَعْنَا من هزلك، وأنشدنا أبياتك فِي آل ريَاح.
فأنشده وَنحن عِنْده:
٣٠ - أَبُو عمر صَالح بن إِسْحَاق الْجرْمِي
مولى الجَرْم بن رَبَّان، من قضاعة.
стр. 55
قَرَأَ " كتاب سِيبَوَيْهٍ " على أبي الْحسن الْأَخْفَش.
وَلَقي يُونُس بن حبيب، لم يلق سِيبَوَيْهٍ.
قَالَ الْمبرد: كَانَ أغوص نظرا من الْمَازِني، وَكَانَ الْمَازِني أحدَّ مِنْهُ. وَله كتاب " فرخ سِيبَوَيْهٍ "، وَله " كتاب فِي التَّصريف ".
* * *
٣١ - أَبُو حَاتِم سهل بن مُحَمَّد السجسْتانِي
روى " الْكتاب " عَن الْأَخْفَش.
٣٢ - أَبُو الْفضل الْعَبَّاس بن الْفرج الرِّيَاشيّ
مولى مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الْهَاشِمِي، كَانَ أَبوهُ عبدا لرجل من جذام، يُقَال لَهُ رياش فغلب عَلَيْهِ، ونُسب إِلَى رياشٍ مولى كَانَ بَاعه من الْهَاشِمِي، فَأعْتقهُ.
روى أَبُو الْقَاسِم عبد الرَّحْمَن الزجاجي، عَن عَليّ بن سُلَيْمَان الْأَخْفَش، عَن ثَعْلَب، قَالَ: قدم الرياشي بَغْدَاد سنة ثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، فصرت إِلَيْهِ لآخذ عَنهُ، فَقَالَ: أأَسأَلك عَن مَسْأَلَة؟
قلت: نعم.
стр. 58
فَقَالَ: أتجيز " نِعْمَ الرَّجُلُ يقوم "؟ فَقلت: نعم هِيَ جَائِزَة عِنْد الْجَمِيع، أما الْكسَائي فيضمر، وَالتَّقْدِير عِنْده: نِعْمَ الرَّجل رجلٌ يقوم. لِأَن " نِعْمَ " عِنْده فعل. وَالْفراء يضمر، لِأَن " نِعْمَ " عِنْده اسْم، وَيرْفَع " الرجل " بنعم، و " يقوم " صلَة الرجل.
وَأما صَاحبك - يَعْنِي سِيبَوَيْهٍ - فَإِنَّهُ يضمر شَيْئا، و " نعم " أَيْضا عِنْده فِعلٌ، وَلَكِن يَجْعَل " يقوم " مترجماً.
فَسكت.
قلت: فأسألك عَن مَسْأَلَة؟ قَالَ: نعم.
قلت: " يقوم نِعْمَ الرَّجُلُ "؟ قَالَ: جَائِز.
قلت: هَذَا خطأ عِنْد الْجَمِيع.
أما على مَذْهَب الْكسَائي، فَإِنَّهُ لَا يولي الْفِعْل فعلا.
وَأما الْفراء، فَإِن " يقوم " عِنْده صلَة، والصلة لَا يتَقَدَّم على الْمَوْصُول.
وَأما على مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ، فَإِنَّهُ لَا يجوز، لِأَنَّهُ تَرْجَمَة، والترجمة تَبْيِين وإيضاح للجملة الَّتِي تتقدمها، وَلَا يجوز تَقْدِيمهَا عَلَيْهَا.
فَقَالَ: أَنا تَارِك للعربية، فَخذ فِيمَا قصدت لَهُ.
ففاتحته الْأَخْبَار، ففتحت بِهِ ثبج بحرٍ.
وَقَالَ الرياشي: تحفظت كتب أبي زيد، إِلَّا أَنِّي لم أُجالسه كَمَا جالست الْأَصْمَعِي.
стр. 59
وروى مُحَمَّد بن رستم الطَّبَرِيّ، قَالَ: أخبرنَا أَبُو عُثْمَان الْمَازِني، قَالَ: كنت عِنْد سعيد بن مسْعدَة الْأَخْفَش، أَنا وَأَبُو الْفضل الرياشي، فَقَالَ الْأَخْفَش: إِن " مذ " إِذا رفع بهَا فَهِيَ اسْم الْمُبْتَدَأ، وَمَا بعْدهَا خَبَرهَا، كَقَوْلِك: " مَا رَأَيْته مذ يَوْمَانِ "، وَإِذا خُفض بهَا فَهِيَ حرف معنى لَيْسَ باسم، كَقَوْلِك: مَا رَأَيْته مذ الْيَوْم.
فَقَالَ الرياشي: فَلم لَا يكون فِي الْمَوْضِعَيْنِ اسْما، فقد رُوِيَ الْأَسْمَاء تنصب وتخفض، كَقَوْلِك: " هَذَا ضَارب زيدا "، و " ضَارب زيد أمس " فَلم لَا يكون بِهَذِهِ الْمنزلَة؟ فَلم يَأْتِ الْأَخْفَش بمقنع.
قَالَ أَبُو عُثْمَان: فَقلت لَهُ: لَا تشبه " مذ " مَا ذكرت من الْأَسْمَاء؛ لأَنا لم نر الْأَسْمَاء هَكَذَا تلْزم موضعا وَاحِدًا، إِلَّا إِذا عارضت حُرُوف الْمعَانِي، نَحْو " أَيْن " و " كَيفَ " وَكَذَلِكَ " مذ " هِيَ مضارعة لحروف الْمعَانِي، فلزمت موضعا وَاحِدًا.
قَالَ الطَّبَرِيّ: فَقَالَ ابْن أبي زرْعَة للمازني: أفَرَأَيْت حُرُوف الْمعَانِي تعْمل عملين مُخْتَلفين متضادين؟
стр. 60
قَالَ: نعم، كَقَوْلِك: " قَامَ الْقَوْم حاشا زيد "، و " حاشا زيدا "، و " على زيد ثوبٌ "، و " علا زيد الْجَبَل ". فَيكون مرّة حرفا وَمرَّة فعلا بِلَفْظ وَاحِد.
وقُتل الرياشي سنة سبع وَخمسين وَمِائَتَيْنِ، قتلته الزَّنْج وَقت دُخُولهَا الْبَصْرَة، فِي هَذِه السّنة.
قَالَ ابْن الْخياط: سَمِعت الْعَنزي يَقُول: سَمِعت الْمَازِني
стр. 61
يَقُول: قَرَأَ عليّ الرياشي " كتاب سِيبَوَيْهٍ " فَكَانَ مَا أفدت مِنْهُ أكبر مِمَّا أَفَادَ مني.
قَالَ ابْن الْخياط: الَّذِي اسْتَفَادَ مِنْهُ الْمَازِني النّصْف الآخر من الْكتاب لأنَّ آخِره لُغَة.
* * *
٣٣ - الزيَادي، أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن سُفْيَان بن سُلَيْمَان بن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن بن زِيَاد بن أَبِيه
وَكَانَ قد قَرَأَ " كتاب سِيبَوَيْهٍ " وَلم يتممه، وَله نكت فِي " كتاب سِيبَوَيْهٍ "، وَخلاف لَهُ فِي مَوَاضِع.
стр. 62
وَقَرَأَ على الْأَصْمَعِي، وروى عَنهُ، وَعَن غَيره.
* * *
رَجَعَ:
٣٤ - التوزي، أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد
مولى قُرَيْش.
وتَوَّز: مَدِينَة.
توفّي سنة ثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ.
стр. 63
وحدَّث سهل بن مُحَمَّد، قَالَ: كنت أَنا والتوزي عِنْد أبي الْحسن الْأَخْفَش، فَقَالَ لي التوزي: مَا صنعت فِي كتاب " الْمُذكر والمؤنث ".
قلت: قد جمعت مِنْهُ شَيْئا.
قَالَ: فَمَا تَقول فِي الفردوس؟
قلت: مُذَكّر.
قَالَ: فإنَّ الله تَعَالَى يَقُول: (الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خالِدُونَ) .
قلت: ذهب إِلَى معنى الْجنَّة، كَمَا قَالَ: (منْ جَاءَ بالْحسنةِ فلهْ عَشْرُ أَمْثَالِهَا) ، فأنَّثَ المِثْل. وكما قَالَ الشَّاعِر: