والمعنى الثاني أبعدُ عن الذِّهنِ مِنَ المعنى الأوَّلِ، غيرَ أنَّه معروفٌ في اللُّغةِ، قالَ ابنُ قُتَيْبَةَ (ت:٢٧٦): «قالَ ابنُ عَبَّاسٍ ـ في رواية أبي صالحٍ عنه ـ: الحَطَبُ: النَّمِيمَةُ، وكانتْ تُوَرِّشُ (١) بين النَّاسِ.
ومنْ هذا قيل: فلانٌ يَحْطِبُ عَلَيَّ: إذا أغرى به، شَبَّهُوا النَّمِيمَةَ بالحَطَبِ، والعَدَاوَةَ والشَّحْنَاءِ بالنَّارِ؛ لأنَّهما يقعانِ بالنَّمِيمَةِ، كما تُلْهِبُ النَّارُ الحَطَبَ، ويقالُ: نارُ الحِقْدِ لا تَخْبُو. فاستعاروا الحَطَبَ في موضعِ النَّمِيمَةِ. وقالَ الشَّاعِر (٢) ـ وذَكَرَ امْرَأةً ـ:
مِنَ البِيضِ لَمْ تَصْطَدْ عَلَى حَبْلِ سَوْأَةً ... وَلَمْ تَمْشِ بَيْنَ الْحَيِّ بالحَظْرِ الرَّطْبِ
أي: لم تُوجَدَ على أمرٍ قبيحٍ، ولم تَمْشِ بالنَّمائمِ والكذبِ.
والحَظْرُ: الشَّجَرُ ذو الشَّوكِ.
وقالَ آخرُ (٣):
فَلَسْنَا كَمَنْ تُزْجَى المَقَالَةُ شَطْرَهُ بِقَرْفِ العَضَاةِ الرِّطْبِ والعَبَلِ اليَبْسِ» (٤).
وبهذا يظهرُ أنَّ المعنيينِ محتملانِ في الآيةِ، غيرَ أنَّ أحدَهما أسبقُ إلى الذِّهنِ منَ الثاني. وهكذا كلُّ ما شاكلَ هذه الأمثلةَ (٥).
стр. 492
وقبلَ أنْ أختمَ هذا الفصلَ، أنبِّه على أمورٍ:
الأول: أنه قد تتفقُ الصيغةُ، ويختلفُ الأصلُ اللفظي المأخوذةُ منه، فما كانَ الأصلُ فيه مختلفاً، جعلتُ سببَ الاختلافِ فيه: النظر إلى أصل الاشتقاقِ، وما كان غير ذلك، جعلته من المشتركِ اللغويِّ، مثلُ لفظِ «مستمر»، هل هو من مرَّ يمرُّ، أو أمرَّ الحبلُ: إذا اشتدَّ وقوي.
فهما، وإن كانا اتفقا في صيغةِ المصدرِ إلاَّ أنَّ معناهما مختلفانِ، لذا قد يُحكمُ على التفسيرِ بهما أنهما من المشتركِ اللَّفظيِّ باعتبارِ اشتراكِ هذه الصيغةِ في الدلالةِ على هذا المعنى، ولكن إذا اعتبرتَ أصلِ اللفظِ جعلتَ الاختلافَ بسببِ النظرِ إلى أصلِ اللفظِ، وهو الأصحُّ، واللهُ أعلمُ.
أمَّا إذا اتفقت الصيغة والأصلُ كلفظِ «نجم»، فإنه من المشترك اللَّفظيِّ، ولا يدخلُه احتمالُ الاختلافُ بسبب أصل اللفظِ واشتقاقِه، لأنَّ أصله واحدٌ، والله أعلمُ.
الثاني: الفرقُ بين المعنى المشهورِ وضدِّه، والمعنى القريبِ وضدِّه.
لما جمعت الأمثلةَ من هذا البابِ وقسمتُها، جعلتُ كلَّ ما وقعَ عليه اعتراضٌ من العلماءِ في القسمِ المقابلِ للمشهورِ، أمَّا إذا لم يقعْ منهم اعتراضٌ على المعنى المذكورِ فإني جعلتُه من القسمِ المقابلِ للمعنى القريبِ.
الثالث: أنَّه يدخلُ في هذا البابِ ما كان الخلافُ فيه بسببِ حملِ اللَّفظِ على الحقيقةِ والمجازِ، عند من يقولُ به، لذا حملَ بعضُهم بعضَ هذه الأمثلةِ المذكورةِ على المجازِ، كالخلافِ في قولِه تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]، قال ابنُ العَرَبِيِّ (ت:٥٤٣): «ليس يمتنعُ أنْ تُحْمَلَ الآيةُ على عمومِ المرادِ فيها بالحقيقةِ والمجازِ ...» (١).
وعوداً على بدءِ فإنَّ هذا الاختلافَ الكائنَ بسببَ اللُّغةِ كانَ له أثرٌ في تَعَدُّدِ المحتملاتِ التَّفسيريَّةِ، وكانتْ هذه المحتملاتُ متراجحةً بين القبولِ وعدمِه، وليس هاهنا محلُّ بحثِ هذه المسألةِ، وإنما المرادُ إبرازُ الأثرِ الذي أفرزَهُ هذا الاحتمالُ اللُّغويُّ في التَّفسيرِ، واللهُ الموفِّقُ.
стр. 493
الفصل الثاني
أثر التفسير اللغوي في انحراف المفسرين
стр. 494
تمهيد في تاريخ الانحراف
لا شكَّ أنَّ الانحرافَ يرتبطُ بعضُه ببعضٍ، ولا يأتي دَفْعَةً واحدةً، وقد كانَ للانحرافِ عنِ الإسلامِ أثرٌ واضحٌ في عقائدِ المسلمينَ، وبرصدِ ظاهرةِ الانحرافِ تَجِدُ أنَّ السَّبئِيَّةَ (١) ـ التي أفرزت الرَّفْضَ (٢) فيما بعدُ ـ منْ أوائلِ الانحرافاتِ التي كانتْ تَنْخُرُ في جسمِ الأمَّةِ الإسلاميَّةِ.
وكانت مزامنةً لها بدعةُ الخوارجِ (٣)، ثمَّ ظَهرتْ بدعةُ القَدَرِيَّةِ (٤)، وكانتْ
стр. 495
هذه الانحرافاتُ في عهدِ الصَّحابةِ، ثمَّ ظهرتْ في عهدِ التَّابعينَ بدعةُ الجَهْمِيَّةِ (١)، ثمَّ المُعْتَزِلَةِ والمُرْجِئَةِ (٢).
وليس المرادُ هاهنا رصدَ هذه الحركاتِ، وإنما المرادُ التَّنبيه على أن هذه الحركاتِ كانَ لها آثارٌ في تفسيرِ القرآنِ، وكانتْ قدْ بَنَتْ تفسيرَه على ما تعتقدُه، فأظهرَ ذلكَ انحرافاً في التَّفسيرِ، وكانَ من جملتِهِ التَّفسيرُ اللُّغويُّ.
ويمكنُ للدَّارسِ لهذه الحركاتِ أنْ يَلْحَظَ بعضَ الأسبابِ في ظهورِها، ومنها:
١ - دخولُ بعضِ الكفَّارِ في الإسلامِ ظاهراً، والكيدُ له في الباطنِ؛ كعبدِ اللهِ بنِ سَبَإٍ اليهوديِّ (٣)، الذي كانَ له أثرٌ واضحٌ في الأُمَّةِ، وكانَ منْ آثارِهِ التي بقيتْ: عقيدةُ الرَّفْضِ، التي صارتْ تُلقَّبُ بالشِّيعَةِ.
وقدْ سلكَ هذا السبيلَ الزَّنادقةُ (٤) الذين عاشوا في ظِلِّ الإسلامِ وتظاهروا به، وكانوا فريقين:
стр. 496
فريقٌ غلبتْ عليه الشَّهواتُ، وإنْ لم يَخْلُ حالُهم من الشُّبَهِ، فهم يريدونَ الانفلاتَ منْ أوامرِ الدِّينِ، وعدمِ التَّقيُّدِ به، ويغلبُ على هؤلاءِ أنهم من الشُّعراءِ؛ كحَمَّاد عَجْرَدَ (١٦١)(١)، وغيرِه ممن اتُّهِمَ منهم بالزَّنْدَقَةِ (٢).
وفريقٌ أصحابُ شبهاتٍ ومناقشاتٍ وجدلٍ وإن كانَ لا يَخْلُو منْ شَهْوَةٍ في زَنْدَقَتِهِ، لكنْ غلبَ عليه جانبُ الجدلِ والمناظرةِ، وكانَ هذا الفريقُ أكثرَ أثراً من فريقِ الشَّهَوَاتِ.
وممن ذُكِر له مناظراتٌ من الفريقِ الأوَّلِ: الشاعرُ صالحُ بنُ عبدِ القدوسِ (ت:١٦٧) (٣)، الذي قتله الخليفةُ العبَّاسيُّ المهديُّ (ت:١٦٩) (٤) بتهمة الزَّندقة، وقد
стр. 497
نُسِبَ له كتابُ الشُّكُوك (١).
وكانَ منَ الزَّنادقةِ الملحدينَ أصحابِ الشَّبَهِ الذينَ فَشَا أمرُهُم وكتبوا الكتبَ في النَّقْضِ على الإسلامِ والمرسلينَ أبو الحسين أحمد بن يحيى، المعروف بابنِ الرَّاونْدِيِّ (ت:٢٩٨) (٢)، وقد حفظتْ بعضُ الكتبِ شيئاً من زندقتِه وضلالته (٣)، ككتابِ (الانتصار والرَّدِّ على ابن الرَّاوَنْدي الملحدِ) (٤) لشيخِ المعتزلةِ البغداديين عبدِ الرَّحيمِ بنِ محمدٍ الخيَّاطِ (ت:٣٠٠) (٥).
وهذا الرجلُ وإنْ كانَ متأخراً إلاَّ أنه يُوَضِّحُ صورةً منْ صُوَرِ ما كانَ
стр. 498
الملاحدةُ عليه في تلكَ الأزمانِ، وما كانتْ مناقشاتُهم تدورُ في فَلَكِهِ.
٢ - ترجمةُ آثارِ الأممِ السابقةِ: منَ الفُرْسِ، والْهِنْدِ، واليُونَانِ، وغيرهم، وقدْ كانتْ بداياتُ ترجمتِها في عهد بني أُمَيَّةَ (١)؛ أيْ: في القرنِ الأوَّلِ منَ الهجرةِ النَّبَوِيَّةِ.
وقدْ أفرزَ هذانِ السَّببانِ نَتَاجاً عقلياً ظهرَ في آثارِ الجَهْمِيَّةِ والمعتزلةِ ومنْ جاءَ بعدهم من أهل البدعِ الذين نهلوا من علومِ الأوائِل (٢)، وناقشوا الزَّنادِقَةَ الذينَ انتحلوا الإسلامَ، والملاحدةَ ممن لم يدخلْ في الإسلامِ (٣).
стр. 499
اعتماد العقلِ المجرَّدِ في التَّصدِّي للزَّندقةِ:
من الملاحظِ من خلالِ تراجمِ الكتبِ أو المؤلفاتِ أنَّ بعض المعتزلةِ قد تصدّوا لهذا الانحرافِ المتزندقِ، لكنَّهم ناقشوه بعقلٍ مجردٍ غير معتمد على الشَّرعِ، أو بعقلٍ متأثرٍ بآراءٍ فلسفيَّةٍ، فأوقعَهم ذلك في مخالفاتٍ نَتَجَ عنها اعتقاداتٌ باطلةُ، وقد كان ذلك بسببِ بعضِ الإلزاماتِ التي كانتْ نتيجةً لهذه المناقشاتِ التي لا يوجد فيها مرجعٌ يُحتَكم إليه في النِّزاعِ سوى العقلِ المُجَرَّدِ (١).
والعقلُ يختلفُ باختلافِ الثقافاتِ التي كوَّنته، لذا، فليسَ من الغريب أنْ تنشأ انحرافاتٌ عندَ المعتزلةِ بسبب الإلزاماتِ التي كانتْ تصدرُ عن النِّقاشاتِ الجدليَّةِ بين المتزندقةِ والمعتزلةِ، أو بين معتزليٍّ ومعتزليٍّ آخر، فتنشأُ لهم بسببِ تلكَ الإلزاماتِ عقيدةٌ يعتقدونَها ويدافعونَ عنها.
والمعتزلةُ من أوَّلِ الفرقِ التي أعطتِ العقلَ المجرَّدَ حريَّةَ التَّسلُّطِ على النُّصوصِ، فلم يجعلوها من الثَّوابتِ التي يقيسونَ عليها.
لذا لا تجدُ لهم اتفاقاً في المسائلِ، وإن زعموا الاتفاقَ على الأصول الخمسةِ، إذ هم في فروعها ومباحثها فرقٌ شتَّى. وهم وإن كان بينهم ثباتٌ
стр. 500
في أصولهم الخمسةِ، إلاَّ أنَّه ثباتٌ مستندٌ إلى العقلِ المجرَّدِ أوَّلاً، ثمَّ هم يردُّونَ كلَّ ما خالفَ ما أصَّلوه، ولو كانَ ظاهرَ الكتابِ أو السنَّةِ، أو إجماعَ الصحابةِ.
ومنْ نظرَ في مناقشاتِ المعتزلةِ فيما بينهم، ظهرَ له بُعْدُهُمْ عن الكتابِ والسُّنَّةِ وأقوالِ السَّلفِ الصالِحِ، كما يظهرُ له اعتدادُهم بالعقلِ، وأنَّ هَمَّ الواحدِ منهم أنْ يظفرَ بالمناقشةِ، وأن تكونَ له الصَّولَةُ، ولهم في ذلك عجائبُ (١).
لذا تجد أنه يتردَّدُ عندَهم قولُهم: «فإن قلتَ، قلتُ»، وليس تحت هذه المناقشاتِ طائلٌ ولا نائلٌ، بل إنهم يتجادلون لأجل الجدل، لا للوصول إلى الحقِّ (٢).
стр. 501
وربما أُلزِم المناظِر منهم بأشياء باطلة في ذاتها، جرَّه إليها هذا الجدل العقيم، فالتزمها، وصارت له عقيدة يدافع عنها (١).
ومن الإلزامات الباطلة في هذه المناظرات، ما حُكِيَ عن أبي الهذيل العلاف (ت:٢٣٥) (٢) في انقطاعِ حركةِ أهلِ الجنَّةِ وأهلِ النَّارِ، وأنهم يصيرونَ إلى سكونٍ دائمٍ، قال الشَّهْرَسْتَاني (ت:٥٤٨) (٣): «قوله: إنَّ حركاتِ أهلِ الخُلدَينِ تنقطعُ، وأنَّهم يصيرونَ إلى سكونٍ دائمٍ خموداً، وتجتمعُ اللَّذاتُ في ذلك السُّكونِ لأهلِ الجنَّةِ، وتجتمعُ الآلامُ في ذلك السُّكونِ لأهلِ النَّارِ.
وهذا قريبٌ منْ مذهبِ جَهْمٍ (٤)، إذ حكمَ بفناءِ الجنَّةِ والنَّارِ. وإنما التزم بذلك المذهبِ لأنَّه لما أُلْزِمَ في مسألةِ حدوثِ العَالَمِ: أنَّ الحوادثَ التي لا أوَّلَ لها كالحوادثِ التي لا آخرَ لها، إذْ كُلُّ واحدةٍ لا تتناهى.
стр. 502
قال: إنِّي لا أقولُ بحركاتٍ لا تتناهى آخِراً، كما لا أقولُ بحركاتٍ لا تتناهى أوَّلاً، بلْ يصيرونَ إلى سكونٍ دائمٍ.
وكأنه ظنَّ أنَّ ما لَزِمَهُ في الحركةِ لا يلزمُه في السُّكونِ» (١).
وقد خالف بقوله هذا ظاهر قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرعد: ٣٥]، وقد كفَّره بعضُ المعتزلةِ بسببِ هذا القولِ وغيره، وكانَ بعضُهم يؤاخذُه بهذا القولِ خاصَّةً، ففي طبقاتِ المعتزلةِ ما نصُّه: «كانَ في قلوبِ معتزلةِ بغدادَ مَوجِدَةٌ عليه [يعني: أبا الهذيل] في قولِه بالحركات، فساءهم عضمداً (٢).
فقالَ: كيفَ أقولُ ذلكَ واللهُ يقولُ: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾؟.
وقال أبو علي (٣): إنما كانَ ذهبَ في ذلكَ إلى أنَّ الحركاتِ لا تنقطعُ، ثمَّ تابَ منْ ذلكَ» (٤).
ومن كانت هذه طريقته في الجدل، فأحرى أن لا يناقش الملحدة المتزندقة؛ لأنه قد ينخذل أمامهم، فيلتزم بشيء من باطلهم، فيكون له عقيدة يعتقدها ويدافع عنها، والعياذ بالله.
فانظرْ، كيفَ جَرَّتْ هذه المناقشاتُ العقيمةُ إلى مثلِ هذه الأقوالِ الكُفريةِ التي تخالفُ نصوصَ الكتابِ والسُّنَّةِ؟!
وقدِ استمرَّ هذا النِّقاشُ العقيمُ بينَ المعتزلةِ وغيرها من الفرق التي اعتمدتِ العقلَ المجرَّدَ في النِّقاشِ؛ كالأشعريةِ التي كانتْ من أكبرِ الفِرَقِ
стр. 503
الإسلاميَّةِ مجادلةً معَ المعتزلةِ، حتى يكادُ يُخَيَّلُ للقارئ في هذه المناقشاتِ أنَّه لا يوجدُ في الفِرَقَ الإسلاميَّةِ إلاَّ هاتانِ الفِرْقَتَانِ.
وليسَ المرادُ هاهنا الحديثُ عن الفِرَقِ، وإنما ذِكْرُ بعضِ أمثلةٍ لِمَا وَقَعَ منها بسببِ البُعْدِ عن القرآنِ والسنَّةِ وآثارِ السَّلفِ الصَّالحِ، والاتجاهِ إلى العَقْلِ وجعْلِهِ الحُجَّة في الحكمِ على المسائلِ العقديَّةِ والنُّصوصِ الشَّرعيَّةِ.
وبتتبع بعض أسماء المنحرفين (١) يتبين أنَّ الانحرافَ بدأ قديماً، ثمَّ إنَّه نَمَا شيئاً فشيئاً حتى تكوَّنَتْ منه فِرَقٌ وعقائدٌ.
وقدْ كانَ لنُشُوءِ الفِرَقِ في الإسلامِ أثرٌ كبيرٌ في هذا الانحرافِ، وكانَ اتِّسَاعُ اللُّغةِ أحدَ مُعْتَمدَاتِهم في إثباتِ بعضِ بِدَعِهِمْ في بعضِ الأحيانِ. وقدْ ظَهَرَ لي منْ تَتَبُّعِ هذه الانحرافاتِ أنَّ سببَها ـ في الغالب ـ الاعتمادُ على العقلِ؛ أي أنَّ المفسِّرَ يعتقدُ رأياً بمحضِ عقلِهِ ثُمَّ يتأوَّلُ كلامَ اللهِ عليه، مستعيناً على هذا باتِّسَاعِ اللُّغةِ.
ومنْ نتائجِ ذلك أنَّك لا ترى عندَهم حكايةَ أقوالِ علماءِ التَّفْسِيرِ من السَّلَفِ، بلْ أعرضَ عنها جمهورُ المبتدعةِ، وعارضُوها في بعضِ الأحيانِ، واعتمدوا النَّقلَ عن أكابرِهِم، والاعتدادَ برأيهم دونَ غيرِهم.
وليس هذا محلاً لطرحِ هذه المسائلِ، وإنما جرَّ إليها التَّقْدُمَةُ للانحرافِ الكائنِ في التَّفسيرِ اللُّغويِّ، فاستطردتُ بما أراه ممهِّداً لموضوعي (٢).
стр. 504
قد اجتهدتُ في تتبُّعِ بعضِ التَّفاسيرِ المنحرفةِ التي كانت في القرونِ الأولى، فظهرَ لي بعضُ الأمثلةِ التي سأعرضُ لها في هذا البحثِ.
وقد كادت تخلو تفاسير السَّلفِ من الأخطاءِ التي وُجِدت عند من بعدَهم (١)، إلاَّ أنَّ هناك نزرٌ يسيرٌ منها عند إمامِ التَّابعينَ مجاهدُ (ت:١٠٤) لا يمكنُ لباحثٍ في مثلِ هذا الموضوعِ أنْ يغفلَ عن ذكرِها (٢).
وهذه الأخطاءُ التي سجَّلَها العلماءُ عليه ليستْ كثيرةً بحيثُ يتكوَّنُ منها منهجٌ يُحسبُ على مجاهدٍ (ت:١٠٤). وهي أخطاء فردية، لم تُذكرْ إلاَّ عنه، ولذا لا يمكنُ عَدُّهَا منْ منهجِ السَّلفِ ﵃، لأنَّه خالفَ فيها أشياخَه وأقرانَه.
والمسألةُ التي كانتْ تُلِحُّ عليَّ في بحثِ هذه الملاحظاتِ في تفسيراتِ مجاهدٍ (ت:١٠٤) هي: هلْ كانتْ هذهِ الأخطاءُ من اجتهادِهِ المباشِرِ، أو أنَّه تأثَّرَ بغيرِه؟. وإنْ كانَ تأثَّرَ بغيرِه، فمنْ يكونُ؟.
стр. 505
ذلك ما لم أجدْ له جواباً حتى الآن!
هذا، وقدْ تبينَ لي بعدَ جمعِ مادَّةِ هذا الموضوعِ: أنَّ الانحرافَ في التَّفسيرِ كانَ له أسبابٌ؛ منها:
١ - اعتمادُ العقلِ في الاعتقادِ والاستدلالِ (١).
٢ - اعتمادُ اللُّغةِ مجرَّدَةً عن غيرِها منَ المصادرِ.
٣ - البعدُ عنْ تفسيرِ السَّلفِ، وعدمُ الأخذِ به.
وقدْ ساعدَ على هذا اتِّساعُ لغةِ العربِ، ولا خلافَ في أنَّ تفسيرَ القرآنِ بلغةِ العربِ أصلٌ أصيلٌ في التَّفسيرِ، غيرَ أنَّ المرادَ هنا أنْ يكونَ تفسيرُه بمجرَّدِ ما يحتمله اللفظُ المجرَّدُ عن سائرِ ما يبين معناه، منْ نَظَرٍ إلى: المتكلِّمِ به، والمنَزَّلِ عليه، والمخاطَبِ به، وسياقِ الكلام (٢).
والسَّالكُ لهذا السَّبيلِ صنفانِ:
الأوَّلُ: بعضُ أهلِ اللُّغةِ الذينَ يفسِّرونَ القرآنَ بحسبِ ما بلغَهم منْ لغةِ العربِ.
الثاني: أهلُ البِدَعِ الذين يريدونَ إثباتَ بِدَعِهم باعتمادِهم على مجازِ اللُّغةِ وسَعَتِها.
стр. 506
وسأذكر أمثلةً لما وردَ عند هذين الصِّنفينِ مما فيه مخالفةٌ لتفسير السَّلفِ، واللهُ الموفقُ.
الصِّنفُ الأوَّلُ: اللُّغويُّونَ:
لقد دخلَ بسببِ بعضِ هؤلاءِ اللُّغويينِ نوعانِ منَ الأقوالِ في التفسير:
الأولُ: أقوالٌ فيها خلافٌ لأقوالِ السَّلفِ، وهي أقوالٌ فيها نظرٌ (١)، لا يمكن قبولُها معه.
الثاني: أقوالٌ فيها شذوذٌ في التَّفسيرِ.
وسبب ذلكَ اعتمادُ مجرَّد اللُّغة دونَ غيرها من المصادرِ؛ أي أنَّ هذه الاختياراتِ ليس لها عِمَادٌ سوى أنها حُكِيت على أنها من لغةِ العربِ.
وشأنُ هذه الأقوالِ أنها أقوالٌ مردودةٌ، وإنْ لم يُبْنَ على اختياراتِهم لها قولٌ باطلٌ في المعتقدِ؛ لأنَّه لا يلزمُ من كونِها صحيحةً في اللُّغةِ أن تكونَ صحيحةً في التَّفسيرِ.
ومنْ تلكَ الأقوالِ التَّفسيريَّةِ:
١ - ما حكاه الأزهريُّ (ت:٣٧٠) عنْ شَمِرِ بنِ حَمْدُويَه (ت:٢٥٥) (٢) أنه قال: «ورُوِيَ لنا عنِ ابنِ المُظَفَّرِ (٣) ـ ولم أسمعْهُ لغيرِهِ ـ ذَكَرَ أنَّه يقال: أدركَ الشيءُ: إذا فَنِيَ (٤).
стр. 507
وإن صحَّ، فهو في التَّأويل (١): فَنِيَ عِلمُهم في معرفةِ الآخرةِ» (٢).
وليس لشَمِرٍ (ت:٢٥٥) في صحةِ هذا التَّأويلِ سوى حكايةِ هذا المعنى في اللُّغةِ، وهذا غير كافٍ في إثباته، إذ لا يلزم من صحةِ المعنى لغةً صِحَّتُه في التَّفسير.
٢ - وما فسَّرَ به أبو عبيدةَ (ت:٢١٠) قولَ الله تعالى: ﴿ثُمَّ يَاتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يُعْصِرُونَ﴾ [يوسف: ٤٩]، قال: «أيْ: به ينجونَ، وهو من العَصَرِ، وهي العُصْرَةُ أيضاً، وهي المنجاةُ، قال (٣):
........ ... ولقد كان عُصْرَةَ المنجودِ
أي: المقهورُ والمغلوبُ» (٤).
وتفسير السَّلف على خلافه، فقد فسَّروه على معنى العَصْرِ؛ أي: عصر العنب وغيره، ورد ذلك عن ابن عباس (ت:٦٨)، ومجاهد (ت:١٠٤)، والضَّحَّاك (ت:١٠٥)، وقتادة (ت:١١٧)، والسُّدِّيِّ (ت:١٢٨) (٥).
وقولُ السَّلفِ أقربُ إلى سياقِ القصةِ؛ لأن العَصْرَ كانَ منْ شأنهم؛ لذا كانتْ رؤيا السَّاقي أنه يعصرُ خمراً، ثمَّ إنَّ في قوله تعالى: ﴿فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾ إشارةً إلى هذا المعنى الذي ذكرَه أبو عبيدةَ (ت:٢١٠)، ومن ثَمَّ، يكون تفسيره من باب تأكيد المعنى، وقولُ السَّلفِ فيه تأسيسُ معنى آخرَ، وإذا دارَ الكلامُ
стр. 508
بين التأسيسِ والتأكيدِ، فالتأسيسُ أولى من التأكيدِ، وهو مقدَّمٌ عليه، والله أعلمُ.
قال الطبريُّ (ت:٣١٠): «وكانَ بعضُ منْ لا علمَ له بأقوالِ السَّلفِ منْ أهلِ التَّأويلِ، مِمن يُفسِّرُ القرآنَ برأيه على مذهبِ كلامِ العربِ، يُوَجِّهُ معنى قولِه: ﴿وَفِيهِ يُعْصِرُونَ﴾ إلى: وفيه ينجونَ منَ الجَدْبِ والقَحْطِ بالغَيْثِ، ويزعمُ أنَّه منَ العَصَرِ والعُصْرَةِ التي بمعنى المنجاةِ ... وذلكَ تأويلٌ يكفي منَ الشَّهادةِ على خطئه، خلافُهُ قولَ أهلِ العلمِ منَ الصَّحابةِ والتَّابعينَ» (١).
٣ - وفي قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ [البقرة: ٥٧]، السَّلْوَى: طير، بإجماعٍ منْ مفسِّري السَّلفِ (٢).
وقال مُؤَرِّجٌ السَّدُوسِيُّ (ت:١٩٥)، أحدُ علماءِ اللُّغةِ: أنه العسلُ، واستدلَّ له بقول الهذلي:
وَقَاسَمَهَا باللهِ جَهْداً لأنْتُمُ ... أَلَذُّ مِنَ السَّلْوَى إذَا مَا نَشُورُهَا
وذكر أنه كذلك بلغة كنانة، وسُمِّيَ العسل به؛ لأنه يُسْلَى به (٣).
وكَوْنُ السَّلوى في لغةِ العربِ: العسلَ، لا يلزمُ منه صِحَّةُ حملِه على معنى السَّلوى في الآيةِ؛ لذا قالَ ابنُ الأعرابيِّ (ت:٢٣١): «والسَّلوى: طائرٌ، وهو في غيرِ القرآنِ: العسلُ» (٤). وهذا هو الحقُّ، والله أعلم.
стр. 509
٤ - وفسَّرَ أبو عبيدةَ (ت:٢١٠) قولَ اللهِ تعالى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَاتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَاتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩]، فقال: «أي اطلبوا البِرَّ منْ أهلِه ووجهِه، ولا تطلبوه عندَ الجهلةِ المشركينَ» (١).
وفسَّرَه بعضهم على «أنَّ البيوتَ كنايةٌ عنِ النِّسَاءِ، ويكونُ المعنى: وأتوا النِّسَاءَ منْ حيثُ أمرَكم اللهُ، والعربُ تُسَمِّي المرأةَ بيتاً، قالَ الشاعرُ (٢):
مَا لِي إذَا أنْزِعُهَا صَأيتُ ... أكِبَرٌ غَيَّرَنِي أمْ بَيتُ
أراد بالبيتِ المرأةَ» (٣).
وهذانِ التفسيرانِ لا يحملانِ لفظَ البيوتِ على الحقيقةِ، بل يجعلانه من اتساعِ العربية في المجازِ والكنايةِ، وهذا مخالفٌ لما وردَ عن السَّلفِ من حملهم البيوت على الحقيقة اعتماداً على سببِ نزول الآيةِ (٤).
وكلا هذينِ القولينِ يَظْهَرُ منهما عدمُ العملِ بسببِ النزولِ الواردِ في الآيةِ الذي يدلُّ على أنَّ المرادَ بالبيوتِ البيوتُ المسكونةُ، ولو لم يكنِ السَّبَبُ وارداً لاحتملَ ما قالوا، وإنما ذهبوا إلى ذلكَ التَّفسيرِ لعدمِ العملِ بما وردَ من التَّفسيرِ عنِ السَّلفِ الذي يجعلُ اللَّفظَ على حقيقتِهِ.
стр. 510
والقول الثاني: وهو أنَّ المرادَ بالبيوتِ المرأةَ، فيه بُعْدٌ في التَّأويلِ، وليس لقائلِ هذا القولِ مُعْتَمَدٌ سوى أنَّ العربَ تُطلقُ لفظ البيتُ، وتريد به المرأةِ، منْ غيرِ أنْ ينظرَ إلى صحةِ هذا الإطلاقِ في هذا السِّياقِ.
وهذه الأقوالُ وأشباهُها في التَّفسيرِ فيها ضعفٌ؛ لأنها تعتمدُ اللُّغةَ فقط، دونَ النَّظرِ في المصادر الأخرى التي هي مقدَّمةٌ على مجرَّدِ اللُّغةِ.
وهذا لا يعني أنَّ الأقوالَ الصَّحيحةَ في فهم الآيةِ ليست من التَّفسيرِ اللُّغويِّ، بل قد تكون منه، لكنها اعتمدت مصدراً آخرَ معه؛ كسبب النُّزولِ، وإجماعِ الحُجَّةِ من أهلِ التَّأويلِ، وسياقِ الآياتِ، وهذه هي التي رجَّحَتِ المعنى اللُّغويَّ المقبولَ دونَ غيرِه، واللهُ أعلمُ.
الصنف الثاني: أهل البدع:
لقدْ كانَ نظرُ أهلِ البدَعِ إلى اللُّغةِ تابعاً للمُعْتَقَدِ الذي يعتقدونَه. والأصلُ عندَهم بدعتُهم، ثمَّ يبحثونَ في سَعَةِ لغةِ العربِ عمَّا يدعمُها، وإنْ كانوا يحرصونَ على إبرازِ أنَّ تأويلاتِهم لا تخرجُ عن اللُّغةِ، كما قالَ الخَيَّاطُ المعتزليُّ (ت: بعد٣٠٠) في ردِّه على ابنِ الرَّاونْدِيِّ الملحدِ (ت:٢٩٨): «فهذه تأويلاتُ المعتزلةِ لِمَا تَلا منَ الآياتِ (١)، وكلُّها واضحٌ قريبٌ غيرُ خارجٍ منَ اللُّغةِ ولا مُسْتَكْرَهُ المعنى» (٢).
وقال القاضي عبدُ الجَبَّارِ (ت:٤١٥) (٣): «وهكذا طريقتُنا في سائرِ
стр. 511
المتشابهِ: أنه لا بُدَّ منْ أنْ يكونَ لهُ تأويلٌ صحيحٌ يخرجُ على مذهبِ العربِ، منْ غيرِ تكلُّفٍ وتعسُّفٍ» (١).
وهذا يدلُّ على حرصِهم على إظهارِ مساعدةِ اللُّغةِ لمذاهبِهِم، بل جعلَ ابنُ جِنِّي (ت:٣٩٢) في كتابه (الخصائص) باباً يخدمُ هذهِ المذاهبَ الباطلةَ، وسمَّاه: (باب ما يُؤْمِنُهُ علمُ العربيَّةِ منَ الاعتقاداتِ الدينيَّةِ) (٢)، وأدخلَ فيه نفيَ الظاهرِ والحقيقةِ مما أثبتَه اللهُ لنفسِه من الصِّفاتِ، وعَمَدَ فيها إلى المجازِ، وجعلَ هذه التأويلاتِ من سَعَةِ العربيَّةِ، فقالَ: «ولو كانَ لهمْ أُنْسٌ بهذه اللُّغةِ الشَّريفةِ، أو تَصرُّفٌ فيها، أو مُزَاوَلَةٌ لها، لَحَمَتْهُمْ السعادةُ بها، وما أصارتْهُم الشِّقْوَةُ إليه بالبُعْدِ عنها (٣)، وسنقولُ في هذا ونحوه ما يجب مثلُه ... وطريقُ ذلكَ أنَّ هذه اللُّغة أكثرُها جارٍ على المجازِ، وقلَّما يخرجُ الشَّيءُ منها على الحقيقةِ، وقدْ قدَّمنَا ذِكْرَ ذلكَ في كتابِنا هذا (٤) وفي غيرِه.
فلمَّا كانتْ كذلكَ، وكانَ القومُ الذينَ خوطبوا بها أعرفَ النَّاسِ بِسَعَةِ مذاهبِها، وانتشارِ أنحائها، جرى خطابُهم بها مجرى ما يألفونَهُ، ويعتادونَهُ منها، وفَهِمُوا أغراضَ المخاطِبِ لهم بها على حَسْبِ عُرْفِهم وعادتِهم في استعمالِها ...» (٥).
стр. 512
ومن الأمثلةِ التَّطبيقيَّةِ التي ذكرَها لهذه المسألةِ التي نظَّرَ لها، قولُه: «وقوله: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]، إنْ شئتَ جعلتَ اليَمِينَ هنا الجارحةَ، فيكونُ على ما ذهبنَا إليه منَ المجازِ والتَّشبيهِ؛ أي: حصلتِ السَّمَاواتُ تحتَ قَدرتِهِ حصولَ ما تُحيطُ اليدُ به في يمينِ القابضِ عليه، وذُكِرتِ اليمينُ هنا دونَ الشِّمَالِ؛ لأنها أقوى اليدينِ، وهو منْ مواضِعِ ذِكْرِ الاشتمالِ والقُوَّةِ.
وإن شئتَ جعلتَ اليمينَ هنا القُوَّةُ؛ كقولِهِ (١):
إذَا مَا رَايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ ... تَلَقَّاهَا عَرَابَةُ بِالْيَمِينِ
أي: بِقُوَّتِهِ وقُدْرتِهِ.
ويجوزُ أنْ يكونَ أرادَ بيدِ عَرَابَةَ (٢): اليُمْنَى. على ما مَضَى» (٣).
والمقصودُ أنَّ الأصلَ عندهم بدعتُهم، فإنْ وجدوا ما يدعمُهم منْ لغةِ العرب قالوا به، وإلاَّ استنكرُوه، ومنْ ذلكَ ما رُويَ في سؤالِ عمرِو بنِ عُبيدٍ المعتزليِّ (ت:١٤٤) أبا عمرِو بنِ العلاءِ (ت:١٤٥) في الوعدِ والوعيدِ (٤).
стр. 513
قال الأصمعيُّ (ت:٢١٥): «جاءَ عمرُو بنُ عُبَيدٍ إلى أبي عمرِو بنِ العلاءِ، فقالَ: يا أبا عمرو، يُخلِفُ اللهُ وَعْدَهُ؟
قالَ: لا!
قال: أفرأيتَ إنْ وَعَدَهُ على عملٍ عقاباً، يُخلِفُ وَعْدَهُ؟
فقال أبو عمرٍو: منَ العُجمةِ أُتِيتَ يا أبا عثمانَ. إنَّ الوعدَ غيرُ الوعيدِ، إنَّ العربَ لا تَعُدُّ خُلفاً ولا عاراً أن تَعِدَ شراً ثمَّ لا تفعلُه، ترى ذلكَ كرماً وفضلاً، وإنما الخُلْفُ أنْ تَعِدَ خيراً ثُمَّ لا تفعَلُهُ.
قالَ: فأوجدني هذا في كلامِ العربِ.
قالَ: أما سمعتَ إلى قولِ الأوَّلِ:
لا يَرْهَبُ ابنُ العَمِّ ما عِشْتُ صَولَتِي ... وَلاَ أخْتَشِي مِنْ خِشْيَةِ المُتَهَدِّدِ
وإنِّي إذَا أَوْعَدْتُهُ وَوَعَدْتُهُ ... لَمُخْلِفُ إيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي» (١)
ووردتْ هذه الحادثةُ في (طبقاتِ المعتزلةِ) وجاء فيها بعد ذلك: «قال
стр. 514
أبو علي (١) لأبي خليفة (٢): أجابه بالمسكت، قال له: إنَّ الشَّاعر قد يكذب ويصدق» (٣).
فهذا عمرُو بنُ عبيدٍ (ت:١٤٤) لم يجدْ بعدَ الاستدلالِ عليه بلغةِ العربِ إلاَّ هذه الحجَّةَ التي ذكرَها أبو عليٍّ الجُبَّائيِّ (ت:٣٠٣)، وليستْ هذه غريبةً على منهجه، إنْ صحَّ النقلُ عنه، إذ رُوِيَ عنه ما هو أشنعُ منْ ذلكَ (٤).
والعقلُ هو الأصلُ المقدَّمُ عند أهلِ البدعِ من المتكلِّمينَ، فما رأوه بعقولِهم ذهبوا إلى لغةِ العربِ واستنطقوها لإثباتِ بدعتِهم، واستخدموا في ذلكَ مجازاتِ اللُّغةِ.
قال ابن تيميةَ (ت:٧٢٨): «... ثم يجتهدون في تأويل هذه الأقوال إلى ما يوافق رأيهم بأنواع التأويلات التي يحتاجون فيها إلى إخراج اللغات عن طريقتها المعروفة، وإلى الاستعانة بغرائب المجازات والاستعارات ...» (٥).
وقال: «... والذي اقتضى شهرةَ القولِ عنْ أهلِ السُّنَّةِ بأنَّ المتشابهَ: لا يعلمُ تأويلَه إلاَّ اللهُ، ظهورُ التَّأويلاتِ الباطلةِ منْ أهلِ البدعِ؛ كالجهميَّةِ، والقدريَّةِ من المعتزلةِ وغيرِهم، فصارَ أولئكَ يتكلمونَ في تأويلِ القرآنِ برأيهم
стр. 515
الفاسدِ، وهذا أصلٌ معروفٌ لأهل البدعِ: أنهم يفسرونَ القرآنَ برأيهم العقليِّ، وتأويلِهم اللُّغويِّ ...» (١).
وقال الدَّارميُّ (ت:٢٨٠) في ردِّه على بِشرٍ المِرِّيسيِّ (ت:٢١٩): «ونحنُ قد عرفنا ـ بحمد اللهِ ـ منْ لُغَاتِ العربِ هذه المجازاتِ التي اتخذتُمُوها دُلْسَةً وأغلوطةً على الجُهَّالِ، تنفونَ بها عن اللهِ تعالى حقائقَ الصِّفاتِ بِعِلَلِ المجازاتِ، غيرَ أنَّا نقولُ: لا يُحكَمُ للأغربِ منْ كلامِ العربِ على الأغلبِ، ولكنْ نصرفُ معانيها إلى الأغلبِ، حتى يأتوا ببرهانٍ أنه عَنَى بها الأغرب، وهذا هو المذهبُ الذي إلى الإنصافِ والعدلِ أقربُ، لا أنْ نعترضَ صفات اللهِ المعروفةَ المقبولةَ عندَ أهلِ البَصَرِ فنصرفَ معانيَهَا بِعِلَّةِ المجازاتِ إلى ما هو أنكرُ، وتُرَدُّ على الله بداحضِ الحججِ وبالتي هي أعوجِ» (٢).
ومنِ اطَّلعَ ـ على سبيلِ المثالِ ـ على كتابِ (تلخيص البيانِ في مجازاتِ القرآنِ) للشَّريف الرَّضِيِّ (ت:٤٠٦) (٣)، وكتابِ (متشابهِ القرآنِ) للقاضي عبدِ الجبارِ الهمذانيِّ المعتزليِّ (ت:٤١٥) وكتاب (غرر الفوائدِ ودرر القلائد) المسمى: أمالي الشَّريفِ المُرْتَضَى (ت:٤٣٦)، وغيرِها منْ تفاسيرِ المعتزلةِ = ظهرَ له أنَّ الأصلَ عند هؤلاءِ ما تقرَّرَ لهم في عقولِهم، وأنَّ النصوصَ تؤوَّلُ إذا خالفت أصلهُم العقليَّ.
ومن ذلكَ:
١ - قولُ القاضي عبدِ الجبارِ (ت:٤١٥) ـ في التعليقِ على من أثبتَ الاستواءَ بقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ
стр. 516
اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يونس: ٣]ـ: «قد بينا أنَّ المرادَ بالاستواء: هو الاستيلاءُ والاقتدارُ، وبيَّنَا شواهدَ ذلك في اللُّغةِ والشِّعْرِ، وبيَّنا أنَّ القولَ إذا احتملَ هذا والاستواءَ الذي هو بمعنى الانتصاب، وجبَ حملُه عليه؛ لأنَّ العقلَ قد اقتضاه، منْ حيثُ دَلَّ على أنَّه تعالى قديمٌ ...» (١).
٢ - وتجدُه في قولِه تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠١، ١٠٢] يذكرُ قولَ المخالفينَ له في أنَّ هذه الآيةِ تدلُّ على خَلْقِ أفعالِ العبادِ، ثُمَّ يجيبُ بقولِه: «والجوابُ عن ذلك: أنَّ ظاهرَ ﴿وَخَلَقَ﴾ يقتضي أنَّه قدَّر ودبَّر، ولا يُوجِب في اللغةِ أنَّه فعلَ ذلكَ وأحدثَهُ، ولذلك قالَ الشاعرُ (٢):
ولأنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ وَبَعْـ ... ـضُ القَومِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي
فأثبته خالقاً من حيثُ قدَّر ودبَّر، وإن لم يَفْرِ الأديمَ، ومتى حُمِلَ الكلامُ على هذا الوجهِ كانَ حقيقتُهُ: أنَّه تعالى، وإن لم يُحْدِثْ أفعالَ العبادِ فقدْ قدَّرها ودبَّرها، وبين أحوالها ...» (٣).
ثُمَّ ذكرَ أجوبةً أخرى غيرَه، ثمَّ عقَّبَ بقوله: «وبعد، فلو كانَ ظاهرُه يقتضي ما قالوه، لوجبَ بدلالةِ العقلِ صرفُه إلى ما ذكرناه؛ لأنه يختص بالحُسْنِ، ولأنه تعالى لا يجوزُ أنْ يكونَ خالقاً لِسَبِّ نفسِه وسوءِ الثَّناء عليه ...» (٤).
فتراه في هذا نفى دلالةَ لفظِ الخَلْقِ على الإبداعِ والتقديرِ والإحداثِ، الذي هو المعنى المرادُ هنا، وحملَ الآيةَ على المعنى الآخر من معانيه في
стр. 517
اللُّغةِ؛ لأنه يوافقُ مذهبَه في أنَّ أفعالَ العبادِ غيرُ مخلوقةٍ للهِ. ثمَّ إنَّ هذا الظاهرَ من دلالةِ اللَّفظِ، لو صحَّ عنده، فإنه سيصرفُه عنْ ظاهرِهِ لأجل دلالةِ عقلِهِ.
٣ - وفي تفسيرِ قولِه تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]، قالَ الشَّريفُ المُرْتَضَى الرَّافِضِيُّ المعتزليُّ (ت:٤٣٦) ـ بعدَ أن نفى دلالةَ ظاهرِ الآيةِ على خَلْقِ اللهِ لأفعالِ العبادِ ـ: «ولو لم يكنْ في الآيةِ شيءٌ مما ذكرناه مما يوجبُ العدولَ عنْ حَمْلِ قولِه: ﴿وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ على خَلْقِ نفسِ الأعمالِ لوجبَ أن نَعْدِلَ بها عن ذلك، ونحملَها على ما ذكرناه بالأدلةِ العقليَّةِ الدَّالَّةِ على أنه تعالى لا يجوزُ أنْ يكونَ خالقاً لأعمالِنا، وإن تصرُّفَنا مُحْدَثٌ بنا، ولا فاعلَ له سِوَانا» (١).
٤ - وقالَ في موضعٍ آخرَ: «مسألةٌ: ما وردَ في القرآنِ منْ معاتباتِ الرسولِ ﵇ مع عصمتِه وطهارتِه، وكونه الحجةُ على الخلقِ أجمعينَ.
الجوابُ: أنه إذا ثبتَ بالدليلِ عصمةُ الأنبياءِ ﵈ (٢) فكلُّ ما وردَ في القرآنِ مما له ظاهرٌ ينافي العِصْمَةَ، ويقتضي وقوعَ الخطأ منهم، فلا بدَّ من صرفِ الكلامِ عن ظاهرِه، وحملِه على ما يليقُ بأدلةِ العقولِ؛ لأنَّ الكلامَ يدخلُه الحقيقةُ والمجاز، ويعدِلُ المتكلمُ به عن ظاهرِه، وأدلةُ العقولِ لا يصحُّ فيها ذلك، ألا ترى أنَّ القرآنَ قد ورد بما لا يجوزُ على الله تعالى من الحركةِ والانتقالِ؛ كقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]، وقولِه
стр. 518
تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَاتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلاَئِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠]. ولا بدَّ ـ مع وضوحِ الأدلةِ على أنَّ الله تعالى ليس بجسمٍ، واستحالةِ الانتقالِ عليه، الذي لا يجوزُ إلاَّ على الأجسامِ ـ من تأوُّلِ هذه الظواهرِ والعدولِ عما يقتضيه صريحُ ألفاظِها؛ قَرُبَ التأويلُ أو بَعُدَ» (١).
إذاً، فالمسألةُ عندَ هؤلاءِ مبنيةٌ على دلالةِ العقلِ، ولا حُجَّةَ في اللُّغةِ إذا دلَّت على ما يخالفُ مذهبَهم.
وقد ظَهَرَ انحرافُ المبتدعةِ في التَّفسيرِ اللُّغويِّ في ثلاثةِ أمورٍ، هي:
١ - ما يتعلقُ باللهِ تعالى وصفاتِه.
٢ - ما يتعلقُ ببعضِ المغيباتِ؛ كبعضِ أمورِ الآخرةِ، وما نُسِبَ للمخلوقاتِ الغيبيةِ والجماداتِ منْ إحساسٍ أو غيرِه من الأمورِ التي وُصِفَ بها العقلاءُ.
٣ - ما يتعلقُ بعصمةِ الأنبياءِ عليهم الصلاةُ والسلامُ.
وقدْ كانتْ آلَتُهُمُ اللُّغويةُ في إثباتِ بدعتِهم دلالةَ الألفاظِ، وأساليبَ الخطابِ، ودلالةَ الصيغِ، وقد طوَّعُوا اللُّغةَ لهم، حتى كأنَّها لا تخدمُ إلاَّ مذهبَهم، وإنْ لم يجدوا في قريبِ اللُّغةِ ومُتبَادرها ما يسعفُهم، عَمَدُوا إلى غريبها وشاذِّها لإثباتِ بدعتِهم، والتَّدليلِ بها على صِحَّةِ ما ذهبوا إليه.
أمَّا ما يتعلق بالألفاظ، فإن كان للَّفظِ أكثرُ من مدلولٍ أخذوا بما يوافقُ مذهبَهم، وإنْ لم يسعفْهم في ذلك السِّياق والمعنى.
فإن لم يجدوا في اللَّفظِ دلالات متعددةً، حَرَفُوه إلى مدلولِ ما يشابهه في الرَّسم، وإن خالفه في المعنى، فإن لم يجدوا ذلك، أحدثوا له دلالة غيرَ معروفةٍ في لغةِ العربِ.
стр. 519
وأمَّا ما يتعلق بالأساليب، فإنها كثيرة، ومنها: المجاز، والحذف والإضمار، والكناية، وغيرها.
وأمَّا ما يتعلقُ بدلالةِ الصيغِ، فمنها دلالةُ صيغةِ (أَفْعَل).
وقد يدَّعون في المثالِ الواحدِ: تَعَدُّدَ الدلالةِ، والمجازِ، وغيرِها؛ أي: أنهم يستدلونَ لمذهبِهم بأكثرَ من دليلٍ لغويٍّ، بزعمِهِمْ، وسأذكرُ أمثلةً لهذه الأمورِ التي أوردتها:
الأول: دلالةُ الألفاظِ:
لهم في دلالةِ الألفاظِ ثلاثةُ تدرجاتٍ، وهي:
أولاً: أنْ يكونَ للَّفظِ في لغةِ العربِ أكثرُ من استعمالٍ؛ كاليدِ، تطلقُ على: اليدِ الجارحةِ، والنعمةِ، والقدرةِ، والنُّصرَةِ، فيختارونَ منها ما يوافقُ مذهبَهم المقرَّرَ عندَهم، ولا ينظرونَ إلى صحةِ إطلاقِه في هذا السِّياقِ من عدمِه، بل يتمحَّلونَ له أيَّما تمحُّل، مكتفين في ذلك التَّفسيرِ بهذا الورودِ عن العربِ.
ومن أمثلتِه ما يأتي:
١ - ذَكَرَ ابنُ قتيبةَ (ت:٢٧٦) عنْ بعضِ المؤولة الذين فسَّروا القرآن بأعجبِ تفسيرٍ، يريدون رَدَّهُ إلى مذاهبِهم، وحَمْلَ التأويلِ على نِحَلِهم = بعضَ الأمثلةِ، ومنها: «وقالوا في قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ [النساء: ١٢٥]؛ أي: فقيراً (١)، وجعلوه من الخَلَّةِ ـ بفتحِ الخاءِ ـ استيحاشاً منْ أن يكونَ اللهُ تعالى خليلاً لأحدٍ منْ خلقِهِ، واحتجوا بقولِ زُهَيرٍ (٢):
وإِنْ أتَاهُ خَلِيلٌ يَومَ مَسْأَلَةٍ، ... يَقُولُ: لا غَائبٌ مَالِي ولا حَرِمُ
стр. 520
أي: إن أتاه فقيرٌ» (١).
والخُلَّةُ: كمالُ المحبةِ التي لا خللَ فيها، وهي المرادةُ هنا، أمَّا الخَلَّةُ بمعنى: الفقرِ، فلا محلَّ لها في هذا الآية.
وإنما ذهبوا لذلك؛ لأنه تقرَّرَ عندهم في عقولِهم التي هي الحَكَمُ على ألفاظِ الشَّرْعِ، أنَّ الباريَ سبحانَهُ منزَّهٌ عن هذه الصفاتِ التي تدلُّ على الحدوثِ، بزعمهم، فلما كان هذا ثابتاً عندهم، تأوَّلوا هذا اللفظَ على ذلك المعنى فِرَاراً من إثباتِ ما أثبتَهُ اللهُ لنفسِه، وأكرمَ به نبيَّهُ إبراهيمَ ﵇.
٢ - وفي قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، فسَّروا اليدين بأنهما: نِعْمَتَاهُ، قال القاضي عبدُ الجبَّارِ (ت:٤١٥): «والمرادُ بذلك: أنَّ نعمتيه مبسوطتانِ على العبادِ، وأراد به نعمةَ الدينِ والدنيا، والنَّعمةَ الظاهرةَ والنَّعمةَ الباطنةَ، وقد يُعبَّرُ باليَدِ عن النِّعمةِ، فيقالُ: لفلانٍ عندي يدٌ وأيادٍ ويدٌ جسيمةٌ» (٢).
وإنَّما دعاهُ إلى ذلك تنْزيهُ اللهِ عنِ الجِسْمِيَّةِ (٣)، بزعمِهِ، وساعدَه في ذلك سَعَةُ إطلاق اليدِ في العربيَّةِ على معانٍ، منها ما ذَكَرَهُ.
وقدْ رَدَّ هذا التأويلَ الذي يذهبُ باللَّفظِ إلى غيرِ حقيقتِهِ أعلامُ السُّنَّةِ؛
стр. 521
كالدَّارمِيِّ (ت:٢٨٠) الذي قالَ: «قد عَلِمتَ أيها المريسي أنَّ هذه تفاسيرُ مقلوبةٌ، خارجةٌ عن كُلِّ معقولٍ، لا يعقِلُهُ إلاَّ كلُّ جهولٍ. فإذا ادَّعَيتَ: أن اليَدَ قد عُرِفتْ في كلامِ العربِ أنها نعمةٌ وقُوَّةٌ. قلنا لكَ: أجلْ، ولسنا بتفسيرِها منك أجهلَ، غيرَ أنَّ تفسيرَ ذلك يستبينُ في سياقِ كلامِ المتكلمِ حتى لا يحتاجُ له من مثلِكِ إلى تفسيرٍ.
إذا قالَ الرَّجُلُ: لفلانٍ عندي يَدٌ أكافئه عليها. عَلِمَ كُلُّ عالمٍ بالكلامِ أنَّ يَدَ فلانٍ ليستْ ببائنةٍ منه موضوعةً عند المتكلمِ، وإنما يرادُ بها النِّعْمَةُ التي يشكرُ عليها.
وكذلكَ إذا قالَ: فلان له يدٌ أو عَضُدٌ أو ناصرٌ، عَلِمْنَا أنَّ فلاناً لا يمكنُه أنْ يكونَ نفسَ يَدِهِ عُضْوُهُ أو عَضُدُهُ، فإنما عَنَى به النُّصْرَةَ والمعونة والتَّقويةَ.
فإذا قالَ: ضربني فلانٌ بيدِهِ، وأعطاني الشَّيءَ بيدِه، وكتبَ لي بيدِهِ، استحالَ أنْ يقالَ: ضربني بنعمتِهِ. وعَلِمَ كُلُّ عالمٍ بالكلامِ أنها اليَدُ التي بها يضربُ، وبها يكتبُ، وبها يُعْطِي، لا النِّعمةُ ... ولا يجوزُ لك أيها المريسي أن تَنْفِيَ اليَدَ التي هي اليَدُ، لما أنَّه وُجِدَ في كلامِ العربِ أنَّ اليَدَ قدْ تكونُ نعمةً وقوَّةً» (١).
٣ - وفي قولِه تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، حُكِيَ عن بعضِ المعتزلةِ أنَّه منَ الكلْمِ، ويكون المعنى: «وجَرَّح اللهُ موسى بأظافرِ المِحَنِ ومخالبِ الفتنِ» (٢).
وإنما جَعَلَ هذا المحرِّفُ اللَّفظ من مادة الكَلْمِ لا الكلامِ، هروباً من
стр. 522
إثباتِ صفةِ الكلامِ للهِ سبحانَهُ، وقدْ قالَ عنه الزَّمَخْشَرِيُّ المعتزليُّ (ت:٥٣٨): «ومنْ بِدَعِ التفاسيرِ: أنه من الكَلْمِ، وأن معناه: وجَرَّحَ اللهُ موسى بأظفارِ المِحَنِ ومخالبِ الفِتَنِ» (١).
٤ - وفي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاَ أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٢٤]، أخرجَ قومٌ هَمَّ يوسف ﵇ إلى غرائب لا يَقْبَلُهَا سياقُ الآية، وما حَمَلَهُمْ على ذلكَ إلاَّ دعوى العِصْمَةِ التي أثبتوا أمورَها بعقولِهم، فأوَّلوا كلَّ ما يخالفُ ما قرَّروه مما أثبته الله عليهم، فقال بعضُهم: هَمَّ بالفرارِ منها، وقال بعضُهم: همَّ بضربها، وَحَمَلَهُ آخرونَ على التَّقديمِ والتَّأخيرِ، وقالوا: لم يَهِمَّ أصلاً؛ لأنَّ المعنى: لولا أنْ رأى برهانَ ربه لهمَّ بها.
وقدْ أشارَ ابنُ قتيبةَ (ت:٢٧٦) إلى أصحابِ هذه التَّأويلاتِ الغريبةِ، فقال: «يستوحشُ كثيرٌ من النَّاسِ منْ أنْ يُلحِقُوا بالأنبياءِ ذُنُوباً، ويحمِلُهُم التَّنْزِيهُ لهم صلواتُ اللهِ عليهم على مخالفةِ كتاب اللهِ جَلَّ ذِكْرُهُ، واستكرَاهِ التَّأويلِ، وعلى أن يَلْتَمِسُوا لألفاظِهِ المخارجَ البعيدةَ بالحِيَلِ الضعيفةِ التي لا تُخِيلُ عليهم أو على من عَلِمَ منهم أنها ليستْ لتلك الألفاظِ بشَكْلٍ، ولا لتلكَ المعانِي بِلفْقٍ» (٢).
وقدْ نصَّ على قاعدةِ المبتدعةِ في التَّأوِيلِ في مسألةِ العصمةِ الشَّريفُ المُرْتَضَى (ت:٤٣٦)، فقالَ: «إذا ثبتَ بأدلَّةِ العقولِ التي لا يدخلُها الاحتمالُ والمجازُ ووجوهُ التَّأويلاتِ: أنَّ المعاصي لا تجوزُ على الأنبياءِ ﵈، صَرَفْنَا كُلَّ ما وردَ ظاهرُهُ بخلافِ ذلك منْ كتابٍ أو سُنَّةٍ إلى ما يطابقُ الأدلَّةَ ويوافقُها ...» (٣).
стр. 523
وهذا الذي ذهبَ إليه غيرُ سديدٍ، بلِ القاعدةُ في ذلك أنْ يُثْبَتَ ما أثبتَهُ اللهُ، فلا يُخَالَفُ ذلكَ بسببِ أدلَّةِ العقولِ التي يزعمها المبتدعةُ، وهي أدلة لا ثباتَ فيها، ولا اتفاق، والله أعلم.
وليسَ في وقوعِ الهَمِّ منه ﵇ ما يوجبُ التَّشْنِيعَ عليه في نُبُوَّتِهِ ولا أنَّ في ذلك خَلَلاً منه، بلْ كانَ ذلكَ منه حَسْبَ الطبيعةِ البشريَّةِ التي هي جُزْءٌ منَ النَّبيِ ﷺ لا تنفكُّ عنه، ولكنَّ الله عَصَمَهُ منَ الوقوعِ في المعصيةِ، لا مِنَ الهَمِّ بها (١).
والحديثُ في هذه الآيةِ يَطُولُ، ويكفي ذِكْرُ بعضِ أقوالِ أهلِ العلمِ في ردِّ مثلِ هذه التأويلاتِ، فمنْ ذلكَ قولُ أبي عبيدِ (ت:٢٢٤): «وقدْ زَعَمَ منْ يَتَكَلَّمُ في القرآن برأيه أنَّ يوسفَ ﷺ لم يَهِمَّ بِها، يذهبُ إلى أنَّ الكلامَ انقطعَ عند قوله: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾، قال: ثمَّ استأنفَ فقال: ﴿وَهَمَّ بِهَا لَوْلاَ أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾، بمعنى: لولا أنْ رَأَى برهانَ ربِّهِ لَهَمَّ بها، واحتجَّ بقوله: ﴿ذَلِكَ
стр. 524
لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ [يوسف: ٥٢]، وبقوله: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ﴾ [يوسف: ٢٥]. وابنُ عباسٍ ومنْ دونَهُ لا يختلفونَ في أنَّه هَمَّ بها، وهُم أعلمُ باللهَ، وبتأويلِ كتابِهِ، وأشدُّ تعظيماً للأنبياءِ، منْ أنْ يتكلَّمُوا فيهم بغيرِ علمٍ» (١).
وقالَ أبو جعفرَ النَّحَّاسُ (ت:٣٣٨): «وكلامُ أبي عبيدٍ هذا كلامٌ حَسَنٌ بيِّنٌ لمنْ لَمْ يَمِلْ إلى الهَوَى ...» (٢).
وقال أبو بكرٍ بنِ الأنباريِّ (ت:٣٢٨): «والذي نذهبُ إليه ما أجمعَ عليه أصحابُ الحديثِ وأهلِ العلمِ، وَصَحَّتْ به الروايةُ عن عليِّ بن أبي طالبٍ رضوانُ اللهِ عليه، وابنِ عباس ﵀، وسعيدِ بنِ جبيرٍ، وعكرمةَ، والحسنِ، وأبي صالحٍ، ومحمدِ بنِ كعبٍ القُرَظَيِّ، وقتادةَ، وغيرِهم، منْ أنَّ يوسفَ ﵇ هَمَّ هَمًّا صحيحاً على ما نَصَّ اللهُ عليه في كتابِهِ، فيكونُ الهَمُّ خطيئةً من الخطايا وقعت من يوسف ﵇ كما وقعتِ الخطايا من غيرِه منَ الأنبياءِ.
ولا وَجْهَ لأنْ نُؤَخِّرَ ما قَدَّمَ اللهُ، ونُقَدِّمَ ما أخَّرَ الله، فيقالُ: معنى: وَهَمَّ بها: التأخيرُ مَعَهُ (٣) قولُ اللهِ : ﴿لَوْلاَ أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾، إذ كانَ الواجبُ علينا واللازمُ لنا أنْ نَحْمِلَ القرآنَ على لفظِهِ، وألاَّ نُزِيلَهُ عنْ نَظْمِهِ، إذا لم تَدْعُنَا إلى ذلكَ ضَرُورَةٌ، وما دَعَتْنَا إليه في هذه الآيةِ ضَرُورَةٌ.
فإذا حَمَلْنَا الآيةَ على ظاهرِها ونَظْمِهَا كانَ ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ معطوفاً على ﴿هَمَّتْ بِهِ﴾ و ﴿لَوْلاَ﴾ حرفٌ مبتدأٌ، جوابُهُ محذوفٌ بعدَهُ، يُرادُ به: لولا أنْ رأى برهانَ ربِّه لَزَنَا بها بعد الهَمِّ، فلمَّا رأى البرهانَ زَالَ الهَمُّ وَوَقَعَ الانصرافُ عنِ العَزْمِ.
стр. 525
وقدْ خبَّرَ اللهُ جَلَّ وعَزَّ عنْ أنبيائِهِ بالمعاصي التي غفرَهَا وتجاوزَ عنهم فيها، فقالَ ﵎: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١]، وقال لِنَبِيِّه محمدٍ ﵇: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ *وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ *الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ [الشرح: ١ - ٣]، وخبَّر بمثلِ هذا عنْ يُونُسَ وَدَاوُدَ ﵉، وقال النبي ﷺ : ما من نبي إلاَّ قد عصى الله، إلاَّ يحيى بن زكريا (١).
وقال أبو عبيدٍ: قال الحسنُ: إنَّ الله جلَّ وعزَّ لم يقصصْ عليكم ذنوبَ الأنبياء تعييراً منه لهم، ولكنه قصَّها عليكم لئلا تقنطوا من رحمتِه.
قال أبو عبيدٍ: يذهبُ الحسنُ إلى أنَّ الحُجَجَ من اللهِ جلَّ وعزَّ على أنبيائه أوكدُ، ولهم ألزمُ، فإذا قَبِلَ التوبةَ منهم، كان إلى قبولِها منكم أسرعُ.
وإلى مذهبِنا هذا كان يذهبُ علماءِ اللُّغةِ: الفرَّاءُ، وأبو عبيدٍ، وغيرُهما» (٢).
ثانياً: إنْ لم يُسْعِفْهُمْ في اللَّفظِ تعدُّدُ استعمالِه، عَمَدُوا إلى تفسيرِه
стр. 526
بمدلولِ لفظٍ يشابهه في الرَّسمِ، وإنْ اختلفَ عنه في الحركاتِ، التي ينتجُ عنها اختلافُ المدلولِ، وهذه الطَّريقةُ قليلةٌ، ولكَّنها واردةٌ في بعضِ الأمثلةِ، ومنها:
١ - في قوله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١] قالوا: «أي: بَشِمَ منْ أَكْلِ الشَّجرةِ، وذهبوا إلى قَولِ العربِ: غَوِيَ الفَصِيلُ: إذا أكثرَ منَ اللَّبَنِ حتى يَبْشَمَ» (١).
فانظرْ، كيفَ حرَّفوا اللفظَ، وجعلوه من غَوِيَ، ونَصُّ القرآنِ «غَوَى»؟!
وإنما دعاهم إلى هذا التَّحريفِ مفهومُ العِصْمَةِ عندهم، وأنَّ النَّبِيَّ لا يجوزُ عليه الخطأُ، وقد يكونُ هذا القولُ بالعصمةِ مبنيًّا على مسألةِ أصحابِ الكبائرِ والقولِ بتخليدِهم في النَّارِ عندَ المعتزلةِ، فيحرِّفون أيَّ نصٍّ وردَ فيه خطأٌ من نبيٍّ؛ لئلاَّ يَخْرِمُوا ما قرَّرُوهُ في هذا المبدأ، فَيُخَرِّجُونَ أخطاءَ الأنبياءِ بأسمجِ التَّخْرِيجَاتِ؛ كهذا التخريجِ.
ولو وجدوا أيضاً في «عَصَى» مثلَ هذا السَّنَنِ لَرَكِبُوه، وليسَ في «غَوَى» شيءٌ إلاَّ ما في «عَصَى» منْ معنى الذَّنْبِ؛ لأنَّ العاصي للهِ التَّاركِ لأمرِهِ غاوٍ في حالِهِ تلكَ، والغاوي: عاصٍ. والغَيُّ ضِدُّ الرَّشَدِ، كما المعصيةُ ضِدُّ الطاعةِ (٢).
قالَ ابنُ قتيبةَ (ت:٢٧٦): «وقدْ أكلَ آدمُ ﷺ منَ الشَّجرةِ التي نُهِيَ عنها، باستزلالِ إبليسَ وخدائعِهِ إياه باللهِ، والقَسَمِ به إنه لمنَ النَّاصحينَ، حتى دَلاَّه بغرورٍ. ولم يكنْ ذنبُهُ عن إرصادٍ وعداوةٍ وإرهاصٍ كذنوبِ أعداءِ اللهِ.
стр. 527
فنحن نقولُ: عصى وغَوَى، كما قالَ اللهُ تعالى، ولا نقولُ: آدمُ عاصٍ وغاوٍ؛ لأن ذلك لم يكنْ عن اعتقادٍ مُقَدَّمٍ ولا نيَّةٍ صحيحةٍ.
كما تقولُ لرجلٍ قَطَعَ ثَوباً وخَاطَهُ: قدْ قَطَعَهُ وَخَاطَهُ، ولا تقلْ: خائطٌ ولا خَيَّاطٌ، حتى يكونَ مُعَاوِداً لذلكَ الفعلِ، معروفاً به» (١).
٢ - وفي تفسيرِ لفظِ الصُّورِ في مثلِ قولِه تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ [الكهف: ٩٩].
قالوا: الصُّورُ: جمعُ صُورَةٍ (٢).
وهذا فيه إنكارٌ لتفسيرِ الرَّسولِ ﷺ الذي فَسَّرَ الصُّورَ بأنه: البوقُ الذي يَنْفُخُ فيه إسرافيل ﵇، كما ورد عنه ﷺ في عدَّةِ أحاديثَ رواها عنه أهل الحديث (٣).
وإذا عورضَ حديثُ الرَّسولِ ﷺ ، ودلالاتُ الشَّرعِ التي جاء بها، رُدَّ هذا الاعتراضُ ولمْ يُقبلْ، كائناً من كانَ قائلُه.
стр. 528
والأصلُ في ذلك: أنه إذا ثبتَ النَّصُّ، طاحَ ما دونَه، فلا يُحكمُ باللغةِ على اصطلاحِ الشَّريعةِ.
قال أبو الهيثم (١): «اعترضَ قومٌ فأنكروا أنْ يكونَ الصُّورُ قَرْناً، كما أنكروا العَرْشَ والميزانَ والصِّراط (٢): وادَّعوا أنَّ الصُّورَ: جمعُ الصُّورَةِ (٣)، كما أن الصُّوفَ جمعُ الصُّوفَةِ، والثُّومَ جمعُ الثُّومَةِ، ورَوَوا ذلكَ عنْ أبي عُبَيدَةَ.
قالَ أبو الهيثمِ: وهذا خَطأٌ وتحريفٌ لكَلِمِ الله عن مواضِعِها؛ لأنَّ الله جلَّ وعزَّ قال: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: ٦٤] بفتْح الواوِ، ولا نعلمُ أحداً من القُرَّاءِ قرأها: فأحسنَ صُورَكم. وكذلك قال الله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ [الكهف: ٩٩، وغيرها] فمنْ قَرَأها: ونُفِخَ فِي الصُّوَرِ، أو قرأ: فأحسن صُوْرَكم، فقدِ افترى الكذبَ وبَدَّلَ كتابَ اللهِ، وكانَ أبو عبيدةَ صاحبَ أخبارٍ وغريبٍ، ولم يكنْ له معرفةٌ بالنَّحْوِ» (٤).
стр. 529
في هذا المثالِ تراهم جعلوا الصُّورَ جمعاً مُفْرَدُهُ الصُّورَةُ، والصحيحُ أنه اسمٌ مفردٌ للقَرْنِ الذي يُنْفَخُ فيه، لا جمعاً للصُّورةِ التي يأتي جمعُها متحرِّكَ الواوِ، فيقالُ: الصُّوَر.
ثُمَّ لو صَحَّ أنَّ الصُّوْرَ جمعُ صُورَةٍ، وأنَّ فتحَ الواوِ فيه سُهِّل إلى السُّكُونِ، فإنَّ ذلك مخالفٌ لمعناهُ المرادِ في النُّصُوصِ، ولذا لا يصحُّ حَمْلُ هذا المعنى على هذه الآياتِ الواردةِ في الصُّورِ، والله أعلم.
٣ - في قوله تعالى: ﴿وَجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ *إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣] ذُكِرَ تفسيرٌ عجيبٌ فيه تحريفٌ للفظِ ﴿نَاظِرَةٌ﴾، قالَ الشَّرِيفُ المُرْتَضَى (ت:٤٣٦): «وهاهنا وجهٌ غريبٌ في الآيةِ ـ حُكِيَ عنْ بعضِ المتأخرينَ (١) ـ لا يفتقرُ مُعْتَمِدُهُ عنِ العدولِ عنِ الظاهرِ، أو إلى تقديرِ محذوف، ولا يحتاجُ إلى منازعتِهم في أنَّ النَّظَرَ يحتملُ الرؤيةَ أو لا يحتملُها، بلْ يَصِحُّ الاعتمادُ عليه، سواءٌ كانَ النَّظَرُ المذكورُ في الآيةِ هو الانتظارُ بالقلبِ، أو الرؤيةُ بالعينِ، وهو أنْ يُحْمَلَ قولُه تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ على أنَّه أرادَ به: نِعْمَةَ رَبِّهَا؛ لأنَّ الآلاءَ النِّعَمُ، وفي واحدِها أربعُ لغاتٍ: ألاَ، مثلُ: قَفَا، وأَلْيٌ، مثلُ: رَمْيٌ، وإلَىً، مثلُ: مِعَىً، وإِلْيٌ، مثلُ: حِسْيٌ، قال أعشى بكرِ بنِ وائلٍ (٢):
стр. 530
أبْيَضٌ، لا يَرْهَبُ الهُزَالَ، وَلا ... يَقْطَعُ رَحِماً، ولا يَخُونُ إلَى
أرادَ أنه لا يخونُ نعمةً، فأراد بـ ﴿إِلَى رَبِّهَا﴾: نعمةَ رَبِّهَا، وأسقطَ التنوينَ للإضافةِ ...» (١).
فانظرْ إلى هذا التَّحريفِ العجيبِ الذي يسلكُهُ هؤلاءِ لإثباتِ مذهبِهم الذي ذهبوا إليه في أنَّ الله لا يُرَى، فذهبوا إلى كُلِّ عجيبٍ منَ القَولِ لِنَفْيِ ما ثبتَ من ظاهرِ النُّصوصِ الشَّرعيةِ، فجعلوا حرف الجرِّ في الآية اسماً، وفسَّروه على الاسمية بما رأيت، وقد عزَّز الشَّريفُ المرتضى (ت:٤٣٦) تفسيرَه بموافقته الظاهرَ، مما يدلك على أنَّ التفسيرات الأخرى فيها خروج عن هذا الظاهر (٢)، وإنما كان ذلك هروباً من أنَّ اللهَ سبحانَه يُرَى يوم القيامةِ بالأبصارِ.
ثالثاً: فإنْ لم يجدوا إلى ذلكَ سبيلاً، أحدثوا للَّفظِ مدلولاً جديداً (٣)، وقد يستحدثون له شاهداً ينسبونَه للغةِ العربِ (٤).
ومن الأمثلة التي ذُكِرَتْ في هذا الباب: تفسيرُ الاستواءِ في مثلِ قولِه تعالى: ﴿الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] بأنَّ معناه: استولى (٥)،