← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 13873

التفسير اللغوي للقرآن الكريم

مساعد الطيار

Полный текст (714 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وإذا تأمَّلتَ هذين الوجهينِ التَّفسيريَّن، وجدتَ أنَّ لكلِّ وجهٍ منهما حَظًّا من النَّظَرِ: من حيثُ صحةُ الإطلاقِ في اللُّغةِ أوَّلاً، ثمَّ بصحة حملِهما في سياقِ الآيةِ، فالآيةُ تقبلُ هذه وتقبلُ ذاك على جهةِ التَّفسيرينِ، وهما من باب اختلافِ التَّنوُّعِ الذي تحتملُه الآيةُ بلا تضادٍّ. قالَ الطَّاهِرُ بنُ عَاشُورَ (ت:١٣٩٣): «وجُعِلَ لَفْظُ النَّجْمِ واسطةَ الانتقالِ لصلاحيتِه؛ لأنَّه يُرادُ منه: نُجُومُ السَّماءِ، وما يسمى نجماً من نباتِ الأرضِ» (١). ومن ثَمَّ، فتفسيره بأنه ما لا ساق له يناسبُ ما بعده في الآيةِ ـ أي: الشَّجَر ـ لهذا قالَ أصحابُ هذا القولِ: النَّجْمُ: الذي ليسَ له ساقٌ، والشَّجَرُ: الذي له سَاقٌ (٢). وتفسيره بنجمِ السماءِ يناسبُ ما قبله من الآياتِ الكونيَّةِ العلويَّةِ، وهو قولُه تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: ٥]. ٢ - اختلفَ المفسِّرونَ في تفسيرِ لفظِ «الرَّيحَانِ» من قوله تعالى: ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ﴾ [الرحمن: ١٢] على أقوالٍ، منها: القول الأول: الرَّيحانُ: الرِّزْقُ. وبه قال من السَّلفِ: ابنُ عَبَّاسٍ (ت:٦٨) (٣)، ومُجَاهِدُ (ت:١٠٤) (٤)، والضَّحَّاكُ (ت:١٠٥) (٥).

стр. 457

وقال به من اللُّغويين: الفَرَّاءُ (ت:٢٠٧) (١)، وأبو عُبَيدَةَ (ت:٢١٠) (٢)، وابنُ قُتَيبَةَ (ت:٢٧٦) (٣). القولُ الثاني: الرَّيحَانُ: نَبْتُ الرَّيحَانِ الَّذي يُشَمُّ. وقالَ به من السَّلف: ابنُ عَبَّاسٍ (ت:٦٨) (٤)، والضَّحَّاكُ (ت:١٠٥) (٥)، والحَسَنُ البَصْرِيُّ (ت:١١٠) (٦)، وعبدُ الرَّحمنِ بنُ زَيدٍ (ت:١٨٢) (٧). وقد حكاه بعضُ اللُّغويِّينَ (٨)، ولم أجد منهم من نصَّ على ذلكَ المعنى، والمقصودُ أنَّ هذا الاختلافَ وَقَعَ بسببِ احتمالِ هذا اللَّفظِ لِلْمَعْنَيَينِ على سبيلِ الاشتراكِ اللُّغويِّ. ٣ - اختلفَ المفسِّرونَ في لفظِ «تتلوا» من قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] على قولينِ: القول الأولُ: تتلوا: تقرأ. وقال به من السَّلفِ: ابنُ عَبَّاسٍ (ت:٦٨) (٩)، ومُجَاهِدٌ (ت:١٠٤) (١٠)،

стр. 458

وعَطَاءُ بُنُ أبي رَبَاحٍ (ت:١١٤) (١)، وقَتَادَةُ (ت:١١٧) (٢). ومن اللُّغويين: أبو عبيدة (ت:٢١٠) (٣)، وابن قتيبة (ت:٢٧٦) (٤). القول الثاني: تتلوا: تتبع. وبه قال من السَّلف: ابن عبَّاس (ت:٦٨) (٥)، وأبو رَزِين الأسديُّ (ت:٨٥) (٦). وقد بيَّنَ أبو جعفر الطبري (ت:٣١٠) هذا الاشتراك في هذا اللفظ، فقال: «ولِقَولِ القائلِ: هو يتلو كذا. في كلامِ العربِ معنيانِ: أحدُهما: الاتِّبَاعُ؛ كما يقالُ: تَلَوتَ فلاناً؛ إذا مشيتَ خلفَه وتَبِعْتَ أثرَهُ، كما قالَ جَلَّ ثناؤه: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ﴾ [يونس: ٣٠] (٧)؛ يعني بذلك: تتبع. والآخرُ: القراءةُ والدِّراسةُ؛ كما تقولُ: فلانٌ يتلوا القرآنَ؛ بمعنى: أنه يقرؤه ويدرسُه؛ كما قال حَسَّانُ بُنُ ثَابِتٍ: نَبِيٌ يَرَى ما لا يَرَى النَّاسُ حَولَهُ ... ويَتلُو كتابَ اللهِ في كلِّ مَشهَدِ ولم يخبرْنا الله جلَّ ثناؤه ـ بأي معنى التِّلاوةِ كانت تلاوةُ الشَّياطينِ الذين تَلَوا ما تَلَوه من السِّحْرِ على عهدِ سُلَيمَانَ ـ بخبرٍ يقطعُ العذرَ.

стр. 459

وقدْ يجوزُ أنْ تكونَ الشياطينُ تَلَتْ ذلك دراسةً وروايةً وعملاً، فتكونَ كانتْ متَّبِعَتَهُ بالعملِ، ودارسَتَهُ بالروايةِ. فاتَّبعَ اليهودُ منهاجَها في ذلك، وعَمِلَتْ به، وروته» (١). ٤ - واختلفوا في لفظِ «التَّأوِيلِ» منْ قولِه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَاوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧] على قولينِ: القولُ الأولُ: تَاوِيلُهُ: حَقِيقتُه التي يصيرُ إليها. ويَدخلُ في ذلك المتشابهُ الذي لا يعلمُهُ إلاَّ اللهُ، وقال بهذا التَّفسيرِ أكثرُ أهلِ العلمِ من الصَّحابةِ والتَّابعينَ ومن جاء بعدهم من العلماءِ. والمرادُ بالمتشابهُ هنا: كلَّ ما لم يدركه البشرُ مما ذكرَ في القرآنِ، وهو ما يتعلَّقُ بالغيبيَّاتِ: حقائِقها وكيفيَّاتِها، ووقتَ وقوعِها، دونَ المعنى الذي يمكنُهم علمُه. ومِمَّنْ قالَ به منَ السَّلفِ: عَائِشَةُ بنت الصِّديقِ (ت:٥٨) (٢)، وعُرْوَةُ بُنُ الزُّبَيرِ (ت:٩٤)، وعُمَرُ بُنُ عَبْدِ العَزِيزِ (ت:١٠١)، ومَالِكُ بُنُ أَنَسٍ (ت:١٧٩) (٣)، وغيرُهم. وقال به من اللُّغويِّين: عليُّ بن حمزة الكِسَائِيُّ (ت:١٨٣) (٤)، وأبو زكريَّا الفَرَّاءُ (ت:٢٠٧) (٥)، والأخْفشُ (ت:٢١٥) (٦)، وأبو عُبَيدٍ القاسم بن سلام

стр. 460

(ت:٢٢٤) (١)، وأبو حَاتِم السجستانيُّ (ت:٢٥٥) (٢)، وأبو إسحاق الزَّجَّاجُ (ت:٣١١) (٣)، وأبو بكر بن الأنباريِّ (ت:٣٢٨) (٤)، وغيرُهم (٥). القولُ الثاني: تأويله: تفسيره، ومعرفةُ معناه. وقال به من السَّلفِ: ابنُ عَبَّاسٍ (ت:٦٨) (٦)، ومجاهد (ت:١٠٤) (٧)، والرَّبيعُ بن أنس البكريُّ (ت:١٣٩) (٨). ومن اللُّغويِّين: ابنُ قتيبة (ت:٢٧٦) (٩)، وعليُّ بنُ سليمانَ الأخفشُ (ت:٣١٥) (١٠)، وغيرهم. وقد اختارَ ابن جريرٍ الطبري هذا القولَ (ت:٣١٠) (١١). وسببُ الاختلافِ في هذا احتمالُ لفظِ التَّأويلِ في لغةِ العربِ لهذين المعنيينِ، بسببِ الاشتراكِ اللُّغويِّ فيه (١٢)، واللهُ أعلمُ.

стр. 461

ثانياً الاختلافُ بسببِ التَّضادِّ في دلالةِ اللَّفظِ الأضدادُ: الألفاظُ التي تأتي للمعنى وضِدِّهِ؛ كلفظِ «جَلَلٍ»: للشَّيءِ العظيمِ والشَّيءِ الحقيرِ (١). والتَّضَاد نوعٌ من المشتركِ اللَّفظيِّ، قال قُطْرُبُ (ت:٢٠٦): «الوجهُ الثالثُ: أن يتَّفقَ اللَّفظُ ويختلفَ المعنى، فيكونُ اللَّفظُ الواحدُ على معنيينِ فصاعداً ... ومن هذا: اللَّفظُ الواحدُ الذي يجيءُ على معنيينِ فصاعداً، ما يكون متضادًّا في الشَّيءِ وضِدِّهِ» (٢). وقد اعتنى علماءُ اللَّغةِ بهذه الظَّاهرةِ اللُّغويَّة في كلامِ العربِ، فألَّفوا فيها المؤلفاتِ، منهم: قُطْرُبُ (ت:٢٠٦)، وأبو عبيدة (ت:٢١٠)، والتَّوَّزِيُّ (ت:٢٣٣)، وابنُ السِّكِّيتِ (ت:٢٤٤)، وأبو حاتم (ت:٢٥٥)، وابنُ الأنباريِّ (ت:٣٢٨)، وغيرُهم. ولم تَخْلُ هذه المؤلَّفاتُ من الأمثلةِ القرآنيَّةِ التي فُسِّرَت على هذه الظَّاهرةِ اللُّغويَّةِ، ولكنَّ الملاحظَ أنَّ بعضَ الأمثلةِ التي ذكرُوها من الأضدادِ لم يقعْ فيها خلافٌ بين المفسِّرينَ، وإنْ كانَ اللَّفظُ يأتي للمعنى وضِدِّهِ، لكن

стр. 462

أحد معانيه جاءَ في غيرِ القرآنِ، أو يجيءُ في موضعين من القرآنِ، ولكلِّ موضعٍ معنى يخالفُ الآخرَ ويُضادُّه، ومنْ ذلكَ: لفظُ «الظَّنِّ»، حيثُ يُستعملُ عندَ العربِ للشَّكِّ واليقينِ. وقدْ وردَ في القرآن بالمعنيين، في موضعينِ مختلفينِ، قال ابنُ الأنباريِّ (ت:٣٢٨): «فأمَّا معنى الشَّكِّ فأكثرُ من أن تُحصَى شواهدُه. وأمَّا معنى اليقين، فمنه قولُ اللهِ : ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ [الجن: ١٢]، معناه: عَلِمْنَا. وقالَ جَلَّ اسمُهُ: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف: ٥٣]، معناه: فَعَلِمُوا بغيرِ شَكٍّ ...» (١). والمقصودُ أنَّ هذا اللَّفظَ، وإنْ كانَ من الأضدادِ، لم يقعْ بين المفسِّرينَ خلافٌ فيه في موضعٍ واحدٍ. أمَّا أمثلةُ أحرفِ الأضدادِ التي وقعَ فيها خلافٌ، فمنها: ١ - اختلفَ المفسِّرونَ في لفظِ «القُرْءِ» في قولِه تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، على قولينِ: القولُ الأولُ: الحَيضُ. وبه قالَ عُمَرُ بن الخَطَّابِ (ت:٢٣)، وعَلِيُّ بن أبي طالبٍ (ت:٤٠)، وعبد اللهِ بنُ مسعود (ت:٣٥)، وأبو مُوسَى الأشعريُّ (ت:٤٤)، وأُبَيُّ بنُ كعبٍ (ت:٣٢)، وابنُ عباس (ت:٦٨)، وسعيدُ بن جبيرٍ (ت:٩٤)، ومجاهدٌ (ت:١٠٤)، والضَّحَّاكُ (ت:١٠٥)، وعكرمةُ (ت:١٠٥)، وقتادةُ (ت:١١٧)، والسُّدِّيُّ (ت:١٢٨)، وغيرهم (٢).

стр. 463

القولُ الثاني: الطهر. وبه قالَ زيدُ بنُ ثابتٍ (ت:٤٥)، وعائشةُ بنت الصِّدِّيقِ (ت:٥٨)، ومعاويةُ بنُ أبي سفيانَ (ت:٦٠)، وعبدُ اللهِ بنُ عمرَ بن الخطاب (ت:٧٤)، وأبانُ بنُ عثمانَ بنِ عفانَ (ت:١٠٥) (١)، وسالمُ بنُ عبدِ اللهِ (ت:١٠٦) (٢)، والزهريُّ (ت:١٢٤)، وغيرُهم (٣). وقدْ حكى اللُّغويُّونُ الذينَ كتبوا في معاني القرآنِ وغريبِهِ القولينِ، وممنْ حكاهُما: أبو عبيدة (ت:٢١٠) (٤)، وابن قتيبة (ت:٢٧٦) (٥)، والزَّجَّاجُ (ت:٣١١) (٦)، وابنُ عُزَيزٍ (ت:٣٣٠) (٧)، كما حكاهما ـ أيضاً ـ أصحابُ كُتُبِ الأضدادِ (٨)، وكتبُ المعاجمِ اللُّغويةِ (٩). وسببُ الاختلافِ ـ كما هو ظاهرٌ هنا ـ التَّضادُّ في كلمةِ القُرءِ، وهي من الألفاظِ اللُّغويَّةِ التي لها أثرٌ في الحُكْمِ الشَّرعيِّ (علم الفقه) (١٠)؛ لأنَّ

стр. 464

المطلوبَ من المرأةِ المطلَّقَةِ أنْ تتربَّصَ ثلاثةَ أطهارٍ، أو ثلاثَ حِيَضٍ. ولما كانت المسألةُ متعلِّقةً بحُكْمٍ شرعيٍّ كَثُرَ ورودُ أعيانِ العلماءِ من الصَّحابةِ والتَّابعينَ في هذه المسألةِ، وهذا ظاهرٌ في الآياتِ المتعلِّقةِ بالأحكامِ، حيث تجدُ أقوالَ الفقهاء منهم مذكورةً مع أقوالِ المفسِّرينَ، والله أعلم. ٢ - اختلفَ المفسِّرونَ في لفظِ «عَسْعَسَ» من قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧] على قولينِ: القولُ الأولُ: أدبرَ. وممنْ قالَ به منَ السَّلفِ: عليٌّ (ت:٤٠) (١)، وابنُ عَبَّاسٍ (ت:٦٨) (٢)، والضَّحَّاكُ (ت:١٠٥) (٣)، وقتادةُ (ت:١١٧) (٤)، وابنُ زيدٍ (ت:١٨٢) (٥)، واختاره الطبريُّ (ت:٣١٠) (٦)، وزعمَ الفَرَّاءُ (ت:٢٠٧) أنَّ المفسرينَ أجمعُوا على هذا القولِ (٧)!، وهو كما ترى. القول الثاني: أقبلَ. وممن قال به من السَّلف: مجاهدُ (ت:١٠٤) (٨)، والحسنُ (ت:١١٠) (٩)، وعطيَّةُ العوفيُّ (ت:١١١) (١٠).

стр. 465

وقدْ حَكَى هذينِ القولينِ أصحابُ كتبِ معاني القرآنِ وغريبِهِ؛ كأبي عبيدةَ (ت:٢١٠) (١)، وابنِ قُتَيبةَ (ت:٢٧٦) (٢)، والزَّجَّاجِ (ت:٣١١) (٣)، وابنِ عُزَيزٍ (٤). كما حكاهما أصحابُ كتبِ الأضدادِ؛ كابنِ السِّكيتِ (ت:٢٤٤) (٥)، وأبي حاتم (ت:٢٥٥) (٦)، وابنِ الأنباريِّ (ت:٣٢٨) (٧). وكذا حكاهما بعض أصحابِ معاجمِ اللُّغةِ؛ كابنِ دُرَيدٍ (ت:٣٢١) (٨)، والأزهريِّ (ت:٣٧٠) (٩)، وابنِ فارسَ (ت:٣٩٥) (١٠)، وغيرِهم (١١). ٣ - اختلفَ المفسرونُ في لفظِ «سُجِّرَتْ» (١٢) من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦] على أقوالٍ، ومنها قولانِ متضادَّانِ، وهما: القولُ الأول: مُلِئت (١٣) وفاضتْ. وبه قالَ: الرَّبِيعُ بنُ خُثَيم (ت:٦١) (١٤)، والضَّحَّاكُ (ت:١٠٥) (١٥)،

стр. 466

ومحمد بنُ السَّائبِ الكَلْبِيُّ (ت:١٤٦) (١). ومن اللُّغويِّينَ: الفَرَّاءُ (ت:٢٠٧) (٢)، وابنُ قُتَيبَةَ (ت:٢٧٦) (٣)، وثعلب (ت:٢٩١) (٤). القولُ الثاني: يبستْ، وذهبَ ماؤهَا. وبه قالَ: الحسنُ البصري (ت:١١٠) (٥)، وقتادةُ (ت:١١٧) (٦). وقدْ حكى بعضُ علماءِ اللُّغةِ الذين كتبوا في الأضدادِ هذين القولينِ (٧)، كما حكاهما أصحابُ المعاجمِ اللغوية (٨). قال أبو زيدٍ الأنصاريُّ (ت:٢١٥): «المسجورُ: يكونُ المملوءَ، ويكون الذي ليس فيه شيءٌ» (٩). وبهذا يظهر أنَّ مادَّة «سجر» ذات دلالتين متضادَّتين في لغةِ العربِ، والآيةُ تحتملُ هاتين الدِّلالتين، فقال مفسِّرٌ بأحدهما، وقال الآخرُ بالدِّلالة الأخرى، اجتهاداً منهما في اختيارِ إحدى الدِّلالتينِ، والله أعلم. والمقصودُ: أنَّ التَّضادَّ الذي في دلالةِ الكلمةِ الواحدةِ كان سبباً في

стр. 467

الخلافِ بينَ المفسِّرينَ. ويمكنُ بالرجوعِ إلى كتبِ الأضدادِ لمعرفةُ ما حُكِيَ من أحرفِ الأضدادِ التي وقعَ فيها خلافٌ بينَ المفسرينَ (١). ومما ينبغي أن يُذكَر: أنَّه ليس كلُّ حرفٍ ادُّعي فيه التَّضادُّ أنَّ هذا يقبلُ على إطلاقِه؛ بلْ لا بُدَّ من تحريرِ هذا التَّضادِّ، فإنْ ثبتَ، قيلَ به، وإلاَّ فَلا، واللهُ أعلمُ. ومنْ ذلكَ ادَّعاءُ التَّضَادِّ في دلالةِ «بعد» منْ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]، وقوله تعالى: ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠]. قال أبو حاتم (ت:٢٥٥): «وقالوا: قَبْلُ وبَعْدُ منَ الأضدادِ، وقالوا في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]: منْ قَبْلِ الذِّكرِ.

стр. 468

وقالوا في قوله : ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠]، قالوا: قبل ذلك؛ ألا ترى أنَّه قال: ﴿خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩]، ثمَّ قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١] (١)، فخَلْقُ الأرضِ قبلَ السَّماءِ، فلما قال: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠]، كانَ المعنى: قبلَ ذلكَ؛ لأنَّ قبلها: ﴿أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾ [النازعات: ٢٧، ٢٨]، ثمَّ قال: ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠]. قال أبو حاتم: وقدْ قالوا غيرَ هذا التفسيرِ» (٢). وفي تفسيرِ لفظِ قبل بلفظِ بعد = خروجٌ باللَّفظِ عن الأصلِ الذي جُعِلَ له، ولا يصِحُّ هذا إلاَّ إذا لم يُفهَمِ الكلامُ إلاَّ على معنى الضِّدِّ، والآيةُ مفهومةٌ على بقاءِ «بعد» على ظاهرِها، لذا لا حاجةَ لادِّعاءِ التَّضَادِّ في دلالتها. وسأذكرُ أقوال المفسِّرينَ في آيةِ سورةِ الأنبياءِ (٣)؛ ليتبيَّنَ أنَّ الآيةَ لها معنًى على الأصلِ منْ دلالةِ «بعد»، وأنَّه لا حاجَة إلى هذا التَّأويلِ الذي يُخرِجُها عن أصلِها اللُّغويِّ من معنى البعديَّةِ. أوردَ الإمامُ الطبريُّ (ت:٣١٠) ثلاثةَ أقوالٍ للسَّلفِ في معنى هذه الآيةِ، وكُلُّ هذه الأقوالِ تجعلُ لفظةَ «بعد» على دلالتِها اللُّغويَّةِ المعروفةِ في البعديَّةِ. القول الأولُ: الزَّبُورُ: كتبُ الأنبياءِ، والذِّكْرُ: أُمُّ الكتابِ؛ أي: اللَّوحُ المحفوظُ.

стр. 469

وبه قال: سعيدُ بنُ جبيرٍ (ت:٩٤)، ومجاهدُ (ت:١٠٤)، وعبدُ الرَّحمنِ بنُ زيدٍ (ت:١٨٢) (١)، واختارَه الطبريُّ (ت:٣١٠) (٢). القولُ الثاني: الزَّبُورُ: الكتبُ التي أنزلَها اللهُ على مَنْ بعدَ موسى من الأنبياءِ، والذِّكْرُ: التَّورَاةُ. وبه قالَ: ابنُ عَبَّاسٍ (ت:٦٨)، والضَّحَّاكُ (ت:١٠٥) (٣). القولُ الثالثُ: الزَّبُورُ: زَبُورُ دَاوُدَ ﵇، والذِّكْرُ: التَّورَاةُ، وهو قول عامرٍ الشَّعْبِيِّ (ت:١٠٣) (٤). وهذه الأقوالُ ـ كما ترى ـ ليسَ فيها إخراجٌ لدلالةِ «بعد» اللُّغويَّةِ عن أصلِها في البَعْدِيَّةِ المضَادَّةِ لمعنى القَبليَّةِ، وبقاءُ اللَّفظِ على معناه المعروف أولى من إخراجِه عنه بلا دلالةٍ سوى الاحتمالِ والتَّوَهُّمِ، واللهُ أعلمُ.

стр. 470

ثالثاً الاختلافُ بسببِ مخالفةِ المعنى الأشهر في اللَّفظ يَرِدُ على اللَّفظِ في لغةِ العربِ احتمالُ الاشتراكِ، كما سبقَ، وقدْ تكونُ دلالةُ اللَّفظِ على المعنيينِ في درجةٍ قويَّةٍ من الاحتمالِ، وقبولِ السياقِ لهما، وقدْ تتفاوتُ هذه المعاني في هذا الاحتمالِ، فيكون اللَّفظُ دائراً بين معنيينِ أحدهُما أشهرُ وأظهرُ في معنى اللَّفظِ من الآخرِ. وإذا دارَ الكلامُ بينَ هذينِ، قُدِّمَ الأشهرُ والأظهرُ من معاني اللَّفظِ، ومنْ أمثلةِ ذلك: ذكرَ الطبريُّ (ت:٣١٠) في قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ [يونس: ٨٧] أقوالاً عنِ السَّلفِ: القول الأول: وتَرْجَمَهُ بقوله: اجعلوا بيوتَكم مساجدَ تُصَلُّونَ فيها، وذكر ذلك عن ابنِ عباسِ (ت:٦٨)، وإبراهيمَ النَّخَعِيِّ (ت:٩٦) (١)، ومجاهدٍ (ت:١٠٤)، والضَّحَّاكِ (ت:١٠٥)، وزيدِ بنِ أسلمَ (ت:١٣٦)، وأبي مالك غزوانِ الغِفَارِيِّ الكوفيِّ (٢)، والربيعِ بن أنس (ت:١٣٩) (٣).

стр. 471

الثاني: اجعلوا مساجدكم قِبَلَ الكعبة، وذكر ذلك عن ابن عباس (ت:٦٨)، ومجاهد (ت:١٠٤)، والضحاك (ت:١٠٥)، وقتادة (ت:١١٧) (١). الثالث: وتَرْجَمَهُ بقوله: اجعلوا بيوتكم يُقَابِلُ بعضُها بعضاً، وذكر ذلك عن سعيد بن جبير (ت:٩٤) (٢). وقد اختار الطبريُّ (ت:٣١٠) البيوتَ المسكونةَ، فقالَ: «وأولى الأقوالِ في ذلك بالصَّوابِ، القولُ الذي قدَّمْنَا بيانه، وذلك أنَّ الأغلبَ منْ معاني البيوتِ ـ وإنْ كانتْ المساجدُ بيوتاً ـ البُيُوتُ المسكونةُ، إذا ذُكِرَتْ باسمِها المطلقِ، دونَ المساجدِ، لأنَّ المساجدَ لها اسمٌ هي به معروفةٌ، خاصٌّ لها، وذلكَ: المساجدُ. فأمَّا البُيُوتُ المطلَقَةُ بغيرِ وصلِها بشيءٍ، ولا إضافتِها إلى شيءٍ، فالبُيُوتُ المسكونةُ. وكذلكَ القبلةُ، الأغلبُ من استعمالِ النَّاسِ إيَّاها في قِبَلِ المساجدِ للصَّلواتِ. فإذا كانَ ذلكَ كذلكَ، وكانَ غيرَ جائزٍ توجيهُ معاني كلامِ اللهِ إلاَّ إلى الأغلبِ من وجوهِهَا، المستعملِ بين أهلِ اللِّسانِ الذي نزلَ به، دونَ الخفيِّ المجهولِ، ما لم تأتِ دلالةٌ تدلُّ على غيرِ ذلكَ ـ ولم يكنْ على قولِه: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ دلالةٌ تَقْطَعُ العُذْرَ بأنَّ معناه غيرُ الظَّاهرِ المستعملِ في كلامِ العربِ ـ لم يَجُزْ لنا توجيهُهُ إلى غيرِ الظَّاهرِ الذي وصفْنَا، وكذلك القولُ في: قِبْلَةً» (٣). والمقصودُ هاهنا أنَّ ورودَ هذه المعاني المخالفةِ للمعنى الأشهرِ في مدلولِ اللَّفظِ عندَ العربِ كانتْ سبباً في حَمْلِ بعضِ المفسرينَ الآياتِ عليها. وسأذكرُ بعضَ الأمثلةِ على ذلكَ:

стр. 472

١ - اختلف المفسرونَ في لفظِ «ضَحِكَتْ» من قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] على قولين: القولُ الأولُ: أنَّ معنى ضَحِكَتْ: الضَّحِكُ المعروفُ. وهو قولُ الجمهورِ. فمنْ أهلِ التَّفسيرِ من السَّلَفِ: عبد الله بنُ عَبَّاسٍ (ت:٦٨) (١)، ووَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ الصَّنْعَاني (ت:١١٤) (٢)، وقتادةُ بن دعامة السَّدوسيُّ (ت:١١٧) (٣)، وإسماعيلُ السُّدِّيُّ (ت:١٢٨) (٤)، ومحمد بن السائب الكلبيُّ (ت:١٤٦) (٥). ومن أهل اللُّغةِ: أبو زكريَّا الفَرَّاءُ (ت:٢٠٧) (٦)، وأبو العباس ثَعْلَبٌ (ت:٢٩١) (٧)، وأبو إسحاق الزَّجَّاجُ (ت:٣١١) (٨)، وأبو جعفر النَّحَّاسُ (ت:٣٣٨) (٩). القولُ الثاني: ضَحِكَتْ: حَاضَتْ. وقدْ وردَ عنْ بعضِ السَّلفِ منهم: ابنُ عبَّاسٍ (ت:٦٨) (١٠)، ومجاهدُ (ت:١٠٤) (١١)، وعكرمةُ (ت:١٠٥) (١٢).

стр. 473

ومن اللُّغويِّينَ: صاحبُ كتابِ العينِ (١)، ونقل ابن قتيبة (ت:٢٧٦) القولينِ ولم يعترضْ على هذا القولِ (٢)، ونقل الطبريُّ هذا المعنى عنْ بعضِ البصريِّينَ مع شواهدِهِم عليه (٣). وقال أبو بكر بن دريد (ت:٣٢١): «وفي التَّنْزِيلِ: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ [هود: ٧١] ذكرَ المفسِّرونَ أنَّها حَاضَتْ، واللهُ أعلمُ. قالَ أبو بكرٍ: ليسَ في كلامِهِم: ضَحِكَتْ في معنى حَاضَتْ إلاَّ في هذا» (٤). وقال أبو بكر بن الأنباريِّ (ت:٣٢٨): «أنكرَ الفَرَّاءُ، وأبو عبيدةَ، وأبو عبيدٍ أنْ يكون «ضحكت» بمعنى حَاضَتْ. وَعَرَفَهُ غيرُهم، قالَ الشَّاعِرُ (٥): تَضْحَكُ الضَّبْعُ لِقَتْلَى هُذَيْلٍ ... وَتَرَى الذِّئبَ لَهَا يَسْتَهِلُّ قال بعضُ أهلِ اللُّغةِ: معناه: تحيضُ» (٦). وسببُ هذا الخلافِ أنَّ المعنى الأوَّلَ ـ أي: الضحكَ ـ هو المشهورُ في دلالةِ اللَّفظِ، أمَّا الثاني فقليلٌ، ولذا أنكرَهُ بعضُ اللُّغويينَ، ولكَّنه إنكارٌ مردودٌ، إذ المُثْبِتُ مُقَدَّمٌ على النَّافي، ومنْ حفظَ حُجَّةٌ على منْ لم يحفظْ (٧).

стр. 474

وهذا القولُ، فضلاً عن ورودِهِ عنِ السَّلفِ، فإنه مُدعَّمٌ بالشَّواهدِ الشِّعريَّةِ التي تُثْبِتُهُ لغةً (١)، وهو مع ثبوتِه لغةً، أضعفُ في التَّفسير منَ القولِ الأوَّلِ (٢)؛ لأنَّ المعنى المشهورَ مُقدَّمٌ على المعنى القليلِ. ٢ - اختلفَ المفسرونَ في لفظِ «بَرْداً» منْ قولِهِ تعالى: ﴿لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلاَ شَرَابًا﴾ [النبأ: ٢٤] على أقوالٍ، منها: القولُ الأولُ: البَرْدُ: الهواءُ الباردُ الذي يُبَرِّدُ حرارةَ الجسمِ، ونُسِبَ إلى مقاتلِ بنِ سليمانَ (ت:١٥٠) (٣)، واختارَه الطَّبريُّ (ت:٣١٠) (٤)، وأبو جعفر النَّحَّاسُ (ت:٣٣٨) (٥). وقال المَاوَرْدِيُّ (ت:٤٥٠) (٦): «أنه بردُ الماءِ وبردُ الهواءِ، وهو قول كثيرٍ من المفسرين» (٧). القولُ الثاني: البَرْدُ: النَّومُ، وقد نُسِبَ هذا القول إلى بعضِ السَّلفِ،

стр. 475

وهم: ابنُ عَبَّاسٍ (ت:٦٨) (١)، ومجاهدُ بنُ جبر (ت:١٠٤) (٢)، والسُّدِّيُّ (ت:١٢٨) (٣). وهو اختيارُ أبي عبيدةَ (ت:٢١٠) (٤)، وابنِ قُتَيبَةَ (ت:٢٧٦) (٥)، وثعلب (ت:٢٩١) من اللُّغويِّين (٦)، وقد نُسِبَ هذا القول إلى غيرهم (٧). وإذا نظرتَ إلى هذين المدلولينِ، فإنَّكَ ستجدُ أنَّ المدلولَ الأولَ الذي فُسِّرَ به لفظِ «البَرْدِ» أشهرُ في إطلاقِ اللُّغةِ من المدلولِ الثاني. قال النَّحَّاسُ (ت:٣٣٨)؛ «وأصَحُّ هذه الأقوالِ القولُ الأوَّلُ؛ لأنَّ البَرْدَ ليسَ باسمٍ من أسماءِ النَّومِ، وإنَّما يُحتَالُ فيه، فيقال للنَّومِ بَرْدٌ؛ لأنَّه يُهَدِّي العَطَشَ. والواجبُ أن يُحْمَلَ كتابُ اللهِ جلَّ وعَزَّ على الظَّاهِرِ والمعروفِ من المعاني، إلاَّ أنْ يَقَعَ دَليلٌ على غيرِ ذلكَ» (٨).

стр. 476

والمقصودُ أنَّ هذا الخلافَ كان بسببِ حَمْلِ اللَّفظِ على المعنيينِ: الأشهرِ المعروفِ، والأقلِ المنكورِ، واللهُ أعلمُ. ٣ - اختلفَ المفسِّرونَ في لفظِ «يَنْصُرَهُ» مِنْ قولِه تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ [الحج: ١٥] على قولينِ: القولُ الأوَّلُ: ينصره: يعينُهُ في الغَلَبَةِ على عدوِّهِ. وقال به من السَّلفِ: قتادةُ (ت:١١٧)، وابنُ زيد (ت:١٨٢) (١). وقال به من اللُّغويينَ: الفَرَّاءُ (ت:٢٠٧) (٢)، والزَّجَّاجُ (ت:٣١١) (٣)، والنَّحَّاسُ (ت:٣٣٨) (٤)، والأزْهَرِيُّ (ت:٣٧٠) (٥). القول الثاني: ينصره: يرزقه، وفي معنى الآية احتمالان: الاحتمال الأول: ما قاله ابنُ عبَّاسٍ (ت:٦٨) من أنَّ المعنى: منْ كانَ يَظُنُّ أنَّ اللهَ لَنْ يَرْزُقَ محمداً ﷺ (٦). الاحتمال الثاني: ما قاله مجاهدٌ بن جبر (ت:١٠٤) من أنَّ المعنى: منْ كانَ مِنَ النَّاسِ يظنُّ أنَّ الله لنْ يرزقه، فالضَّميرُ يعودُ على «مَنْ» (٧). ومن اللُّغوييِّنَ من فسَّر النَّصرَ بالرِّزقِ؛ كأبي عبيدةَ (ت:٢١٠) (٨)، وقد رجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ (٩).

стр. 477

وسببُ هذا الخلافِ أنَّ المعنيينِ واردانِ في هذه اللَّفظةِ، غيرَ أنَّ الأوَّلَ هو المعنى المشهورُ في اللَّفظةِ، لذا لم يردْ هذا الخلافُ في مدلولِ هذه اللَّفظةِ في القرآنِ إلاَّ في هذا الموضعِ؛ أي أنَّ الغالبَ في مدلولِها في القرآن: معنى التأييدِ والإعانةِ، وهو المعروفُ من معنى اللَّفظِ. قال ابنُ عَطِيَّة (ت:٥٤٢): «والنَّصْرُ: معروفٌ، إلاَّ أنَّ أبا عُبَيدَةَ ذَهَبَ به إلى معنى الرِّزْقِ» (١).

стр. 478

رابعاً الاختلاف بسبب أصل اللَّفظ واشتقاقه الاشتقاقُ: أَخْذُ صِيغَةٍ مِنْ أخرى مع اتفاقِهما معنًى، ومادةً أصليةً، وهيئةَ تركيب لها؛ ليُدلَّ بالثانيةِ على معنى الأصلِ، بزيادةٍ مفيدةٍ؛ لأجلها اختلفا حروفاً أو هيئةً؛ كضاربِ من ضَرَبَ، وحَذِرٌ من حَذِرَ، وهذا هو الاشتقاقُ الأصْغَرُ (١)، وهو المقصود هنا. والاشتقاقُ عَوْدٌ باللَّفظِ إلى أصلِه لِيُنْبِئَ عن معناه. وبما أنه مفيدٌ في معرفةِ أصلِ الكلمةِ، فإنه يفيدُ كذلك في معرفةِ خطأ بعضِ التَّفاسيرِ الشَّاذَّةِ التي خرجَ بها قائلوها عن المعنى المعروفِ بسببِ دعوى باطلةٍ، ومن ذلك: ١ - ما وردَ عن بعضِهم في تفسيرِ قولِ الله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١] بأنَّ إماماً: جمعُ أُمٍّ. قالَ الزَمَخْشَرِيُّ (ت:٥٣٨): «ومِنْ بِدَعِ التَّفاسِيرِ أنَّ الإمامَ جمعُ أُمٍّ، وأنَّ الناسَ يُدعونَ يومَ القيامةِ بأمهاتِهم، وأنَّ الحكمةَ في الدعاءِ بالأمهاتِ دونَ الآباءِ رعايةُ حَقِّ عيسى ﵇، وإظهارُ شَرَفِ الحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ، وأنْ لاَ يَفْتَضِحَ أولادُ الزِّنَى. وليتَ شِعْرِي، أيُّهما أبدعُ: أصِحَّةُ لفظِهِ، أمْ بَهَاءُ حِكْمَتِهِ!» (٢).

стр. 479

٢ - وفَسَّرَ الزَّجَّاجَ (ت:٣١١) قولَ الله تعالى: ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠]، فقال: «وهذا موضعٌ لطيفٌ يحتاجُ أنْ يُشْرَحَ، وهو أنَّ الحُسْبَانَ في اللُّغةِ هو الحِسَابُ، قالَ تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: ٥]، المعنى: بِحِسَابٍ. فالمعنى في هذه الآيةِ: أنْ يُرسِلَ عليها عذابَ حُسْبَانٍ، وذلك الحُسْبَانُ هو حِسَابُ ما كسبتْ يداكَ» (١). وقد تعقَّبَ الأزْهَرِيُّ (ت:٣٧٠) هذا القولَ، فقال: «والذي قاله الزَّجَّاجُ في تفسيرِ هذه الآيةِ بعيدٌ، والقولُ ما قاله الأخْفَشُ وابنُ الأعْرَابِيِّ وابنُ شُمَيْل (٢)، والمعنى ـ والله أعلم ـ: أنَّ اللهَ يُرْسِلُ على جَنَّةِ الكافرِ مَرَامِيَ مِنْ عَذابٍ، إما بَرَدٌ، وإمَّا حِجَارَةٌ، أوْ غيرُها مما شاءَ، فَيُهْلِكُهَا ويُبْطِلُ غَلَّتَهَا» (٣). في هذا المثال جعل الزَّجَّاجُ (ت:٣١١) الحُسْبَانَ: جمع الحِسَابِ، والصَّحيحُ أنَّه جمعٌ، واحدتُه: حُسبانة، وهي المرامي. ويلاحظُ في هذا المثالِ أنَّ لفظَ «حِسَاب» ولفظَ «حُسْبَانَة» مفترقان في الرسمِ، وقد اتفقا في الجمعِ على صيغةٍ واحدةٍ، وهي الحُسْبَانُ، وهذا ما أحدثَ ذلك الخلافَ في تفسيرِ هذه اللَّفظةِ، وهذا يعني أنَّ هذا المبحثَ مرتبطٌ بمبحثِ المشتركِ اللَّفظيِّ من هذه الجِهَةِ، واللهُ أعلمُ. والأمثلةُ لهذا المبحثِ كثيرةٌ (٤)، وسأذكرُ منها ما يلي:

стр. 480

١ - اختلفَ المفسِّرونَ في تفسيرِ لفظِ «عِضِينَ» من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر: ٩١] على قولين: القول الأول: عِضِين: فرَّقُوه فِرَقاً، وجعلوه أعضاءَ كأعضاءِ الجَزُورِ [أي: الجمل]، فهو من العضو. وقالَ به منَ السَّلفِ: حبرُ الأمَّةِ ابنُ عَبَّاسٍ (ت:٦٨) (١)، وسعيد بنُ جُبَير (ت:٩٤) (٢)، ومجاهدٌ بن جبر (ت:١٠٤) (٣)، والضَّحَّاكُ بنُ مزاحم (ت:١٠٥) (٤)، وعِكْرِمَةُ (ت:١٠٥) (٥)، وعطاءُ بنُ أبي رَبَاح (ت:١١٤) (٦)، وقَتَادَةُ (ت:١١٧) (٧)، وعبد الرحمن بنُ زَيد (ت:١٨٢) (٨). وممن قال به منَ اللُّغويينَ: الخَلِيلُ بنُ أحمدَ (ت:١٧٥) (٩)، والفَرَّاءُ (ت:٢٠٧) (١٠)، وأبو عُبَيدَةَ (ت:٢١٠) (١١)، والأخفشُ (ت:٢١٥) (١٢)، وابنُ الأعرابيِّ (ت:٢٣١) (١٣)، وابنُ قُتَيبَةَ (ت:٢٧٦) (١٤).

стр. 481

القولُ الثاني: عِضِين: سِحْرٌ. ووردَ هذا التَّفسيرُ عن مجاهدٍ (ت:١٠٤) (١)، وعِكْرِمَةَ (ت:١٠٥) (٢). وقد أشارَ إلى هذا القولِ جَمْعٌ منْ أهلِ اللُّغةِ (٣). وسببُ هذا الخلافِ: اختلافُ النَّظرِ إلى أصلِ هذا اللَّفظِ واشتقاقِهِ، قالَ الأزهريُّ (ت:٣٧٠) مبيناً ذلك: «وأمَّا قولُ اللهِ جلَّ وعزَّ: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر: ٩١]، فقدِ اختلفَ أهلُ العربيَّةِ في اشتقاقِ أصلِهِ وتفسيرِه، فمنهم من قالَ: واحدُها عِضَةٌ، وأصلُها عَضْوَةٌ، من عَضَّيْتُ الشَّيءَ: إذا فَرَّقتُهُ، جعلوا النُّقصانَ الواو [كذا]، والمعنى: أنَّهم فرَّقوا ـ يعني: المشركون ـ أقاويلَهم في القرآنِ؛ أي: فجعلوه مَرَّةً كَذِباً، ومَرَّةً سِحْراً، ومَرَّةً شِعْراً، ومَرَّةً كِهَانَةً. ومنهم منْ قالَ: أصل العِضَةِ عِضِهَةٌ، فاستثقلُوا الجمعَ بينَ هاءينِ، فقالوا: عِضَةٌ، كما قالوا: شفةٌ، والأصلح شَفَهَةٌ، وكذلك سَنَةٌ، وأصلُها: سَنَهَةٌ. وقالَ الفَرَّاءُ: العِضُونَ في كلامِ العربِ: السِّحْرُ (٤)، وذلكَ أنَّه جعلَه من العِضْهِ، وَرُوِيَ عنْ عِكْرِمَةَ أنَّه قالَ: العِضْهُ: السِّحْرُ بلسانِ قُرَيشٍ. وهم يقولون للسَّاحِرِ: عَاضِهٌ (٥). والكِسَائِيُّ (٦) ذهبَ إلى هذا» (٧).

стр. 482

٢ - اختلفَ المفسِّرونَ في لفظِ «صلصال» منْ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦] على قولين: القولُ الأولُ: الصِّلْصَالُ: الطِّينُ اليابسُ الَّذي إذا نَقَرْتَهُ صَلَّ؛ أي: أصدرَ صوتاً. وبه قالَ: ابنُ عَبَّاسٍ (ت:٦٨) (١)، وقتادةُ (ت:١١٧) (٢). ومِنَ اللُّغويينَ: أبو عبيدةَ (ت:٢١٠) (٣)، وابنُ قتيبةَ (ت:٢٧٦) (٤)، والزَّجَّاجُ (ت:٣١١) (٥). القولُ الثاني: الصَّلْصَالُ: المُنْتِنُ. وبه قالَ مجاهد (ت:١٠٤) (٦). ولم أجدْ أحداً مِنَ اللُّغويينَ قالَ به، وإنْ كانَ بعضُهم قدْ ذَكَرَهُ عنْ مجاهد (ت:١٠٤) (٧). والقولُ الأوَّلُ جعلَ أصلَ الكلمةِ مِنَ الصَّلْصَلةِ؛ أي: الصَّوتُ، ومنه: صَلْصَلَةُ اللِّجَامِ، والحُلْيِ؛ أي: صوتُهُما، والصَّلْصَلَةُ: صَوتُ الرَّعْدِ إذا كانَ صَافِياً، ويقالُ لِلْفَرَسِ إذا كانَ حَادَّ الصَّوتِ: فَرَسٌ صَلْصَالٌ (٨). وأمَّا القولُ الثاني، فجعلَ أصلَه مِن صَلَّ الشَيءُ، إذا تغيَّرَ وأنْتَنَ.

стр. 483

قالَ الطَّبريُّ (ت:٣١٠): «وقالَ آخرونُ: الصَّلْصَالُ: المُنْتِنُ، وكأنَّهم وجَّهوا ذلكَ إلى أنَّه مِنْ قولِهم: صَلَّ اللَّحْمُ، وأَصَلَّ: إذا أَنْتَنَ» (١). ٣ - اختلفَ المفسِّرونَ في لفظِ «مُسْتَمِرٌّ» من قولِه تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ٢] على أقوالٍ، منها: القولُ الأوَّلُ: مُسْتَمِرٌّ، ذاهبٌ وزائلٌ. وقالَ به منَ السَّلفِ: مجاهدُ بن جبرٍ (ت:١٠٤) (٢)، وقتادةُ بن دعامة السدوسي (ت:١١٧) (٣). ومِنَ اللُّغويِّينَ: الفَرَّاءُ (ت:٢٠٧) (٤)، والزَّجَّاجُ (ت:٣١١) (٥). القولُ الثاني: مُسْتَمِرٌّ: شَدِيدٌ قَوِيٌّ. وقدْ نُسِبَ إلى أبي العَالِيَةِ (٩٣)، والضَّحَّاكِ بنِ مُزَاحِمٍ (ت:١٠٥) (٦). وممن قال به من أهلِ اللُّغةِ: أبو عبيدةَ (ت:٢١٠) (٧)، وابنُ قتيبةَ (ت:٢٧٦) (٨)، وابنُ عُزَيزٍ السِّجسْتَانِيُّ (ت:٣٣٠) (٩).

стр. 484

ومن ثَمَّ، فإنَّ أصلَ اللَّفظِ على التَّفسيرِ الأوَّلِ: مَرَّ يَمُرُّ: إذا ذَهَبَ (١). وأصلُه على التَّفسير الثَّاني: أنَّه مُسْتَفعِلٌ مِنَ الإمْرَارِ، مِنْ قولِهم: قدْ مَرَّ الحَبْلُ: إذا صَلُبَ وَقَوِيَ واشْتَدَّ (٢). وبهذه الأمثلةِ يظهرُ أنَّ التَّفسيرِ يختلفُ باختلافِ النَّظرِ إلى أصلِ اللَّفظةِ، وإنْ كانتْ صُورةُ اللَّفظِ في الأصلينِ تنتهي إلى صيغةٍ واحدةٍ (٣).

стр. 485

خامساً الاختلاف بسبب المعنى القريب المتبادر للذهن والمعنى البعيد لِلَّفظِ إذا كان للفظِ مدلولانِ، أحدهما قريبٌ متبادرٌ للذِّهنِ، والآخرُ بعيدٌ، وسمعْتَ متكلِّماً يتكلَّم بهذا اللَّفظِ، فإنَّ الغالبَ أن يتبادرَ إلى ذهنِكَ المعنى الظَّاهِرُ القريبُ، دون المعنى البعيدِ الذي لا يُوصَلُ إليه إلاَّ بتقليبِ النَّظرِ في المعاني المحتملةِ. فلو قالَ قائلٌ: اهْجُرْ فلاناً، لذهبَ الذِّهنُ إلى معنى التَّرْكِ، أي: اتركُهُ وصحبتَهُ، لأنَّ هذه الدِّلالةَ هي المعنى المتبادرُ القريبُ من الذِّهنِ في مدلولِ هذا اللَّفظِ. وقدْ لا يَخْطُرُ ببالِكَ أنَّ المرادَ هاهنا السَّبُ، وهو معنى آخرُ مُحْتَمَلٌ في دلالةِ هذا اللَّفظِ. والتَّفريقُ بينَ المعنى القريبِ والمعنى البعيدِ يمكنُ أنْ تكونَ كثرةُ الاستعمالِ هي المرجعَ في معرفتِهِ، فكثرةُ استعمالِ العربِ لهذا اللَّفظِ في هذا المعنى دونَ ذاكَ يجعلُه أقربُ إلى الذِّهْنِ مِنْ غيرِه عندَ وُرُودِ الاحتمالِ عليه في سياقٍ مِنْ سِياقاتِ الكلامِ. وقدْ وَرَدَتْ ألفاظٌ في القرآنِ حملَها المفسِّرونَ على معانٍ محتملةٍ فيها، غيرَ أنَّ بعضَها يكونُ أقربَ إلى الذِّهنِ مِنْ بعضٍ، لشهرتِه وكثرة استعمالِه في أحدِ معاني اللفظِ. ومِنْ هذه الأمثلةِ التي وقعَ خلافٌ فيها بينَ المُتَأَوِّلينَ لكتابِ الله، ما يأتي:

стр. 486

١ - اختلفَ المفسِّرونَ في لفظِ الأعناقِ مِنْ قوله تعالى: ﴿إِنْ نَشَا نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤]، على أقوالٍ: القولُ الأول: أعناقهم: الأَعْنَاقُ المعروفَةُ؛ أي: الرِّقَاب. ومِمنْ قالَ بهِ مِنَ السَّلفِ: ابنُ عَبَّاسٍ (ت:٦٨) (١)، ومجاهدُ بنُ جبرٍ (ت:١٠٤) (٢)، وقُتادةُ (ت:١١٧) (٣). ومن اللُّغويِّينَ: الفَرَّاءُ (ت:٢٠٧) (٤)، وأبو عبيدةَ (ت:٢١٠) (٥)، ونَسَبَهُ المُبَرِّدُ (ت:٢٨٥) إلى عَامَّةِ النَّحويِّينَ (٦)، ورجَّحَهُ الطبريُّ (ت:٣١٠) (٧). القولُ الثَّاني: أعناقهم: كُبَرَاؤهم وأشرافُهم. وقدْ نَسَبَهُ الفَرَّاءُ (ت:٢٠٧) إلى مجاهد (ن:١٠٤) (٨). وقالَ به: قُطْرُبُ (ت:٢٠٦) (٩)، وابنُ عُزَيْزَ (ت:٣٣٠) (١٠). القولُ الثَّالثُ: أعناقهم: جَمَاعَتُهُمْ. وقالَ به بعضُ اللُّغويِّينَ: صاحبُ كتابِ العينِ (١١)، وأبو زيدٍ الأنصاريُّ

стр. 487

(ت:٢١٥) (١)، وابنُ فَارِسَ (ت:٣٩٥) (٢). وقد نَسَبَهُ النَّحَّاس (ت:٣٣٨) إلى الأخفشُ (ت:٢١٥) (٣)، كما نَسَبَهُ الأزهريُّ (ت:٣٧٠) إلى أكثرِ المفسِّرين (٤). إذا تأملتَ هذه الأقوالَ، وجدتَ أنَّ القولَ الأوَّلَ الذي قال به السَّلفُ وجمعٌ من اللغويِّينَ أقربُ إلى الذِّهنِ مِنَ المعنيينِ الآخَرَيْنِ، وهما ـ مع كونهما محتملينِ ـ مرجوحانِ بسبب أنَّ القولَ الأوَّلَ هو الأقربُ المتبادرُ للذِّهنِ، واللهُ أعلمُ (٥). ٢ - اختلفَ المفسِّرونَ في لفظِ الثِّيابِ مِنْ قَوْلِه تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] على أقوالٍ، منها: القولُ الأوَّلُ: ثيابك: الثيابُ الملبوسةُ، ويكونُ ذلك بإبعادِ النجاسةِ عنها.

стр. 488

وبه قال: ابنُ عَبَّاسٍ (ت:٦٨) (١)، والضَّحَّاكُ (ت:١٠٥) (٢)، وعِكْرِمَةُ (ت:١٠٥) (٣)، وطَاوُسُ بنُ كَيسَانَ اليمانيُّ (ت:١٠٦) (٤)، ومحمدُ بنُ سِيرينَ (ت:١١٠) (٥)، وعبدُ الرحمن بن زيد (ت:١٨٢) (٦)، وسُفْيَانُ بنُ عُيَينَةَ (ت:١٩٨) (٧)، والشافعيُّ (ت:٢٠٤) (٨). القولُ الثَّاني: أنَّ الثيابَ: النَّفْسُ، ويكونُ ذلك بتزكيَتِها، وعبَّرَ عنها بعضُهم بقولِه: «عَمَلَكَ فَأَصْلِحْهُ، وكانَ الرَّجُلُ إذا كانَ خبيثَ العمل، قالوا: فلانٌ خبيثُ الثِّيابِ، وإذا كانَ حَسَنَ العملِ، قالوا: فلانٌ طاهرُ الثِّيابِ» (٩). وورد هذا المعنى عن ابنِ عبَّاسٍ (ت:٦٨) (١٠)، والنَّخَعِيِّ (ت:٩٦) (١١)، وعامرٍ الشَّعْبِيِّ (ت:١٠٣) (١٢)، ومجاهدِ بنِ جبرٍ (ت:١٠٤) (١٣)، وعَطَاءِ بنِ أبي رباحٍ (ت:١١٤) (١٤)، وقتادةَ (ت:١١٧) (١٥).

стр. 489

وقال به منَ اللُّغويِّين: الفَرَّاءُ (ت:٢٠٧) (١)، وابنُ قُتَيْبَةَ (ت:٢٧٦) (٢)، والزَّجَّاجُ (ت:٣١١) (٣). وإذا تأملتَ هذه الأقوالَ، وجدتَ أنَّ القولَ الأوَّلَ هو القريبُ المتبادرُ للذِّهنِ، بخلافِه القولُ الثَّاني الذي هو أبعدُ منه، إذ لا يتبادرُ إلى الذهنِ إرادته، وكلا القولينِ محتملٌ في الآيةِ (٤)، والله أعلم. ٣ - اختلفَ المفسِّرونَ في لفظ «حَمَّالَةَ الحَطَبِ» مِنْ قولِه تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد: ٤] على قولين: القولُ الأوَّلُ: حَمَّالَةَ الحَطَبِ: تحملُ الشَّوكَ، وتلقيه في طريقِ الرَّسولِ ﷺ . وهذا قولُ ابنِ عَبَّاسٍ (ت:٦٨) (٥)، ومجاهدَ (ت:١٠٤) (٦)، والضَّحَّاكِ (ت:١٠٥) (٧)، والحَسَنِ (ت:١١٠) (٨)، وابنِ زيدٍ (ت:١٨٢) (٩)، وعَطِيَّةَ العَوفِيِّ الجَدَلِيِّ (ت:١١١) (١٠)، واختارَه الطَّبَرِيُّ (ت:٣١٠) (١١).

стр. 490

القولُ الثاني: حَمَّالَةَ الحَطَبِ: تمشي بالنَّميمةِ. وهو قولُ مجاهد (ت:١٠٤) (١)، وعِكْرِمَةَ (ت:١٠٥) (٢)، والحَسَنِ البصريِّ (ت:١١٠) (٣)، وقتادةَ (١١٧) (٤)، وسفيان الثوريِّ (ت:١٦٤) (٥). وبه قال: الفَرَّاءُ (ت:٢٠٧) (٦)، وابنُ قُتَيبَةَ (ت:٢٧٦) (٧). والقولُ الأوَّلُ هو القولُ المتبادرُ الأقربُ إلى الذِّهنِ، وهو المعنى الظاهرُ مِنَ اللَّفظِ، قالَ الطَّبَريُّ (ت:٣١٠): «وأولى القولينِ عندي، قولُ مَنْ قالَ: كانتْ تَحْمِلُ الشَّوكُ، فتطرحُه في طريقِ رسولِ اللهِ ﷺ ؛ لأنَّ ذلكَ هو أظهرُ معنى ذلكَ» (٨). والمرادُ بالشَّوكِ هنا: الشَّجرُ الذي فيه شوكٌ، قالَ عَطِيَّةُ العَوفِيُّ (ت:١١١): «كانتْ تَضَعُ العَضَاةَ (٩) على طريقِ رسولِ الله ﷺ ، فكأنما يَطَأُ به كثيباً» (١٠)، وقالَ ابنُ زَيدٍ (ت:١٨٢): «كانتْ تأتي بأغصانِ الشَّوكِ، فتطرحُها باللَّيلِ في طريقِ رسولِ اللهِ ﷺ » (١١)، وعلى هذا فمنْ عَبَّرَ بالشَّوكِ فإنَّه فَسَّرَ بالجزءِ الذي هو المقصودُ في الإيذاءِ، واللهُ أعلمُ.

стр. 491

والمعنى الثاني أبعدُ عن الذِّهنِ مِنَ المعنى الأوَّلِ، غيرَ أنَّه معروفٌ في اللُّغةِ، قالَ ابنُ قُتَيْبَةَ (ت:٢٧٦): «قالَ ابنُ عَبَّاسٍ ـ في رواية أبي صالحٍ عنه ـ: الحَطَبُ: النَّمِيمَةُ، وكانتْ تُوَرِّشُ (١) بين النَّاسِ. ومنْ هذا قيل: فلانٌ يَحْطِبُ عَلَيَّ: إذا أغرى به، شَبَّهُوا النَّمِيمَةَ بالحَطَبِ، والعَدَاوَةَ والشَّحْنَاءِ بالنَّارِ؛ لأنَّهما يقعانِ بالنَّمِيمَةِ، كما تُلْهِبُ النَّارُ الحَطَبَ، ويقالُ: نارُ الحِقْدِ لا تَخْبُو. فاستعاروا الحَطَبَ في موضعِ النَّمِيمَةِ. وقالَ الشَّاعِر (٢) ـ وذَكَرَ امْرَأةً ـ: مِنَ البِيضِ لَمْ تَصْطَدْ عَلَى حَبْلِ سَوْأَةً ... وَلَمْ تَمْشِ بَيْنَ الْحَيِّ بالحَظْرِ الرَّطْبِ أي: لم تُوجَدَ على أمرٍ قبيحٍ، ولم تَمْشِ بالنَّمائمِ والكذبِ. والحَظْرُ: الشَّجَرُ ذو الشَّوكِ. وقالَ آخرُ (٣): فَلَسْنَا كَمَنْ تُزْجَى المَقَالَةُ شَطْرَهُ بِقَرْفِ العَضَاةِ الرِّطْبِ والعَبَلِ اليَبْسِ» (٤). وبهذا يظهرُ أنَّ المعنيينِ محتملانِ في الآيةِ، غيرَ أنَّ أحدَهما أسبقُ إلى الذِّهنِ منَ الثاني. وهكذا كلُّ ما شاكلَ هذه الأمثلةَ (٥).

стр. 492

وقبلَ أنْ أختمَ هذا الفصلَ، أنبِّه على أمورٍ: الأول: أنه قد تتفقُ الصيغةُ، ويختلفُ الأصلُ اللفظي المأخوذةُ منه، فما كانَ الأصلُ فيه مختلفاً، جعلتُ سببَ الاختلافِ فيه: النظر إلى أصل الاشتقاقِ، وما كان غير ذلك، جعلته من المشتركِ اللغويِّ، مثلُ لفظِ «مستمر»، هل هو من مرَّ يمرُّ، أو أمرَّ الحبلُ: إذا اشتدَّ وقوي. فهما، وإن كانا اتفقا في صيغةِ المصدرِ إلاَّ أنَّ معناهما مختلفانِ، لذا قد يُحكمُ على التفسيرِ بهما أنهما من المشتركِ اللَّفظيِّ باعتبارِ اشتراكِ هذه الصيغةِ في الدلالةِ على هذا المعنى، ولكن إذا اعتبرتَ أصلِ اللفظِ جعلتَ الاختلافَ بسببِ النظرِ إلى أصلِ اللفظِ، وهو الأصحُّ، واللهُ أعلمُ. أمَّا إذا اتفقت الصيغة والأصلُ كلفظِ «نجم»، فإنه من المشترك اللَّفظيِّ، ولا يدخلُه احتمالُ الاختلافُ بسبب أصل اللفظِ واشتقاقِه، لأنَّ أصله واحدٌ، والله أعلمُ. الثاني: الفرقُ بين المعنى المشهورِ وضدِّه، والمعنى القريبِ وضدِّه. لما جمعت الأمثلةَ من هذا البابِ وقسمتُها، جعلتُ كلَّ ما وقعَ عليه اعتراضٌ من العلماءِ في القسمِ المقابلِ للمشهورِ، أمَّا إذا لم يقعْ منهم اعتراضٌ على المعنى المذكورِ فإني جعلتُه من القسمِ المقابلِ للمعنى القريبِ. الثالث: أنَّه يدخلُ في هذا البابِ ما كان الخلافُ فيه بسببِ حملِ اللَّفظِ على الحقيقةِ والمجازِ، عند من يقولُ به، لذا حملَ بعضُهم بعضَ هذه الأمثلةِ المذكورةِ على المجازِ، كالخلافِ في قولِه تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]، قال ابنُ العَرَبِيِّ (ت:٥٤٣): «ليس يمتنعُ أنْ تُحْمَلَ الآيةُ على عمومِ المرادِ فيها بالحقيقةِ والمجازِ ...» (١). وعوداً على بدءِ فإنَّ هذا الاختلافَ الكائنَ بسببَ اللُّغةِ كانَ له أثرٌ في تَعَدُّدِ المحتملاتِ التَّفسيريَّةِ، وكانتْ هذه المحتملاتُ متراجحةً بين القبولِ وعدمِه، وليس هاهنا محلُّ بحثِ هذه المسألةِ، وإنما المرادُ إبرازُ الأثرِ الذي أفرزَهُ هذا الاحتمالُ اللُّغويُّ في التَّفسيرِ، واللهُ الموفِّقُ.

стр. 493

الفصل الثاني أثر التفسير اللغوي في انحراف المفسرين

стр. 494

تمهيد في تاريخ الانحراف لا شكَّ أنَّ الانحرافَ يرتبطُ بعضُه ببعضٍ، ولا يأتي دَفْعَةً واحدةً، وقد كانَ للانحرافِ عنِ الإسلامِ أثرٌ واضحٌ في عقائدِ المسلمينَ، وبرصدِ ظاهرةِ الانحرافِ تَجِدُ أنَّ السَّبئِيَّةَ (١) ـ التي أفرزت الرَّفْضَ (٢) فيما بعدُ ـ منْ أوائلِ الانحرافاتِ التي كانتْ تَنْخُرُ في جسمِ الأمَّةِ الإسلاميَّةِ. وكانت مزامنةً لها بدعةُ الخوارجِ (٣)، ثمَّ ظَهرتْ بدعةُ القَدَرِيَّةِ (٤)، وكانتْ

стр. 495

هذه الانحرافاتُ في عهدِ الصَّحابةِ، ثمَّ ظهرتْ في عهدِ التَّابعينَ بدعةُ الجَهْمِيَّةِ (١)، ثمَّ المُعْتَزِلَةِ والمُرْجِئَةِ (٢). وليس المرادُ هاهنا رصدَ هذه الحركاتِ، وإنما المرادُ التَّنبيه على أن هذه الحركاتِ كانَ لها آثارٌ في تفسيرِ القرآنِ، وكانتْ قدْ بَنَتْ تفسيرَه على ما تعتقدُه، فأظهرَ ذلكَ انحرافاً في التَّفسيرِ، وكانَ من جملتِهِ التَّفسيرُ اللُّغويُّ. ويمكنُ للدَّارسِ لهذه الحركاتِ أنْ يَلْحَظَ بعضَ الأسبابِ في ظهورِها، ومنها: ١ - دخولُ بعضِ الكفَّارِ في الإسلامِ ظاهراً، والكيدُ له في الباطنِ؛ كعبدِ اللهِ بنِ سَبَإٍ اليهوديِّ (٣)، الذي كانَ له أثرٌ واضحٌ في الأُمَّةِ، وكانَ منْ آثارِهِ التي بقيتْ: عقيدةُ الرَّفْضِ، التي صارتْ تُلقَّبُ بالشِّيعَةِ. وقدْ سلكَ هذا السبيلَ الزَّنادقةُ (٤) الذين عاشوا في ظِلِّ الإسلامِ وتظاهروا به، وكانوا فريقين:
следующие страницы →