← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 13873

التفسير اللغوي للقرآن الكريم

مساعد الطيار

Полный текст (714 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] (١)؛ معناه: أنَّ يطوفَ، وحرف (لا) زائدٌ (٢). وهذا ضعيفٌ من وجهين: أحدُهما: أنَّا قد بيَّنا في مواضع أنَّه يبعدُ أن تكون (لا) زائدةٌ. الثاني: أنَّ لا لغويٌّ ولا فقيهٌ يعادِلُ عائشةَ ﵂، وقد قرَّرتها غيرَ زائدةٍ، وقد بيَّنت معناها (٣)، فلا رأيَ للفراءِ ولا لغيره» (٤). * ومما يستأنسُ به في هذا المقامِ ما وردَ منْ تفسيرِ ابنِ مسعودٍ لقولِه تعالى: ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء: ٥٧]، قال: «كان ناس من الإنس يعبدون ناساً من الجِنِّ ...» (٥). قال ابنُ حَجَر العسقلانيُّ (ت:٨٥٢): «واستشكلَ ابنُ التِّينِ (٦) قولَه: (ناساً من الجِنِّ)، حيثُ إنَّ النَّاسَ ضِدُّ الجِنِّ ... ويا ليتَ شعري، على من يعترضُ!» (٧). وهذا المنهجُ الذي سَلَكَهُ هؤلاء هو المنهجُ الصَّحيحُ؛ أي أنَّ كلامَ

стр. 562

هؤلاءِ الصَّحابةِ وتفسيرَهم حجةٌ في اللُّغةِ يلزمُ قبولُها، وهو مقدَّمٌ على قولِ اللُّغويِّينَ، خلافاً لما قالَهُ الشَّوكَانِيُّ (ت:١٢٥٠) (١) في هذا المقام: «وأمَّا ما كانَ منها ثابتاً عنِ الصَّحابةِ ﵃، فإنْ كانَ من الألفاظِ التي نقلَها الشَّرعُ إلى معنى مغايرٍ للمعنى اللُّغويِّ بوجهٍ من الوجوهِ، فهو مقدَّمٌ على غيرِه. وإنْ كانَ منَ الألفاظِ التي لم ينقلْها الشَّرعُ، فهو كواحدٍ منْ أهلِ اللُّغةِ الموثوقِ بعربيَّتِهم، فإذا خالفَ المشهورَ المستفيضَ لم تقمْ الحجَّةُ علينا بتفسيرِه الذي قاله على مقتضى لغةِ العربِ، فبالأولى تفاسيرُ من بعدَهم من التَّابعينَ وتابعيهم وسائِرِ الأئمةِ» (٢). وهذا المنهجُ الذي ذكره الشَّوكَانِيُّ (ت:١٢٥٠) غيرُ سديدٍ، وقولُه: «فإذا خالفَ المشهورَ المستفيضَ» افتراضٌ لم يُمثِّلْ له بمثالٍ يدلُّ على وجودِه عنده، وهو مع ذلكَ يرى في التَّفسيرِ أنَّ بعضَ المعاني يُستشهَد لها بالبيتِ المجهولِ القائلِ، ومع ذلك يقبلُه ولا يقول فيه مثلَ هذه القاعدةِ، فكيف يتركُ ما وردَ عن السَّلفِ في هذا المقامِ، وهم ـ أخصُّ الصَّحابة ـ عربٌ تُحكى عنهم اللُّغةُ؟!. ومن هنا يمكنُ أنْ يقالَ: إنَّ ما وقعَ من بعضِ اللُّغويِّينَ من إنكارٍ لبعضِ تفسيراتِ السَّلفِ أوْ رَدِّهَا، بزعمهم أنها ليستْ من لغةِ العربِ = عملٌ غيرُ صحيحٍ، ولا يُعتمدُ عليه. ومن الأمثلةِ التي وقَعَ فيها اعتراضٌ من بعضِ اللُّغوييِّنَ، ما يأتي:

стр. 563

١ - في قولِه تعالى: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٩]، قالَ أبو عبيدةَ (ت:٢١٠): «زعمَ المفسِّرونَ أنَّه الموزُ (١)، أمَّا العربُ، فالطَّلْحُ عندهم: شَجَرٌ كثيرُ الشَّوكِ» (٢). وعبارتُه هذه فيها تضعيفٌ لما وردَ عن المفسِّرينَ من السلف، كما أنَّ فيها إشارة إلى أنَّ ما وردَ عنهم ليسَ من قَولِ العربِ! وقدْ وردَ تفسيرُه بالموزِ عن صحابيين، هما: عليٌّ (ت:٤٠)، وابنُ عباسٍ (ت:٦٨)، وورد عن جمعٍ من التابعينَ، وهم: قسامةُ بنُ زهيرٍ (ت: بعد٨٠) (٣)، ومجاهدُ (ت:١٠٤)، وعطاءُ (ت:١١٤)، وقتادةُ (ت:١١٧) (٤). أليسَ عليٌّ (ت:٤٠)، وابنُ عباسٍ (ت:٦٨) مِمَّنْ تُؤخذُ منهم اللُّغةُ؟! إنَّهم منَ العربِ، فكيفَ يقولُ أبو عبيدةَ (ت:٢١٠): «أما العربُ، فالطَّلحُ عندهم: شجرٌ كثيرُ الشَّوكِ»؟ لو كانَ أبو عبيدةَ (ت:٢١٠) يعتمدُ تفسيراتِ السَّلفِ في إثباتِ اللُّغةِ، لقالَ بأنَّ هذا اللفظَ له معنيان عند العربِ، كما هو الحالُ في غيرِه من الألفاظِ التي تعدَّدتْ دلالاتُها عندَ العربِ. قالَ إبراهيمُ الحَرْبِيُّ (ت:٢٨٥): «والذينَ قالوا: هو المَوزُ، هو غيرُ معنى

стр. 564

الحديثِ (١)، لقوله: بشوكِ الطَّلحِ. فلعله اسمٌ لِشَجَرِ شوكٍ وللموزِ» (٢). وقال: «قوله: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٩]: هو الموزُ، وهو لا شوكَ له. والطَّلحُ غيرُ منضودٍ، وإنما ذلكَ الموزُ، نُضِدَ على بعضٍ» (٣). وكَونُ أبي عبيدةَ (ت:٢١٠) لم يعلمْ أنَّ العربَ تطلقُ على الموزِ مسمَّى الطَّلْحِ، فإنَّ هذا لا يعني عدمَ وجودِ هذه الدلالةِ عندَهم، إذْ عَدَمُ العلمِ بالشَّيءِ، لا يعني العِلْمَ بالعَدَمِ. وقد ذَكَرَ عبدُ الرَّحمنِ بْنُ زَيْدٍ بن أسلمَ (ت:١٨٢)، أنَّ أهلَ اليَمَنِ يُسَمُّونَ الموزَ: الطَّلحَ (٤). فإنْ كانَ أبو عبيدةَ (ت:٢١٠) قد جَهِلَ ذلكَ، فإنَّ غيرَه قدْ عَرَفَ هذا المعنى لذلك اللَّفظِ، واللهُ أعلمُ. ٢ - في قوله تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢]، قال الأزهريُّ (ت:٣٧٠): «روى أبو الجَوزَاءِ (٥) عنِ ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجر: ٧٢]، يقولُ: بِحَيَاتِكَ. قال: وما أقسمَ اللهُ بحياةِ أحدٍ إلاَّ بحياةِ النَّبي ﷺ (٦). وأخبرني المنذريُّ، عن أبي الهيثمِ أنه قالَ: النَّحويونَ ينكرونَ هذا، ويقولونَ: معنى «لعمرك»: لَدِينُكَ الَّذي تَعْمُرُ، وأنشد (٧):

стр. 565

أيُّها المُنْكِحُ الثّرَيا سُهَيلاً ... عَمْرَكَ اللهَ كَيْفَ يَجْتَمِعَانِ قال: عَمْرَكَ اللهَ؛ أيْ: عِبَادَتَكَ الله ...» (١). وهذا الإنكارُ الذي نسبهُ أبو الهيثمِ إلى النَّحويينَ غيرُ مقبول، فإنْ كانَ ما قالُوه في معنى «عَمْرَكَ اللهَ» صحيحاً، فإنَّه لا يلزم منه خطأُ غيرِه، خاصَّةً أنَّ المفسَّرَ به ممنْ تؤخذُ منه اللُّغةُ، وهو أدرى بمعنى اللَّفظِ في لغتِه ممنْ جاءَ بعده من اللُّغويينَ. ولا شَكَّ أنَّ قولَه مقدَّمٌ على قَولِهم، ومن ثَمَّ، فإنَّ تفسيرَهُ يُقْبَلُ لغةً وتفسيراً، ولا يَصِحُّ عليه مثلُ هذا الاعتراض. ٣ - في قولِ تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]، أوردَ الإمامُ البُخَارِيُّ (ت:٢٥٦) عن ابن عباس (ت:٦٨) أنَّه قالَ: «هي رؤيا عينٍ، أُريَهَا الرَّسولُ ﷺ ليلةَ أُسْرِيَ به» (٢). وقال ابنُ حجر العَسْقَلاَنِيُّ (ت:٨٥٢): «واستُدلَّ به على إطلاقِ لفظِ الرُّؤيا على ما يُرَى بالعينِ في اليَقَظَةِ. وقدْ أنكرَهُ الحَرِيرِيُّ (٣) تبعاً لغيرِه، وقالوا: إنَّما يُقالُ رُؤْيَا في المَنَامِ، وأمَّا في اليَقَظَةِ فيُقالَ: رُؤْيَةٌ (٤).

стр. 566

ومِمَّنِ استعملَ الرُّؤيا في اليَقَظَةِ المتنبي في قولِه (١): ....... ... وَرُؤْيَاكَ أَحَلَى فِي الْعُيُونِ مِنَ الغَمْضِ وهذا التَّفسيرُ يَرُدُّ على مَنْ خَطَّأَهُ» (٢). إنَّ هذا الصنيعَ من ابنِ حَجَرٍ (ت:٨٥٢) هو الصَّوابُ بعينِهِ، ولا عِبْرَةَ بمنْ أنكرَ هذا المدلولَ اللُّغويَّ الواردَ عن ابنِ عباسٍ (ت:٦٨)، ولو تفرَّدَ به لقُبِلَ منه، كيف وقد وردَ لهذا المدلولِ شاهدٌ آخرُ؟! قالَ ابنُ بَرِّي (ت:٥٨٢): «اعلمْ أنَّ الرُّؤيا تكونُ في المنامِ كما ذكرَ، إلاَّ أنَّ العربَ قد استعملتها في اليقظةِ، وذلك في نحوِ قولِ الرَّاعِي (٣) يصفُ ضيفاً طرقه ليلاً (٤): رَفَعَتْ لَهُ مَشْبُوبَةً عَصَفَتْ لَهَا ... صَباً، تَزْدَهِيهَا مَرَّةً وَتُقِيمُهَا فَكَبَّرَ للرُّؤْيَا، وَهَشَّ فُؤَادُهُ ... وَبَشَّرَ نَفْساً كَانَ قبل يَلُومُهَا وعلى هذا فُسِّرَ في التنْزيلِ ـ وعليه جلة المفسرين ـ قولُه تعالى: ﴿وَمَا

стр. 567

جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]» (١). لقدْ كانَ في غيابِ قضيةِ الاحتجاجِ بتفسيرِ الصَّحابةِ وغيرِهم منَ السَّلفِ عندَ اللغويين ما يظهر مثل هذه الاعتراضات على بعض تفسيراتهم، ولو استفاد اللُّغويُّونَ من تفسيراتِهم في ثبوتِ دلالة بعض الألفاظِ في اللُّغةِ لوجدوا في ذلكَ علماً كثيراً وشواهدَ لغويَّةً كافيةً. ولقدْ كانَ اللُّغويُّونَ ـ فيما يبدو ـ يجعلونَ مفسِّري السَّلفِ قَسِيماً لهم في علمِ التَّفسيرِ، مما يدلُّ على ذلك أنهم في نقلِ الأقوالِ في تفسيرِ الآيةِ يجعلونَ أهلَ التَّفسيرِ صنفاً مقابلاً لأهل اللُّغةِ، فيقولون: قالَ أهلُ التَّفسيرِ .. ، وقالَ أهلُ اللُّغةِ (٢) ... ، أو ينصونَ على أقوالِ بعضِ اللُّغويِّين. ولقد أشارَ بعضهم على أنَّ أهلِ التَّفسِير لا يؤخذُ بتفسيراتهم اللُّغويِّةِ في ثبوتِ معنى اللفظِ في اللُّغةِ، بلْ يقْبَلُونَه منهم على أنَّه تفسيرٌ، وليسَ على أنَّه من اللُّغةِ. ومنْ ذلكَ ما وَرَدَ عن ثعلب (ت:٢٩١): «قال أبو عَمْرٍو (٣): سمعتُ أبا موسى الحَامِضَ (٤) يسألُ أبا العباسِ عن قولِه: ﴿فَضَحِكَتْ﴾ [هود: ٧١]؛ أي: حاضت، وقالَ: إنه قدْ جاءَ في التَّفسيرِ.

стр. 568

فقالَ: ليس في كلامِ العربِ، والتَّفسيرُ مُسَلَّمٌ لأهلِ التَّفسيرِ. فقالَ لهُ: فأنتَ أنشدْتَنَا (١): تَضْحَكُ الضَّبْعُ لِقَتْلَى هُذَيْلٍ ... وتَرَى الذِّئْبَ بِهَا يَسْتَهِلّ فقالَ أبو العباسِ: تَضْحَكُ هاهنا: تَكْشِرُ، وذلك أنَّ الذِّئبَ يُنَازِعُهَا على القَتِيلِ، فتَكْشِرُ في وَجْهِهِ وَعِيداً، فيتركُها مع لَحْمِ القَتِيلِ وَيَمُرُّ» (٢). وقد ورد تفسيرُ لفظِ: «ضحكت» بمعنى: حَاضَتْ عن ثلاثةٍ من مفسري السَّلفِ، وهم: عبد الله بن عباس (ت:٦٨) (٣)، ومجاهد بنُ جبرٍ (ت:١٠٤) (٤)، وعكرمة (ت:١٠٥) (٥).

стр. 569

فهؤلاء هم الذين وردَ عنهم التَّفسيرُ، وهم صحابيٌّ وتابعيان، ومعَ ذلكَ لم يقبلْ ثَعْلَبٌ (ت:٢٩١) قولَهم في اللُّغةِ، وقال: «ليس في كلامِ العربِ، والتَّفسيرُ مُسَلَّمٌ لأهلِ التَّفسيرِ». فإن لم يكن هذا التفسيرُ من لغةِ العربِ، فمن أين جاء به هؤلاءِ المفسِّرون. إنَّ عبارةَ ثعلبٍ (ت:٢٩١) هذه = تُشْعِرُ بأنَّ قولَ أهلِ التَّفسيرِ حجةٌ على أهلِ التَّفسيرِ لا غيرَ، أمَّا اللُّغويونَ فلا، وهذا فيه نَظَرٌ، وإنَّما صدرَ منه مثل هذا لِعَدَمِ اعتبارِه بما جاءَ عنِ السَّلفِ في نَقْلِ اللُّغةِ. وأصرحُ منه في ردَّ ما جاء عن السلفِ، ابنُ دَرَسْتَوَيه (ت:٣٤٧) (١)، حيث قال: «وأما قولُه (٢): أَخْنَسْتُ عنِ الرَّجُلِ حَقَّهُ، فإنما جاء على أَفْعَل، بألف، لِنَقلكَ الفِعْلَ إليك من الحق وتصييرك الحق مفعولاً، وكان في الأصل فاعلاً، ألا ترى أنكَ تقولُ: خَنَسَ عنه حَقُّهُ: إذا تأخَّر. ثم تقول: أَخْنَسْتُ أنا الحَقَّ عنه؛ أي: جعلتُه متأخراً، وهذا مُطَّرِدٌّ في بابه. ولا معنى لقولِه: سَتَرْتُهُ عنه، ولو كانَ فيه معنى سَتَرْتُهُ، لقيلَ في كلِّ مستورٍ: أَخْنَسْتُهُ (٣). وإنما هذا تفسيرٌ أُخِذَ عن رواةِ تفسيرِ القرآنِ في قولِ اللهِ : ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ *الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ [التكوير: ١٥، ١٦]: أنها الكواكبُ المُسْتَتِرَةُ التي لا تظهرُ. وإنما قيلَ لها: الخُنَّسُ؛ لقصورِها في السَّيرِ

стр. 570

عن المنازلِ، لا لانْسِتَارِهَا، وإنْ كانتْ مُنْسَتِرَةً» (١). وهذا المعنى الذي ذَكَرَ أنَّهُ أخذَهُ عن أهلِ التَّفسيرِ، كانَ من الواجبِ أنْ يقبلَه، ولكنَّهُ اعترضَ عليه، وجعلَه تفسيراً، وكأنَّه يشيرُ إلى أنَّه لا يؤخذُ منه لغةٌ، وهذا غير صحيحٍ، بلْ إنْ كانَ وارداً عن السَّلفِ، فالأصلُ قبولُه. وقد جرَّ هذا التَّعاملُ إلى أن يطلقُوا على ما وردَ عن السَّلفِ مصطلحَ التَّفسيرِ؛ كأهلِ التَّفسيرِ، وجاء في التَّفسيرِ، وقال المفسرونُ، وكلُّ هذا يُشعرُ بتميُّزِهم عنهم، وأنَّهم ليسوا ممن يؤخذُ عنهم اللُّغةُ. وقدْ تتبَّعتُ مصطلحَي «التفسير والمفسرين» ـ عدا من ينصُّون عليه منْ المفسِّرينَ ـ في معانِي القرآنِ، للفرَّاءِ (ت:٢٠٧) (٢)، وغريبِ القرآن، لابن قتيبةَ (ت:٢٧٦) (٣)، ومعاني القرآنِ وإعرابِه، للزجَّاجِ (ت:٣١١) (٤)، وغريبِ القرآنِ، لابن عُزَيز (ت:٣٣٠) (٥)، وتهذيبِ اللُّغةِ، للأزهري (ت:٣٧٠) (٦)، فوجدتُ أنَّهم

стр. 571

يطلقونَها ـ في الغالب ـ على ما لا يؤخذُ من طريقِ اللُّغةِ في علمِ التَّفسيرِ؛ كسببِ نُزُولٍ، أو قِصَّةِ آيةٍ، أو تفسيرٍ نَبَويٍّ، أو تعيينِ منْ نزلَ بشأنِهِ الخطابُ، أو غيرِ ذلكَ مما ليسَتِ اللُّغةُ طريقَهُ. وربَّما قابلوا أهلَ التَّفسيرِ بأهلِ اللُّغةِ؛ كقولهم: وهذا قولُ أهلِ التَّفسيرِ وأهلِ اللُّغةِ، أو غيرها من العباراتِ (١). وهذا يُشعِرُ بتميُّزِ أصحابِ كلِّ علمِ بعلمِهِم، وأنَّ أهلَ التَّفسيرِ لا علاقَةَ لهم بعلمِ اللُّغةِ. ومنَ الأمثلةِ التي تدلُّ على أنَّ غالبَ ما ينقلونَه عنِ المفسِّرينَ مما لا يؤخذُ عنِ طريقِ اللُّغةِ: ١ - في قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران: ٧٥]، قال الفرَّاءُ (ت:٢٠٧): «يقولُ: إلاَّ ما دمتَ له متقاضياً، والتَّفسيرُ في ذلكَ: أنَّ أهلَ الكتابِ كانوا إذا بايعهم أهلُ الإسلامِ أدَّى بعضُهم الأمانةَ، وقالَ بعضُهم: ليسَ للأُمِّيِّينَ ـ وهمُ العربُ ـ حُرمةٌ كحرمةِ أهلِ ديننا، فأخبرَ اللهُ ﵎ أنَّ فيهم أمانةً وخيانةً، فقال ﵎: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [آل عمران: ٧٥] في استحلالِهم الذَّهابَ بحقوقِ المسلمينَ» (٢). ذكرَ الفراء (ت:٢٠٧) في هذا الموضع معنى الجملةِ من حيثُ اللغة، ثمَّ ذكر قصةَ الآيةِ، وجعلَها من التَّفسيرِ؛ لأنَّه لا يتأتَّى أخذُها إلاَّ منْ طريقِ الرِّوايةِ.

стр. 572

٢ - في قوله تعالى: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤]، قال ابنُ قتيبة (ت:٢٧٦): «والحجارةُ، قالَ المفسِّرونَ: حجارةُ الكبريتِ» (١). وتخصيصُ الحجارةِ بحجارةِ الكبريتِ، لا يمكنُ أخذه من طريقِ اللُّغةِ، ولكن يؤخذُ منْ طريقِ الرِّوايةِ عنِ المفسرينَ. ٣ - في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَاكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، قالَ الزَّجَّاجُ (ت:٣١١): «المعنى: الذين يأكلونَ الرِّبَا لا يقومونَ في الآخرةِ إلا كما يقومُ المجنونُ منْ حالِ جنونِه. زعمَ أهلُ التَّفسيرِ أنَّ ذلكَ عَلَمٌ لهم في الموقفِ، يعرفُهم به أهلُ الموقفِ، يُعْلَمُ به أنهم أكَلَةُ الرِّبا في الدنيا» (٢). فذكر المعنى الذي يتأتى من طريقِ اللغةِ، ثمَّ نسبَ إلى أهلِ التَّفسيرِ ما لا يتأتَّى منْ طريقِ الرِّوايةِ، لا منْ طريقِها، مع أنَّه وردَ عنهم تفسيرُ المَسَّ بالجنونِ (٣). ٤ - في قوله تعالى: ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾ [الفرقان: ٢٤]، قال ابنُ عُزَيْزٍ السجستاني (ت:٣٣٠): «مِنَ القائلةِ، وهي الاستكنانُ في وقتِ نصفِ النَّهارِ. وجاءَ في التَّفسيرِ أنَّه لا ينتصفُ النَّهارُ يومَ القيامةِ حتى يستقرَّ أهلُ الجنَّةِ في الجنَّةِ، وأهلُ النَّارِ في النَّارِ (٤)، فَتَحِينُ القائلةُ وقدْ فُرِغَ مِنَ الأمرِ، فيقيلُ أهلُ الجنَّةِ في الجنَّةِ، وأهلُ النَّارِ في النَّارِ» (٥). وما ذكرَه ابنُ عُزَيزٍ السجستاني (ت:٣٣٠) هنا لا يمكنُ أنْ يُدركْ منْ طريقِ اللُّغةِ، بلْ طريقُهُ الروايةُ، وهي التي فسَّرَ بها أهلُ التَّفسيرِ.

стр. 573

وإذا تأمَّلتَ هذه المسألةَ، فإنَّه سَيَبِينُ لك ـ إن شاء اللهُ ـ ما يأتي: ١ - أنَّ بحث المفسِّرينَ في التَّفسيرِ كانَ أوسعَ من بحثِ اللُّغويينَ، فالمفسِّرونَ كانوا يفسِّرونَ بما لديهم من لغةِ العربِ، والحديثِ النَّبويِّ، وأسبابِ النزُّولِ، وقصصِ وأحوالِ من نزلَ فيهم الخطابُ منَ العربِ المشركينَ واليهودِ والنَّصارى، وغيرِها مما لا يُدركُ باللُّغة. أمَّا اللُّغويُّونَ فكانَ جانبُ البحثِ النَّحويِّ واللُّغويِّ يَطغَى على كتبِهم الّتي أَلَّفُوهَا في غريبِ القرآنِ ومعانيه، ولذا ساروا بها على المنهجِ اللُّغويِّ في البحثِ، وصاروا يستدلونَ بقولِ شاعرٍ أو غيرِه ممن سبقَ عَصْرَ السَّلفِ أو أدركَهم، ولا ينظرونَ إلى تفسيراتِ هؤلاءِ السَّلفِ ـ الذين هم في عصرِ من يحتجونَ بشعرِه وقولِه ـ على أنها مرجعٌ من مراجعِ اللُّغويِّينَ، لذا قلَّ أن تجدَ تفسيراتِهم في كُتُبِ اللُّغويِّينَ في البحثِ القرآنيِّ أو اللُّغويِّ. ولقدَ عَمَدْتُ إلى كتابِ لسانِ العربِ (١) لأستجليَ صِحَّةَ هذه المسألةِ، وجردتُ ما فيه من رواياتٍ تفسيريَّةٍ لمفسِّرينَ ولُغويِّينَ لهم أقوالٌ كثيرةٌ في التفسيرِ، وهم: ابن عباسٍ (ت: ٦٨)، ومجاهدُ بن جبرٍ (ت:١٠٤)، والفراء (ت:٢٠٧)، والزَّجاجُ (ت:٣١١). وبعدَ جردِ تفسيراتِهم ظهر لي جليًّا قلَّةُ اعتمادِ اللغويينَ على تفسيرِ السلفِ في كتبهم اللغويةِ، وكانتِ النَّتيجةُ كالآتي: * لم يتجاوزِ التَّفسيرُ المنقولُ عن ابنِ عباسٍ (ت:٦٨) أكثرَ من مائةٍ وأربعينَ موضعاً (٢).

стр. 574

* لم يتجاوز التفسيرُ المنقولُ عن مجاهدٍ (ت:١٠٤) السبعينَ نقلاً (١). * أمَّا الفرَّاءُ (ت:٢٠٧)، والزَّجَّاج (ت:٣١١)، فقد تجاوزَ النَّقلُ عن كلِّ واحدٍ منهما السِّتمائة موضعٍ، وقد كان النَّقل عنهما من كتابيهما في معاني القرآن، وكان بواسطةِ كتابِ تهذيبِ اللغةِ، وقد سبقَ بيانُ نسبةِ تفسيرَيهما في كتاب تهذيبِ اللغةِ. ٢ - أنَّ قَصْرَ الاستفادةِ مِنْ تفسيرِ السَّلفِ على ما لا يُدْرَكُ باللُّغةِ فيه قُصُورٌ في البَحثِ، وكأنه يُوحِي باقتدارِ اللُّغويِّ على معرفةِ عربيَّةِ القرآنِ دونَ الرُّجوعِ إلى تفسيراتِهم. ولقدْ كانَ هذا من أسبابِ وجودِ بعضِ الأقوالِ الشَّاذَّةِ في تفسيرِ اللُّغويِّين؛ لأنها تعتني بمصدرٍ واحدٍ دونَ غيرِه مِن مصادرِ التَّفسيرِ. ٣ - لقدْ أفرزَ عدمُ وضوحِ هذه القضيَّةِ عندَ اللُّغويِّينَ ردَّهم بعضَ أقوالِ السلفِ، وكأنَّهم غفلوا عن أنَّ هؤلاءِ مِمَّنْ تُؤْخَذُ منهم اللُّغةُ، وبالأخصِّ مفسروا الصَّحابةِ، كابنِ مسعودٍ (ت:٣٥) وابنِ عباسٍ (ت:٦٨)، وكبارِ مفسري التَّابعينَ. ويلحقُ هذا الاعتراضُ على هؤلاء اللغويينَ كلَّ من فسَّرَ القرآنَ بعدهم ممن يعترضُ على أقوالِ السَّلفِ، ولا يجعلُها حجَّةً في اللُّغةِ، ومن أمثلة ذلك ما وقعت فيه بنتُ الشاطئ (د. عائشةُ بنتُ عبد الرحمن) من ردِّ تفسيرهم في قوله تعالى: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: ٢]، قالت: «... كما نستبعدُ أن يكون حلٌّ بمعنى إحلالِ اللهِ لرسوله هذا البلدَ، يفعلُ به بعد الفتحِ ما شاء؛ لظهورِ تكلُّفِه، فضلاً عن كونِ الصِّيغةِ لا تقبلُ لغويًّا أن يكونَ الإحلالُ من حلَّ، وليسَ الاشتقاق.

стр. 575

وتفسيرُ الحلِّ بالإقامة هو المعنى المتبادر ...» (١). وهذا المعنى الذي استبعَدَتْه، لم يذكرِ الطبريُّ (ت:٣١٠) غيرَه عن السلفِ، مع اختلافِ عباراتِهم عنه، وقد ورد هذا التفسيرُ عن ابن عباس (ت:٦٨)، ومجاهد (ت:١٠٤)، والضحاك (ت:١٠٥)، وعطاء (ت:١١٤)، وقتادة (ت:١١٧)، وابن زيد (ت:١٨٢) (٢). وزاد ابن كثيرٍ (ت:٧٧٤) ذِكرَ الروايةِ عن سعيد بن جبيرٍ (ت:٩٥)، وعكرمة (ت:١٠٥)، والحسن البصري (ت:١١٠)، وعطية (ت:١١١)، والسُّدِّيِّ (ت:١٢٨)، وأبي صالح (٣). وتفسيرُهم بهذا المعنى يجعلُ من معاني العبارةِ ما ذكرُوه، وكونها تحتملُ معنًى آخرَ، لا يعني ضعفَ الواردِ عنهم، ولا الاعتراض عليه، وسيأتي ضوابطُ بيانِ قبولِ المحتملاتِ الواردةَ عن غيرِ السَّلفِ، والله الموفِّقُ. تطبيقُ طريقةِ التَّعاملِ مع أقوالِ السَّلف التَّفسيريَّة: حينما يناقشُ أحَدٌ أقوالَ المفسِّرينَ في آيةٍ ما، فعليه ألاَّ يتعجَّلَ في رَدِّ ما يَرِدُ عنِ السَّلفِ في معنى لفظٍ من الألفاظِ بسببِ اعتراضِ لغويٍّ عليه، بلْ لاَ بُدَّ مِنَ التَّثَبُّتِ، ومن معرفةِ وِجْهَةِ قولِ السَّلفِ قبلَ الحكمِ عليه، ومما يُعلمُ أنَّ المثبتَ مُقَدَّمٌ على النَّافِي، وسأطرحُ هاهنا مثالاً لهذه المسألةِ في قولِه تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ [النحل: ٧٢]، وأسألُ اللهَ التوفيقَ. وردَ في معنى الحَفَدَةِ أقوالٌ، وهي:

стр. 576

١ - الحَفَدَةُ: أعوانُ الرَّجلِ وخَدَمُهُ، وهو قولُ ابنِ عباسٍ (ت:٦٨) (١)، ومجاهدٍ (ت:١٠٤) (٢)، وعكرمةَ (ت:١٠٥) (٣)، وطاووس (ت:١٠٦) (٤)، والحسنِ (ت:١١٠) (٥)، وقتادةَ (ت:١١٧)، وأبي مالكٍ غزوانَ الغفاريِّ (٦)، ومالكِ بنِ أنسٍ (ت:١٧٩) (٧). وقال النَّضْرُ بنُ شُمَيلٍ (ت:٢٠٤): «مَنْ قَالَ: الحَفَدَةُ: الأعوانُ، فهو أتبعُ لكلامِ العربِ مِمَّنْ قالَ: الأصهارُ» (٨). وقالَ ابنُ فارسٍ (ت:٣٩٥): «ويقال في قولِه تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ [النحل: ٧٢]: إنهم الأعوانُ، وهو الصَّحِيحٌ» (٩). ٢ - الأختانُ، وهو قولُ ابنِ مسعود (ت:٣٥) منْ طريقِ زِرٍّ بنِ حُبَيشٍ (ت:٨٣) (١٠)،

стр. 577

وقولُ ابنِ عباسٍ (ت:٦٨) منْ طريقِ عكرمةَ (ت:١٠٥) (١)، وسعيدِ بنِ جبيرٍ (ت:٩٥) (٢)، وإبراهيمَ النَّخَعِيِّ (ت:٩٦) (٣)، وأبي الضُّحَى (ت:١٠٠) (٤)، والفَرَّاءِ (ت:٢٠٧) (٥). وفي روايةٍ عنِ ابنِ مسعودٍ (ت:٣٥) أنه قالَ: همُ الأصهارُ، فعنِ زِرِّ بنِ حُبَيشٍ (ت:٨٣) (٦)، قالَ: «قالَ عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ: أتدري ما الحفدة يا زِرُّ؟ قالَ: قلتُ: نعم، هم حُفَّادُ الرَّجلِ منْ وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ. قالَ: لا، هم أصْهَارُ الرَّجُلِ» (٧). وكذا في روايةِ علي بن أبي طلحةَ (ت:١٤٣) عنِ ابنِ عباسٍ (ت:٦٨)، قال: «الأصهار» (٨).

стр. 578

والصِّهْرُ: الخَتَنُ (١). وقيلَ: أقاربُ الزَّوجِ أحْمَاءٌ، وأَقَارِبُ الزَّوجَةِ أَخْتَانٌ، والصِّهْرُ يجمعُهما، وهو قولُ الأصْمَعِيِّ (ت:٢١٥) (٢)، وقيلَ غيرَ ذلكَ. وكلُّها لا تُخْرِجُ الخَتَنَ عنْ معنى الصِّهْرِ، فإمَّا أنْ يكونا بمعنى واحدٍ، وإما أنْ يكونَ الخَتَنُ جزءً منْ معنى الصِّهْرِ (٣). والمقصودُ: أنَّ التعبيرَ عنِ الحفَدَةِ بأنَّهم الأصهارُ أوِ الأختانُ ليسَ فيه خلافٌ، بلْ هو راجعٌ إلى معنًى واحدٍ (٤)، واللهُ أعلمُ. ٣ - الحَفَدَةُ: ولدُ الرجلِ وولدُ ولدِهِ، وهو قولُ ابنِ عباسٍ (ت:٦٨) منْ طريقِ سعيدِ بنِ جبيرٍ (ت:٩٥) ومجاهدٍ (ت:١٠٤) وعكرمةَ (ت:١٠٥) (٥)، وزِرِّ بنُ حُبَيشٍ (ت: ٨٣) (٦)، والضَّحَّاكِ بنِ مزاحم (ت:١٠٥) (٧)، وعكرمةَ (ت:١٠٥) (٨)، والكلبيِّ (ت:١٤٦) (٩)، وابنِ زيدٍ (ت:١٨٢) (١٠). ٤ - الحَفَدَةُ: بنو امرأة الرَّجُلِ منْ زَوْجِهَا الأوَّلِ، وهو مَرْوِيٌّ عنِ ابنِ عباسٍ (ت:٦٨) منْ طريقِ عَطِيَّةِ العَوْفِيِّ (ت:١١١) (١١). تحليلُ هذه الأقوالِ: ١ - إنَّ أصلَ الحَفْدِ في اللُّغةِ يرجعُ إلى معنى السُّرْعَةِ والخِفَّةِ في

стр. 579

الخدمةِ والعملِ (١)، وإذا نظرتَ إلى هذه الأقوالِ المذكورةِ، وجدتَ أنَّ هذا المعنى يتحقَّقُ فيها، ومنْ ثَمَّ، فإنَّ من فَسَّرَ اللَّفظَ بأنَّهم الأعوانُ، فإنه فَسَّر على الأصلِ اللُّغويِّ لهذه اللَّفظةِ. ٢ - أنَّ منْ قالَ: هم الأصهارُ أو الأختانُ، فإنَّ قولَهُم منْ حيثُ اللُّغة صحيحٌ، ولا يَصِحُّ الاعتراضُ عليه؛ لأنه: أولاً: لَمْ يُخْرِجِ اللَّفظةَ عن مدلولِها الأصليِّ، وهو الخدمةُ. ثانياً: أنَّه واردٌ عن من قولُه حُجَّةٌ في اللُّغةِ، وأَخَصُّهُمْ في ذلكَ الصَّحابيَّانِ: ابنُ مسعودٍ: (ت:٣٥)، وابنُ عباسٍ (ت:٦٨). ولذا فإنَّ الأقوالَ التي تعتمدُ في تفسيرِها على أنَّ اللُّغةَ تدلُّ على معنى الخدمِ والأعوانِ دون غيرهما فيها قصورٌ في النَّظرِ اللُّغويِّ بسببِ إهمالِها تفسيرَ العربِ الذينَ نزلَ القرآن بلغتهم، ومن أولئك الذين اعتمدوا معنى الخدم والأعوان: النَّضْرُ بنِ شُمَيْلٍ (ت:٢٠٤)، حيثُ قالَ: «منْ قالَ: الحَفَدَةُ: الأعوانُ، فهو أتبعُ لكلامِ العربِ ممنْ قال: الأصهارُ» (٢). وأبو عبيدٍ القاسمُ بنُ سلامٍ (ت:٢٢٤) الذي قال: «وعن عبدِ اللهِ: أنهم الأصهارُ، وأما المعروفُ من كلامِهم، فإنَّ الحَفْدَ هو الخدمةُ» (٣). وابنُ العربيِّ المالكيِّ (ت:٥٤٣)، حيث قالَ ـ محتجًّاً لقولِ مالكِ بن أنس (ت:١٧٩) ـ: «... وقالَ الخليلُ بنُ أحمدَ: إنَّ الحَفَدَةَ عندَ العربِ الخدمُ (٤). وكفى

стр. 580

بمالكٍ فَصَاحَةً ـ وهو محضُ العرب ـ في قولِه، وبقولِ الخليلِ، وهو ثقةٌ في نقلِه عن العربِ، فخرجتْ خدمةُ الولدِ والزوجةِ من القرآن بأبدعِ بيانٍ» (١). والقصورُ في هذا واضحٌ من جهتين: الأولى: أنَّ الذي وردَ عنه غيرُ معنى الخدمِ والأعوانِ من العربِ، وهو أعرقُ عربيةً من مالك (ت:١٧٩) الذي احتجَّ ابنُ العربيِّ (ت:٥٤٣)، بعربيَّتِهِ. الثانية: أنَّ ما قاله من فسَّر بغيرِ معنى الخدمِ والأعوانِ لا يَخْرُجُ عن معنى الخدمةِ، وما وردَ عن الصَّحابي ابن مسعود (ت:٣٥) يتَّضحُ فيه أنَّه خَصَّ المعنى بأحدِ مَنْ تَتَحقَّقُ فيه الخدمةُ، وهم الأصهار، كما في رواية زِرِّ بن حُبيشٍ (ت:٨٣) عنه. وقولُه بأنَّ الحَفَدَةَ: الأصهارُ = حُجَّةٌ، غيرَ أنَّ تخصيصَه لهذا اللَّفظِ بهذا المعنى غيرُ ذلك؛ لأنه قد وردَ عنْ غيرِه ممنْ يُحْتَجُّ به في اللُّغةِ والتَّفسير عدمَ تخصِيصِهِ بهذا المعنى، ولا يكونُ تخصيصُه في هذا الحالِ حُجَّةً. ولو كانتْ عبارةُ هؤلاء العلماءِ أنَّ منْ قالَ: الأعوان، فإنَّ قولَه أشهرُ في لغةِ العربِ، لكانَ، ولكنْ يُلْمَحُ في عبارتِهم إنكار المعنى الذي وردَ عن عبد الله بنِ مسعودٍ (ت:٣٥) وغيرِه، وهذا غيرُ سديدٍ، واللهُ أعلم. ٣ - أنَّ اللهَ سبحانَه جعلَ مِنَ الزَّوجَاتِ صِنْفَينِ: البنينَ والحَفَدَةَ. ولفظ البنينِ يشملُ الذُّكورَ والإناثَ، ويكونُ وُرُودُ الآية بلفظِ البنينِ على سبيلِ التَّغليبِ للذُّكورِ، واللهُ أعلمُ. وعلى هذا، فالحَفَدَةُ منَ الزَّوجةِ، والذي يكونُ منْ طريقِ الزَّوجةِ: أولادُ الأولادِ، والأصهارُ أو الأختانُ، وأولادُ المرأةِ منْ زوجِهَا الأوَّلِ.

стр. 581

قال ابنُ كثيرٍ (ت:٧٧٤): «فمنْ جعلَ ﴿وَحَفَدَةً﴾ متعلقاً بـ ﴿أَزْوَاجُكُمْ﴾، فلا بدَّ أنْ يكونَ المرادُ الأولادَ، وأولادَ الأولادِ، والأصهارَ؛ لأنَّهم أزواجُ البناتِ، وأولادَ الزَّوجةَ؛ كما قال الشَّعْبِيُّ والضَّحَّاكُ، فإنهم غالباً يكونونُ تحتَ كَنَفِ الرَّجلِ وفي حِجْرِهِ وفي خِدْمَتِهِ» (١). ومن ثَمَّ، فإنَّ من فسَّر الحَفَدَةَ: بالخَدَمَ أو غيرِهم منَ الأعوانِ الذينَ لا يكونونَ منْ طريقِ الزَّوجةِ، فإنَّ قولَهم فيه ضَعْفٌ بهذا السَّبَبِ، وقد بيَّن ذلك ابنُ زيدٍ (ت:١٨٢) بقوله: «ليسَ تكونُ العَبِيدُ مِنَ الأزواجِ، كيفَ يكونُ مِنْ زوجي عَبْدٌ؟!» (٢). وعلى احتمال دخول الخَدَمِ والأعوانِ في مرادِ الآيةِ، تخريجان: الأول: أنْ يحتاجَ إلى تقديرِ فِعْلٍ لقولِه: ﴿وَحَفَدَةً﴾، ويكونُ المعنى: جَعَلَ لكم مِنْ أزواجِكم بنينَ، وجَعَلَ لكم حَفَدَةً، وتكونُ هذه الجملةُ منقطعةً عمَّا قبلها، لكي لا يُعْطَفَ على قولِه: ﴿بَنِينَ﴾، إذْ إنَّ عَطْفَ المفردِ على المفردِ يجعلُهما يشتركانِ في كونِهما منَ الزَّوجةِ، وهذا لا يحتملُه النَّصُّ. الثاني: أنْ يُعادَ قولُه تعالى: ﴿بَنِينَ﴾ على ﴿أَزْوَاجِكُمْ﴾، وقوله: ﴿وَحَفَدَةً﴾ على ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾، وهذا فيه تكلُّفٌ ظاهرٌ. وإذا خرج الخدم والأعوان من معنى اللَّفظِ في الآيةِ، فإنَّ مَنْ كانَ مِنْ طريقِ الزَّوجةِ، فهو داخلٌ في المعنى بنصِّ الآية، وبتَحقُّقِ معنى الخدمة فيه. ولما لم يقمْ دليلٌ على تخصيصِ أحدِ هؤلاءِ دونَ غيرِه، فإنَّ النَّصَّ يشملُ من كان من طريقِ الزَّوجةِ على العموم، لأنهم ممن يشملُهم مَعَنى الحَفَدَةِ، وحمل الآيةِ عليهم لا يخالفُ نظمَ الآيةِ ولا سياقَها، واللهُ أعلمُ. ٤ - لا يعني هذا التَّرجيحُ في التَّفسيرِ ألاَّ يكونَ من معنى الحَفَدَةِ في اللُّغةِ: الأعوانُ والخدمُ، غيرَ أنَّ نَصَّ الآيةِ لا يَحْتَمِلُ دخولَهم فيها، أمَّا ثبوتُ هذا المعنى لغةً، فلا إشكالَ فيه، واللهُ أعلمُ.

стр. 582

ثانياً إذا ورد أكثر من معنى لغوي صحيح تحتمله الآية بلا تضادٍ، جاز تفسير الآية بها استطرادٌ في تأصيلِ القاعدةِ: ترجعُ هذه القاعدةُ إلى احتمالِ النَّصِّ القرآنيِّ لأكثرَ من معنى، وهذه المسألةُ ترتبطُ بأصلينِ مهمَّينِ منْ أصولُ التَّفسيرِ، وهما: أسبابُ اختلافِ المفسِّرينَ، وأنواعُ هذا الاختلافِ. أمَّا أسبابُ الاختلافِ، فظاهرٌ أنَّ الذي يتعلقُ بهذه الدراسةِ منها ما كانَ بسببِ اللُّغةِ، وما فيها منْ تَعَدُّدِ مَعَانٍ قدْ يحتملُها النَّصُّ. وأمَّا أنواع الاختلافِ ، فيحسنُ بسطُها لتتَّضح علاقةُ الموضوعِ بها، فأقولُ، وبالله التوفيق: التَّفسير: إمَّا أنْ يكونَ مجمعاً عليه، وإمَّا أنْ يكونَ فيه اختلاف. والمجمعُ عليه لا يَرِدُ عليه الاحتمالُ، وإنما يردُ الاحتمالُ في ما يقعُ فيه الاختلافُ. والاختلافُ قسمانِ: الأوَّلُ: أنْ ترجعَ الأقوالُ فيه إلى معنًى واحدٍ. والثاني: أنْ ترجعَ الأقوالُ فيه إلى أكثرَ من معنًى. وإليكَ تفصيلُ ذلكَ بالأمثلةِ.

стр. 583

القسم الأول: أن ترجع الأقوال فيه إلى معنًى واحدٍ: وهذا القسمُ يندرجُ تحته نوعان من الاختلافِ، هي: الأوَّل: أنْ يكونَ في اللَّفظِ المُفَسَّرِ عمومٌ، فَيَذْكُرُ مُفَسِّرٌ فَرْداً منْ أفرادِ العُمُومِ، ويَذْكُرُ غيرُه فرداً آخرَ. ومثالُ ذلكَ تفسيرُ لفظِ: النَّعيمِ من قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨]، فقدْ وردَ فيه أقوالٌ، منها: ١ - الأَمْنُ والصِّحَّةُ، عنِ ابنِ مسعودٍ (ت:٣٥)، والشَّعبيِّ (ت:١٠٣)، ومجاهدٍ (ت:١٠٤)، وسفيانَ الثوريِّ (ت:١٦١). ٢ - صِحَّةُ الأبدانِ والأسماعِ والأبصارِ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ (ت:٦٨)، والحسنِ البصريِّ (ت:١١٠) (١). وإذا تأملتَ هذه التَّفسيراتِ، وجدتَها ذَكَرَتْ فرداً من أفرادِ النَّعيم، لا على سبيلِ قَصْرِ المعنى العامِّ عليه، بلْ للإشارةِ إلى فردٍ منْ أفرادِه فيه، وللدلالةِ به على باقيها. ومنْ ثَمَّ، فالنَّعيمُ يشملُ كلَّ ما يتنعَّمُ به الإنسانُ من نعمِ الدنيا، قال الطبريُّ (ت:٣١٠): «والصَّوابُ منَ القولِ في ذلكَ أنْ يقالَ: إنَّ اللهَ أخبرَ أنَّه سائلٌ هؤلاءِ القومَ عن النَّعِيمِ، ولم يُخَصِّصْ في خبرِهِ أنَّه سائلُهم عنْ نوعٍ منَ النَّعيمِ دونَ نوعٍ، بلْ عمَّ بالخبرِ في ذلكَ عنِ الجميعِ، فهو سائلُهم ـ كما قال ـ عنْ جميعِ النَّعيمِ، لا عنْ بعضٍ دونَ بعضٍ» (٢). ويلاحظُ في هذا المقامِ أنَّ ما يُعَبِّر به أهلُ التَّفسيرِ منْ عباراتٍ في أسبابِ النُّزولِ، فإنَّها تدخلُ في هذا القِسْمِ؛ أيْ أنَّ ما يحكونَهُ منْ أنَّ هذه الآيةَ نزلتْ في كذا، فإنها أمثلةٌ لمن يشملُهم حُكْمُ الآيةِ، وإنْ تَعَدَّدَتِ الأقوالُ في النُّزولِ، والله أعلم. الثاني: أنْ يعبِّرَ المفسِّرونَ عنْ اللَّفظِ المفسَّرِ بألفاظٍ متقاربةٍ، ومثالُ ذلكَ

стр. 584

تفسيرُهم لفظَ «لغوب» منْ قولِهِ تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨]، فقدْ وردَ عنهم: ١ - لغوب: إِزْحافٌ؛ أي: إعياءٌ، عنِ ابنِ عباسٍ (ت:٦٨) من طريق علي بن أبي طلحة (ت:١٤٣). ٢ - لغوب: نَصَبٌ، عنِ ابنِ عباسٍ (ت:٦٨) من طريقِ عطيةَ العوفيِّ (ت:١١١)، وعنْ مجاهدٍ (ت:١٠٤). ٣ - لغوب: عناءٌ، عنِ ابنِ زيدٍ (ت:١٨٢) (١). وهذه التَّفسيراتُ ـ مع اختلافِها في العبارةِ ـ متقاربةُ المعنى، وهي ترجعُ إلى معنًى واحدٍ، وهو التَّعبُ. وفي هذا القسمِ ـ وهو أن ترجع الأقوال فيه إلى معنى واحدٍ ـ يجوزُ حملُ الآيةِ على ما وردَ فيها منَ التعبيراتِ المفسِّرَةِ لها؛ لأنَّه في النهاية لا اختلافَ في المرادِ، وإن اختَلفَ التَّعبيرُ عنِ اللَّفظِ المفسَّرِ. وفي تفسيرِ الطبريِّ (ت:٣١٠) لقولِه تعالى: ﴿أَتَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤] ما يدلُّ على هذا المقالِ، قال: «اختلفَ أهلُ التَّاويلِ في معنى «البِرِّ» الذي كانَ المخاطَبونَ بهذه الآيةِ يأمرونَ النَّاسَ به وينسونَ أنفسهم، بعدَ إجماعِهم على أنَّ كلَّ طاعةٍ للهِ فهي تُسَمَّى برًّا» (٢). ثمَّ ذَكَرَ الرِّوايةَ عنِ السَّلفِ، فعنِ ابنِ عباسٍ (ت:٦٨): «أتأمرونَ النَّاسَ بالدُّخولِ في دينِ محمدٍ ﷺ ، وغيرِ ذلك مما أُمِرْتُم به من إقامِ الصَّلاةِ، وتنسونَ أنفسَكم». وعن قتادةَ (ت:١١٧): «كان بنو إسرائيلَ يأمرونَ النَّاسَ بطاعةِ اللهِ وبتقواه وبِالبِرِّ، ويخالفونَه، فعيَّرَهم اللهُ».

стр. 585

وعنِ السُّدِّيِّ (ت:١٢٨): «كانوا يأمرونَ النَّاسَ بطاعةِ اللهِ وتقواه، وهم يعصونَه». وعنِ ابنِ جُرَيجٍ (ت:١٥٠): «أهلُ الكتابِ والمنافقونَ، كانوا يأمرونَ النَّاسَ بالصَّومِ والصَّلاةِ، ويَدَعُونَ العملِ بما يأمرونَ به النَّاس، فعيَّرَهم اللهُ بذلكَ ...». وعنِ ابنِ زيدٍ (ت:١٨٢): «هؤلاءِ يهودُ، كانَ إذا جاءَ الرَّجلُ يسألُهم ما ليسَ فيه حَقٌّ ولا رِشْوَةٌ ولا شَيءٌ، أَمَرُوهُ بالحَقِّ» (١). ثمَّ قالَ الطبريُّ (ت:٣١٠): «وجميعُ الذي قالَ ـ في تأويل الآية ـ مَنْ ذَكَرْنا قولَه، مقاربُ المعنى؛ لأنهم وإن اختلفوا في صِفَةِ البِرِّ الذي كانَ القومُ يأمرونَ به غيرَهم، الَّذينَ وَصَفَهُمُ اللهُ بما وصَفَهُمْ به، فَهُمْ مُتَّفِقُونَ في أنهم كانوا يأمرونَ النَّاسَ بما للهِ فيه رِضاً منَ القولِ أو العملِ، ويخالفونَ ما أمروهم به من ذلك إلى غيرِه بأفعالِهم ...» (٢). القسم الثاني: أن ترجع الأقوال إلى أكثر من معنى: إذا رجعتِ الأقوالُ إلى أكثرَ من معنًى، فإنَّه يِرِدُ عليها احتمالانِ، وهما: * أنْ يكونَ بين هذه المعاني تَضَادٌّ، فلا يمكنُ حَمْلُ الآية على المَعْنَيَيْنِ المتضَّادينِ، بلْ لا بدَّ منَ القولِ بأحدِهما. * أن لا يكونُ بينها تَضَادٌّ، والآيةُ تحتملُها جميعاً، فيجوزُ حملُها عليها، إذا لم يمنع مانعٌ. وإليكَ الأمثلةُ:

стр. 586

أولاً: أنْ ترجعَ الأقوالُ إلى أكثرَ من معنًى بينها تَضَادٌّ: ومنْ ذلكَ اختلافُهم في المَعْنِي بقولِه تعالى: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ﴾ [الأنفال: ٦]، قالَ ابنُ عباسٍ (ت:٦٨) وابنُ إسحاقَ (ت:١٥٠): هم المؤمنونَ، وقالَ ابنُ زيدٍ (ت:١٨٢): هم المشركونَ (١). وهذا فيه تَضَادٌّ؛ لأنَّ المُجَادلَ إحدى الطائفتينَ لا كلاهما، ولا يمكنُ في هذا أنْ يُحمَلَ على القولينِ معاً. ومنَ الأمثلةِ: تفسيرُ لفظِ القُرْءِ، والمَسْجورِ، وسُجِّرَتْ، وَعَسْعَسَ، والصَّرِيمِ، وَوَرَاءَ، وغيرِها من الألفاظِ القرآنِيَّة التي تذكرُها كتبُ الأضدادِ (٢). ويلاحظُ أنَّه قدْ يجوزُ في بعضِ أمثلةِ التَّضَادِّ أنْ تُحملَ الآيةُ عليهما، لسببٍ يحيطُ بالمثالِ ذاتِه، ولا يصلحُ هذا السببُ لغيرِه، وذلكَ مثلُ قولِه تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧]. قيل: إنَّه قَسَمٌ بإقبالِ اللَّيلِ. وقيل: إنَّهُ قَسَمٌ بإدبارِهِ (٣). وهذا فيه تضادٌّ، غيرَ أنه يجوزُ أنْ تحتملَ الآيةُ هذين المعنيين لاختلافِ محلِّ كلِّ واحدٍ منهما، فالأوَّلُ في أوَّلِ الليلِ، والثاني في آخرِه؛ أي أنَّ زمانَ القَسَمِ في كلِّ قولٍ مختلفٌ عن الآخرِ. ومن أمثلةِ المتضادِّ الذي لا يمكنُ أنْ تحتملَهما الآيةُ معاً: لفظُ القُرْءِ. قيل: هو الطُّهْرُ. وقيل: هو الحَيضُ (٤).

стр. 587

ولا يمكنُ أنْ يكونَ إلاَّ أحدَهما؛ لأنَّه لا يمكنُ أنْ يجتمعَ في المرأةِ في آنٍ واحدٍ أنْ تكونَ طاهراً حائضاً. واللهُ أعلمُ. ثانياً: أنْ ترجعَ الأقوالُ إلى أكثرَ من معنًى ليسَ بينها تضادٌّ: ومنْ أمثلتِه تفسيرُ لفظِ العتيقِ في قولِه تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، فقدْ وَرَدَ في تفسيرِه: ١ - أنَّه المعتقُ منَ الجبابرةِ، عنِ ابنِ الزُّبَيرِ (ت:٧٣) (١)، ومجاهدٍ (ت:١٠٤)، وقتادَة (ت:١١٧). ٢ - أنَّه القديمُ، عنِ ابنِ زيدٍ (ت:١٨٢) (٢). وحملُ الآيةِ على المعنيينِ معاً لا إشكالَ فيه، وإنْ تغايرا، لأنه لا تَضَادَّ بينهما. ومنَ الأمثلةِ: تفسيرُ قولِه تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾ [الشورى: ٥]، قالَ الشِّنْقِيطيُّ (ت:١٣٩٣): «واعلمْ أنَّ سببَ مقاربةِ السماواتِ للتفطُّرِ في هذهِ الآيةِ الكريمةِ، فيه للعلماءِ وجهانِ، كلاهما يدلُّ عليه قرآنٌ: الوجهُ الأوَّلُ: أنَّ المعنى: تكادُ السماواتُ يَتَفَطَّرْنَ خوفاً منَ اللهِ، وهيبةً وإجلالاً، ويَدُلُّ لهذا الوجهِ قولُه تعالى قَبْلَهُ: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [الشورى: ٤]؛ لأنَّ عُلُوَّهُ وعَظَمَتَهُ سَبَّبَ للسماواتِ ذلكَ الخوفَ والهيبةَ والإجلالَ، حتى كادتْ تَتَفَطَّرُ ... الوجهُ الثاني: أنَّ المعنى: تكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ منْ شِدَّةِ عِظَمِ الفِريةِ التي افتراها الكفَّارُ على خالقِ السَّماوات والأرضِ ـ جلَّ وعلا ـ: منْ كونِه اتَّخَذَ ولداً، عنْ ذلك عُلُواً كبيراً.

стр. 588

وهذا الوجهُ جاءَ موضَّحاً في سورة مريمَ في قولِه تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَانُ وَلَدًا *لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا *تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا *أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَانِ وَلَدًا *وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَانِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا *إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَانِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٣] .... وكلا الوجهينِ حقٌّ» (١). لقدْ حَكَمَ هذا الإمامُ على المعنيينِ بالصَّوابِ مع اختلافِهما البَيِّنِ؛ لأنَّه لا تعارضَ بينهما عندَ حَمْلِ الآيةِ عليهما، واللهُ أعلم. ولقدْ كانتْ مسألةُ احتمالِ النَّصِّ ظاهرةً للسَّلفِ، حتى قالَ عليُّ بن أبي طالب (ت:٤٠) لابن عباس (ت:٦٨) لما أرسلَه إلى الخوارجِ لمجادلتِهم: «اذهب إليهم، ولا تخاصمْهم بالقرآنِ، فإنَّه ذو وجوهٍ» (٢). وقالَ أبو الدرداءِ (ت:٣٢): «إنَّكَ لا تفقَهُ كُلَّ الفِقْهِ حتى تَرَى للقرآنِ وجوهاً» (٣). كما كانتْ هذه الأوجهُ التَّفسيريَّةُ التي يَحْتَمِلُهَا النَّصُّ بلا تضادٍّ مقبولةً عندَ السَّلفِ، ومنَ الأمثلةِ التي تَدُلُّ على ذلكَ: ١ - روى البخاريُّ (ت:٢٥٦) والطبريُّ (ت:٣١٠)، وغيرهما، عن ابن عباس (ت:٦٨)، من طريق سعيد بن جبير (ت:٩٤): أنَّه قال في الكوثر: هو الخير الكثير الذي أعطاه الله إياه.

стр. 589

قالَ أبو بِشْرٍ (١): فقلتُ لسعيدِ بن جبيرٍ: فإنَّ ناساً يزعمونَ أنَّه نهرٌ في الجنَّةِ. قالَ: فقال سعيد: النَّهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إيَّاه» (٢). في هذا النَّصِّ يظهرُ أنَّ سعيداً (ت:٩٤) يُصحِّحُ قولَ منْ قالَ: الكوثرُ: نهرٌ في الجنَّةِ (٣)؛ لأنَّه مما تحتملُه الآيةُ، ولا يُضَادُّ ما قال ابنُ عباسٍ (ت:٦٨)؛ لأنَّ قولَه أعمُّ الأقوالِ، ويدخلُ فيه النَّهرُ وغيرُه من الخيرِ الذي أعطاهُ اللهُ لنبيِّه ﷺ . ٢ - قال محمد بن نصر المروزيُّ (ت:٢٩٤) (٤): «وسمعتُ إسحاقَ (٥) يقولُ

стр. 590

في قولِهِ: ﴿وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]: قدْ يمكنُ أنْ يكونَ تفسيرُ الآيةِ على أولي العِلْمِ (١)، وعلى أمراءِ السَّرَايَا (٢)؛ لأنَّ الآيةَ الواحدةَ يفسِّرُها العلماءُ على أوجهٍ، وليس ذلك باختلافٍ. وقد قالَ سفيانُ بنُ عُيَيْنَة: ليسَ في تفسيرِ القرآنِ اختلافٌ إذا صَحَّ القولُ في ذلكَ (٣). وقالَ: أيكونُ شَيءٌ أظهَر خِلافاً في الظَّاهرِ منَ الخُنَّسِ؟ قالَ عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ: هي بقرُ الوحشِ (٤). وقالَ عليٌ: هي النُّجومُ (٥). قال سفيانُ: وكلاهما واحدٌ؛ لأنَّ النُّجومَ تَخْنُسُ بالنَّهارِ وتظهرُ باللَّيلِ والوَحْشِيَّةُ إذا رأتْ إنسيّاً خَنَسَتْ في الغيطانِ (٦) وغيرِها، وإذا لم ترَ إنسيّاً ظهرتْ. قالَ سفيانُ: فَكُلٌّ خُنَّسٌ. قالَ إسحاقُ: وتصديقُ ذلك ما جاءَ عنْ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ في

стр. 591

الماعونِ (١)، يعني أنَّ بعضَهم قالَ: الزَّكاةُ، وقال بعضُهم: عاريةُ المتاعِ. قالَ: وقالَ عكرمةُ: الماعونُ: أعلاهُ الزَّكاةُ، وعاريةُ المتاعِ منه (٢). قالَ إسحاقُ: وجَهِلَ قومٌ هذه المعاني، فإذا لم توافقِ الكلمةُ الكلمةَ قالوا: هذا اختلافٌ. وقدْ قالَ الحسنُ ـ وذُكِرَ عنده الاختلافُ في نحوِ ما وصفْنا، فقالَ ـ: إنما أُتِيَ القومُ من قِبَلِ العُجْمَةِ (٣)» (٤). ولعلَّ في هذا المثالِ العزيزِ ما يدلُّ على ظهورِ هذه المسألةِ عندَ علماءِ السَّلَفِ، وأنهم كانوا يَعُونَهَا جيداً، حيثُ جعلوا هذه المحتملاتِ الواردةِ على النَّصِّ مقبولةً، ولم يَرُدُّوها. وقد تتابعَ على ذلكَ منْ جاءَ بعدَهم، وسأذكرُ أمثلةً منْ تطبيقاتِهم، تدلُّ على إعمالِهم لهذِه القاعدةِ: ١ - أوردَ يحيى بنُ سلام (ت:٢٠٠) في تفسيرِ لفظِ «ناكبون» من قولِه تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٤] تفسيرَ قتادةَ (ت:١١٧)، قال: «لجائرون». وتفسيرَ الحسنِ (ت:١١٠)، قال: «تاركون له». وتفسير الكلبي (ت:١٤٦)، قال: «معرضون عنه». ثمَّ قال يحيى (ت:٢٠٠) وهو واحدٌ (٥).

стр. 592

لقد حَكَمَ يحيى بن سلامٍ (ت:٢٠٠) على هذه التَّفاسيرِ بأنها واحدٌ، وإنْ اختلفتْ عبارتُها، لأنَّ معناها الذي تؤدِّيه واحدٌ، وهو أنهم عادلونَ عنِ الصِّراطِ منحرفونَ عنه. ٢ - قالَ الطبريُّ (ت:٣١٠): «وقولُه: ﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١٨]، يقولُ: ولكمُ الويلُ منْ وَصْفِكُمْ ربَّكُم بغيرِ صِفَتِهِ، وَقِيلِكُمْ: إنَّه اتَّخَذَ زَوجةً وولداً، وَفِرْيَتِكُمْ عليه. وبنحو الذي قلنا في ذلكَ، قالَ أهلُ التَّأوِيلِ، إلاَّ أنَّ بعضهَم قالَ: معنى تَصِفُونَ: تَكْذِبُونَ. وقال آخرونَ: معنى ذلكَ: تُشركونَ، وذلكَ وإنْ اختلفتْ به الألفاظُ، فمتفقةٌ معانيه؛ لأنَّ منْ وصفَ الله بأنَّ له صاحبةً، فقدْ كذبَ في وَصْفِهِ إياه بذلكَ، وأشركَ به، وَوَصَفَهُ بغيرِ صفته، غيرَ أنَّ أولى العبارات أنْ يُعبَّر بها عنِ القرآنِ أقربُها إلى فَهْمِ سامعيها» (١). ٣ - قال أبو عليٍّ القاليِّ (ت:٣٥٦): «قرأتُ على أبي بكرٍ بنِ الأنباريِّ: في قولِ اللهِ : ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤١] أقوالٌ (٢). قال قومٌ: يُمَحِّصُهُمْ: يُجَرِّدُهُمْ منْ ذنوبِهم ... وقالَ الخليلُ: معنى قولِ اللهَ جلَّ وعَزَّ: ﴿وَلِيُمَحِّصَ﴾: ولِيُخَلِّصَ (٣). وقالَ أبو عَمْرٍو إسحاقُ بنُ مِرَارٍ الشيبانيُّ: وليمحص: وليكشفَ ... قال: ومعنى قولِهم: اللَّهُمَّ مَحِّصْ عنَّا ذنوبَنَا؛ أي: اكشفْهَا.

стр. 593

وقال آخرونَ: اطرحْهَا عنَّا. قال أبو عليٍّ: هذه الأقوالُ كلُّها في المعنى واحدٌ، ألا تَرَى أنَّ التَّخْلِيصَ تَجْرِيدٌ، والتَّجْرِيدَ كَشْفٌ، والكَشْفَ طَرْحٌ لما عليه» (١). ومن أقوالِ العلماءِ المتأخرينَ الصَّريحَةِ في هذه القاعدةِ: ١ - ما قاله الطُّوفِيُّ (ت:٧١٦) (٢): «وأما ما ورد فيه التَّأويلِ المُخْتَلِفِ عنِ العلماءِ، فذلكَ الاختلافُ: إمَّا أنْ يشتملَ على التَّناقضِ والتَّضادِّ، أو لا. فإن اشتملَ عليه ـ كالقُرْءِ التي صِيرَ في تأويلِها إلى الحيضِ مرةً، وإلى الإطهارِ أخرى ـ كان أحدُ النَّقِيضينِ أو الضّدينِ مُتَعَيِّناً للإرادةِ؛ لاستحالةِ الامتثالِ بالجمعِ بينهما، وحينئذٍ يجبُ التَّوصلُ إلى المرادِ المتعيِّنِ بطريقٍ قويٍّ راجحٍ من الطرقِ المتقدمِ ذِكْرُها، أو غيرِها إنْ أَمْكَنَ. وإنْ لم يشتملْ على التَّناقضِ، بلْ كانَ مجرَّدَ اختلافٍ وتعدُّدَ أقوالٍ، فإنْ احتملَ اللَّفظُ جميعَها وأمكنَ أنْ تكونَ مُرادةً منه، وَجَبَ حملُه عليها جميعاً ما أمكنَ، سواءً كانَ احتمالُها متساوياً، أو كانَ بعضُها أرجحَ منْ بعضٍ، وإلاَّ فحملُه على بعضِها دونَ بعضٍ إلغاءٌ للَّفظِ بالنسبةِ إلى بعضِ محتملاتِه منْ غيرِ مُوجبٍ، وهو غيرُ جائزٍ، ولأنه لو جازَ أنْ يكونَ مُراداً، فإعمالُ اللَّفظِ بالنِّسبةِ إليه أَولَى منْ إهمالِهِ. نعمْ إنْ كانَ احتمالُه لها متفاوتاً في الرُّجحانِ، جازَ في مقامِ التَّرجيح تقديمُ الأرجحِ فالأرجحِ، بحسبِ دلالةِ اللَّفظِ عليه، أو جلالةِ قائِله، أو عَاضِدِه الخارجيِّ، وغيرِ ذلكَ منْ وجوهِ التَّرجِيحاتِ.

стр. 594

ومثالُ ذلكَ؛ أعني: احتمالَ اللَّفظِ للوجوهِ المتعدِّدَةِ، قولُه تعالى: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥]، قيل: مساقطُ النُّجومِ في المغرب. وقيلَ: إنَّ منه نزولَ القرآنِ؛ لأنه نزلَ في ثلاث وعشرين سنةً، فاللَّفظُ يحتملُ القولينِ، فيجوزُ أنْ يكونَ القَسَمُ بهما مراداً للهِ ؛ لأنهما عَظِيمانِ، لا سيَّمَا على قولِ منْ يقولُ: يجوزُ إرادةُ حقيقةِ اللَّفظ ومجازِهِ جميعاً معاً ...» (١). ٢ - وقالَ ابنُ تَيمِيَّةَ (ت:٧٢٨): «ومنَ التَّنازُعِ الموجودِ عنهم (٢): ما يكونُ اللَّفظُ فيه محتملاً للأمرينِ: إمَّا لكونِهِ مُشْتَركاً في اللُّغةِ (٣)؛ كلفظِ ﴿قَسْوَرَةٍ﴾ الذي يرادُ به الرامي، ويُرادُ به الأسدَ. ولفظِ ﴿عَسْعَسَ﴾ الذي يرادُ به إقبالُ اللَّيلِ وإدبارهُ. وإمَّا لكونِه مُتَواطِئاً (٤) في الأصلِ، لكنَّ المرادَ به أحدُ النَّوعينِ، أو أحدُ الشَّخْصينِ؛ كالضَّمائرِ في قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى *فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٨، ٩]، وكلفظِ ﴿الْفَجْرِ﴾، ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾، و ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾، وما أشبَهَ ذلكَ.

стр. 595

فمثلُ هذا قد يجوزُ أنْ يرادَ به كلُّ المعاني التي قالها السَّلفُ، وقدْ لا يجوزُ ذلكَ. فالأوَّلُ: إمَّا لكونِ الآيةِ نزلتْ مرتينِ، فأريدَ بها هذا تارةً، وهذا تارةً. وإمَّا لكونِ اللَّفظِ المشتركِ يجوزُ أنْ يُرادَ به معنياه، إذْ قدْ جَوَّزَ ذلكَ أكثرُ فقهاءِ المالكيَّةِ والشَّافعيَّةِ والحنبليَّةِ، وكثيرُ منْ أهلِ الكلامِ. وإمَّا لكونِ اللَّفظِ متواطئاً، فيكونُ عَامّاً إذا لمْ يكنْ لتخصيصِهِ مُوجِبٌ. فهذا النَّوعُ إذا صَحَّ فيه القولانِ كانَ مِنَ الصِّنفِ الثاني (١)» (٢). ٣ - عندَ تفسيرِه قولَ اللهِ تعالى: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر: ١٧] قالَ الشَّنْقيطيُّ (ت:١٣٩٣): «... فقوله ﵁ إلاَّ فهماً يعطيه الله رجلاً في كتابِ اللهِ، يدلُّ على أنَّ فَهْمَ كتابِ اللهِ تتجدَّدُ به العلومُ والمعارفُ التي لم تكنْ عند عامَّةِ الناسِ، ولا مانعَ من حمل الآيةِ على ما حملها المفسِّرونَ، وما ذكرْناه أيضاً أنَّه يُفْهَمُ منها، لِمَا تَقَرَّرَ عندَ العلماءِ مِنْ أنْ الآيةَ إنْ كانتْ تحتملُ معانيَ كلُّها صحيحٌ، تَعَيَّنَ حَمْلُهَا على الجميعِ، كما حَقَّقَه بأدلتِهِ الشيخُ تَقِيُّ الدِّينِ أبو العباسِ بنُ تَيمِيَّةَ ﵀ في رسالتِهِ في علومِ القرآنِ (٣)» (٤). ٤ - جعلَ الطَّاهِرُ بنُ عاشورَ (ت:١٣٩٣) مقدمةً منْ مقدماتِ تفسيرِهِ خاصَّةً بهذه القاعدة، وعَنْوَنَ لها بقولِه: «المقدِّمَةُ التَّاسِعَةُ: في أنَّ المعاني التي تَتَحَمَّلُها جُمَلُ القرآنِ، تُعْتَبَرُ مُرَادَةً بها» (٥)، وتحدث في هذه المقدمةِ بما يقربُ منْ عَشْرِ صفحاتٍ.

стр. 596

عودٌ إلى قاعدةِ: إذا ورد أكثر من معنى لغوي صحيح تحتمله الآية بلا تضادٍ، جاز تفسير الآية بها. سأجعل الحديث في هذه القاعدةِ على قسمين: الأول: المحتملاتِ اللُّغويَّةِ الواردة عن السَّلفِ. الثَّاني: المحتملاتِ اللُّغويَّةِ الواردةِ عنِ غير السَّلفِ. القسمُ الأول: المحتملات اللغوية الواردة عن السلف: الحديثُ عنِ المحتملاتِ اللُّغويَّةِ الواردةِ عنِ السَّلفِ تابعٌ للقاعدةِ السَّابقةِ قبلَها، وذلكَ أنَّه إذا وردَ عنهم أكثرُ منْ مُحْتَمَلٍ لُغويٍّ في تفسيرِ آيةٍ، فإنَّ الأصلَ قبولُها لغةً، وكذا تفسيراً إنْ لَمْ يمنعْ مانعٌ من قبولِها كلِّها في التَّفسيرِ، كأنْ تكونَ مُتضادَّةً، أو لغيرِ ذلكَ منَ الأسبابِ التي ليسَ هذا مَحَلُّها. ومنَ الأمثلةِ الواردةِ عنِ السَّلفِ: تفسيرُ قولِه تعالى: ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً﴾ [التوبة: ٨]، فقدْ ورد عنهم في معنى «الإلِّ» ثلاثةُ أقوالٍ: الأوَّلُ: اللهُ، وهو قولُ: سعيدِ بنِ جبيرٍ (ت:٩٤) (١)، ومجاهدٍ (ت:١٠٤) (٢)، وأبي مِجْلَز (ت:١٠٦) (٣)، وعكرمة (ت:١٠٥) (٤). الثَّاني: القَرَابَةُ، وهو قولُ: ابنِ عباسٍ (ت:٦٨) منْ طُرُقٍ عنه (٥)،

стр. 597

والضَّحَّاكِ (ت:١٠٥) (١)، والسُّدِّيِّ (ت:١٢٨) (٢). الثَّالثُ: العَهْدُ، وهو قولُ مجاهدٍ (ت:١٠٤) (٣)، وعبد الرحمن بنُ زيدٍ (ت:١٨٢) (٤). وعنْ قتادةَ (ت:١١٧): الحِلْفُ (٥)، وهو بمعنى العَهْدِ والعَقْدِ. وإنَّمَا كَرَّرَ لَمَّا اختلفَ اللَّفظانِ، قالَ ابنُ زيدٍ (ت:١٨٢): «لا يرقبونَ فيكم عهداً ولا ذِمَّةً. قال: إحداهما من صاحبتِها كهيئةِ غفورٍ رحيمٍ، قالَ: فالكلمةُ واحدةٌ، وهي تَفْتَرِقُ. قالَ: والعَهْدُ هو الذِّمَّةُ (٦)» (٧). إنَّ هذه المحتملاتِ يُحْكَمُ بِصِحَّتِهَا من جهةِ اللُّغةِ، لورودها عن السَّلفِ، كما سبق بيانُ ذلك، ومنْ ثَمَّ تكونُ هذه التفسيراتُ مِن مدلولاتِ لفظِ «الإلِّ» اللُّغويَّةِ. وإذا نظرتَ إلى هذه المعاني المختلفةِ، لم تجدْ بينها تَضَادّاً، كما لا يوجدُ مانعٌ آخرُ يمنعُ مِن الحَمْلِ على هذه المعاني جميعاً، ومنْ ثَمَّ، فإنَّه يجوزُ حَمْلُ هذه المعاني جميعِها على الآيةِ. وإن اعْتَرَضَ معترضٌ على المعنى الأوَّلِ بما قالَه الزَّجَّاجُ (ت:٣١١): «وقيلَ الإلُّ: اسمٌ من أسماءِ اللَّهِ. وهذا عندنا ليسَ بالوجهِ؛ لأنَّ أسماءَ اللهِ جَلَّ وَعَزَّ معروفةٌ معلومةٌ، كما سُمِعتْ في القرآنِ، وتُلِيتْ في الأخبارِ، قالَ اللهُ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، فالدَّاعي يقولُ:

стр. 598

يا اللهُ، يا رحمنُ، يا ربُّ، يا مؤمنُ، يا مهيمنُ، ولم يُسْمَعْ يا إِلُّ في الدعاءِ» (١). فالجوابُ: إنَّ هذا الاعتراضَ ليسَ بصحيحٍ، لورودِ هذا المعنى عن السَّلفِ العالمينِ بتفسيرِ كتابِ اللهِ، وجَهْلُ الزَّجَّاجِ (ت:٣١١) وغيرِهِ من اللُّغويِّينَ لهذا المعنى لا يعني صِحَّةَ إنكارِهم، ولا يمتنعُ أنْ يكونَ هذا اللَّفظُ بهذا المعنى مِمَّا اشتركتْ فيه اللُّغاتُ فكادَ أنْ يَنْدَرِسَ منْ لغةِ العربِ وبقيَ في اللُّغاتِ التي لها صِلَّةٌ بالعربيَّةِ؛ كالعبريَّةِ التي بقِيَ فيها هذا المدلولُ، وهو يطلقُ على اللهِ سبحانَه، فَحَفِظَ هؤلاء السَّلفُ هذا المعنى وعَلِمُوه، ومنْ حفِظَ حُجَّةٌ على مَنْ لمْ يَحْفَظْ. ومِمَّا يُستأنسُ به في هذا أنَّ بعضَ الأسماءِ العربيَّةِ كانتْ تنتهي بإلٍّ أو إيلٍ، قالَ ابنُ دُرَيدٍ (ت:٣٢١): «قال ابنُ الكَلْبِيِّ (٢): كُلُّ اسمٍ في العربِ آخرُهُ إلٌّ أو إيلٌ، فهو مضافٌ إلى اللهِ ؛ نَحْوُ: شُرَحْبيلَ، وعبدِ يَالِيلَ، وشَرَاحِيلَ، وشِهْمِيلَ، وما أشبَهَ هذا ... وقدْ كانتِ العربُ ربَّما تجيءُ بالإلِّ في معنى اسمِ اللهِ جَلَّ وَعَزَّ، قالَ أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ لما تُلِيَ عليه سَجْعُ مُسَيلِمَةَ ـ: إنَّ هذا شيءٌ ما جاءَ مِنْ إلٍّ ولا بِرٍّ، فأينَ ذهبَ بكم؟!» (٣).

стр. 599

ولهذا جعلَ بعضُ العلماءِ الإِلَّ نظيرَ ما وردَ في بعضِ الأسماءِ الأعجميَّةِ؛ كجبريلَ، وميكائيلَ، قال أبو مِجْلَزٍ (ت:١٠٦) في تفسيرِه لمعنى الإلِّ: «مثل قولِه: جبرائيلَ، ميكائيلَ، إسرافيلَ ـ كأنه يقولُ: يضيفُ جَبْرَ، ومِيكَا، وإسْرَافَ، إلى إيل ـ يقول: عبد الله، ﴿لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ﴾ [التوبة: ١٠]؛ كأنه يقول: لا يرقبونَ اللهَ» (١). وفيما وردَ عنْ أبي بكرٍ في خبرِ مُسَيلمَةَ الكذَّابِ، قولُه: «ما خرجَ هذا منْ إلٍّ» (٢)، قال أبو عُبَيدٍ (ت:٢٢٤): «قوله: من إلٍّ؛ يعني: من ربٍّ. ويُروى عن الشَّعْبِيِّ أنَّه قالَ في قولِه تعالى: ﴿لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً﴾ [التوبة: ١٠]، قالَ: اللهُ، أو قالَ رَبّاً. ومِمَّا يُبَيِّنُ هذا، قولُه: جَبْرَئلَّ، ومِيكَائلَّ، إنَّمَا أُضِيفَ جَبْرَ ومِيكَا إلى إلَّ» (٣). وأقلُّ ما يقالَ إنَّ هذا الاسمَ؛ أعني: الإلَّ، مِمَّا عُرِّبَ، فصارَ كغيرِه مِنَ الأعلامِ المعرَّبَةِ، قالَ الأزهريُّ (ت:٣٧٠): «وقالَ (٤): وإيلُ: اسمٌ مِنْ أسماءِ اللهِ بالعِبْرَانِيَّةِ (٥).

стр. 600

قلتُ: وجائزٌ أنْ يكونَ أُعْرِبَ فقيلَ: إسرائيلُ، وإسماعيلُ؛ كقولِك: عبدُ اللهِ، وعُبَيدُ اللهِ» (١). والمقصودُ أنَّ ما ذكرَهُ السَّلفُ منْ تفسيرِ الإلِّ بهذه المعاني، فإنَّه يقبلُ عنهم ولا يُردُّ، وكان هذا مِمَّا يتميَّزُ به الطَّبريُّ (ت:٣١٠)، حيث قال: «وأولى الأقوالِ في ذلكَ بالصَّوابِ أنْ يقالَ: إنَّ اللهَ ـ تعالى ذِكْرُه ـ أخبرَ عنْ هؤلاءِ المشركينَ الَّذينَ أمرَ نبيَّه والمؤمنينَ بقتلِهم بعدَ انسلاخِ الأشهرِ الحُرُمِ، وحَصْرِهم، والقعودِ لهم على كلِّ مرصدٍ: أنهم لو ظهروا على المؤمنين لم يرقبوا فيهم إلًّا. والإلُّ: اسم يشتملُ على معانٍ ثلاثةٍ، وهي: العَهْدُ والعَقْدُ والحِلْفُ، والقَرَابَةُ، وهو أيضاً بمعنى: الله. فإذا كانتِ الكلمةُ تشملُ هذه المعاني الثلاثةَ، ولم يكنِ اللهُ خَصَّ من ذلك معنًى دونَ معنًى، فالصَّوابُ أنْ يُعَمَّ ذلكَ كما عَمَّ بها ـ جلَّ ثناؤه ـ معانيَها الثلاثَة، فيقالُ: لا يرقبونَ في مؤمنٍ اللهَ ولا قرابةً ولا عهداً ولا ميثاقاً ...» (٢). وهذا الذي عَمِلَ به الطَّبريُّ (ت:٣١٠) هو الأصلُ في التَّعامُلِ مع ما يَرِدُ عنِ السَّلفِ من التفسيراتِ اللُّغويَّةِ المحتملةِ في الآيةِ، واللهُ أعلمُ. هذا، ويجوزُ في مثلِ هذه المحتملاتِ في بعضِ الأمثلةِ تقديمُ بعضِها على بعضٍ لأسبابٍ تدعو إلى ذلك؛ كأنْ يكونَ السِّياقُ أليقَ بأحدِ هذه
следующие страницы →