← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 13873

التفسير اللغوي للقرآن الكريم

مساعد الطيار

Полный текст (714 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

عودٌ إلى قاعدةِ: إذا ورد أكثر من معنى لغوي صحيح تحتمله الآية بلا تضادٍ، جاز تفسير الآية بها. سأجعل الحديث في هذه القاعدةِ على قسمين: الأول: المحتملاتِ اللُّغويَّةِ الواردة عن السَّلفِ. الثَّاني: المحتملاتِ اللُّغويَّةِ الواردةِ عنِ غير السَّلفِ. القسمُ الأول: المحتملات اللغوية الواردة عن السلف: الحديثُ عنِ المحتملاتِ اللُّغويَّةِ الواردةِ عنِ السَّلفِ تابعٌ للقاعدةِ السَّابقةِ قبلَها، وذلكَ أنَّه إذا وردَ عنهم أكثرُ منْ مُحْتَمَلٍ لُغويٍّ في تفسيرِ آيةٍ، فإنَّ الأصلَ قبولُها لغةً، وكذا تفسيراً إنْ لَمْ يمنعْ مانعٌ من قبولِها كلِّها في التَّفسيرِ، كأنْ تكونَ مُتضادَّةً، أو لغيرِ ذلكَ منَ الأسبابِ التي ليسَ هذا مَحَلُّها. ومنَ الأمثلةِ الواردةِ عنِ السَّلفِ: تفسيرُ قولِه تعالى: ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً﴾ [التوبة: ٨]، فقدْ ورد عنهم في معنى «الإلِّ» ثلاثةُ أقوالٍ: الأوَّلُ: اللهُ، وهو قولُ: سعيدِ بنِ جبيرٍ (ت:٩٤) (١)، ومجاهدٍ (ت:١٠٤) (٢)، وأبي مِجْلَز (ت:١٠٦) (٣)، وعكرمة (ت:١٠٥) (٤). الثَّاني: القَرَابَةُ، وهو قولُ: ابنِ عباسٍ (ت:٦٨) منْ طُرُقٍ عنه (٥)،

стр. 597

والضَّحَّاكِ (ت:١٠٥) (١)، والسُّدِّيِّ (ت:١٢٨) (٢). الثَّالثُ: العَهْدُ، وهو قولُ مجاهدٍ (ت:١٠٤) (٣)، وعبد الرحمن بنُ زيدٍ (ت:١٨٢) (٤). وعنْ قتادةَ (ت:١١٧): الحِلْفُ (٥)، وهو بمعنى العَهْدِ والعَقْدِ. وإنَّمَا كَرَّرَ لَمَّا اختلفَ اللَّفظانِ، قالَ ابنُ زيدٍ (ت:١٨٢): «لا يرقبونَ فيكم عهداً ولا ذِمَّةً. قال: إحداهما من صاحبتِها كهيئةِ غفورٍ رحيمٍ، قالَ: فالكلمةُ واحدةٌ، وهي تَفْتَرِقُ. قالَ: والعَهْدُ هو الذِّمَّةُ (٦)» (٧). إنَّ هذه المحتملاتِ يُحْكَمُ بِصِحَّتِهَا من جهةِ اللُّغةِ، لورودها عن السَّلفِ، كما سبق بيانُ ذلك، ومنْ ثَمَّ تكونُ هذه التفسيراتُ مِن مدلولاتِ لفظِ «الإلِّ» اللُّغويَّةِ. وإذا نظرتَ إلى هذه المعاني المختلفةِ، لم تجدْ بينها تَضَادّاً، كما لا يوجدُ مانعٌ آخرُ يمنعُ مِن الحَمْلِ على هذه المعاني جميعاً، ومنْ ثَمَّ، فإنَّه يجوزُ حَمْلُ هذه المعاني جميعِها على الآيةِ. وإن اعْتَرَضَ معترضٌ على المعنى الأوَّلِ بما قالَه الزَّجَّاجُ (ت:٣١١): «وقيلَ الإلُّ: اسمٌ من أسماءِ اللَّهِ. وهذا عندنا ليسَ بالوجهِ؛ لأنَّ أسماءَ اللهِ جَلَّ وَعَزَّ معروفةٌ معلومةٌ، كما سُمِعتْ في القرآنِ، وتُلِيتْ في الأخبارِ، قالَ اللهُ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، فالدَّاعي يقولُ:

стр. 598

يا اللهُ، يا رحمنُ، يا ربُّ، يا مؤمنُ، يا مهيمنُ، ولم يُسْمَعْ يا إِلُّ في الدعاءِ» (١). فالجوابُ: إنَّ هذا الاعتراضَ ليسَ بصحيحٍ، لورودِ هذا المعنى عن السَّلفِ العالمينِ بتفسيرِ كتابِ اللهِ، وجَهْلُ الزَّجَّاجِ (ت:٣١١) وغيرِهِ من اللُّغويِّينَ لهذا المعنى لا يعني صِحَّةَ إنكارِهم، ولا يمتنعُ أنْ يكونَ هذا اللَّفظُ بهذا المعنى مِمَّا اشتركتْ فيه اللُّغاتُ فكادَ أنْ يَنْدَرِسَ منْ لغةِ العربِ وبقيَ في اللُّغاتِ التي لها صِلَّةٌ بالعربيَّةِ؛ كالعبريَّةِ التي بقِيَ فيها هذا المدلولُ، وهو يطلقُ على اللهِ سبحانَه، فَحَفِظَ هؤلاء السَّلفُ هذا المعنى وعَلِمُوه، ومنْ حفِظَ حُجَّةٌ على مَنْ لمْ يَحْفَظْ. ومِمَّا يُستأنسُ به في هذا أنَّ بعضَ الأسماءِ العربيَّةِ كانتْ تنتهي بإلٍّ أو إيلٍ، قالَ ابنُ دُرَيدٍ (ت:٣٢١): «قال ابنُ الكَلْبِيِّ (٢): كُلُّ اسمٍ في العربِ آخرُهُ إلٌّ أو إيلٌ، فهو مضافٌ إلى اللهِ ؛ نَحْوُ: شُرَحْبيلَ، وعبدِ يَالِيلَ، وشَرَاحِيلَ، وشِهْمِيلَ، وما أشبَهَ هذا ... وقدْ كانتِ العربُ ربَّما تجيءُ بالإلِّ في معنى اسمِ اللهِ جَلَّ وَعَزَّ، قالَ أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ لما تُلِيَ عليه سَجْعُ مُسَيلِمَةَ ـ: إنَّ هذا شيءٌ ما جاءَ مِنْ إلٍّ ولا بِرٍّ، فأينَ ذهبَ بكم؟!» (٣).

стр. 599

ولهذا جعلَ بعضُ العلماءِ الإِلَّ نظيرَ ما وردَ في بعضِ الأسماءِ الأعجميَّةِ؛ كجبريلَ، وميكائيلَ، قال أبو مِجْلَزٍ (ت:١٠٦) في تفسيرِه لمعنى الإلِّ: «مثل قولِه: جبرائيلَ، ميكائيلَ، إسرافيلَ ـ كأنه يقولُ: يضيفُ جَبْرَ، ومِيكَا، وإسْرَافَ، إلى إيل ـ يقول: عبد الله، ﴿لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ﴾ [التوبة: ١٠]؛ كأنه يقول: لا يرقبونَ اللهَ» (١). وفيما وردَ عنْ أبي بكرٍ في خبرِ مُسَيلمَةَ الكذَّابِ، قولُه: «ما خرجَ هذا منْ إلٍّ» (٢)، قال أبو عُبَيدٍ (ت:٢٢٤): «قوله: من إلٍّ؛ يعني: من ربٍّ. ويُروى عن الشَّعْبِيِّ أنَّه قالَ في قولِه تعالى: ﴿لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً﴾ [التوبة: ١٠]، قالَ: اللهُ، أو قالَ رَبّاً. ومِمَّا يُبَيِّنُ هذا، قولُه: جَبْرَئلَّ، ومِيكَائلَّ، إنَّمَا أُضِيفَ جَبْرَ ومِيكَا إلى إلَّ» (٣). وأقلُّ ما يقالَ إنَّ هذا الاسمَ؛ أعني: الإلَّ، مِمَّا عُرِّبَ، فصارَ كغيرِه مِنَ الأعلامِ المعرَّبَةِ، قالَ الأزهريُّ (ت:٣٧٠): «وقالَ (٤): وإيلُ: اسمٌ مِنْ أسماءِ اللهِ بالعِبْرَانِيَّةِ (٥).

стр. 600

قلتُ: وجائزٌ أنْ يكونَ أُعْرِبَ فقيلَ: إسرائيلُ، وإسماعيلُ؛ كقولِك: عبدُ اللهِ، وعُبَيدُ اللهِ» (١). والمقصودُ أنَّ ما ذكرَهُ السَّلفُ منْ تفسيرِ الإلِّ بهذه المعاني، فإنَّه يقبلُ عنهم ولا يُردُّ، وكان هذا مِمَّا يتميَّزُ به الطَّبريُّ (ت:٣١٠)، حيث قال: «وأولى الأقوالِ في ذلكَ بالصَّوابِ أنْ يقالَ: إنَّ اللهَ ـ تعالى ذِكْرُه ـ أخبرَ عنْ هؤلاءِ المشركينَ الَّذينَ أمرَ نبيَّه والمؤمنينَ بقتلِهم بعدَ انسلاخِ الأشهرِ الحُرُمِ، وحَصْرِهم، والقعودِ لهم على كلِّ مرصدٍ: أنهم لو ظهروا على المؤمنين لم يرقبوا فيهم إلًّا. والإلُّ: اسم يشتملُ على معانٍ ثلاثةٍ، وهي: العَهْدُ والعَقْدُ والحِلْفُ، والقَرَابَةُ، وهو أيضاً بمعنى: الله. فإذا كانتِ الكلمةُ تشملُ هذه المعاني الثلاثةَ، ولم يكنِ اللهُ خَصَّ من ذلك معنًى دونَ معنًى، فالصَّوابُ أنْ يُعَمَّ ذلكَ كما عَمَّ بها ـ جلَّ ثناؤه ـ معانيَها الثلاثَة، فيقالُ: لا يرقبونَ في مؤمنٍ اللهَ ولا قرابةً ولا عهداً ولا ميثاقاً ...» (٢). وهذا الذي عَمِلَ به الطَّبريُّ (ت:٣١٠) هو الأصلُ في التَّعامُلِ مع ما يَرِدُ عنِ السَّلفِ من التفسيراتِ اللُّغويَّةِ المحتملةِ في الآيةِ، واللهُ أعلمُ. هذا، ويجوزُ في مثلِ هذه المحتملاتِ في بعضِ الأمثلةِ تقديمُ بعضِها على بعضٍ لأسبابٍ تدعو إلى ذلك؛ كأنْ يكونَ السِّياقُ أليقَ بأحدِ هذه

стр. 601

المحتملاتِ، أو أنْ يكونَ بعضُها أغلبَ وأشهرَ في مدلولِ اللَّفظِ، أو غيرُ ذلك. وليسَ في هذا خروجٌ عنِ الأصلِ؛ لأنَّ العملَ هنا على تقديمِ الأولى في معنى الآيةِ، وليسَ على إبطالِ غيرِه، ولو أعْمَلَ أحدٌ جميعَ هذه المعاني المحتملةِ، لكانَ مذهباً معروفاً ولا مَلاَمَةَ في ذلك. والله أعلم. مثالُ ذلك، ما ورد في قوله تعالى: ﴿لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلاَ شَرَابًا﴾ [النبأ: ٢٤]، أي: لا يذوقونَ في النَّارِ ـ والعياذُ باللهِ منها ـ ما يُبَرِّدُ عليهم حرارتَها (١)، سواءً أكانَ ذلك التَّبريدُ بسببِ الماءِ أو الهواءِ الباردِ، وهذا هو المعنى المشهورُ في اللُّغةِ للبردِ. وقد وردَ قولٌ آخرُ في معنى البردِ، وهو النَّومُ، رواه ابن أبي حاتم (ت:٣٢٧) عن مُرَّةَ الطَّيِّبِ (ت:٧٦) (٢)، ونقلَهُ عنْ مجاهدٍ (ت:١٠٤) أيضاً (٣)، وهو قولُ أبي عبيدة (ت:٢١٠) (٤)، وتبعَهُ ابن قتيبة (ت:٢٧٦) (٥)، وقالَ به غيرُهم (٦). وإذا تأمَّلتَ هذين المعنيينِ وجدتَهما متناسبينِ مع السياقِ:

стр. 602

فعلى المعنى الأولِ: لا يذوقون في النَّارِ بردَ الهواءِ أو الماء الذي يُخفِّفُ حرَّ النَّارِ عنهم، ولا شراباً. وعلى المعنى الثاني: لا يذوقون في النَّارِ نوماً ولا شراباً. وكلا المعنيينِ صحيحٌ محتملٌ، غيرَ أنَّ المعنى الأولَ هو الأشهرُ الأظهرُ منْ معاني اللَّفظِ في لغةِ العربِ، قالَ الطَّبريُّ (ت:٣١٠): «وزعمَ بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ أنَّ البردَ في هذا الموضعِ النومُ (١) .... والنومُ وإنْ كانَ يُبَرِّدُ غليلَ العطشِ، فقيلَ له منْ أجلِ ذلكَ البردُ، فليسَ هو باسمِهِ المعروفِ، وتأويلُ كتابِ اللهِ على الأغلبِ من معروفِ كلامِ العربِ، دونَ غيرِه» (٢). وترجيحُ هذا المعنى لا يعني إبطالَ المعنى الآخرِ من جهة اللُّغةِ، كما أنَّه لو حملَها غيرُهُ على المعنيينِ، وجعلَ الآيةَ تدلُّ عليهما؛ على عادة بعضِ الألفاظِ القرآنيَّةِ في احتمالِه تعدُّدَ المعاني = لجازَ، واللهُ أعلمُ. القسم الثاني: المحتملات اللغوية الواردة عن غير السلف: لقدْ تشكَّلَ تفسيرُ السَّلفِ للقرآنِ، وصارَ أحدَ مصادرِ التَّفسيرِ لمنْ جاءَ بعدَهم، ولذا كانَ لزاماً لمنْ أرادَ التَّفسيرَ أنْ يرجعَ إلى أقوالِهم ويعتمدَها في فَهْمِ الآيةِ، وإلاَّ وقعَ في الخطأِ في التَّفسيرِ بسببِ عدمِ معرفةِ أقوالِهم، أو عدمِ الاعتمادِ عليها. ولقدْ كانَ عدمُ معرفةِ أقوالِ السَّلفِ، أو عدمُ الاعتمادِ عليها منْ منهجِ أهلِ البدعِ الذي يتميَّزُونَ به؛ لذا يَنْدُرُ أنْ تجدَ لهؤلاءِ اعتماداً على تفسيرِ السَّلفِ، كما لم يسلمْ منه طائفةٌ منَ اللُّغويِّينَ في بعضِ المواطنِ التَّفسيريَّةِ.

стр. 603

وقد كان من نتائجِ هذا المنهجِ أن وُجِدَتْ عندهم أقوالٌ شَاذَّةٌ في التَّفسيرِ، أو اعتراضاتٌ على تفسيرِ السَّلفِ، اعتماداً على تَوَسُّعِ لغةِ العربِ. وإذا نظرتَ إلى هذه القاعدةِ، فإنَّكَ سَتَجِدُ أنَّ قبولَ هذه المحتملاتِ عن غيرِ السَّلفِ ممكنٌ؛ لأنَّ فهمَ القرآنِ لا يقتصرُ على جيلٍ دونَ آخرٍ، لذا لم يقتصرِ التَّابعونَ على ما بلغَهم فيه عن الصَّحابةِ، ولا اقتصرَ تابعو التَّابعينَ على ما وَرَدَهُمْ عنِ الصَّحابةِ والتَّابعينَ (١). غيرَ أنَّ الأمرَ هاهنا يحتاجُ إلى ضوابطَ لقبولِ هذه المحتملاتِ، وقدْ اجتهدتُ في استنباطِها، فظهرَ لي منها (٢): ١ - أنْ لا تُناقضَ [أي: تبطل] ما جاءَ عنِ السَّلفِ. ٢ - أنْ يكونَ المعنى المُفَسَّرُ به صَحِيحاً.

стр. 604

٣ - أنْ تحتملَ الآيةُ المعنى في السياقِ. ٤ - أنْ لا يُقصَرَ معنى الآيةِ على هذا المحتملِ دون غيره. فإذا انتقضَ شيءٌ من هذه الضوابطِ حُكِمَ على التَّفسيرِ بالرَّدِّ وعدمِ القبولُ، وسأذكرُ في كُلِّ ضابطٍ مثالاً يوضِّح انتقاضَه، وبالله التوفيق. الضابط الأول: أن لا تناقض [أي: تبطل] ما جاء عن السلف: إذا وردَ قولٌ عنِ السَّلفِ في معنى آيةٍ، فإنه لا يجوزُ القولُ بضدِّه، ولا الاعتراضُ على ما جاءَ عنهم، بلْ يكونُ القولُ المناقضُ لقولِهم قولاً مُطَّرَحاً لا عبرةَ به. وقدْ يقعُ ذلكَ بسببِ الجهلِ بقولِهم، أو بسببِ عدمِ الاعتدادِ بهم وبما وردَ عنهم منْ تفسيرٍ، وهذا شأنُ أهلِ البدعِ. ومنَ الأمثلةِ في ذلكَ، قولُه تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٩]، فقدْ وردَ عنِ السَّلفِ أنَّ البكاءَ منَ الأرضِ والسَّماءِ بكاءٌ حَقِيقِيٌّ، ومنْ ذلكَ ما رواهُ سعيدُ بنُ جبيرٍ (ت:٩٤)، قالَ: «أتى ابنَ عباسٍ رجلٌ، فقال: يا أبا عباسٍ، أرأيتَ قولَ اللهِ ﵎: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٩]، فهل تبكي السَّماءُ والأرضُ على أحدٍ؟. قالَ: نعم. إنَّه ليسَ أحدٌ منَ الخلائقِ إلاَّ له بابٌ في السماءِ منه ينْزلُ رزقُهُ، وفيه يصعدُ عملُهُ، فإذا ماتَ المؤمنُ، فأغلِقَ بابُه منَ السَّماءِ الذي كان يصعدُ فيه عملُه، وينْزلُ منه رزقُهُ، بكى عليه. وإذا فَقَدَهُ مُصَلاَّهُ من الأرضِ التي كانَ يُصلِّي فيها، ويذكرُ اللهَ فيها، بَكَتْ عليه. وإنَّ قومَ فرعونَ لم يكنْ لهم في الأرضِ آثارٌ صالحةٌ، ولم يكنْ يصعدُ إلى السَّماءِ منهم خيرٌ، قالَ: فلم تَبْكِ عليهم السَّماءُ والأرضُ» (١).

стр. 605

وقدْ وردَ هذا التَّفسيرُ عنْ عليِّ بنِ أبي طالبٍ (ت:٤٠) (١)، وسعيدِ بنِ جبيرٍ (ت:٩٤) (٢)، وإبراهيمَ النَّخَعِيِّ (ت:٩٦) (٣)، ومجاهدَ (ت:١٠٤) (٤)، والضَّحَّاكِ بن مزاحم (ت:١٠٥) (٥)، وقتادةَ (ت:١١٧) (٦)، وعطاءَ الخُرَسَانِيِّ (ت:١٣٥) (٧). ورُوِيَ في ذلكَ حديثٌ ضعيفٌ عنْ رسولِ اللهِ ﷺ قالَ: «ما منْ مؤمنٍ إلاَّ وله بابانِ: بابٌ يصعدُ منه عملُه، وبابٌ ينْزلُ منه رزقُهُ، فإذا ماتَ بَكَيَا عليه، فذلك قولُه : ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٩]» (٨). ومن ثَمَّ، فالبكاءُ منَ السماءِ والأرضِ حقيقةٌ، وإنْ لم يَعْلَمِ البشرُ كيفيَّةَ

стр. 606

ذلك (١)، ولا يَصِحُّ إنكارُهُ لعدمِ رؤيةِ ذلكَ منهما؛ لأنَّ عَدَمَ المعرفةِ بِكُنْهِ ذلك لا يلزمُ منه عَدَمُ الوقوعِ، وهو من غيبِ اللهِ المستورِ، واللهُ أعلمُ. وقد وردتْ أقوالٌ فيها مُنَاقَضَةٌ لما وردَ عنِ السَّلفِ؛ لأنَّ فيها صَرْفاً للَّفظِ عن ظاهرِهِ، ومنها: ١ - ذهبَ به قومٌ مذاهبَ العربِ في قولِهم: بَكَتْهُ الرِّيحُ والبَرْقُ؛ كأنَّه يريدُ أنَّ اللهَ حينَ أهلكَ فرعونَ وقومَهُ وغرَّقَهم وأورثَ منازلَهم وجنَّاتِهم غيرَهم، لم يَبْكِ عليهم بَاكٍ، ولم يجزعْ جازعٌ، ولم يُوجَدْ لهم فَقَدٌ (٢). ٢ - وقالَ آخرونَ: أرادَ: فما بكى عليهم أهلُ السَّماءِ ولا أهلُ الأرضِ، فأقامَ السَّماءَ والأرضَ مقامَ أهلِها (٣). وهناكَ تأويلاتٌ أخرى تَخْرُجُ باللَّفظِ عن حقيقِته (٤)، اكتفيت بما ذَكَرْتُهُ هنا. هذا ما قالوه في تفسيرِ الآيةِ، فسلَّطوا عليها تأويلاتِهم المنحرفة، كما سلَّطوه على مذهب السَّلفِ فلم يسلمْ من تحريفاتهم، فقد جعلوا تفسيرَهم ليسَ منْ بابِ الحقيقةِ.

стр. 607

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ المعتزليُّ (ت:٥٣٨): «وكذلكَ ما يُرْوَى عنِ ابنِ عباسٍ ﵄ منْ بكاءِ مُصَلَّى المؤمنِ وآثارِهِ في الأرضِ، ومصاعدِ عملِه ومهابطِ رزقِهِ في السَّمَاءِ ـ تمثيلٌ» (١). وإذا كانَ هؤلاءِ لم يَحْتَشِمُوا في ظواهرِ القرآنِ، فَسَلَّطوا عليها التَّأويلَ المزعومَ فيه الرجوعُ إلى الحُجَجِ العقليَّةِ التي هي الدَّليلُ عندَهُم، وعليها تُعْرَضُ ظَوَاهِرُ القرآنِ (٢)، وهذا المذهبُ بمسمَّى التَّحريفِ أَوْلَى، فإذا كانَ هذا مذهبُهم في ظواهرِ القرآنِ = فمنْ بابٍ أَوْلَى أنْ لا يَحْتَشِمُوا في ألفاظِ منْ سواهُ. والمقصودُ أنَّ هذه التَّفاسيرَ المبتدَعَةَ تُنَاقضُ ما جاءَ عنِ السَّلفِ؛ لأنَّ قولَ السَّلفِ يجعلُ البكاءَ منَ السَّماءِ والأرضِ حقيقةً، كما هو ظاهرُ التَّنْزيل. وهذه الأقوالُ بأجمعِها لا تجعلُ لهما بُكَاءً. ومنْ ثَمَّ، فإنَّ ما ذهبوا إليه ـ من إنكارِ كَونِ السَّماءِ والأرضِ تبكيانِ ـ قولٌ مردودٌ، ولا يؤخذُ به؛ لعدمِ إمكانيَّةِ اجتماعه مع ما قالَه السَّلفُ في معنى الآيةِ، إذ هو مناقضٌ لقولِهم، واللهُ أعلمُ.

стр. 608

الضابط الثاني: أن يكون المعنى المفسَّر به صحيحاً: المرادُ بذلك أن يكونَ اللَّفظُ المفسِّرُ لألفاظِ القرآنِ وارداً عن العربِ، وهذا الضَّابطُ يفيدُ في رَدِّ التَّفاسيرِ التي يظهرُ عليها الصِّبغةُ اللُّغويَّةُ، وعندَ التَّحقيقِ يظهرُ أنَها لا تَمُتُّ للُغةِ العربِ بِصِلَةٍ، وغالباً ما تظهرُ هذه المعاني عندَ المبتدعةِ، وهي قسمانِ: القسمُ الأوَّلُ: أنْ يكونَ المعنى اللُّغويُّ مُسْتَحْدَثاً، وقدْ مَرَّ في الفصلِ السَّابقِ ذكرُ مثالٍ له، وهو تفسيرُ الاستواءِ عندَ جمهورِ المبتدعةِ من أهلِ التَّأويلِ (١)، وسأكتفي بما قد سبقَ ذِكْرهُ مما يتعلَّقُ بهذا القسمِ. القسمُ الثاني: أنْ يكونَ المعنى المُفَسَّرُ به مُصْطَلَحاً حَادِثاً، ومنْ ثَمَّ، فإنه لا يَمُتُّ لِلُغَةِ العربِ بِصِلةٍ، وتفسيرُ النُّصوصِ بالاصطلاحِ الحادثِ منْ أخطرِ التَّأويلِ وأشنعِهِ؛ لأنه يُبعدُ القرآنَ عنْ مدلولِه العربيِّ إلى مدلولاتٍ ما أَنزَلَ اللَّهُ بها منْ سلطانٍ، يقول ابنُ القيِّمِ (ت:٧٥١) ـ في معرضِ ذِكْرِهِ لأنواعِ التَّأويلِ الباطلِ ـ: «الرابع: ما لم يُؤلَفِ استعمالُهُ في ذلك المعنى في لغةِ المُخَاطَبِ، وإنْ أُلِفَ في الاصطلاحِ الحادثِ، وهذا موضعٌ زَلَّتْ فيه أقدامُ كثيرٍ منَ النَّاسِ، وضَلَّتْ فيه أفهامُهم، حيثُ تأوَّلوا كثيراً منْ ألفاظِ النُّصوصِ بما لم يُؤْلَف استعمالُ اللَّفظِ له في لغةِ العربِ البَتَّة، وإنْ كانَ معهوداً في اصطلاحِ المتأخرينَ، وهذا مما ينبغي التَّنَبُهُ له، فإنه حصلَ بسببِهِ منَ الكذبِ على اللهِ ورسولِهِ ما حصلَ؛ كما تَأَوَّلَتْ طائفةٌ قولَه تعالى: ﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾ [الأنعام: ٧٦] بالحركةِ، وقالوا: استَدلَّ بحركتِه على بطلانِ ربوبيَّتِهِ. ولا يُعْرَفُ في اللُّغةِ التي نزلَ بها القرآنُ أنَّ الأفولَ هو الحركةُ البَتَّةَ في موضعٍ واحدٍ. وكذلكَ تأويلُ «الأحد» بأنَّه الذي لا يتميَّزُ منه شيءٌ عنْ شيءٍ البَتَّةَ. ثمَّ قالوا: لو كانَ فوقَ العرشِ لم يكنْ أَحَداً. فإنَّ تأويلَ الأحدِ بهذا المعنى لا

стр. 609

يعرفُهُ أحدٌ منَ العربِ ولا أهلِ اللُّغةِ، ولا يُعرفُ استعمالُه في لغةِ القومِ في هذا المعنى في موضعٍ واحدٍ أصلاً، وإنَّما هو اصطلاحُ الجَهْمِيَّةِ، والفَلاَسِفَةِ، والمُعْتَزِلَةِ، ومن وافقَهم ...» (١). ومنْ ثَمَّ، فكلُّ تفسيرٍ ليسَ له أصلٌ في لغةِ العربِ فهو مردودٌ، وهذا الضابطُ يَرُدُّ كثيراً من التفاسيرِ المبنيَّةِ على المصطلحاتِ الحادثةِ، أيًّا كانتْ، وممنْ كانتْ؛ كتفاسيرِ الرافضةِ، وتفاسيرِ الصوفيَّةِ، وتفاسيرِ الباطِنَّيةِ (٢)، وتفاسيرِ الفلاسفةِ، والتفاسيرِ المبنيَّة على العلمِ التجريبيِّ العصريِّ، أو ما يُسمَّى ـ مغالطةً ـ بالتَّفسيرِ العصريِّ، وغيرها. وقدْ يكونُ شيءٌ من هذه المصطلحاتِ منْ مصطلحاتِ الأممِ غيرِ الإسلاميَّةِ، فيجتهِدُ الَّذي يتناولُ تفسيرَ الآياتِ في التوفيقِ بينَ ما جاءَ في القرآن، وما جاءَ عند هؤلاءِ الأقوامِ، وكثيراً ما يقعُ هذا عند الفلاسفةِ الَّذين عاشوا في ظلِّ الإسلامِ (٣).

стр. 610

وعمومُ هؤلاءِ الذينَ يفسرونَ بالمصطلحاتِ الحادثةِ: إمَّا أن يكون قولُهم عنْ جهلٍ. وإمَّا أنْ يكونَ عن هَوًى، فهم يعلمونَ الحقَّ ويخالفونَه. وإمَّا أنْ يجتمعَ فيهم هذان السَّببانِ اللَّذانِ هما سببُ الأقوالِ المنحرفةِ التي يظهر فيها الجرأة على تأويل كتاب الله بلا علم. وسأسوقُ لكلِّ قومٍ من هؤلاءِ مثالاً من تفاسيرهمِ، واللهُ المستعانُ. * من أمثلةِ تفاسيرِ الرَّافضةِ، تفسيرُ قوله تعالى: و ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، قالوا: أُولي الأمر: الأئمةُ من أهلِ البيتِ (١). وتخصيصُ أولي الأمرِ بأهلِ البيتِ، تحكُّمٌ لا دليلَ عليه، وهو مخالفٌ لتفسيرِ السَّلفِ، وهم فيه على وجهين:

стр. 611

الأول: هم الأمراء (١). الثاني: العلماء (٢). أمَّا مصطلحُ أهلِ البيتِ، وما لَحِقَه من أحكامٍ تخصُّهم عندهم ـ كالعصمةِ وغيرِها ـ فإنَّه جاءَ متأخِّراً، وحملوا عليه الآيةَ، وبنوا عليه وجوبَ طاعتهم دونَ غيرِهم، وغير ذلك من الأحكامِ التي تخصُّ أهلَ البيتِ عندهم. * ومن تفاسيرِ الفلاسفةِ (٣): تفسيرُ الأفولِ في قولِه تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لاَ أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦]، حيثُ فَسَّرَهُ بعضُ المعتزلةِ وغيرُهم منَ المبتدعةِ بأنَّه الحَرَكَةُ (٤)، وقصدوا بذلكَ أنَّ إبراهيمَ نَفَى ألوهيَّةَ هذه الكواكبِ بوجودِ الحَرَكَةِ فيها، والحَرَكَةُ دليلٌ على الحدوثِ، ومنْ ثَمَّ، فإنَّ هذه الكواكبَ مُحْدَثَةٌ مخلوقةٌ، والرَّبُّ لا تجوزُ عليه الحَرَكَةُ، فما جاءَ منَ النُّصوصِ التي فيها من صفاتِ اللهِ الاختياريَّةِ؛ كالنُّزولِ، والمجيءِ، وغيرِها، جعلوها تدلُّ على الحركةِ والانتقالِ، ثُمَّ أَوَّلُوهَا بسببِ هذه الدَّعْوَى.

стр. 612

وقد ردَّ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيمِيَّةَ (ت:٧٢٨)، على تفسيرِهم للأفولِ، فقالَ: «... الوجهُ الثَّالثُ: أنَّ الأُفُولَ هو المَغِيبُ والاحْتِجابُ، ليسَ هو مجرَّدَ الحركةِ والانتقالِ، ولا يقولُ أَحَدٌ ـ لا من أهلِ اللُّغةِ ولا من أهلِ التَّفسيرِ ـ: إنَّ الشمسَ والقمرَ في حَالِ مسيرِهما في السَّماءِ، إنهما آفلانِ، ولا يقولُ للكواكب المرئيَّةِ في السَّماءِ في حالِ ظهورِها وجريانِها: إنها آفلةٌ، ولا يقولُ عاقلٌ لكلِّ مَنْ مَشَى وسَافَرَ وطَارَ: إنه آفِلٌ. الوجهُ الرَّابعُ: أنَّ هذا القولَ الذي قَالُوه لمْ يَقُلْهُ أحدٌ من علماءِ السَّلفِ أهلِ التَّفسيرِ، ولا من أهلِ اللُّغةِ، بل هو منَ التَّفسيراتِ المُبْتَدَعَةِ في الإسلامِ، كما ذَكَرَ ذلكَ عثمانُ بنُ سعيدٍ الدَّارِمِيُّ (١) وغيرُه من علماءِ السُّنَّةِ، وبَيَّنُوا أنَّ هذا منَ التَّفسيرِ المُبْتَدَعِ. وبِسَبَبِ هذا الابتداعِ أخذَ ابنُ سِينَا (٢) وأمثالُه لفظَ الأفولِ بمعنى الإمكانِ كما قال في إشاراتِه: قال قومٌ: إنَّ هذا الشَّيءَ المحسوسَ موجودٌ لذاتِه واجبٌ لنفسه، لكنْ إذا تذكرتَ ما قيلَ في شرطِ واجبِ الوجودِ لم تجدْ هذا المحسوسَ واجباً، وتَلَوتَ قوله تعالى: ﴿لاَ أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦]، فإنَّ الهُوِيَّ في حَظِيرَةِ الإمكانِ أُفُولٌ (٣). فهذا قولُه. ومنَ المعلومِ بالضَّرورِة من لغةِ العربِ أنهم لا يُسَمُّونَ كلَّ مخلوقٍ موجودٍ آفِلاً، ولا كُلَّ موجودٍ بغيرِهِ آفِلاً، ولا كُلَّ موجودٍ يَجِبُ وجودُهُ بغيرِهِ لا بنفسِهِ آفِلاً، ولا ما كانَ من هذه المعاني التي يَعْنِيهَا هؤلاءِ بلفظِ الإمكانِ،

стр. 613

بل هذا أعظمُ افتراء على القرآنِ واللُّغةِ منْ تسميةِ كلِّ متحركٍ آفِلاً. ولو كانَ الخليلُ أرادَ بقولِه: ﴿لاَ أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦] هذا المعنى، لم ينتظرْ مغيبَ الكوكبِ والشَّمسِ والقَمَرِ، فَفَسَادُ قولِ هؤلاءِ المتفلسفةِ في الاستدلالِ بالآيةِ أظهرُ منْ فسادِ قولِ أولئكَ. وأعجبُ من هذا قولُ مَنْ قالَ في تفسيرِهِ: إن هذا قولُ المحققينَ (١). واستعارتُهُ لفظَ «الهُوِيِّ، والحَظِيرَةِ» لا يوجبُ تبديلَ اللُّغةِ المعروفةِ في معنى الأفولِ، فإنْ وَضَعَ هو لنفسِهِ وَضْعاً آخرَ، فليسَ له أنْ يتلوَ عليه كتابَ اللهِ تعالى فيبدِّله ويحرِّفهُ» (٢). * ومن أمثلةِ تفسيرِ القرآن بمصطلحاتِ العلمِ التَّجريبيِّ، الذي فُتِنَ به كثيرونَ، فصاروا يُجهِدونَ أنفسَهم في التوفيقِ بين ما في هذه العلوم التَّجريبيَّةِ الحديثةِ وبين نصوصِ القرآن، وقد أتوا في كثيرٍ من الأحيانِ بالطَّوامِّ، ولَيِّ أعناقِ النصوصِ إلى هذه العلومِ؛ كأنها هي الأصلُ، والقرآن تبعٌ لها، ومن أمثلةِ ذلك: يقول الشَّيخ أحمد محيي الدِّين العجوز ـ في كتابه (معالم القرآن في عوالم الأكوان) تحت عنوانِ: «حقيقة الذَّرَّةِ وطاقتها» ـ: «وقال العلماءُ قديماً: أنَّ الجوهرَ الفردَ (الذَّرَّةَ) لا يتجزَّأ (٣)، ولا يمكنُ له ذلكَ. بيدَ أنَّ علماء الذَّرَّةِ في عصرنا الحديثِ توصَّلوا إلى تجزئةِ الذَّرَّةِ،

стр. 614

وإلى معرفةِ وزنها. واعتبروا أنَّ وزنها (١.٦٦) جزءً من مليونِ مليارِ مليارِ جزءٍ من الغْرَامِ، فسبحان اللهِ الَّذِي خلقَ الذَّرَّةَ ونواتها وما فيها من طاقةٍ وكتلةٍ وقوَّةٍ. وإذ توصَّلَ رجالُ العلمِ الحديثِ إلى تجزئتها، فإنَّ القرآن الكريمَ أعلنَ ذلكَ صراحةً مشيراً لذلكَ بلفظِ (أصغر)؛ أي: أصغر من الذَّرَّةِ، فقال: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَانٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: ٦١]. وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَاتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَاتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٣]. فذكر اللهُ: ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾، وهو وزنُها، ﴿وَلاَ أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾، وهو جُزْؤها، فيكونُ القرآنُ قدْ سبقَ علماءَ الذَّرَّةِ بذكر ثقلها ووزنها وانقسامها، فكانَ ذلك معجزةً واضحةً» (١). وهذا المتعرِّضُ لتفسيرِ هذه الآية ـ كما ترى ـ لم يُجهِدْ نفسَه في البحثِ عن معنى الذَّرَّةِ في لغةِ العربِ ولا في قولِ المفسِّرينَ، إذ لا تجدُ لهم ذِكْراً عنده، بل حملها على مصطلحاتٍ حادثةٍ، فجعلها بمعنى الجوهرِ الفردِ عند المتكلِّمينَ، ثمَّ جعلها الذَّرَّة المعروفةَ في هذا العصرِ في اصطلاحِ الفيزيائيين والكيميائيين (٢)، وهلْ أُنزلَ القرآن على مصطلحاتِ المتكلمينَ أو منْ جاءَ بعدَهم؟!.

стр. 615

أينَ لغةُ من نزلَ القرآن بلسانهم؟!. إنَّ الذَّرَّةَ بلسانِ العربِ: النَّملةُ الصَّغيرةُ، وهذا هو المعنى المعروفُ من هذا اللَّفظِ، ولذا تجدُ في بعضِ المعاجمِ: «والذَّرُّ: جمع ذرَّة، معروفٌ»؛ أي أنَّ هذا المعنى لا يخفى على أحدٍ يتكلَّمُ هذه اللُّغةَ. وهذا المعنى هو المرادُ هنا، وَرَدَ ذلكَ عنِ ابنِ عباسٍ (ت:٦٨) (١). وقالَ الطَّبَرِيُّ (ت:٣١٠): «وقوله: ﴿مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾ [يونس: ٦١]: يعني: من زِنَةِ نملةٍ صغيرةٍ، يُحكَى عن العربِ: خُذْ هَذَا، فَإِنَّهُ أَخَفُّ مِثْقَالاً مِنْ ذَاكَ؛ أي: أخفُّ وزناً (٢). والذرة: واحدة الذر، والذر: صغار النمل» (٣). * ومن أمثلةِ التَّفسيراتِ العصريَّةِ الحديثة: ١ - ما ورد في كتابِ (الكتاب والقرآن ـ قراءة معاصرة) في تفسير المراد بالجيوب في قوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]: «والجيبُ ـ كما نعلم ـ: هو فتحةٌ لها طبقتانِ، لا طبقةٌ واحدةٌ؛ لأنَّ الأساسَ في (جيبِ) هو فعلُ (جوب) في اللسانِ العربيِّ، له أصلٌ واحدٌ، وهو الخرقُ في الشَّيء، ومراجعةُ الكلامِ: السؤال والجواب. فالجيوبُ في المرأةِ لها طبقتانِ، أو طبقتانِ مع خرقٍ، وهي: ما بين الثَّديينِ، وتحت الثَّديينِ، وتحت الإبطينِ، والفرج، والأليتينِ (٤)، هذه كلها جيوبٌ، فهذه الجيوبُ يجبُ على المرأةِ المؤمنةِ أن تغطيها، لذا قال: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾» (٥).

стр. 616

وهذا الكلامُ فيه اعتداءٌ على العربيَّةِ، وإدِّعاءٌ عليها في معنى الجيوبِ؛ لأنَّ المعنى الذي ذكره للجيب: «فتحة لها طبقتانِ»، معنًى مُحدَثٌ، وكأنَّه أخذه من المعنى الدارجِ بين العامَّةِ، وهو تسمية المخبأةِ جيباً، وهذا اصطلاحٌ حادثٌ، لم يُعهدْ في لسانِ العربِ، ولا من نزلَ فيهم الخطاب، ومن ثَمَّ لا يصحُّ استنباطٌ معنى لغوي منه، ولا حملُ القرآنِ عليه. والجيبُ في اللُّغةِ مأخوذٌ من مادة (جوب)، أو تكون الياء فيه أصليةً (١)، وتكونُ مادة مستقلَّةً، وكلاهما في جميع الأحوالِ يرجعانِ إلى أصلٍ واحدٍ يدلُّ على خرقِ الشَّيء أو قطعه (٢)، والمرادُ به في الآيةِ طوق الرأس مما يلي الرَّقبةَ، وهو ما يدخلُ فيه الرأسُ، والمعنى في ذلك أنْ تُغطِّيَ المرأةُ رأسها حتى يصلَ خمارُها إلى صدرِها فيتغطَّى منها الجيبُ. وهذا القائلُ، جعلَ معنى الجيبِ: الفتحةَ التي لها طبقتانِ، ثُمَّ حملَ الجيوبَ المذكورةَ على هذا المعنى الذي اختاره، تاركاً بذلكَ المعهودَ من لغةِ العرب، والمعروفَ من معنى الجيوبِ على من نزل القرآنُ بلغتِهم، وفسَّرُوه بفعلِهم، فأسدلوا الخمارَ حتى الصَّدرِ (٣). ٢ - وما ورد في كتاب (مفهوم النَّصِّ/ دراسة في علوم القرآنِ)، حيث ذكرَ المؤلِّفُ في تفسيرِ قوله تعالى: ﴿اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]، قال: «المسألةُ الأولى: أنَّ الأمر بالقراءةِ هنا أمرٌ بالتَّرديدِ، و «اقرأ»؛ معناها: «ردِّدْ»، وذلك على خلاف الفهمِ الشَّائعِ حتى الآنَ، والمستقر نتيجةَ تطوّرِ الشَّفاهيةِ إلى التدوينِ ...» (٤).

стр. 617

إنَّ هذا القائلَ يُثبتُ بنفسهِ أنَّ هذا المعنى خلافَ الفهمِ الشَّائعِ، فمن أيِّ لغةِ العربِ أخذَ هذا المعنى الجديد الذي جعله تفسيراً لكلامِ اللهِ سبحانَه، وعلى أي أصلٍ بنى تفسيره هذا (١). ولو سار قومٌ على مذهبه هذا لخرجَ لكتابِ اللهِ تفسيراتٌ كتفسيراتِ الباطنيَّةِ لا مرجع لها إلاَّ فهمُ القارئ للنَّصِّ، وهو حرٌّ في فهمه، وهذا خطرٌ عظيمٌ، وداءٌ جسيمٌ. إنَّ أي تفسيرٍ للفظٍ من ألفاظ القرآنِ لا يُؤخذ من لغةِ العربِ، فالتفسيرُ به غيرُ صحيحٍ البتَّةَ، وإلاَّ لقالَ كلُّ من هبَّ ودبَّ في القرآنِ، ولا ضابطَ لذلكَ ولا مرجعَ سوى قولِ القائلِ ورأيه واجتهادِه، وهذا يخالفُ الأصولَ العلميَّةَ الثَّابتةَ التي قعَّدَها العلماءُ في دراسةِ كتابِ اللهِ سبحانه. الضابط الثالث: أن تحتمل الآية المعاني في السياق: يظهرُ عند التأمُّلِ أنَّ هذا الضابطَ إنَّما هو نتيجةٌ لصحة سَيرِ الضَّابطَينِ السَّابقَينِ؛ أي: إذا كان التَّفسيرُ لا يناقضُ المنقولَ عنِ السَّلفِ، وهو معنًى صحيحٌ، فإنَّ حكمه في الغالبِ أنَّ تحتملَه الآيةُ. الضابط الرابع: أن لا يُقصَرَ معنى الآية عليها: إذا تَعدَّدتِ المعاني المحتملة للآيةِ، وكانَ هناكَ ما يدعو إلى تقديم قولٍ

стр. 618

على غيرِه من بابِ تقديمِ الأَوْلَى، فلا إشكالَ في ذلكَ، لأنَّ ذلكَ التَّقديم ليسَ فيه إلغاءٌ للأقوالِ الأخرى المحتملَةِ. والمقصودُ هنا أنْ يَقْتَصِرَ على معنًى ويُلْغِيَ غيرَهُ منَ الأقوالِ المحتملةِ إلغاءً تامّاً، وهذا المنهجُ مِمَّا يتميَّزُ به أهلُ البِدعِ، بلْ إنَّهم ـ أحياناً ـ لا يذكرونَ قولَ السَّلفِ، وإنْ ذكروه لم يُحْسنِوا عَرْضَهُ؛ لجهلِهِم بأقوالِ السَّلفِ ومعرفةِ معانيها. ومنَ الأمثلةِ التي وقعَ فيها قَصْرُ اللَّفظِ على أحد محتملاتِه، وإبطالُ غيرِهِ، ما وقعَ في تفسيرِ العِلْمِ في قولِه تعالى: ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، فقولُه: ﴿مِنْ عِلْمِهِ﴾ يحتملُ معنيينِ: الأوَّلُ: لا يحيطونَ بشيءٍ من معلوماتِهِ. الثاني: لا يحيطونَ بشيءٍ من عِلْمِ ذاتِهِ وصفاتِهِ (١). وقد قَصَرَ المبتدعةُ معنى هذا اللَّفظِ على الأَوَّلِ دونَ الثَّاني، إمَّا إنكاراً لِصفَةِ العلمِ الإلهيِّ، وإمَّا إنكاراً لتَبَعُض عِلْمِ اللهِ تعالى. قالَ القاضي عبدُ الجبارِ (ت:٤١٥): «فإنْ سألَ المُخالِفُ، فقالَ: إنَّ هذه الآية تدلُ على أنَّه تعالى عَلِمَ بِعِلْمٍ؛ لأنَّه قال: ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾. فجوابُه: أنَّ ظاهرَهُ يدلُّ على أنَّ عِلْمَهُ يَتَبَعَّضُ؛ لدخولِ لفظِ التَّبْعِيضِ فيه، فإنْ تَمَسَّكتم بالظَّاهرِ، فقولوا بذلكَ، وإنْ عدلتُم إلى أنَّ المرادَ بذلكَ المعلوماتِ لِيَصِحَّ التبعُّضُ فيها بذلكَ، سَقَطَ التَّعلقُ بالظَّاهِرِ.

стр. 619

والمرادُ بذلكَ: أنهم لا يحيطونَ بشيءٍ منْ معلوماتِه إلاَّ بما شاءَ أنْ يُعْلِمَهُمْ أو يدلَّهم عليه» (١). وقال ابنُ عَطِيَّةَ (ت:٥٤٢): «قوله: ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾، معناه: معلوماته. وهذا كقولِ الخَضِرِ لموسى ﵉ حينَ نَقَرَ العصفورُ منْ حرفِ السَّفينةِ ـ: ما نقصَ علمي وعلمُك منْ عِلْمِ اللهِ، إلاَّ كما نقص هذا العصفورُ منْ هذا البحرِ (٢)، فهذا وما شاكَلَهُ راجعٌ إلى المعلوماتِ؛ لأنَّ عِلْمَ اللهِ تعالى الذي هو صِفَةُ ذاتِهِ لا تَتَبَعَّضُ، ومعنى الآيةِ: لا معلومَ لأحدٍ، إلاَّ ما شاءَ اللهُ أنْ يُعْلِمَهُ» (٣). وليسَ قَصْرُ معنى «بعلمه» على معنىً واحدٍ بصوابٍ، بلِ الآيةُ تحتملُ الأمرينِ معاً، ولا تعارضَ بينهما، والأولُ يستلزمُ الثاني. قالَ الشيخُ ابنُ عُثيمِينَ (ت:١٤٢١): «وعِلْمُ في قولِه: ﴿عِلْمِهِ﴾ مصدرٌ يحتملُ أنَّه على بابهِ، ويحتملُ أنَّه بمعنى: معلومٍ؛ أي: لا يحيطونَ بشيءٍ مما يعلمُهُ اللهُ، إلاَّ بما شاءَ أنْ يُعْلِمَهُمْ إيَّاهُ، هذا احتمال. واحتمالٌ ثانٍ: ولا يحيطونَ بشيءٍ منْ عِلْمِهِ؛ أي: من علمِهِم نفسَهُ وصفاتهِ؛ يعني أنهم لا يحيطونَ بشيءٍ يعلمونَه في نَفْسِ اللهِ، أو في صفاتِه إلاَّ بما شاءَ؛ كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠]، فالآيةُ محتملةٌ للمعنيينِ جميعاً، وكلاهما صحيحٌ باعتبارِ الآيةِ، فنحنُ لا نعلمُ شيئاً منْ ذاتِ اللهِ أو صفاتِهِ إلا بما شاءَ عِلْمَنَا بهِ، فهو الَّذي أعْلَمَنَا أنَّه استوى على العرشِ، وهو الذي أَعْلَمَنَا على لسانِ رسولِه أنَّه ينزلُ إلى السَّماءِ الدُّنيا، وهكذا بقيةُ صفاتِهِ لا نعلمُها إلاَّ بما شاءَ. وكذلكَ معلوماتُهُ التي يعلمُها في السَّماواتِ وفي الأرضِ، لا نعلمُها إلاَّ بما شاءَ، فهو الذي أَعْلَمَنَا أنَّ هناكَ ملائكةٌ، وهو الذي أَعْلَمَنَا أنَّ هناكَ سبعُ

стр. 620

سماواتٍ، وهكذا بقيَّةُ المعلوماتِ لا نحيطُ بها عِلْماً إلاَّ بما شاءَ اللهُ، حتى المعلوماتِ التي بينَ أيدينا يجهلُها كثيرٌ منَّا، إلاَّ إذا شاءَ أنْ نَصِلَ إلى عِلْمِها، ففي الإنسانِ أشياءٌ لم يصلوا إليها حتى الآنَ، وكانوا يَصِلُونَ إليها شيئاً فشيئاً. فصارتِ الآيةُ شاملةً للمعنيينِ جميعاً، فنحنُ لا نعلمُ شيئاً مما يَعْلَمُهُ اللهُ، حتى فيما يتعلقُ بنا أنفسنا، إلاَّ ما شاءَ اللهُ. كما أنَّنَا لا نحيطُ بشيءٍ يتعلَّقُ بذاتِه وصفاتِه إلاَّ بما شاءَ» (١). وهذا هو الحقُّ والصَّوابُ، لا أنْ تُقْصَرَ الآيةَ على معنى ويُنْكَرَ ما تحتملُهُ بسببِ معتقدٍ فاسدٍ، ورأيٍ مناقضٍ لما كانَ عليه سلفُ الأمةِ. ويقربُ منْ هذا أنْ يكونَ للَّفظِ في مدلولِه أكثرَ من أصلٍ في إطلاقِ اللُّغةِ؛ مثلَ لفظِ الحكيمِ، يشملُ لفظَ العلمِ، فكلُّ حكيمٍ عليمٌ، وليسَ كلُّ عليمٍ حكيماً، وكذا لفظُ الخبيرِ يشملُ العليمَ، غيرَ أنَّ في معنى الخبيرِ زيادةٌ في الدلالةِ، وهي العلم ببواطنِ الأمورِ، وهكذا. ومنَ الأمثلةِ التي وقعَ فيها الاقتصارُ على أحد الأصلينِ في معنى اللَّفظِ دونَ غيرهِ، ما وقع من المعتزلةِ في تفسيرِ لفطِ الإذنِ في بعضِ مواطِنه منَ القرآن، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٦]، قال الرُّمَّانِيُّ (ت: ٣٨٤): «ويقالُ ما معنى الإذنِ هنا؟ الجوابُ فيه قولانِ، الأول: ... الثاني: بإذن اللهِ: بعلمِ اللهِ، منه قوله تعالى: ﴿فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، و ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٣]، و ﴿آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيْدٍ﴾ [فصلت: ٣٧]» (٢).

стр. 621

وتفسيرُ الإذنِ في هذا الموضعِ بالعلمِ تفسيرٌ للَّفظِ بجزءٍ منْ معناهُ؛ لأنَّ الإذنَ في هذا السياقِ يجمعُ بين معنيي الإباحة والعلمِ، وهو الإذنُ الكوني، أي: ما أصابكم يوم التقى الجمعانِ فبمشيئةِ اللهِ وقدرتِهِ (١). كما أنَّ تنظيرَه بهذه الآياتِ فيه خطأٌ؛ لأنها من آذنَه بالشَّيء يُؤذِنُه: إذا أعلمه. أمَّا التي في الآية الَّتي يُفسِّرُها، فهي من أَذِنَ بالشَّيء: إذا أباحَهُ له، ومثلُه: أَذِنَ له بالشيء (٢). والمعنى في ما يَرِدُ به الإذْنُ الكَونِيُّ أنَّه إباحةُ اللهِ للشَّيءِ بالوقوعِ؛ يعني مشيئتَهُ له، وعدمَ ردِّه له، ولا تعني هذه المشيئةُ محبَّةَ اللهِ لما يشاءُ منْ هذه المقاديرِ. أمَّا إذا كانَ الإذنُ شرعياً، فإنَّه من محبوباتِ اللهِ؛ مثل قولهِ تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩]، وقولهِ: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦]، وغيرِها، فهذا الإذنُ في هذه الآياتِ إذْنٌ شرعيٌّ محبوبٌ للهِ سبحانَه، واللهُ أعلمُ. مثالٌ لما انطبقت عليه الضوابط: وبعدُ، فإذا اجتمعتْ هذه الضوابطُ في مثالٍ تفسيريٍّ، فإنَّ المعنى اللُّغويَّ المحتملَ يقبلُ بِنَاءً على هذه القاعدةِ (إذا ورد أكثر من معنى لغوي صحيح تحتمله الآية بلا تضاد جاز تفسير الآية بها)، وسأذكرُ مثالاً للمحتملِ اللُّغويِّ الذي يمكنُ قَبُولُهُ. * في قولِه تعالى: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد: ٦]، وَرَدَ في تفسيرُ لفطِ «عَرَّفَها» معنيانِ:

стр. 622

الأول: وردَ عنِ السَّلفِ، وبعضِ اللُّغويينَ، والمعنى: أنَّ المسلمَ أعرفُ بدارِه في الجنَّةِ من دارِهِ الَّتِي في الدنيا، ويكون أصل معنى عرَّفها لهم من المعرفةِ والعلمِ بالشَّيء. وقد وردَ هذا التَّفسيرُ بهذا المعنى عنْ: مجاهد (ت:١٠٤) (١)، وقتادةَ (ت:١١٧) (٢)، وسلمةَ بن كُهَيلٍ (ت:١٢١) (٣)، والسُّدِّيِّ (ت:١٢٨) (٤)، والكَلْبِيِّ (ت:١٤٦) (٥)، وابنِ زيدٍ (ت:١٨٢) (٦). وقالَ به من اللغويين: الفراء (ت:٢٠٧) (٧) وأبو عبيدةَ (ت:٢١٠) (٨)، والنَّحَّاسُ (ت:٣٣٨) (٩). ويشهدُ لهذا التفسيرِ ما رواهُ الإمامُ البخاريُّ (ت:٢٥٦) في صحيحِه عن الرَّسولِ ﷺ قالَ: «إذا خَلُصَ المؤمنونَ منَ النَّارِ، حُبِسُوا بقنطرة بينَ الجنَّةِ والنَّارِ، يَتَقَاصُّونَ مظالِمَ كانتْ بينهم في الدُّنيا، حتى إذا هُذِّبوا ونُفُّوا، أُذِنَ لهم في دخولِ الجنَّةِ، والَّذي نفسي بيده إنَّ أحدَهم بِمَنْزلِهِ في الجنَّةِ، أهدى منه بمنْزلِهِ الَّذي كانَ في الدُّنيا» (١٠).

стр. 623

الثاني: حكاه ابن قتيبة (ت:٢٧٦) عن أهل اللغة، والمعنى: طيَّبَها لهم، من قولِهم: طعامٌ مُعَرَّفٌ؛ أي: مُطَيَّبٌ (١). وهذا المعنى لا يناقِضُ الواردَ عنِ السَّلفِ، وهو معنًى صحيحٌ منْ جهةِ اللُّغةِ، والآيةُ تحتملُه من غيرِ أنْ يُقْصَرَ عليها هذا المعنى، وإذا كانَ ذلكَ كذلكَ، فإنَّه يَصِحُّ التَّفسيرُ به، ويكونَ الاختلاف في هذا المثالِ من اختلافِ التَّنوُّعِ الذي يرجعُ إلى أكثرَ منْ معنًى، وسببُ الاختلافِ: الاشتراكُ اللُّغويُّ في لفظِ «عرَّفَهَا». ومنْ ثَمَّ، فالتَّفسيرُ على هذين المعنيين: ويدخل اللهُ المؤمنينَ الجنَّةَ الَّتِي أعلمهم منازلَهَم فيها، فعرفوها كما يعرفونَ بيوتهَم الَّتِي في الدُّنيا، وطيَّبَها لهم، فجعلها ذاتَ ريحٍ طيَّبةٍ. والله أعلم.

стр. 624

ثالثاً لا يصحُّ اعتمادُ اللغةِ دونَ غيرهَا من المصادرِ التفسيريَةِ لا إشكالَ في كونِ اللُّغةِ العربيَّةِ منْ أهمِّ مصادرِ التَّفسيرِ ، وأنَّه لا يصِحُّ لمُفَسِّرٍ أنْ يفسِّرَ القرآنَ وهو جاهلٌ بلغةِ العربِ، وقد سبق بيان شيءٍ من هذا. وسيكونُ الحديثُ هنا عن أنَّ اللُّغةَ لا تَسْتَقِلُّ بِفَهْمِ القرآنِ، وأنَّ الاعتماد عليها دونَ المصادرِ الأخرى يُوقِعُ في الغلطِ؛ لأنَّ التفسيرَ الصحيحَ قد يكونُ من جهةِ هذه المصادرِ، أو تكونُ هذه المصادرُ محدِّدةً للمعنى اللُّغويِّ المحتملِ عند تعدُّدِ وجوهِ التَّفسير، ومن أهمِّ هذه المصادرِ: ١ - القرآنُ نفسُه؛ لأنَّه قدْ يفسِّرُ بعضُه بعضاً. ٢ - ومعرفةُ السُّنَّةِ النَّبويَّةِ والتَّفسيرِ النَّبويِّ. ٣ - ومعرفةُ المصطلحاتِ الشَّرعيَّةِ. ٤ - وأقوالُ الصَّحابةِ والتَّابعينَ وأتباعِهم. ٥ - وأسبابُ النُّزولِ، وقَصَصُ الآيِ، وغيرُها مَمَّا قد يحُفُّ بآيةٍ دونَ غيرِها. فإذا استوعبَ المفسِّرُ هذه المعلوماتِ، وغيرَها من العلومِ التي يحتاجُها، أمكنَه أنْ يجتهدَ في التَّفسيرِ، ويرجِّحَ فيه بينَ الأقاويلِ. وسأذكرُ منَ الأمثلةِ ما يبيِّنُ أنَّ اعتمادها وحدها أوقعَ في مخالفةِ الصَّحيحِ من التَّفسيرِ المعتمدِ على المصادرِ الأخرى، ومنها:

стр. 625

١ - مخالفة المصطلحات الشرعيَّة: جاءَ الشَّرْعُ بمصطلحاتٍ جديدةٍ على العربِ، وإنْ كانَ أصلُ اللَّفظِ لا يزالُ باقياً في المصطلحِ، وإنَّما زادَ الشَّرعُ عليه بعضَ الضَّوابطِ، فخرجَ بذلكَ عنْ كونِه حقيقةً لغويةً، إلى كونِهِ مصطلحاً شرعيّاً. وقد كتبَ في هذا الموضوعِ بعضُ علماءِ اللُّغةِ؛ كابنِ قتيبةَ (ت:٢٧٦) في أوَّلِ كتابِه: غريبِ القرآنِ، وأبي حاتم الرازي (ت:٣٢٢) (١) في كتابهِ: الزِّينةِ في الكلماتِ الإسلاميَّةِ، وابنِ فارسٍ (ت:٣٩٥) في كتابهِ: الصَّاحبي في فقهِ اللُّغةِ (٢). كما كتبَ فيه علماءُ أصولِ الفقهِ (٣) والعقائدِ (٤) تحت مسمَّى (الحقيقةِ الشرعيةِ)، ونشأ عنْ ذلك قاعدةٌ في ما لو تجاذبَ اللفظَ الحقيقةُ اللُّغويَّةُ والحقيقةُ الشَّرعيَّةُ، أيُّهما يقدَّمُ؟ وكانتِ القاعدةُ: أنَّ الحقيقةَ الشَّرعيَّةَ مقدَّمةٌ على الحقيقةِ اللُّغويَّةِ، لأنَّ الشَّارع مَعْنِيٌّ ببيانِها لا ببيان اللُّغاتِ. والمقصودُ أنَّ الأصلَ في ما جاءَ منَ الأسماءِ الشَّرعيَّةِ في القرآنِ: أنْ يفسَّرَ على مصطلحِ الشَّرعِ، وإن فُسِّرَ على اللُّغةِ فقطْ، كانَ ذلكَ قصوراً وإخراجاً للَّفظِ عن مفهومِهِ الشَّرعيِّ.

стр. 626

وسأذكرُ لذلكَ مثالاً مشهوراً وقعَ في تفسيرِهِ اختلافٌ بينَ طوائفِ الأمَّةِ، وهو تفسيرُ الإيمانِ، والإيمانُ في المصطلحِ الشرعيِّ يشملُ: اعتقادَ القلبِ، وقولَ اللِّسانِ وعملَ الجوارحِ، وهو يزيدُ بالطَّاعةِ وينقصُ بالمعصيةِ. وقالَ قومٌ: هو التَّصديقُ، واستدلوا لذلكَ بأنَّه في أصلِ اللُّغةِ كذلكَ؛ كقولِ الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف: ١٧]، قالوا: ما أنتَ بِمُصَدِّقٍ. وقد بَنَوا على ذلك: أنَّ ما في القلبِ منَ الإيمانِ ليسَ إلاَّ التَّصديقُ فقط، دونَ أعمالِ القلوبِ، وأنَّ الإيمانَ الذي في القلبِ يكونُ تامّاً بدونِ شيءٍ من الأعمالِ، التي يجعلونَها من ثمرةِ الإيمانِ. ولما جاءوا إلى تأويلِ الآياتِ التي ذُكِرَ فيها زيادةُ الإيمانِ؛ كقولِه تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وأنكروا أنْ يكونَ في الإيمانِ ذاتِه زيادةٌ؛ لأنه عندَهم هو التَّصديقُ، وهو شيءٌ واحدٌ، لا يُتَصوَّرُ فيه الزيادةُ، وجعلوها زيادةً في متعلَّقاتِه، وليس في ذاتِه (١). وجَعْلُ الإيمانِ في اللُّغةِ مجرَّدَ التَّصديقِ فقط فيه قصورٌ في تحصيلِ معناه اللُّغويُّ، وهو تفسيرٌ للشيءِ بِجُزْءٍ من معناهُ؛ لأنَّ أصلَه الثلاثيَّ مِنْ مَادَّةِ أمِنَ، وهي تدلُّ على التَّصديقِ المقرونِ بالثَّقَةِ والسُّكونِ إلى المصدَّقِ به، لا مجرَّد التَّصديقِ. قالَ النَّضْرُ بنُ شُمَيلٍ (ت:٢٠٤): «قالوا للخليلِ: ما الإيمانُ؟ فقالَ: الطُّمَانِينَةُ» (٢). وقالَ الزَّجَّاجُ (ت:٣١١): «وَحَكَى أبو زيدٍ الأنصاريُّ: ما آمنتُ أنْ أَجِدَ صَحَابةً، أُومِنُ إيماناً؛ أي: ما وَثِقْتُ، فمعنى المؤمنِ ـ إذا وصفنا به

стр. 627

المخلوقين ـ: هو الواثقُ بما يعتقدُهُ، المُسْتَحْكِمُ الثِّقةِ» (١). وقال الراغبُ الأصفهانيُّ: «قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف: ١٧]، قيل: معناه: بمصدِّقٍ لنا، إلاَّ أنَّ الإيمانَ: هو التَّصديقُ الذي معه أمنٌ» (٢). والمقصودُ أنَّ تفسيرَ الإيمانِ في اللُّغةِ بأنَّه التَّصديقُ فقط، غيرُ دقيقٍ، بلْ فيه معنًى زائدٌ عنِ التَّصديقِ، كما هو ظاهرٌ من هذه النُّقُولِ، واللهُ أعلمُ. ومن ثَمَّ، فالإيمانُ الشَّرعيُّ يشملُ التَّصديقَ اللُّغويَّ، ويزيدُ عليه تحقيقَ هذا التَّصديقِ بالإتيانِ بالطَّاعاتِ، والبعدِ عنِ المعاصي، فيشملُ عملَ القلبِ واللِّسانِ والجوارحِ بمجموعِها. وهذا المصطلحُ يشبهُ غيرَه منَ المصطلحاتِ الشَّرعيَّةِ الواردةِ في الشَّرعِ؛ كالصَّلاةِ، والزَّكاةِ، والجهادِ، والصَّومِ، والتَّيمُّمِ، والاعتكافِ، وسبيلِ اللهِ، وغيرِها من المصطلحاتِ التي جاءتْ في الشَّرعِ. فالصَّلاةُ ـ مثلاً ـ في اللُّغةِ: الدُّعاءُ، وهي في الشَّرعِ تُطلقُ على أعمالٍ مخصوصةٍ بصفةٍ مخصوصةٍ؛ كصلاةِ الفرضِ، وصلاةِ الكسوفِ والخسوفِ، وصلاةِ العيدينِ، والصلاةِ على الميِّتِ. فالأصلُ اللُّغويُّ باقٍ في هذه الأعمالِ، ولكنَّها غيرُ محدودةٍ فيه، بلْ فيها زيادةُ أقوالٍ وأعمالٍ، فمن الأقوالِ: التَّكبيرُ، والتَّسبيحُ للهِ، والتَّشهدُ، والصَّلاةُ على النَّبيِّ ﷺ ، ومن الأعمالِ القيامُ، والرُّكوعُ والسُّجودُ، والجلوسُ بينَ السَّجدتينِ، والتَّسليمُ، وهذه بمجموعِها هي الصَّلاةُ الشَّرعيَّةُ. وحَمْلُ الإيمانِ على التَّصديقِ فقط، فيه تحكُّمٌ ظاهرٌ على الشَّريعةِ، وإنَّما كانَ هذا القصورُ بسببِ شُبهةٍ عارضةٍ أدَّتْ إلى هذا القولِ الذي عَمَّ

стр. 628

كثيراً منْ كُتُبُ التَّفسيرِ وغيرِها، وليس هذا مكانَ عرضِها؛ لطولِها، وخروجِها عن مقصودِ البحثِ، واللهُ الموفِّقُ. ومِمَّا يدلُّ على أنَّ الإيمانَ ليسَ التَّصديقَ فقط، إطلاقُه على بعضِ الأعمالِ الشَّرعيَّةِ؛ كالصَّلاةِ في قولِه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنْ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣] فقدْ أجمعَ السَّلفُ على أنَّ الإيمانَ في هذه الآيةِ الصَّلاةُ، وأنَّ المقصودَ بها صلاتُهم إلى بيتِ المقدسِ، حيث سألوا عنها بعدَ تحويلِ القبلةِ هل تَقَبَّلَ اللهُ منهم ومن إخوانِهم الذين ماتوا قبلَ أنْ يُصَلُّوا إلى الكعبةِ (١)؟. فسمَّى اللهُ الصَّلاةَ إيماناً؛ لأنَّها منَ الإيمانِ، من بابِ إطلاقِ الكُلِّ على الجزءِ. أمَّا المخالفونَ لمفهوم المصطلحِ الشَّرعيِّ للإيمانِ، فمن أقوالهم، ما قاله الواحديُّ (ت:٤٦٨): «والمفسرون يجعلون الإيمانَ ههنا بمعنى: الصَّلاةِ، ويمكنُ أنْ يُحملَ الإيمانُ ههنا على ما هو عليه من معنى التَّصديقِ، فيكونُ معنى الآية: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]؛ يعني: تصديقَكم بأمرِ القبلةِ» (٢). وقال الفخرُ الرَّازيُّ (ت:٦٠٤): «لا نُسَلِّمُ أنَّ المراد منَ الإيمانِ ههنا الصَّلاةُ (٣)، بلِ المرادُ منه التَّصديقُ والإقرارُ؛ فكأنَّه تعالى قال: إنَّه لا يُضيعُ تصديقَكم بوجوبِ تلكَ الصَّلاةِ.

стр. 629

سَلَّمْنَا أنَّ المرادَ منَ الإيمانِ ههنا الصَّلاةُ، ولكنَّ الصَّلاةَ أعظمُ الإيمانِ وأشرفُ نتائجهِ وفوائدِهِ، فجازَ إطلاقُ اسمِ الإيمانِ على الصَّلاةِ على سبيلِ الاستعارةِ منْ هذه الجهةِ» (١). وهذا مخالفٌ لمرادِ الآيةِ؛ لأنَّ المرادَ ما كانَ اللهُ ليضيعَ عملَكم، وهو الصَّلاةُ، لا تصديقَكم فقط. قال أبو المُظفَّرِ السَّمْعَانِيُّ (ت:٤٨٩) (٢): «... ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]؛ أي: صلاتكم، فجعل الصَّلاةَ إيماناً، وهذا دليلٌ على المرجئةِ، حيثُ لمْ يجعلوا الصَّلاةَ منَ الإيمانِ» (٣). والتصديقُ عندَهم شيءٌ واحدٌ، وهذا القولُ جعلَ التَّصديقَ يتجزَّأُ، فهذا في التصديق بأمرِ الصلاةِ، وهناك غيرُهُ من التصديقِ، ومن ثَمَّ، فقولُهم مخالفٌ لأصلِ مذهبِهم في أنَّ التَّصديقَ شيءٌ واحدٌ. والله أعلم. ٢ - مخالفة أسباب النُّزول: العلمُ بسببِ النُّزولِ وقصَّةِ الآيةِ منْ أهمِّ العلومِ للمفسِّرِ، لأنَّه يعينُ على فَهْمِ الآيةِ (٤). والمرادُ به ما كانَ صريحاً في السَّببيَّةِ، وهو ما وَقَعَ إثْرَ حادثةٍ أو سؤالٍ، أو كان في عبارة المفسِّرِ من الصَّحابةِ ما يدلُّ على صراحةِ السَّببيَّةِ (٥).

стр. 630

والمقصودُ أنَّ المفسِّرَ إذا جَهِلَ سَبَبَ النُّزولِ، فإنَّه قدْ يَحْمِلُ الآيةَ على مُحْتَمَلٍ لُغَويِّ، ويكونُ المعنى اللُّغويُّ الذي فسَّرَ به غيرَ مقصودٍ، ودليلُ عَدَمِ قَصْدِهِ سببُ النُّزولِ، أو قصَّةُ الآيةِ (١). ومنْ أمثلةِ ذلكَ: ما وردَ في تفسيرِ تثبيتِ الأقدامِ من قولِ اللهِ تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ﴾ [الأنفال: ١١]، قالَ أبو عبيدةَ (ت:٢١٠): «مجازه: يُفرِغ عليهم الصبر، ويُنْزِلُه عليهم، فيثبتون لعدوِّهم» (٢). وقِصَّةُ نزولِ الآيةِ تدلُّ على أنَّ المعنى اللُّغويَّ الَّذي ذَكَرَه غيرُ مرادٍ، وأنَّ المُرادَ: يُثَبِّتُ أقدامَهم التي يمشونَ بها على الرَّمْلِ كي لا تَسوخَ فيه، كما وردتْ بذلكَ الرِّوايةُ عنِ السَّلَفِ، منها ما قالَ ابنُ عباسٍ (ت:٦٨): «وذلك أنَّ المشركينَ من قريشٍ لما خرجوا لينصروا العيرَ ويقاتلوا عنها، نزلوا على الماءِ يومَ بدرٍ، فغلبوا المؤمنينَ عليه فأصابَ المؤمنينَ الظَّمأُ، فجعلوا يُصَلُّونَ مُجنِبين مُحدثينَ، حتى تعاظَم ذلك في صدورِ أصحابِ رسول ﷺ ، فأنزل اللهُ من السَّماءِ ماءً حتى سالَ الوادي، فشرِبَ المسلمونَ، وملأوا الأسقيةَ، وسَقَوا الرِّكابَ، واغتسلوا من الجنابةِ، فجعلَ اللهُ في ذلكَ طهوراً، وثبَّتَ الأقدامَ وذلكَ أنه كانت بينهم وبين القومِ رَمْلَةٌ، فبعث اللهُ عليها مطراً، فضربها حتَّى اشْتدَّتْ، وثبتتْ عليها الأقدامُ» (٣). قالَ الطَّبريُّ (ت:٣١٠): «وقد زعمَ بعضُ أهلِ العِلْمِ بالغريبِ من أهلِ

стр. 631

البصرةِ، أنَّ مجازَ قوله: ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ﴾: ويُفْرِغ عليهم الصَّبَر، ويُنْزِلُه عليهم، فيثبتونَ لعدوِّهم. وذلكَ قَولٌ خِلاَفٌ لِقَولِ جميعِ أهلِ التَّأويلِ منَ الصَّحابةِ والتَّابعينَ، وحَسْبُ قولٍ خطأً أنْ يكونَ خلافاً لقولِ منْ ذَكَرْنَا. وقدْ بيَّنَّا أقوالَهم فيه، وأنَّ معناه: ويُثَبِتَ أقدامَ المؤمنينَ بتلبيدِ المطرِ الرَّمْلَ حتَّى لا تَسُوخَ فيه أقدامُهم وحوافرُ دوابِّهم» (١). ٣ - مخالفة تفسير السَّلف: لقدْ كانَ الاعتمادُ على اللُّغةِ، وإهمالُ الواردِ عن السَّلفِ من التَّفسيرِ اللُّغويِّ أحدَ أسبابِ مخالفةِ تفسيرِ السَّلفِ، وقدْ يكونُ القولُ مما لا تحتملُه الآيةُ مع قولِ السَّلفِ (٢)، ومن ذلك: ما وردَ في تفسيرِ السَّلوى من قولِهِ تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ [البقرة:٥٧]، فالسَّلوى: طَيرٌ، بإجماعٍ منْ مفسري السَّلفِ، وإن اختلفوا في صفته (٣).

стр. 632

ونُقِلَ عنْ مُؤَرِّجٍ (ت:١٩٥)، أحدِ علماءِ اللُّغةِ: أنَّه العَسَلُ، واستدلَّ له بقولِ الهُذَلِيِّ (١): وَقَاسَمَهَا بِاللهِ جَهْداً لأنْتُمُ ... ألَذُّ مِنَ السَّلْوَى إذا مَا نَشُورُهَا وذكرَ أنَّه كذلكَ بِلُغَةِ كِنَانَةَ (٢)، وسُمِّيَ العسلُ بالسَّلوى؛ لأنه يُسْلَى به (٣). وكَونُ السلوى في لغةِ العربِ: العَسَلُ، لا يلزمُ منه صحَّةُ حملِه على معنى السَّلْوَى في الآية، قالَ ابنُ الأعرابيِّ (ت:٢٣١): «والسَّلوى: طائرٌ، وهو ـ في غيرِ القرآنِ ـ العَسَلُ» (٤). وهذا هو الحقُّ. ولو أردتَ أن تحملَ الآيةَ على المعنيينِ، فإنَّ الآيةَ لا تحتملُهما معاً، ولذا يتعيَّنُ حملُها على أحدِهما، ولا شكَّ أنَّ الأولى حملُها على الواردِ عنِ السَّلفِ. ومنْ هذا المثالِ يتَّضِحُ أنَّ بعضَ المحتملاتِ اللُّغويَّةِ لا يمكنُ أنْ يحتملَها المعنى في الآيةِ، كما سبقَ بيانُه في القاعدةِ السابقةِ، واللهُ أعلمُ. وبعدَ هذه الأمثلةِ أرجعُ إلى مناقشةِ بعضِ من زعم الاكتفاءَ بلغةِ العربِ في فهم التَّفسيرِ، فأقول: قال أبو حيَّان (ت:٧٤٥): «ومن أحاط بمعرفةِ مدلول الكلمةِ وأحكامِها قبلَ التَّركيبِ، وعَلِمَ كيفيَّةَ تركيبِها في تلكَ اللُّغةِ، وارتقى إلى تمييزِ حُسنِ تركيبها وقُبحِه، فلن يحتاجَ في فَهمِ ما تركَّبَ من تلكَ الألفاظِ

стр. 633

إلى مُفهِّمٍ ولا معلِّمٍ، وإنَّما تفاوتَ النَّاسُ في إدراكِ هذا الذي ذكرناه، فلذلكَ اختلفتْ أفهامُهم، وتباينتْ أقوالُهم. وقد جرينَا الكلامَ يوماً مع بعضِ من عاصَرَنا، فكانَ يزعمُ أنَّ علمَ التَّفسيرِ مضطرٌّ إلى النَّقلِ في فهم معاني تراكيبِه بالإسناد إلى مجاهد وطاووس وعكرمة وأضرابِهم، وأنَّ فَهْمَ الآياتِ متوقِّفٌ على ذلكَ. والعجبُ له أنَّه يرى أقوالَ هؤلاءِ كثيرةُ الاختلافِ، متباينةُ الأوصافِ، متعارضةٌ، ينقضُ بعضُها بعضاً ... وكان هذا المعاصرُ يزعمُ أن كل آيةٍ نقل فيها التَّفسير خلف عن سلف بالسند إلى أن وصل إلى الصحابة، ومن كلامه أنَّ الصحابةَ سألوا رسول الله ﷺ عن تفسيرها هذا (١) ...» (٢).

стр. 634

ويظهر أنَّ تخصُّصَ أبي حيَّانَ (ت:٧٤٥) العلميَّ قد أثَّرَ عليه في هذه النَّظريَّةِ التي تبنَّاها، وهي، وإن كانَ فيها جانبٌ من الصِّحَّةِ (١)، أنَّها ليستْ على هذا الإطلاقِ الَّذي ذكرَه، بل الصوابُ أنَّ اللُّغةَ مصدرٌ من مصادرِ التَّفسيرِ، وهي وإن كانت من أكبرِ مصادرِه إلاَّ أنَّها لا يُمكن أن تستقِلَّ بفَهمِ القرآنِ، قال القرطبيٌّ (ت:٦٧١) (٢) مشيراً إلى ذلك: «... فمن لم يُحكِمْ ظاهرَ التَّفسيرِ، وبادرَ إلى استنباط المعاني بمجردِ فهمِ العربيَّةِ، كَثُرَ غلطُه، ودخلَ في زمرة من فسَّرَ القرآنَ بالرَّأي. والنَّقلُ والسَّماعُ لا بدَّ له منه في ظاهرِ التَّفسيرِ أوَّلاً؛ لِيَتَّقِيَ به مواضعَ الغلطِ، ثُمَّ بعدَ ذلك يتسعُ الفهمُ والاستنباطُ. والغرائبُ التي لا تفهمُ إلا بالسَّماعِ كثيرةٌ، ولا مطمعَ في الوصولِ إلى الباطنِ قبلَ إحكامِ الظَّاهرِ؛ ألاَ تَرَى أنَّ قولَه تعالى: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ٥٠] معناه: آيةً مبصرةً، فظلموا أنفسَهم بقتلِها؛ فالنَّاظرُ إلى ظاهرِ

стр. 635

العربيَّةِ يظنُّ أنَّ المرادَ به: أنَّ النَّاقَةَ كانت مبصرةً، ولا يدري بماذا ظلموا، وأنَّهم ظلموا غيرَهم وأنفسِهم، فهذا من الحذفِ والإضمارِ» (١). ولهذا عدَّ شيخُ الإسلامِ ابن تيميَّة (ت:٧٢٨) الاعتمادَ على اللُّغةِ وحدها أحد أسباب الخطأ (٢)، وهذه ظاهرٌ في الأمثلةِ السَّابقةِ، واللهُ أعلمُ. دعوةٌ معاصرة: يقربُ من الزَّعمِ باكتفاءِ علمِ العربيَّةِ عن غيرِه في فهمِ القرآنِ، وما نادى به أمين الخولي فيما سمَّاه: التَّفسيرَ الأدبيَّ للقرآنِ، الذي أهملَ فيه مصادرَ التَّفسيرِ، ورأى دراسةَ القرآنِ على أنَّه نصٌّ عربيٌ، يحقُّ لأيِّ عربيٍّ كائناً من كانَ في معتقدِه، يحقُّ له أنْ يدرسَه درساً أدبيًّا، ومما قالَه بهذا الصَّدَدِ تحت عنوانِ (القرآنُ كتابُ العربيَّةِ الأكبرُ) ما يأتي: قال: «... فالعربيُّ القُحُّ، أو من ربطته بالعربيَّةِ تلك الروابطُ، يقرأ هذا الكتابَ الجليلَ، ويدرسُه أدبياً، كما تدرسُ الأممُ المختلفةُ عيونَ آدابِ اللُّغاتِ المختلفةِ، وتلكَ الدِّراساتُ الأدبيَّةُ لأثرٍ عظيمٍ كهذا القرآنِ هي ما يجبُ أن يقومَ به الدارسونَ أوَّلاً وفاءً بحقِّ هذا الكتابِ، ولو لم يقصدوا الاهتداءَ به، أو الانتفاعَ بما حوى وشمل، بل هي ما يجبُ أن يقومَ به الدارسونَ أوَّلاً، ولو لم تنطو صدورهم على عقيدةِ ما فيه، أو انطوتْ على نقيضِ ما يردِّدُه المسلمونَ الذين يعدُّونَه كتابَهم المقدَّسَ، فالقرآنُ كتابُ الفنِّ العربيِّ الأقدسِ، سواءٌ أنظرَ إليه الناظِرُ على أنَّه كذلك في الدِّينِ أم لا. وهذا الدرسُ الأدبيُّ للقرآنِ في ذلك المستوى الفنِّي، دون النظر إلى أيِّ اعتبارٍ دينيٍّ، هو ما نعتدُّه وتعتدُّه معنا الأممُ العربيَّةُ أصلاً، العربيَّةُ اختلاطاً؛ مقصداً أوَّلَ، وغرضاً أبعد، يجبُ أن يسبقِ كلَّ غرضٍ، ويتقدَّمُ كلَّ مقصدٍ.
следующие страницы →