التفْسِيرُ اللُّغَوِيُّ لِلْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
مساعد بن سليمان بن الطيار، ١٤٢١هـ
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر
الطيار، مساعد بن سليمان بن ناصر
التفسير اللغوي للقرآن الكريم. ـ الرياض.
٧٣٤ ص؛ ١٧ × ٢٤سم
ردمك: ١ - ٦٨٢ - ٣٨ - ٩٩٦٠
١ - القرآن ـ التفسير الحديث
٢ - القرآن النحو
٣ - القرآن ـ الصرف
ت اعنوان
ديوي ٢٧٧.٣٦٦
٤٦٠٩/ ٢١
رقم الإيداع: ٤٦٠٩/ ٢١
ردمك: ١ - ٦٨٢ - ٣٨ - ٩٩٦٠
جميع الحقوق محفوظة ١٤٣٢هـ
التفْسِيرُ اللُّغَوِيُّ لِلْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
د. مساعد بن سليمان بن ناصر الطيَّار
الأستاذ المساعد بكلية المعلمين بالرياض
دار ابن الجوزي
стр. 2
-[عرض كتاب التفْسِيرُ اللُّغَوِيُّ لِلْقُرْآنِ الْكَرِيمِ]- (*)
د. مساعد بن سليمان بن ناصر الطيَّار
الأستاذ المساعد بكلية المعلمين بالرياض
دار ابن الجوزي
عرض: عمرو الشرقاوي
عرض موجز:
موضوع التفسيرِ اللُّغويِّ موضوعٌ طويلٌ حاول الشيخ المؤلف أن يلملم أطرافهن عبر بحث عدة مسائل، وقد استلب منه أطرافاً رأى أنها جديرةٌ بالبحثِ والتَّحريرِ، فكان منها: التفسيرِ اللغوي عند السلفِ وعند اللغويين، ومكانة التفسير اللغوي، ومصادره، وآثار تعدد مدلولات اللفظ في اللغة في اختلاف المفسرين، واتخاذ المبتدعة هذا التعدد في دلالات الألفاظ أداة لإثبات بعض تحريفاتهم وأخطائهم، وغيرها من المسائل التي تتعلق بالتفسير اللغوي.
عرض الكتاب:
بدأ المؤلف كتابه بالتأكيد على أن لغة العرب من أهمِّ المصادر وأوثقها في معرفة كلام الله تعالى.
وكون هذا الموضوع؛ أي: التفسير اللغوي، طويل جدًّا، لا تحويه مثل هذه الرسالة، لتعدد جوانبه، وكثرة تشعباته، ووفرة معلوماته ومصادره، فقد ينفتح لبعض الناس من أبوابه ما لا ينفتح للآخر، وكلها تدخل تحت مسمى التفسير اللغوي، فليست تسميتي له بهذا العنوان دالَّة على استقصاء جوانبه كلِّها، ولا هي مثبِّطةٌ من أراد أن يبحث فيه؛ إذ في البحث فيه متسعات لا متَّسع.
وقد عرض في المقدمة خِطَّة البَحثِ، ومكوناته.
وفي الفصل الأول: التفسير اللغوي ومكانته، بحث أولًا تعريف التفسير اللغوي، كما بحث مكانة التفسير اللغوي.
وانتهى بعد التعرف على مصطلحات البحث إلى أن التفسير اللغوي: بيان معاني القرآن بما ورد في لغة العرب.
وأن المراد بما وردَ في لغةِ العربِ: ألفاظُها وأساليبُها التي نزلَ بها القرآنُ.
стр. 3
كما ذكر عدة أمثلة تدلُّ على أثرِ الغفلةِ عن دلالةِ اللَّفظِ، أو جهلِ معناه في لغة العرب، وأنَّ كلَّ منْ فَسَّرَ القرآنَ، وهو جاهلٌ بلغةِ العربِ، أو سالكٌ غيَر طريقِها، فإنه قدْ وقعَ في الخطأِ الأكيدِ، وجانبَ الصوابَ.
كما نبه أنَّ اللغةَ ليست المصدرَ الوحيدَ الذي يمكنُ لمنْ أحكمَهُ أنْ يفسرَ القرآنَ، إذْ لاَ بُدَّ للمفسِّرِ منْ معرفةِ مصادرَ أُخرَى يعتمدُ عليها في تفسيرِه.
وفي الفصل الثاني: نشأةُ التَّفسيرِ اللُّغويِّ، بحث التفسيرُ اللُّغويُّ عند السَّلفِ، والتَّفسيرُ اللُّغويُّ عند اللُّغويِّين.
ونبه أنَّ السَّلفَ من الصحابةِ والتَّابعينَ وأتباعِهم كانوا يرجعون إلى لغتِهم العربيَّةِ لبيانِ القرآنِ، حيثُ كانت أحدَ مصادرِهِم التي يعتمدونَ عليها في التَّفسيرِ.
ثم تعرض لطريقة السَّلفِ في التَّفسير اللُّغويِّ، وكون البيان اللَّفظي في تفسيرِ السَّلفِ واضحاً، وأنه قد برزَ عندَ السَّلفِ الاهتمامُ بالمدلولِ السِّياقيِّ للَّفظِ، وأنه موجودٌ عندهم في كتبِ الوجوهِ والنَّظائرِ.
وذكر عدة أمثلة تظهر علاقة هذينِ العلمينِ (الوجوه والنظائر، وكليات الألفاظ القرآنية) بالتَّفسيرِ اللُّغويِّ، وأنَّ المفسِّرَ الذي يسلكُ هذا السَّبيلَ لا بُدَّ أنْ يكونَ معتمداً على اللُّغةِ، وإن لم يَنُصَّ على ذلك.
كما بين في التَّفسيرُ اللُّغويُّ عند اللُّغوِيين، تعريف اللغويين، ووقت ظهور المصطلح، وبين أنَّ مشاركة اللُّغويينَ في التفسيرِ كانتْ على قسمين:
الأول: مشاركة غير مباشرة في تفسيرِ القرآنِ.
والثاني: مشاركة مباشرة في تفسيرِ القرآنِ، وتحدَّث عن كلِّ قسمٍ على حِدَةٍ.
كما تعرض لأظهر الموضوعات التي أبدعَها اللُّغويُّون في التَّفسيرِ زيادةً عن الَّذي جاءَ عنِ السَّلفِ ﵃.
وفي الفصل الثالث: مسائل في نشأة التفسير اللغوي، ذكر عدة مسائل، وهي كالتالي:
стр. 4
المسألة الأولى: في سَبْقِ السلفِ في علمِ التَّفسيرِ.
المسألة الثانية: شمولُ التَّفسيرِ بين السَّلفِ واللُّغويِّين.
المسألة الثالثة: في الاعتمادِ على اللُّغةِ.
المسألة الرابعة: في الشَّاهِدِ الشِّعريِّ.
المسألة الخامسة: في علمِ الوجوهِ والنَّظائرِ.
المسألة السادسة: التَّفسيرُ اللُّغويُّ بين البصرةِ والكوفةِ.
وفي الباب الثاني: مصادر التفسير اللغوي، وقد بحث فيه:
المصدرُ الأوَّلُ: كتبُ التَّفسيرِ.
المصدرُ الثاني: كتبُ معاني القرآنِ.
المصدرُ الثالثُ: كتبُ غريبِ القرآنِ.
المصدرُ الرابعُ: كتبُ معاجمِ اللُّغةِ.
المصدرُ الخامسُ: كتبٌ أخرى لها علاقة بالتفسير اللغوي.
ونبه في الأخير أن العلوم الإسلاميَّة علومٌ مترابطةٌ في البحثِ، ولا يمكنُ البحثُ في علمٍ منها دونَ الاستفادةِ منْ غيرِهِ من العلومِ التي تَخدِمُهُ؛ فالفَقِيهُ ـ مثلاً ـ يحتاجُ معَ الإلْمَامِ بالقضايا الفقهيَّةِ إلى علمِ السُّنَّةِ وإلى معرفةِ تفسيرِ القرآنِ، ومعرفةِ اللُّغةِ العربيَّةِ.
وكذا منْ يكتبُ في علمِ الوقفِ والابتداءِ في القرآنِ، يحتاجُ إلى معرفةِ علمِ التَّفسيرِ وعلمِ النَّحْوِ، وهكذا.
وفي الباب الثالث: آثار التفسير اللغوي وقواعده، وفيه ثلاثة فصولٍ:
الفصل الأول: أثرُ التَّفسيرِ اللُّغويِّ في اختلافِ المفسرينَ.
الفصل الثاني: أثرُ التَّفسيرِ اللُّغويِّ في انحرافِ المفسرينَ.
الفصل الثالث: قواعدُ في التَّفسيرِ اللُّغويِّ، وفيه:
أولاً: كل تفسير لغوي وارد عن السلف يحكم بعربيته، وهو مقدم على قول اللغويين.
ثانياً: إذا ورد أكثر من معنى لغويٍّ صحيح تحتمله الآية، جاز تفسير الآية بها.
ثالثاً: لا يصح اعتماد اللغة وحدها دون غيرها من المصادر التفسيرية.
رابعاً: لا تعارض بين التفسير اللغوي والتفسير على المعنى.
ومن أبرزِ نتائجِ هذا البحثِ التي يحسنُ تدوينُها:
стр. 5
* أنَّ مفسِّري السلفَ قد سبقوا اللُّغويِّينَ في التفسيرِ عموماً، وهذه النتيجةُ مع يسرِها وسهولتِها، تجدُ من يغفلُ عنها عندَ بحثِه عن معاني ألفاظ القرآنِ، أو ألفاظِ اللُّغةِ، ويعمدُ إلى أقوالِ اللُّغويِّين الذين تأخروا عنهم وجاءوا بعدهم، وهذا فيه من القصورِ في البحثِ ما فيه.
* أنَّ التَّفسيرَ اللُّغويَّ جزءٌ من علمِ التَّفسيرِ، ولذا لا يمكنُ أن يخلوَ منه كتابٌ في التَّفسيرِ، إلاَّ أنْ يكونَ من التَّفاسيرِ المنحرفةِ التي لا تعتمدُ على لغةِ العربِ في بيانِ القرآنِ؛ كتفاسيرِ الباطنيَّةِ والصُّوفيَّةِ والفلاسفةِ وغيرها.
وأنَّه من أكبرِ مصادرِ التَّفسيرِ، وهذا ظاهرٌ لمنْ يقرأُ مدوَّناتِ التَّفسيرِ؛ كتفسيرِ الطَّبريِّ (ت:٣١٠)، وتفسيرِ ابن عطيَّةَ (ت:٥٤٢) وغيرِهما.
وهذا يعني أنَّ المفسِّرَ يحتاجُ إلى تعلُّمِ اللُّغةِ خاصَّةً، ليُفيدَ في تفسيرِ القرآنِ، وفي بيانِ وجهةِ كثيرٍ من أقوالِ المفسِّرينَ، وفي بيانِ خطأ من خالفَ لغةِ العربِ وفسَّرَ بما لا يوجدُ فيها.
стр. 6
ولقدْ كانَ الطبريُّ بتحريراتِه اللُّغويَّةِ من أبرزِ المفسِّرينَ الذين يمكنُ أن يُستدلَّ بهم في أهمية معرفةِ اللُّغةِ العربيَّةِ للمفسِّرِ، ولقد كانَ بتحريراتِه هذه في مصافِّ أقرانِه اللُّغويِّينَ الذي عاشوا في عصرِه، ومن العجيبِ أنَّ هذا العَلَمَ الجهبذَ لا يوجدُ عنه نقلٌ في مدوَّناتِ اللغة التي كُتِبتْ بعدهُ؛ كتهذيبِ اللُّغةِ ولسانِ العربِ وغيرِها، مع أنَّه كانَ في بغدادَ عاصمةِ العلمِ آنذاك، وكان معاصراً لجمعٍ من اللُّغويِّينَ الذينَ دوَّنوا اللُّغةَ، ونُقلتْ أقوالُهم، واعتُمدت، وأذكرُ ـ على سبيلِ المثالِ، لا الحصرِ ـ أبا الحسن عليَّ بنَ الحسنِ الهُنائيَّ، المشهورَ بكُرَاعِ النَّملِ (ت:٣١٠)، الذي ألَّفَ كتاب المنجدِ في اللغةِ، وكتاب المنتخب من غريب كلامِ العربِ، ولاحظَ محقِّقو هذين الكتابينِ أنَّ معاني بعضِ الألفاظ تحكى عنه دونَ غيرِه، فهو أعلى مصدرٍ في هذه المعلوماتِ، وينقُلها عنه المتأخِّرونَ على سبيلِ القبولِ، وأنَّ اسمَه كثيرَ التَّردُّدِ في كتابِ المحكمِ ولسانِ العربِ وغيرِهما.
فهذا العَلَمُ اللُّغويُّ المعاصرُ للطبريِّ (ت:٣١٠) قد حُكيتْ عنه معاني بعضِ الألفاظِ، أمَّا الطبريُّ (ت:٣١٠)، فيندرُ أنْ يُحكى اسمُه في كتبِ اللُّغةِ، وهذا يعني عدم اهتمامِ من ألَّفَ في اللُّغةِ بالنَّقلِ عن المفسِّرينَ.
وقد ظهرَ لي أنَّ هذه النَّتيجةَ تنساقُ على جلِّ المفسرِّينَ من السَّلفِ وغيرِهم، حيثُ يَقِلُّ ذكرُ أعيانِ مفسِّرِي السَّلفِ في كتبِ اللُّغويين، كما لم يستفيدوا ـ أي: أهل اللُّغةِ ـ من كتبِ الوجوهِ والنَّظائرِ التي دوَّنها أتباعُ التَّابعينَ، وفي ذلكَ قصورٌ لا يخفى على من تأمَّلَه.
* أنَّ أغلبَ البحثِ اللُّغويِّ في كتب اللُّغويِّينَ: من معاني القرآنِ، وغريبِه، ومعاجمِ اللُّغةِ، وغيرها من المدوناتِ اللُّغويَّةِ، كان منصباً على بيانِ معاني المفرداتِ.
стр. 7
وقد ظهرَ لي أنَّ كتبَ معاجمِ اللُّغةِ، وكتبَ شروحِ الأحاديثِ والأشعارِ وغيرِها من الرَّسائلِ اللُّغويةِ الأخرى؛ ككتب الأضدادِ وغيرِها، ظهرَ لي أنها لا تختلفُ في منهجِ البحثِ عن كتبِ غريبِ القرآنِ، لذا، فإنه لو جُرِّدَ ما يتعلَّقُ بالتَّفسيرِ في هذه الكتبِ فإنَّها لا تعدو أنْ تكونَ كتاباً في غريبِ القرآن.
وتجريدُ ما يتعلَّقُ بالتَّفسيرِ من هذه الكتب مطلبٌ يحرصُ عليه الباحثُ في التَّفسيرِ؛ لأنَّه يقرِّبُ له المعلومةَ من مواضعَ لا يتوقَّعُ وجودها فيها، وهذا من البحوثِ اليسيرةِ المفيدةِ التي يمكنُ أن يقومَ بها طلاَّب الكلِّيَّةِ أو الدراساتِ العليا، يخرجونها ويقومون بدراستها، ومن ثَمَّ تُخرجُ في كتابٍ مستقلٍّ، والله الموفِّقُ.
* ومما ظهرَ لي في هذا البحثِ أنَّ الكتبَ التي درستُها في معاني القرآنِ، كانَ قصدُ مؤلِّفيها إبرازَ مذهبِهم النَّحويِّ، لذا طغتْ هذه البحوثُ النَّحويَّةُ على بيانِ المفرداتِ في هذه الكتبِ.
* وقد ظهرَ لي أثرُ معتقدِ المؤلِّفِ على بحوثِه في التَّفسيرِ اللُّغويِّ، وأنَّ معرفَة هذا المعتقدِ ضروريَّةٌ للباحثِ، ويمكنُ أن يتتبَّعها من خلالِ كتاباتِ المؤلِّفِ.
كما ظهرَ لي في هذا المجالِ أنه لا يلزمُ أن يكونَ ما قيلَ في كتبِ التراجمِ من عقيدةِ المؤلِّفِ صحيحاً، بل قد يكونُ مما أُلصقَ به لسببٍ من الأسبابِ التي قد تخفى على الباحثِ، ولا يتبيَّنُ ردُّ هذه التُّهمةِ عنه إلاَّ بجردِ كتابِه وبيانِ ما قاله مما يخالفُ ما وُصِمَ به.
وأعيدُ هنا: أنَّ الباحثينَ بحاجةٍ إلى منهجٍ تطبيقيٍّ يبيِّنُ لهم سبيلَ الاستفادةِ من المعلومات التي تُذكرُ في تراجمِ بعض الأعلامِ؛ لأنَّ بعضهم يأخذُ هذه المعلوماتِ مسلَّماتٍ لا تقبلُ الجدلَ والنِّقاشَ، ويبني عليها نتائجَ لا يخالِفُها الصوابُ ـ غالباً ـ عند التنقيبِ والتَّحريرِ، وقد مرَّ في البحثِ أمثلةٌ لهذا، والله الموفِّقُ.
стр. 8
* لقد كان البحثُ في الاختلافِ بسببِ اللُّغةِ شيِّقاً في شقِّهِ الأوَّلِ، وهو بيانُ ما للاختلافِ بسبِبها من إثراء التَّفسيرِ، كما كانَ فيه معرفةُ وجهةِ الأقوالِ وأسبابِها، مما يجعلُ الباحثَ مدركاً للاختلافِ، وعارفاً بما يمكنُ حملُه على الآيةِ وما لا يمكنُ.
أمَّا الشِّقُ الثاني، وهو اتخاذُ اللُّغةِ طريقاً إلى الانحراف بالتَّفسيرِ، فكانَ موضوعاً صعباً، وهو محتاجٌ إلى دراسةٍ مستقلَّةٍ، أرى أنَّه لا بدَّ منها.
وقد ظهرَ لي في هذا المبحثِ أنَّ من أهمِّ أسبابِ الانحراف في التفسيرِ اللُّغويِّ الاعتمادَ على العقلِ المجرَّدِ، والانتصار للمذهبِ العقديِّ، وقد ساعدَ على ذلكَ سَعَةُ العربيَّةِ.
وإنَّ مما يدلُّ على هذه المسألةِ، ما أحدثَه بعضُهم من معانٍ لغويَّةٍ مولَّدةٍ، لا تعرفُها العربُ، ولم يكنْ من منطقِها، ومن أشهرِ الأمثلةِ عليها تفسيرُ معنى الاستواءِ بالاستيلاءِ.
* ولما كان هذا حالُ اللُّغةِ العربيَّةِ من السَّعةِ، صار فيها إثراءٌ للمعاني المحتملةِ في التَّفسيرِ، كما صارَ فيها طريقاً لإثباتِ بعضِ المبتدعةِ بدعَهم بها، وبهذا تكونُ سَعَةُ اللُّغةِ العربيَّةِ سلاحاً ذا حدَّينِ، لذا فإنَّ الأمرَ يحتاجُ إلى ضوابطَ يُتبيَّنُ بها معرفةُ الصَّحيحِ من السَّقيمِ من هذه المحتملاتِ اللُّغويَّةِ، وهذا ما بحثتُه في القاعدةِ الثانيةِ من (قواعد في التفسيرِ اللُّغويِّ)، وقد استنبطتُ لهذه المحتملاتِ ضوابطَ أرجو أن أكونَ قد وُفِّقتُ فيها إلى الصَّوابِ.
كما بيَّنتُ فيها أنَّ معرفَة اللُّغةِ العربيَّةِ ضروريٌّ لمعرفةِ مخالفةِ من يفسِّرُ القرآنَ بغيرِها، وأنَّها سلاحٌ يُشهرُ في وجهِ من يبتدعُ معاني لا تعرفها العربُ؛ ذلكَ لأنَّ القرآنَ عربيٌّ، ولا يمكنُ أن يُفسَّرَ بدلالةِ ألفاظِ غيرِها، وهذا فيه من التَّجنِّي والتَّقوُّلِ على الله بغيرِ علمٍ ما لا يخفى.
стр. 9
* وعقدت قاعدةً بعنوانِ: (لا يصح اعتمادُ اللُّغةِ دونَ غيرِها من المصادرِ التَّفسيريَّةِ)، وقد بيَّنتُ فيها أنَّه مع ما للُّغةِ من الأهميَّةِ في فهمِ القرآنِ والردِّ على انحرافاتِ بعضِ التَّفاسيرِ، فإنها لا تعتبرُ المصدرَ الوحيدَ، بل هناكَ ما يُقدَّمُ عليها عند الاختلافِ في فهم معنى الآيةِ، فسببُ النزولِ يبيِّنُ المعنى المحتملَ من دلالاتِ اللفظِ اللُّغويِّ، ولذا لا يصحُّ أن يُحملَ المعنى على غيرِ ما يدلُّ عليه سببُ النُّزولِ.
والمعنى الشَّرعيُّ مقدَّمٌ على المعنى اللُّغويِّ، إذا تعارضا في مثالٍ ما؛ لأنَّ الشارعَ معنيٌّ ببيانها، لا ببيانِ المعنى اللُّغويِّ.
وكذا تفسيرُ السَّلفِ يدلُّ على المعنى المراد من المعاني المحتملةِ، فما ناقضَه من المعاني رُدَّ، ولو كانَ لغويًّا، وقد بيَّنتُ هذا باستفاضةٍ في القاعدةِ الأولى: (كل تفسير لغوي وارد عن السلف يُحكم بعربيته، وهو مقدم على تفسير اللغويين)، وبيَّنتُ فيها أنَّ الواردَ عن السلف حجةٌ في بيان اللغةِ.
وقد بيَّنتُ في نهايةِ قاعدة: (لا يصحُّ اعتماد اللُّغةِ دونَ غيرِها من المصادرِ التَّفسيريَّةِ)، بيَّنتُ قاعدةً ناشئةً عنها، وهي: أنه ليس كلُّ ما وردَ في اللُّغةِ يلزمُ ورودُه في القرآنِ، وذكرتُ قولَ بعضِ العلماءِ في هذا، وما ردَّه بعضُهم من التَّفسيراتِ بناءً على هذه القاعدةِ.
* وفي القاعدة الرابعة بيَّنتُ أنَّه حينما يأتي تفسيرٌ عن السلفِ لا تجدُه في معاجم اللُّغةِ، فلا تتسرَّعَ في ردِّه؛ لأنَّه قد يكونُ فسَّرَه على المعنى لا على اللفظِ، أو يكونُ دلالةً لغويَّةً جهِلَها اللُّغويونَ ولم ينقلوها.
стр. 10
وبينتُ فيها أنَّه إذا كانَ التفسيرُ الواردُ عن السَّلفِ تفسيراً على المعنى، فإنه لا يخالفُ التفسيرَ على اللَّفظِ، ومن هذا المنطلقِ؛ فإنَّ معرفةَ طريقةِ السَّلفِ في التَّفسيرِ على المعنى نافعةٌ جدًّا لمن يقرأ في تفسيرهم؛ لأنَّه بمعرفةِ القارىء لهذا النوعِ من التَّفسيرِ تزولُ عنه مشكلاتٌ كثيرةٌ يراها في تفسيرِ السلفِ، قد يخطِّئها، ولو كان على علمٍ بطريقتِهم هذه، لسهُلَ عليه معرفةُ وجْهَةِ أقوالِهم، ومعرفةُ مخرجها وسبب ذلكَ التَّفسيرِ، وبهذا يكونُ قد أراحَ نفسَه من عناءِ التَّخطئةِ، وتكلُّفِ الرَّدِّ.
وأخيراً:
هذه جملةٌ من نتائجِ البحثِ، وهناك غيرُها من النتائجِ الجزئيَّةِ التي تراها منثورةً فيه، والتي ظهرت في فهرسِ مسائل الكتاب العلمية.
стр. 11
التفْسِيرُ اللُّغَوِيُّ لِلْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
مساعد بن سليمان بن الطيار، ١٤٢١هـ
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر
الطيار، مساعد بن سليمان بن ناصر
التفسير اللغوي للقرآن الكريم. ـ الرياض.
٧٣٤ ص؛ ١٧ × ٢٤سم
ردمك: ١ - ٦٨٢ - ٣٨ - ٩٩٦٠
١ - القرآن ـ التفسير الحديث ٢ - القرآن النحو ٣ - القرآن ـ الصرف
ت اعنوان
ديوي ٢٧٧.٣٦٦
٤٦٠٩/ ٢١
رقم الإيداع: ٤٦٠٩/ ٢١
ردمك: ١ - ٦٨٢ - ٣٨ - ٩٩٦٠
جميع الحقوق محفوظة
١٤٣٢هـ ٢٠١١م ممم سنة الطبعة دي مش عارف جابها منين اللي عامل الكتاب ده ويا دكتور أنا مش عارف السنة الميلادي للطبعة ممم
التفْسِيرُ اللُّغَوِيُّ لِلْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
د. مساعد بن سليمان بن ناصر الطيَّار
الأستاذ المساعد بكلية المعلمين بالرياض
دار ابن الجوزي
стр. 12
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، أنزل خير كتبه على خير رسله، وجعله بلسان عربي مبين، والصلاة والسلام على النبي الأمي العربي، وعلى الآل والصحب الكرام، وعلى التابعين لهم إلى يوم الدين، أما بعد:
فإن من سنة الله سبحانه أن يرسل الرسول بلسان قومه، وينْزل عليهم الكتاب بلسانهم، ليفهموا عن الله خطابه ومراده، فيؤمنون به ويصدقونه، ولو كان بغير لغتهم لاحتاجوا إلى ترجمان يبين لهم.
ولما كان الأمر كذلك، كانت لغة العرب من أهمِّ المصادر وأوثقها في معرفة كلام الله تعالى، وكان من أهمِّ ما فيها ـ وهو من بدايات علم التفسيرِ ـ معرفة دلالات الكلامِ [أي: معاني الألفاظ] التي يدور عليها كثيرٌ من علمِ التَّفسيرِ، ليُعرفَ المرادُ بالخطابِ. وهذا مما لا يسع الجهل به لمن أراد علم التفسير، وبيان معنى كلام الله الخبير، إذ لزاماً عليه أن يعرف مدلولات الألفاظِ، ويستشرح معانيها من مصادرها المعتمدةِ.
من رام معرفة مدلولاتها من غير لغته، أو اعتمد معاني محدثة أو مولَّدة أو مصطلحاتٍ ليست من لغته = كان من أهل التَّحريفِ والزَّيغِ؛ كمن فسَّر «استوى» بأنه «استولى»، ولست تجد هذا المعنى محكيًّا عن العربِ، أو من فسَّرَ الذَّرَّةَ الواردة في القرآن على أنها الذَّرَّةُ التي يحكيها علماء الفيزياء والكيمياء.
واللغةُ سدٌّ منيع لمن أراد أن يفسِّر كلام الله بما لا يعرفُ معناه إلاَّ
стр. 13
خواصُّ من الناس كما يزعم كثيرٌ من الغلاة من الروافض والباطنية والصوفيَّةِ والفلاسفةِ وغيرهم، فمن أورد معنى لا تعرفه العرب كان ذلك مما يدلُّ على بطلانه، إذ المعاني محدودة محصورةٌ، ومدونة مشهورة، لا يمكن أن يزاد فيها ما ليس منها (١)، فمن فسَّر الحجارةَ بالبَرَدِ، لزمه صحةُ النقلِ عن العربِ في أنهم يطلقون هذا على هذا، وإلا رُدَّ قوله ولم يُقبلْ.
وبهذا تكون اللغة التي ثبتت حتى عصر الاحتجاج بنقل العدول من علماء التفسير واللغة وغيرهم = هي اللغة التي يُرجع إليها في تفسير كلام الله، وما عداها لا يُعتمدُ عليه، ولا يوثق به.
وإذا تأمَّلت تفسيرَ القرآنِ في الآثارِ المنقولةِ عن الصحابة أو التَّابعين أو أتباعهم، وفرزت كلَّ نوع من هذه الآثار المنقولةِ، فإنَّك ستجد ما كان مرجعه اللغة له الحظُّ الأوفرُ، والنَّصيبُ الأكثرُ.
بل ستجدُ أنَّ تعدُّدَ مدلولاتِ لفظٍ من ألفاظِ القرآنِ في لغةِ العربِ كان سبباً في اختلافِ المفسرينِ، فمنهم من اجتهد رأيه واعتمد معنًى، ومنهم من اجتهد رأيه واعتمد معنًى آخر، وكلاهما كان معتمده الأول ورود هذا المعنى في لغة العربِ، ثمَّ صحَّةُ حمل هذا اللفظِ على الآيةِ.
وشرح هذا وغيره مكانه هذه الرِّسالةُ التي بين يديك.
ولما كان الأمرُ في هذا المصدر المؤثِّرِ في التفسير ما ذكرتُ لك طرفاً منه، فإنِّي قد عمدت إلى هذا الموضوعِ الطويلِ، واستلبتُ منه أطرافاً رأيت أنها جديرةٌ بالبحثِ والتَّحريرِ، فكان منها: التفسيرِ اللغوي عند السلفِ وعند اللغويين، ومكانة التفسير اللغوي، ومصادره، وآثار تعدد مدلولات اللفظ في
стр. 14
اللغة في اختلاف المفسرين، واتخاذ المبتدعة هذا التعدد في دلالات الألفاظ أداة لإثبات بعض تحريفاتهم وأخطائهم، وغيرها من المسائل التي تتعلق بالتفسير اللغوي.
وهذا الموضوع؛ أي: التفسير اللغوي، طويل جدًّا، لا تحويه مثل هذه الرسالة، لتعدد جوانبه، وكثرة تشعباته، ووفرة معلوماته ومصادره، فقد ينفتح لبعض الناس من أبوابه ما لا ينفتح للآخر، وكلها تدخل تحت مسمى التفسير اللغوي، فليست تسميتي له بهذا العنوان دالَّة على استقصاء جوانبه كلِّها، ولا هي مثبِّطةٌ من أراد أن يبحث فيه؛ إذ في البحث فيه متسعات لا متَّسع.
ولعل من المعلوم لدى الباحثين أن من أراد الكتابة في موضوع كثير الذيول لا يمكنه أن يصل في كل مسائله إلى كل شيء، بل قد يَغفلُ عما يراه غيره أولى وأفضل، ويَعْيَا عما يجب أن يُكتب فيه ويُكمل، ويُنقِصُ في مكان بسبب تزاحم المسائل عليه.
وكلما كان البحث محدَّداً دقيقاً في مسائل يمكن استجلابها وتحريرها بعينها دون الدخول في تفصيلات ـ ولو كانت من عيون مسائل الموضوع العامِّ ـ كان الوصول إلى تحقيق هذه المعلومات أحرى وأجدى.
وكم من بحث يَصِلُ صاحبُه إلى الكَلال عند صُلبِ موضوعِه بسبب انشغاله بالنَّقل والتَّكميل لموضوع سبقه إليه السابقون، وحرَّره العارفون، فإذا وصل إلى ما هو من صلب بحثه وصميمه، ضعفت همَّتُه، وكلَّ قلمه، واعتلَّ تفكيرُه، فكان يرقِّعُ لئلا تبلغه مدَّة انتهاء البحث، فيخرجُ بحثاً ذا عورٍ، لا يَشفي مبتغيه، ولا يُرضي مُبْتَليه، وصاحبه إلى أن يتبرَّأ منه أحبُّ إليه من أن يَقتنيه، فضلاً عن أن ينسبه إليه ويدَّعيه.
لذا كان من أكبر العقبات التي في هذا البحث كثرةُ المسائل المتشعِّباتِ، واحتياجُها إلى التفكير والتنقيب والتحرير، ففي هذا البحث مسائل لم يُسبق إلى بحثها.
стр. 15
والمقصود أن يُرام في البحوث التَّحديد، وأن لا يكون طول البحوث مراداً على كيفيَّتها والقدرة على تحريرها، وأن يكون البحثُ ـ ولو كان قصيراً ـ معتَبراً بما قدَّم من جديدٍ في التأليف وحسن التصنيفِ من جمع متفرِّقٍ مفيدٍ، أو ابتكار معلومٍ جديدٍ، أو اعتراضٍ على خطأ منتشر، أو غيرها مما هو داخل في حيِّزِ الابتكار، خارجٍ عن النقل والرَّصفِ والتكرارِ بلا عقلٍ ولا رأي.
هذا .. وقد بحثتُ في حيثيَّةِ كونِ اللُّغةِ مصدراً من مصادرِ التَّفسيرِ = جملةً من المسائلِ، منها:
* كيفَ كان التَّفسيرُ بها؟
* كيف اعتمدها السَّلفُ واللُّغويُّون، وما مصادرُ من أرادَ الاستفادةَ من تفسيرِ القرآنِ باللُّغةِ.
* ما ضوابطُ التَّفسيرِ بها عند الاحتمالِ؟.
* مسألةُ تفسيرِ السَّلفِ ومدى الاستفادةِ منه في البحثِ اللغويِّ، وكنت أظنُّ أن أجد لأعلامِ المفسِّرينَ ذكراً كثيراً في كتبِ اللُّغةِ كما هو الحالُ في ذكرِ أعلامِ اللُّغويِّينَ، ولكن من خلالِ ما قرأته من كتب اللغة وجدت أنَّه لم يكن لكثير من اللُّغويينَ عناية بنقل تفسيرِ السَّلفِ، ولم يعتمدوا عليه في بيان مدلولاتِ ألفاظِ اللُّغةِ، ولا في بيان الألفاظِ القرآنيةِ التي يفسِّرونها.
* لماذا ارتبطَ التفسيرُ اللُّغويُّ باللُّغويِّينَ، وصارَ الفرَّاء (ت:٢٠٧)، وأبو عبيدة (ت:٢١٠) وغيرهما المقدَّمينَ فيه، وأُغفلَ تفسيرُ السَّلفِ اللغويِّ؟
* لو اعترضَ لغويٌّ على تفسيرِ أحدِ السَّلفِ من جهةِ اللُّغةِ، فأيهما يقدَّمُ؟
أيقدَّمُ قولُ اللُّغويِّ؛ لأنَّه صاحبُ تخصُّصٍ، أم يقدَّمُ قولُ الواحدِ من مفسِّريِّ السَّلف؛ لأنهم أهل اللغةِ وفي عصر الاحتجاج؟
стр. 16
إلى غير ذلك من المسائلِ التي ستجدها مسطَّرةً في هذا البحثِ.
ولقد كانت الفكرةُ الأولى أن أطرح هذه المسائلِ من خلالِ كتابٍ من كتبِ اللُّغةِ، بحيثُ أجعلُها مقدمةً للبحثِ في تفسيرِ لغويٍّ من اللُّغويِّين، أجمعُ أقوالَه في التَّفسيرِ وأدرسها، وبهذا يتسنَّى لي بحثُ بعضِ هذه المسائلِ، فرأيتُ أن أجمع تفسيرَ أبي بكر محمد بن القاسم بن بشَّار الأنباريِّ (ت:٣٢٨)، وقدَّمتُ له ببعضِ هذه الأفكارِ التي كانت تراودني في موضوع التَّفسيرِ اللغويِّ، وعرضتُ هذا الموضوعَ بعد جمعه، على الأستاذ الدكتور محمد بن عبد الرحمن الشَّايع إبَّان رئاستِه لقسم القرآنِ وعلومه عام (١٤١٦)، فأشارَ عليَّ أن أبسُطَ البحثَ في البابِ الذي جعلتُه في التَّفسيرِ اللُّغويِّ، وأن أتركَ جمع تفسيرِ ابن الأنباريِّ (ت:٣٢٨)، فأخذتُ برأيه، واستعنتُ اللهَ على هذا الموضوعِ، وسمَّيتُه:
التَّفسيرُ اللغويُّ للقرآنِ الكريم
خِطَّةُ البَحثِ:
هذا البحث مكوَّنٌ منْ:
١ - المقدمة.
٢ - أبوابُ الرسالةِ، وهي:
البابُ الأولُ: التفسير اللغوي مكانتُهُ ونشأتُه
وفيه ثلاثةُ فصولٍ:
الفصل الأول: التفسيرُ اللغويُ ومكانته.
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: تعريف التفسير اللغوي.
المبحث الثاني: مكانة التفسير اللغوي.
الفصل الثاني: نشأة التفسير اللغوي.
стр. 17
وفيه:
أولاً: التفسير اللغوي عند السلف.
ثانياً: التفسير اللغوي عند اللغويين.
الفصلُ الثالث: مسائل في نشأة التفسير اللغوي.
الباب الثاني: مصادر التفسير اللغوي
وفيه:
١ - كتب التفسير.
٢ - كتب معاني القرآن.
٣ - كتب غريب القرآن.
٤ - كتب معاجم اللغة.
٥ - كتبٌ أخرى.
الباب الثالث: آثار التفسير اللغوي وقواعده
وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: أثر التفسير اللغوي في اختلاف المفسرين.
الفصل الثاني: أثر التفسير اللغوي في انحراف المفسرين.
الفصل الثالث: قواعد في التفسير اللغوي.
أولاً: كل تفسير لغوي ثابت عن السلف يحكم بعربيته، وهو مقدم على قول اللغويين.
ثانياً: إذا ورد أكثر من معنى لغويٍّ صحيحٍ تحتملُه الآيةُ، جازَ تفسير الآية بها.
ثالثاً: لا يصح اعتماد اللغة وحدها دون غيرها من المصادر التفسيرية.
رابعاً: لا تعارض بين التفسير اللغوي والتفسير على المعنى.
٣ - الخاتمة، وأذكر فيها أهم النتائج.
٤ - الفهارس الفنية للبحث.
стр. 18
منهج البحث:
أولاً: خرَّجتُ الآياتِ، وجعلتُها بين هذين المعقوفين []، سواءً أكانت الآيةُ من نصٍّ منقولٍ، أم كانت من استشهادي ابتداءً.
ثانياً: خرَّجتُ الأحاديث النبوية، وإن كان في أحد الصحيحين اكتفيت به غالباً.
ثالثاً: عزوتُ الأشعارَ، وإذا كان الشِّعرُ في الديوان، اكتفيت بالعزو إليه.
رابعاً: عرَّفت أغلبَ الأعلامِ من كتب التراجم، وقد أذكرُ فائدةً في ترجمة العلمِ وجدتها في كُتبِ التَّفسيرِ، وهي غيرُ مدوَّنةٍ في مصادرِ ترجمتِه.
وحرصت على إتباعِ كلِّ علمٍ بسنة وفاتِه، وجعلتها بين قوسين صغيرين () في كلِّ مواطن ورودِ العلم، لما رأيت في ذلك من الفائدة في ترتيبهم حسب الوفيات من استقرارِ ذلك في الذهن، ومعرفةِ من سبق بالمعلومةِ منهم.
وإذا كان العلم في نصٍّ منقولٍ لم أذكر سنة وفاتِه، إلاَّ أن ينصَّ عليها المنقول عنه.
كما قد تختلفُ الأقوالُ في ذكر سنة وفاةِ العَلَمِ، فأذكرُ أحد الأقوالِ، وأسيرُ عليه في البحثِ ما أمكن، وإن وقع عند اختلاف في ذكر سنة الوفاة بين موطن وموطن في هذا البحث، فإنه بسبب ذلك الاختلاف في سنة وفاته؟، وليس قصيداً منّي أن أذكر هذا الاختلاف في بعض المواطن، مع ملاحظةِ التقارب في الخلافِ بين سنوات الوفاة المختلفِ فيها، ولذا لم أذهبْ إلى تحقيقِ سنةِ وفاةِ كلِّ واحدٍ منهم، لعدم الحاجة إلى ذلك في هذا البحثِ.
والتزمت عدم الإشارة إلى التاريخ الهجري بعلامة (هـ)، إلا أن يكون نصًّا منقولاً.
стр. 19
خامساً: في حالِ إرجاعِ المعلومة إلى معاجم اللغة سلكت الآتي:
إن كان المعجم مرتَّباً على الحروفِ، واضحَ الترتيبِ، سواءً أكان على ترتيب الألفبائي، أم الترتيب على آخر الكلمة، أرجعتُ إلى مادة الكلمةِ.
وإن كان غير ذلك ـ كما في كتاب «العين» و «الجمهرة» و «تهذيب اللُّغةِ» و «مقاييس اللغةِ» ـ أرجعتُ إلى الجزءِ والصفحةِ، لصعوبة الوصول إلى المادةِ، بسبب صعوبة الترتيبِ في هذه الكتبِ.
سادساً: لما كان موضوع اللُّغةِ في التفسيرِ طويلاً، فإنِّي حرصتُ على أن تكونَ الدراسةُ في نشأة التفسير اللغويِّ ومصادرِه في بدايةِ فترةِ التَّدوينِ اللُّغويِّ؛ لأنَّ غالبَ من جاء بعد هذه المرحلةِ ناقلٌ منها، ولذا حرصتُ على دراسةِ الكتبِ التي كانت في هذه المرحلةِ، فإن لم أجدْ نزلتُ إلى ما بعدها، وجعلتُ الدراسة في ثلاثةِ كتبٍ من كلِّ مصدرٍ من المصادرِ التي قسَّمتُها.
سابعاً: جعلتُ هذه الدراسة منصبَّةً على ما له أثرٌ في التَّفسيرِ، وظهرَ لي أنَّ أغلبَ ذلكَ كان في دلالةِ الألفاظِ، وإن كُنتُ ألممتُ بشيءٍ من دلالةِ الصِّيَغِ، وشيءٍ من الأساليبِ العربيةِ كما درسَها المتقدمون من اللُّغويينَ، والتي تشكَّلَ منها ـ فيما بعدُ ـ علمُ البلاغةِ، وذلك نظراً لأثرِها في المعنى.
وحرصتُ على بسطِ الأمثلةِ، لتوضيحِ الفكرةِ (١)، كما حرصتُ على ألاَّ أُكثِرَ مما لا أثرَ له من اللُّغويَّاتِ، ولأجلِ هذا تجنَّبتُ الاستطرادَ، وإن كان ثمةَ فوائد ذكرتها في الحاشيةِ، ولم أكثر منها لخروجها عن موضوع البحث.
ثامناً: لم ألتزم ـ في الغالب ـ إيرادَ ألقابِ العلماءِ أو التَّرَحُّمَ عليهم، ﵏، وليس ذلك من تنقُّصٍ، وإنما التزامُ ذلك يطولُ ويصعبُ، أسألُ الله لهم المغفرةَ والرحمةَ.
أشكرُ كلَّ من كان له عونٌ لي في هذا البحثِ صغيراً كان جهده أم
стр. 20
كبيراً، وأسأل الله لهم أحسن الجزاء، وأن يوفقهم في الدارين، إنه سميع مجيب (١).
وأخيراً، فما كان في هذا البحث من صوابٍ، فمن اللهِ ، وما كان فيه من خطأ أو زللٍ، فمن نفسي ومن الشيطانِ، وأستغفرُ اللهَ منه، وحسبي أني بذلت جهدي ووسْعي.
وأسألُ اللهَ سبحانَهُ أنْ يُوفِّقني للعمل الصالحِ، وأنْ يجعلَ عملي نافعاً لي ولمن يطَّلِعُ عليه، وأنْ يُسدِّدني في كلِّ قولٍ وعملٍ، وآخر دعواي أن الحمد لله ربِّ العالمين.
стр. 21
الباب الأول
التفسير اللغوي: مكانته ونشأته
وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: التفسير اللغوي ومكانته.
الفصل الثاني: نشأة التفسير اللغوي.
الفصل الثالث: مسائل في نشأة التفسير اللغوي.
стр. 22
الفصل الأول
التفسير اللغوي ومكانته
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: تعريف التفسير اللغوي.
المبحث الثاني: مكانة التفسير اللغوي.
стр. 23
المبحث الأول
تعريفُ التَّفسير اللُّغويِّ
قبلَ الولوجِ في تعريفِ مصطلحِ «التَّفسيرِ اللُّغويِّ»، يحسنُ تعريفُ هاتينِ المفردتينِ قبلَ الإضافةِ؛ لكي يكون هذا التعريفُ للمفردتينِ مدخلاً يوضِّحُ المرادَ بمصطلحِ التَّفسير اللُّغويِّ.
أولاً: تعريف التفسير:
التفسير لغةً:
التَّفسيرُ: تفعيلٌ من الفَسْرِ، وأصلُ مادَّتِه اللُّغوية تدلُّ على بيانِ شيءٍ وإيضاحِه (١)، ولذا قيلَ: الفَسْرُ: كَشفُ المغطَّى (٢).
وقيلَ: هو مأخوذٌ من قولِهم: فَسَرْتُ الحديثَ، أفسُرُهُ فَسْراً؛ إذا بيَّنتُه
стр. 24
وأوضحتُه. وفَسَّرْتُهُ تفسيراً: كذلك (١).
والأشهرُ في الاستعمالِ: فَسَّرَ تفسيراً، بتشديدِ حرفِ السِّينِ في الماضي، وبه جاءَ القرآنُ، كما قالَ تعالى: ﴿وَلاَ يَاتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٣].
قالَ مجاهد (ت:١٠٤) (٢) في تفسير هذه الآية: «﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾: بياناً» (٣).
ومن الألفاظِ التي تُستخدمُ للدلالةِ على التَّفسيرِ، لفظُ التأويلِ ولفظُ المعنى. قالَ ابنُ الأعرابيِّ (ت:٢٣١) (٤): «التفسيرُ والتأويلُ والمعنى؛ واحدٌ» (٥). فإذا قال مفسِّرٌ: «معنى هذهِ الآيةِ كذا» (٦)، أو قال: «تأويلُ هذه
стр. 25
الآيةِ كذا» (١)؛ فإنَّ المرادَ بهاتينِ العبارتينِ: تفسيرُها.
هذا، وقد استخدمَ إمامُ المفسِّرينَ ابنُ جريرٍ الطَّبريُّ (ت:٣٠٩) (٢) مصطلحَ التأويلِ بمعنى: التفسيرِ، في عنوانِ كتابِه: «جَامِعِ البَيَانِ عَنْ تَأوِيلِ آيِ القُرْآنِ»، كما أنه يُطلِقُ على أهلِ التَّفسيرِ: أهلَ التَّأويلِ، ويترجم لكل مقطعٍ من الآياتِ بقوله: «القول في تأويل قوله تعالى».
التفسير اصطلاحاً:
اختلفتْ عباراتُ المعرِّفينَ لمصطلحِ التفسيرِ، وكان فيها توسُّعٌ أو اختصارٌ، وممن عرَّفه:
* ابن جُزَيّ (ت:٧٤١) (٣)، قالَ: «معنى التَّفسيرِ: شرحُ القرآنِ، وبيانُ معناه، والإفصاحُ بما يقتضيه بنصِّه أو إشارَتِه أو نجواه» (٤).
* وعرَّفَهُ أبو حيان (ت:٧٤٥) (٥)، فقال: «التفسيرُ: علمٌ يُبحثُ فيه عن
стр. 26
كيفيةِ النطقِ بألفاظِ القرآن، ومدلولاتِها، وأحكامِها الإفراديَّةِ والتركيبيَّةِ، ومعانيها التي تُحمَلُ عليها حالَ التركيبِ، وتتماتُ ذلك.
فقولنا: «علم»: هو جنسٌ يشملُ سائرَ العلومِ.
وقولنا: «يُبحثُ فيه عن كيفيَّةِ النُّطقِ بألفاظِ القرآنِ»: هذا علمُ القراءاتِ.
وقولنا: «ومدلولاتها»، أي: مدلولاتِ تلك الألفاظِ، وهذا علمُ اللُّغةِ الذي يُحْتاجُ إليه في هذا العلمِ.
وقولنا: «وأحكامها الإفرادية والتَّركيبية»: هذا يشملُ علمَ التَّصريفِ، وعلمَ الإعرابِ، وعلمَ البيانِ، وعلمَ البديعِ.
«ومعانيها التي تحمل عليها حال التَّركيب»: شملَ بقوله: «التي تحمل عليها»: ما لا دلالةَ عليه بالحقيقةِ، وما دلالته عليه بالمجازِ، فإنَّ التَّركيبَ قد يقتضي بظاهره شيئاً، ويصدُّ عن الحملِ على الظَّاهرِ صادٌّ، فيحتاج لأجل ذلك أن يُحملَ على غيرِ الظَّاهرِ، وهو المجازُ.
وقولنا: «وتتمات ذلك»: هو معرفةُ النَّسخِ، وسببُ النُّزولِ، وقصةٌ توضِّحُ ما انبهمَ في القرآنِ، ونحوُ ذلك» (١).
* وعرَّفه الزَّرْكَشِيُّ (ت:٧٩٤) (٢) في موضعينِ من كتابِه البرهانِ في علوم القرآن، فقالَ في الموضعِ الأوَّلِ: «علمٌ يُعرفُ به فَهْمُ كتابِ اللهِ المنَزَّلِ على نبيه محمدٍ ﷺ ، وبيانُ معانيه، واستخراجُ أحكامِه وحِكَمِهِ» (٣).
стр. 27
وعرَّفه في الموضعِ الثاني، فقال: «هو عِلْمُ نُزولِ الآيةِ وسورتِها وأقاصيصِها والإشاراتِ النَّازلةِ فيها، ثُمَّ ترتيبُ مكِّيِّها ومدنِّيها، ومحكمِها ومتشابِهها، وناسخِها ومنسوخِها، وخاصِّها وعامِّها، ومطلقِها ومقيدِها، ومجملِها ومفسرِها.
وزادَ فيه قومٌ، فقالوا: علمُ حلالِها وحرامِها، ووعدِها ووعيدها، وأمرِها ونهيِها، وعِبَرِها وأمثالِها» (١).
* وقال ابنُ عَرَفَةَ المالكي (ت:٨٠٣) (٢): «... هو العلمُ بمدلولِ القرآنِ وخاصِّيَةِ كيفيةِ دلالتِه، وأسبابِ النُّزولِ، والنَّاسخِ والمنسوخِ.
فقولنا: خاصيةِ كيفيَّةِ دلالتِه: هي إعجازُه، ومعانيه البيانيَّةُ، وما فيه من علمِ البديعِ الذي يذكره الزَّمَخْشَرِيُّ (٣)، ومن نحا نحوه» (٤).
* وقال الكَافِيجِيُّ (ت:٨٧٩) (٥): «وأمَّا التَّفسيرُ في العُرْفِ، فهو كشفُ معاني القرآنِ، وبيانُ المرادِ.
стр. 28
والمرادُ من معاني القرآنِ أعمُّ، سواءً كانت معاني لغويَّةً أو شرعيَّةً، وسواءً كانت بالوضعِ أو بمعونةِ المقامِ وسَوْقِ الكلامِ وبقرائنِ الأحوالِ؛ نحو: السَّماء والأرض والجنَّة والنَّار، وغير ذلك. ونحو: الأحكام الخمسة. ونحو: خواصِّ التَّركيب اللازمة له بوجه من الوجوه» (١).
* وقال محمَّد الطَّاهر بن عاشور (ت:١٣٩٣) (٢): «التَّفسير ... : اسمٌ للعِلْمِ الباحثِ عن بيانِ معاني ألفاظِ القرآنِ، وما يستفاد منها، باختصارٍ أو توسعٍ» (٣).
* وقال عبد العظيم الزُّرْقَانِيُّ: «علمٌ يُبحَثُ فيه عن القرآنِ الكريمِ من حيثُ دلالتُه على مرادِ اللهِ بقدرِ الطاقةِ البشريَّةِ» (٤).
* وقال منَّاع القطَّان: «بيانُ كلامِ اللهِ المنَزلِ على محمدٍ ﷺ .
فبيانُ كلامِ اللهِ ـ هذا المركَّبُ الإضافيُّ ـ: يُخرِجُ بيانُ كلامِ غيرِ اللهِ من الإنسِ والجنِّ والملائكةِ.
والمنَزَّلُ: يُخرِجُ كلامَ اللهِ الذي استأثرَ به سبحانَه.
стр. 29
وتقيِيد المُنَزَّلِ بكونِه «على محمَّد ﷺ »: يُخرَجُ به ما أُنزِلَ على الأنبياءِ قبله؛ كالتَّوراةِ والإنجيلِ» (١).
* وقال محمد بن صالح بن عُثَيمِين: «بيان معاني القرآن الكريم» (٢).
تحليل هذه التعريفات:
١ - يلاحظُ أنَّ بعضَ أصحاب هذه التَّعريفات نظرَ إلى جملةِ العلومِ التي تسْتَبْطِنُها كتبُ التَّفسيرِ، ولكثرتِها، فإنَّه لا يُتمكَّنُ من حصرِها وعدِّها كلِّها في التَّعريفِ، فجاءتْ في بعضِ التَّعريفات مثالاً لهذه الموضوعاتِ، وهذا ليس فيه تحديدٌ دقيقٌ لعلمِ التَّفسيرِ، ويظهرُ هذا واضحاً في تعريفِ أبي حيَّانَ الأندلسيِّ (ت:٧٤٥) والزَّرْكَشِيِّ (ت:٧٩٤).
٢ - ويلاحظُ أنَّ بعضَهم ذَكَرَ ما ليس من علمِ التَّفسيرِ؛ كقولِ أبي حيَّانَ الأندلسيِّ (ت:٧٤٥): «وقولنا: يُبحثُ فيه عن كيفيةِ النُّطقِ بألفاظِ القرآنِ: هذا علمُ القراءاتِ» (٣).
ومعلومٌ أنَّه ليس من مُهِمَّةِ المُفَسِّرِ بيانُ كيفيَّةِ النُّطقِ بألفاظِ القرآنِ، إذ هذا من مُهِمَّةِ مقرئ القرآنِ.
وإنما يتعلقُ بالتَّفسيرِ من هذا العلمِ ما كان له أثرٌ في اختلافِ المعنى؛ مثلُ الاختلافِ في قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير: ٢٤]، حيثُ قُرِئَ: «بِضَنِين» و «بِظَنِين»، فمن قرأ: «بضنين»، فمعناه: ما هو ببخيل. ومن قرأ: «بظنين»، فمعناه: ما هو بمتَّهم (٤).
стр. 30
أمَّا ما يتعلقُ بالأداءِ في القراءاتِ؛ كالإمالةِ، والتَّقليلِ، والهمزةِ، والإدغامِ، وغيرِها، فإنَّه لا أثرَ لها في التَّفسيرِ، ومن ثَمَّ، فهي ليست من علومِ التَّفسيرِ التي يحتاجها المفسِّرُ.
٣ - كما يلاحظُ أنَّ بعضَ العلومِ المذكورةِ لم يُذكَرْ لها ضابطٌ فيما يدخلُ منها وما لا يدخلُ في التَّفسيرِ.
ومن العلومِ ـ مثلاً ـ علمُ الأحكامِ (أي: علم الفقه)، وليس كلُّ ما ذُكِرَ منه في كتبِ التَّفسيرِ داخلاً في مصطلحِ التَّفسيرِ؛ لأنَّ بعضَ المفسِّرينَ يتوسَّعونَ في ذكرِ المسائلِ المتعلِّقةِ بموضوعِ الحكمِ الشَّرعيِّ الذي نَصَّتْ عليه الآيةُ، وهذا التَّوسُّعُ محلُّه كتبُ الفقهِ، وليسَ كتبَ التَّفسيرِ، وقد أشارَ إلى ذلك بعضُ المفسِّرينَ، منهم:
* الطبريُّ (ت:٣١٠)، قال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]: «والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إنَّ اللهَ تعالى ذكرُه حرَّمَ قتلَ صيدِ البرِّ على كلِّ مُحْرِمٍ في حالِ إحرامِه ما دام مُحرِماً بقولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾ [المائدة: ٩٥]، ثمَّ بيَّنَ حكمَ من قتلَ ما قتلَ من ذلكَ في حالِ إحرامِه مُتعمِّداً لقتلِه، ولم يُخصِّص به المتعمِّدَ قتلَه في حالِ نسيانِه لإحرَامه، ولا المخطئَ في قتلِه في حالِ ذكرِه إحرامَه، بل عمَّ في التَّنْزيلِ ـ بإيجابِ الجزاءِ ـ كلَّ قاتلِ صيدٍ في حالِ إحرامِه متعمِّداً ... وأمَّا ما يلزمُ بالخطأ قاتلَه، فقد بيَّنَّا القول فيه في كتابنا: (كتابِ لطيفِ القولِ في أحكامِ الشَّرائعِ) بما أغنى عن ذكرِه في هذا الموضعِ.
وليسَ هذا الموضِعُ موضعَ ذكرِه؛ لأنَّ قصدنا في هذا الكتاب؛ الإبانةُ عن تأويلِ التَّنْزيلِ، وليسَ في التَّنْزيلِ للخطَأ ذِكْرٌ، فنذْكُر أحْكامَه» (١).
стр. 31
* وأبو حيَّان (ت:٧٤٥)، قال: «وقد تَعَرَّضَ المفسِّرون في كتبِهم لحكمِ التَّسميةِ في الصَّلاةِ، وذكروا اختلافَ العلماءِ في ذلك، وأطالوا التَّفاريعَ في ذلك، وكذلك فَعَلُوا في غيرِ ما آيةٍ، وموضوعُ هذا كتبُ الفقهِ.
وكذلك تكلَّمَ بعضُهم على التَّعَوُّذِ، وعلى حكمِه، وليس من القرآنِ بإجماعٍ.
ونحنُ في كتابِنا هذا لا نتعرَّضُ لحكمٍ شرعيٍّ إ لاَّ إذا كان لفظُ القرآنِ يدلُّ على ذلك الحكمِ، أو يمكنُ استنباطُه منه بوجهٍ من وجوهِ الاستنباطاتِ» (١).
لقد ذكر الطَّبريُّ (ت:٣١٠) وأبو حيان (ت:٧٤٥) هاهنا الضابطَ الذي يُعتمدُ عليه في ذكرِ مثلِ هذه الأحكام، وهو أن يكونَ القرآنُ نصَّ على الحكمِ الفقهيِّ، فإنَّهم يبيِّنونَ هذا الحكمَ ولا يتوسَّعونَ في بيانِ ما يتعلَّقُ به من الأحكامِ التي لم يردِ النَّصُّ عليها في القرآنِ، ومنْ ثَمَّ، فبيانُ الحكمِ الذي نصَّ عليه القرآنُ من التَّفسيرِ، وما يُذكرُ من المسائلِ الفقهيَّةِ المتعلِّقةِ بهذا الحكمِ، ولم ينصَّ عليها القرآنُ فهي ليستْ من التَّفسيرِ، ومحلُّها كتبُ الفقهِ، واللهُ أعلمُ.
والملاحظُ أنَّ أبا حيَّانَ (ت:٧٤٥) لم يلتزم هذا الضَّابطَ الذي ذكره في إيرادِه للأحكامِ عندَ تعرُّضِه للمسائلِ اللُّغويَّةِ والصَّرفيَّةِ والنَّحويَّةِ، بل توسَّع فيها، حتى خرجَ بها عن حدِّ التَّفسيرِ.
وأخيراً، إذا أمعنتَ النَّظرَ في هذه التَّعريفات فإنك ستجدُ بعضَها قد انطلقَ من المعنى اللُّغويِّ للتَّفسيرِ، وهذا هو الصوابُ، وقد استُعملتْ في هذه التَّعريفات عباراتُ: بيانٍ، وشرحٍ، وكشفٍ؛ للتَّعبير عن معنى «التَّفسير».
ويمكنُ من هذا المنطلقِ القولُ بأنَّ عمليةَ التَّفسيرِ إنَّما هي بيانُ وشرحُ
стр. 32
القرآنِ، فما كان خارجَ نطاقِ البيانِ فإنَّه غيرُ داخلٍ في مصطلحِ التَّفسيرِ (١)، ومن ذلك ـ على سبيل المثال ـ ما يرجعُ إلى المُحَسِّنَاتِ اللَّفظيَّةِ من علمِ البديعِ؛ كالطِّباقِ (٢) المذكورِ في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم: ٤٣] (٣) فإنه لا أثرَ له في بيانِ الآيةِ؛ أي أنَّه يمكنك أن تفهم معنى الآية، وإنْ لم تعرفْ هذا الطِّباقَ المذكورَ.
стр. 33
وغايةُ هذا البيانِ فهمُ كلام الله، فما خرجَ عن حَدِّ فَهْمِ كلامِه سبحانَهُ فإنه زائدٌ عن معنى البيانِ؛ لأنَّ الغايةَ من التَّفسيرِ معرفةُ المعنى الذي أراده الله من كلامِهِ، فما تَحْصُلُ به المعرفةُ فإنه بيانٌ وتفسيرٌ، وما عدا ذلك، فإنه توسُّعٌ حاصلٌ بعدَ هذا الفَهمِ والبيانِ.
وإذا تأمَّلتَ كثيراً من النِّكاتِ البلاغيَّةِ، والمُلَحِ التَّفسيريَّةِ، واللَّطائفِ اللُّغويَّةِ، وجدتَها تدخلُ في ما وراءَ البيانِ والفهمِ، فهي ليست من صُلْبِ التَّفسيرِ؛ لأن البيانَ لا يتوقفُ عليها، أمَّا إذا توقَّفَ البيانُ عليها فهي من التَّفسيرِ.
وإذا كان ذلك هو المنطلق في تعريفِ التَّفسيرِ، فإنَّ البيانَ قد يتحقَّقُ بمعرفةِ اللَّفظةِ الغريبةِ في الآيةِ، أو بمعرفةِ قصتِها وسببِ نزولِها، أو بمعرفةِ مكانِ نزولِها وفيمن نزلتْ، أو بمعرفةِ ما فيها من النَّسخِ بمصطلحِه العامِّ؛ كبيانِ مجملٍ، وتخصيصِ عامٍ، وتَقْيِيدِ مطلقٍ، ورفعِ حكمٍ شرعيٍّ، وغيرِها مما يعتريه إزالةٌ ورفعٌ.
والمقصودُ: أنَّ ما يقعُ به بيانٌ عن معنى الآيةِ، فإنه تفسيرٌ للقرآنِ، ودونك هذه الأمثلةُ، إذ بالمثالِ يتبيَّنُ المقالُ.
١ - في قولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٣٨].
إن أوَّلَ ما تحتاجُ إليه لِمعرفةِ تفسيرِ الآيةِ، معرفةُ لفظِ «النَّسِيء» في اللُّغةِ. فإذا عرفتَ أنَّ النَّسِيءَ: التأخيرُ، صارَ معنى الآيةِ: إنما التَّأخيرُ زيادةٌ في الكفرِ.
ولكن أيُّ تأخيرٍ هو المرادُ، وهذا يعني أنَّه لم يتمَّ البيانُ بمعرفةِ المدلولِ اللُّغويِّ وحدَه، لاحتياجِك إلى تحديدِ النَّسِيءِ المرادِ في الآيةِ، فإذا تَكَشَّفتْ لك قصةُ الآيةِ بما رُوي عن حبرِ الأمَّةِ ابن عباسٍ (ت:٦٨): أنَّ جُنَادَةَ بنَ عوفٍ بنَ أميةَ الكناني كان يوافي الموسمَ كلَّ عامٍ ـ وكانَ يُكْنَى أبا
стр. 34
ثُمَامَةَ ـ فينادي: أَلاَ إنَّ أبا ثُمَامَةَ لا يُحَابُ (١) ولا يُعابُ، أَلاَ وإنَّ صفرَ العَامِ الأوَّلِ العَامَ حلالٌ. فَيُحِلُّهُ الناسُ، فيحرِّمُ صفرَ عاماً، ويحرِّم المحرَّمَ عاماً، فذلك قوله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ إلى قوله: ﴿الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ٣٧] (٢) = تَبَيَّنَ لك المعنى المرادُ بالآيةِ، وهو أنَّ تأخيرَ الأشهرِ الحُرُمِ وإيقاعَها في أشهرِ الحِلِّ زيادةٌ في الكفرِ إلى كفرِهم، فَصِرْتَ في هذه الآية محتاجاً إلى معرفة معاني المفردات وقصةِ الآيةِ، والله أعلم.
٢ - في قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى *وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٤، ١٥]، قيلَ: المرادُ: زكاةُ الفِطرِ وصلاةُ العِيدِ.
وقيلَ: تَطَهَّرَ مِن الشِّركِ بالإيمانِ باللهِ، وصلَّى الصَّلواتِ الخمسَ. وهو قولُ ابنِ عباسٍ (ت:٦٨).
قال ابن الجَوْزِيِّ (ت:٥٩٧) (٣): «والقَولُ قولُ ابنِ عباسٍ في الآيتينِ، فإنَّ هذه السُّورةَ مكيَّةٌ بلا خلافٍ، ولم يكنْ بمكةَ زكاةٌ ولا عِيدٌ» (٤).
لعلَّكَ تلاحظُ في هذا المثالِ أثرَ معرفةِ المكيِّ والمدنيِّ في فَهمِ الآيةِ، فلأنَّ السُّورةُ مكيَّةٌ، لا يمكنُ القولُ بأنَّها نزلتْ بشأنِ زكاةِ الفطرِ وصلاةِ العيدِ المفروضتين في المدينةِ، وأنَّ المرادَ بها هذا دونَ غيرِه، وإن كانتا تدخلانِ في معنى الآيةِ بالنَّظرِ إلى تعميمِ اللَّفظِ.
стр. 35
٣ - في قوله تعالى: ﴿وَالْمَلاَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥]، إذا أخذتَ بالعمومِ في قولِه: ﴿لِمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ جعلتَ الاستغفارَ حاصلاً للمؤمنين والكافرين. وبه قال بعضهم، وجعلَ استغفارَ الملائكةِ للكافرِ بمعنى طلبِ الهدايةِ له.
وقالَ آخرونَ: إنه عَامٌّ مخصوصٌ، وإنَّ المرادَ بمن في الأرضِ: المؤمنون. ويدلُّ على ذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧] (١).
ومن هذين القولين يَتحصَّلُ أنَّ مَنْ جَعَلَ الآيةَ عامَّةً أو خاصَّةً، فقد وقعَ منهم بيانٌ له أثرٌ في فَهْمِ معنى الآيةِ، وإنْ اختلفتْ أقوالُهم في تفسيرها.
ومن ثَمَّ، فإنَّ أيَّ معلومةٍ لها أثرٌ في فهْمِ المعنى أو تَغيُّرِهِ، فإنها تفسيرٌ، أمَّا ما كانتْ معرفتُه غيرَ مُؤَثِّرَةٍ في معنى الآيةِ، فإنه خارجٌ عن معنى التَّفسيرِ، وهو من باب التَّوَسُّعِ في هذا العلمِ. والله أعلم.
وسأضربُ مثلاً يُبَيِّنُ أنَّ بعضَ المعلوماتِ الموجودة في التَّفسيرِ لا أثرَ لها في بيانِ الآيةِ، وهي خارجةٌ عن حدِّه، وزائدةٌ عليه، ومن ذلك ما وردَ في تفسيرِ قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٣٥]، حيثُ اختلفَ المفسِّرونَ في تعيين الشَّجرةِ التي نُهِيَ آدمُ وزوجُه عن الأكلِ منها، فقيل: هي السُّنبلةُ، وقيلَ: الكَرْمَةُ، وقيلَ: التِّينةُ (٢).
والجهلُ بنوعِ الشَّجرةِ التي نُهِيَ عنها آدمُ وزوجُه، لا يؤثِّرُ في فهمِ المعنى، قال الطبري (ت:٣١٠): «فالصوابُ في ذلك أن يقالَ: إنَّ اللهَ جلَّ
стр. 36
ثناؤه نهى آدمَ وزوجتَه عن أكلِ شجرةٍ بعينِها من أشجارِ الجنَّةِ دونَ سائرِ أشجارِها، فخالفا إلى ما نهاهما الله عنه، فأكلا منها كما وصفهما الله جلَّ ثناؤه به. ولا علمَ عندنا بأيِّ شجرةٍ كانت على التَّعيينِ؛ لأنَّ اللهَ لم يضع لعبادِه دليلاً من القرآنِ، ولا في السنّةِ الصحيحةِ، فأنَّى يتأتي ذلكَ؟
وقد قيلَ: كانت شجرةَ البُرِّ، وقيلَ: شجرةَ العنبِ، وقيلَ: شجرةَ التِّينِ، وجائزٌ أن تكونَ واحدةً منها، وذلك عِلْمٌ، إذا عُلِمَ، لم ينفعِ العالِمَ به علمُه، وإن جَهِلَهُ جاهلٌ، لم يضرَّه جهلُه به» (١).
وعلى ذلكَ يجري كثيرٌ من مبهماتِ القرآنِ. إذ العلمُ بها لا يفيدُ معنىً، ولا بياناً في الآيةِ.
وبعد هذا التَّفصيلِ يُمكنُ القولُ بأنَّ التَّفسيرَ: بَيَانُ القرآن الكريم.
فخرجَ بالبيان: ما كان خارجاً عن حَدِّ البيانِ؛ ككثيرٍ من المسائلِ الفقهيَّةِ، والمسائلِ النَّحويَّةِ، ومبهماتِ القرآنِ، وغيرِها مِمَّا يُذْكَرُ في كتبِ التَّفسيرِ، مِمَّا لا أثرَ له في التَّفسيرِ.
ويخرج بالقرآنِ: غيرُ كلامِ اللهِ سبحانَه، وكلامُه لملائكتِه، وكلامُه لرسلِه السَّابقينَ محمداً ﷺ ، والحديثُ القدسيُّ، والله أعلم.
ثانياً: تعريف اللغة:
اللُّغةُ لغةً:
اللُّغةُ: فُعْلَةٌ من لَغَوتُ؛ أي: تَكَلَّمْتُ. وأصلها: لُغْوَةٌ، وقيل: لُغَيٌ أو لُغَوٌ ـ على وزنِ فُعَلٌ ـ والهاءُ عوضٌ. وجمعُها: لُغَىً، ولغاتٌ، ولُغُونٌ (٢).
стр. 37
واللُّغةُ: اللِّسْنُ والنُّطقُ، يقال: هذه لغتُهم التي يَلْغُونَ بها؛ أي: ينطقون (١).
ولَغْوَى الطَّيرِ: أصواتُها (٢).
واختُلفَ في أصلِ اشتقاقِ المادَّةِ، فقيل:
١ - أُخذتْ من الْمَيلِ، في قولهم: لَغَا فلانٌ عن الصَّوابِ، إذا مَالَ عنه، قال ابنُ الأعرابيِّ (ت:٢٣١): «واللُّغةُ أُخِذَتْ من هذا؛ لأنَّ هؤلاءِ تكلَّموا بكلامٍ مالُوا فيه عنْ لغةِ هؤلاءِ الآخرين» (٣).
٢ - أُخِذَتْ من اللَّهْجِ بالشَّيءِ، قال ابن فارس (ت:٣٩٥) (٤): «... لَغَى بالأمرِ: إذا لَهَجَ به، ويقالُ: إنَّ اشتقاقَ اللُّغةِ منه؛ أي: يَلْهَجُ صاحبُها بها» (٥).
٣ - وقيل: مصدرُها: اللَّغْوُ، وهو الطَّرْحُ، فالكلامُ لكثرةِ الحاجةِ إليه يُرْمَى به (٦).
اللغة اصطلاحاً:
وردَ في تعريفِ اللغةِ اصطلاحاً عِدَّةُ تعريفاتٍ عن العلماءِ، ومن ذلك:
стр. 38
١ - عَرَّفها ابنُ جِنِّي (ت:٣٩٢) (١) فقال: «أصواتٌ يُعبِّرُ بها كلُّ قومٍ عن أغراضِهِم» (٢).
٢ - وقال ابنُ حَزْمٍ (ت:٤٥٦) (٣): «ألفاظٌ يُعبَّرُ بها عن المُسَمَّيَاتِ وعن المعاني المرادِ إفهامُها، ولكُلِّ أمةٍ لغتُهم» (٤).
٣ - وفي تاجِ العروسِ: «هي الكلامُ المصطلحُ عليه بين كُلِّ قبيلٍ» (٥).
وهذه التعريفاتُ مُتقاربةٌ في الدلالةِ على اللغةِ اصطلاحاً، وإن اختلفتْ تعبيراتُ المعبِّرين عنها.
ويُلاحظُ أنهم جعلوا اللُّغةَ الطريقَ الذي يحصلُ به التَّفاهمُ بين اثنين عن طريقِ النُّطقِ بالألفاظِ؛ أي: أنَّ عمدةَ اللُّغةِ الألفاظُ التي يتداولُها القومُ الذين اصطلحوا عليها، بحيثُ لو حُدِّثوا بغيرِها لم يحصل بينهم تفاهم.
стр. 39
ويلاحظُ في هذه التعريفات أنها لم تذكر الأساليبَ التي تتميزُ بها اللُّغةُ؛ كالحذفِ والاختصارِ والكنايةِ والاستعارةِ وغيرِها من الأساليبِ العربيَّةِ التي لها أثرٌ في الفَهْمِ حَالَ التَّخاطُبِ بَين المتخاطِبينَ بها. ولغةُ العربِ من أوسعِ اللُّغاتِ في التَّفننِ بهذه الأساليبِ.
والمقصودُ: أنَّ كلامَ المخاطِبِ قد لا يكفي في فهمِه معرفةُ الألفاظِ وتراكيبِ الجملة، بلْ يُحْتَاجُ إلى معرفةِ الأسلوبِ الذي استعملَه المتكلمُ، ففي قوله تعالى: ﴿قَالُوا ياشُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَامُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧] تجدُ أنَّ قولَهُم: ﴿إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ ظاهرُه المدحُ؛ لأنَّ هذه الألفاظَ ألفاظُ مدحٍ، ولكن السياق يدلُّ على أنَّ هذا الأسلوبَ أسلوبُ تَهَكُّمٍ وسخريةِ، قال الطبري (ت:٣١٠): «وأمَّا قولُهم لشعيبٍ: ﴿إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾، فإنهم ـ أعداءُ اللهِ ـ قالوا ذلك له استهزاءً به، وإنما سَفَّهُوه وجَهَّلُوه بهذا الكلامِ، وبما قلنا من ذلك قالَ أهل التَّأويلِ» (١). ثمَّ ذكرَ الروايةَ في ذلك عن ابنِ جريجٍ (ت:١٥٠) (٢)، وابن زيدٍ (ت:١٨٢) (٣).
وقد أوردَ العلماءُ في بعضِ الأساليبِ قواعدَ تَدُلُّ على أثرِ هذه
стр. 40
الأساليبِ في فَهْمِ اللُّغةِ؛ كقولِهم: «العربُ إنَّما تحذفُ من الكلامِ ما دَلَّ عليه ما ظهرَ» (١).
وقولِهم: «العربُ تختصرُ الكلامَ ليخفِّفُوه؛ لِعِلْمِ السامعِ بتمامِه» (٢)
وقولِهم: «إنما يحسنُ الإضمارُ في الكلامِ الذي يجتمعُ، ويدلُّ أولُه على آخرِه» (٣).
ولبيانِ أثرِ الأسلوبِ في فَهْمِ الكلامِ، انظرْ تفسير قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ٣]، قال الفراء (ت:٢٠٧) (٤): «ويقالُ: قَدَّرَ فهدى وأضَلَّ، فاكتفى من ذِكْرِ الضَّلالِ بذِكْرِ الهدى، لكثرةِ ما يكونُ معه» (٥)، حيثُ جعلَ هذا القائلُ الآيةَ على أسلوبِ الحذفِ اختصاراً، وجعلَ لفظَ هدى دلالةً على اللَّفظِ المحذوفِ، وبهذا تصيرُ دلالةُ الآيةِ محصورةً على الهدى والضَّلالِ الشَّرعيِّ، والصوابُ أنَّ الآيةَ أعمُّ من ذلك، قال الطَّبريُّ (ت:٣١٠): «والصَّوابُ من القولِ في ذلك عندنا أن الله عمَّ بقوله: ﴿فَهَدَى﴾ الخبر عن هدايته خلقَه ولم يخصص من ذلك معنى دون معنى، وقد هداهم لسبيلِ الخيرِ والشَّرِ، وهدى الذكورَ لمَاتَى الإناثِ، فالخبر على عمومِه حتى يأتيَ خبرٌ تقومُ به الحجةُ دالٌّ على خصوصِه» (٦).