← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 13873

التفسير اللغوي للقرآن الكريم

مساعد الطيار

Полный текст (714 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ثناؤه نهى آدمَ وزوجتَه عن أكلِ شجرةٍ بعينِها من أشجارِ الجنَّةِ دونَ سائرِ أشجارِها، فخالفا إلى ما نهاهما الله عنه، فأكلا منها كما وصفهما الله جلَّ ثناؤه به. ولا علمَ عندنا بأيِّ شجرةٍ كانت على التَّعيينِ؛ لأنَّ اللهَ لم يضع لعبادِه دليلاً من القرآنِ، ولا في السنّةِ الصحيحةِ، فأنَّى يتأتي ذلكَ؟ وقد قيلَ: كانت شجرةَ البُرِّ، وقيلَ: شجرةَ العنبِ، وقيلَ: شجرةَ التِّينِ، وجائزٌ أن تكونَ واحدةً منها، وذلك عِلْمٌ، إذا عُلِمَ، لم ينفعِ العالِمَ به علمُه، وإن جَهِلَهُ جاهلٌ، لم يضرَّه جهلُه به» (١). وعلى ذلكَ يجري كثيرٌ من مبهماتِ القرآنِ. إذ العلمُ بها لا يفيدُ معنىً، ولا بياناً في الآيةِ. وبعد هذا التَّفصيلِ يُمكنُ القولُ بأنَّ التَّفسيرَ: بَيَانُ القرآن الكريم. فخرجَ بالبيان: ما كان خارجاً عن حَدِّ البيانِ؛ ككثيرٍ من المسائلِ الفقهيَّةِ، والمسائلِ النَّحويَّةِ، ومبهماتِ القرآنِ، وغيرِها مِمَّا يُذْكَرُ في كتبِ التَّفسيرِ، مِمَّا لا أثرَ له في التَّفسيرِ. ويخرج بالقرآنِ: غيرُ كلامِ اللهِ سبحانَه، وكلامُه لملائكتِه، وكلامُه لرسلِه السَّابقينَ محمداً ﷺ ، والحديثُ القدسيُّ، والله أعلم. ثانياً: تعريف اللغة: اللُّغةُ لغةً: اللُّغةُ: فُعْلَةٌ من لَغَوتُ؛ أي: تَكَلَّمْتُ. وأصلها: لُغْوَةٌ، وقيل: لُغَيٌ أو لُغَوٌ ـ على وزنِ فُعَلٌ ـ والهاءُ عوضٌ. وجمعُها: لُغَىً، ولغاتٌ، ولُغُونٌ (٢).

стр. 37

واللُّغةُ: اللِّسْنُ والنُّطقُ، يقال: هذه لغتُهم التي يَلْغُونَ بها؛ أي: ينطقون (١). ولَغْوَى الطَّيرِ: أصواتُها (٢). واختُلفَ في أصلِ اشتقاقِ المادَّةِ، فقيل: ١ - أُخذتْ من الْمَيلِ، في قولهم: لَغَا فلانٌ عن الصَّوابِ، إذا مَالَ عنه، قال ابنُ الأعرابيِّ (ت:٢٣١): «واللُّغةُ أُخِذَتْ من هذا؛ لأنَّ هؤلاءِ تكلَّموا بكلامٍ مالُوا فيه عنْ لغةِ هؤلاءِ الآخرين» (٣). ٢ - أُخِذَتْ من اللَّهْجِ بالشَّيءِ، قال ابن فارس (ت:٣٩٥) (٤): «... لَغَى بالأمرِ: إذا لَهَجَ به، ويقالُ: إنَّ اشتقاقَ اللُّغةِ منه؛ أي: يَلْهَجُ صاحبُها بها» (٥). ٣ - وقيل: مصدرُها: اللَّغْوُ، وهو الطَّرْحُ، فالكلامُ لكثرةِ الحاجةِ إليه يُرْمَى به (٦). اللغة اصطلاحاً: وردَ في تعريفِ اللغةِ اصطلاحاً عِدَّةُ تعريفاتٍ عن العلماءِ، ومن ذلك:

стр. 38

١ - عَرَّفها ابنُ جِنِّي (ت:٣٩٢) (١) فقال: «أصواتٌ يُعبِّرُ بها كلُّ قومٍ عن أغراضِهِم» (٢). ٢ - وقال ابنُ حَزْمٍ (ت:٤٥٦) (٣): «ألفاظٌ يُعبَّرُ بها عن المُسَمَّيَاتِ وعن المعاني المرادِ إفهامُها، ولكُلِّ أمةٍ لغتُهم» (٤). ٣ - وفي تاجِ العروسِ: «هي الكلامُ المصطلحُ عليه بين كُلِّ قبيلٍ» (٥). وهذه التعريفاتُ مُتقاربةٌ في الدلالةِ على اللغةِ اصطلاحاً، وإن اختلفتْ تعبيراتُ المعبِّرين عنها. ويُلاحظُ أنهم جعلوا اللُّغةَ الطريقَ الذي يحصلُ به التَّفاهمُ بين اثنين عن طريقِ النُّطقِ بالألفاظِ؛ أي: أنَّ عمدةَ اللُّغةِ الألفاظُ التي يتداولُها القومُ الذين اصطلحوا عليها، بحيثُ لو حُدِّثوا بغيرِها لم يحصل بينهم تفاهم.

стр. 39

ويلاحظُ في هذه التعريفات أنها لم تذكر الأساليبَ التي تتميزُ بها اللُّغةُ؛ كالحذفِ والاختصارِ والكنايةِ والاستعارةِ وغيرِها من الأساليبِ العربيَّةِ التي لها أثرٌ في الفَهْمِ حَالَ التَّخاطُبِ بَين المتخاطِبينَ بها. ولغةُ العربِ من أوسعِ اللُّغاتِ في التَّفننِ بهذه الأساليبِ. والمقصودُ: أنَّ كلامَ المخاطِبِ قد لا يكفي في فهمِه معرفةُ الألفاظِ وتراكيبِ الجملة، بلْ يُحْتَاجُ إلى معرفةِ الأسلوبِ الذي استعملَه المتكلمُ، ففي قوله تعالى: ﴿قَالُوا ياشُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَامُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧] تجدُ أنَّ قولَهُم: ﴿إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ ظاهرُه المدحُ؛ لأنَّ هذه الألفاظَ ألفاظُ مدحٍ، ولكن السياق يدلُّ على أنَّ هذا الأسلوبَ أسلوبُ تَهَكُّمٍ وسخريةِ، قال الطبري (ت:٣١٠): «وأمَّا قولُهم لشعيبٍ: ﴿إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾، فإنهم ـ أعداءُ اللهِ ـ قالوا ذلك له استهزاءً به، وإنما سَفَّهُوه وجَهَّلُوه بهذا الكلامِ، وبما قلنا من ذلك قالَ أهل التَّأويلِ» (١). ثمَّ ذكرَ الروايةَ في ذلك عن ابنِ جريجٍ (ت:١٥٠) (٢)، وابن زيدٍ (ت:١٨٢) (٣). وقد أوردَ العلماءُ في بعضِ الأساليبِ قواعدَ تَدُلُّ على أثرِ هذه

стр. 40

الأساليبِ في فَهْمِ اللُّغةِ؛ كقولِهم: «العربُ إنَّما تحذفُ من الكلامِ ما دَلَّ عليه ما ظهرَ» (١). وقولِهم: «العربُ تختصرُ الكلامَ ليخفِّفُوه؛ لِعِلْمِ السامعِ بتمامِه» (٢) وقولِهم: «إنما يحسنُ الإضمارُ في الكلامِ الذي يجتمعُ، ويدلُّ أولُه على آخرِه» (٣). ولبيانِ أثرِ الأسلوبِ في فَهْمِ الكلامِ، انظرْ تفسير قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ٣]، قال الفراء (ت:٢٠٧) (٤): «ويقالُ: قَدَّرَ فهدى وأضَلَّ، فاكتفى من ذِكْرِ الضَّلالِ بذِكْرِ الهدى، لكثرةِ ما يكونُ معه» (٥)، حيثُ جعلَ هذا القائلُ الآيةَ على أسلوبِ الحذفِ اختصاراً، وجعلَ لفظَ هدى دلالةً على اللَّفظِ المحذوفِ، وبهذا تصيرُ دلالةُ الآيةِ محصورةً على الهدى والضَّلالِ الشَّرعيِّ، والصوابُ أنَّ الآيةَ أعمُّ من ذلك، قال الطَّبريُّ (ت:٣١٠): «والصَّوابُ من القولِ في ذلك عندنا أن الله عمَّ بقوله: ﴿فَهَدَى﴾ الخبر عن هدايته خلقَه ولم يخصص من ذلك معنى دون معنى، وقد هداهم لسبيلِ الخيرِ والشَّرِ، وهدى الذكورَ لمَاتَى الإناثِ، فالخبر على عمومِه حتى يأتيَ خبرٌ تقومُ به الحجةُ دالٌّ على خصوصِه» (٦).

стр. 41

مصطلحُ اللُّغةِ في كلامِ السَّلفِ: وقدْ وردَ استخدامُ السلفِ لمصطلح اللغةِ على ما ذكره العلماء في التعريف الاصطلاحي، وذلك أنهم ذكروا في تفسيرِ بعضِ الألفاظِ أنها «بِلُغَةِ كذا»، مثل ما ورد عن الضَّحَّاكِ (ت:١٠٥) (١) في قوله تعالى: ﴿كَلاَّ لاَ وَزَرَ﴾ [القيامة: ١١]، حيثُ قال: «يعني: الجبلَ، بلغةِ حِمْيَر» (٢). وغالباً ما يَرِدُ تعبيرُهم بهذا إذا كان اللفظُ المفسَّرُ نازلاً بغيرِ لغةِ قريشٍ أو لغةِ العربِ، وقد اصطُلِحَ على ما كان بغيرِ لغةِ العربِ بمصطلح: «المُعَرَّب» (٣). كما وردَ عنهم التعبيرُ عن اللغةِ بأنها الكلامُ، ومن ذلك ما وردَ عن ابنِ عباسٍ (ت:٦٨) في قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]، قال: «من الإثمِ، وهي في كلامِ العربِ: نَقِيُ الثِّيابِ» (٤). أي: في لغتِهم. المعاني المرادفةِ للفظِ اللُّغةِ في القرآن وكلامِ السَّلفِ: وردَ في القرآنِ مرادفُ «اللُّغةِ»، وهو «اللِّسانُ»، ومما جاء في ذلك، قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤]. قال قتادة (ت:١١٧) (٥): «بلغة قومه» (٦).

стр. 42

وقوله تعالى: ﴿وَاخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ﴾ [الروم: ٢٢] قال الطَّبريُّ (ت:٣١٠): «واخْتِلافُ منطقِ ألسنَتِكُم ولُغَاتِكم» (١). ومن ذلك: قولُ ابنِ عباسٍ (ت:٦٨) ـ في تفسيرِ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: ٦]ـ قال: «الكَنُودُ بلسانِنا أهلَ البلدِ (٢): الكفورُ» (٣). وقولُ سعيدِ بن المسيبِ (٤) (ت:٩٤): «الماعونُ بلسانِ قريشٍ: المالُ» (٥). ثالثاً: تعريف التفسير اللغوي: بعدَ أنْ تمَّ التَّعَرُّفُ على مفرداتِ هذا المصطلحِ، فإنه يمكنُ الانطلاقُ منها إلى تعريفِ هذا المصطلحِ، فأقولُ: التفسيرُ اللغويُ: بيان معاني القرآن بما ورد في لغة العرب. أمَّا الشِقُّ الأولُ مِنَ التعريفِ، وهو بيان معاني القرآن: فإنه عامُّ يشملُ كُلَّ مصادرِ البيانِ في التَّفسيرِ؛ كالقرآنِ، والسُّنَّةِ، وأسباب النزول، وغيرها. وأمَّا الشِّقُّ الثاني منه، وهو بما ورد في لغة العرب: فإنه قَيدٌ واصفٌ لنوعِ البيانِ الذي وَقَعَ لتفسيرِ القرآنِ، وهو ما كان طريقُ بيانِه عن لغةِ العربِ. وبهذا النَّوعِ من البيانِ يخرجُ ما عداه من أنواعِ البيان؛ كالبيانِ الكائنِ بأسبابِ النُّزولِ وقصصِ الآيِ، أو غيرِها مما ليس طريقُ معرفتِه اللُّغةُ. كما يخرج بهذا القيدِ ما كان طريقُ بيانِه بغيرِ لغةِ العربِ، كمن يُفسِّرُ بمدلولاتٍ لا تُعرفُ عند العربِ؛ كالمصطلحاتِ الحادثةِ.

стр. 43

والمرادُ بما وردَ في لغةِ العربِ: ألفاظُها وأساليبُها التي نزلَ بها القرآنُ. وقد أشارَ إلى هذا الشَّاطِبِيُّ (ت:٧٩٠) (١)، فقال: «فإنْ قلنا إنَّ القرآنَ نزلَ بلسانِ العربِ، وإنَّه عربيٌ، وإنه لا عُجْمَةَ فيه، فيعني أنه أُنزِلَ على لسانِ معهودِ العربِ في ألفاظِها الخاصةِ وأساليبِ معانيها، وأنها فيما فُطِرتْ عليه من لسانِها تُخَاطِبُ بالعامِّ يُرَادُ به ظاهره، وبالعَامِّ يراد به العَامُّ في وجهٍ والخاصُّ في وجهٍ، وبالعَامِّ يُرادُ به الخاصُّ، وظاهرٌ ويُرادُ به غيرُ الظاهرِ، وكلُّ ذلك يُعرَفُ من أوَّلِ الكلامِ أو وسطِه أو آخرِه ...» (٢). ومن أمثلةِ تفسيرِ الألفاظِ، تفسيرُ لفظ «استوى» في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يونس: ٣]، قال أبو عبيدة (٣) (ت:٢١٠): «مَجَازُهُ: ظَهَرَ عَلَى العَرْشِ وعَلاَ عَلَيه. ويُقالُ: اسْتَوَيتُ على ظَهْرِ الفَرَسِ، وعلى ظَهْرِ البَيتِ» (٤). ومن أمثلةِ تفسيرِ الأساليبِ، تفسيرُ أبي عبيدة (ت:٢١٠) لقوله تعالى: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١]، قال: «والعربُ تختصرُ الكلامَ ليخفِّفُوه، لِعِلْمِ المستمعِ بتمامِه، فكأنه في تمامِ القولِ: ويقولون: ربنا ما خلقتَ هذا باطلاً» (٥).

стр. 44

المبحث الثاني مكانة التَّفسير اللُّغويِّ اختارَ اللهُ سبحانه نبيَّه الخاتم محمد بن عبد الله ﷺ عربيًّا، وكان من السَّننِ أن يكون كتابُه بلسانِ قومِه، جَرْياً على سنَّة الله في إرسالِ الرُّسلِ ﵈؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم: ٤]. وقد جاءَ النَّصُّ على عربيةِ القرآنِ في غيرِ ما آيةٍ، منها: ١ - قولُه تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢]. ٢ - وقولُه تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ [طه: ١١٣]. ٣ - وقولُه تعالى: ﴿قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٢٨]. ٤ - وقوله تعالى: ﴿وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَاناً عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [الأحقاف: ١٢]. ٥ - وقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ٣]، وغيرُ هذه الآياتِ التي نَصَّتْ على عربيَّةِ القرآنِ. ولما كانَ الأمرُ كذلكَ، فإنه لا يمكنُ العدولُ عن هذه اللُّغةِ التي نزلَ بها القرآنُ إلى غيرِها إذا أُرِيدَ تفسيرُ الكتابِ الذي نزلَ بها؛ لأنَّ معرفةَ معاني ألفاظِه لا تؤخذُ إلاَّ منها. قال ابن فارس (ت:٣٩٥): «إنَّ العلمَ بلغةِ العربِ واجبٌ على كُلِّ متعلقٍ

стр. 45

منَ العلمِ بالقرآنِ والسُّنَّةِ والفُتْيَا بسببٍ، حتى لا غَنَاءَ بأحدٍ منهم عنه، وذلك أنَّ القرآنَ نازلٌ بلغةِ العربِ، ورسولُ اللهِ ﷺ عربيٌ. فَمَنْ أرادَ معرفةَ ما في كتابِ اللهِ جلَّ وعزَّ، وما في سُنَّةِ رسولِ اللهِ ﷺ من كلِّ كلمةٍ غريبةٍ أو نَظْمٍ عجيبٍ، لم يجدْ مِن العلمِ باللغةِ بُدًّا» (١). وقالَ الشَّاطبيُّ (ت:٧٩٠): «لا بُدَّ في فَهْمِ الشَّريعةِ من اتباعِ معهودِ الأمِّيِّينَ، وهم العربُ الذين نزلَ القرآنُ بلسانِهم، فإنْ كانَ للعربِ في لسانِهم عُرْفٌ مُستمِرٌّ فلا يَصِحُّ العدولُ عنه في فَهْمِ الشَّريعةِ، وإنْ لم يكنْ ثَمَّ عُرْفٌ، فلا يَصِحُّ أنْ يُجْرَى في فَهْمِهَا على ما لا تعرفُه، وهذا جَارٍ في المعاني والألفاظِ والأساليبِ» (٢). ويُفهمُ من ذلك أنَّ معرفةَ اللُّغةِ العربيَّةِ شرطٌ في فَهْمِ القرآنِ؛ لأنَّ من أرادَ تفسيرَه، وهو لا يَعْرفُ اللُّغةَ التي نزلَ بها القرآنُ، فإنه لا شَكَّ سيقعُ في الزَّلَلِ، بل سيحرِّف الكَلِمَ عن مَواضِعِهِ، كما حصلَ من بعضِ المبتدعةِ الذين حملوا القرآنَ على مصطلحاتٍ أو مدلولاتٍ غيرِ عربيَّةٍ. وإليك هذه الأمثلة التي تدلُّ على أثرِ الغفلةِ عن دلالةِ اللَّفظِ، أو جهلِ معناه في لغة العرب: * أسندَ أبو سليمان الخطَّابي (ت:٣٨٨) (٣) عن مالكِ بنِ دينارٍ (ت:١٢٧) (٤)،

стр. 46

قال: «جَمَعَنَا الحسنُ (١) لِعَرْضِ المصاحفِ: أنَا، وأبَا العاليةِ (٢)، ونَصْرَ بنَ عاصمٍ الليثي (٣)، وعاصماً الجحدري (٤). فقال رجلٌ: يا أبا العاليةَ، قوله تعالى في كتابِه: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ *الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤، ٥] ما هذا السهوُ؟. قال: الذي لا يدري عنْ كَمْ ينصرفْ، عَنْ شَفْعٍ أو عن وِتْرٍ؟. قال الحسن: مَهْ يا أبا العالية، ليس هكذا، بلْ الذين سهوا عن ميقاتِها حتى تفوتَهم، قال الحسن: ألا ترى قولَه : ﴿عَنْ صَلاَتِهِمْ﴾» (٥). وإنما وقعَ أبو العالية (ت:٩٣) في ذلك، لأنَّه جعلَ دلالةَ الحرفِ «عن» بمعنى «في»، ولم يُفرِّقْ بينهما، قال أبو سليمان الخطَّابي (ت:٣٨٨): «وإنما أُتيَ أبو العاليةِ في هذا حيثُ لم يُفَرِّقْ بَيْنَ حرف «عن» و «في»، فَتَنَبَّهَ له الحسنُ فقالَ: ألا ترى قوله: ﴿عَنْ صَلاَتِهِمْ﴾ يؤيدُ أنَّ السَّهْوَ الذي هو الغلطُ

стр. 47

في العَدَدِ إنما يَعْرُضُ في الصَّلاةِ بعدَ ملابستِها، فلو كانَ هذا هوَ المراد لقيلَ: في صلاتِهم ساهون، فلما قال: ﴿عَنْ صَلاَتِهِمْ﴾ دَلَّ على أن المرادَ به الذهابُ عن الوقت» (١). * ومِنَ الأمثلةِ التي تَدُلُّ على الوقوعِ في الزَّلَلِ والتَّحريفِ: ما وقع لعَمْرِو بنِ عُبَيْدٍ (ت:١٤٤) (٢). قالَ ابنُ خالويه (ت:٣٧٠) (٣): «كان عمرو بنُ عبيدٍ يُؤتى من قِلَّةِ المعرفةِ بكلامِ العربِ ... وقدْ كانَ كَلَّمَ أبا عمرو بن العلاء (٤) في الوعدِ والوعيدِ، فلم يُفَرِّقْ بينهما، حتَّى فَهَّمَه أبو عمرو، وقالَ: ويحك، إنَّ الرَّجلَ العربيَّ إذا وعدَ أنْ يُسِيءَ إلى رجلٍ، ثُمَّ لم يفعلْ، يقالُ: عَفَا وتكرَّمَ، ولا يقالُ: كذب. وأنشد (٥): وإني إن أوَعَدْتُهُ أو وْعَدْتُهُ ... لَمُخْلِفُ إِيعَادِي ومُنْجِزُ مَوعِدِي» (٦)

стр. 48

* وقد حَكَى أبو حاتم السِّجِسْتَانِيُّ (ت:٢٥٥) (١)، عن الأخفشِ النحويِّ البصريِّ (ت:٢١٥) (٢) أنه فسَّرَ قولَه تعالى: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧] من القُدْرَةِ (٣). قال الأزهري (ت:٣٧٠) (٤): «قال [أي: أبو حاتم]: ولم يدرِ الأخفشُ ما

стр. 49

معنى نَقْدِرْ، وذهبَ إلى موضعِ القُدْرَةِ، إلى معنى: فَظَنَّ أنْ يَفُوتَنَا (١). ولم يعلمْ كلامَ العربِ، حتى قال: إنَّ بعضَ المفسرين قال: أرادَ الاستفهامِ: أفظنَّ أنْ لنْ نقدرَ عليه (٢). ولو عَلِمَ أنَّ معنى نَقْدِر: نُضَيِّقْ، لم يَخْبِطْ هذا الخَبْطَ. ولم يكنْ عالماً بكلامِ العربِ، وكانَ عالماً بقياسِ النَّحْوِ». ثم قال الأزهري (ت:٣٧٠): «... والمعنى: ما قَدَّرَهُ اللهُ عليه من التَّضيِيْقِ في بطنِ الحوتِ، ويكونُ المعنى: ما قَدَّرَهُ اللهُ عليه من التضييق؛ كأنه قال: ظنَّ أن لن نُضَيِّقَ عليه، وكل ذلك شائعٌ في لغةِ العربِ، واللهُ أعلمُ بما أرادَ.

стр. 50

فأمَّا أنْ يكونَ قولُه: ﴿أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ في (١) القُدْرَةِ فلا يجوزُ؛ لأنَّ منْ ظَنَّ هذا كَفَرَ، والظَنُّ: شَكٌّ، والشَّكُّ في قُدْرَةِ اللهِ كُفْرٌ، وقد عَصَمَ اللهُ أنبياءه عن مثلِ ما ذهب إليه هذا المتأوِّلُ. ولا يتأولُه إلا الجاهلُ بكلامِ العربِ ولغاتِها» (٢). * قال الأخفشُ (ت:٢١٥) في قوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣]: «يعني، واللهُ أعلمُ، بالنَّظرِ إلى اللهِ: إلى ما يأتيهم من نِعَمِهِ ورِزْقِهِ، وقد تقولُ: واللهِ ما أنظرُ إلاَّ إلى اللهِ وإليك؛ أي: أنتظرُ ما عند اللهِ وعندك» (٣).

стр. 51

قال الأزهري (ت:٣٧٠): «ومن قالَ: إنَّ معنى قوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] بمعنى: منتظرة، فقد أخطأَ؛ لأنَّ العربَ لا تقولُ: نظرتُ إلى الشيءِ، بمعنى: انتظرتُه، إنما تقول: نظرتُ فلاناً؛ أي: انتظرتُه، ومنه قول الحطيئة (١): وَقَدْ نَظَرْتُكُمْ أَبْنَاءَ صَادِرَةٍ لِلْوِرْدِ طَالَ بِهَا حَوْزِي وتَنْسَاسِي فإذا قلتَ: نَظَرْتُ إليه، لم يكنْ إلاَّ بالعينِ» (٢). وإنما وقعَ الخطأُ في تفسيرِ هذه الألفاظِ بسببِ جهلِ لغةِ العربِ، ولذا شَدَّدَ العلماءُ النَّكيرَ على من فَسَّرَ القرآنَ وهو جاهلٌ بلغةِ العربِ، ومن ذلك ما رُوِيَ عن مجاهدٍ (ت:١٠٤) أنه قال: «لا يَحِلُّ لأحدٍ يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ أنْ يتكلمَ في كتابِ اللهِ، إذا لم يكنْ عالماً بلغاتِ العربِ» (٣). وقال مالك بن أنس (ت:١٧٩) (٤): «لا أُوتَى بِرَجُلٍ يُفَسِّرُ كلامَ اللهِ، وهو

стр. 52

لا يعرفُ لغةَ العربِ، إلاَّ جعلتُه نكالاً» (١). وهذا يدلُّ على ظهورِ أثرِ معرفةِ لغةِ العربِ للمفسِّرِ عند هؤلاء الأعلامِ الأجلاءِ، ومن زعمَ أنه قادرٌ على فهمِ كلامِ اللهِ من غيرِ معرفةٍ بلسانِ العربِ، فقدْ قالَ مُحَالاً، وأَعْظَمَ الفِرْيَةَ، ولذا قال أبو الوليدِ بنِ رشدٍ (ت:٥٢٠) (٢) ـ في جوابٍ له عَمَّنْ قال: إنه لا يحتاجُ إلى لسانِ العربِ ـ: «هذا جاهلٌ، فلينصرفْ عن ذلك، ولْيَتُبْ منه، فإنه لا يصلحُ شيءٌ من أمورِ الديانةِ والإسلامِ إلا بلسانِ العربِ، يقولُ اللهُ تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥]، إلاَّ أنْ يُرَى أنَّه قال ذلك لِخُبْثٍ في دينِه، فيؤدبُه الإمامُ على قولِه ذلك بحسبِ ما يَرى، فقد قالَ عظيماً» (٣). ومن أعظمِ من زعمَ أنه لا يُحتَاجُ إلى لغةِ العربِ الباطنيةُ (٤)، لكي يتسنَّى لهم تحريفُ كتابِ اللهِ سبحانَه على ما يريدون، مما لا يضبطُه لغةٌ ولا عقلٌ ولا نقلٌ. قال يحيى العلوي (ت:٧٤٥) (٥): «اِعلم أنَّ فريقاً من أهلِ الزيغِ،

стр. 53

يزعمونَ أنهم يُصَدِّقُونَ بالقرآنِ، أنكروا تفسيرَه من اللُّغةِ، وأنه لا يمكنُ الوقوفُ على معانيه منها، ولا مجالَ فيه لاستعمالِ النظرِ، وسلوكِ منهجِ الاستدلالِ، وإنما يُوجَدُ معناه عندهم من الأئمةِ المعصومين بزعمِهِم، وهم فرقٌ ثلاثٌ: الحشويةُ (١)، والباطنيةُ، والرَّافضةُ (٢)، وذلك لأنَّ القرآنَ لَمَّا كانَ مُصَرِّحاً بفسادِ مذهبِهِم، ومُوَضِّحاً لفضائحِهم حاولوا دفعَه، موهمينَ أنَّ القرآنَ لا يدلُّ على فسادِ مذهبِهِم؛ لأنَّ معناه لا يمكنُ أخذُه من جِهَةِ اللغةِ، يريدون بذلك تَرْوِيجَ مذاهبِهِم الرديئةِ، وتسويغَ تأويلاتِهِم المنكرةِ ... وأعظمُهُم في الضَّرَرِ وأدخلُهُم: هؤلاءِ الباطنيةُ، فإنَّهم تَلَبَّسُوا بالإسلامِ، وتظاهروا بمحبةِ أهلِ البيتِ في الدعاءِ إلى نُصْرَتِهِم، فاستلبُوا بذلك قلوبَ العامَّةِ، ولَبَّسوا عليهم الأمرَ بدقَّةِ الحِيَلِ، ولطيفِ الاستدراج» (٣). ومن اطَّلَعَ على تحريفاتِهم لكتابِ اللهِ، عَلِمَ أنها لا تَصْدُرُ عن لغةٍ ولا عقلٍ ولا شَرْعٍ، ومن تأويلاتِهم ما ورد في أحد كتبهم في التفسير، وهو كتاب مزاج التسنيم: «قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا﴾ [النحل: ١١٨] يعني: عن منهجِ إمامِ كُلِّ عَصْرٍ.

стр. 54

﴿حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ﴾ يعني: من العِلْم البَاطِنِ. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ يعني: عندَ ظهورِ فضلاتِهم في الأدوارِ الأوَّلةِ ...» (١). فَمِنْ أيِّ مأخذٍ أخذَ هذا التأويلَ، وما مصدرُه فيه، غيرَ أنَّه لا يخفى على من يرى مثلَ هذا الكتابِ أنه قصدَ التحريفَ، ومن طالعَ مثلَ هذا الكتابِ، وجدَ فيه كثيراً من هذه التَّحريفات العجيبةِ. والمقصودُ: أنَّ كلَّ منْ فَسَّرَ القرآنَ، وهو جاهلٌ بلغةِ العربِ، أو سالكٌ غيَر طريقِها، فإنه قدْ وقعَ في الخطأِ الأكيدِ، وجانبَ الصوابَ. وإذا كانَ هذا شأنَ اللغةِ في تفسيرِ القرآنِ، فهلْ يعني هذا أنه يمكنُ أن تستقلَّ بتفسيرِ القرآنِ؟. معَ ما سبقَ ذكرُهُ من أقوالِ العلماءِ في أهميةِ معرفةِ اللغةِ في تفسيرِ القرآنِ، إلاَّ أنهم ذكروا أنَّ اللغةَ بمجردِها لا تَسْتَقِلُّ به (٢). وهذا يعني أنَّ اللغةَ ليست المصدرَ الوحيدَ الذي يمكنُ لمنْ أحكمَهُ أنْ يفسرَ القرآنَ، إذْ لاَ بُدَّ للمفسِّرِ منْ معرفةِ مصادرَ أُخرَى يعتمدُ عليها في تفسيرِه؛ كالسُّنَّةِ النَّبويَّةِ، وأسبابِ النُّزولِ، وقصصِ الآيِ، وأحوالِ من نزلَ فيهم الخطابُ، وتفسيراتِ الصَّحابةِ والتَّابعينَ وتابعيهِم، وغيرِها من المصادرِ التي لا يمكنُ أخذُها عن طريقِ اللُّغةِ. وبهذا يُعلَمُ أنَّ التَّفسيرَ اللُّغويَّ جزءٌ من علمِ التَّفسيرِ، ومع أن حَيِّزَهُ كبيرُ، فإنَّه لا يَسْتَقِلُّ بتفسيرِ القرآنِ. وهذا يفيدُ أنَّ اعتمادَ اللُّغةِ بمفردها، دون النَّظرِ في غيرِها من المصادرِ يوقعُ

стр. 55

في الخطأ في التَّفسيرِ (١)، إذ قد يكونُ المدلولُ اللُّغويُّ غيرَ مرادٍ في الآيةِ؛ كقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤]، فلو فسَّرتَ الصَّلاةَ بالمدلولِ اللُّغويِّ، لقلتَ: نُهِيَ الرسولُ ﷺ عنِ الدُّعَاءِ لهم. ولكنَّكَ إذا نظرتَ إلى الواردِ في قصةِ الآيةِ، وهو ما رواه ابنُ عباسٍ (ت:٦٨) عن عمرَ بن الخطابِ (ت:٢٣) قال: «لما مات عبدُ اللهِ بنُ أبي سَلُولٍ، دُعِيَ رسول الله ﷺ ليصليَ عليه، فلما قامَ رسولُ اللهِ ﷺ ، وَثَبْتُ إليه، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، أَتُصَلِّي على ابنِ أبي سَلُولٍ وقد قال يومَ كذا وكذا كذا وكذا؟! قال: أُعدِّدُ عليه قولَه. فتبسَّمَ رسول الله ﷺ وقال: أخِّرْ عني يا عمر، فلما أكثرتُ عليه، قال: إني خُيِّرتُ فاخترتُ، ولو أعلمُ أني إن زدتُ على السبعين يُغْفَرُ له لزدتُ عليها. قال: فصلَّى عليه رسولُ اللهِ ﷺ ، ثمَّ انصرفَ، فلم يمكثْ إلاَّ يسيراً حتى نزلت الآيتان من براءة: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ ـ إلى قوله ـ ﴿وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤]، قال: فَعَجِبْتُ من جُرأتي على رسولِ اللهِ ﷺ ، واللهُ ورسولُه أعلمُ» (٢)، علمتَ أنَّ المرادَ بها «صلاة الجنازة» = فإنه سيمنعُكَ ذلك من أنْ تَحْمِلَهَا على المعنى اللُّغويِّ. هذا، وسيأتي تتمَّةُ حديثٍ عن عدم استقلالِ اللُّغةِ بالتَّفسيرِ (٣).

стр. 56

الفصل الثاني نشأةُ التَّفسيرِ اللُّغويِّ وفيه: أوَّلاً: التفسيرُ اللُّغويُّ عند السَّلفِ. ثانياً: التَّفسيرُ اللُّغويُّ عند اللُّغويِّين.

стр. 57

أوَّلاً: التفسيرُ اللُّغويُّ عند السَّلفِ وفيه: الأسلوب الأول: أسلوبُ التَّفسير اللَّفظي. الأسلوبُ الثاني: أسلوبُ الوجوه والنَّظائرُ.

стр. 58

تمهيد أنزلَ اللهُ القرآنَ عربيًّا على قومٍ عربٍ، فخاطبَهم بما يعقلون عنه من لغتِهِم؛ كما قالَ أبو عبيدة (ت:٢١٠): «ففي القرآنِ ما في الكلامِ العربي من الغريبِ والمعاني، ومن المحتملِ من مجازِ ما اختُصِرَ، ومجازِ ما حُذِفَ، ومجاز ما كُفَّ عن خبرِهِ، ومجاز ما جاء لفظُهُ لفظَ الواحدِ ووقعَ على الجمعِ، ومجاز ما جاء على الجمع ووقع معناه على الاثنين ...» (١). وقال ابن قتيبة (ت:٢٧٦) (٢): «القرآنُ نزلَ بألفاظِ العربِ ومعانيها، ومذاهبِها في الإيجازِ والاختصارِ، والإطالةِ والتوكيدِ، والإشارةِ إلى الشَّيءِ، وإغماضِ بعضِ المعاني حتى لا يظهرَ عليه إلا اللَّقِنُ (٣)، وإظهارِ بعضِها، وضربِ الأمثالِ لما خَفِيَ» (٤).

стр. 59

ولمَّا كانَ الأمرُ كذلك؛ فإنَّ بيانَ هذا القرآنِ وتفسيرَه لا بُدَّ أنْ يكونَ أحدَ مصادرِه التي يُفسَّرُ بها هذه اللغةُ التي نزلَ بها. ولا يمكنُ أن يَتَأتَّى تفسيرُه بلغةٍ غيرِها. ومن رامَ غيرَ ذلك وقعَ في الزللِ، وجانبَ الصوابَ (١). وقد أشارَ الشَّاطِبيُ (ت:٧٩٠) إلى ذلك بقوله: «... فليسَ بجائزٍ أنْ يُضَافَ إلى القرآنِ ما لا يقتضيه، كما أنه لا يصلُحُ أنْ يُنْكَرَ منه ما يقتضيه، ويجبُ الاقتصارُ في الاستعانةِ على فهمِه على كلِّ ما يُضَافُ علمُه إلى العربِ خاصةً؛ فبه يُوصَلُ إلى علمِ ما أُودِعَ من الأحكام الشرعيةِ، فمنْ طلبَه بغيرِ ما هو أداتُهُ ضَلَّ عنْ فهمِه وتَقَوَّلَ على اللهِ ورسولِه» (٢). وإذا نظرتَ إلى الذين فسَّروا القرآن، وجدتَ أنَّ أوَّلَ المفسرينَ الرسولُ ﷺ ، ويدُلُّ لذلك قولُه تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]. ثمَّ جاءَ بعدَه الصَّحابةُ الكرامُ ﵃ الذين نزلَ القرآنُ بلغتِهم، وشَهِدُوا التَّنْزيلَ، وعرفوا أحوالَ من نزلَ فيهم الخطابُ من المشركين وأهل الكتابِ، فتصدَّى بعضُهم لعلمِ التَّفسيرِ، حتى صارَ مبرِّزاً فيه كعبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ الهذليِّ (ت:٣٥)، وعبدِ اللهِ بنِ عباسٍ بن عبد المطلب (ت:٦٨). ثمَّ لَحِقَ بالصَّحابةِ أعلامُ التَّابعينَ مِمَّنْ تَتَلمذَ عليهم، وبَرَزَ في علمِ التَّفسيرِ؛ كسعيدِ بنِ جبيرٍ (ت:٩٤)، ومجاهدِ بنِ جبرٍ (ت:١٠٤)، وقتادةَ بن دعامةَ السَّدُوسِيِّ (ت:١١٧)، وغيرِهم. ثمَّ حملَه في جيلِ أتباعِ التَّابعينَ بعضُ أعلامِ المفسِّرينَ؛ كإسماعيلَ

стр. 60

السُّدِّيِّ الكوفيِّ (ت:١٢٨)، وعبدِ الملكِ ابنِ جُرَيجٍ المكيِّ (ت:١٥٠)، وعبدِ الرحمنِ بنِ زيدِ بنِ أسلمَ المدنِيِّ (ت:١٨٢)، ويحيى بنِ سلاَّمٍ البصريِّ (ت:٢٠٠) (١). وهذه الطَّبقاتُ الثَّلاثُ (أي: الصَّحابة والتَّابعون وأتباعهم) هي التي اعتمدَ النَّقْلَ عنها علماءُ التَّفسيرِ ومن كتبَ فيه من المتقدِّمين؛ كعبد الرَّزَّاقِ بنِ همَّامٍ الصَّنعانيِّ (ت:٢١٠)، وعبد بن حميد الكشِّي (ت:٢٤٩)، ومحمدِ بنِ جريرٍ الطَّبريِّ (ت:٣١٠)، وعبدِ الرَّحمنِ بنِ أبي حاتمٍ (ت:٣٢٧) وغيرِهم. وإذا أُطلِقَ مصطلحُ السَّلفِ في علمِ التَّفسيرِ، فإنَّ المرادَ به علماءُ هذه الطَّبقاتِ الثَّلاثِ؛ لأنَّ أصحابَها أوَّلُ علماء المسلمين الذين تعرَّضوا لبيانِ القرآنِ، وكانَ لهم فيه اجتهادٌ بارزٌ، وَقَلَّ أنْ تَجِدَ في علماءِ الطَّبقةِ التي تليهِم منْ كانَ مشهوراً بالتَّفسيرِ والاجتهادِ فيه، بلْ كانَ الغالبُ على عملِ منْ جاءَ بعدَهُم في علمِ التَّفسيرِ نقلَ أقوالِ علماءِ التَّفسيرِ في هذه الطَّبقاتِ الثَّلاثِ أو التَّخَيُّرَ منها والتَّرجيح بينها؛ كما فعل الإمامُ محمدُ بنُ جريرٍ الطَّبريُّ (ت:٣١٠) (٢).

стр. 61

ويلاحظُ أنه قدْ ظهرَ في جيلِ أتباعِ التَّابعين غيرُهم ممن شاركَ في علم التَّفسيرِ، وهم صنفانِ: الصِّنفُ الأوَّلُ: جمعٌ من اللُّغويِّين شاركوا في علمِ التَّفسيرِ، وكتبوا فيه؛ كالكِسَائيِّ (ت:١٨٣)، وتلميذِه الفرَّاءِ (ت:٢٠٧). وقد كانَ بعضُ هؤلاءِ اللُّغويِّينَ الذين شاركوا في علمِ التَّفسيرِ من المعتزلة (١)؛ كمحمد بن المستنير (قطربَ) (ت:٢٠٦)، وأبي الحسن سعيد بن مسعدة (الأخفشِ) (ت:٢١٥). الصِّنفُ الثَّاني: بعضُ متكلِّمي المعتزلةِ الذينَ شاركوا في علمِ التَّفسيرِ؛ كأبي بكرٍ عبد الرحمن بن كيسان الأصمِّ (ت:٢٠١) (٢)، ويوسفَ بن عبد الله

стр. 62

الشَّحَّامِ (ت:٢٣٣) (١)، وغيرهم (٢). وكتب هذا الصِّنفِ مفقودةٌ، لم يَصِلْ منها ما يمكنُ دراسةُ منهجِ مؤلِّفِه فيه، وغالباً ما يكونُ منهجُ هؤلاءِ منهجاً يُخَالِفُ منهجَ السَّلفِ إذ اعتمادُهم على العقلِ، وستأتي أمثلةٌ من كتبِ متأخِّرِيهم يتبيَّنُ بها هذا المنهجُ العامُّ عندهم، واللهُ الموفِّقُ. وسيكون الحديث في هذا الموضوع منقسماً إلى قسمين: الأول: التَّفسيرُ اللُّغويُ عندَ السَّلفِ. الثاني: التَّفسيرُ اللُّغويُ عندَ اللُّغويين. وسأختم هذا الموضوعَ بدراسةِ بعضِ المسائلِ التي ظهرت لي أثناء بحثِ نشأة التَّفسيرِ اللُّغويِّ.

стр. 63

أولاً: التَّفْسِيرُ اللُّغَوِيُّ عِنْدَ السَّلفِ تمهيد: قام السَّلفُ ﵃ بتفسيرِ القرآنِ، وكان لهم مصادرُ يعتمدون عليها في بيانِ القرآنِ. وكانت هذه المصادرُ على قسمين: مصادرُ نقليةٌ، ومصادرُ استدلاليةٌ. أما المصادرُ النَّقليةُ فتشملُ: ١ - ما يروونه عنِ الرسولِ ﷺ ، وسيأتي مثالٌ للتفسيرِ النبويِّ (١). ٢ - ما يرويه بعضُهُم عنْ بعضٍ، ومن ذلكَ سؤالُ ابنِ عباسٍ (ت:٦٨) لعمر بن الخطَّابِ (ت:٢٣) عن المرأتينِ المتظاهرتينِ في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ...﴾ [التحريم: ٤] (٢). ٣ - ما يعرفونَه منْ أحوالِ منْ نزلَ فيهم الخطابُ منَ العربِ وأهلِ الكتابِ. ٤ - أسبابَ النُّزُولِ، وهذا النَّوعُ والذي قبلهُ قد يشتركان في مثالٍ واحدٍ، فيكونُ سببُ النُّزولِ بسببِ حالٍ من أحوالِ من نزلَ فيهم الخطابُ؛ كسببِ نزولِ آيةِ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]، وذلكَ بسببِ تحرُّجِ الأنصارِ من الطَّوافِ بهما على أنهما من أمرِ الجاهليَّةِ (٣).

стр. 64

٥ - ما يروونَه عنْ أهلِ الكتابِ (١)، وهو ما اصطُلحَ عليه بالإسرائيلياتِ، وله أمثلةٌ كثيرةٌ، ومنها سؤالُ ابنِ عباسٍ (ت:٦٨) لعبد اللهِ بن سلام (ت:٤٣) (٢) ـ الذي كان من أحبارِ اليهودِ ـ عن سببِ تفقُّدِ سليمانِ ﵇ للهدهدِ في قوله تعالى: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَالِي لاَ أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ [النمل: ٢٠] (٣).

стр. 65

وأمَّا ما عدا ذلك، فإنَّه منَ المصادرِ الاستدلاليَّةِ المعتمدةِ على هذه المصادرِ النَّقليَّةِ. وإذا تأمَّلْتَ التَّفسيرَ باللُّغةِ، فإنكَ ستجدُ أنَّ هذا المصدرَ يتنازعُه النَّقلُ والاستدلالُ، ذلك أنَّ التَّفسيرَ المعتمدَ على اللُّغةِ إذا كان لا يَحْتَمِلُ إلاَّ معنى واحداً، فإنه أَشْبَهُ بالمصادرِ النَّقليَّةِ لعدمِ وجودِ احتمالٍ آخرَ في تفسيرِه يحتاجُ إلى استدلالٍ (١). وإذا كان يحتملُ أكثرَ من معنى؛ فإنَّ حملَه على أحدِ هذهِ المحتملاتِ يعتمدُ على الرَّأيِ والاجتهادِ، وبذا يكونُ داخلاً في الاستدلالِ، والله أعلم. وبضَرْبِ المثالِ تَتَّضِحُ هذه المسألةُ: ١ - قولُه تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣]، لم يقعْ خلافٌ في أنَّ تفسيرَ «شانئك»: مُبْغِضُكَ، ذلك أنَّه لا يوجد لمعنى الشانئِ في لغةِ العربِ غيرُ هذا المعنى. قال ابن فارس (ت:٣٩٥): «الشينُ والنونُ والهمزةُ أصلٌ يدلُّ على البِغْضَةِ والتَّجنُّبِ للشَّيء» (٢)؛ لذا لا يمكنُ أنْ يحتملَ التَّفسيرُ قولاً آخرَ، فالتَّفسيرُ اللُّغويُّ ـ في مثلِ هذه الحالةِ ـ أشبهُ بأنْ يكونَ تفسيراً نقلياً، لأنه لا أثرَ في مثلِ هذا المثالِ لاجتهادِ المفسِّرِ في اختيارِ أحدِ المحتملاتِ اللُّغويَّةِ. ٢ - ورد في معنى «الهيمِ» من قوله تعالى: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٥] قولان:

стр. 66

القولُ الأوَّلُ: الإبلُ العِطاشُ. وردَ ذلكَ عن ابنِ عبَّاسٍ (ت:٦٨)، ومجاهدٍ (ت:١٠٤)، وعكرمةَ (ت:١٠٥)، والضَّحَّاكِ (ت:١٠٥)، وقتادةَ (ت:١١٧) (١). القولُ الثاني: الرَّملُ، ورد ذلك عن سفيانَ الثَّوريِّ (ت:١٦١) (٢). ومرجعُ الخلافِ في هذا التَّفسيرِ إلى الاحتمالِ اللُّغويِّ في كلمةِ الهِيمِ؛ لأنها تحتملُ هذا وذاك على سبيلِ الاشتراكِ اللُّغويِّ في المدلولِ. ومن ثَمَّ، فاختيارُ المفسِّرِ أحدَ المعنيينِ المحتملينِ اجتهادٌ منه، وهو راجعٌ إلى الاستدلالِ. والله أعلم. والمقصودُ أنَّ السَّلفَ من الصحابةِ والتَّابعينَ وأتباعِهم كانوا يرجعون إلى لغتِهم العربيَّةِ لبيانِ القرآنِ، حيثُ كانت أحدَ مصادرِهِم التي يعتمدونَ عليها في التَّفسيرِ. ويرد هاهنا سؤالٌ: هل وردَ عن النبيِّ ﷺ تفسيرٌ لغويٌ؟ لقد استقرأتُ التَّفسير النَّبويَّ (٣) للقرآنِ الكريمِ، ووجدتُ أنَّه ﷺ لم يفسرْ

стр. 67

للصَّحابةِ منْ ألفاظِ القرآنِ إلاَّ ما احتاجوا إليه، وهو قليلٌ (١)، ومنْ ذلك: تفسيرُه معنى الوسطِ في قولِه تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] قال: «والوسطُ: العدلُ» (٢). ومنه تفسيرُه الخيطَ الأبيضَ والأسودَ في قولِه تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] عندما أشكلَ على عَدِيِ بنِ حاتمٍ، ففسَّرَه له ﷺ بأنَّه بياضُ النَّهارِ وسوادُ اللَّيلِ (٣). وهذا يعني أنَّ الصَّحابةَ ﵃ كانوا يتأوَّلُونَ القرآنَ على ما يفهمُونَه من لغتِهم؛ لوضوحِ ذلك عندهم، فإذا أشكلَ عليهم منه شيءٌ سألوا رسولَ اللهِ ﷺ ؛ كما حَدَثَ مِنْ عَدِيِ بنِ حاتمٍ. ومما يُعَزِّزُ وُرُودَ الاجتهادِ عنهمْ: ١ - حديثُ ابنِ مسعودٍ (ت:٣٥)، قال: «لما نزلت: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] قلنا: يا رسولَ اللهِ، وأيُّنا لم يظلمْ نفسَه؟ قال: ليسَ كما تقولونَ. لم يلبِسُوا إيمانَهم بظلمٍ: بشركٍ. ألم تسمعوا إلى قولِ لقمانَ لابنِه: ﴿يَابُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]» (٤). إنَّ هذا الحديثَ يَدُلُّ على أن الصَّحابةَ ﵃ كانوا يجتهدونَ في فَهمِ القرآنِ

стр. 68

الذي نزلَ بلغتِهم على ما يفهمونَه منها، فإنْ أشكلَ عليهم منه شيءٌ سألوا رسولَ اللهِ ﷺ ، وهذا ظاهرٌ من هذا الحديثِ؛ لأنَّهم جعلوا معنى الظُّلمِ عاماً على ما يعرفونه من لغتِهم، فأرشدَهم النَّبيُ ﷺ إلى المعنى المرادِ به في الآيةِ، ونبَّهَهم إلى أن المعنى اللُّغويَّ الذي فسَّروا به الآيةَ غيرُ مرادٍ، ولم ينهَهم ﷺ عنْ أنْ يفسِّروا القرآنَ بلغتِهم، ولو كان هذا المَسْلَكُ خَطأً لنَّبهَهُم عليه، والله أعلم. ٢ - ما وقَعَ بينَ الصَّحابةِ ﵃ منْ خِلافٍ مُحَقَّقٍ في تفسيرِ بعضِ الألفاظِ القرآنيَّة التي لها أكثرُ من دَلاَلَةٍ لغويَّةٍ، فحملَها بعضُهُم على معنى، وحمَلَهَا الآخرُون على معنىً آخرَ. وهذا يَدُلُّ على أنَّهم لم يتلقوا من النَّبيِّ ﷺ بياناً نبويًّا في هذه اللَّفظةِ، ولو كان عند أحدٍ منه بيانٌ لما وَقَعَ مثلُ هذا الاختلافِ. ومنْ أشهرِ الأمثلةِ التي يمكن أن يُمثَّلَ بها: اختلافُهم في لفظِ: «القُرْءِ» في قولِه تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فقد وَرَدَ في معنى القُرْءِ قولانِ، كلاهما مُعْتَمِدٌ على اللُّغةِ، وهما: الأول: الحَيضُ، وبه قال عمرُ بن الخطَّابِ (ت:٢٣)، وأُبَيُّ بنُ كعبٍ (ت:٣٠)، وعبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ (ت:٣٥)، وعليُّ بن أبي طالبٍ (ت:٤٠)، وأبو موسى الأشعريِّ (ت:٤٣)، وابنُ عبَّاسٍ (ت:٦٨) ﵃. الثاني: الطُّهرُ، وبه قالَ زيدُ بن ثابتٍ (ت:٥٥)، وعائشةُ (ت:٥٨)، ومعاويةُ بنُ أبي سفيان (ت:٦٠)، وعبدُ اللهِ بنُ عمرَ (ت:٧٤) (١). ولو كان عند هؤلاء الصَّحابةِ الكرامِ ﵃ خبرٌ عن الرَّسولِ ﷺ في تفسيرِ هذه اللَّفظةِ لنقلُوه، ولمَّا لم يكنْ عندَهُم، اجتهدوا في بيانِ المرادِ معتمدينَ في ذلك على لغتِهم. ولقدِ استمرَّ الاجتهادُ في التَّفسيرِ في جيلِ التَّابعين وأتباعِهم، حيثُ اعتمدَ كُلُّ هؤلاءِ على اللُّغةِ في بيانِ التَّفسيرِ.

стр. 69

ومن الأمثلةِ التي وقعَ فيها الخلافُ بين هؤلاءِ في طبقاتِهم الثَّلاثِ، اختلافُهم في لفظ «عسعس» في قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧]، فقد ورد عنهم في ذلك معنيان: الأول: والليلِ إذا أدبر، وبه قال عليُ بنُ أبي طالبٍ (ت:٤٠)، وابنُ عباسٍ (ت:٦٨)، والضَّحَّاكُ بنُ مزاحمٍ (ت:١٠٥)، وقتادةُ (ت:١١٧)، وابنُ زيدٍ (ت:١٨٢). الثاني: والليل إذا أقبل، وبه قال مجاهدٌ (ت:١٠٤)، والحسنُ البصريُّ (ت:١١٠)، وعطيةُ العوفيُّ (ت:١١١) (١)، كما رواه عنهم الطبريُّ (٢). والأمثلةُ ـ من هذا النَّوعِ ـ التي تدلُّ على اعتمادِ السَّلفِ على اللُّغةِ في بيانِ القرآنِ كثيرةٌ جداً، والمقصودُ هاهنا ذِكْرُ المثالِ. طريقة السَّلفِ في التَّفسير اللُّغويِّ: كانَ البيانُ اللَّفظيُّ في تفسيرِ السَّلفِ واضحاً، وهو أحدُ طرقِ البيانِ عن التَّفسيرِ، كما سيأتي، وهذا النَّوعُ هو الأصلُ في البيانِ عن المعاني، والمرادُ به تفسيرُ اللَّفظِ بما يطابقهُ من لغةِ العربِ، مع ذكرِ الشَّواهدِ إن وُجِدَتْ، وهذا ما يمكنُ أن يُصطلَح عليه بالتَّفسير اللَّفظيِّ. هذا، وقد برزَ عندَ السَّلفِ الاهتمامُ بالمدلولِ السِّياقيِّ للَّفظِ، وهذا موجودٌ عندهم في كتبِ الوجوهِ والنَّظائرِ. وسيكونُ الحديثُ عن هذينِ النَّوعينِ مفصَّلاً ـ إنْ شاءَ اللهُ تعالى ـ على النَّحوِ الآتي: الأسلوب الأول: أسلوبُ التَّفسيرِ اللَّفظيِّ. الأسلوب الثاني: أسلوبُ الوجوه والنَّظائر.

стр. 70

الأسلوبُ الأول أسلوب التَّفسير اللَّفظيِّ أسلوبُ التَّفسيرِ اللَّفظيِّ (١): أن يكون اللَّفظ المفسِّرُ مطابقاً لِلَّفْظِ المفسَّرِ، مع الاستشهاد عليه ـ أحياناً ـ من لغة العرب شعراً أو نثراً. ولقد كان لهذا الأسلوبِ مكانُه في تفسيرِ السَّلفِ، ومن خلال استقراء تفسيرهم في تفسير الطبريِّ (ت:٣١٠) وغيرِه، وجدتُ أنَّ لهم في البيانِ اللُّغويِّ للقرآنِ ـ على هذا الأسلوبِ ـ طريقينِ: الأولُ: أنْ يذكروا معنى اللَّفظَةِ في اللُّغةِ دونَ أنْ ينصُّوا على ما يدلُّ عليها من شعرٍ أو نثرٍ. الثاني: أن ينصُّوا على الاستدلالِ بلغةِ العربِ في تفسيرِ اللَّفظةِ، وهو قسمانِ: القسمُ الأولُ: أنْ يستشهدوا بالشِّعرِ. القسم الثاني: أنْ يستشهدوا بالنَّثرِ، وهو نوعانِ: النَّوعُ الأولُ: أنْ ينصُّوا على لغةِ القبيلةِ التي نزلَ القرآنُ بلفظِها. النَّوعُ الثاني: أنْ يَرجعوا إلى منثورِ كلامِهِم دونَ أنْ ينصُّوا على لغةِ قبيلةٍ بعينِها. وإليكَ بيان هذه الأقسامِ بأمثلتِها من تفسيرِ السَّلفِ:

стр. 71

أولاً: الطَّريقُ الأولُ: أنْ يذكروا معنى اللَّفظِ في اللُّغةِ، دونَ أنْ ينصُّوا على ما يدلُّ عليه من شعرٍ أو نثرٍ. وهذا هو الأغلبُ فيما ورد عنهم من تفسيراتِهم اللُّغويَّةِ، إذ يَنُصُّ المفسِّرُ منهم على معنى اللَّفظِ، دون أن يستشهد لتفسيره هذا، ومن أمثلةِ ذلك ما يلي: ١ - أخرجَ الطَّبريُّ (ت:٣١٠) عن عمرَ بنِ الخطابِ (ت:٢٣) أنه سُئلَ عن قولِ اللهِ : ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧]، قال: «يُقرنُ بينَ الرَّجلِ الصَّالحِ مع الصَّالِح في الجنَّةِ، وبَين الرَّجلِ السُّوءِ مع الرَّجلِ السُّوءِ في النَّارِ» (١). فقولُه: «يقرن»، تفسيرٌ لمعنى التَّزويجِ في الآيةِ. وهذا هو أصلُ معنى اللَّفظِ لغويًّا. قالَ ابنُ فارسٍ (ت:٣٩٥): «الزَّاءُ والواوُ والجيمُ: أصلٌ يدلُّ على مقارنةِ شيءٍ لشيءٍ» (٢). ٢ - وردَ عن ابنِ عباسٍ (ت:٦٨) في معنى «دِهَاقاً» من قولِه تعالى: ﴿وَكَاسًا دِهَاقًا﴾ [النبأ: ٣٤] قال: «ملأى» (٣). وقد وردَ ذلك عن مجاهدٍ (ت:١٠٤)، والحسنِ البصري (ت:١١٠)، وقتادةَ (ت:١١٧)، وابنِ زيدٍ (ت:١٨٢) (٤). وفي أصلِ معنى هذهِ اللَّفظةِ، قالَ ابنُ فارسٍ (ت:٣٩٥): «الدَّالُ والهاءُ والقافُ: يَدلُّ على امتلاءٍ في مجيءٍ وذهابٍ واضطرابٍ. يقالُ: أَدْهَقْتُ الكأسَ: ملأتُها، قال تعالى: ﴿وَكَاسًا دِهَاقًا﴾ [النبأ: ٣٤]» (٥).

стр. 72

٣ - أخرجَ الطَّبري (ت:٣١٠) عن ابنِ عباسٍ (ت:٦٨) في معنى «لا وَزَرَ» من قولِه تعالى: ﴿كَلاَّ لاَ وَزَرَ﴾ [القيامة: ١١] قال: «لا حِرز». وفي رواية أخرى عنه: «لا حِصْنَ ولا مَلْجَأَ» (١). ويجيء الوَزَرُ بمعنى: الشَّيء الذي يَلْجَأُ إليه الإنسانُ من حصنٍ أو جبلٍ أو معقلٍ (٢). وهذا أحدُ معاني اللَّفظةِ في اللُّغةِ. قالَ أحمدُ بنُ فارسٍ (ت:٣٩٥): «الواوُ والزَّاءُ والرَّاءُ: أصلانِ صحيحانِ: أحدُهما: الملجأُ، والآخرُ: الثِّقَلُ في الشَّيءِ. الأولُ: الوَزَرُ: الملجأُ، قال تعالى: ﴿كَلاَّ لاَ وَزَرَ﴾ [القيامة: ١١] ...» (٣). وقد ورد هذا التَّفسيرُ عن بعضِ السَّلفِ، منهم: سعيدُ بنُ جُبيرٍ (ت:٩٤)، ومُطَرِّفُ بنُ الشِّخِّيرِ (ت:٩٥) (٤)، وأبو قِلابةَ الجرميُّ (ت:١٠٤) (٥)، ومجاهدٌ (ت:١٠٤)، والضَّحَّاكُ (ت:١٠٥)، والحسنُ البصريُ (ت:١١٠)، وقتادةُ (ت:١١٧)، وابنُ زيدٍ (ت:١٨٢) (٦). ثانياً: الطريقُ الثاني: أنْ يستدلوا لمعنى اللَّفظةِ من لغتِهِم. وذلك قسمانِ:

стр. 73

القسمُ الأولُ: أنْ يستشهدوا لذلك بالشِّعرِ. لقد كان الشِّعرُ ديوانَ العربِ، إذ فيه مخزونٌ من حضارتِهم ولغتِهم، وكانَ السَّلفُ يعمدونَ إلى تلك الأشعار العربيَّةِ فيستعينونَ بها في التَّفسيرِ، ولمْ تكنْ قليلةً، وإن كانت من أقلِّ الواردِ عنهم في التَّفسيرِ اللُّغويِّ، ومن الأمثلةِ الواردةِ عنهم في ذلك: ١ - عن عكرمةَ (ت:١٠٥) أنَّ ابنَ عباسٍ (ت:٦٨) سُئِلَ عن قولِه تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] قالَ: لا تلبسْها على غَدْرَةٍ ولا فَجْرَةٍ، ثمَّ قالَ: ألا تسمعون قولَ غيلانَ بنِ سلمةَ (١): إني بِحَمْدِ اللهِ لا ثَوبَ فَاجِرٍ لَبَسْتُ، ولا مِنْ غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ (٢) وبهذا قال الفراء (ت:٢٠٧): «لا تكن غادراً فتدنِّسَ ثيابَك، فإنَّ الغادرَ دَنِسُ الثيابِ» (٣). ٢ - وعن عكرمةَ (ت:١٠٥)، عن ابنِ عباسٍ (ت:٦٨) في قولِه تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٤]، قال: «على الأرضِ.

стр. 74

قال: فذكرَ شعراً قالُه أُميةُ بنُ أبي الصلتِ (١)، فقال (٢): عندنا صيد بحر وصيد ساهرة» (٣). هذا المعنى حكاهُ أهلُ اللُّغةِ، ومن ذلك ما ذكره ابن فارس (ت:٣٩٥)، قال: «ويقالُ للأرضِ: السَّاهرةُ، سُمِّيتْ بذلك لأنَّ عملها في النَّبْتِ دائماً ليلاً ونهاراً (٤)، ولذلك يقالُ: خيرُ المالِ عينٌ خرَّارَةٌ (٥)، في أرضٍ خوَّارةٍ (٦)، تسهرُ إذا نِمْتَ، وتشهدُ إذا غِبْتَ. وقال أُميةُ بنُ أبي الصلتِ: وفِيهَا لَحْمُ سَاهِرَةٍ وَبَحْرِ ... وَمَا فَاهُوا بِهِ لَهُمُ مُقِيمُ وقالَ آخرُ ـ وذكرَ حميرَ وحشٍ ـ (٧):

стр. 75

يَرْتَدْنَ سَاهِرَةً كَأَنَّ عَمِيمَهَا ... وَجَمِيمَهَا أَسْدَافُ لَيلٍ مُظْلِمِ ثمَّ صارت الساهرةُ اسماً لكلِّ أرضٍ. قال ﷻ : ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ *فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٣، ١٤]» (١). ٣ - عن سعيدٍ بنِ جبيرٍ (ت:٩٤) في قوله تعالى: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦]، قال: «القانعُ: السائلُ الذي يسألُ، ثمَّ أنشدَ قولَ الشاعرِ (٢): لَمَالُ المَرْءِ يُصلِحُهُ فَيَبقَى ... مُعَاقِرَهُ، أَعَفُّ من القُنُوعِ» (٣) وقد ورد هذا المعنى في اللُّغة، قال ابن فارسٍ (ت:٣٩٥): «القافُ والنونُ والعينُ: أصلانِ صحيحانِ، أحدهما يدلُّ على الإقبالِ على الشيءِ، ثمَّ تختلفُ معانيه مع اتفاقِ القياسِ، والآخرُ يدلُّ على استدارةٍ في الشيءِ. فالأولُ: الإقناعُ: الإقبالُ بالوجهِ على الشيءِ ... ومن البابِ قَنَعَ الرجلُ يَقْنَعُ قُنُوعاً، إذا سألَ، قالَ اللهُ سبحانَهُ: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦] فالقانعُ: السائلُ، وسُمِّيَ قانعاً؛ لإقباله على من يسأله، قال: لمالُ المَرءِ يُصلِحُهُ فَيُغني ... مَفَاقِرَهُ، أَعَفُّ من القُنُوعِ» (٤)
следующие страницы →