← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 13873

التفسير اللغوي للقرآن الكريم

مساعد الطيار

Полный текст (714 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

البصرةِ، أنَّ مجازَ قوله: ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ﴾: ويُفْرِغ عليهم الصَّبَر، ويُنْزِلُه عليهم، فيثبتونَ لعدوِّهم. وذلكَ قَولٌ خِلاَفٌ لِقَولِ جميعِ أهلِ التَّأويلِ منَ الصَّحابةِ والتَّابعينَ، وحَسْبُ قولٍ خطأً أنْ يكونَ خلافاً لقولِ منْ ذَكَرْنَا. وقدْ بيَّنَّا أقوالَهم فيه، وأنَّ معناه: ويُثَبِتَ أقدامَ المؤمنينَ بتلبيدِ المطرِ الرَّمْلَ حتَّى لا تَسُوخَ فيه أقدامُهم وحوافرُ دوابِّهم» (١). ٣ - مخالفة تفسير السَّلف: لقدْ كانَ الاعتمادُ على اللُّغةِ، وإهمالُ الواردِ عن السَّلفِ من التَّفسيرِ اللُّغويِّ أحدَ أسبابِ مخالفةِ تفسيرِ السَّلفِ، وقدْ يكونُ القولُ مما لا تحتملُه الآيةُ مع قولِ السَّلفِ (٢)، ومن ذلك: ما وردَ في تفسيرِ السَّلوى من قولِهِ تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ [البقرة:٥٧]، فالسَّلوى: طَيرٌ، بإجماعٍ منْ مفسري السَّلفِ، وإن اختلفوا في صفته (٣).

стр. 632

ونُقِلَ عنْ مُؤَرِّجٍ (ت:١٩٥)، أحدِ علماءِ اللُّغةِ: أنَّه العَسَلُ، واستدلَّ له بقولِ الهُذَلِيِّ (١): وَقَاسَمَهَا بِاللهِ جَهْداً لأنْتُمُ ... ألَذُّ مِنَ السَّلْوَى إذا مَا نَشُورُهَا وذكرَ أنَّه كذلكَ بِلُغَةِ كِنَانَةَ (٢)، وسُمِّيَ العسلُ بالسَّلوى؛ لأنه يُسْلَى به (٣). وكَونُ السلوى في لغةِ العربِ: العَسَلُ، لا يلزمُ منه صحَّةُ حملِه على معنى السَّلْوَى في الآية، قالَ ابنُ الأعرابيِّ (ت:٢٣١): «والسَّلوى: طائرٌ، وهو ـ في غيرِ القرآنِ ـ العَسَلُ» (٤). وهذا هو الحقُّ. ولو أردتَ أن تحملَ الآيةَ على المعنيينِ، فإنَّ الآيةَ لا تحتملُهما معاً، ولذا يتعيَّنُ حملُها على أحدِهما، ولا شكَّ أنَّ الأولى حملُها على الواردِ عنِ السَّلفِ. ومنْ هذا المثالِ يتَّضِحُ أنَّ بعضَ المحتملاتِ اللُّغويَّةِ لا يمكنُ أنْ يحتملَها المعنى في الآيةِ، كما سبقَ بيانُه في القاعدةِ السابقةِ، واللهُ أعلمُ. وبعدَ هذه الأمثلةِ أرجعُ إلى مناقشةِ بعضِ من زعم الاكتفاءَ بلغةِ العربِ في فهم التَّفسيرِ، فأقول: قال أبو حيَّان (ت:٧٤٥): «ومن أحاط بمعرفةِ مدلول الكلمةِ وأحكامِها قبلَ التَّركيبِ، وعَلِمَ كيفيَّةَ تركيبِها في تلكَ اللُّغةِ، وارتقى إلى تمييزِ حُسنِ تركيبها وقُبحِه، فلن يحتاجَ في فَهمِ ما تركَّبَ من تلكَ الألفاظِ

стр. 633

إلى مُفهِّمٍ ولا معلِّمٍ، وإنَّما تفاوتَ النَّاسُ في إدراكِ هذا الذي ذكرناه، فلذلكَ اختلفتْ أفهامُهم، وتباينتْ أقوالُهم. وقد جرينَا الكلامَ يوماً مع بعضِ من عاصَرَنا، فكانَ يزعمُ أنَّ علمَ التَّفسيرِ مضطرٌّ إلى النَّقلِ في فهم معاني تراكيبِه بالإسناد إلى مجاهد وطاووس وعكرمة وأضرابِهم، وأنَّ فَهْمَ الآياتِ متوقِّفٌ على ذلكَ. والعجبُ له أنَّه يرى أقوالَ هؤلاءِ كثيرةُ الاختلافِ، متباينةُ الأوصافِ، متعارضةٌ، ينقضُ بعضُها بعضاً ... وكان هذا المعاصرُ يزعمُ أن كل آيةٍ نقل فيها التَّفسير خلف عن سلف بالسند إلى أن وصل إلى الصحابة، ومن كلامه أنَّ الصحابةَ سألوا رسول الله ﷺ عن تفسيرها هذا (١) ...» (٢).

стр. 634

ويظهر أنَّ تخصُّصَ أبي حيَّانَ (ت:٧٤٥) العلميَّ قد أثَّرَ عليه في هذه النَّظريَّةِ التي تبنَّاها، وهي، وإن كانَ فيها جانبٌ من الصِّحَّةِ (١)، أنَّها ليستْ على هذا الإطلاقِ الَّذي ذكرَه، بل الصوابُ أنَّ اللُّغةَ مصدرٌ من مصادرِ التَّفسيرِ، وهي وإن كانت من أكبرِ مصادرِه إلاَّ أنَّها لا يُمكن أن تستقِلَّ بفَهمِ القرآنِ، قال القرطبيٌّ (ت:٦٧١) (٢) مشيراً إلى ذلك: «... فمن لم يُحكِمْ ظاهرَ التَّفسيرِ، وبادرَ إلى استنباط المعاني بمجردِ فهمِ العربيَّةِ، كَثُرَ غلطُه، ودخلَ في زمرة من فسَّرَ القرآنَ بالرَّأي. والنَّقلُ والسَّماعُ لا بدَّ له منه في ظاهرِ التَّفسيرِ أوَّلاً؛ لِيَتَّقِيَ به مواضعَ الغلطِ، ثُمَّ بعدَ ذلك يتسعُ الفهمُ والاستنباطُ. والغرائبُ التي لا تفهمُ إلا بالسَّماعِ كثيرةٌ، ولا مطمعَ في الوصولِ إلى الباطنِ قبلَ إحكامِ الظَّاهرِ؛ ألاَ تَرَى أنَّ قولَه تعالى: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ٥٠] معناه: آيةً مبصرةً، فظلموا أنفسَهم بقتلِها؛ فالنَّاظرُ إلى ظاهرِ

стр. 635

العربيَّةِ يظنُّ أنَّ المرادَ به: أنَّ النَّاقَةَ كانت مبصرةً، ولا يدري بماذا ظلموا، وأنَّهم ظلموا غيرَهم وأنفسِهم، فهذا من الحذفِ والإضمارِ» (١). ولهذا عدَّ شيخُ الإسلامِ ابن تيميَّة (ت:٧٢٨) الاعتمادَ على اللُّغةِ وحدها أحد أسباب الخطأ (٢)، وهذه ظاهرٌ في الأمثلةِ السَّابقةِ، واللهُ أعلمُ. دعوةٌ معاصرة: يقربُ من الزَّعمِ باكتفاءِ علمِ العربيَّةِ عن غيرِه في فهمِ القرآنِ، وما نادى به أمين الخولي فيما سمَّاه: التَّفسيرَ الأدبيَّ للقرآنِ، الذي أهملَ فيه مصادرَ التَّفسيرِ، ورأى دراسةَ القرآنِ على أنَّه نصٌّ عربيٌ، يحقُّ لأيِّ عربيٍّ كائناً من كانَ في معتقدِه، يحقُّ له أنْ يدرسَه درساً أدبيًّا، ومما قالَه بهذا الصَّدَدِ تحت عنوانِ (القرآنُ كتابُ العربيَّةِ الأكبرُ) ما يأتي: قال: «... فالعربيُّ القُحُّ، أو من ربطته بالعربيَّةِ تلك الروابطُ، يقرأ هذا الكتابَ الجليلَ، ويدرسُه أدبياً، كما تدرسُ الأممُ المختلفةُ عيونَ آدابِ اللُّغاتِ المختلفةِ، وتلكَ الدِّراساتُ الأدبيَّةُ لأثرٍ عظيمٍ كهذا القرآنِ هي ما يجبُ أن يقومَ به الدارسونَ أوَّلاً وفاءً بحقِّ هذا الكتابِ، ولو لم يقصدوا الاهتداءَ به، أو الانتفاعَ بما حوى وشمل، بل هي ما يجبُ أن يقومَ به الدارسونَ أوَّلاً، ولو لم تنطو صدورهم على عقيدةِ ما فيه، أو انطوتْ على نقيضِ ما يردِّدُه المسلمونَ الذين يعدُّونَه كتابَهم المقدَّسَ، فالقرآنُ كتابُ الفنِّ العربيِّ الأقدسِ، سواءٌ أنظرَ إليه الناظِرُ على أنَّه كذلك في الدِّينِ أم لا. وهذا الدرسُ الأدبيُّ للقرآنِ في ذلك المستوى الفنِّي، دون النظر إلى أيِّ اعتبارٍ دينيٍّ، هو ما نعتدُّه وتعتدُّه معنا الأممُ العربيَّةُ أصلاً، العربيَّةُ اختلاطاً؛ مقصداً أوَّلَ، وغرضاً أبعد، يجبُ أن يسبقِ كلَّ غرضٍ، ويتقدَّمُ كلَّ مقصدٍ.

стр. 636

ثمَّ لكلِّ ذي غرضٍ أو صاحبِ مقصدٍ ـ بعد الوفاء بهذا الدرسِ الأدبيِّ ـ أن يعمدَ إلى ذلكَ الكتابِ، فيأخذَ منه ما يشاءُ، ويقتبسَ منه ما يريدُ، ويرجع إليه فيما أحبَّ من تشريعٍ، أو اعتقادٍ أو أخلاقٍ، أو إصلاحٍ اجتماعيٍّ، أو غير ذلك. وليسَ شيءٌ من هذه الأغراضِ يتحقَّقُ على وجهه إلا حينَ يعتمدُ على تلك الدراسةِ الأدبيَّةِ لكتابِ العربيَّةِ الأوحدِ، دراسةً صحيحةً مفهمةً له (١)، وهذه الدراسةُ هي ما نُسمِّيه اليوم تفسيراً؛ لأنَّه لا يمكنُ بيانُ غرضِ القرآنِ ولا فهم معناه إلاَّ بها ...» (٢). وقد طرح نظريَّتَه في التَّطبيقِ لهذا المنهجِ، وتتلخَّصُ فيما يأتي: ١ - دراسة المفردات دراسةً لغويَّةً. ٢ - دراسة استعمال القرآن للمفردة، بتتبع مواردها فيه، واستنباطِ معناها منه. ٣ - دراسة المركَّبات ـ أي: الجمل ـ ويستعينُ في ذلك بالعلوم الأدبيَّةِ من نحو وبلاغة ... ٤ - مراعاة التفسير النفسي؛ لأنَّ الفنونَ ـ ومن بينها الأدبُ ـ ليست إلاَّ ترجمة لما تجده النفس (٣). وإذا ما تأمَّلتَ في هذه النَّظريَّةِ الجديدةِ التي يظهرُ على مُحيَّاها صعوبةُ التَّطبيقِ، وجدتَها تخلو من الاعتمادِ على مصادرِ التَّفسيرِ الأصيلةِ، سوى اللُّغةِ التي لم تسلمْ كُتُبها من نقدِه أيضاً (٤).

стр. 637

ولقد حاولتْ تلميذتُه في هذا المنهجِ الدكتورة عائشة عبد الرحمن، المعروفة ببنت الشاطئ، حاولت أن تُطبِّقَ هذا المنهج، فظهرَ جليًّا ازدراءُ هذا المنهجِ للمصادرِ الأخرى في التَّفسيرِ، وإليكَ هذا المثالُ الذي يوضِّحُ ذلك: وفي تفسير سورة الضُّحى، تقول بنتُ الشَّاطئ ـ بعد أن ساقت الرِّواياتِ في سبب النُّزولِ ـ «ولا نقفُ عند ما اختلفوا فيه، فأسبابُ النُّزولِ لا تعدو أن تكونَ قرائنُ مما حولَ النَّصِّ، وهي باعترافِ الأقدَمينَ أنفسهم لا تخلو من وهمٍ، والاختلافُ فيها قديمٌ، وخلاصةُ ما انتهى إليه قولهم في أسباب النُّزولِ: أنها ما نزلت إلاَّ أيَّامَ وقوعهِ، وليسَ السَّببُ فيها بمعنى السببيَّةِ الحُكميَّةِ العلِّيَّةِ» (١). فانظرْ عدمَ اعتدادِها بما يحفُّ النَّصَّ من ملابساتٍ، وعدمَ تحريرها في أسبابِ النُّزولِ، وعدمَ فهمِها لها، ويظهر ذلك بهذه النتيجةِ التي وصلتْ إليها في الحكم على ما توصَّل إليه الأقدمونَ بزعمِها. وإذا قرأتَ في ما كتبته في التَّفسيرِ الأدبيِّ، ظهرَ لك جليًّاً أنَّ هذه الدِّراسةَ لا تعتدُّ إلاَّ بما تتوصَّلُ إليه هي، معتمدةً على اللُّغةِ في تحليلِ ألفاظِ الآيِ، غير آبِهةٍ بمصادر التَّفسيرِ الأخرى، فلا تجد عندها إلاَّ الإزراء بتفاسيرِ السَّلفِ ونقدها، ومن ذلك أنها ذكرت ما ورد في تفسيرِ قوله تعالى: ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر: ٢]، ثُمَّ قالتْ: «واستعمالُ الزِّيارةِ بهذا المعنى صريح الإيحاءِ بأنَّ الإقامةَ في القبر ليست دائمةً، وإنما نحن فيها زائرون، والزائرُ غيرُ مقيمٍ، وسوف تنتهي الزِّيارةُ حتماً إلى بعثٍ وحسابٍ وجزاءٍ، وهذا الإيحاءُ ينفردُ به لفظُ «زرتُم» دونَ غيرِه، فلا يُمكنُ أن يؤدِّيه لفظٌ آخرُ؛ كأن يقال: صرتم، أو رجعتم، أو انتهيتم، أو أُبتم، أو أُلتم. وليس القبرُ المصيرَ والمرجعَ والمآبَ والمآل، كما لا يقال: سكنتم

стр. 638

المقابر، أو أقمتم بها إلى غير ذلك من ألفاظ تشتركُ كلُّها في الدلالةِ على ضجعةِ القبرِ، ولكن يعوزها سرُّ التَّعبيرِ الدَّالِّ على أنها زيارةٌ؛ أي: إقامةٌ عابرةٌ مؤقَّتةٌ، يعقبها بعث ونشورٌ. وليسَ بعجيبٍ أن يفوتَ هذا السِّرُ البيانيُّ مفسِّرينَ كان جهدُهم أن يجمعوا كل ما يُمكنُ أن تحتملَه الدلالاتُ المعجميَّةُ لزيارةِ المقابرِ، وشتَّى المرويَّاتِ في تأويلها. حتَّى الذين فسَّروا الزيارة بالموت هنا، لم يلتفتوا إلى سرِّه البيانيِّ، وهو ما لم يَفُتْ أعرابياً سمع الآيةَ، فقال: بُعِثَ القومُ للقيامةِ وربِّ الكعبةِ، فإنَّ الزائرَ منصرفٌ لا مقيمٌ، ورُوِيَ كذلك عن عمر بن عبد العزيز نحوٌ من قول الأعرابيِّ ...» (١). إنَّ المطالبةَ بدراسةِ القرآنِ على أنَّه نصٌّ عربيٌّ، وتفريغَه من المحتوى الشرعيِّ الذي يُحيطُ به = دعوةٌ باطلةٌ زائفةٌ مغرضةٌ، ليس قصدُ أصحابِها إلاَّ الهدمَ والنَّخرَ في جسمِ هذه الأمَّةِ، ومحاولةَ النيلِ من تراثِها الفكريِّ الذي يُمثِّلُ لها ثباتاً في القيمِ والأخلاقِ والعقائدِ (٢)، وهذه الدَّعوى تحتاجُ إلى بسطٍ أكبرَ من هذا المبحثِ، وإنما ذكرتُها للتَّنبيهِ عليها. قاعدةُ ناشئةٌ على القاعدةِ السابقةِ: وينشأ عن هذه القاعدة قاعدةٌ أخرى، وهي: ليس كلُّ ما وردَ في اللُّغةِ يلزمُ أن يكونَ وارداً في القرآنِ. ويمكن القول: كلُّ ما في القرآنِ، فهو عربيٌّ، وليسَ كلُّ استعمالٍ عربيٍّ

стр. 639

في القرآنِ، وأغلبُ ما يقعُ ذلك في الأساليبِ الكلاميَّةِ العربيَّةِ، ومن أمثلةِ ما نصَّ عليه علماءُ العربيَّةِ في ذلك: * قال ابن قتيبةَ (ت:٢٨٦): «ومن المقلوبِ ما قُلبَ على الغلطِ؛ كقولِ خِداش بن زُهيرٍ (١): وتُرْكَبُ خَيلٌ لا هَوَادَةَ بَينَهَا وَتَعصِي الرِّمَاحُ بِالضَّيَاطِرَةِ الحُمْرِ أي: تعصي الضيَّاطِرةُ بالرِّماحِ، وهذا ما لا يقعُ فيه التَّأويلُ؛ لأنَّ الرِّماحَ لا تعصي الضَّياطرةَ، وإنما يعصي الرِّجالُ بها؛ أي: يطعنون ... وكانَ بعضُ أصحابِ اللُّغةِ يذهبُ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ [البقرة: ١٧١] إلى مثلِ هذا في القلبِ، ويقولُ: وقعَ التَّشبيهُ بالرَّاعي في ظاهرِ الكلامِ، والمعنى للمنعوقِ به، وهو الغنم. وكذلكَ قولِ اللهِ ﵎: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ [القصص: ٧٦]؛ أي تنهضُ بها وهي مُثقَلةٌ. وقالَ آخرُ في قوله سبحانه: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨]؛ أي: وإنَّ حبَّه للخيرِ لشديدٌ. وفي قوله سبحانه: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤]؛ أي: اجعل المتَّقينَ إماماً لنا في الخيرِ.

стр. 640

وهذا ما لا يجوزُ لأحدٍ أنْ يَحكُمَ به على كتابِ اللهِ لو لم يجد له مذهباً؛ لأنَّ الشَّعراءَ تقلبُ اللَّفظَ، وتُزيلُ الكلامَ على الغلطِ، أو على طريقِ الضَّرورةِ للقافيةِ، أو لاستقامةِ وزنِ البيتِ، فمن ذلك قولُ لبيد (١): نَحْنُ بَنُو أُمِّ البَنِينَ الأرْبَعة ... ...... قال ابن الكلبي (٢): هم خمسة، فجعلهم للقافية أربعة ...» (٣). * وفي قوله تعالى: ﴿إِنْ نَشَا نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤] قال الزَّجَّاج (ت:٣١١): «وذكر بعضهم وجهاً آخرَ، قالوا: فظلَّتْ أعناقُهم لها خاضعينَ هم، وأضمر «هم»، وأنشدَ (٤): تَرَى أرْبَاقَهُمْ مُتَقَلِّدِيهَا ... إذَا صَدِئَ الحَدِيدُ عَلَى الحُمَاةِ وهذا لا يجوزُ في القرآنِ، وهو على بدلِ الغلطِ يجوزُ في الشِّعرِ؛ كأنَّه قالَ: يرى أرباقَهم يرى متقلديها؛ كأنَّه قال: يرى قوماً متقلِّدينَ أرباقَهم، فلو كان على حذفِ «هم»، لكانَ مما يجوزُ في الشِّعرِ أيضاً» (٥). والواجبُ في حملِ القرآنِ على أساليب العرب = أخذُ الحيطةِ، وعدمُ العجلةِ في ذلكَ؛ لأنَّه قد يَحْمِلُ البلاغيُّ ما جاءَ في القرآنِ على الأساليبِ

стр. 641

العربيَّةِ في الخطابِ، والأمرُ ليسَ كما ذهبَ إليه (١)، بل قد يتعدَّى الأمرُ إلى الاستشهادِ به في المحسِّناتِ اللَّفظيَّةِ المذكورةِ في علمِ البديعِ، وهذا فيه مزلَّةٌ وقولٌ بالرَّأي على كتابِ اللهِ. وقد انتقدَ الشَّاطبيُّ (ت:٧٩٠) هذا المسلكَ، فقال: «... وإنما المنكرُ الخروجُ في ذلك إلى حدِّ الإفراطِ الذي يُشكُّ في كونِه مرادَ المتكلِّمِ، أو يُظَنُّ أنَّه غيرُ مرادٍ، أو يُقطعُ به فيه؛ لأنَّ العربَ لم يُفهمْ منها قصدُ مثلِه في كلامِها، ولم يشتغل بالتَّفقُّه فيها سلفُ هذه الأمَّةِ، فما يُؤمننا من سؤالِ اللهِ تعالى لنا يومَ القيامةِ: من أينَ فهمتمْ عنِّي أنِّي قصدتُ التَّجنيسَ الفلانيَّ بما أنزلتُ من قولي: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤]، أو قولي: ﴿إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٨]، فإنَّ في دعوى مثل هذا على القرآنِ، وأنَّه مقصودٌ للمتكلِّمِ به خطراً، بل هو راجعٌ إلى معنى قوله تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥]، وإلى أنَّه قولٌ في كتابِ اللهِ بالرَّأي. وذلكَ بخلافِ الكنايةِ في قوله تعالى: ﴿أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦]، وقوله: ﴿كَانَا يَاكُلاَنِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥]، وما أشبَه ذلك، فإنَّه شائعٌ في كلامِ العربِ، مفهومٌ في مساقِ الكلامِ، معلومٌ اعتبارُه عندَ أهلِ اللَّسانِ ضرورةً. والتَّجنيسُ ونحوهُ ليسَ كذلكَ، وفرقُ ما بينهما خدمةُ المعنى المرادِ وعدَمُه، إذ ليسَ في التَّجنيسِ ذلك. والشَّاهدُ على ذلكَ ندورهُ عن العربِ الأجلاف البوَّالينَ على أعقابِهم ـ كما يقولُ أبو عبيدةَ ـ (٢)، ومن كان نحوَهم، وشهرةُ الكنايةِ وغيرِها، ولا تكادُ

стр. 642

تجدُ ما هو نحو التَّجنيسِ إلاَّ في كلامِ المولَّدينَ ومن لا يُحتجُّ به» (١). والمقصود من ذلك أنَّه لا يلزمُ من كونِ هذا الأسلوب وارداً عند العربِ في مخاطباتِها وكلامِها، أنْ يُحملَ عليه شيءٌ من آيات القرآنِ، بل لو صحَّ حملُ آيةٍ على أسلوبٍ، فإنَّه لا يلزمُ منه صحَّةُ حملِ هذا الأسلوبِ في آيةٍ قرآنيَّةٍ أخرى، كأسلوبِ المشاكلةِ (٢) في قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، فسمَّى الثَّانية سيئةً لأجل مشاكلةِ الأولى باللَّفظِ لا المعنى. وصِحَّةُ هذا الأسلوبِ هنا، لا تكونُ دليلاً على صحَّتِه في مثلِ قوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] أو غيرِها من صفاتِ الله التي لم ترد ابتداءً، بل هي مقابل عملٍ من أعمال الكفار، كالمكر والخداعِ، فإنها تُحملُ على الحقيقةِ، ولا يصحُّ تأويلُها، والله أعلمُ.

стр. 643

رابعاً لا تعارض بين التفسير اللَّفظي والتفسير على المعنى تَادِيَةُ المعاني تكونُ بألفاظٍ مقاربةٍ للَّفظِ المفسَّرِ، لكي يبينَ المرادُ منه، هذا هو الأصلُ، وهو التَّفسيرُ اللَّفظيُّ الذي تسيرُ عليه معاجمُ اللُّغةِ، ولكن المفسِّرَ قد يتركُ هذا الأسلوبَ لحاجةٍ تدعوه لذلك، فيسلكُ التَّفسيرَ على المعنى، أو يسلكُ التَّفسيرَ على القياسِ، ولا بُدَّ أن يكونَ في هذين القسمينِ ارتباطٌ بالأصلِ اللُّغويِّ؛ أي: لا يكونُ بين تفسيرِه بهما وبينَ التَّفسيرِ اللَّفظيِّ تناشُزٌ، بل لا بُدَّ من وجودِ أصلِ التفسيرِ اللَّفظيِّ فيهما، وهذه الأقسامُ الثلاثةُ هي التي يدور عليها تفسيرُ الناس. قالَ ابن القيِّم (ت:٧٥١): «وتفسيرُ النَّاسِ يدورُ على ثلاثةِ أصولٍ: تفسيرٌ على اللَّفظِ، وهو الَّذي ينحو إليه المتأخِّرونَ. وتفسيرٌ على المعنى، وهو الَّذي يذكرُهُ السَّلفُ. وتفسيرٌ على الإشارةِ والقياسِ، وهو الَّذي ينحو إليه كثيرٌ من الصُّوفيَّةِ وغيرِهم» (١). وإليكَ بيان هذه المصطلحات: * التفسيرُ على القياسِ والإشَارةِ: التَّفسيرُ على القياسِ: إلحاقُ معنًى باطنٍ في الآيةِ بظاهرِها الَّذي يدلُّ عليه اللَّفظُ.

стр. 644

والتَّفسيرُ على الإشارةِ يدخلُ في التفسيرِ على القياسِ، كما نبَّه على ذلك شيخ الإسلامِ ابن تيمية (ت:٧٢٨)، فقال: «تلك الإشارات هي من باب الاعتبار والقياس وإلحاقِ ما ليس بمنصوصٍ بالمنصوصِ، مثل الاعتبارِ والقياسِ الذي يستعمله الفقهاءُ في الأحكامِ» (١). وقال أيضاً: «وأمَّا أربابُ الإشاراتِ الذين يُثبتونَ ما دلَّ عليه اللَّفظُ، ويجعلونَ المعنى المُشَارَ إليه مفهوماً من جهةِ القياسِ والاعتبارِ، فحالهم كحالِ الفقهاءِ والعالمينَ بالقياسِ، وهذ حقٌّ إذا كانَ صحيحاً لا فاسداً، واعتباراً مستقيماً لا منحرفاً» (٢). وهذا القسمُ قليلٌ في تفسيرِ السَّلفِ، وإنما كَثُرَ عندَ الصُّوفيَّةِ، كما ذكر ابن القيِّم (ت:٧٥١). وسأذكر لهذا القسم مثالاً لتمامِ الفائدةِ. من أشهرِ أمثلةِ التَّفسيرِ على الإشارِة، تفسيرُ ابن عباسٍ (ت:٦٨) لسورة النَّصرِ بأنها قربُ أجلِ رسولِ الله ﷺ ، قال ابن عباس (ت:٦٨): «كان عمرُ يدخلني مع أشياخ بدرٍ، فكأنَّ بعضهم وَجَدَ في نفسهِ، فقالَ: لِمَ تُدخِلُ هذا معنا، ولنا أبناءٌ مثلُهُ؟! فقالَ عمرُ: إنَّه من حيثُ علمتُم. فدعا ذاتَ يومٍ، فأدخلَه معهم، فما رُئيتُ أنَّه دعاني يومئذٍ إلاَّ ليُريَهم. فقالَ: ما تقولون في قول الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١]؟ فقالَ بعضهم: أُمرنا أن نحمد الله ونستغفرَه إذا نصرنا وفتحَ علينا. وسكتَ بعضهم، فلم يقل شيئاً.

стр. 645

فقال لي: أكذلك تقولُ يا ابن عباس؟ فقلتُ: لا. قالَ: فما تقولُ. قلتُ: هو أجلُ رسول الله ﷺ أعلمه الله له، قال: إذا جاء نصرُ الله والفتحُ، وذلك علامةُ أجلكَ، فسبِّح بحمدِ ربك واستغفره إنه كان توَّاباً. فقال عمرُ: ما أعلمُ منها إلاَّ ما تقولُ» (١). ومن أمثلةِ التفسيرِ على القياسِ ما ورد في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمُ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف: ٥] إنها نزلتْ في الخوارجِ (٢). وإذا نظرتَ إلى سياقِ الآيةِ، وجدتَ أنه في الحديثِ عن بني إسرائيل، كما أنَّ الخوارجَ لم يكونوا عند نزول هذه الآياتِ، وإنما أرادَ المفسِّرُ أنْ يُنِّبه إلى دخولِ الخوارجِ في حكمِ هذه الآيةِ، وأنهم مثالٌ لقومٍ مالوا عن الحقِّ، فأمالَ اللهُ قلوبهم جزاءً وفاقاً لميلِهم، على سبيلِ القياسِ بأمرِ بني إسرائيلَ. وعلى هذا يُقاسُ ما وردَ عن السلفِ في حكايةِ نزولِ بعض الآياتِ في أهلِ البدعِ، أنهم أرادوا التنبيه على دخولهم في حكم الآيةِ، واللهُ أعلمُ.

стр. 646

* التَّفسيرُ على اللَّفظِ: التَّفسيرُ على اللَّفظِ: بيانُ معنى اللَّفظةِ في كلامِ العربِ والاستدلالُ على ذلك بالشواهد إن وُجِدَتْ. وهذا هو الأسلوبُ الَّذي تسلُكُه معاجمُ اللُّغةِ؛ ككتابِ العينِ، وكتابِ جمهرةِ اللُّغةِ. وقد سبق الحديث عن التفسيرِ باللَّفظِ (١)، ولا حاجةَ لإعادتِه. * التَّفسيرُ على المعنى: التَّفسيرُ على المعنى: بيانُ المرادِ بالآيةِ دونَ النظرِ إلى تحريرِ الألفاظِ في اللغةِ؛ أيْ أنَّ المفسِّرَ لا يلتزِمُ بيانَ المفرداتِ اللغويةِ، بل يذهبُ إلى المعنى المرادِ، ولو بألفاظٍ غيرِ مطابقةٍ لألفاظِ الآية. وبما أنَّ التفسيرَ اللَّفظيَّ هو تفسيرُ اللَّفظِ بمطابقِه من لغةِ العربِ، فإنَّ ما عداه إنْ لم يكنْ قياساً، فهو التَّفسيرُ على المعنى، وهو أنواعٌ كثيرةٌ، منها: ١ - التَّفسيرُ باللاَّزمِ. ٢ - التَّفسيرُ بالمثالِ. ٣ - ذكرُ النُّزولِ. ٤ - بيان المعنى الإجمالي، دون التَّقيُّد ببيان ألفاظِ الآيةِ. ٥ - دلالة اللَّفظِ في سياقها، وهو علم الوجوه والنظائر الذي سبق الحديثُ عنه (٢). وإذا تأمَّلتَ الأمثلةَ الَّتي سأذكرُها، سيتبيَّنُ لك ـ إنْ شاءَ اللهُ ـ أنَّ المفسِّرَ في هذه الأنواعِ يحرصُ على بيانِ المعنى، وإن لم يهتمَّ بتحريرِ مدلولِ اللَّفظِ في لغةِ العربِ.

стр. 647

ومن الأمورِ المشكلةِ في هذا المبحث أمرانِ: الأول: هل يمكنُ معرفةُ التفسيرِ اللَّفظيِّ بواسطةِ التَّفسيرِ على المعنى ؟ الثاني: كيف نُفرِّقُ بين التَّفسيرِ على اللَّفظِ والتَّفسيرِ على المعنى في بعضِ أنواعه؟ وقدْ تأمَّلتُ الأمثلةَ التي استخرجتها كثيراً، ونظرتُ فيها، فظهرَ لي صعوبةُ معرفةِ الدلالةِ اللُّغويَّةِ الخاصَّةِ للَّفظِ في كثيرٍ منَ الأمثلةِ، كما ظهرَ لي أنَّ الأمرَ يحتاجُ إلماماً بأصلِ المفردةِ ومعانيها في لغة العرب إذا كانتْ متعدِّدةَ الدلالةِ، وهذا يتحصَّلُ بجهدٍ. وسأذكرُ مثالينِ في بيانِ هاتينِ المسألتينِ، الأول مشكلٌ والآخرُ متيسِّرٌ. * المثالُ الأول: في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير: ٥] وردَ عن السَّلفِ ثلاثةُ أقوالٍ في معنى هذا الحشرِ: القولُ الأولُ: جُمِعَتْ، وهو قول قتادةَ (ت:١١٧) (١)، والسُّدِّيِّ (ت:١٢٨) (٢). القولُ الثاني: موتها، قال ابن عباس: (ت:٦٨): «حَشْرُ البهائمِ: موتُها، وحَشْرُ كلِّ شيءٍ: الموتُ، غير الجنِّ والإنسِ، فإنهما يوقفانِ يوم القيامةِ» (٣). وقريبٌ منه قولُ الربيع بن خثيم، قال: «أتى عليها أمرُ الله» (٤). القولُ الثالثُ: اختلطتْ، قاله أُبَيُّ بن كعبٍ الأنصاريُّ (ت: ٣٠) (٥).

стр. 648

وإذا نظرتَ في هذه الأقوالَ، وجدتَ أنَّ القولَ الأولَ هو المعنى المشهورُ منْ هذه اللَّفظةِ، قالَ ابنُ فارسٍ (ت:٣٩٥): «وأهل اللغةِ يقولون: الحشرُ: الجمعُ مع سوقٍ، وكلُّ جمعٍ حشرٌ» (١). أمَّا المعنى الثاني، وهو موتها، فقد حُكِيَ في بعضِ كتبِ اللُّغةِ (٢). وأمَّا المعنى الثالثُ الذي رُوِيَ عن أُبَيِّ بن كعبٍ فلم أجده في كتبِ اللُّغةِ التي بين يديَّ. وهذا التَّفسيرُ هو موطنُ الدراسةِ. ولكَ في هذا التفسير احتمالان: الاحتمالُ الأولُ: أنْ تعتمدَ هذا التفسيرَ لغةً، فتجعلَ من معاني الحَشْرِ الاختلاطَ، لورودِ ذلكَ عن عربيِّ صريحٍ، وهو الصَّحابيُّ أُبيُّ بن كعبٍ الأنصاريُّ. الاحتمالُ الثاني: أنْ تجعلَ هذا التَّفسيرَ من قبيلِ التَّفسيرِ على المعنى، وهو من التَّفسيرِ باللازمِ؛ أي: من لوازمِ الحَشْرِ ـ الذي هو الجمعُ ـ اختلاطُ المحشورينَ بعضِهم ببعضٍ، وبهذا التوجيهِ لا يكونُ معنى الاختلاطِ دلالةً مستقلَّةً، بل هو من لوازم الحَشْرِ، والله أعلمُ. فأيُّ الاحتمالينِ أَوْلَى؟

стр. 649

في مثل هذا المثالِ وأشباهه تظهرُ صعوبةُ معرفةِ دلالةِ اللَّفظِ من خلالِ التَّفسيرِ على المعنى، كما تظهرُ صعوبةِ تحديدِ التَّفسيرِ على اللَّفظِ والتَّفسيرِ على المعنى، والله الموفِّقُ. *المثال الثاني: من الأمثلةِ التي يسهل استنباطُ المدلولِ اللُّغويِّ فيه: ما رُوِيَ عنْ قتادةَ (ت:١١٧) في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤]، قال: «ألم ترَ إلى صاحب البنيان كيف لا يحبُّ أنْ يختلفَ بنيانُه، كذلك ﵎ لا يختلفُ أمرُه (١)، وإنَّ الله وصفَ المؤمنينَ في قتالِهِم وصَفِّهِم في صلاتِهم، فعليكم بأمرِ الله، فإنه عصمةٌ لمنْ أخَذ به» (٢). وإذا تأملتَ هذا النَّصَّ التفسيريَّ، فإنه يَدُلُّكَ على أن قتادةَ (ت:١١٧) يرى أنَّ لفظَ: «مرصوص» مأخوذٌ من التَّرَاصِّ؛ أي: الالتزاقِ، لا من الرَّصَاصِ الذي هو الوجهُ الآخرُ في تفسيرِ هذه اللفظةِ (٣). ويحسنُ التنبُّه هنا إلى أمورٍ: الأولُ: أنه يمكنُ أنْ يقالَ: إنَّ اتِجَاهَ السَّلفِ إلى التَّفسيرِ على المعنى؛ إنَّمَا كانَ؛ لأنَّ بيانَ المرادِ بالقرآنِ كانَ عندَهُم أهَمَّ مِنْ بيانِ لغتِه التي لم تكنْ خافيةً عليهم، ولم يقعْ عندهم اختلافٌ في عربيتِهِ وعربيةِ ما يفسرونَ به.

стр. 650

الثاني: أنَّه لا بدَّ من وجودِ ارتباط بين التَّفسيرِ على المعنى والتَّفسيرِ اللَّفظي ، كما سبقت الإشارةُ إلى ذلك في الحديث عن علمِ الوجوهِ والنَّظائرِ عند السَّلفِ. الثالثُ: أنه لا يلزمُ منَ التَّفسيرِ على المعنى أن يكون خارجاً عن البيانِ اللُّغويِّ؛ لأنَّه يمكنُ أن يُستنبطَ منه كما مضى، وقد نبَّه على ذلك الزَّجَّاجُ (ت:٣١١)، فقال في تفسيرِ الجبِتِ والطاغوتِ: «قال أهلُ اللغةِ: كلُّ معبودٍ من دونِ الله فهو جِبتٌ أو طاغوتٌ. وقيل: الجِبتُ والطاغوتُ: الكهنةُ والشياطينُ. وقيل في بعض التفسيرِ: الجِبتُ والطاغوتُ هاهنا: حُييُ بنُ أخطبٍ وكعبُ بنُ الأشرفِ: اليهوديان (١). وهذا غُير خارجٍ عما قال أهلُ اللغةِ: لأنهم إذا اتبعوا أمرَهما فقد أطاعوهما من دونِ الله » (٢). وهذا القولُ من الزجاجِ (ت:٣١١) يعني أنه ليس كلُّ قولٍ لا يكون مطابقاً للمعنى اللغوي أنه خارجٌ عن اللغةِ، لكنَّ الوصولَ إلى هذا الارتباط بينهما يحتاجُ إلى معرفةٍ وإلمامٍ بمدلولِ المادةِ، كما هو ظاهرٌ من هذا المثالِ. وقدْ أشارَ الطبريُّ (ت: ٣١٠) في تفسيرِ قولِه تعالى: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ [الأحقاف: ١٥] إلى قريبٍ مما أشارَ إليه الزَّجَّاجُ (ت:٣١١)، فقال: «يقولُ أغْرِنِي بشكرِ نعمتِك التي أنعمتَ عَلَيَّ ... وألهمنِي ذلكَ. وأصْلُهُ مِنْ وَزَعْتُ الرَّجُلَ على كذا: إذا دفَعتُه عليه.

стр. 651

وكان ابنُ زيدٍ يقول في ذلك ما حدثني يونس (١)، قال: أخبرنا ابن وهب (٢)، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾، قال: اجعلني أشكرْ نعمتَك. وهذا الذي قالَه ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ وإنْ كانَ يَؤُولُ إليه معنى الكلمةِ، فليسَ بمعنى الإيزَاعِ على الصِّحَّةِ» (٣). ولذا يحسنُ ذِكرُ المعنى اللغويِّ معَ تفسيرِ السَّلفِ ليزدادَ الوضوحُ في التفسيرِ، ولتُعْرَفَ العلاقةُ بين التَّفسيرِ على المعنى والتَّفسيرِ اللغويِّ. وقدْ أشارَ الواحديُّ: (ت:٤٦٨) إلى ذلكَ فقالَ: «... وكذلك آياتُ القرآن التي فسَّرها الصحابةُ والتابعونَ، إنما فسَّروها بذكرِ المعنى المقصودِ؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ﴾ [البقرة: ٥٠٦]، قال قتادة: إذا قيل له: مهلاً مهلاً، ازدادَ إقداماً على المعصيةِ (٤). فمنْ أينَ لكَ أنْ تعرفَ هذا المعنى منْ لفظِ الآيةِ؟ إلاَّ بعد الجهدِ، وطولِ التفكُّرِ. وكذلك قولُه: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ [آل عمران: ١٧٥]، قال السُّدِّيُّ: يُعظِّمُ أولياءه في صدوركم (٥).

стр. 652

فانظرْ: هل يمكنك أنْ تُفرِغُ هذا المعنى في قالبِ هذه الألفاظِ؟ إلاّ بعدَ التَّعبِ في معرفةِ ما ذكره أربابُ النَّحو ...» (١). وهذا يعني أنَّ ما يَرِدُ عن السلفِ من تفاسيرَ على المعنى لا تكونُ مطابِقةً لمعنى اللَّفظِ المفسَّرِ في لغة العربِ، لذا يحسُنُ من المفسِّرِ الذي ينقلُ تفاسيرَ السَّلفِ بيانُ المعنى المطابِقِ، ليتَّضِحَ المرادُ، ولتتبيَّنَ وِجْهَةُ قولِ السَّلفِ في الآيةِ. وقال الشَّوكَانِيُّ (ت:١٢٥٠): «... واشدُدْ يَدَكَ في تفسيرِ كتابِ الله على ما تقتضيه اللغةُ العربيةُ، فهو قرآنٌ عربيٌ كما وصفَه الله، فإنْ جاءكَ التفسيرُ عنْ رسولِ الله ﷺ فلا تلتفتْ إلى غيرِه، وإذا جاء نهرُ الله بطلَ نهرُ مَعْقِلٍ (٢). وكذا ما جاء عنِ الصحابة ﵃ فإنهم منْ جملةِ العربِ ومنْ أهلِ اللغةِ، وممنْ جمعَ إلى اللغةِ العلمَ بالاصطلاحاتِ الشرعيةِ، ولكنْ إذا كان معنى اللفظِ أوسعَ مِمَّا فسَّرُوهُ بهِ في لغةِ العربِ، فعليكَ أنْ تَضُمَّ إلى ما ذكرَه الصحابيُ ما تقتضيهِ لغةُ العربِ وأسرارُها» (٣).

стр. 653

وبعد هذا أذكرُ أمثلةً للتَّفسيرِ على المعنى، ثمَّ أذكرُ القاعدةَ، والله الموفقُ. أمثلةُ التَّفسير على المعنى: الأول: التفسيرُ باللاّزمِ: المرادُ به: أنَّ المفسِّر يُفسِّرُ اللَّفظَ بلازِمِهِ لا بمطابِقِه، للتنبيهِ على دخولِ هذا اللازم في معنى الآيةِ. واللزومُ أحدُ الدلالات اللَّفظيَّةِ الوضعيَّةِ، التي تُستفادُ من اللَّفظِ عقلاً أو عُرفاً، كالكتابةِ تستلزِمُ كاتباً، والبناءُ يستلزِمُ بنَّاءً، وهكذا (١). ومن أمثلته: وفي تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [البقرة: ٢٧]، قال الطبريُّ (ت:٣١٠): «والخاسرونَ: جَمْعُ خاسرٍ، والخاسرونَ: الناقِصُونَ أنفسَهم حظوظَها ـ بمعصيتِهم الله ـ من رحمتِه، كما يَخْسَرُ الرَّجلُ في تجارتِه بأنْ يُوضَعَ من رأسِ مالِه في بيعِه. فكذلكَ الكافرُ والمنافقُ، خَسِرَ بحرمانِ الله إياه رحمتَهُ التي خلقَها لعبادِه في القيامةِ، أحوج ما كان إلى رحمتِه. يقال منه: خَسِرَ الرَّجُلُ يَخْسَرُ خَسْراً وخُسْرَاناً وخَسَاراً، كما قال جريرُ بنُ عطيَّةَ (٢):

стр. 654

إنَّ سَلِيطاً في الخَسَارِ إنَّه ... أولاَدُ قَومٍ خُلِقُوا أُقِنَّه يعني بقوله: في الخسارِ؛ أي: فيما يوكسهم حظوظهم من الشرف والكرم. وقد قيل: إنَّ معنى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾: أولئك هم الهالكون. وقد يجوزُ أنَّ قائلَ ذلك أرادَ ما قلنا من هلاكِ الذي وصفَ الله صفتَه بالصفةِ التي وصفَه بها في هذه الآيةِ بحرمانِ الله إياهُ ما حَرَمَهُ من رحمتِهِ بمعصيتِهِ إياهُ وكفرِهِ به، فَحَمَلَ تأويلَ الكلامِ على معناهُ دونَ البيانِ عن تأويلِ عينِ الكلمةِ بعينِها، فإنَّ أهلَ التَّأويلِ ربما فعلوا ذلك لِعِلَلٍ كثيرةٍ تدعوهم إليه» (١).

стр. 655

ومادَّةُ «خَسِرَ» في اللُّغةِ تدلُّ على النَّقصِ (١). ويكونُ تفسيرُ من فسَّر بالهلاكِ من التَّفسيرِ باللازمِ؛ أي أنَّ من لازمِ خسارةِ هذا الخاسرِ هلاكُه، والله أعلم. الثاني: التفسيرُ بالمثالِ: وهو أن يعمدَ المفسِّرُ إلى لفظٍ عامٍّ، فيذكرَ فرداً من أفراده على سبيلِ المثالِ لهذا الاسمِ العامِّ، لا على سبيلِ التخصيصِ أو المطابقةِ (٢). ومن أمثلتِه: ١ - في قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ [البقرة: ٥٧]، فُسِّرَ المَنُّ على أقوال: الأولُ: صَمْغَةٌ تنزلُ على الشجرِ، مثلُ الثَّلجِ.

стр. 656

الثاني: شرابٌ كان ينْزل عليهم، مثلُ العسلِ. الثالث: خبزُ الرُّقاق (١). وإذا تأملت هذه الأقوالَ، تبيَّنَ لك أنَّ المنَّ عمومُ ما منَّ الله به على بني إسرائيل، فالمنُّ مِنَ المِنَّةِ، وليس المرادُ به ما ينْزلُ من السَّماء على الشَّجرِ، فينعقدُ كالعسلِ، ويجِفُّ كالصَّمغِ (٢)، وأنَّ المفسِّرَ ذكرَ من عمومِ ما منَّ الله به على بني إسرائيلَ مثالاً له، ويبقى ما عداه مسكوتاً عنه عنده، ولو سئل عن العمومِ لقالَ به، والله أعلم. ويشهدُ لأنَّ المراد به مجموعُ المِنَنِ، ما رواه ابن أبي حاتم (ت:٣٢٧) عن سعيدِ بن زيدٍ ﷺ قال: خرج إلينا النبيُّ ﵁ وفي يده كمأةٌ، فقال: «أتدرونَ ما هذا؟ هذا من المنِّ الَّذي أنزل الله على بني إسرائيلَ، وماؤها شفاءٌ للعينِ» (٣). قال ابن كثيرِ (ت:٧٧٤): «والغرضُ أنَّ عباراتِ المفسِّرينَ متقاربةٌ في شرحِ المَنِّ، فمنهم من فسَّره بالطعامِ، ومنهم من فسَّره بالشَّرابِ، والظَّاهرُ ـ والله أعلمُ ـ أنه كلَّ ما امتنَّ الله به عليهم من طعامٍ وشرابٍ، وغير ذلكَ، مما ليسَ فيه عملٌ ولا كَدٌّ. فالمنُّ المشهورُ إن أُكلَ وحده كانَ طعاماً حلواً، وإن مُزِجَ معَ الماءِ صارَ شراباً طيِّباً، وإن رُكِّبَ مع غيرِه صارَ نوعاً آخرَ، ولكن ليس هو المرادُ

стр. 657

من الآيةِ وحده، والدليلُ على ذلكَ قول البخاري ...» (١)، ثمَّ ساق الحديث. ٢ - في قوله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩] وردَ عن السَّلفِ أقوالٌ في المحرومِ، منها: الأول: الذي ليس له في الإسلامِ سهمٌ. الثاني: الذي أصيبت ثمرته. الثالث: الذي ماتت ماشيته. الرابع: الذي لا ينمى له مال (٢). والمعنى الجامع لهذه الأقوالِ: أنه الذي لا مالَ له لحرمانٍ أصابه (٣)، قال الطبريُّ (ت:٣١٠): «والصوابُ من القولِ في ذلكَ عندي أنه الذي قد حُرِمَ الرِّزقَ واحتاجَ، وقد يكونُ ذلكَ بذهاب مالِه وثَمَرِهِ، فصار ممن حَرمَهُ الله ذلك، وقد يكونُ بسببِ تعفُّفِه وتركه المسألَةَ، ويكونُ بأنه لا سهم له في الغنيمةِ لغيبته عن الوقعةِ، فلا قولَ في ذلك أولى بالصَّوابِ منْ أنْ تَعُمَّ، كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩] (٤). الثالث: ذكر النُّزول: من المعلومِ أنَّ النُّزول على نوعين: الأول: ما يكونُ سبباً مباشراً في نزولِ الآيةِ؛ كأنْ يُسألَ رسولُ الله ﷺ سؤالاً، فتنْزلَ آيةٌ جواباً لهذا السؤالِ؛ كما في نزولِ صدرِ سورةِ الأنفالِ. والثاني: ما يكونُ غيرَ صريحٍ بالسَّببيَّةِ، وغالباً ما تكونُ العبارةُ فيه: «نزلتْ هذه الآيةُ في كذا».

стр. 658

والمرادُ أنَّ العدولَ إلى ذكرِ النُّزولِ الذي على سبيلِ المثالِ دونَ تحريرِ ألفاظِ الآيةِ من جهةِ اللُّغةِ، إنما هو من باب التَّفسيرِ على المعنى (١). ومن ذلكَ ما وردَ في نزولِ قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَاتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، قال مجاهدٌ (ت: ١٠٤): «عرضتُ المصحفَ على ابن عباسٍ ثلاثَ عرضاتٍ، من فاتحةِ الكتابِ إلى خاتمته، أوقفُه عند كلِّ آيةٍ منه، فأسأله عنها، حتى انتهى إلى هذه الآيةِ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَاتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، فقال ابن عباسٍ: إنَّ هذا الحيَّ من قريشٍ كانوا يتلذَّذونَ بهنَّ مقبلاتٍ ومدبراتٍ، فلما قَدِمُوا المدينةَ تزوَّجُوا من الأنصارِ، فذهبوا ليفعلوا بهنَّ كما كانوا يفعلون بمكَّةَ، فأنكرنَ ذلكَ وقلنَ: هذا شيءٌ لم نكنْ نُؤتَى عليه. فانتشرَ الحديثُ، حتَّى انتهى إلى رسولِ الله ﷺ فأنزلَ الله في ذلك: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَاتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، قال: إنْ شئتَ مقبلةً، وإنْ شئتَ مدبرةً، وإن شئتَ باركةً، وإنما يعني بذلكَ موضعَ الولدِ للحرثِ، يقول: ائتِ الحرثَ حيثُ شئتَ» (٢). ويفهمُ من هذا الأثرِ أنَّ معنى «أنَّى شئتم» في الآيةِ: كيفَ شئتمْ، وابن عباسٍ (ت:٦٨) لم يبيِّنْ مدلولَ هذا اللَّفظِ، وإنَّما يُفهمُ هذا من سببِ النُّزول الذي ذكرَه، والله أعلمُ. الرابع: ذكر المعنى الجملي: المقصودُ بذلكَ أنَّ المفسِّرَ يُبيِّنُ معنى الآيةِ إجمالاً دونَ التَّعرُّضِ لبيانِ مفرداتِها من خلالِ هذا المعنى الإجمالي الَّذي ذكرَه، وقد مرَّ مثالٌ في تفسيرِ قتادة (ت:١١٧) لقوله تعالى: ﴿بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾، وكذلكَ تفسيرُ الآيةِ السَّابقةِ، هي قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَاتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، حيثُ

стр. 659

قال ابن عباسٍ (ت:٦٨): «إنْ شئتَ مقبلةً، وإنْ شئتَ مدبرةً، وإن شئتَ باركةً، وإنما يعني بذلكَ موضعَ الولدِ للحرثِ، يقول: ائتِ الحرثَ حيثُ شئتَ» (١). وهذا يُفهمُ منه ما سبقَ من أنَّ المرادَ كيفَ شئتَ، والله أعلمُ. وبعد هذا، فإذا وردَ في تفسيرِ لفظٍ، تفسيرٌ على اللَّفظ وتفسيرٌ على المعنى، فإنَّ هذا لا يعني وجودَ التَّعارضِ بينهما، وهذا هو المقصودُ بهذه القاعدةِ، وأنَّ وُجُودَ الاختلافِ بينهما إنما هو بسببِ نظر المفسِّرِ، فالأول نظرَ إلى أصل الوضعِ، والثاني نظر إلى المعنى المرادِ دونَ التَّقيُّدِ بتفسيرِ الألفاظِ على وضعها في الأصلِ، والله أعلم. وقد نصَّ الشَّاطبيُّ (ت:٧٩٠) على هذا في ذكرِه لأمثلةِ الخلافِ الذي لا يُعتدُّ به، فقال: «أنْ يُذكرَ أحدُ الأقوالِ على تفسيرِ اللُّغةِ، ويُذكرَ الآخرُ على التَّفسيرِ المعنويِّ، وفَرْقٌ بينَ تقريرِ الإعرابِ وتفسيرِ المعنى، وهما يرجعان إلى حكمٍ واحدٍ؛ لأنَّ النَّظرَ اللُّغويَّ راجع إلى تقريرِ أصلِ الوضعِ، والآخرُ راجعٌ إلى تقريرِ المعنى في الاستعمالِ؛ كما قال في قولِه تعالى: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ [الواقعة: ٧٣]؛ أي: المسافرين (٢)، وقيلَ: النَّازلينَ بالأرضِ القَوَاءِ (٣)، وهي القَفْرُ. وكذلكَ قولُه: ﴿تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾ [الرعد: ٣١]؛ أي: داهية تفجؤهم (٤)،

стр. 660

وقيلَ؛ سرية من سرايا رسولِ الله ﷺ (١)، وأشباه ذلك» (٢). وعلى هذا سارَ العلماءُ في التَّفسير على اللَّفظِ والتَّفسيرِ على المعنى، وأنَّه لا تعارضَ بينهما، وقد سبقَ جملةٌ من أمثلةِ التَّفسيرِ على المعنى والتَّفسيرِ على اللَّفظِ، ومن الأمثلةِ التَّطبيقيَّةِ أيضاً: ١ - نقلَ البَيهَقِيُّ (ت:٤٥٨) (٣) تفسيرَ الشَّافعي (ت:٢٠٤) لقولِه تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣]: «لا يكثر من تعولون» (٤). ثمَّ حكى تخريجَ أحدِ أجلاَّءِ أئمةِ الأدب (٥)، فقال: «... أنَّ الشَّافعيَّ ذهبَ إلى الأصلِ؛ لأنَّ العَولَ بمعنى الميلِ إنما هو سببٌ، وليس بمطلقٍ في الأشياءِ؛ لأنَّه لا يقالُ للجدارِ: عَالَ، ولا يقالُ: عَالَ عنِ الطَّريقِ: إذا مَالَ عنه. وإنما خُصَّ به موضعُ القَسْمِ؛ لأنَّ العَول أصلُهُ قُوتُ العيالِ، ومنَ العَولِ يتسببُ الميلُ، ومِنَ القسْمِ بينَ الضَّرائرِ في الإنفاقِ وغيرِه يكونُ المَيلُ، فَسُمِّيَ المَيلُ عَولاً.

стр. 661

فذهبَ الشِّافعيُّ ﵀ إلى أصلِ الكلامِ، وذهبَ المفسِّرونَ إلى المعنى الذي يتسبَّبُ منَ الأصلِ (١). والمفسِّرون يفسِّرونَ كثيراً منَ الأشياءِ على المعنى، لا على الأصلِ؛ كقولِه تعالى: ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [القصص:٦١]، قالوا: من المعذبينَ (٢)؛ لَمَّا أُحضِروا للتَّعذيبِ» (٣). ٢ - في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ [النساء: ١٠٠]، قال ابن عطيَّة: «والمُراغمُ: المُتحوَّلُ والمذهبُ، كذا قالَ ابنُ عباسٍ، والضَّحَّاكُ، والرَّبيعُ (٤)، وغيرُهم. ومنه قولُ النَّابغةِ الجعديِّ (٥): كَطَودٍ يُلاذُ بِأرْكَانِهِ ... عَزِيزِ المُرَاغَمِ والمَذْهَبِ وقولُ الآخرِ (٦): إلَى بَلَدٍ غَيرُ دَانِي المَحَلِّ ... بَعِيدِ المُرَاغَمِ والمُضْطَرَبِ وقال مجاهد: المراغم: المُتَزَحْزِحُ عمَّا يكره (٧). وقال ابنُ زيدٍ: المُراغَمُ: المُهاجِرُ (٨).

стр. 662

وقالَ السُّدِّيُّ: المُراغَمُ: المُبتغي المعيشةَ (١). قال القاضي أبو محمدٍ ﵀: وهذا كلُّه تفسيرٌ بالمعنى، فأما الخاصُّ باللَّفظَةِ، فإنَّ المراغم: موضعُ المراغمة وهو أن يُرغِمَ كلُّ واحدٍ من المتنازعين أنفَ صاحبه بأن يغلبَه على مراده، فكفارُ قريشٍ أرغموا أنوفَ المحبوسينَ بمكَّةَ، فلو هاجر منهم مهاجرٌ في أرض الله لأرغمَ أنوفَ قريشٍ بحصولِه في منعةِ منهم، فتلكَ المنعةُ هي موضعُ المراغمةِ ...» (٢). ٣ - في قولِه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٠]، قالَ ابنُ القَيِّمِ (ت:٧٥١): «ورُوِيَ عن ابن عباسٍ ﴿يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٠]: يكذبونَ عليه (٣). وهذا تفسيرٌ بالمعنى، وحقيقةُ الإلحادِ فيها: العدولُ بها عن الصَّوابِ فيها، وإدخالُ ما ليسَ من معانيها فيها، وإخراجُ حقائقِ معانيها عنها، هذه حقيقةُ الإلحاد، ومنْ فعل ذلك فقدْ كذبَ على الله. ففسَّرَ ابنُ عباسٍ الإلحادَ بالكذبِ، وهو غايةُ الملحدِ في أسمائه تعالى، فإنه إذا أدخلَ في معانيها ما ليسَ منها، وخرج بها عن حقائقِها، أو بعضِها، فقدَ عدلَ بها عنِ الصَّوابِ والحقِّ، وهو حقيقةُ الإلحادِ ...» (٤). ٤ - في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لاَ يَرْجُونَ حِسَابًا﴾ [النبأ: ٢٧]، قال الطَّاهرُ بنُ عاشورَ (ت:١٣٩٣): «وقوله: ﴿لاَ يَرْجُونَ حِسَابًا﴾ نفيٌ لرجائِهم وقوعَ الجزاءِ. والرَّجاءُ اشتهرَ في ترقُّبِ الأمرِ المحبوبِ، والحسابُ ليسَ خيراً لهم حتى يُجْعَلَ نفيُ ترقُّبِهِ منْ قبيلِ نفيِ الرَّجاءَ ...

стр. 663

ومنَ المفسرِّينَ منْ فسَّر: ﴿يَرْجُونَ﴾ بمعنى: يخافونَ (١)، وهو تفسيرٌ بحاصلِ المعنى، وليسَ تفسيراً لِلَّفظِ» (٢).

стр. 664

خاتمة البحث الحمد لله الذي منَّ علي بختام هذا البحث المبارك، وأسأله أن يمنَّ علي بختام الحياة خيراً. وبعد: إنَّ موضوعَ التفسيرِ اللُّغويِّ موضوعٌ طويلٌ لا تستوعبُه مثلُ هذه الرسالةِ التي أراها قصَّرتْ في كثيرٍ من مسائِله المطروحةِ؛ لأنَّ الاستطرادَ في مناقشةِ هذه المسائلِ يحتاجُ إلى رسائلَ مستقلَّةٍ، وحسبي أنِّي فتحتُ بابَه وأشرتُ إلى شيءٍ من رؤوس مسائله: ومنْ هذه المسائلِ التي رأيتها جديرةً بالبحثِ: ١ - الشاهدُ الشِّعريُّ وعلاقتُه بتفسيرِ القرآنِ (١). ٢ - الأساليبُ العربيَّةُ التي نزلَ بها القرآنُ وأثرها في التفسيرِ. ٣ - دلالةُ الصِّيَغِ وأثرُها في التفسيرِ. ٤ - مفهومُ التأويلِ والمجازِ وأثرُهما في التفسيرِ. ٥ - البحثُ اللُّغويُّ عند الأصوليين وأثره في التَّفسيرِ (٢).

стр. 665

ومن أبرزِ نتائجِ هذا البحثِ التي يحسنُ تدوينُها: * أنَّ مفسِّري السلفَ قد سبقوا اللُّغويِّينَ في التفسيرِ عموماً، وهذه النتيجةُ مع يسرِها وسهولتِها، تجدُ من يغفلُ عنها عندَ بحثِه عن معاني ألفاظ القرآنِ، أو ألفاظِ اللُّغةِ، ويعمدُ إلى أقوالِ اللُّغويِّين الذين تأخروا عنهم وجاءوا بعدهم، وهذا فيه من القصورِ في البحثِ ما فيه. * أنَّ التَّفسيرَ اللُّغويَّ جزءٌ من علمِ التَّفسيرِ، ولذا لا يمكنُ أن يخلوَ منه كتابٌ في التَّفسيرِ، إلاَّ أنْ يكونَ من التَّفاسيرِ المنحرفةِ التي لا تعتمدُ على لغةِ العربِ في بيانِ القرآنِ؛ كتفاسيرِ الباطنيَّةِ والصُّوفيَّةِ والفلاسفةِ وغيرها. وأنَّه من أكبرِ مصادرِ التَّفسيرِ، وهذا ظاهرٌ لمنْ يقرأُ مدوَّناتِ التَّفسيرِ؛ كتفسيرِ الطَّبريِّ (ت:٣١٠)، وتفسيرِ ابن عطيَّةَ (ت:٥٤٢) وغيرِهما. وهذا يعني أنَّ المفسِّرَ يحتاجُ إلى تعلُّمِ اللُّغةِ خاصَّةً، ليُفيدَ في تفسيرِ القرآنِ، وفي بيانِ وجهةِ كثيرٍ من أقوالِ المفسِّرينَ، وفي بيانِ خطأ من خالفَ لغةِ العربِ وفسَّرَ بما لا يوجدُ فيها. ولقدْ كانَ الطبريُّ بتحريراتِه اللُّغويَّةِ من أبرزِ المفسِّرينَ الذين يمكنُ أن

стр. 666

يُستدلَّ بهم في أهمية معرفةِ اللُّغةِ العربيَّةِ للمفسِّرِ، ولقد كانَ بتحريراتِه هذه في مصافِّ أقرانِه اللُّغويِّينَ الذي عاشوا في عصرِه، ومن العجيبِ أنَّ هذا العَلَمَ الجهبذَ لا يوجدُ عنه نقلٌ في مدوَّناتِ اللغة التي كُتِبتْ بعدهُ؛ كتهذيبِ اللُّغةِ ولسانِ العربِ وغيرِها، مع أنَّه كانَ في بغدادَ عاصمةِ العلمِ آنذاك، وكان معاصراً لجمعٍ من اللُّغويِّينَ الذينَ دوَّنوا اللُّغةَ، ونُقلتْ أقوالُهم، واعتُمدت، وأذكرُ ـ على سبيلِ المثالِ، لا الحصرِ ـ أبا الحسن عليَّ بنَ الحسنِ الهُنائيَّ، المشهورَ بكُرَاعِ النَّملِ (ت:٣١٠)، الذي ألَّفَ كتاب المنجدِ في اللغةِ، وكتاب المنتخب من غريب كلامِ العربِ، ولاحظَ محقِّقو هذين الكتابينِ أنَّ معاني بعضِ الألفاظ تحكى عنه دونَ غيرِه، فهو أعلى مصدرٍ في هذه المعلوماتِ، وينقُلها عنه المتأخِّرونَ على سبيلِ القبولِ، وأنَّ اسمَه كثيرَ التَّردُّدِ في كتابِ المحكمِ ولسانِ العربِ وغيرِهما (١). فهذا العَلَمُ اللُّغويُّ المعاصرُ للطبريِّ (ت:٣١٠) قد حُكيتْ عنه معاني بعضِ الألفاظِ، أمَّا الطبريُّ (ت:٣١٠)، فيندرُ أنْ يُحكى اسمُه في كتبِ اللُّغةِ، وهذا يعني عدم اهتمامِ من ألَّفَ في اللُّغةِ بالنَّقلِ عن المفسِّرينَ. وقد ظهرَ لي أنَّ هذه النَّتيجةَ تنساقُ على جلِّ المفسرِّينَ من السَّلفِ وغيرِهم، حيثُ يَقِلُّ ذكرُ أعيانِ مفسِّرِي السَّلفِ في كتبِ اللُّغويين، كما لم يستفيدوا ـ أي: أهل اللُّغةِ ـ من كتبِ الوجوهِ والنَّظائرِ التي دوَّنها أتباعُ التَّابعينَ، وفي ذلكَ قصورٌ لا يخفى على من تأمَّلَه. * أنَّ أغلبَ البحثِ اللُّغويِّ في كتب اللُّغويِّينَ: من معاني القرآنِ، وغريبِه، ومعاجمِ اللُّغةِ، وغيرها من المدوناتِ اللُّغويَّةِ، كان منصباً على بيانِ معاني المفرداتِ.

стр. 667

وقد ظهرَ لي أنَّ كتبَ معاجمِ اللُّغةِ، وكتبَ شروحِ الأحاديثِ والأشعارِ وغيرِها من الرَّسائلِ اللُّغويةِ الأخرى؛ ككتب الأضدادِ وغيرِها، ظهرَ لي أنها لا تختلفُ في منهجِ البحثِ عن كتبِ غريبِ القرآنِ، لذا، فإنه لو جُرِّدَ ما يتعلَّقُ بالتَّفسيرِ في هذه الكتبِ فإنَّها لا تعدو أنْ تكونَ كتاباً في غريبِ القرآن. وتجريدُ ما يتعلَّقُ بالتَّفسيرِ من هذه الكتب مطلبٌ يحرصُ عليه الباحثُ في التَّفسيرِ؛ لأنَّه يقرِّبُ له المعلومةَ من مواضعَ لا يتوقَّعُ وجودها فيها، وهذا من البحوثِ اليسيرةِ المفيدةِ التي يمكنُ أن يقومَ بها طلاَّب الكلِّيَّةِ أو الدراساتِ العليا، يخرجونها ويقومون بدراستها، ومن ثَمَّ تُخرجُ في كتابٍ مستقلٍّ، والله الموفِّقُ. * ومما ظهرَ لي في هذا البحثِ أنَّ الكتبَ التي درستُها في معاني القرآنِ، كانَ قصدُ مؤلِّفيها إبرازَ مذهبِهم النَّحويِّ، لذا طغتْ هذه البحوثُ النَّحويَّةُ على بيانِ المفرداتِ في هذه الكتبِ. * وقد ظهرَ لي أثرُ معتقدِ المؤلِّفِ على بحوثِه في التَّفسيرِ اللُّغويِّ، وأنَّ معرفَة هذا المعتقدِ ضروريَّةٌ للباحثِ، ويمكنُ أن يتتبَّعها من خلالِ كتاباتِ المؤلِّفِ. كما ظهرَ لي في هذا المجالِ أنه لا يلزمُ أن يكونَ ما قيلَ في كتبِ التراجمِ من عقيدةِ المؤلِّفِ صحيحاً، بل قد يكونُ مما أُلصقَ به لسببٍ من الأسبابِ التي قد تخفى على الباحثِ، ولا يتبيَّنُ ردُّ هذه التُّهمةِ عنه إلاَّ بجردِ كتابِه وبيانِ ما قاله مما يخالفُ ما وُصِمَ به. وأعيدُ هنا: أنَّ الباحثينَ بحاجةٍ إلى منهجٍ تطبيقيٍّ يبيِّنُ لهم سبيلَ الاستفادةِ من المعلومات التي تُذكرُ في تراجمِ بعض الأعلامِ؛ لأنَّ بعضهم يأخذُ هذه المعلوماتِ مسلَّماتٍ لا تقبلُ الجدلَ والنِّقاشَ، ويبني عليها نتائجَ لا يخالِفُها الصوابُ ـ غالباً ـ عند التنقيبِ والتَّحريرِ، وقد مرَّ في البحثِ أمثلةٌ لهذا، والله الموفِّقُ. * لقد كان البحثُ في الاختلافِ بسببِ اللُّغةِ شيِّقاً في شقِّهِ الأوَّلِ، وهو بيانُ ما للاختلافِ بسبِبها من إثراء التَّفسيرِ، كما كانَ فيه معرفةُ وجهةِ الأقوالِ وأسبابِها، مما يجعلُ الباحثَ مدركاً للاختلافِ، وعارفاً بما يمكنُ حملُه على الآيةِ وما لا يمكنُ.

стр. 668

أمَّا الشِّقُ الثاني، وهو اتخاذُ اللُّغةِ طريقاً إلى الانحراف بالتَّفسيرِ، فكانَ موضوعاً صعباً، وهو محتاجٌ إلى دراسةٍ مستقلَّةٍ، أرى أنَّه لا بدَّ منها. وقد ظهرَ لي في هذا المبحثِ أنَّ من أهمِّ أسبابِ الانحراف في التفسيرِ اللُّغويِّ الاعتمادَ على العقلِ المجرَّدِ، والانتصار للمذهبِ العقديِّ، وقد ساعدَ على ذلكَ سَعَةُ العربيَّةِ. وإنَّ مما يدلُّ على هذه المسألةِ، ما أحدثَه بعضُهم من معانٍ لغويَّةٍ مولَّدةٍ، لا تعرفُها العربُ، ولم يكنْ من منطقِها، ومن أشهرِ الأمثلةِ عليها تفسيرُ معنى الاستواءِ بالاستيلاءِ. * ولما كان هذا حالُ اللُّغةِ العربيَّةِ من السَّعةِ، صار فيها إثراءٌ للمعاني المحتملةِ في التَّفسيرِ، كما صارَ فيها طريقاً لإثباتِ بعضِ المبتدعةِ بدعَهم بها، وبهذا تكونُ سَعَةُ اللُّغةِ العربيَّةِ سلاحاً ذا حدَّينِ، لذا فإنَّ الأمرَ يحتاجُ إلى ضوابطَ يُتبيَّنُ بها معرفةُ الصَّحيحِ من السَّقيمِ من هذه المحتملاتِ اللُّغويَّةِ، وهذا ما بحثتُه في القاعدةِ الثانيةِ من (قواعد في التفسيرِ اللُّغويِّ)، وقد استنبطتُ لهذه المحتملاتِ ضوابطَ أرجو أن أكونَ قد وُفِّقتُ فيها إلى الصَّوابِ. كما بيَّنتُ فيها أنَّ معرفَة اللُّغةِ العربيَّةِ ضروريٌّ لمعرفةِ مخالفةِ من يفسِّرُ القرآنَ بغيرِها، وأنَّها سلاحٌ يُشهرُ في وجهِ من يبتدعُ معاني لا تعرفها العربُ؛ ذلكَ لأنَّ القرآنَ عربيٌّ، ولا يمكنُ أن يُفسَّرَ بدلالةِ ألفاظِ غيرِها، وهذا فيه من التَّجنِّي والتَّقوُّلِ على الله بغيرِ علمٍ ما لا يخفى. * وعقدت قاعدةً بعنوانِ: (لا يصح اعتمادُ اللُّغةِ دونَ غيرِها من المصادرِ التَّفسيريَّةِ)، وقد بيَّنتُ فيها أنَّه مع ما للُّغةِ من الأهميَّةِ في فهمِ القرآنِ والردِّ على انحرافاتِ بعضِ التَّفاسيرِ، فإنها لا تعتبرُ المصدرَ الوحيدَ، بل هناكَ ما يُقدَّمُ عليها عند الاختلافِ في فهم معنى الآيةِ، فسببُ النزولِ يبيِّنُ المعنى المحتملَ من دلالاتِ اللفظِ اللُّغويِّ، ولذا لا يصحُّ أن يُحملَ المعنى على غيرِ ما يدلُّ عليه سببُ النُّزولِ. والمعنى الشَّرعيُّ مقدَّمٌ على المعنى اللُّغويِّ، إذا تعارضا في مثالٍ ما؛ لأنَّ الشارعَ معنيٌّ ببيانها، لا ببيانِ المعنى اللُّغويِّ.

стр. 669

وكذا تفسيرُ السَّلفِ يدلُّ على المعنى المراد من المعاني المحتملةِ، فما ناقضَه من المعاني رُدَّ، ولو كانَ لغويًّا، وقد بيَّنتُ هذا باستفاضةٍ في القاعدةِ الأولى: (كل تفسير لغوي وارد عن السلف يُحكم بعربيته، وهو مقدم على تفسير اللغويين)، وبيَّنتُ فيها أنَّ الواردَ عن السلف حجةٌ في بيان اللغةِ. وقد بيَّنتُ في نهايةِ قاعدة: (لا يصحُّ اعتماد اللُّغةِ دونَ غيرِها من المصادرِ التَّفسيريَّةِ)، بيَّنتُ قاعدةً ناشئةً عنها، وهي: أنه ليس كلُّ ما وردَ في اللُّغةِ يلزمُ ورودُه في القرآنِ، وذكرتُ قولَ بعضِ العلماءِ في هذا، وما ردَّه بعضُهم من التَّفسيراتِ بناءً على هذه القاعدةِ. * وفي القاعدة الرابعة بيَّنتُ أنَّه حينما يأتي تفسيرٌ عن السلفِ لا تجدُه في معاجم اللُّغةِ، فلا تتسرَّعَ في ردِّه؛ لأنَّه قد يكونُ فسَّرَه على المعنى لا على اللفظِ، أو يكونُ دلالةً لغويَّةً جهِلَها اللُّغويونَ ولم ينقلوها. وبينتُ فيها أنَّه إذا كانَ التفسيرُ الواردُ عن السَّلفِ تفسيراً على المعنى، فإنه لا يخالفُ التفسيرَ على اللَّفظِ، ومن هذا المنطلقِ؛ فإنَّ معرفةَ طريقةِ السَّلفِ في التَّفسيرِ على المعنى نافعةٌ جدًّا لمن يقرأ في تفسيرهم؛ لأنَّه بمعرفةِ القارىء لهذا النوعِ من التَّفسيرِ تزولُ عنه مشكلاتٌ كثيرةٌ يراها في تفسيرِ السلفِ، قد يخطِّئها، ولو كان على علمٍ بطريقتِهم هذه، لسهُلَ عليه معرفةُ وجْهَةِ أقوالِهم، ومعرفةُ مخرجها وسبب ذلكَ التَّفسيرِ، وبهذا يكونُ قد أراحَ نفسَه من عناءِ التَّخطئةِ، وتكلُّفِ الرَّدِّ. وأخيراً: هذه جملةٌ من نتائجِ البحثِ، وهناك غيرُها من النتائجِ الجزئيَّةِ التي تراها منثورةً فيه، والتي ستظهرُ في فهرسِ مسائل الكتاب العلمية إن شاء الله، والله الموفقُ، أسأُلُه أن يسدَّ خَلَلِي، ويتمَّ عليَّ نعمتَه، ويجعلَ هذا البحثَ خالصاً لوجهِه الكريمِ، وأن يكونَ في ميزانِ حسناتي يوم ألقاه، وآخرُ دعوايَ أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ.

стр. 670

الفهارس العامة للكتاب فهرس القواعد العلمية فهرس مسائل الكتاب العلمية فهرس المصادر والمراجع فهرس موضوعات الكتاب
следующие страницы →