Полный текст (207 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
للازدجار فقال تعالى: "اقتربت الساعة وانشق القمر"
ثم إن سورة (ص) تضمنت من عناد المشركين وسوء حالهم، وتوبيخهم في عبادتهم ما لا يضر ولا ينفع ما لا يكاد يوجد في غيرها مما تقدمها.
وبعد الشبه في السور قبلها والتحريك بآيات لا يتوقف عنها إلا من أضله
الله وخذله، أنبئت السور بعد على تمهيد ما تضمنته سورة ص فلم تخل سورة
منها من توبيخهم وتقريعهم كقوله في الزمر "والذين اتخذوا من دونه أولياء ما
نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى" (آية: ٣)
وقوله: "لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء" (آية: ٤) وقوله: "قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ"
وقوله مثلا لحالهم: "ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ.... الآية " إلى ما بعد من التقريع والتوبيخ
وقوله في سورة غافر: (مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ (٤)
وقوله: "ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا"
وقوله: "أولم يسيروا في الأرض.... الآية " (آية: ٢١)
وقوله: "إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ" (آية: ٣٦)
وقوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (٦٩) الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) .
إلى قوله: (فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٧٧)
стр. 142
وقوله تعالى: "أولم يسيروا في الأرض " إلى ما تخلل هذه الآي كقوله في السجدة: "فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٤) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ"
"وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن " "إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا" إلى قوله "أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٤٤)
وقوله: "سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ" إلى خاتمة السورة
وقوله في الشورى: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٦)
"كبر على المشركين ما تدعوهم إليه "
"وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ ... الآية "
"أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ... الآية " (آية: ٢١) "فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا"
وقوله في الزخرف: "أفنضرب عنكم الذكر صفحا.... الآية "
"وجعلوا له من عباده جزءا"
إلى ما تردد في هذه السورة مما قرعوا به أشد التقريع، وتكرر في آيات كثيرة فتأملها، وقوله في الدخان: "بل هم في شك يلعبون " إلى قوله: "يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون "
وقوله: "إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين " إلى قوله: "إن هذا ما كنتم به تمترون"
وقوله في الشريعة: "فبأى حديث بعد الله وَآياته يؤمنون.... الآيات إلى قوله: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (١١)
وقوله: "أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ" إلى آخر السورة
وقوله في الأحقاف: "والذين كفروا عما أنذروا معرضون "
ومعظم آي هذه السورة لم يخرج عن هذا إلى خاتمتها،
وكذا سورة القتال ولو لم يتضمن إلا الأمر بقتلهم وأسرهم وتعجيل خزيهم "فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ"
وأما سورة الفتح فمما تضمنته من البشارة والفتح أشد على الكفار من كل ما قرعوا به، ولم تخرج عن الغرض
стр. 143
المتقدم وكذا سورة الحجرات لتضمنها من الأمر بتعزيز النبي ﷺ وإجلاله ما يقر عين المؤمن ويقتل العدو الحاسد وما فيها أيضا من ائتلاف أمر المؤمنين وجمع كلمتهم وتآخيهم، وموقع هذا من العدو بحيث لا يخفى على أحد، وأما سورة "والذاريات "، "والطور"، "والنجم "، فما تضمنته مما ذكرناه قبل أوضح شيء، وبذلك افتتحت كل سورة منها، فتأمل مطالعها، ففي ذلك كفاية في الغرض، فلما انتهى ما قصد من تقريع مكذبي رسول الله ﷺ ، وبلغت الآي في هذه
السور من ذلك أقصى غاية، تمحض باطلهم وانقطع دابرهم، ولم يجدوا جوابا، عرض عليهم سبحانه في سورة القمر أحوال الأمم مع أنبيائهم وكان القصد من ذلك - والله أعلم مجرد التعريف بأنهم ذكروا فكذبوا فأخذوا ليتبين لهؤلاء أن لا فرق بينهم وبين غيرهم، وأن لا يغرهم عظيم حلمه سبحانه عنهم، فهذه السورة إعذار عند تبكيتهم وانقطاع حجتهم بما تقدم، وبعد أن انتهى الأمر في وعظهم وتنبيههم بكل آية إلى غاية يعجز عنها البشر، لهذا افتتح سبحانه هذه السورة بقوله: (وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (٥)
وختمها بقوله: "أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ"
وهذا يبين ما قدمناه، وكأن قد قيل أى فرق بينكم وبين من
تقدم حتى ترتكبوا مرتكبهم وتظنون أنكم ستفوزون بعظيم جرأتكم، فذكر
سبحانه لهم قصة كل أمة وهلاكها عند تكذيبها بأعظم إيجاز وأجزل إيراد
وأفحم عبارة وألطف إشارة فبدأ بقصة قوم نوح "كذبت قبلهم قوم نوح "
إلى قوله: "ولقد تركناها آية فهل من مدكر فكيف كان عذابى ونذر"
ثم استمر في ذكر الأمم مع أنبيائهم حسب ما ذكروا في السور الواردة
стр. 144
فيها أخبارهم من ذكر أمة بعد أمة، إلا أن الواقع هنا من قصصهم أوقع في الزجر وأبلغ في الوعظ وأعرف في الإفصاح بسوء منقلبهم وعاقبة تكذيبهم، ثم ختمت كل قصة بقوله: " فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ " وتخلل هذه القصص قوله تعالى: "ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر وهى إشارة إلى ارتفاع عذر من تعلق باستصعاب الوقوف على زواجره وتنبيهاته ومواعظه، ويدعى بعد ذلك استغلاقه إنه ميسر قريب المرام، وهذا فيما يحصل منه التنبيه
والتذكير لما عنه تكون الاستجابة بإذن الله، ووراء ذلك من المشكل والمتشابه ما لا يتوقف عليه ما ذكره، وحسب عموم المؤمنين الإيمان بجمعيه، والعمل بمحكمه، ثم يفتح الله تعالى ففي ذلك على من شرفه به وأعلى درجته فيبين له بحسب ما يشرح الله صدره "يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ"
ومن تيسير المقصود المتقدم تكرار قصص الأنبياء مع أممهم في عدة سور
أيُّ حفظ منها أطلع على ما هو كاف في الاعتبار بهم، ثم إذا ضم ذلك بعضه إلى بعض اجتمع فيه ما لم يكن ليحصل من بعض تلك السور فسبحان من جعله حجة باهرة وبرهانا قاطعا على صدق الآي به، وصراطا مستقيما ونورا مبينا.
ولما ذكر سبحانه عواقب الأمم في تكذيبهم قال لمشركي العرب: "أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ"
ومن هذا النمط قول شعيب ﵊: "وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ.... الآية " (هود: ٨٩)
ثم قال تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)
أي إنكم إن تعلقتم بتألفكم وجماعتكم فسأفرق ذلك بهزيمتكم يوم بدر، وقتل صناديدكم فما
стр. 145
حجتكم بعد هذا وقد أنبأ مساق القصص في هذه السور واعتماد التعريف
بحال من ذكر في أن كذبوا وعاندوا فأعقب تكذيبهم أخذهم وهلاكهم.
ثم تعقب هذا كله بصرف الكلام إلى مشركي العرب في قوله: "أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ"
وليس في شىء من السور المذكور فيها قصص الأمم على هذا الاستيفاء كالأعراف وهود ونظائرهما، ليس في شيء من ذلك تعقيب بذكر
مشركى العرب على الصفة الوارة هنا، فأنبأ ذلك بكمال المقصود من الوعظ
والتحريك بذكره، وانقضى هذا الغرض، وذلك أنهم ذكروا أولا بعرض
أحوال الأمم والتعريف بما آل إليه أمرهم وكان ذلك في صورة عرض من يريد تأديب طائفة ممن إليه نظرهم قبل أن يظهر منهم تمرد وعناد فهو يستلطف في دعائهم ولا يكلمهم تكليم الواجد عليهم بل يفهم من كلامه الإشفاق والاستعطاف وإرادة الخير بهم، ثم يذكرهم بذلك ويكرره عليهم المرة بعد المرة وإن تخلل ذلك ما يتبين فظاعة التهديد وشدة الوعيد، فلا يصحبه تعيين المخاطب وصرف الكلام بالكلية إليه بل يكون ذلك على طريق التعريض والتوبيخ، ثم لو كان لاغتفر بما قبله وما بعده من التلطف حتى إذا تكررت الوعظة فلم تغن، فهنا يحل الغضب وشدة الوعيد، وعلى هذا وردت السور المذكور فيها حال الأمم كسورة الأعراف وهود والمؤمنون والظلة والصافات، وما من سورة منها إلا والتي بعدها أشد في التعريف، وأميل إلى الزجر والتعنيف، فتأمل تعقيب القصص في سورة الأعراف بقوله تعالى: "وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون "
стр. 146
وقوله بعد موعظة بالغة بذكر من حرمه بعد إشرافه على الفوز وهو الذى "أخلد الى الأرض واتبع هواه، فقال بعد ذلك "فاقصص القصص لعلهم
يتفكرون "
وتذكيره إياه بمحنة الغفلة إلى ما ختمت به السورة وذلك غير خاف في التلطف بالموعظة، وقال تعالى بعد قصص سورة هود "وكذلك أخذ
ربك.... الآية "
وقال بعد "فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ" إلى قوله: "وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ"
وتكررت آى إلى آخر السورة تجاري ما ذكر، وكم بين هذه وآى الأعراف في تلطف الاستدعاء.
وقال تعالى في آخر قصص سورة المؤمنين "فذرهم في غمرتهم حتى حين " إلى قوله "لا يشعرون " (الآيات: ٥٤ - ٥٦) ، ثم قال تعالى بعد "وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (٦٣) حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (٦٤) .
استمرت آى على شدة الوعيد يتلو بعضها بعضا إلى قوله:.
"أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا"
وقوله تعالى بعد "إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ "
وكم بين هذه الآي الواقعة عقب قصص سورة هود
"وقال في آخر قصص الظلة "وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ" إلى قوله خاتمة السورة "وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ".
فوبخهم وعنفهم ونزه نبيه ﵊ عن سوء توهمهم وعظيم إفكهم وافترائهم وكل هذا تعنيف وزجر لم يتقدم لهم مثله في السور المذكورة، ثم هو صريح في مشركى العرب معين لهم في غير تلويح ولا تعريض، ثم إنه وقع عقب كل قصة في هذه السورة قوله تعالى: "إن في ذلك لآية" وفيه تهديد ووعيد بين، فقال تعالى في آخر قصص والصافات (فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (١٥٠) أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٥٢) .
وهذا أعظم تقريع وأشد توبيخ، ثم نزه نفسه سبحانه عن بهتان
مقالهم وسوء ارتكابهم وقبح فعالهم بقوله سبحانه (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) .
стр. 147
فلما أخذوا كل مأخذ فما أغنى ذلك عنهم، قال تعالى
لنبيه ﷺ "فتول عنهم" وتمامها، "حتى حين"
ولم يقع أمره ﷺ بتركهم والإعراض عنهم والتولي إلا بعد حصول القصص في السور المذكورة
وأخذهم بكل طريق، وأول أمره بذلك ﷺ في سورة السجدة "فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (٣٠)
ثم في سورة الذاريات "فتول عنهم فما أنت بملوم "
ثم في قوله هنا "فتول عنهم " (آية: ٦) ، فتأمل ذلك، ثم ذكر
تعالى قصص الأمم إثر قوله تعالى هنا "فتول عنهم " بأشد وعيد وأعظم تهديد
يعقب كل قصة بقوله تعالى: "وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ"
وقوله " فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ "
ثم صرف الكلام إليهم بما تقدم في قوله "أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ"
فبلغ ذلك أعظم مبلغ في البيان والإعذار، ثم قال تعالى: "وكل شيء فعلوه في الزبر"
فعرف سبحانه بسابق حكمته فيهم إنا كل شيء خلقناه بقدر وانقضى ذكر القصص، فلم يتعرض لها مستوفاة على هذا المساق فيما بعد إلى آخر الكتاب فسبحان من رحم به عباده المتقين وجعله آية باهرة إلى يوم الدين، وقطع به عناد الجاحدين وغائلة المعتدين وجعله بيانا كافيا ونورا هاديا وواعظا شافيا، جعلنا الله ممن اهتدى واعتلق بسببه إنه أهل الاستجابة والعفو والمغفرة.
سورة الرحمن
من المعلوم أن الكتاب العزيز وإن كانت آياته كلها معجزة باهرة وسوره في
جليل النظم وبديع التأليف قاطعة بالخصوم قاهرة، فبعضها أوضح من بعض في
стр. 148
تبين إعجازها. وتظاهر بلاغتها وإيجازها، ألا ترى تسارع الأفهام إلى الحصول على بلاغة آيات وسور من أول وهلة دون كبير تأمل كقوله تعالى: "وقيل يا أرض ابلعى ماءك " (هود: ٤٤) وقوله: "فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤)
لا يتوقف في أمر إعجازها إلا من طبع الله على قلبه، أو صُد عنه باب الفهم جملة، فأنى له بولوجه وقرعه؟ وسورة القمر من هذا النمط، ألا ترى اختصار القصص فيه مع حصول أطرافها وتوفية أغراضها وما
جرى مع كل قصة من الزجر والوعظ والتنبيه والإعذار، ولولا أني لم أقصد التعليق - إلا ما بنيته عليه من ترتيب السور - لأوضحت ما أشرت إليه ولعل الله سبحانه ييسر ذلك فيما باليد من التفسير يفتح الله به وييسر فيه.
فلما انطوت هذه السورة على ما ذكرنا وبأن فيها عظيم الرحمة في ذكر
القصص ونفع العظات، وظهرت حجة الله على الخلق وكان ذلك من أعظم ألطافه تعالى لمن يسره لتدبر الكتاب ووفقه لفهمه واعتباره أردف ذلك سبحانه بالتنبيه على هذه النعمة فقال تعالى: "الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)
وخص من أسمائه الحسنى هذا الاسم إشعارا برحمته بالكتاب وعظيم
إحسانه "وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها"
ثم قد تمهد أن سورة القمر إعذار، ومن أين للعباد بجميل هذا اللطف وعظيم هذا الحلم حتى يزدادوا إلى
стр. 149
بسط الدلالات، وإيضاح البينات إن يعذر إليهم زيادة في الإبلاع فأنبأ تعالى أن هذا رحمة فقال: "الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢)
ثم إذا تأملت سورة القمر وجدت خطابها وإعذارها خاصا ببني آدم، بل بمشركى العرب منهم فقط فأتبعت بسورة الرحمن تنبيها للثقلين وإعذارا إليهم وتقريرا للجنس على ما أودع الله تعالى في العالم من العجائب والبراهين الساطعة فتكرر فيها التقرير والتنبيه بقوله تعالى: "فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ" خطابا للجنسين وإعذارا للثقلين فبان اتصالها بسورة القمر أشد البيان.
سورة الواقعة
لما تقدم الإعذار في السورتين المتقدمتين والتقرير على عظيم البراهين وأعلم
في آخر سورة القمر أن كل واقع في العالم فبقضائه سبحانه وقدره: "إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) . "وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢)
وأعلمهم سبحانه في الواقعة بانقسامهم الأخروي فافتتح بذكر الساعة "إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١)
إِلى قوله "وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) "
فتجردت هذه السورة للتعريف بأحوالهم
стр. 150
الأخروية وصدرت بذلك عما جرد في السورتين قبل التعريف بحالهم في هذه الدار، وما انجر في السور الثلاث جاريا على غير هذا الأسلوب فبحكم استدعاء الترغيب والترهيب لطفا بالعباد ورحمة، ومطالعها مبنية على ما ذكرته تصريحا لا تلويحا، وعلى الاستيفاء لا بالإشارة والإيحاء، ولهذا قال تعالى في آخر قصص افتراق أحوالهم الأخروية في هذه السورة "هذا نزلهم يوم الدين " (الواقعة: ٣٦) فأخبر أن هذا حالهم يوم الجزاء، وقد قدم حالهم الدنيوى في السورتين قبل وتأكد التعريف المتقدم فيما بعد وذلك قوله: "فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) .
إلى خاتمتها.
سورة الحديد
لما تقدم قوله تعالى: "نحن خلقناكم فلولا تصدقون "
وفيه من التقريع والتوبيخ لمن قرع به ما لاخفاء به، ثم أتبع بقوله تعالى: "أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) ... الآيات إلى قوله: "وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (٧٣)
فنذروا ووبخوا على سوء جهلهم وقبح ضلالهم ثم قال بعد ذلك "أفبهذا الحديث أنتم مدهنون "
واستمر توبيخهم إلى قوله: "إن كنتم صادقين ".
فلما أشارت هذه الآيات إلى قبائح مرتكباتهم أعقب تعالى ذلك بتنزيه عز
وجل من سوء ما انتحلوه وضلالهم فيما جهلوه فقال تعالى: "فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ"
أى نزهه عن عظيم ضلالهم وسوء اجترامهم، ثم أعقب
стр. 151
ذلك بقوله: "سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ "
ثم أتبع ذلك بقوله له: "له الملك وله الحمد"
فبين تعالى انفراده بصفة الجلال ونعوت الكمال، وأنه المنفرد بالملك والحمد، وأنه الأول والآخر والظاهر والباطن إلى قوله: "وهو عليم بذات الصدور" (الحديد: ٦) فتضمنت هذه الآي إرغام من أشير إلى حاله في الآي المتقدمة في سورة الواقعة وقطع ضلالهم والتعريف بما جهلوه من صفاته العلى وأسمائه الحسنى جل وتعالى، والتحمت آى السورتين واتصلت معانيها ثم صرف الخطاب إلى عباده المؤمنين فقال تعالى: "آمنوا بالله ورسوله "
(الحديد: ٧) واستمرت الآي على خطابهم إلى آخر السورة.
سورة المجادلة
لما نزه سبحانه نفسه عن مقول الملحدين وأعلم أن العالم بأسره ينزهه
عن ذلك بألسنة أحوالهم لشهادة العوالم على أنفسها بافتقارها لحكيم أوجدها لا يمكن أن يشبه شيئا منها بل يتنزه عن أوصافها ويتقدس عن سماتها فقال: "سبح لله ما في السماوات والأرض "
ومضت آى تعرف بعظيم سلطانه وعلي ملكه، ثم انصرف الخطاب إلى عباده في قوله: "آمنوا بالله ورسوله"
стр. 152
إلى ما بعد ذلك من الآي، وكان ذلك ضرب من الالتفات الواقع منه هنا أشبه شيء بقوله سبحانه في سورة ابقرة "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ"
فإنه بعد تفصيل حال المتقين وحال من جعل في طرف منهم، وحال من تشبه بظاهره بالمتقين وهو معدود في شرار الكافرين، فلما تم هذا النمط عدل بعده إلى دعاء الخلق إلى عبادة الله وتوحيده "يا أيها الناس اعبدوا ربكم " (البقرة: ٢١) ثم عدل بالكلام جملة وصرف الخطاب إلى تعريف نبيه ﵊ ببدء الخلق "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً" فجاء ضربا من الالتفات فكذا الواقع هنا بين سبحانه حال مشركي العرب وقبح عنادهم وقرعهم وبخهم في عدة سور غالب آيها جار على ذلك ومجرد له، أولها سورة (ص) ، كما نبه عليه في سورة القمر وإلى الغاية التي ذكرت فيها إلى أن وردت سورة القمر منبئة بقطع دابرهم، وانجر فيها الإعذار المنبه عليه، وكذا في سورة الرحمن بعدها.
ثم أعقب ذلك بالتعريف بحال النزول الأخروي في سورة الواقعة مع زيادة
تقريع وتوبيخ على مرتكبات استدعت تسبيحه تعالى وتقديسه عن شنيع افترائهم، فأتبعت بسورة الحديد ثم صرف فيها الخطاب إلى المؤمنين، واستمر ذلك إلى آخر السورة، وجرت سورة المجادلة على هذا القصد مصروفا خطابها إلى نازلة يتشوف المؤمنون إلى تعرف حكمها وهو الظهار المبين أمره فيها، فلم يعدل بالكلام بعد كما كان قد صرف إليه في قوله: "آمنوا بالله ورسوله " (الحديد: ٧) بأكثر من التعرض لبيان حكم يقع منهم.
ثم إن السور الواردة بعد إلى آخر الكتاب استمر معظمها على هذا الغرض
لانقضاء ما قصد في التعريف بأخبار القرون السالفة والأمم الماضية، وتقريع من عاند وتوبيخه، وذكر مآل الخلق واستقرارهم الأخروي، وذكر تفاصيل التكاليف والجزاء عليها من الثواب والعقاب، وما به استقامة من استجاب وآمن وما يجب أن يلتزمه على درجات التكاليف وتأكيدها، فلما كمل ذلك صرف الكلام إلى ما يخص المؤمنين في أحكامهم وتعريفهم بما فيه خلاصهم ومعظم آي السورة بعد هذا شأنها، وإن انجر غيرها فلاستدعاء وموجب وهو الأقل كما بينا.
стр. 153
سورة الحشر
لا خفاء باتصال آيها بما تأخر من آى سورة المجادلة، ألا ترى أن قوله
تعالى: "أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ"
إنما يراد به يهود، فذكر سبحانه سوء سريرتهم وعظيم جرأتهم، ثم قال في آخر السورة: "لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ"
فحصل من هذا كله تنفير المؤمنين منهم وإعلامهم بأن بغضهم من الإيمان
وودهم من النفاق لقبح ما انطووا عليه وشنيع ما ارتكبوه.
فلما أشارت هذه الآي إلى ما ذكر اتبعت بالإعلام في أول سورة الحشر بما
عجل لهم من هوانهم وإخراجهم من ديارهم وأموالهم، وتمكين المسلمين منهم جرى على ما تقدم الإيماء إليه من سوء مرتكبهم، والتحمت الآي باتحاد المعنى وتناسبه وتناسخ الكلام، وافتتحت السورة بالتنزيه لبنائها على ما أشار إليه غضبه تعالى عليهم، إذ لا يكون إلا على أعظم جريمة وأسوأ مرتكب، وهو اعتداؤهم وعصيانهم المفصل في مواضع من الكتاب، وقد قال تعالى فيهم بعد ذكر غضبه عليهم "أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ" (المائدة: ٦٠) وقال تعالى: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) .
стр. 154
فبين تعالى أن لعنته إياهم إنما ترتبت على عصيانهم واعتدائهم، وقد فصل اعتداؤهم أيضا في مواضع، فلما كان الغضب مشيرا إلى ما ذكر من عظيم الشرك أتبعه سبحانه تنزيه نفسه جل وتعالى فقال: "سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ"
وإنما يرد التنزيه في الكتاب إثر جريمة تقع من العباد، وعظيمة يرتكبونها، وتأمل ذلك حيث وقع، ثم عاد إلى الِإخبار بما فعل تعالى بأهل الكتاب مما يتصل بما تقدم ثم تناسبت الآي.
سورة الممتحنة
افتتحت هذه السورة بوصية المؤمنين على ترك موالاة أعدائهم ونههيهم
عن ذلك، وأمرهم بالتبري منهم وهو المعنى الوارد في قوله خاتمة المجادلة "لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ"
إلى آخر السورة"، وقد حصل منها أن هذه أسنى أحوال أهل الإيمان، وأعلى مناصبهم "أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ"
فوصى عباده في افتتاح الممتحنة بالتنزه عن موالاة الأعداء، ووعظهم بقصة إبراهيم ﵇ والذين معه في تبرئهم من قومهم ومعاداتهم
والاتصال في هذا بين، وكأن سورة الحشر وردت مورد الاعتراض المقصود بها تمهيد الكلام وتنبيه السامع على ما به تمام الفائدة لما ذكر أن شأن المؤمنين أنهم لا يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا أقرب الناس إليها، واعترض بتنزيهه عن مرتكباتهم، ثم أتبع ذلك بذكر ما عجله لهم من النقمة والنكال، ثم عاد الأمر إلى النهي عن موالاة الأعداء جملة، ثم لما كان أول سورة الممتحنة إنما نزل في حاطب بن أبي بلتعة
стр. 155
رضى الله عنه وكتابه لكفار قريش بمكة، والقصة مشهورة، وكفار مكة ليسوا من يهود، وطلب المعاداة للجميع واحد، فلهذا فصل بما هو من تمام الِإخبار بحال يهود، وحينئذ عاد الكلام إلى الوصية عن نظائرهم من الكفار المعاندين، والتحمت السور الثلاث، وكثر في سورة الممتحنة ترداد الوصايا والعهود، وطلب الوفاء بذلك كله، ولهذه المناسبة ذكر فيها الحكم في بيعة النساء، وما يشترط عليهن في ذلك، فبنى السورة على طلب الوفاء افتتاحا واختتاما حسبما بين في التفسير لينزه المؤمن عن حال من قدم ذكره في سورة الحشر وفي خاتمة سورة المجادلة.
سورة الصف
افتتحت بالتسبيح لما ختمت به سورة الممتحنة من قوله: "لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ " وهم اليهود، وقد تقدم الإيماء إلى ما استوجبوا به هذا، فأتبع بالتنزيه لما تقدم بيانه، فإنه مما يعقب به ذكر جرائم المرتكبات ولا يرد في غير ذلك، ثم أتبع ذلك بأمر العباد بالوفاء، وهو الذي قدم لهم في الممتحنة ليتنزهوا عن حال مستوجبي الغضب بنقيض الوفاء والمخالفة
بالقلوب والألسنة "يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم "
стр. 156
"لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ" (النساء: ٤٥) "مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ" (المائدة: ٤٣) "وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ" (النور: ٤٥) ،
وبمجموع هذا استجمعوا اللعنة والغضب فقيل للمؤمنين "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢)
احذروا أن تشبه أحوالكم حال من استحق المقت واللعنة والغضب، ثم أتبع بحسن الجزاء لمن وفى قولا وعقداً لسانا وضميرا، وثبت على ما أمر به فقال: "إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّ.... الآية "
ثم تناسج ما بعد.
ولما كان الوارد من هذا الغرض في سورة الممتحنة قد جاء على طريق الوصية
وسبيل النصح والإشفاق، أتبع في سورة الصف بصريح العتب في ذلك والإنكار ليكون ذكره بعد ما تمهد في السورة قبل أوقع في الزجر، وتأمل كم بين قوله سبحانه: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ.... الآية. "
وما تضمنت من التلطف وبين قوله: "لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣) .
سورة الجمعة
لما ختمت سورة الصف بالثناء على الحواريين في حسن استجابتهم وجميل
إيمانهم، وقد أمر المؤمنين بالتشبه بهم في قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ"
стр. 157
كان ذلك مما يوهم فضل أتباع عيسى ﵇ على أتباع محمد ﷺ فأتبع ذلك بذكر هذه الأمة والثناء عليها، فافتتحت السورة بالتنزيه كما أشار إليه قوله: "كفرت طائفة" (الصف: ١٤) فإنهم ارتكبوا العظيمة وقالوا بالنبوة، فنزه سبحانه نفسه عن ذلك ثم قال: "هو الذى بعث في الأميين رسولا منهم" إلى قوله "ذو الفضل العظيم "، ثم أعلم تعالى بحال طائفة لاح لها نور الهدى ووضح لها سبيل الحق فعميت عن ذلك وارتبكت في ظلمات جهلها، ولم تزدد بما حملت إلا حيرة وضلالة فقال تعالى: "مثل الذين حملوا التوراة.... الآية".
وهي في معرض التنبيه لمن تقدم الثناء عليه ورحمة الله إياه لئلا يكونوا فيما
يتلو عليهم نبيهم من الآيات، ويعلمهم من الكتاب والحكمة مثل أولئك المتحَنين فإنهم مُقتوا ولُعنوا بعد حملهم التوراة، وزعموا أنهم التزموا حمله والوفاء به فوعظ هؤلا بمثالبهم لطفا من الله بهذه الأمة (وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) .
سورة المنافقون
لما أعقب حال المؤمنين فيما خصهم الله به مما انطوت عليه الآيات
الثلاث في صدر سورة الجمعة إلى قوله: "والله ذو الفضل العظيم "
(بذكر حال من لم ينتفع بما حُمِّل حسبما تقدم، وكان في ذلك من المواعظ
стр. 158
والتنبيه مما ينتفع به من سبقت له السعادة أتبع بما هو أوقع في الغرض، وأبلغ في المقصود وهو ذكر طائفة ممن أظهر الإيمان - ممن قدم الثناء عليهم ومن أقرانهم وأترابهم أقارربهم تلبست في الظاهر بالإيمان وأظهرت الانقياد والإذعان، وتعرضت فأعرضت وتنصلت فما وصلت، بل عاقتها الأقدار فعميت البصائر والأبصار.
ومن المطرد المعلوم أن اتعاظ الإنسان بأقرب الناس إليه وبأهل زمانه أغلب
من اتعاظه بمن بعد عنه زمانا ونسبا، فأتبعت سورة الجمعة بسورة المنافقين وعظا للمؤمنين بحال أهل النفاق، وبَسَط من قصصهم ما يلائم ما ذكرناه، وكأن قد قيل لهم ليس من أظهر الانقياد والاستجابة في بني إسرائيل، ثم كان فيما حمل كمثل الحمار يحمل أسفارا بأعجب من حال إخوانكم زمانا وقرابة، وأنتم أعرف الناس بهم، وأنهم كانوا في الجاهلية موصوفين بجودة الرأى وحسن النظر "وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ" "وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (٧) .
قلت: "وقد مر في الخطبة ما رويناه في مصنف ابن أبي شيبة من قول
أناس من المؤمنين كان رسول الله ﷺ يقرأ في الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين
стр. 159
فأما سورة الجمعة فيبشر بها المؤمنين ويحرضهم وأما سورة المنافقين فيؤيس بها
المنافقين ويوبخهم وهذا نحو ما ذكرناه أولا.
سورة التغابن
لما بسط في السورتين قبل من حال مَن حمل التوراة في بني إسرائيل، ثم لم
يحملها، وحال المنافقين المتظاهرين بالإسلام وقلوبهم كفر وعناد متكاثفة الإظلام وما بين خروج الفرقتين عن سواء السبيل المستقيم، وتنكبهم عن هَديِ الدين القويم، وأوهم ذكر اتصافهم بمتحد أوصافهم خصوصهم في الكفر بوسم الانفراد وسم ينبئء عن عظيم ذلك الإبعاد سوى ما تناول غيرهم من أضراب الكفار، فأنبأ تعالى عن أن الخلق بجملتهم وإن تشعبت الفرق، وافترقت الطرق راجعون بحكم السوابق إلى طريقتين، فقال تعالى: "هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ"
وقد أوضحنا الدلائل أن المؤمنين على درجات وأهل الكفر
ذوو طبقات، وأهل النفاق أدونهم حالا وأسوأهم كفرا وضلالاً "إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار" (النساء: ١٤٣)
وافتتحت السورة بالتنزيه لعظيم مرتكب المنافقين في جهلهم، ولولم تنطو سورة المنافقين من عظيم مرتكبهم إلا على ما حكاه تعالى من قولهم "لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ"
وقد أشار قوله تعالى: "يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ "
стр. 160
"والله عليم بذات الصدور" إلى ما قبله وما بعده من الآيات إلى سوء جهل المنافقين وعظيم حرمانهم في قولهم بألسنتهم ما لم تنطو عليه قلوبهم "والله يشهد إن المنافقين لكاذبون "
واتخاذهم إيمانهم جُنّة إلى ما وصفهم سبحانه به، فافتتح تعالى سورة التغابن بتنزيهه عما توهموه من مرتكباتهم التي لا تخفى عليه -
سبحانه "ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم " (التوبة: ٧٨) ثم قال تعالى:
"ويعلم ما تسرون وما تعلنون " (التغابن: ٤) فقرع ووبخ في عدة آيات، ثم أشار إلى ما منعهم من تأمل الآيات وصدهم عن اعتبار المعجزات وأنه الكبر المهلك غيرهم، فقال تعالى مخبرا عن سلفهم في هذا المرتكب ممن أعقبه ذلك أليم العذاب وسوء المنقلب "ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا"
ثم تناسج الكلام معرفا بمآلهم الأخروي ومآل غيرهم إلى قوله "وبئس
المصير" (التغابن: ١٥) ومناسبة ما بعد يتبين في التفسير بحول الله.
سورة الطلاق
لما تقدم قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ"
وقوله في التغابن: "إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ"
وقوله تعالى: "إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ"
والمؤمن قد يعرض له ما يضطره إلى فراق من نبه على فتنته وعظيم محنته،
وردت هذه السورة منبهة على كيفية الحكم في هذا الافتراق، وموضحة أحكام الطلاق، وأن هذه العداوة وإن استحكمت ونار هذه الفتنة وإن اضطرمت، لا توجب التبري بالجملة وقطع المعروف "لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا"
ووصى سبحانه بالإحسان المجمل في قوله: "أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ".
стр. 161
وبين تفصيل ذلك وما يتعلق به فهذا الرفق المطلوب بإيقاع
الطلاق في أول ما تستعده المطلقة في عدتها وتحسبه من مدتها تحذيرا من وقوع
الطلاق في الحيض الموجب طول العدة وتكثير المدة، وأكد سبحانه هذا بقوله:"واتقوا الله ربكم " ثم نبه سبحانه على حقهن أيام العدة من الإبقاء
في مستقرهن حين إيقاع الطلاق إلى انقضاء العدة فقال: "لا تخرجوهن من
بيوتهن "
إلى ما استمرت عليه السورة من بيان الأحكام المتعلقة بالطلاق وتفصيل ذلك كله، ولما كان الأولاد إذا ظهر منهم ما يوجب فراقهم وإبعادهم غير مفترقين إلى ما سوى الرفض والترك بخلاف المرأة لم يحتج إلى ما احتيج إليه في حقهن فقد وضح وجه ورود سورة الطلاق في هذا الموضع والله أعلم.
سورة التحريم
لا خفاء بشدة اتصال هذه السورة بسورة الطلاق لاتحاد مرماهما وتقارب
معناهما: وقد ظن أنه ﷺ طلق نساءه حين اعتزل في الشرفة حتى سأله عمر رضى الله عنه، والقصة معروفة، وتخييره ﷺ إياهن إثر ذلك وبعد اعتزالهن شهرا كاملا، وعتب الله تعالى عليهن في قوله: "وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ "
وقوله: "عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ..... الآية ".
فهذه السورة وسورة الطلاق أقرب شيء وأنسبه لسورة الأنفال
وبراءة لتقارب المعاني والتحام المقاصد.
стр. 162
سورة الملك
ورود ما افتتحت بهذ السورة من التنزيه وصفات التعالي إنما يكون عقب
تفصيل وإيراد عجائب من صنعه سبحانه كورود قوله تعالى: "فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤) .
стр. 163
عقب تفصيل التقلب الإنساني من لدن خلقه من سلالة من طين إلى إنشائه خلقا آخر، وكذا كل ما ورد من هذا ما لم يرد أثناء آى قد جردت للتنزيه والإعلام بصفات التعالي والجلال.
ولما كان أوقع في سورة التحريم ما فيه أعظم عبرة لمن تذكر وأعلى آية لمن
استبصر من ذكر امرأتين كانتا تحت عبدين صالحين قد بعثهما الله تعالى رحمة
لعباده "واجتهادا في دعاء الخلق فحرم الاستنارة بنورهما، والعياذ بهداهما من لم يكن أحد من جنسهما أقرب إليهما منه، ولا أكثر مشاهدة لما مدَّا به من الآيات وعظيم المعجزات، ومع ذلك فلم يغنيا عنهما من الله شيئا، ثم أعقبت هذه العظة بما جعل في طرف منها ونقيض من حالها، وهو ذكر امرأة فرعون التي لم يضرها مرتكب صاحبها وعظيم جرأته، مع شدة الوصلة واستمرار الألفة لما سبق لها في العلم القديم من السعادة وعظيم الرحمة فقالت: "رب ابن لي عندك بيتا في الجنة"
وحصل في هاتين القصتين تقديم سبب رحمة حرم التمسك بها أولى
الناس في ظاهر الأمر، وتقديم سبب امتحان سلم منه أقرب الناس إلى التورط
فيه، ثم أعقب ذلك بقصة عريت عن مثل هذين السببين، وانفصلت في
مقدماتها عن تينك القصتين وهو ذكر مريم ابنة عمران ليعلم العاقل حيث يضع الأسباب، وأن القلوب بيد العزيز الوهاب، أعقب تعالى ذلك بقوله الحق "تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شىء قدير" وإذا كان الملك بيده سبحانه فهو الذى يؤتي الملك والفضل من يشاء، وينزعه ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء، كما صرحت به الآية الأخرى في آل عمران، فقد اتضح اتصال سورة الملك بما قبلها، ثم بنيت سورة الملك على التنبيه والاعتبار ببسط الدلائل ونصب البراهين حسبما يبسط التفسير.
стр. 164
سورة ن
لما تضمنت سورة الملك من عظيم البراهين ما تعجز العقول من استيفاء
الاعتبار ببعضه كالاعتبار بخلق السمماوات في قوله تعالى: "الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا" أي يطابق بعضها بعضا، من طابق النعل إذا خصفها طبقا
عن طبق، ويشعر هذا بتساويها في مساحة أقطارها ومقادير أجرامها والله
أعلم، ووقع الوصف بالمصدر ليشعر باستحكام مطابقة بعضها بعضا من
غير زيادة ولا نقص "مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ"
أي من اختلاف واضطراب في الخلقة أو تناقض، إنما هي مستوية مستقيمة، وجيء بالظاهر في قوله: "مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ" ولم يقل ما ترى فيه من تفاوت ليشعر أن جميع المخلوقات جار على هذا، كل شكل يناسب شكله لا تفاوت في شىء من ذلك ولا اضطراب، فأعطى الظاهر من التعميم ما لم يكن يعطيه الإضمار، كما أشعر خصوص اسم الرحمن بما في هذه الأدلة المبسوطة من الرحمة للخلائق لمن رُزْق الاعتبار، ثم نبه تعالى على ما يدفع الريب ويزيح الإشكال فقال: "فارجع البصر"
أي عاود البصر والتأمل مما تشاهده من المخلوقات
стр. 165
حتى يصح عندك ما أخبرت به بالمعاينة، ولا يبقى معك في ذلك شبهة "فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ" أى صدوع وشقوق ثم أمر تعالى بتكرير البصر فيهن متصفحا
ومتمتعا، هل تجد عيبا أو خللا "يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا"
أي أنك إذا فعلت هذا رفع بصرك بعيدا عن إصابة الملتمس كأنه يطرد عن ذلك طردا بالصغار والإعياء وبالكلال لطول الإجالة والترديد، وأمر برجوع البصر ليكون في ذلك استجمامه واستعداده حتى لا يقع بالرجعة الأولى التي يمكن فيها الغفلة والذهول، إلا أن يحسر بصره من طول المعاودة إذ معنى التنبيه في قوله: "كرتين " التكرير، كقوله لبيك وسعديك، فيحسر البصر من طول التكرار ولا يعثر على شيء من فطور، فلو لم تنطو السورة على غير ما وقع من أوله إلى هنا لكان ذلك أعظم معتبر وأوضح دليل لمن استبصر، إذ هذا الاعتبار بما ذكر من عمومه جار في كل المخلوقات، ولا يستقل بفهم مجاريه إلا آحاد من العقلاء بعد التحريك والتنبيه، فشهادته بنبوة الآتي به قائمة واضحة، ثم قد تكون في السورة دلالات كقوله:
"وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ" وقوله: "أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ"
إلى آخر السورة، وأدناها كاف في الاعتبار، فأنى يصدر نقص عن متصف
ببعض ما هزؤوا به في قولهم: مجنون وساحر وشاعر، "بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ".
فلعظيم ما انطوت عليه سورة الملك من البراهين، أتبعت بتنزيه الآتي به -
ﷺ مما تقوَّله المبطلون، مقسما على ذلك زيادة في التعظيم وتأكيدا في التعزيز والتكريم فقال تعالى: "ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون "
وأنى يصح تَصوُّّر بعد تلك البراهين وقد انقطعت دونك أنظار العقلاء،
فكيف ببسطها وإيضاحها في نسق موجز، ونظم معجز، وتلاؤم حير العقول، وعبارة تفوق كل مقول، تعرف، ولا تدرك، ويستوضحِ سبيلها فلا يسلك "قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ".
فقوله سبحانه (مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ"
جواب لقوله تعالى في آخر
стр. 166
السورة "وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) "، وتقدم الجواب بنفي قولهم والتنزيه عنه على حكاية قولهم ليكون أبلغ في إجلاله ﷺ ، وأخف وقعا عليه وأبسط لحاله في تلقى ذلك منهم، ولذا قدم مدحه ﷺ بما خص به من الخلق العظيم، فكان هذا أوقع
في الإجلال من تقديم قولهم ثم رده، إذ كسر سورة تلك المقالة الشنعاء بتقديم التنزه عنها أتم في الغرض وأكمل، ولا موضع أليق بذكر تنزيهه ﵊ ووصفه من الخلق والمنح الكريمة بما وصف مما أعقب به ذلك إذ بعض ما تضمنته سورة الملك مما تقدم الإيماء إليه شاهد قاطع لكل عاقل منصف بصحة نبوته ﷺ وجليل صدقه (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)
فقد تبين موقع هذه السورة هنا، وتلاؤم ما بعد من آيها يذكر في التفسير.
سورة الحاقة
لما بنيت سورة "ن والقلم " على تقريع مشركي قريش وسائر العرب
وتوبيخهم وتنزيه نبى الله ﷺ عن شنيع قولهم وقبيح بهتهم، وبين حسدهم وعداوتهم "وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ"
أتبعت بسورة الحاقة وعيدا لهم وبيانا أن حالهم في سوء ذلك المرتكب قد سبق إليه غيرهم
стр. 167
"كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (٤) ... فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (٨) "
"أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ " (الأنعام: ٦) "فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ" "وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (٩٨) ".
فسورة الحاقة جارية مجرى هذه الآي المعقب بها ذكر عناد مشركي العرب
ليتعظ بها من رزق التوفيق "لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (١٢) .
ولما ذكر حال من هلك من الأمم السالفة بسوء تكذيبهم وقبيح عنادهم أتبع ذلك بذكر الوعيد الأخروي "يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (١٨) .
ثم عاد الكلام إلى ما بنيت عليه سورة "ن والقلم " من تنزيهه ﷺ وتكريمه مقسما على ذلك "إنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر ولا بقول كاهن " وانتهى نفي ما يقولونه منصوصا على
نزاهته عن كل جملة منها في السورتين "مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) .
أي ما الذي جئت به بقول شاعر ولا بقول كاهن بل هو تنزيل من رب العالين، (وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) " ... "وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) "
فنزه ربك وقدسه عن عظيم ما ارتكبوه.
سورة المعارج
لما انطوت سورة الحاقة على أشد وعيد وأعظمه اتبعت بجواب من استبطأ
ذلك واستبعده، إذ هو مما يلجأ إليه المعاند الممتحن فقال تعالى: "سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) " إلى قوله: "إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧) "
، ثم ذكر حالهم إذاك "يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ....الآية. ثم أتبع بأن ذلك لا يغني عنه ولا يفيده "إنها لظى"
ثم ختمت السورة بتأكيد الوعيد وأشد التهديد "فذرهم يخوضوا ويلعبوا" إلى قوله "ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون "
أي: ذلك يوم الحاقة ويوم القارعة.
стр. 168
سورة نوح ﵇
لما أمر الله تعالى نبيه ﷺ بالصبر في قوله تعالى: "فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (٥)
وجليل الإغضاء في قوله: "فذرهم يخوضوا ويلعبوا"
أتبع ذلك بذكر قصة نوح ﵇ وتكرر دعاء قومه إلى الإيمان وخص
من خبره حاله في طول مدة التذكار والدعاء لأنه المقصود في الموضع تسلية لنبيه ﷺ وليتأسى به في الصبر والرفق في الدعاء كما قيل له ﷺ في غير هذا الموضع "فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ"
" فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ "
فقد دام دعاء نوح قومَه أدوم من مدتك ومع ذلك فلم يزدهم إلا فرارا
(قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (٦) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (٧)
ثم مضت آى السورة على هذا المنهج من تجديد الِإخبار بطول مكابدته عليه
стр. 169
السلام وتكرار دعائه، فلم يزدهم ذلك إلا بعدا وتصميما على كفرهم حتى
أخذهم الله وأجاب فيهم دعاء نبيه نوح ﵇ "رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) .
وذلك ليأسه من فلاحهم، وانجر في هذا حض نبينا ﷺ على الصبر على قومه والتححمل منهم كما صرح به في قوله: "خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)
وكما قيل له (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ)
(وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ) .
سورة الجن
لما تقدم ذكر حال كفار قريش في تعاميهم عن النظر وجريهم في اللدد
والعناد حسبما انطوت عليه سورة "ن والقلم "، ثم اتبعت بوعيدهم في الحاقة
стр. 170
بتحقيقه وقرب وقوعه في المعارج، ثم تسليته ﵊ وتأنيسه بقصة نوح مع قومه أعقب ذلك بما يتعظ به الموفق ويعلم أن القلوب بيد الله، فقد كانت استجابة معاندى قريش والعرب أقرب في ظاهر الأمر لنبيء من جنسهم ومن أنفسهم، فقد تقدمت لهم معرفة صدقه وأمانته، ثم جاءهم بكتاب بلسانهم الذى به يتحاورون ولغتهم التى بها يتكلمون فقد بهرت العقول آياته ووضحت لكل قلب سليم براهينه ومعجزاته، وقد علموا أنهم لا يقدرون على معارضته إلى ما شاهدوه من عظيم البراهين، ومع ذلك عموا وصموا، وسبق إلى الإيمان من ليس من جنسهم ولا سبقت له مزية تكريمهم وهم الجن ممن سبقت لهم من الله الحسنى فآمنوا وصدقوا، وأمر ﷺ بالإخبار بذلك فأنزل عليه "قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ".. إلى قوله إخبارا عن تعريف الجن سائر
إخوانهم بما شاهدوه من عناد كفار العرب "وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩)
ثم استمرت الآى ملتحمة المعاني معتضدة المباني إلى آخر السورة.
سورة المزمل
لما كان ذكر إسلام الجن قد أحرز غاية انتهى مرماها، وتم مقصدها
ومبناها، وهي الإعلام باستجابة هؤلاء وحرمان من كان أولى بالاستجابة وأقرب في
стр. 171
ظاهر الأمر إلى الإنابة بعد تقديم وعيدهم وشديد تهديدهم، صرف الكلام إلى
أمره ﷺ بما يلزمه من وظائف عبادته وما يلزمه في أذكاره من ليله ونهاره مفتتحا ذلك بأجمل مكاملة وألطف مخاطبة "يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ"
تسلية له ﷺ كما ورد " فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ"
وليحصل منه ألَّا اكتراث بعناد من قدم عناده وكثر لججه، واتبع ذلك بما يشهد لهذا الغرض ويعضده وهو قوله تعالى:، (وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (١٠) وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (١١)
وهذا عين الوارد في قوله: " فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ " وفي قوله: "نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار" (ق. ٤٥)
ثم قال: "إن لدينا أنكالا"
فذكر ما أعد لهم، وإذا تأملت هذه الآي وجدتها قاطعة بما قدمناه وبان لك التحام ما ذكره، ثم رجع الكلام إلى التلطف به ﷺ وبأصحابه رضى الله عنهم وأجزل جزاءهم مع وقوع التقصير ممن يصح منه تعظيم المعبود الحق ﷻ "عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ، إلى قوله: "فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَهُ "
ثم ختم السورة بالاستغفار من كل ما تقدم من عناد الجاحدين المتقدم ذكرهم فيما قبل من السور إلى ما يفي العباد - المستجيبون به مما أشار إليه قوله تعالى: (عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ) .
سورة المدثر
ملاءمتها لسورة المزمل واضحة واستفتاح السورتين من نمط واحد، وما
ابتدئت به كل واحدة منهما من جليل خطابه ﷺ وعظيم تكريمه "يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ"
стр. 172
"يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ" والأمر فيهما بما يخصه "قم الليل إلا قليلا نصفه ... الآى"
وفي الأخرى "قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)
أتبعت في الأولى بقوله: "واصبر على ما يقولون " (١٥) وفي الثانية بقوله: "ولربك فاصبر" (٧) وكل ذلك قصد واحد وأتبع أمره بالصبر في المزمل بتهديد الكفار ووعيدهم "وذرني والمكذبين ... الآيات " (١١) وكذلك في الأخرى "ذرني ومن خلقت وحيدا.... الآية " (١١) فالسورتان واردتان في معرض واحد وقصد متحد.
سورة القيامة
لما تقدم قوله مخبرا عن أهل الكفر "وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ" (٤٥) ثم
تقدم في صدر السورة قوله تعالى: "فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ".. إلى قوله "غَيْرُ يَسِيرٍ"
والمراد به يوم القيامة، والوعيد به لمن ذكر بعد في قوله: (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) .
стр. 173
ومن كان على حاله في تكذيب وقوع ذلك اليوم، ثم تكرر ذكره عند جواب من سئل بقوله: "ما سلككم في سقر" (٤١)
فبسط القول في هذه السورة في بيان ذكر ذلك اليوم وأهواله، وأشير إلى حال من كذب به في قوله تعالى: (يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (٦)
وفي قوله: (أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣)
ثم أتبع ذلك بذكر أحوال الخلائق في ذلك اليوم (يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣) .
سورة الإنسان
قوله تعالى: (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١) .
تعريف للإنسان بحاله وابتداء أمره ليعلم أن لا طريق له للكبر واعتقاد
السيادة لنفسه وأن لا يغالطه ما اكتنفه من الألطاف الربانية والاعتناء الإلهي
стр. 174
والتكرمة، فيعتقد أنه يستوجب ذلك ويستحقه "وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ".
ولما تقدم في القيامة إخباره تعالى عن حال منكري البعث عنادا واستكبارا
وتعاميا عن النظر والاعتبار "أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ"
وقوله بعد: (فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢) ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣)
أي يتبختر عتوا واستكبار، وفرحا وتجبرا، وتعريفه بحاله التي لو ذكر
منها لما كان منه ما وصف، وذلك قوله: (أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) .
ثم أتبع ذلك بما هو أعرق في التوبيخ وأوغل في التعريف وهو أنه قد كان لا شىء، فلا نطفة ولا علقة، ثم أنعم عليه بنعمة الإيجاد
ونقله تعالى من طور إلى طور فجعله نطفة من ماء مهين في قرار مكين، ثم كان
علقة ثم مضعة إلى إخراجه وتسويته خلقا آخر فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ، فمن اعتبر اتصافه بالعدم ثم تقلبه في هذه الأطوار المستنكف حالها، والواضح فناؤها واضمحلالها، وأمده الله بتوفيقه، عرف حرمان من وصف في قوله: (ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣) .
فسبحان الله ما أعظم حلمه أكرم رفقه، ثم بين تعالى أن ما جعله للإنسان من السمع والبصر ابتلاء له، ومن إدراكه أدركه الغلط وارتكب
الشطط.
سورة المرسلات
أقسم تعالى بالملائكة المتتابعين في الإرسال والرياح المسخرة والآتية بالمطر
والملائكة الفارقة بما تنزل به بين الحق والباطل، والملقيات الذكر بالوحي إلى الأنبياء إعذارا من الله وإنذارا: أقسم تعالى بما ذكره من مخلوقاته على صدق الموعود به في قوله: "إنا اعتدنا للكافرين سلاسلا وأغلالا وسعيرا.... الآية".
стр. 175
وقوله: (إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (١٠)
وقوله: "وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢) ... إلى قوله: "وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (٢٢) .
وقوله "وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (٢٧)
وقوله: "يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٣١) .
ولو لم يتقدم إلا هذا الوعد والوعيد المختتم به السورة لطابق افتتاح الأخرى
قَسَماً عليه أشد المطابقة، فكيف وصورة "هل أتى على الإنسان " برأسها
مواعد أخروية وإخبارات جزائية، فأقسم على صحة الوقوع وهو المتعالي الحق وكلامه الصدق.
سورة عم
سورة النبأ أما مطلعها فمرتب على التساؤل واستفهام وقع منهم، وكأنه وار
هنا في معرض العدول والالتفات، وأما قوله: "كلا سيعلمون "
فمناسب للوعيد المكرر في قوله: "ويل يومئذ للمكذبين "، كأن قد
стр. 176
قيل سيعلمون عاقبة تكذيبهم، ثم أورد تعالى من جميل صنعه وما إذا اعتبره المعتبر علم أنه لم يخلق شىء منه عبثا بل ليعتبر به، ويستوضح وجه الحكمة فيه فيعلم أنه لابد من وقت ينكشف فيه الغطاء ويجازي الخلائق على نسبة من أحوالهم في الاعتبار والتدبر والخضوع لمن نصب مجموع تلك الدلائل، ويستشعر من تكرار الفصول وتجدد الحالات وإحياء الأرض بعد موتها جري ذلك في البعث واطراد الحكم، وإليه الإشارة بقوله: "كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى" فقال تعالى منبها على ما ذكرناه: "أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) .. إلى قوله وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (١٦) .
فهذه المصنوعات المقصودة بها الاعتبار كما تقدم، ثم قال تعالى.: "إن يوم الفصل كان ميقاتا" (١٧) أي موعدا لجزائكم لو اعتبرتم بما ذكر لكم لعلمتم منه وقوعه وكونه، ليقع جزاؤكم على ما سلف منكم، فويل يومئذ للمكذبين، ويشهد لهذا القصد مما بعد من الآيات قوله تعالى لما ذكر ما أعد للطاغين (إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا (٢٨) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (٢٩)
ثم قال بعد: "إن للمتقين مفازا" (٣١) وقوله بعد "ذلك اليوم الحق ".
وأما الحياة الدنيا فلعب ولهو "وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ"
وقوله بعد: (يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا (٤٠) .
سورة النازعات
لما أوضحت سورة النبأ حال الكافر في قوله: "يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا"
عند نظره ما قدمت يداه، ومعاينته من العذاب عظيم ما يراه، وبعد
ذكر تفصيل أحوال وأهوال، أتبع ذلك بما قد كان حاله عليه في دنياه من استبعاد عودته في أخراه، وذكر قرب ذلك عليه سبحانه كما قال في الموضع الآخر "وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ"
стр. 177
وذلك بالنظر إلينا ولما عهدناه، وإلا فليس عنده سبحانه شىء أهون من شيء " إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ"
فقال تعالى: "وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (١) ... إلى قوله: "يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (١٠) أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (١١)
إذ يستعبدون ذلك ويستدفعونه، "فإنما هى زجرة واحدة" أي صيحة "فإذا هم بالساهرة" أي الأرض قياما ينظرون ما قدمت أيديهم، ويتمنون أن لو كانوا ترابا ولا ينفعهم ذلك، ثم ذكر تعالى من قصة فرعون وطغيانه ما يناسب الحال في قصد الاتعاظ والاعتبار، ولهذا أتبع القصة بقوله سبحانه (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٢٦) .
سورة عبس
لما قال سبحانه: "إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٢٦) .
وقال بعد "إنما أنت منذر من يخشاها"
افتتحت هذه السورة الأخرى بمثال يكشف عن المقصود من حال أهل التذكر والخشية وجميل الاعتناء الرباني بهم وأنهم وإن كانوا في دنياهم ذوي خمول لا يؤبه لهم فهم عنده سبحانه في عداد من اختاره لعبادته وأهَّله لطاعته وإجابة رسوله صلى الله عليهم وسلم، وأعلى منزلته لديه "رب أشعث أغبر لا يؤبه به لو أقسم على الله لأبره "
ومنهم ابن أم مكتوم الأعمى رضى الله عنه مؤذن رسول الله ﷺ ، وهو الذي بسببه نزلت السورة ووردت
بطريق العتب وصاة لنبي الله ﷺ وتنبيها على أن يحمل نفسه الكريمة على مصابرة أمثال ابن أم مكتوم وأن لا يحتقره وحاشاه ﵊ من ذلك، ولكن التحذير من هذا وإن لم يكن وقع يشعر بعظيم الاعتناء بمن حذر، ومنه قوله
стр. 178
سبحانه: "لئن أشركت ليحبطن عملك " (الزمر: ٦٥) "ولا تدع مع الله إلها
آخر" (القصص: ٨٨) ولا تمش في الأرض مرحا"
وهو كثير، وبسط هذا الضرب لا يلائم مقصودنا في هذا التعليق.
لما دخل عليه ﷺ ابن أم مكتوم ﵁ سائلا ومسترشدا وهو ﷺ يكلم رجلا من أشراف قريش وقد طمع في إسلامه ورجا إنقاذه من النار وإنقاذ ذويه وأتباعه فتمادى على مكالمة هذا الرجل لما كان يرجوه، ووكل ابن أم مكتوم إلى إيمانه، فأغفل فورية مجاوبته، وشق عليه الحاجة خوفا من تفلت الآخر ومضيه على عقبه وهلاكه، عتب سبحانه عليه فقال: "عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣)
وهى منه سبحانه واجبة، وقد تقدم في السورة قبل قول موسى ﵊ لفرعون: "هل لك إلى أن تزكى"
فلم يقدر له بذلك ولا انتفع ببعده صيته في دنياه ولا أغنى عنه ما نال منها، وبارت مواد تدبيره وعميت عليه الأنباء إلى أن قال: "مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٣٨)
"وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ" (غافر: ٣٧)
فأنى يزكى ولو سبقت له سعادة لأبصر من حاله عين اللهو واللعب حين مقالته الشنعاء "أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ" (الزخرف: ٥٢)
ولما سبقت لابن أم مكتوم الحسنى لم يضره الصيت الدنيوي ولا أخل به عماه بل عظم ربه شأنه لما نزل في حقه "وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤)
فيا له صيتا ما أجله بخلاف من قدم ذكره من طرد فلم يَتَزَكَّ ولم ينتفع بالذكرى حين قصد بها "إنما أنت منذر من يخشاها"
(النازعات: ٤٥) كابن أم مكتوم رضى الله عنه، ومن نمط ما نزل في ابن أم مكتوم ﵁ قوله تعالى: "وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ" (الكهف: ٢٨)
فتبارك ربنا ما أعظم لطفه بعبيده اللهم لا تؤيسنا من رحمتك ولا تقطع بنا عنك بمنك وإحسانك.
стр. 179
سورة التكوير
لما قال سبحانه: "فإذا جاءت الصاخة يوم يفر المرء من أخيه.... الآيات
إلى آخر السورة"
كان مظنة لاستفهام السائل عن الوقوع ومتى يكون فقال تعالى: "إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) .
ووقوع تكوير الشمس وانكدار النجوم وتسيير الجبال وتعطيل العشار كان ذلك متقدم على فرار المرء من أخيه وأمه وأبيه إلى ما ذكر إلى آخر السورة، لاتصال ما ذكر في مطلع سورة التكوير بقيام الساعة فيصح أن يكون أمارة للأول وعلما عليه.
سورة الانفطار
هذه السورة كأنها من تمام سورة التكوير لاتحاد القصد فاتصالها بها واضح
وقد مضى نظير هذا.
سورة التطفيف
لما قال سبحانه في سورة الانفطار "وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) .
وكان مقتضى ذلك الإشعار بوقوع الجزاء على جزئيات
الأعمال وأنه لا يفوت عمل كما قال تعالى: "وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا" (الأنبياء: ٤٧) أتبع الآية المتقدمة بجزاء عمل يتوهم فيه قرب المرتكب وهو من أكبر الجرائم، وذلك التطفيف في المكيال والانحراف عن إقامة القسط في ذلك فقال تعالى: "ويل للمطففين " (١) ثم أردف تهديدهم وتشديد وعيدهم فقال:
стр. 180
"أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥)
ثم التحمت الآي مناسبة لما افتتحت به السورة إلى خاتمتها.
سورة الانشقاق
لما تقدم في الانفطار التعريف بالحفظة وإحصائهم على العباد في كتبهم
وعاد الكلام إلى ذكر ما يكتب على البر والفاجر واستقرار ذلك في قوله تعالى: "إن كتاب الأبرار لفي عليين " (١٨) وقوله: "إن كتاب الفجار لفى سجين"
أتبع ذالك بذكر التعريف بأخذ هذه الكتب في القيامة عند العرض، وأن
أخذها بالأيمان عنوان السعادة، وأخذها وراء الظهر عنوان الشقاء، إذ قد تقدم في السورتين قبل ذكر الكتب واستقرارها بحسب اختلاف مضمناتها فمنها في عليين ومنها في سجين إلى يوم العرض فيؤتى كل كتابه فآخذ بيمينه وهو عنوان سعادته، وآخذ وراء ظهره وهو عنوان هلاكه، فتحصل الِإخبار بهذه الكتب ابتداء واستقرارا
следующие страницы →