← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1388

البرهان فى تناسب سور القرآن

ابن الزبير الغرناطي

Полный текст (207 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

لعباده المؤمنين من ذكر آلائه ونعمه وتصريفه في مخلوقاته ما يوضح استيلاء قهره وملكه، ويشير إلى عظيم ملكه، كما أعلم في قوله سبحانه: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ" فقال سبحانه: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) ثم قال (ولسليمان الريح" إلى قوله "اعملوا آل داود شكرا"، ثم أتبع ذلك بذكر حال من لم يشكر فذكر قصة سبأ إلى آخرها، ثم وبخ (تعالى) من عبد غيره معه بعد وضوح الأمر وبيانه فقال: "قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله " (آية: ٢٢) إلى وصفه حالهَم الأخروي ومراجعة متكبريهم ضعفاءَهم، وضعفاءهم متكبريهم "وأسروا الندامة لما رأوا العذاب "، ثم التحمت الاآي جارية على ما تقدم من لدن افتتاح السورة إلى ختمها. سورة فاطر لما أوضحت سورة سبأ أنه سبحانه مالك السماوات والأرض ومستحق الحمد في الدنيا والآخرة، أوضحت هذه السورة أن ذلك خلقه كما هو ملكه وأنه الأهل للحمد والمستحق، إذ الكل خلقه وملكه، ولأن السورة الأولى تجردت لتعريف العباد بأن الكل ملكه وخلقه دارت آيها على تعريف عظيم ملكه،

стр. 107

فقد أعطي داود وسليمان ﵉ ما هو كالنقطة في البحار الزاخرة فلان الحديد وانقادت الرياح والوحوش والطير والجن والإنس مذللة خاضعة (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) تعالى ربنا عن الظهير والشريك والند، وتقدس ملكه عن أن تحصي العقول أو تحيط به الأفهام، فتجردت سورة سبأ لتعريف العباد بعظيم ملكه سبحانه، وتجردت هذه الأخرى للتعريف بالاختراع والخلق، وشهد لهذا استمرار آي سورة فاطر على هذا الغرض من التعريف وتنبيهها على الابتداءات كقوله تعالى: "جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة.... الآية " وقوله: "ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ... هل من خالق غير الله يرزقكم " (آية: ٢) وقوله: "أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا.... الآية " (آية: ٨) وقوله: "الله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا ... الآية " "والله خلقكم من تراب " "يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ" (آية: ١٣) ، "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا" "هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ" (آية: ٣٩) "إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا". فهذه عدة آيات معرفة بابتداء الخلق والاختراع أو مشيرة، ولم يقع من ذلك في سورة سبأ آية واحدة، ثم إن سورة سبأ جرت آيها على نهج تعريف الملك والتصرف والاستبداد بذلك والإبداء به، وتأمل افتتاحها وقصة داود وسليمان وقوله سبحانه: "قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة ... الآيات " يتضح لك ما ذكرناه وما انجر في السورتين مما ظاهره الخروج

стр. 108

عن هذين الغرضين فملتحم ومستدعى بحكم الانجرار بحسب استدعاء مقاصد الآي، رزقنا الله الفهم عنه بمنه. سورة يس لما أوضحت سورة سبأ وسورة فاطر من عظيم ملكه تعالى وتوحده بذلك وانفراده بالملك والخلق والاختراع ما تنقطع العقول دون تصور أدناه، ولا تحيط من ذلك إلا بما شاءه، وأشارت من البراهين والآيات إلى ما يرفع الشكوك ويوضح السلوك مما كانت الأفكار قد خمدت عن إدراكها واستولت عليها الغفلة، فكأن قد خمدت عن معهود حراكها، ذكر سبحانه بنعمة التحريك إلى اعتبارها بثنائه على من اختاره لبيان تلك الآيات واصطفاه بإيضاح تلك البينات فقال تعالى: "يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم " ثم قال: "لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ" فأشار

стр. 109

سبحانه إلى ما تثمر نعمة الإنذار ويبعثه التيقظ بالتذكار، ثم ذكر علة من عمي بعد تحريكه، وإن كان مسببا عن الطبع وشر السابقة "لقد حق القول على أكثرهم.... الآيات "، ثم أشار بعد إلى بعض من عمي عن عظيم تلك البراهين لأول وهلة قد يهتز عن تحريكه لسابق سعادته فقال تعالى: "إنا نحن نحيي الموتى " (آية: ١٢) فكذا نفعل بهؤلاء إذا شئنا هدايتهم "أومن كان ميتا فأحيناه " (الأنعام: ١٢٢) ثم ذكر دأب المعاندين وسبيل الكذبين مع بيان الأمر فقال: "واضرب لهم مثلا أصحاب القرية.... الآيات " (آية: ١٣ وما بعدها) ، وأتبع ذلك سبحانه بما أودع في الوجود من الدلائل الواضحة والبراهين فقال: "أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ.... الآية " ثم قال: "وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا" إلى قوله "أَفَلَا يَشْكُرُونَ" (آية: ٣٣) ثم قال: "وآية لهم الليل نسلخ منه النهار (إلى - قوله) : وكل في فلك يسبحون " (الآيات: ٣٧ - ٤٠) ثم قال: "وآية لهم أنَّا حملنا ذريتهم (إلى قوله) إلى حين " (الآيات: ٤١ - ٤٤) ثم ذكروا إعراضهم مع عظيم هذه البراهين وتكذيبهم وسوء حالهم عند بعثتهم وندمهم وتوبيخهم وشهادة أعضائهم بأعمالهم ثم تناسجت الآي جارية على ما يلائم ما تقدم إلى آخر السورة. سورة الصافات لما تضمنت سورة يس من جليل التنبيه وعظيم الإرشاد ما يهتدي الموفق باعتبار بعضه ويشتغل المعتبر به في تحصيل مطلوبه وفرضه، ويشهد بأن الملك

стр. 110

بجملته لواحد وإن رغم أنف المعاند والجاحد، أتبعها تعالى بالقسم على وحدانيته فقال تعالى: "وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣) إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤) (إلى قوله) وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (٥) " (الآيات: ١ - ٥) ثم عاد الكلام إلى التنبيه لعجيب مصنوعاته فقال تعالى: "إنا زينا السماء بزينة الكواكب" إلى قوله "شهاب ثاقب " (الآيات: ٧ - ١٥) ، ثم أتبع بذكر عناد من جحد مع بيان الأمر ووضوحه وضعف ما خلقوا منه (إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ (١١) ثم ذكر استبعادهم العودة الأخروية وعظيم حيرتهم وندمهم إذا شاهدوا ما به كذبوا، والتحمت الآي إلى ذكر الرسل مع أممهم وجريهم في العناد والتوقف والتكذيب على سنن متقارب وأخذ كل بذنبه وتخليص رسل الله وحزبه وإبقاء جميل ذكرهم باصطفائه وقربه، ثم عاد الكلام إلى تعنيف المشركين وبيان إفك المعاندين إلى ختم السورة. سورة ص لما ذكر تعالى حال الأمم السالفة مغ أنبيائهم في العتو والتكذيب وأن ذلك أعقبهم الأخذ الوبيل والويل كان هذا مظنة لتذكير حال مشركي العرب وبيان سوء مرتكبهم، وأنهم قد سبقوا إلى ذلك الارتكاب فحل بالمعاند سوء

стр. 111

العذاب) ، فبسط حال هؤلاء وسوء مقالهم أنه لا فرق بينهم وبين مكذبي الأمم السالفة في استحقاق العذاب وسوء الانقلاب وقد وقع التصريح بذلك في قوله تعالى: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ (١٢) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ (١٣) إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (١٤) . ولما أتبع سبحانه هذا بذكر استعجالهم في قولهم: "عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ" (آية: ١٦) أتبِع ذلك بأمر نبيه ﷺ بالصبر فقال: "اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ" (آية: ١٧) ثم آنسه بذكر الأنبياء وحال المقربين الأصفياء "وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك ". سورة الزمر لما بينت سورة (ص) على ذكر المشركين وعنادهم وسوء ارتكابهم واتخاذهم الأنداد والشركاء ناسب ذلك ما افتتحت به سورة الزمر من الأمر بالإخلاص الذي

стр. 112

هو نقيض حال من تقدم وذكر ما عنه يكون وهو الكتاب، فقال تعالى: (تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ) وجاء قوله تعالى: "والذين اتخذوا من دونه أولياء.... الآية " (آية: ٣) في معرض أن لو قيل عليك بالإخلاص ودع من أشرك ولم يخلص فسترى حاله وهل ينفعهم اعتذارهم بقولهم: "ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى" وهؤلاء هم الذين بنيت سورة ص على ذكرهم، ثم وبخهم الله تعالى وقرعهم فقال لم "لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى.... الآية " فنزه نفسه عن عظيم مرتكبهم بقوله سبحانه: "هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ" ثم ذكر بما فيه أعظم شاهد من خلق السماوات والأرض وتكوير الليل على النهار وتكوير النهار على الليل وذكر آيتى النهار والليل ثم خلق الكل من البشر من نفس واحدة وهي نفس آدم ﵇، ولما حرك تعالى إلى الاعتبار بعظيم هذه الآيات وكانت أوضح شىء وأدل شاهد، عقب ذلك بما يشير إلى معنى التعجب من توقفهم بعد وضوح الدلائل، ثم بين تعالى أنه غنى عن الكل بقوله: "إن تكفروا فإن الله غنى عنكم " ثم قال: "ولا يرضى لعباده الكفر" (آية: ٧) فبين أن من اصطفاه وقربه واجتباه من العباد لا يرضى بالكفر وحصل من ذلك بمفهوم الكلام أن الواقع من الكفر إنما وقع بإرادته ورضاه لمن ابتلاه به، ثم آنس من آمن ولم يتبع سبيل أبيه وقبيلته من المشار إليهم في

стр. 113

السورة قبل فقال تعالى: "ولا تزر وازرة وزر أخرى" "إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ" "وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا" ثم تناسجت الآي والتحمت الجمل إلى خاتمة السورة. سورة المؤمن لما افتتح سبحانه سورة الزمر بالأمر بالاخلاص وذكر سببَه والحامل بإذن الله عليه وهو الكتاب، وأعقب ذلك بالتعريض بذكر من بنيت على وصفهم سورة ص تتابعت الآي في ذلك الغرض إلى توبيخهم بما ضربه سبحانه من المثل الموضح في قوله: "ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ" ووصف الشركاء بالمشاكسة إذ بذلك الغرض يتضح عدم

стр. 114

استمرار المراد لأحدهم وذكر قبيح اعتذارهم بقولهم: " ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى"، ثم أعقب تعالى بالإعلام بقهره وعزته حتى لا يتخيل مخذول شذوذ أمر عن يده وقهره فقال تعالى: "أليس الله بكاف عبده (إلى قوله) : أليس الله بعزيز ذي انتقام " (الزمر: ٣٦ - ٣٧) ، ثم أتبع ذلك بحال أندادهم في أنها لا تضر ولا تنفع فقال: "قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ". ثم أتبع هذا بما يناسبه من شواهد عزته فقال: "قل لله الشفاعة جميعا" "قل اللهم فاطر السماوات والأرض " "أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر" "اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ" ثم عنفهم وقرعرهم فقال تعالى: (أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) . ثم قال تعالى: "وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ". ثم أتبع تعالى بذكر آثار العزة والقهر فذكر النفخ في الصور للصعق، ثم نفخة القيام والجزاء ومصير الفريقين فتبارك المنفرد بالعزة والقهر. فلما انطوت هذه الآي من آثار عزته وقهره على ما أشير إلى بعضه أعقب ذلك بقوله: "حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم " فذكر من أسمائه سبحانه هذين الاسمين العظيمين تنبيها على انفراده بموجبهما وأنه العزيز الحق القاهر للخلق لعلمه تعالى بأوجه الحكمة التي خفيت عن الخلق فأخر الجزاء الحتم للدار الآخرة، وجعل الدنيا دار ابتلاء واختبار مع قهره للكل في الدارين معا

стр. 115

وكونهم غير خارجين عن ملكه وقهره ثم قال تعالى: "غافر الذنب وقابل التوب " تأنيباً لمن استجاب بحمده وأناب بلطفه، وجريا على حكم سبقية الرحمة وتقليبها ثم قال: "شديد العقاب ذى الطول " ليأخذ المؤمن بلازم عبوديته من الخوف والرجاء، واكتنف قوله شديد العقاب بقوله غافر الذنب وقابل التوب وقوله ذي الطول، وأشار سبحانه بقوله: "فلا يغررك تقلبهم في البلاد" (آية: ٤) إلى قوله قبل وأورثنا الأرض " (الزمر: ٧٤) وكأنه في تقدير إذا كانت العاقبة لك ولأتباعك فلا عليك من تقلبهم في البلاد ثم بين تعالى أن حالهم في هذا كحال الأمم قبلهم وجدالهم في الآيات كجدالهم وإن ذلك لما حق عليهم من كلمة العذاب وسبق لهم في أم الكتاب. سورة حم السجدة لما تضمنت سورة غافر بيان حال المعاندين وجاحدي الآيات وأن ذلك ثمرة تكذيبهم وجدلهم وكأن بناء السورة على هذا الغرض بدليل افتتاحها وختمها ألا ترى قوله تعالى: "مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا" وتأنيس نبيه ﵊ بقوله: "فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ" فقد تقدم ذلك من غيرهم فأعقبهم سوء العاقبة والأخذ الوبيل "كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ" فعصمتهم واقية: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا)

стр. 116

وقال تعالى: "وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ" أى فكيف رأيت ما حل بهم وقد بلغت خبرهم فهلا اعتبر هؤلاء بهم (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٢١) وإنما أخذهم بتكذيبهم الآيات "ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا فأخذهم الله " (غافر: ٢٢) ، ثم ذكر تعالى من حزب المكذبين فرعون وهامان وقارون وبسط القصة تنبيها على سوء عاقبة من عاند وجادل بالباطل وكذب الآيات ثم قال تعالى بعد آيات: "إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ" (غافر: ٥٦) إذ الحول والقوة ليست لهم فاستعذ بالله من شرهم، فخلق غيرهم لو استبصروا أعظم من خلقهم "لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ" (غافر: ٥٧) وهم غير آمنين من الأخذ من كلا الخلقين "إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء" (سبأ: ٩) ثم قال تعالى: بعد هذا "ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون " أي إن أمرهم لعجيب في صرفهم عن استيضاح الآيات بعد بيانها، ثم ذكر تعالى سوء حالهم في العذاب الأخروي وواهي اعتذارهم بقولهم: "ضلوا عنا بل لم نكن ندعو من قبل شيئا" (غافر: ٧٤) ثم صبر تعالى نبيه ﵇ بقوله: "فاصبر إن وعد الله حق " (غافر: ٧٧) ثم أعاد تنبيهم فقال تعالى: "أفلم يسيروا في الأرض" إلى ختم السورة" (غافر: ٨٢ - ٨٥) ولم يقع من هذا التنبيه الذي دارت عليه آى هذه السورة في سورة الزمر شىء ولا من تكرار التحذير من تكذيب الآيات.

стр. 117

فلما بنيت على هذا الغرض أعقبت بذكر الآية العظيمة التى تحديت بها العرب وقامت بها حجة الله سبحانه على الخلق، وكأن قد قيل لهم احذروا ما قدم لكم فقد جاءكم محمد ﷺ بأوضح آية وأعظم برهان "تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا" (الآيات: ٣ - ٤) وتضمنت هذه السورة العظيمة من بيان عظيم الكتاب وجلالة قدره كبير الرحمة به ما لا يوجد في غيرها من أقرانها كما أنها في الفصاحة تبهر العقول بأول وهلة فلا يكن للعريى الفصيح في شاهد برهانها أدنى توقف ولا يجول في وهمه إلى معارضة بعض آيها أدنى تشوف، "وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢) " (آية: ٤١ - ٤٢) "وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ" (آية: ٤٤) فوبخهم تعالى وادحض حجتهم وأرغم باطلهمِ، وبكت دعاويهم ثم قال: "قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ" (آية: ٤٤) " إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ " وقرعهم تعالى في ركيك جوابهم عن واضح حجته بقولهم: "قلوبنا في أكنة مما تدعون إليه وفي آذاننا وقر" (آية: ٣) وقولهم "لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه " (آية: ٢٦) وهذه شهادة منهم على أنفسهم بالانقطاع عن معارضته وتسليمهم بقوة عارضته، ثم فضحهم بقوله: "قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ.... الآية ".

стр. 118

وتحملت السورة مع هذا بيان هلاك من عاند وكذب ممن كان قبلهم وأشد قوة منهم وهم الذين قدم ذكرهم مجملا في سورة غافر في آيتى "أولم يسيروا في الأرض " "أفلم يسيروا" فقال تعالى مفصلا لبعض ذلك الإجمال: (فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣) ثم قال: "فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً" ثم قال: "فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا.. الآية " ثم قال: "وأما ثمود فهديناهم" (آية: ١٧) فبين تعالى حالهم وأخذهم فاعتضد التحمام السورتين واتصال المقصدين والله أعلم.

стр. 119

سورة الشورى لما تضمنت سورة غافر ما تقدم من بيان حال المعاندين والجاحدين وأعقبت بسورة السجدة بيانا أن حال كفار العرب في ذلك كحال من تقدمهم وإيضاحا لآيات الكتاب العزيز وعظيم برهانه، ومع ذلك فلم تجد على من قضى عليه تعالى بالكفر، اتبعت السورتان بما اشتملت عليه سورة الشورى من أن ذلك كله إنما جرى على ما سبق في علمه تعالى بحكم المشيئة الأزلية "فريق في الجنة وفريق في السعير" (آية: ٧) "وما أنت عليهم بوكيل " (آية: ٦) "ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة" (آية: ٨) "ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضى بينهم " (آية: ١٤) "لنا أعمالنا ولكم أعمالكم " (آية: ١٥)

стр. 120

"ولولا كلمة الفصل لقضى بينهم " (آية: ٢١) "وهو على جمعهم إذا يشاء قدير" "وما أنتم بمعجزين في الأرض " (آية: ٣١) "ومن يضلل الله فما له من سبيل " (آية: ٤٦) "إن عليك إلا البلاغ " (آية: ٤٨) "نهدي به من نشاء من عبادنا " (آية: ٥٢) . فتأمل هذه الآي وما التحم بها مما لم يجر في السورة المتقدمة منه إلا النادر وبحكم ما استجره وبناء هذه السورة على ذلك ومدار آيها، يلح لك وجه اتصالها بما قبلها والتحامها بما جاورها. ولما اختتمت سورة السجدة بقوله تعالى: "ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم " (فصلت ٥٤) أعقبها سبحانه بتنزيهه وتعاليه عن ريبهم وشكهم فقال تعالى: "تكاد السمماوات يتفطرن من فوقهن " (آية: ٥) كما أعقب بمثله في قوله: "وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدّا" (مريم: ٨٨ - ٨٩) فقال: "يكاد السماوات يتفطرن منه " (الآيات: ٩٥) . ولما تكرر في حم السجدة ذكر تكبر المشركين وبعد انقيادهم في قوله: "فأعرض أكثرهم " (آية: ٤) "وقالوا قلوبنا في أكنة" (آية: ٥) إلى ما ذكر تعالى من حالهم المنبئة عن بعد استجابتهم فقال تعالى في سورة الشورى: "كبر على المشركين ما تدعوهم إليه " (آية: ١٣) . سورة الزخرف لما أخبر سبحانه بامتحان خلف بنى إسرائيل في شكهم في كتابهم بقولهم: (وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١٤)

стр. 121

ووصى نبيه ﷺ بالتبري من سىء حالهم والتنزه عن سوء محالهم فقال تعالى "ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب ... الآية " وتكرر الثناء على الكتاب العزيز كقوله: "وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا" وقوله: "الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان " (الشورى: ١٧) وقوله: "وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ... الآية " إلى آخر السورة (الشورى: ٣٢ - ٥٣) ، أعقب ذلك بالقسم به، وعضد الثناء. عليه فقال: (حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤) ولما أوضح عظيم حال الكتاب وجليل نعمته به أردف ذلك بذكر سعة عفوه وجميل إحسانه إلى عباده، ورحمتهم بكتابه مع إسرافهم وقبيح مرتكبهم فقال: (أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ (٥) ولما قدم في الشورى قوله: (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا) . فأعلم أن ذلك يكون بقدرته وإرادته والجاري على

стр. 122

هذا أن يسلم الواقع من ذلك ويرضى بما قسم واختار، عنف تعالى في هذه السورة من اعتدى وزاغ فقال: (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧) فكمل الواقع هنا بما تعلق به، وكذلك قوله تعالى: "وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ" (الشورى: ٢٧) وقوله في الزخرف: "وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ". سورة الدخان لما تضمنت سورة حم السجدة وسورة الشورى من ذكر الكتاب العزيز مما قد أشير إليه مما لم تنطو سورة غافر على شيء منه وحصل من مجموع ذلك

стр. 123

الإعلام بتنزيله من عند الله وتفصيله وقوله "قرآناً عربيا" إلى ما ذكر تعالى من خصائصه إلى قوله: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (٤٤) وتعلق الكلام بعد هذا بعضه ببعض إلى آخر السورة، استفتح تعالى سورة الدخان بما يكمل ذلك الغرض وهو التعريف بوقت إنزاله إلى سماء الدنيا فقال: "إنا أنرلناه في ليلة مباركة" ثم ذكر من فضلها فقال: "فيها يفرق كل أمر حكيم " فحصل وصف الكتاب بخصائصه والتعريف بوقت إنزاله إلى سماء الدنيا، وتقدم الأهم في ذلك في السورتين قبل، وتأخر التعريف بوقت نزوله إذ ليس في التأكيد كالمتقدم ثم وقع إثر هذا تفصيل وعيد قد أجمل في قوله تعالى: (فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٨٩) وما تقدمه من قوله تعالى: "أم ابرموا أمرا فإنا مبرمون " (الزخرف: ٧٩) وقوله سبحانه: "أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم " (الزخرف: ٨٠) وتنزيهه تعالى نفسه عن عظيم افترائهم في جعلهم الشريك والولد إلى آخر السورة، ففصل بعض ما أجملته هذه الآي في قوله تعالى في صدر سورة الدخان

стр. 124

(فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) وقوله: "يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى.... الآية " والإشارة إلى يوم بدر، ثم ذكر شأن غيرهم في هذا وهلاكهم بسوء ما ارتكبوا ليشعروا أن لا فارق إن هم عقلوا واعتبروا، ثم عرض بفرعونهم في مقالته، "ما بين لابتيها أعز منى ولا أكرم " فذكر تعالى شجرة الزقوم إلى قوله: "ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) والتحم هذا كله التحاماً يبهر العقول ثم أتبع بذكر حال المتقين جريا على الطرد من شفع آية الترهيب بالترغيب ليبين حال الفريقين، وينهج على الواضح من الطريقين، ثم قال لنبيه ﵇ (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨) وقد أخبره مع بيان الأمر ووضوحه أنه إنما يتذكر من يخشى ثم قال:فارتقب وعدك ووعيدهم إنهم مرتقبون. سورة الشريعة لما تضمنت السور الثلاث المتقدمة إيضاح أمر الكتاب وعظيم بيانه وأنه شاف كاف وهدى ونور، وكان أمر من كفر من العرب أعظم شيء لانقطاعهم

стр. 125

وعجزهم وقيام الحجة به عليهم حتى رضوا بالقتل والخزي العاجل وما فاهوا بادعاء معارضة ولا تشوفوا إلى الاستناد إلى عظيم تلك المعارضة، أتبع ذلك تعالى تنبيه نبيه والمؤمنين إلى ما قد نصبه من الدلائل سواء مما صد المعرض عن الاعتبار بها أو ببعضها مجرد هواه، ومن أضل ممن أتبع هواه بغير هدى من الله فقال تعالى بعد القسم بالكتاب المبين ... "إن في السماوات والأرض لآيات للمومنين " أى لو لم تجئهم يا محمد بعظيم آية الكتاب فقد كان لهم فيما نصبنا من الأدلة أعظم برهان وأعظم تبيان "أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى" (الروم: ٨) . فلما نبه بخلق السماوات والأرض أتبع بذكر ما بث في الأرض فقال: "وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون واختلاف الليل والنهار" أي في دخول أحدهما على الآخر بألطف اتصال وأربط انفصال، "لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار" ثم نبه على الاعتبار بإنزال الماء من السماء وسماه رزقا.... فقال: "وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا" ثم قال: "وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ" والاستدلال بهذه الآي يستدعي بسطا يطول ثم قال: "تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق " أي علاماته ودلائله "وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ " ثم قال: (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦) بعد ما شاهدوه من شاهد الكتاب وما تضمنه خلق السماوات والأرض وما فيها وما بينهن من عجائب الدلائل الواضحة لأولى الألباب، فإذا لم يعتبروا بشيء من ذلك فبماذا يعتبر، ثم أردف تعالى بتقريعهم وتوبيخهم في تصحيحهم

стр. 126

مع وضوح الأمر فقال: "ويل لكل أفاك أثيم.... الآيات الثلاث " (٧ - ٩) ثم قال: "هذا هدى" (آية: ١١) وأشار إلى الكتاب وجعله نفس الهدى لتحمله كل أسباب الهدى في جميع جهاته ثم توعد من كفر به ثم أردف ذلك بذكر نعمه وآلائه ليكون ذلك زائدا في توبيخهم، والتحمت الآي عاضدة هذا الغرض تقريعا وتوبيخا ووعيدا وتهديدا إلى آخر السورة. سورة الأحقاف لما قدم ذكر الكتاب وعظيم الرحمة به وجليل بيانه وأردف ذلك بما تضمنته سورة الشريعة من توبيخ من كذب به وقطع تعلقهم وأنه سبحانه قد نصب من دلائل السماوات والأرض ما ذكر في صدر السورة ما كل قسم منها كاف في الدلالة وقائم بالحجة ومع ذلك فلم يجر عليهم إلا التمادي على ضلالهم والانهماك في سوء حالهم وسيء محالهم، أردفت بسورة الأحقاف تسجيلا بسوء مرتكبهم وإعلاما بأليم منقلبهم فقال تعالى: " مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى "، ولو اعتبروا بعظيم ذلك الخلق وإحكامه وإتقانه لعلموا أنه لم يوجد عبثا ولكنهم عموا عن الآيات، وتنكبوا عن انتهاج الدلالات "والذين كفروا عما أنذروا معرضون ".

стр. 127

ثم أخذ سبحانه في تعنيفهم وتقريعهم في عبادة ما لا يضر ولا ينفع فقال: "قل أرأيتم ما تدعون من دون الله" إلى قوله: "وكانوا بعبادتهم كافرين "الآيات: ٤ - ٦) ثم ذكر عنادهم عند سماع الآيات فقال: "وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات.... الآيات " ثم التحم الكلام وتناسج إلى آخر السورة. سورة القتال لما أنبنت سورة الأحقاف على ما ذكر من. مآل من كذب وكفر، وافتتحت السورة بإعراضهم، ختمت بما قد تكرر من تقريعهم وتوبيخهم فقال

стр. 128

تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى) أي لو اعتبروا بالبداءة لتيسر عليهم أمر العودة، ثم ذكر عرضهم على النار إلى قوله: "فهل يهلك إلا القوم الفاسقون " فلما ختم بذكر هلاكهم، افتتح السورة الأخرى بعاجل ذلك اللاحق لهم في دنياهم فقال تعالى: "فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ.... الآية " بعد ابتداء السورة بقوله تعالى: "الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم "، فنبه على أن أصل محنتهم إنما هو بما أراده تعالى بهم في سابق علمه ليعلم المؤمنون أن الهدى والضلال بيده، فنبه على الطرفين بقوله: "وأضل أعمالهم ") وقوله في الآخر: "كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم " (آية: ٢) ثم بين أنه تعالى لو شاء لانتصر منهم ولكن أمر المؤمنين بقتالهم ابتلاء واختبارا ثم حض المؤمنين على ما أمرهم به من ذلك فقال: "إن تنصروا الله ينصركم " ثم التحمت الآى. سورة الفتح ارتباط هذه السورة بالتي قبلها واضح من جهات، وقد يغمض بعضها منها: أن سورة القتال لما أمروا فيها بقتال عدوهم في قوله تعالى: "فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا"

стр. 129

وأشعروا بالمعونة عند وقوع الصدق في قوله: "إن تنصروا الله ينصركم " استدعى ذلك تشوق النفوس إلى حال العاقبة فعرِّفوا بذلك في هذه السورة فقال تعالى (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) .... الآيات " فعرف تعالى نبيه ﷺ بعظيم صنعه له، وأتبع ذلك بشارة المؤمنين العامة فقال تعالى: "هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ.... الآيات " (آية: ٤ وما بعدها) والتحمت إلى التعريف بحال من نكث من مبايعته ﷺ ، وحكم المخلفين من الأعراب، والحض على الجهاد، وبيان حال ذوى الأعذار، وعظيم نعمته سبحانه على أهل بيعته "لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ" وأثابهم الفتح وأخذ المغانم، وبشارتهم بفتح مكة. "لتدخلن السجد الحرام " (آية: ٢٧) إلى ما ذكر سبحانه من عظيم نعمه عليهم وذكرهم في التوراة والإنجيل ما تضمنت هذه السورة الكريمة. ووجه آخر وهو أنه لما قال تعالى في آخر سورة القتال (فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (٣٥) كان هذا إجمالا في عظيم ما منحهم وجليل ما أعطاهم، فتضمنت سورة الفتح - تفسير هذا الإجمال وبسطه وهذا يستدعى من بسط الكلام ما لم نعتمده في هذا التعليق، وهو بعد مفهوم مما سبق من الإشارات في الوجه الأول.

стр. 130

ووجه آخر مما قد يغمض وهو أن قوله تعالى: (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (٣٨) إشارة إلى من يدخل في ملة الإسلام من الفرس وغيرهم عند تولي العرب، وقد أشار أيضا إلى هذا قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ.... الآيات " (المائدة: ٥٤) وأشار إلى ذلك قوله ﵊ : "ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا وعقد السبابة بالإبهام "، أشار ﵇ إلى تولي العرب واستيلاء غيرهم الواقع في الآيتين وإنما أشار ﵇ بقوله: "اليوم إلى التقديم وتأخر وقوع هذا الأمر إلى أيام أبي جعفر المنصور، فغلبت الفرس والأكراد وأهل جهات الصين وصين الصين وهو ما يلى يأجوج ومأجوج، وكان فتحا وعزا وظهورا لكلمة الإسلام وغلبة هؤلاء في الخطط والتدبير الإمارى، وسادوا غيرهم، ولهذا جعل ﷺ مجيئهم فتحا فقال: (فتح اليوم) ، ولو أراد غير هذا لم يعبر بفتح، ألا ترى قول عمر لحذيفة (رضى الله عنهما) في حديث الفتن حين قال له: "إن بينك وبينها بابا مغلقا فقال عمر أيفتح ذلك الباب أم يكسر فقال

стр. 131

بل يكسر"، ففرق بين الفتح والكسر، وإنما أشار إلى قتل عمر (رضى الله عنهما) ، فلذا قال ﵊: "فتح " وقال: "من ردم يأجوج ومأجوج "، وأراد من نحوهم وجهتهم وأقاليمهم، لأن الفرس ومن أتى معهم، هم أهل تلك الجهات التي تلي الروم، فعلى تمهيد هذا يكون قوله تعالى: "وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ"، إشارة إلى غلبة من ذكرنا وانتشارهم في الولايات والخطط الدينية والمناصب العلمية.

стр. 132

ولما كان هذا قبل أن يوضح أمره يوهم نقصا وحطا، بين تعالى أنه تجديد فتح وإعزاز منه تعالى لكلمة الإسلام فقال: "إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) . ذكر القاضى أبو بكر بن العربي في تخليصُ التِّلخيص علماء المالكية مشيرا إلى تفاوت درجاتهم ثم قال: "وأمضاهم في النظر عزيمة وأقواهم فيه شكيمة أهل خراسان، العجم أنسابا وبلدانا العرب عقائدا وإيمانا، الذين تنجز فيهم وعد الصادق المصدوق، وملكهم الله تعالى مقاليد التحقيق حين أعرضت العرب عن العلوم وتولت عنها وأقبلت على الدنيا واستوثقت منها. قال أصحاب رسول ﷺ : يا رسول الله من هؤلاء الذين قال الله فيهم: "وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ" فأشار ﵇ إلى سلمان وقال: "لو كان الإيمان في الثريا لناله رجال من هؤلاء". سورة الحجرات لما وصف سبحانه عباده المصطفين من صحابة نبيه والمخصوصين بفضيلة مشاهدته وكريم عشرته فقال: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) .

стр. 133

فأثنى سبحانه عليهم وذكر وصفه تعالى لهم بذلك في التوراة والإنجيل، وهذه خصيصة انفردوا بمزية تكريمها وجرت على واضح قوله تعالى: "كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ" (آل عمران: ١١٥) وشهدت لهم بعظيم المنزلة لديه، ناسب هذا طلبهم بتوفية الشعب الإيمانية (والجري قولا وفعلا وعملا ظاهرا وباطنا على أوضح عمل وأخلص نية، وتنزيههم عما وقع من قبلهم في مخاطبات أنبيائهم كقول بني إسرائيل: "يا موسى ادع لنا ربك " إلى ما شهد من هذا الضرب بسوء حالهم فقال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ".... الآية "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ" إلى قوله "والله غفور رحيم" فطولبوا بآداب تناسب عَليَّ إيمانهم وإن اغتفر بعضه لغيرهم ممن ليس في درجتهم، وقد قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين، وكأن قد قيل لا تغفلوا ما منح لكم في التوراة والإنجيل فإنها درجة لم ينلها غيركم من الأمم فقابلوها بتنزيه أعمالكم عن أن يتوهم في ظواهرها أنها صدرت عن عدم اكتراث في الخطاب - وسوء قصد في الجواب، وطابقوا بين بواطنكم وظواهركم، وليكن علنكم منبئا

стр. 134

بسليم سرائركم "إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى " ثم عرفوا بسوء حال من عدل به عن هذه الصفة فقال تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ" ثم أمروا بالتثبت عند نزعة شيطان أو تقول ذى بهتان "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ... الآية " ثم أمرهم تعالى بصلاح ذات بينهم والتعاون في ذلك بقتال الباغين وتحسين العشرة والتزام ما يثمر الحب والتودد الايماني والتواضع، وأن الخير كله في التقوى " إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ " (آية: ١٣) وكل ذلك محذر لِعَلِيِّ صفاتهم التى وصفوا بها في خاتمة سورة الفتح. سورة ق لما كانت سورة الحجرات قد انطوت على جملة من الألطاف التى خص بها تعالى عباده المؤمنين كذكره تعالى أخوتهم وأمرهم بالتثبت عند غائلة معتد فاسق ""يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ.... الآية " وأمرهم بغض الأصوات عند نبيهم وأن لا يقدموا بين يديه وأن لا يعاملوه في الجهر

стр. 135

بالقول كمعاملة بعضهم بعضا، وأمرهم باجتناب كثير من الظن ونهيهم عن التجسس والغيبة وأمرهم بالتواضع في قوله تعالى: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى" وأخبرهم تعالى أن استجابتهم، وامتثال هذه الأوامر ليست بحولهم ولكن بفضله وإنعامه فقال: "وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ.... الآية " ثم أعقب تعالى بقوله: "يمنون عليك أن أسلموا.... الآية " ليبين أن ذلك كله بيده ومن عنده، أراهم سبحانه حال من قضى عليه الكفر ولم يحبب إليه الإيمان ولا زينه في قلبه، بل جعله في طرفٍ من حال مَنْ أمر ونهي في سورة الحجرات، مع المساواة في الخلق وتماثل الذوات فقال تعالى: "وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ.... الآيات " ثم ذكر سبحانه وضوح الأدلة "أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم ... الآيات " ثم ذكر حال غيرهم ممن كان على رأيهم "كذبت قبلهم قوم نوح " ليتذكر مجموع هذا من قدم ذكر حاله وأمره ونهيه في سورة الحجرات وليتأدب المؤمن بآداب الله ويعلم أن ما أصابه منْ الخير فإنما هو من فضل ربه وإحسانه، ثم التحمت الآي إلى قوله خاتمة السورة (نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (٤٥) .

стр. 136

سورة الذاريات لما ذكر سبحانه المواعد الأخراوية في سورة "ق " وعظيم تلك الأحوال من لدن قوله: "وجاءت سكرة الموت بالحق" إلى آخر السورة" ثم أتبع سبحانه ذلك بالقسم على صحة وقوعه وصدقه فقال تعالى: "وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا" إلى قوله "إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (٦) " والدين الجزاء أي أنهم سيجازون على ما كان منهم ويوفون قسط أعمالهم "ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون " "إنما نملي لهم ليزدادوا إثما"، ولما أقسم تعالى على صدق وعده ووقوع الجزاء أعقب ذلك بتكذيبهم بالجزاء وازدرائهم فقال: "يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢) " ثم ذكر تعالى حال الفريقين وانتهاء الطريقين إلى قوله: "وفي الأرض آيات للموقنين " فوبخ تعالى من لم يعمل فكره ولا بسط نظره فيما أودع سبحانه في العالم من العجائب، وأعقب بذكر إشارات إلى أحوال الأمم وما أعقبهم تكذيبهم وكل هذا تنبيه لبسط النظر إلى قوله تعالى: (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩)

стр. 137

ثم آنس نبيه ﵇ بقوله: "كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون " (آية: ٣٢) أي أن هذا دأبهم وعادتهم حتى كأنهم تعاهدوا عليه وألقاه بعضهم إلى بعض فقال تعالى: "أتواصوا به بل هم قوم طاغون " أي عجبا لهم في جريهم في التكذيب والعناد في مضمار واحد، ثم قال تعالى: "بل هم قوم طاغون " أي أن علة تكذيبهم هي التي اتحدت فاتحد معلولها، والعلة طغيانهم وإظلام قلوبهم بما سبق " وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا " ثم زاد نبيه ﵇ أشياء لما ورد على طريقة تخييره ﵊ في أمرهم من قوله تعالى: "فتول عنهم فما أنت بملوم " (آية: ٣٤) ، ثم أشار تعالى بقوله: "وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين " (آية: ٣٥) إلى أن إحراز أجره ﵊ إنما هو في التذكار والدعاء إلى الله تعالى، ثم ينفع الله بذلك من سبقت له السعادة، (إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ) ثم أخبر نبيه ﵊ بأن مكذبيه سينالهم قسط ونصيب مما نال غيرهم ممن ارتكب مرتكبهم وسلك مسلكهم فقال تعالى: "فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ" إلى آخر السورة.

стр. 138

سورة الطور لما توعد تعالى كفار قريش ومن كان على طريقتهم من سائر من كذب رسول الله ﷺ أنه سيصيبهم ما أصاب غيرهم من مكذبي الأمم المنبه على ذكرهم في السورة قبل، ثم أشار سبحانه إلى عظيم ما ينالهم من الخزي وأليم العذاب بقوله: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٦٠) أقسم سبحانه على صحة ذلك ووقوعه والعياذ بالله سبحانه من سخطه وأليم عذابه فقال تعالى: "والطور" إلى قوله: "إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع" ثم أومأ سبحانه إلى مستحقيه ومستوجبه فقال "فويل يومئذ للمكذبين " ثم ذكرما يعنفون به ويوبخون على ما سلف منهم من نسبته عليه السلام إلى السحر وتكذيبه فقال: (هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤) أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥) ثم أعقب بذكره حال المومنين المستجيبين، ثم ذكر إثر إعلامه بحال الفريقين نعمته على نبيه عليه

стр. 139

السلام وعصمته ووقايته مما تقوله المفترون فقال تعالى: (فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (٢٩) . ثم جرت الآي على توبيخهم في مقالاتهم ووهن انتقالاتهم، فمرة يقولون كاهن، ومرة يقولون مجنون، ومرة يقولون شاعر نترقب موته، فوبخهم على ذلك كله وبين كذبهم وأزعامهم وأسقط ما بأيديهم بقوله: (فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٣٤) وهذا هو المسقط لما تقولوه أولا وآخر، وهو الذي يجدوا عنه جوابا، ورضوا بالسيف والجلاء ولم يتعرضوا لتعاطي معارضته، وهذا هو الوارد في قوله تعالى في سورة البقرة: "وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا ... فما نطقوا في جوابه ببنت شفة "قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ". فتبارك من جعله آية باهرة وحجة قاهرة. سورة والنجم لما قطع سبحانه تعلقهم بقولهم شاعر وساحر ومجنون إلى ما هزؤوا به مما

стр. 140

علموا أنه لا يقوم على ساق ولكن شأن المنقطع المبهوت أن يستريح إلى كل ما أمكنه وإن لم يغن عنه أعقب تعالى ذلك بقسمه على تنزيه نبيه وصفيه من خلقه عما تقوله وتوهمه ضعفاؤهم فقال تعالى: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) ثم أتبع سبحانه هذا القسم ببسط الحال في تقريبه ﵇ وإدنائه وتلقيه لما يتلقاه من ربه وعظيم منزلته لديه، وفي أثناء ذلك يحركهم جل وتعالى ويذكرهم ويوبخهم على سوء مرتكباتهم بتلطف واستدعاء كريم منعم فقال: "أفرايتم اللات والعزى" والتحمت الآى على هذه الأغراض إلى الإعلام بانفراده سبحانه بالإيجاد والقهر والإعزاز والانتقام لا يشاركه في شىء من ذلك فقال تعالى: (وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣) ولما بين كل ذلك قال: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (٥٥) أي في أي نعمة تشكون أم بأية آية تكذبون، ثم قال: "هذا نذير من النذر الأولى" وإذا كان ﵊ (نذير) فشأن مكذبيه شأن مكذبي غيره. سورة القمر لما أعلمهم سبحانه بأن إليه المنتهى وأن عليه النشأة الأخرى وأن ذلك يقع جزاء كل نفس بما أسلفت أعلمهم سبحانه بقرب ذلك وحسابه ليزدجر من وفقه

стр. 141

للازدجار فقال تعالى: "اقتربت الساعة وانشق القمر" ثم إن سورة (ص) تضمنت من عناد المشركين وسوء حالهم، وتوبيخهم في عبادتهم ما لا يضر ولا ينفع ما لا يكاد يوجد في غيرها مما تقدمها. وبعد الشبه في السور قبلها والتحريك بآيات لا يتوقف عنها إلا من أضله الله وخذله، أنبئت السور بعد على تمهيد ما تضمنته سورة ص فلم تخل سورة منها من توبيخهم وتقريعهم كقوله في الزمر "والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى" (آية: ٣) وقوله: "لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء" (آية: ٤) وقوله: "قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ" وقوله مثلا لحالهم: "ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ.... الآية " إلى ما بعد من التقريع والتوبيخ وقوله في سورة غافر: (مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ (٤) وقوله: "ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا" وقوله: "أولم يسيروا في الأرض.... الآية " (آية: ٢١) وقوله: "إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ" (آية: ٣٦) وقوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (٦٩) الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) . إلى قوله: (فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٧٧)

стр. 142

وقوله تعالى: "أولم يسيروا في الأرض " إلى ما تخلل هذه الآي كقوله في السجدة: "فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٤) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ" "وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن " "إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا" إلى قوله "أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٤٤) وقوله: "سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ" إلى خاتمة السورة وقوله في الشورى: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٦) "كبر على المشركين ما تدعوهم إليه " "وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ ... الآية " "أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ... الآية " (آية: ٢١) "فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا" وقوله في الزخرف: "أفنضرب عنكم الذكر صفحا.... الآية " "وجعلوا له من عباده جزءا" إلى ما تردد في هذه السورة مما قرعوا به أشد التقريع، وتكرر في آيات كثيرة فتأملها، وقوله في الدخان: "بل هم في شك يلعبون " إلى قوله: "يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون " وقوله: "إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين " إلى قوله: "إن هذا ما كنتم به تمترون" وقوله في الشريعة: "فبأى حديث بعد الله وَآياته يؤمنون.... الآيات إلى قوله: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (١١) وقوله: "أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ" إلى آخر السورة وقوله في الأحقاف: "والذين كفروا عما أنذروا معرضون " ومعظم آي هذه السورة لم يخرج عن هذا إلى خاتمتها، وكذا سورة القتال ولو لم يتضمن إلا الأمر بقتلهم وأسرهم وتعجيل خزيهم "فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ" وأما سورة الفتح فمما تضمنته من البشارة والفتح أشد على الكفار من كل ما قرعوا به، ولم تخرج عن الغرض

стр. 143

المتقدم وكذا سورة الحجرات لتضمنها من الأمر بتعزيز النبي ﷺ وإجلاله ما يقر عين المؤمن ويقتل العدو الحاسد وما فيها أيضا من ائتلاف أمر المؤمنين وجمع كلمتهم وتآخيهم، وموقع هذا من العدو بحيث لا يخفى على أحد، وأما سورة "والذاريات "، "والطور"، "والنجم "، فما تضمنته مما ذكرناه قبل أوضح شيء، وبذلك افتتحت كل سورة منها، فتأمل مطالعها، ففي ذلك كفاية في الغرض، فلما انتهى ما قصد من تقريع مكذبي رسول الله ﷺ ، وبلغت الآي في هذه السور من ذلك أقصى غاية، تمحض باطلهم وانقطع دابرهم، ولم يجدوا جوابا، عرض عليهم سبحانه في سورة القمر أحوال الأمم مع أنبيائهم وكان القصد من ذلك - والله أعلم مجرد التعريف بأنهم ذكروا فكذبوا فأخذوا ليتبين لهؤلاء أن لا فرق بينهم وبين غيرهم، وأن لا يغرهم عظيم حلمه سبحانه عنهم، فهذه السورة إعذار عند تبكيتهم وانقطاع حجتهم بما تقدم، وبعد أن انتهى الأمر في وعظهم وتنبيههم بكل آية إلى غاية يعجز عنها البشر، لهذا افتتح سبحانه هذه السورة بقوله: (وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (٥) وختمها بقوله: "أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ" وهذا يبين ما قدمناه، وكأن قد قيل أى فرق بينكم وبين من تقدم حتى ترتكبوا مرتكبهم وتظنون أنكم ستفوزون بعظيم جرأتكم، فذكر سبحانه لهم قصة كل أمة وهلاكها عند تكذيبها بأعظم إيجاز وأجزل إيراد وأفحم عبارة وألطف إشارة فبدأ بقصة قوم نوح "كذبت قبلهم قوم نوح " إلى قوله: "ولقد تركناها آية فهل من مدكر فكيف كان عذابى ونذر" ثم استمر في ذكر الأمم مع أنبيائهم حسب ما ذكروا في السور الواردة

стр. 144

فيها أخبارهم من ذكر أمة بعد أمة، إلا أن الواقع هنا من قصصهم أوقع في الزجر وأبلغ في الوعظ وأعرف في الإفصاح بسوء منقلبهم وعاقبة تكذيبهم، ثم ختمت كل قصة بقوله: " فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ " وتخلل هذه القصص قوله تعالى: "ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر وهى إشارة إلى ارتفاع عذر من تعلق باستصعاب الوقوف على زواجره وتنبيهاته ومواعظه، ويدعى بعد ذلك استغلاقه إنه ميسر قريب المرام، وهذا فيما يحصل منه التنبيه والتذكير لما عنه تكون الاستجابة بإذن الله، ووراء ذلك من المشكل والمتشابه ما لا يتوقف عليه ما ذكره، وحسب عموم المؤمنين الإيمان بجمعيه، والعمل بمحكمه، ثم يفتح الله تعالى ففي ذلك على من شرفه به وأعلى درجته فيبين له بحسب ما يشرح الله صدره "يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ" ومن تيسير المقصود المتقدم تكرار قصص الأنبياء مع أممهم في عدة سور أيُّ حفظ منها أطلع على ما هو كاف في الاعتبار بهم، ثم إذا ضم ذلك بعضه إلى بعض اجتمع فيه ما لم يكن ليحصل من بعض تلك السور فسبحان من جعله حجة باهرة وبرهانا قاطعا على صدق الآي به، وصراطا مستقيما ونورا مبينا. ولما ذكر سبحانه عواقب الأمم في تكذيبهم قال لمشركي العرب: "أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ" ومن هذا النمط قول شعيب ﵊: "وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ.... الآية " (هود: ٨٩) ثم قال تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) أي إنكم إن تعلقتم بتألفكم وجماعتكم فسأفرق ذلك بهزيمتكم يوم بدر، وقتل صناديدكم فما

стр. 145

حجتكم بعد هذا وقد أنبأ مساق القصص في هذه السور واعتماد التعريف بحال من ذكر في أن كذبوا وعاندوا فأعقب تكذيبهم أخذهم وهلاكهم. ثم تعقب هذا كله بصرف الكلام إلى مشركي العرب في قوله: "أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ" وليس في شىء من السور المذكور فيها قصص الأمم على هذا الاستيفاء كالأعراف وهود ونظائرهما، ليس في شيء من ذلك تعقيب بذكر مشركى العرب على الصفة الوارة هنا، فأنبأ ذلك بكمال المقصود من الوعظ والتحريك بذكره، وانقضى هذا الغرض، وذلك أنهم ذكروا أولا بعرض أحوال الأمم والتعريف بما آل إليه أمرهم وكان ذلك في صورة عرض من يريد تأديب طائفة ممن إليه نظرهم قبل أن يظهر منهم تمرد وعناد فهو يستلطف في دعائهم ولا يكلمهم تكليم الواجد عليهم بل يفهم من كلامه الإشفاق والاستعطاف وإرادة الخير بهم، ثم يذكرهم بذلك ويكرره عليهم المرة بعد المرة وإن تخلل ذلك ما يتبين فظاعة التهديد وشدة الوعيد، فلا يصحبه تعيين المخاطب وصرف الكلام بالكلية إليه بل يكون ذلك على طريق التعريض والتوبيخ، ثم لو كان لاغتفر بما قبله وما بعده من التلطف حتى إذا تكررت الوعظة فلم تغن، فهنا يحل الغضب وشدة الوعيد، وعلى هذا وردت السور المذكور فيها حال الأمم كسورة الأعراف وهود والمؤمنون والظلة والصافات، وما من سورة منها إلا والتي بعدها أشد في التعريف، وأميل إلى الزجر والتعنيف، فتأمل تعقيب القصص في سورة الأعراف بقوله تعالى: "وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون "
следующие страницы →