Полный текст (207 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
الكتاب: البرهان فى تناسب سور القرآن (ويسمى: البرهان فى ترتيب سور القرآن)
المؤلف: أحمد بن إبراهيم بن الزبير الثقفي الغرناطي، أبو جعفر (المتوفى: ٧٠٨هـ)
تحقيق: محمد شعباني
دار النشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ـ المغرب
عام النشر: ١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م
عدد الأجزاء: ١
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
стр. 2
المقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وسلم تسليماً
قال الشيخ الإمام، العالم العَلَم الأوحد الصدر الجليل، المحدث الناقد
المحقق، حبر التأويل وكاشف أسرار التنزيل، أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن
الزبير الثقفي العاصمي ﵀
الحمد لله الحكيم العليم، العلي العظيم، ذي الفضل العميم والجود
القديم، الذي ابتدأ الإنسان بالنعم فُرادى ومثنى، وخلقه في أحسن تقويم بعد
كونه نطفة من مني تُمنى، وخصه بمزية التشريف والتكريم، أهّله لتلقي خطابه، وهيأه لتحمل فرقانه العزيز وكتابه، وقد قال سبحانه فيه: (وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤) .
والصلاة على محمد نبيه المعظم ورسوله المصطفى المكرم، المخصوص
بالكتاب، والفاتح لأولي البصائر - بما أيد به من الأعلام الباهرة والحجج
القاطعة القاهرة - مستغلق ذلك الباب، فأوضح السبيل للسالك، فلن يهلك على الله بعد بيانه إلّا هالك، وأنى بسلوك ذلك الباب لمن حقت عليه كلمة العذاب، وقد قال سبحانه: (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١) .
وبعد، فإني اعتبرت قوله ﷺ : " ما من نبي إلا وقد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحياً فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة ".
стр. 3
وتأملت ما أيد به ﵇ من المعجزات سوى القرآن، فإذا
بدروب لا يحصيها العد، ولا كاد تنحصر بالحد، وقد قال ﷺ : "وإنما كان الذي أوتيت وحياً"
يشير إلى دليل القرآن، وما خص به ﷺ من ساطع ذلك البرهان، وما ذاك إلا لكون معجزته أوضح وأحكم، وأهدى وأقوم، فإنما ضمنت إلى - الدلالة والشهادة إيضاح الطربق وأعلمت بحال كل فريق، ثم زادت بنقائها للمعتبر ومشاهدتها للمدَّكر، وقد اضطر من تأخر فيما
سواها للخبر، وليس كالعيان، فلله ما أعظمها معجزة باقية مدى الدهور
والأزمان، وللمشاهدة حال لا ينكر وتعريف لا يتنكر، وفرق بين ما عرف
بالمشاهدة وبين ما علم بالدليل، وحسبك سوال نبي الله الخليل.
فالحمد لله الذي جمع لهذه الأمة الأمرين وخصها بالاعتبارين، فمن
معجزات نبينا ﷺ المستوضح اعتبارا بالبيان، والمشاهد حسا بالعيان، وكما أن من تعامى في حياته ﷺ عن نبع الماء من بين أصابعه وغير ذلك من معجزاته
ملوم مدحور، مأزرر غير مأجور، فكذلك من تعامى عن آيات الكثاب وكأن لم يقرع أذنه قارع من هذا الباب، ولهذا نبه تعالى بقوله: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ"، وبقوله: "كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ"، وجهات اعتباره كثيرة، ولسلف هذه الأمة وخلفها مسالك في ذلك شهيرة.
وإني تأملت منها - بفضل الله - وجوه ارتباطاته وتلاحم سوره وآياته إلى
ما يلتحم مع هذا القبيل
стр. 4
عجائب شواهد التنزيل فعلقت في ذلك ما قدر لي
"ثم قطعت بى قواطع الأيام عن تتميم رومى من ذلك وعملي، فاقتصرت بحكم الاضطرار في هذا الاختصار على توجيه ترتيب السور، وإن لم أر في هذا الضرب شيئا لمن تقدم وغبر، وإنما بدر لبعضهم توجيه ارتباط آيات في مواضع مفترقات، وذلك في الباب أوضح، ومجال الكلام فيه أفسح وأسرخ.
أما تعلق السور على ما ترتبب في الإمام، واتفق عليه الصحابة الأعلام
فمما لم يتعرض له فيما أعلم، ولا قرع أحد هذا الباب ممن تأخر أو تقدم، فإن صلى أحد بعد فهذه الإقامة، أو أتمَّ فمرتبط حتما بهذه الإمامة، فإن أنصف فلابد أن ينشد إذعانا للحق وإنابة:
فلو قَبل مبكاها بَكت صبابة
ولما كمل لي بفضل الله الأمل من جليل هذا العمل، غريبا في بابه، رفيعا
في نصابه، موفى التحرير، معدوم النظير، تحصل بمطالعته العلم اليقين، ويفصح بشهادته أن العاقبة للمتقين، والله ينفع فيه بالنية من مرضاته الأُمنيَّة بمنه ويمنه.
стр. 5
باب التعريف بترتيب السور
وهل ذلك بتوتيف من الشارع ﷺ أم هو من فعل الصحابة؟
اعلم أولا أن ترتيب الآيات في سورها وقع بتوقيف ﷺ وأمره من غير خلاف في هذا بين المسلمين، وإنما اختلف في ترتيب السور على ما هي عليه
وكما ثبت في الإمام مصحف عمان بن عفان ﵁ الذي بعث بنسخة إلى الآفاق، وأطبقت الصحابة على موافقة عثمان في ترتيب سوره وعمله فيه، فذهب مالك، والقاضي أبو بكر بن الطيب. فيما اعتمده واستقر عليه مذهبه من قوليه، والجمهور من العلماء، إلى أن تريب السور إنما وقع باجتهاد الصحابة، وأن رسول الله ﷺ فوض ذلك إلى أمته بعده، وذهبت طائفة من العلماء إلى أن ذلك إنما
وقع بتوقيفه عدوط وأمره، ولكل من الطائفتين جهات تعلق، وكلا القولين والحمد لله لا يقدح في الدين، ولا يثمر إلا اليقين، فأقول مستعينا بالله سبحانه:
стр. 6
اعلم أن الأمر في ذلك كيفما قدر فلابد من رعي التناسب، والتفات
التواصل والتجاذب، فإن كان بتوقيف منه ﷺ ، فلا مجال للخصم بعد ذلك التحديد الجليل والرسم، وإن كان مما فوض فيه الأمر إلى الأمة بعده فقد أعمل الكل من الصحابة في ذلك جهده، وهم الأعلياء بعلمه، والمسلم لهم في وعيه وفهمه، والعارفون بأسباب نزول الآيات، ومواقع الكلمات، وإنما ألفوا القرآن على ما
كانوا يسمعونه من رسول الله ﷺ وهذا قول مالك ضي الله عنه في حكاية بعضهم عنه، ومالك أحد القائلين بأن ترتيب السور اجتهاد من المسلمين كما تقدم عنه، فكيف مادار الأمر، فمنه ﷺ عرف ترتيب السور، وعلى ما سمعوه منه بنوا
جليل ذلك النظر، فإذاً إنما الخلاف هل ذلك يتوقيف قولي أو بمجرد استناد فعلي بحيث بقى لهم فيه مجال للنظر؟ فهذا موضع الخلاف.
فإن قيل إذَا كانوا قد سمعوا منه ﷺ استقر عليه ترتيبه ففيم إذاً عملوا الأنظار، وأي مجال بقي لهم بعد للاختيار؟
فالجواب أنا قد روينا في صحيح مسلم عن حذيفة رضى الله عنه قال: صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة فافتتح
بالبقرة، فقلت يركع عند المائة؟ ثم مضى، فقلت يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران....... الحديث.
فلما كان ﷺ ربما فعل هذا إرادة التوسعة على الأمة، وبيانا لجليل تلك النعمة، كان محلا للتوقف حتى استقر النظر على وعى من كان من فعله الأكثر
فهذا محل اجتهادهم في المسألة والله اعلم.
ثم يشهد لما بنينا كتابنا هذا عليه ما روينا في مصنف ابن أبي شيبة عن
أناس من أهل المدينة قال الحكم: أرى منهم أبا جعفر قال: كان رسول الله ﷺ -
стр. 7
يقرأ في الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين، فأما سورة الجمعة فيبشر بها المؤمنين
ويحرضهم، وأما صورة المنافقين فيؤيس بها المنافقين ويوبخهم.
وحكى الخطابى أن الصحابة لما اجتمعوا على القرآن، وضعوا سورة القدر
عقيب العلق، واستدلوا بذلك على أن المراد بهاء الكتابة في قوله: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)
إشارة إلى قوله: اقرأ، قال القاضى أبو بكر بن العربي. وهذا
بديع جدا، قلت: ومن ظن ممن اعتمد القول بأن ترتيب السور اجتهاد من الصحابة
أنهم لم يراعوا في ذلك التناسب والاشتباه فقد سقطت مخاطبته، وإلا فما المراعى
وترتيب النزول غير ملحوظ في ذلك بالقطع، بل هذا معلوم في ترتيب آي اقرآن، الواقع ترتيبها بأمره ﵇ وتوقيفه بغير خلاف، ألا ترى أن سورة البقرة من المدني
وقد تقدمت سور القرآن بتوقيفه ﵇ في الصحيح المقطوع به، وتقدم المدني على المكي في ترتيب السور والآي كثير جدا، فإذا سقط تعلق الضمان بترتيب النزول
لم يبق إلى رعي التناسب والاشتباه، وارتباط النظائر والاشباه.
стр. 8
وتدبر بعقلك وضوح ذلك في عدة سور كالأنفال وبراءة، والطلاق والتحريم، والتكوير والانفطار، والضحى وألم نشرح، والفيل وقريش، والمعوذتين إلى غير هذه السور مما لا يتوقف في وضوحه من له أدنى نظر.
وقد مال القاضى أبو محمد عبد الحق بن عطية. ﵀ في ترتيب
السور إلى القول بالتفصيل.
وهو أن كثيرا من سور القرآن قد كان علم ترتيبها في
أيامه ﷺ كالسبع الطوال، والحواميم، والمفصل، وأشار كلامه إلى أن مما سوى ذلك
يمكن أن يكون ﵇ فوض فيه الأمر إلى الأمة بعده، ولم يقطع القاضى أبو محمد في هذا القسم الثاني بشىء.
وظواهر الآثار شاهدة بصحة ما ذهب إليه في أكثر ما نُص عليه، ثم يبقى بعدُ
قليل من السور يمكن فيها جري الخلاف أو يكون وقع، وإذا كان مستند المسألة النقل لم يصعب خلاف غير أهله، على أن ما مهدناه من المراعاة في الترتيب حاصل لا محالة على كل قول، ولنورد هنا بعض ما يشهد بظاهره من الآثار لما قاله القاضى أبو محمد على ما نطنا به فمن ذلك:
قوله ﵇: (اقرأوا الزهراوين: البقرة وآل عمران) . في حديث
خرجه مسلم وغيره، وخرج أيضا قوله ﷺ : (يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به تقدمه سورة البقرة وآل عمران.
стр. 9
وفي مصنف ابن أبى شيبة عن معبد بن خالد. قال: (صلى رسول الله ﷺ بالسبع الطوال في ركعة، وفيه أنه ﵇ (كان يجمع المفصل في ركعة.
وفي صحيح البخارى عن عبد الرحمن بن زيد قال سمعت عبد الله بن مسعود
يقول في بني إسرائيل والكهف ومريم وطه والأنبياء: إنهن من العتاق الأولى، وهن من تلادى، فذكرها نسقا كما استقر ترتيبها.
وفي صحيح البخارى أيضا عن عائشة أن النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ فيهما قل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق،وقل أعوذ برب الناس..... الحديث.
وفي المصنف عن عمر أنه قرأ في ركعة واحدة ألم تر كيف فعل ربك
بأصحاب الفيل، ولإيلاف قريش، وروى أنهما في مصحف أبى غير مفصول بينهما
стр. 10
بالبسملة.
قلت والوارد من هذا عن النبي ﷺ وعن كبار الصحابة قبل كتب المصحف كثير ومروى من طرق شتى، في أحوال مختلفة، فإن قيل فقد كان يجب على ما أشرت إليه أن يكون القول بالتوقيف أكثر وأشهر، والأمر على خلاف ذلك، فإن مالكا ﵀، والقاضى أبا بكر من المتكلمين وأكثر أهل العلم قائلون بأن ترتيب السور اجتهاد من الصحابة وقد مر.
فالجواب أن الآثار المستفيضة والمقطوع به منها، إنما ورد ذلك في الأكثر ولم
يرد فيما بين كل سورتين سورتين، ولا شك أنه إذا بقي بعض ذلك لاجتهادهم ولو فيما بين سورتين، جرى المقول المشهور عليه وصح اعتماده، ثم أن الآثار إنما وقعت بفعل، لا بقول وأمر يحصل منه الوقيف. فإذا قد آل الأمر إلى أن تلك الآثار هي مستند اجتهادهم وأصل اتفاقهم، وهذا أراد مالك ﵀ بقوله: وإنما
ألفوا القران على ما كانوا يسمعونه من رسول الله ، وهذا القدر كاف في المقصود، والحمد لله رب العالمين.
سورة أم القرآن
قد ذكر الناس كيفية تضمنها مجملا لما تفصل في الكتاب العزيز
стр. 11
بجملته.
وهو أوضح وجه في تقدمها سوره الكريمة. ثم هي مما يلزم المسلمين
حفظه، ولابد للمصلين من قرائتها، ثم افتتاحها بحمد الله سبحانه. وقد
شرع في ابتداءات الأمور، وأوضح الشرع فضل ذلك وأخذ به كل خطيب
ومتكلم، وفيها تعقيب الحمد لله سبحانه بذكر صفاته الحسنى والإشارة إلى إرسال الرسل في قوله، "اهدنا" وقوله "صراط الذين أنعمت عليهم "، وقد قال تعالى: "أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده (الأنعام ٩٥) وذكر افتراق الخلق بذكر المهتدين، وذكر المغضوب عليهم ولا الضالين، وإن ملاك الهدى بيده، "وإياك نستعين " وهذا كله أشفى شيء في بيان التقديم.
стр. 12
سورة البقرة
لما قال العبد بتوفيق ربه "اهدنا الصراط المستقيم " قيل له: "ذلك الكتاب
لا ريب فيه " (آية ٢) هو مطلوبك وفيه أربك، وهو الصراط المستقيم "هدى للمتقين " (آية ٢) القائلين اهدنا الصراط المستقيم والخائفين من حال الفريقين المغضوب عليهم ولا الضالين، فاتخذوا وقاية من العذاب خوف ربهم وتقواه بامتثال أمره ونهيه، ثم أشير من الأعمال إلى ما يستحق سائرها من قبيلي البدنيات والماليات بيانا للصراط المستقيم فقيل في وصف المتقين أنهم (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)
وحصل من هذا حصر الفعل والترك الضابطين لجميع الأعمال كيف ما تشعبت، في مهد التفسير عند ضم ما ورد هنا
إلى قوله: "إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ" (العنكبوت ٤٣)
ووقع الفعل صريحا والترك إيماء للتناسب المبين حيث ذكر، ثم بين لهم قدر النعمة عليهم في طلب الهدى من الله في قولهم "اهدنا" قيل: "إن الذين كفروا.... الآية.
стр. 13
ليعلموا أن الهدى من عنده فيلحوا في الطلب ويتبرؤوا من ادعاء حول
أو قوة.
تم نبهوا على الإخلاص، وأن يكون قولهم "اهدنا الصراط " صادرا عن يقين
وإخلاص حتى لا يشبهوا من يقول: "آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمومنين "، وبسط لهم حال هؤلاء في ثلاث عشرة آية ما يوضح لهم طريق
الهدى الواضح، إذ حذروا من شكك هؤلاء وحيرتهم فقالوا: اهدنا عن يقين
وإخلاص، ثم أعقب ذلك الدلائل المشاهدة من جعل الأرض فراشا والسماء بناء وإنزال الماء وإخراج النبات وذلك كله أمر مشاهد يصل إليه كل عاقل بأول وهلة.
ثم أعقب بابتداء الخلق وهو قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)
وذلك كله مبين لقوله "رب العالمين ملك يوم الدين " إذ من البدأة تعلم العودة لمن تدبر، وقد نبه تعالى بتكرر النبات.
ثم ذكر أحوال بني إسرائيل وإمهالهم على مرتكباتهم ومعاملتهم بالعفو والإقالة
وذلك مبين سعة رحمته، وأعلم تعالى أن أفعالهم تلك مما أعقبهم أن "ضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله " (البقرة: ٦١) تحذيرا لمن طلب سلوك الطريق المستقيم من حالهم، وإعلاما لعباده أن المتقين المستجاب لهم عند قولهم "اهدنا" ليسوا في شيء من ذلك لأنهم قالوا اهدنا عن يقين وإخلاص متبرين من المساوىء.
ثم أعقب تعالى تفصيل أحوال هؤلاء بقوله: "وإذا ابتلى إبراهيم ربه
بكلمات فأتمهن "البقرة ١٢٤) ليبين أحوال المصطفى من أهل الصراط المستقيم فأنبأ تعالى بحال إبراهيم، وإتمام ما ابتلاه به من غير توقف ولا بحث عن علة، وهي أسنى أحوال العباد، وفي طرف من حال من قدم من بني إسرائيل وهذا الموضع مما يعضد ما ظهر في قصة أمر بنى إسرائيل في ذبح البقرة من وجوه الحكمة،
فتوقفوا وشددوا بعد إسائتهم الأدب مع نببهم فأورثهم ذلك نكالا وبعدا.
стр. 14
فالصراط المستقيم حال إبراهيم ﵇ ومن ذكر من الأنبياء والرسل
"أولئك الذين هدى الله " (الأنعام ٩٥) وهم المنعم عليهم.
ثم أعقب ذلك بما نسبوا لإبراهيم وبنيه المصطفين بعد أن بين حاله فقال:
"أم يقولون أن إبراهيم ... الآية (البقرة: ١٤٠) وبين فساد اليهودية والنصرانية وبرأ نبيه إبراهيم والأنبياء عن ذلك، وأوضح أن الصراط المستقيم هو ما كانوا عليه لا اليهودية ولا النصرانية.
ثم ذكرهم بوحدانيته تعالى "وإلهكم إله واحد" (البقرة: ١٦٣) ثم نبه على
الاعتبار ودلائل التوحيد، وبين حال من اعتمد سواه جل وتعالى فقال: "إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا" (البقرة: ١٦٦) وبين سوء حال المشركين وأنهم لاحقون باليهود والنصارى في انحرافهم عن الصراط المستقيم وحيدتهم عن الجادة، ووقع تنبيه هؤلاء بدون ما ضمنه تنبيه بنى إسرائيل من التقريع والتوبيخ لفرقان ما بينهم لأن كفر هؤلاء تعنيت بعد مشاهدة الآيات "وجعلنا قلوبهم قاسية".
ومتى بين شيء في الكتاب العزيز من أحوال النصارى فليس على ما ورد
مثله في (بني إشرائيل) لا ذكر، وخطاب مشركي العرب فيما أشير إليه دون
خطاب الفريقين إذ قد تقدم لهم (ذكر) ما لم يتقدم للعرب، وبشروا في. كتبهم وليس لمشركي العرب (مثل ذلك) ، والزيغ عن الهدى شامل للكل، وليسوا في شيء من الصراط المستقيم، مع أن أسؤا الأحوال حال من أضله الله على علم) .. وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفى شقاق بعيد (البقرة: ١٧٦ (.
وهنا انتهى ذكر ما حذر منه ونهى عنه من أراد سلوك الصراط المستقيم،
وبيان حال من حاد عنه وتنكبه، وظن أنه على شىء، وضم مفترق أصناف الزائغين في
стр. 15
أصناف ثلاثة وهم: اليهود، والنصارى، وأهل الشرك، وبهم يلحق سائر من تنكب فيلحق باليهود منافقو أمتنا ممن ارتاب بعد إظهار إيمانه وفَعل أفاعيلهم من المكر والخديعة والاستهزاء، ويلحق بالنصارى من اتصف بأحوالهم، وبالمشركين من جعل لله ندا (أو اعتقد) فعلا لغيره تعالى على غير طريقة الكسب، والمجوس لاحقون بأهل الشرك، والشرك أكثر هذه الطرق السيئة تشعبا، ولهذا قال ﷺ :
"الشرك في أمتي أخفى من دبيب النمل "،
ومن فعل أفعال من ذكر ولم ينته به الأمر إلى مفارقة دينه والخروج في شيء من اعتقاده خيف عليه أن يكون ذلك وسيلة إلى اللحوق بمن تشبه به وإلى هذا أشار ﵇ بقوله "أربع من كن فيه كان منافقا خالصا".
إلى أشباه هذا من الأحاديث.
ثم ذكر تعالى من أول آية "ليس البر" (١٧٧) ما لزم - المتقين لما بين لهم ما
هو خروج عن الصراط المستقيم، وحذروا منها عقب ذكر ما يلزمهم، فابتدىء من هناك بذكر الأحكام إلى قوله: "آمن الرسول " خاتمة السور، وفصل لهم كثيرا مما كلفوه، فذكر الإيمان وفصل تفصيلا لم يتقدم، وأعقب بذكر الصدقة وموقعها على التفصيل، وفي ذكر إتيان المال عقب الإيمان إشعارا بما فيه السلامة من فتنة المال
"إنما أموالكم وأولاكم فتنة" التغابن: ١٥) ، وإشارة من الآية إلى أنه يبعد حب المال بل يستحيل وجوده ممن أحب الله سبحانه، وأن محبة الله تعالى تهون عليه كل شىء "لا تمدن عينيك.... إلى "لا نسألك رزقا" (طه: ١٣١ - ١٣٢) ، ثم ذكر الزكاة والصيام والحج والجهاد إلى غير ذلك من الأحكام كالنكاح والطلاق والعدد والحيض والرضاع والحدود والربا والبيوع إلى ما تخلل هذه الآيات من تفاصيل
стр. 16
الأحكام ومجملها، وقدم منها الوفاء بالعهد والصبر، لأن ذلك يحتاجِ إليه في كل الأعمال، وما تخلل هذه الآيات من لدن قوله: "وليس البر" إلى قوله "آمن الرسول "
مما ليس من قبيل الإلزام. والتكليف فلسبب أوجب ذكره
ولتعلق أو نسق استدعاه
ولما بين سبحانه أن الكتاب هو الصراط المستقيم، وذكر افتراق الأمم
كما شاء، وأحوال الزائغين والمتنكبين تحذيرا من حالهم ونهيا عن مرتكبهم وحصل قبيل التروك بجملته وانحصار التاركين، وأعقب بذكر ملتزمات المتقين وما ينبغي لهم امتثاله والأخذ به من الأوامر والأحكام والحدود، أعقب ذلك بأن المرء يجب أن ينطوي على ذلك ويسلم الأمر لمالكه فقال تعالى: "آمن الرسول "
فاعلم أن هذا إيمان الرسول ومن كان معه على إيمانه وأنهم قالوا:.
"سمعنا وأطعنا"
لا كقول بني إسرائيل "سمعنا عصينا"
وأنه أثابهم على إيمانهم برفع الإصر والمشقة والمؤاخذة بالخطأ والنسيان عنهم فقال: "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها"
فحصل من هذه السورة بأسرها بيان الصراط المستقيم على الاستيفاء والكمال.
أخذا وتركا، وبيان شرف من أخذ به، وسوء حال من تنكب عنه، وكأن العباد لما عُلِّموا (أن يقولوا) اهدنا الصراط المستقيم إلى آخر السورة قيل لهم عليكم بالكتاب إجابة لسؤالهم، ثم - بين لهم حال من سلك ما طلبوه، فكان قد قيل لهم أهل الصراط المستقيم وسالكوه هم الذين من شأنهم وأمرهم، والمغضوب عليهم من المتنكبين هم اليهود الذين من أمرهم وشأنهم، والضالون هم النصارى الذين من شأنهم وأمرهم.
стр. 17
فيجب على من رغب في سلوك الصراط المستقيم أن يحذر ما أصاب هؤلاء
مما نبه عليه وأن يأخذ نفسه بكذا وكذا، وأن (ينسحب إيمانه) على كل ذلك
وأن يسلم الأمر لله الذي يَطلب منه الهداية ويتضرع إليه بأن لا يواخذه لما
يثمره الخطأ والنسيان وألا يُحمله ما ليس في وسعه وأن يعفو عنه إلى آخر السؤال.
سورة آل عمران
اتصالها بسورة البقرة والله أعلم من جهات:
إحداها ما تبين في صدر السورة مما هو إحالة على ما ضمن في سورة
البقرة بأسرها.
стр. 18
ثانيها الإشارة في صدر السورة أيضا إلى أن الصراط المستقيم قد بين
شأنه لمن تقدم في كتبهم، وأن هذا (الكتاب) جاء مصدقا لها
(نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ)
ليبين لأمة محمد ﷺ ، أن من تقدمهم قد بين لهم "وما
كنا معذبين حتى نبعث رسولا".
والثالثة قصة عيسى ﵇، وابتداء أمره من غير أب والاعتبار به
نظير الاعتبار بآدم ﵇، ولهذا أشار قوله تعالى: "إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم (آل عمران: ٣٩) كما اتبعت قصة آدم بذكر بني إسرائيل لوقوففم من تلك القصة. على ما لم تكن العرب تعرفه وأنذروا وحذروا، واتبعت أيضا قصة عيسى ﵇ بذكر الحواريين وأمر النصارى إلى آية المباهلة حسبما نبسط بعد، ولنبين وجه الانفصال من صدر السورة فأقول مستعينا بالله.
إن قوله سبحانه: نزل عليك الكتاب "بيان لحال الكتاب الذى هو هدى للمتقين ولما بين افتراق الأمم بحسب السابقة إلى أصناف ثلاثة، وذكر من تعنيت بني
стр. 19
إسرائيل وتوقفهم ما تقدم، أخبر تعالى هنا أنه أنزل عليهم التوراة وأنزل بعده
الإنجيل وأن كل ذلك هدى لمن وفق.
ثم أشار قوله تعالى: "إن الله لا يخفى عليه شىء" (آل عمران: ٥) إلى
ما تقدم من تفصيل أخبارهم، فكان الكلام في قوة أن لو قيل أتخفى عليه
مرتكبات العباد وهو مصورهم في الأرحام والمطلع عليهم حيث لا يطلع عليهم غيره.
ثم لما بلغ الكلام هنا، كأن قد قيل فكيف طرأ عليهم مع وجود الكتاب
فأخبر تعالى بشأن الكتاب، وأنه محكم ومتشابه وكذا غيره من الكتب والله
أعلم..
стр. 20
فحال أهل التوفيق تحكيم المحكم، وحال أهل الزيغ المتشابه والتعلق به، وهذا بيان قوله: "يضل به كثيرا ويهدى به كثيرا (البقرة: ٢٦) وكل هذا بيان لكون الكتاب العزيز أعظم فرقا وأوضح بيانا، إذ قد أوضح أحوال المختلفين، ومن أين أتي عليهم مع وجود الكتب، وفي أثناء ذلك تنبيه العباد على عجزهم، وعدم استبدادهم لئلا يغتر الغافل فيقول مع هذا البيان ووضوح الأمر لا طريق إلى تنكب الصراط، فنهوا حين علموا الدعاء من قوله "وإياك نستعين ".
ثم كرر تنبيههم لشدة الحاجة ليذكر هذا أبداً ففيه معظم البيان، ومنه ينشأ
الشرك الأكبر، إذ اعتقاد الاستبداد بالأفعال إخراج لنصف الموجودات عن يد بارئها "والله خلقكم وما تعملون " (الصافات: ٩٦) ، فمن التنبيه "إن الذين كفروا" (البقرة: ٦) ومنه "يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا" (البقرة: ٢٦) ومنه "آمن الرسول" إلى خاتمتها) .
هذا من جلى التنبيه ومحكمه، ومما يرجع إليه ويحرز معناه بعد اعتباره
(وإلهكم إله واحد) وقوله: "الله لا إله إلا هو الحي القيوم "
(البقرة: ٢٥٥) ، فمن رأى الفعل أو بعضه لغيره تعالى حقيقة فقد قال بإلهية
غيره، ثم حذروا أشد التحذير لما بين لهم فقال تعالى: "إن الذين كفروا بآيات
الله لهم عذاب شديد. (آل عمران: ٤) ثم ارتبطت الآيات إلى آخرها.
سورة النساء
لما تضمنت سورة البقرة ابتداء الخلق وإيجاد آدم ﵇ من غير أب
ولا أم، وأعقبت بسورة آل عمران لتضمنها - مع ما ذكر في صدرها أمر عيسى عليه السلام
стр. 21
وأنه كمثل آدم في (عدم) الافتقار إلى أب، وعلم الموقنون من ذلك أنه
تعالى لو شاء لكانت سنة فيمن بعد آدم ﵇، (فكان سائر الحيوان لا
يتوقف على أبوين، أو كان يكون) عيسى ﵇ لا يتوقف إلا على أم
فقط، أعلم سبحانه أن من عدا المذكورين ﵈ من ذرية آدم سبيلهم سبيل الأبوين فقال تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً".
ثم أعلم تعالى بكيفية النكاح المجعول سببا في التناسل وما يتعلق به،
وبين حكم الأرحام والمواريث، وتضمنت السورة ابتداء الأمر وانهاءه فاعلمنا
بكيفية الناكح، وصورة الاعتصام واحترام بعضنا لبعض كيفية تناول الإصلاح فيما بين الزوجين عند التشاجر والشقاق، وبين لنا ما ينكح وما لا ينكح وما أبيح من العدد، وحكم من لم يجد الطول وما يتعلق بهذا إلى المواريث، فصل ذلك كله، إلا الطلاق لأن أحكامه قد تقدمت، ولأن بناء هذه السورة على التواصل والائتلاف ورعي حقوق ذوي الأرحام) وحفظ ذلك كله إلى حالة الموت
стр. 22
المكتوب علينا وناسب هذا المقصود (من) التواصل والألفة ما افتتحت به
السورة من قوله (تعالى) : "اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا"
بالالتئام والوصلة، ولهذا خصت حكم تشاجر الزوجين بالإعلام بصورة الإصلاح والعدل إبقاء لذلك التواصل، فلم يكن الطلاق
ليناسب هذا فلم يقع له هنا ذكر ولا إيماء "وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته " ولكثرة ما يعرض من رعى حظوظ النفوس عند الزوجية ومع القرابة
ويدق ذلك ويغمض، لذلك ما تكرر كثيرا في هذه السورة الأمر بالاتقاء،
وبه افتتحت "اتقوا ربكم " "وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ"
"وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ"
ثم حذروا من حال من صمم على الكفر، وحال اليهود والنصارى
والمنافقين وذوى التقلب في الأديان بعدًا عن اليقين، "وكل ذلك تأكيد لا
أمروا به من الاتقاء، والتحمت الآيات إِلى الختم بالكلالة من المواريث المتقدمة.
سورة المائدة
لما بين تعالى حالة أهل الصراط المستقيم ومن تنكب عن نهجهم، ومآل
الفريقين من المغضوب عليهم ولا الضالين، وبين لعباده المتقين ما فيه هداهم وبه خلاصهم أخذا وتركا، وحصل طي ذلك الأسهم الثمانية الواردة في حديث
стр. 23
حذيفة من قوله: (الإسلام ثمانية أسهم: الشهادة سهم، والصلاة سهم،
والصوم سهم، والحج سهم، والجهاد سهم، والأمر بالمعروف سهم، وقد خاب من لا سهم له) ، وقال ﷺ : بني الإسلام على خمس، وقد تحصلت وتحصل مما تقدم أيضا أن أسوأ حال المخالفين حال من غضب الله عليه ولعنه، وإن ذلك ببغيهم وعدوانهم ونقضهم العهود "فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم "
стр. 24
وكان النقض كل مخالفة، قال الله تعالى: لعباده المؤمنين: "يا أيها
الذين آمنوا أوفوا بالعقود"
لأن اليهود والنصارى إنما أتي عليهم من عدم الوفاء ونقض العهود فحذر المؤمنين.
ولهذا الغرض والله أعلم ذكر هنا العهد المشار إليه في قوله تعالى:
"وأوفوا بعهدي " (البقرة: ٤٠) فقال تعالى: " ولقد أخذ الله ميثاق بني
إسرائيل " إلى قوله: "فقد ضل سواء السبيل " (المائدة: ١٢) .
ثم بين نقضهم وبنى اللعنة وكل محنة ابتلوا بها عليه فقال: "فبما نقضهم
ميثاقهم " (آية: ١٣) وذكر تعالى عهد الآخرين فقال: "ومن الذين قالوا إنا
نصارى أخذنا ميثاقهم.... الآية (آية: ١٤) ، ثم فصل تعالى للمؤمنين أفعال
الفريقين ليتبين لهم فيما نقضوا (فيه من ادعائهم في المسيح ما ادعوا، وقولهم نحن أبناء الله وأحباؤه، وكفهم عن فتح الأرض المقدسة، وإسرافهم في القتل وغيره، وتغييرهم أحكام التوراة إلى غير ذلك مما ذكره في أحكام هذه السورة ثم بين تفاوتهمِ في البعد عن الاستجابة فقال تعالى: "لتجدن أشد الناس عداوة.... الآية (آية: ٨٢) ثم نصح عباده وبين لهم أبوابا منها دخول الامتحان، وهي سبب في كل ابتلاء فقال تعالى: "لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا" (آية: ٨٩) .
وأعقب ذلك بقوله: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ ... الآية " (آية: ٩٥) ثم قال تعالى: "جعل الله الكعبة البيت الحرام ... الآية (آية: ٩٧) فنبه على سوء العاقبة في تتبع البحث عن التعليل، وطلب الوقوف على ما لعله استأثر الله بعلمه، ومن هذا الباب أتي على بني إسرائيل في أمر البقرة وغير ذلك، وجعل هذا التنبيه إيماء، ثم أعقبه بما يفسره "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ" (آية: ١٥١) ووعظهم بحال غيرهم في
стр. 25
هذا، وأنهم سألوا فخيروا ثم امتحنوا، وقد كان التسليم أولى لهم فقال تعالى: "قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين " (آية: ١٠٢) ثم عرف عباده أنهم إذا استقاموا فلن يضرهم خذلان غيرهم "يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم " (آية: ١٠٣) فلما طلب تعالى المؤمنين بالوفاء فيما نقض فيه غيرهم وذكرهم ببعض ما وقع فيه النقض، وما أعقب ذلك فاعله، واعلمهم بثمرة التزام التسليم والامتثال أراهم جل وتعالى ثمرة الوفاء وعاقبته فقال تعالى: "وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ" إلى قوله تعالى "هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ" إلى آخر السورة (١١٦ - ١٢٠) .
فحصل من جملتها الأمر بالوفاء فيما تقدمها وحال من حاد ونقض، وعاقبة
من وفى وأنهم الصادقون، وقد أمرنا أن نكون معهم "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩) ".
سورة الأنعام
لما بين لعباده حال المتقين وهو الصراط المستقيم وأوضح تعالى ما يحذرون من جانبي الأخذ والترك، وبين حال من تنكب عنه ممن كان قد يلمحه
стр. 26
وهم اليهود والنصارى وكونهم لم يلتزموا الوفاء، وحادوا عما أنهج لهم، وانقضى أمر الفريقين ذما لحالهم وبيانا لنقضهم وتحذيرا للمتقين أن يصيبهم ما أصابهم، وختم ذلك ببيان حال الموقنين في القيامة "يوم ينفع الصادقين صدقهم ".
وقد كان انجرَّ مع ذلك ذكر مشركي العرب وصممهم عن الداعى،
وعماهم عن الآيات فكانوا أشبه بالهائم منهم بالأناسي، أعقب ذلك تعالى
بالإشارة إلى طائفة أومأت إلى النظر والاعتبار، فلم توفق لإصابة الحق، وقصرت عن الاستضاءة بأنوار الهدى وليسوا ممن يرجع إلى شريعة قد حرفت وغيرت، بل هم في صورة من هم أن يهتدى بهدى الفطرة، ويستدل بما بسط الله تعالى في المخلوقات، فلم يمعن النظر ولم يوفق فضل وهم المجوس وسائر الثنويه ممن كان قصارى أمره نسبة الفعل إلى النور والإظلام ولم يكن تقدم لهؤلاء ذكر ولا أخبار بحال فقال تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) .
فبدأ تعالى بذكر خلق السموات والأرض التي عنها أوجد
стр. 27
النور والظلمة، إذ الظلمة ظلال هذه الأجرام، والنور عن أجرام نيرة محمولة فيها (وهي الشمس) ، والقمر والنجوم، فكأن الكلام في قوة: الحمد لله الذي أوضح الأمر لمن اعتبر واستبصر فعلم أن وجود النور والظلمة متوقف بحكم السببية التي شاءها تعالى على وجود أجرام السموات والأرض وما أودع فيها، ومع بيان الأمر في ذلك
حاد عنه من عمي عن الاستبصار "ثم الذين كفروا بربهم يعدلون "
وقوله تعالى: "هو الذي خلقكم من طين " (آية: ٢) مما يزيد هذا المعنى وضوحا فإنه تعالى ذكر أصلنا والمادة التي عنها أوجدنا
ذكر للنور والظلمة ما هو كالمادة وهو
وجود السموات والأرض وأشعر لفظ "جعل " بتوقف الوجود بحسب المشيئة على ما ذكر فكأن قد قيل: أي فرق بين وجود النور والظلمة عن وجود السموات والأرض وبين وجودكم عن الطين حتى يقع امتراء فتدعى نسبة الإيجاد إلى النور والظلمة؟ وهما لم يوجدا إلا بعد مادة أو سبب،كما طرأ في إيجادكم، فالأمر في ذلك أوضح شيء ثم أنتم تمترون.
ثم مرت السورة من أولها إلى آخرها منبهة على بسط الدلالات في الموجودات
مع التنبيه على أن ذلك لا يصل إلى استثمار فائدته إلا من هيء بحسب السابقة.
فقال (إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ) (آية ٣٦) ثم قال تعالى (وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ) (آية: ٣٦) وهو والله أعلم من نمط "أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ"
أجمل هنا، ثم فسر بعد في السورة بعينها، والمراد أن من الخلق من
جعله الله سامعا مستيقظا معتبرا بأول وهلة، وقد أرى المثال من ذلك في قصة إبراهيم ﵇ في قوله "وكذلك نري إبراهيم مكوت السموات والأرض " (آية: ٧٥) فكأنه يقول لعباده المتقين تعالوا فانهجوا طريق الاعتبار ملة
стр. 28
أبيكم إبراهيم، كيف نظر ﵇ نظر السامع المتيقظ فلم يعرج في أول نظرة على ما سبب وجوده بين فيحتاج فيه إلى فرض ما فرض في الكوكب والقمر والشمس، بل نظر فيما عنده صدور النور لا في النور "فلما جن عليه الليل رأى كوكبا" (آية: ٧٦) فتأمل قوله ﵇ لم يطول النظر بالتفات النور، ثم كان يرجع إلى اعتبار الجرم الذي عنه النور، بل لما رأى النور أجرام سماوية تأمل تلك الأجرام وما قام بها من الصفات فرأى الأفول والطلوع والانتقال فقال هذا لا يليق بالربوبية لأنها صفات حدوث، ثم رقى النظر إلى القمر والشمس فرأى ذلك الحكم جاريا فيهما، فحكم بأن وراءها مدبرا لها يتنزه عن الانتقال والغيبة والأفول فقال: "إني وجهت وجهي للذى فطر السموات والأرض " (آية: ٧٩) وخص ﵇ ذكر هذين لحملهما أجرام النور وسببيتهما في وجود الظلمة، ثم تأمل هذا النظر منه ﵇، وكيف خص بالاعتبار أشرف الوجودين وأعلاهما فكان في ذلك وجهان من الحكمة.
أحدهما علو النظر ونفوذ البصيرة في اعتبار الأشرف الذي إذا بان فيه
الأمر فهو فيما سواه أبين، فجمع بين قرب التناول وعلو التهدي.
والوجه الثاني: التناسب بين حال الناظر والمنظور فيه، والتفاؤل والجرى
على الفطرة العلية، وهو من قبيل أخذ نبينا ﵇ اللبن حين عرض عليه اللبن والخمر، فاختار اللبن فقيل له اخترت الفطرة، فكان قد قيل: هذا النظر
والاعتبار بالهام لا نظر من أخلد إلى الأرض فعبد الضياء والظلام.
стр. 29
وينبغى أن يعتمد في قصة إبراهيم ﵇ في هذا الاعتبار أنه ﷺ في قوله: "هذا ربي " (آية: ٧٨) إنما قصد قطع حجة من عبد شيئا من ذلك، إذ كان دين قومه، فبسط لهم الاعتبار والدلالة، وأخذ بعرض ما قد تنزه قدره عن الميل إليه، فهو كما يقول المناظر لمن يناظره هب أن هذا على ما تقول يريد بذلك إذعان خصمه (واساتدناءه) للاعتبار حتى يكون غير (منافر له
فيسلم له ما لا يعتقده ليبنى على ذلك مقصوده لقنع خصمه وهو على يقين من أمره.
فهذا ما ينبغى أن يعتمد هنا لقول يوسف ﵇ "ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء" (يوسف: ٣٨) فالعصمة قد اكتنفتهم عما يتوهمه المبطلون ويتقوله المفترون، ويشهد لما قلناه قوله تعالى: "وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه " (آية: ٨٣) ، فهذه حال من علت درجته من الذين يسمعون، فمن الخلق من جعله الله سامعا بأول وهلة، وهذا مثال شاف في ذلك، ومنهم الميت، والموتى على ضربين منهم من يزاح ضربين عمهه، ومنهم من يبقى في ظلماته ميتا لا حراك به يبين ذلك قوله تعالى: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا) .
стр. 30
ولما كانت السورة مضمنة جهات الاعتبار ومحركة إلى النظر ومعلنة من
مجموع آياتها أن المعتبر والمتأمل وإن لم يكن متيقظا بأول وهلة، ولا سامعا أول محرك ولا مستجيباً لأول سامع قد تنقل حاله عن جموده وغفلته إلى أن يسمع ويلحق بمن كان تيقظ في أول وهلة، ناسب تحريك العباد وأمرهم بالنظر أن تقع الإشارة في صدر السورة إلى حالتين: حالة السامعين لأول وهلة، وحالة السامعين في ثاني حال فقيل: " إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ والموتى يبعثهم الله ".
ولم تقع هنا إشارة إلى القسم الثالث مع العلم به وهو الباقي على هموده وموته ممن لم يحركه زاجر ولا واعظ ولا اعتبار، وكان هذا الضرب لو ذكر هنا لكان فيه ما يُكسل من ضعفت همته ورجعت حاله ابتدائية، فقيل "والموتى يبعثهم الله " وأطلق القول ليعمل الكل على هذا البعث من الجهل والتيقظ من سنة الغفلة، كا دعي الكل إلى الله دعاء واحداً فقيل: "يا أيها الناس اعبدوا لربكم " (البقرة: ٢١)
ثم اختلفوا في إجابة الداعي بحسب السوابق هكذا ورد في هذا "والموقى ييعثهم الله "
اسماعاً للكل، وفي صورة التساوي مناسبة للدعاء لتقوم الحجة على العباد، حتى إذا انبسطت الدلائل وانشرحت الصدور لتلقيها، وتشبثت النفوس وتعلقت بحسب ما قدر، وفاز بالخير أهله قال تعالى بعد آى "أومن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نورا يمشى به في الناس " (آية: ١٢٢) وكان قد قيل لمن انتقل عن حالة الموت فرأى قدر نعمة الله عليه بإحيائه هل تشبه الآن حالك النيرة بما منحت حين اعتبرت (بحالك الجمادية فاشكر ربك، واضرع إليه في طلب الزيادة (واتعظ بحال من لزم حال موته، فلم تغن عنه الآيات وهو المشار إليه بقوله: "كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها" (آية: ١٢٢) "إنا جعلنا على قلوبهم
стр. 31
أكنة أن يفقهوه " (الكهف: ٥٧) (وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ)
(سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ) ،
وكان القسم المتقدم الذى سمع لأول وهلة لم يكن ليقع ذكره هنا من جهة قصد إراءة قدر هذه النعمة، وإنقاذ المتصف بها من حيرة شكه موقعها فيما تقدم من قوله: " إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ " (آية: ٣٦) فذكر هنا ما"هو واقع في إراءة قدر نعمة الإنقاذ والتخليص من عمى الجهل، وهذا حال من انتقل بتوفيق ربه وحال من بقي على موته، أو يكون الضربان قد شملهما قوله: "أومن كان ميتا فأحييناه ".
وأما الثاني وهو الذي تبينت فيه صورة النقل فأمره صريح من الآية
وأما الضرب الأول وهو السامع لأول وهلة المكفي المؤنة بواقي العصمة من
طوارق الجهل والشكوك فدخوله تحت مقتضى هذا اللفظ من حيث أن
وقايته تلك أو سماعه بأول وهلة ليس من جهته ولا بما هو إنسان أو مكلف،
بل بإسداء الرحمة وتقديم النعمة ولو أبقاه لنفسه ووكله إليها لم يكن كذلك،
"وما بكم من نعمة فمن الله " (النحل: ٥٣) فبهذا النظر قد تكون الآية قد
شملت الضروب الثلاثة وهو أولى.
أما سقوط الضرب الثالث من قوله: " إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ " فلما
قدم والله أعلم بما أراد.
стр. 32
ولما تضمنت هذه السورة الكريمة من بسط الاعتبار وإبداء جهات النظر ما إذا تأمله التأمل علم أن حجة الله قائمة على العباد، وأن إرساله الرسل رحمة ونعمة وفضل وإحسان، وإذا كانت الدلالات مبسوطة والموجودات شاهدة مفصحة، ودلالة النظر من سمع وإبصار وأفئدة موجودة، فكيف يتوقف عاقل في عظيم رحمته تعالى بإرسال الرسل، فتأكدت الحجة وتعاضدت البراهين.
فلما عرف الخلق بقيام الحجة عليهم بطريقي الإصغاء إلى الداعي
والاعتبار بالصنعة قال الله تعالى: "قل فلله الحجة البالغة" (آية ١٤٩) "فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ" (آية: ١٣٧) فما عذر المعتذر بعد هذا
أتريدون كشف الغطاء ورؤية الأمر عيانا، لو استبصرتم لحصل لكم ما منحتم "هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ". (الآية: ١٣٨) ، ثم ختمت السورة من التسليم والتفويض بما يجدي مع قوله: "فلو شاء لهداكم أحمعين "
(آية: ١٤٩) وحصل من السور الأربع بيان أهل الصراط المستقيم وطبقاتهم في سلوكهم وما ينبغي لهم التزامه أو تركه وبيان حال المتنكبين عن سلوكه من اليهود والنصارى وعبدة الأوثان والمجوس.
سورة الأعراف
لما قال تعالى ابتداء بالاعتبار (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٦)
стр. 33
ثم قال تعالى: (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١٠)
ثم قال تعالى: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١١)
ثم قال تعالى: (ولقد كذب رسل من قبلك فصبروا على
ما كذبوا.... الآية " (الأنعام: ٣٦) وقال تعالى: "ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء...... الآية (الأنعام: ٤٢) وقال تعالى: "يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي" فوقعت
الإحالة في هذه الآي على الاعتبار بالأمم السالفة وما كان منهم حين كذبوا أنبياءهم وهلاك تلك القرون بتكذيبهم وعتوهم وتسلية رسول الله ﷺ بجريان ما جرى له لمن تقدمه من الرسل
(قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ)
فاستدعت الإحالة والتسلية بسط أخبار الأمم السالفة وهلاك تلك القرون الماضية، والإعلام بصبر الرسل ﵈ وتلطفهم في دعائهم ولم يقع في
السور الأربع قبل سورة الأنعام مثل هذه الإحالة والتسلية، وقد تكررت في سورة الأنعام
كما تبين بعد انقضاء ما قصد من بيان طريق المتقين أخذا وتركا وحال من حاد عن سننهم ممن رامه أو قصده فلم يوفق له، ولا تم له أمل من الفريقين المستندين للسمع والمعتمدين للنظر، فحاد الأولون بطارىء التغيير والتبديل وتنكب الآخرون سوء التأويل وقصور الأفهام، وعلة حيد الفريقين السابقة الأزلية.
стр. 34
فلما انقضى أمر هؤلاء وصرف الخطاب إلى تسليته ﵇ وتثبيت
فؤاده بذكر أحوال الأنبياء مع أممهم، وأمر الخلق بالاعتبار بالأمم السالفة، وقد كان قدم لرسوله ﵇ عند ذكر الأنبياء (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ)
بسط تعالى حال من وقعت الإحالة عليه واستوفى الكثير من
قصصهم إلى آخر سورة هود وإلى قوله سبحانه "وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك ".
فتأمل بما افتتحت السور المقصود بها قصص الأمم وبما اختتمت يلوح لك ما
أشرت إليه والله أعلم بمراده، وتأمل افتتاح سورة الأعراف بقوله "فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين " وختم القصص فيها بقوله: "فاقصص القصص
لعلهم يتفكرون " (الأعراف: ١٧٦) بعد تعقيب قصص بني إسرائيل بقصة
بلعام "واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها ... الآية " (الأعراف: ١٧٣)
ثم قال: "ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا" (الأعراف: ١٧٦) .
стр. 35
وتأمل هذا الإيماء بعد ذكر القصص كيف الحق من كذب رسول الله
ﷺ من العرب وغيرهم (ممن) قص ذكره من المكذبين، وتأمل افتتاح ذكر الأشقياء بقصة إبليس وختمها بقصة بلعام وكلاهما ممن كفر على علم، وفي ذلك أعظم موعظة، قال الله تعالى إثر ذلك "من يهد الله فهو المهتدى ... الآية " فبدأ الاستجابة لنبيه بذكر ما أنعم به عليه وعلى من استجاب له فقال تعالى: "المص كتاب أنزل إليك " فأشار إلى نعمته بإنزال
الكتاب الذي جعله هدى للمتقين، وأشار هنا إلى ما يحمله على التسلية وشرح الصدور بما حوى من العجائب والقصص مع كونه هدى ونورا فقال "فلا يكن في صدرك حرج منه " أي أنه قد تضمن مما احلناك عليه ما يرفع الحرج ويسلي النفوس لتنذر به كما أنذر من قبلك ممن نقص خبره من الرسل ولتستن في إنذارك ودعائك وصبرك بسنتهم وليتذكر المؤمنون.
ثم أمر عباده بالاتباع لما أنزله فقال: "اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم "
فإن هلاك من نقص عليكم خبره من الأمم إنما كان لعدم الاتباع
والركون إلى أوليائهم من شياطين الجن والإنس، ثم أتبع تعالى ذلك بقصة
آدم ﵇ ليتبين لعباده ما جرت به سنته فيهم من تسلط الشيطان
وكيده وأنه عدو لهم (يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ)
ووقع في قصة آدم هنا ما لم يقع في قصة البقرة من بسط ما أجمل
هناك، كتصريح اللعين بالحسد، وتصور خيريته بخلقه من النار وطلبه
стр. 36
الإنظار والتسلط على ذرية آدم والإذن له في ذلك ووعيده ووعيد متبعيه، ثم أخذه في الوسوسة إلى آدم ﵇، وحلفه له (وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١)
وكل هذا مما أجمل في صورة البقرة، ولم تتكرر قصة إلا وهذا شأنها
أعنى أنها تفيد مهما تكررت ما لم يكن حصل منها أولا، ثم انجرت الآي إلى
ابتداء قصة (نوح ﵇ واستمرت القصص إلى قصص بني إسرائيل،
فبسط هنا من حالهم وأخبارهم شبيه ما بسط في قصة آدم وما جرى من محنة
إبليس، وفصل هنا الكثير، وذكر ما لم يذكر في سورة البقرة حتى لم يتكرر
بالحقيقة ولا التعرض لقصص طائفة معينة فقط.
ومن عجيب الحكمة أن الواقع في السورتين من كلا القصتين مستقل
شاف وإذا ضم بعض ذلك إلى بعض ارتفع إجماله، ووضح كماله، فتبارك مَن هذا كلامه، ومن جعله حجة قاطعة وآية باهرة.
ولما أعقب تعالى قصصهم في البقرة بأمره نبيه والمومنين بالعفو والصفح
فقال تعالى: "فاعفوا واصفحوا" (آية: ١٥٩) أعقبه تعالى أيضا هنا بقوله
لنبيه ﵊ (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)
وقد خرجنا عن المقصود فلنرجع إليه.
سورة الأنفال .
لما قص سبحانه على نبيه ﵇ في سورة الأعراف أخبار الأمم وقطع
المومنين من مجموع ذلك بأنه لا يكون الهدى إلا بسابقة السعادة لافتتاح السورة
стр. 37
من ذكر الأشقياء بقصة إبليس وختمها بقصة بلعام، وكلاهما كفر على علم، ولم ينفعه ما قد كان حصل عليه، ونبه تعالى عباده على الباب الذي أتي منه على بلعام بقوله سبحانه "ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه " (الأعراف: ١٧٦) فأشار سبحانه إلى أن اتباع الأهواء أصل كل ضلال، نبهوا على ما فيه الحزم من ترك الأهواء جلة فقال تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ)
فكأن قد قيل لهم اتركوا ما ترون أنه حق واجب لكم وفوضوا في
أمره لله وللرسول فذلك أسلم وأحزم في ردع أغراضكم وقمع شهواتكم، وترك أهوائكم، وقد أُلف في هذه الشريعة السمحة البيضاء حسم الذرائع كثيرا، وإقامة مظنة الشيء مقامه كتحريم الجرعة من الخمر، والنظرة، والخطبة في العدة، واعتداد النوم الثقيل ناقضا، فهذه مظان يقع الحكم فيها على ما هو لا نفسها، ولا بما هي كذا، بل بما هي مظان وروادع لا منع لعينه، أو استوجب حكما ما لعينه وعلته الخاصة به.
ولما أُمر المسلمون بحل أيديهم عن الأنفال يوم بدر، إذ كان المقاتِلة قد هموا
بأخذها، وحدثوا أنفسهم بالانفراد بها، ورأوا أنها من حقهم، وأن من لم يباشر قتالا من الشيوخ، ومن انحاز فئة لهم فلا حق له فيها، ورأى الآخرون أيضا أن حقهم فيها ثابت لأنهم كانوا فئة للمقاتلين، وعدة وملجأ وراء ظهورهم، كان ما أمرهم الله به من تسليم الحكم في ذلك إلى الله ورسوله من باب حسم الذرائع،
لأن تمشية أغراضهم في ذلك - وإن تعلق كل من الفريقين بحجة - مظنة لرياسة النفوس، واستسهال اتباع الأهواء، فأمرهم الله بالتنزه عن ذلك والتفويض فيه لله ولرسوله فإن ذلك أسلم لهم وأوفى لدينهم وأبقى في إصلاح ذات البين
وأجدى في الاتباع بقوله "فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم.... الآية
стр. 38
ثم ذكروا بما ينبغي لهم أن يلتزموا فقال تعالى: "إنما المؤمنون" إلى قوله: "زادتهم إيمانا"، ثم نبهوا على أن أعراض الدنيا من نفل أو غيره
لا ينبغى للمؤمن أن يعتمد عليه اعتمادا يدخل عليه ضررا من الشرك أو التفاتا إلى غير الله سبحانه بقوله: "وعلى ربهم يتوكلون " (آية: ٢) ثم ذكروا بما وصف به المتقين من الصلاة والإنفاق، ثم قال: "أولئك هم المؤمنون حقا" تنبيها على أن من قصر عن هذه الأحوال ولم يأت بها على كمالها لم يخرج عن الإيمان، ولكن ينزل عن درجة الكمال بحسب تقصيره، وكاأن هذا إشعارا بعذرهم في كلامهم في الأنفال، وأنهم قد كانوا في مطلبهم على حالة من الصواب، وشِرب من التمسك والاتباع لكن أعلى الدرجات ما بيِّن لهم ومُنحوه، وأنه الكمال والفوز.
ثم نبههم سبحانه بكيفية أمرهم في الخروج إلى بدر، وودهم أن غير ذات
الشوكة تكون لهم، وهو سبحانه يريهم. حسن العاقبة فيما اختار لهم فقد
كانوا تمنوا لقاء العير واختاروا ذلك على لقاء العدو ولم يعلموا ما وراء -: (وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (٧)
إلى ما قصه تعالى عليهم من اكتنافهم برحمته وشمول ألطافه وآلائه وبسط نفوسهم، ونبههم على ما يثَبت يقينهم ويزيد في إيمانهم.
ثم اعلم أن الخير كله في التقوى فقال: "يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله
يجعل لكم فرقانا"، وهذا الفرقان هو الذى حرفه إبليس وبلعام فكان
منهما ما تقدم من اتباع الأهواء القاطعة لهم عن الرحمة، وقد تضمنت حصول الدنيا والآخرة بنعمة الاتقاء، ثم أجمل الخيران معا في قوله: "والله ذو الفضل العظيم ".
والفضل العظيم بعد تفضيل ما إليه إسراع المؤمن من الفرقان
والتكفير والغفران، ولم يقع التصريح بخير الدنيا الخاص بها مع اقتضاء الآية إياه
стр. 39
تنزيها للمؤمن - في مقام إعطاء الفرقان وتكفير السيئات والغفران - عن ذكر متاع الدنيا التي هي لهو ولعب، فلم يكن ذكر متاعها الفاني ليذكر مفصلا مع ما لا يجانسه ولا يشاكله، "وإن الدار الآخرة لهي الحيوان "، ثم
التحمت الآى.
ووجه آخر وهو أنه سبحانه لما قال: "وإذا قرىء القرآن فاستمعوا
له " (الأعراف: ٢٠٤) بين لهم كيفية هذا الاستماع وما الذى يتصف به المؤمن من ضروبه فقال: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا)
فهؤلاء لم يسمعوا بآذانهم فقط ولا كانت لهم آذان لا يسمعون بها، ولا قلوب لا يفقهون بها ولو كانت كذا لما وجلت وعمهم الفزع والخشية، وزادتهم الآيات إيماناً، فإذاً إنما يكون سماع المومن هكذا، (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٢١) .
ولما كان هؤلا إنما أتي عليهم من اتباع أهوائهم والوقوف مع أغراضهم
وشهواتهم يأخذون عرض هذا الأدنى "ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه "
وهذه بعينها كانت آفة إبليس فإنه رأى لنفسه مزية
واعتقد لها الحق ثم أتبع هذا الهوى حين قال: (لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٣٣)
فلما كان اتباع الأهواء أصلا في الضلال وتنكب الصراط المستقيم، أُمر المؤمنون بحسم باب الأهواء والتسليم فيما لهم به تعلق وإن لم يكن هوى مجردا. لكنه مظنة تيسير اتباع الهوى، فافتتحت السورة بسؤالهم عن الأنفال، وأخبروا أنها لله ورسوله، يحكم فيها بما شاء،
فاتقوا الله واحذروا الأهواء التي أهلكت من قص عليكم ذكره، وأصلحوا ذات بينكم برفع التنازع، وسلموا لله ولرسوله، وإلا لم تكونوا سامعين، وقد أمرتم أن
стр. 40
تسمعوا السماع الذي عنه ترجى الرحمة، وبيانه في قوله تعالى: "إنما المؤمنون ".
ووجه آخر، وهو أن قصص بني إسرائيل عقّب بوصاة المؤمنين خصوصا
بالتقوى، وعلى حسب ما يكون الغالب فيما يذكر من أمر بنى إسرائيل، ففي البقرة أتبع قصصهم بقوله: "يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا"
ولما كان قصصهم مفتتحا بذكر تفضيلهم (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧)
افتتح خطاب هذه الأمةِ بما يشعر بتفضيلهم، وتأمل ما بين "يا بني إسرائيل " و"يا أيها الذين آمنوا"، وأمَر أولئك بالإيمان "وآمنوا بما أنزلت "
وًأمر هؤلاء بتعبد احتياطي فقيل: "وقولوا انظرنا واسمعوا".
ثم أعقبت البقرة بآل عمران: وافتتحت ببيان المحكم والمتشابه الذى من
جهته أتي على بني إسرائيل في كثير من مرتكباتهم.
ولما ضمنت سورة آل عمران من ذكرهم ما ورد فيما أعقب بقوله تعالى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠)
ثم أعقبت السورة بقوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ)
وعدل عن الخطاب باسم الإيمان للمناسبة، وذلك أن
سورة آل عمران خصت من مرتكبات بني إسرائيل بجرائم كقولهم في الكفار "هؤلاء اهدى من الذين آمنوا سبيلا"،
فهذا بهت، ومنها قولهم: "إن الله فقير ونحن أغنياء" إلى ما تخلل هاتين من الآيات المنبئة عن
следующие страницы →