Полный текст (207 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
الإنظار والتسلط على ذرية آدم والإذن له في ذلك ووعيده ووعيد متبعيه، ثم أخذه في الوسوسة إلى آدم ﵇، وحلفه له (وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١)
وكل هذا مما أجمل في صورة البقرة، ولم تتكرر قصة إلا وهذا شأنها
أعنى أنها تفيد مهما تكررت ما لم يكن حصل منها أولا، ثم انجرت الآي إلى
ابتداء قصة (نوح ﵇ واستمرت القصص إلى قصص بني إسرائيل،
فبسط هنا من حالهم وأخبارهم شبيه ما بسط في قصة آدم وما جرى من محنة
إبليس، وفصل هنا الكثير، وذكر ما لم يذكر في سورة البقرة حتى لم يتكرر
بالحقيقة ولا التعرض لقصص طائفة معينة فقط.
ومن عجيب الحكمة أن الواقع في السورتين من كلا القصتين مستقل
شاف وإذا ضم بعض ذلك إلى بعض ارتفع إجماله، ووضح كماله، فتبارك مَن هذا كلامه، ومن جعله حجة قاطعة وآية باهرة.
ولما أعقب تعالى قصصهم في البقرة بأمره نبيه والمومنين بالعفو والصفح
فقال تعالى: "فاعفوا واصفحوا" (آية: ١٥٩) أعقبه تعالى أيضا هنا بقوله
لنبيه ﵊ (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)
وقد خرجنا عن المقصود فلنرجع إليه.
سورة الأنفال .
لما قص سبحانه على نبيه ﵇ في سورة الأعراف أخبار الأمم وقطع
المومنين من مجموع ذلك بأنه لا يكون الهدى إلا بسابقة السعادة لافتتاح السورة
стр. 37
من ذكر الأشقياء بقصة إبليس وختمها بقصة بلعام، وكلاهما كفر على علم، ولم ينفعه ما قد كان حصل عليه، ونبه تعالى عباده على الباب الذي أتي منه على بلعام بقوله سبحانه "ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه " (الأعراف: ١٧٦) فأشار سبحانه إلى أن اتباع الأهواء أصل كل ضلال، نبهوا على ما فيه الحزم من ترك الأهواء جلة فقال تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ)
فكأن قد قيل لهم اتركوا ما ترون أنه حق واجب لكم وفوضوا في
أمره لله وللرسول فذلك أسلم وأحزم في ردع أغراضكم وقمع شهواتكم، وترك أهوائكم، وقد أُلف في هذه الشريعة السمحة البيضاء حسم الذرائع كثيرا، وإقامة مظنة الشيء مقامه كتحريم الجرعة من الخمر، والنظرة، والخطبة في العدة، واعتداد النوم الثقيل ناقضا، فهذه مظان يقع الحكم فيها على ما هو لا نفسها، ولا بما هي كذا، بل بما هي مظان وروادع لا منع لعينه، أو استوجب حكما ما لعينه وعلته الخاصة به.
ولما أُمر المسلمون بحل أيديهم عن الأنفال يوم بدر، إذ كان المقاتِلة قد هموا
بأخذها، وحدثوا أنفسهم بالانفراد بها، ورأوا أنها من حقهم، وأن من لم يباشر قتالا من الشيوخ، ومن انحاز فئة لهم فلا حق له فيها، ورأى الآخرون أيضا أن حقهم فيها ثابت لأنهم كانوا فئة للمقاتلين، وعدة وملجأ وراء ظهورهم، كان ما أمرهم الله به من تسليم الحكم في ذلك إلى الله ورسوله من باب حسم الذرائع،
لأن تمشية أغراضهم في ذلك - وإن تعلق كل من الفريقين بحجة - مظنة لرياسة النفوس، واستسهال اتباع الأهواء، فأمرهم الله بالتنزه عن ذلك والتفويض فيه لله ولرسوله فإن ذلك أسلم لهم وأوفى لدينهم وأبقى في إصلاح ذات البين
وأجدى في الاتباع بقوله "فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم.... الآية
стр. 38
ثم ذكروا بما ينبغي لهم أن يلتزموا فقال تعالى: "إنما المؤمنون" إلى قوله: "زادتهم إيمانا"، ثم نبهوا على أن أعراض الدنيا من نفل أو غيره
لا ينبغى للمؤمن أن يعتمد عليه اعتمادا يدخل عليه ضررا من الشرك أو التفاتا إلى غير الله سبحانه بقوله: "وعلى ربهم يتوكلون " (آية: ٢) ثم ذكروا بما وصف به المتقين من الصلاة والإنفاق، ثم قال: "أولئك هم المؤمنون حقا" تنبيها على أن من قصر عن هذه الأحوال ولم يأت بها على كمالها لم يخرج عن الإيمان، ولكن ينزل عن درجة الكمال بحسب تقصيره، وكاأن هذا إشعارا بعذرهم في كلامهم في الأنفال، وأنهم قد كانوا في مطلبهم على حالة من الصواب، وشِرب من التمسك والاتباع لكن أعلى الدرجات ما بيِّن لهم ومُنحوه، وأنه الكمال والفوز.
ثم نبههم سبحانه بكيفية أمرهم في الخروج إلى بدر، وودهم أن غير ذات
الشوكة تكون لهم، وهو سبحانه يريهم. حسن العاقبة فيما اختار لهم فقد
كانوا تمنوا لقاء العير واختاروا ذلك على لقاء العدو ولم يعلموا ما وراء -: (وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (٧)
إلى ما قصه تعالى عليهم من اكتنافهم برحمته وشمول ألطافه وآلائه وبسط نفوسهم، ونبههم على ما يثَبت يقينهم ويزيد في إيمانهم.
ثم اعلم أن الخير كله في التقوى فقال: "يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله
يجعل لكم فرقانا"، وهذا الفرقان هو الذى حرفه إبليس وبلعام فكان
منهما ما تقدم من اتباع الأهواء القاطعة لهم عن الرحمة، وقد تضمنت حصول الدنيا والآخرة بنعمة الاتقاء، ثم أجمل الخيران معا في قوله: "والله ذو الفضل العظيم ".
والفضل العظيم بعد تفضيل ما إليه إسراع المؤمن من الفرقان
والتكفير والغفران، ولم يقع التصريح بخير الدنيا الخاص بها مع اقتضاء الآية إياه
стр. 39
تنزيها للمؤمن - في مقام إعطاء الفرقان وتكفير السيئات والغفران - عن ذكر متاع الدنيا التي هي لهو ولعب، فلم يكن ذكر متاعها الفاني ليذكر مفصلا مع ما لا يجانسه ولا يشاكله، "وإن الدار الآخرة لهي الحيوان "، ثم
التحمت الآى.
ووجه آخر وهو أنه سبحانه لما قال: "وإذا قرىء القرآن فاستمعوا
له " (الأعراف: ٢٠٤) بين لهم كيفية هذا الاستماع وما الذى يتصف به المؤمن من ضروبه فقال: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا)
فهؤلاء لم يسمعوا بآذانهم فقط ولا كانت لهم آذان لا يسمعون بها، ولا قلوب لا يفقهون بها ولو كانت كذا لما وجلت وعمهم الفزع والخشية، وزادتهم الآيات إيماناً، فإذاً إنما يكون سماع المومن هكذا، (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٢١) .
ولما كان هؤلا إنما أتي عليهم من اتباع أهوائهم والوقوف مع أغراضهم
وشهواتهم يأخذون عرض هذا الأدنى "ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه "
وهذه بعينها كانت آفة إبليس فإنه رأى لنفسه مزية
واعتقد لها الحق ثم أتبع هذا الهوى حين قال: (لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٣٣)
فلما كان اتباع الأهواء أصلا في الضلال وتنكب الصراط المستقيم، أُمر المؤمنون بحسم باب الأهواء والتسليم فيما لهم به تعلق وإن لم يكن هوى مجردا. لكنه مظنة تيسير اتباع الهوى، فافتتحت السورة بسؤالهم عن الأنفال، وأخبروا أنها لله ورسوله، يحكم فيها بما شاء،
فاتقوا الله واحذروا الأهواء التي أهلكت من قص عليكم ذكره، وأصلحوا ذات بينكم برفع التنازع، وسلموا لله ولرسوله، وإلا لم تكونوا سامعين، وقد أمرتم أن
стр. 40
تسمعوا السماع الذي عنه ترجى الرحمة، وبيانه في قوله تعالى: "إنما المؤمنون ".
ووجه آخر، وهو أن قصص بني إسرائيل عقّب بوصاة المؤمنين خصوصا
بالتقوى، وعلى حسب ما يكون الغالب فيما يذكر من أمر بنى إسرائيل، ففي البقرة أتبع قصصهم بقوله: "يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا"
ولما كان قصصهم مفتتحا بذكر تفضيلهم (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧)
افتتح خطاب هذه الأمةِ بما يشعر بتفضيلهم، وتأمل ما بين "يا بني إسرائيل " و"يا أيها الذين آمنوا"، وأمَر أولئك بالإيمان "وآمنوا بما أنزلت "
وًأمر هؤلاء بتعبد احتياطي فقيل: "وقولوا انظرنا واسمعوا".
ثم أعقبت البقرة بآل عمران: وافتتحت ببيان المحكم والمتشابه الذى من
جهته أتي على بني إسرائيل في كثير من مرتكباتهم.
ولما ضمنت سورة آل عمران من ذكرهم ما ورد فيما أعقب بقوله تعالى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠)
ثم أعقبت السورة بقوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ)
وعدل عن الخطاب باسم الإيمان للمناسبة، وذلك أن
سورة آل عمران خصت من مرتكبات بني إسرائيل بجرائم كقولهم في الكفار "هؤلاء اهدى من الذين آمنوا سبيلا"،
فهذا بهت، ومنها قولهم: "إن الله فقير ونحن أغنياء" إلى ما تخلل هاتين من الآيات المنبئة عن
стр. 41
تعمدهم الجرائم، فعدل عن "يا أيها الذين آمنوا" إلى "يا أيها الناس " ليكون أوقع في الترتيب وأخوف وأوضح مناسبة لما ذكر.
ولما ضمنت سورة النساء قوله تعالى: "فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم
طيبات أحلت لهم " إلى قوله: "وأكلهم أموال الناس بالباطل "، أتبعت بقوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود"
ثم ذكر لهم ما أحل لهم وحرم عليهم ليحذروا مما وقع فيه أولئك، فعلى هذا لما ضمنت سورة الأعراف من قصصهم جملة وبين فيها اعتداءهم وبناه على اتباع الأهواء والهجوم على الأعراض طلب هؤلاء باتقاء ذلك والبعد عما يشبهه جملة، فقيل في آخر السورة (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا) .
ثم افتتحت السورة الأخرى بصرفهم عما لهم به تعلق وإليه تسبب يقيم
عذرهم شرعا فيما كان منهم، فكأن قد قيل لهم ترك هذا أسلم وأبعد عن اتباع الأهواء فسلموا في ذلك الحكم لله ورسوله، واتقوا الله، ثم تناسج السياق والتحمت الآى وقد تبين وجه اتصال الأنفال بالأعراف من وجوه والحمد لله.
سورة براءة
اتصالها بالأنفال أوضح من أن يتكلف توجيهه، حتى أن شدة المشابهة
والالتئام - مع أن الشارع ﵇ لم يكن بَيَّنَ انفصالهما - أوْجَبَ أن لا
يفصل بينهما ببسم الله الرحمن الرحيم، وذلك أن الأنفال قد تضمنت الأمر بالقتال
стр. 42
(وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة) وبين أحكام الفرار من الزحف وحكم
النسبة المطلوبة فيها بالثبوت ولحوق التأثيم للفار، وأنها على الضعف، وحكم الأسرى، وحكم ولاية المؤمنين ومن يدخل تحت هذه الولاية، ومن يخرج عنها، ثم ذكر في السورة الأخرى من عهد إليه من المشركين، والبراءة منهم إذا لم يوفوا، وحكم من استجار منهم إلى ما يتعلق بهذا وكله باب واحد، وأحكام متواردة على قضية واحدة وهو تحرير حكم
المخالف، فالتحمت السورتان أعظم التحام ثم عاد الكلام إلى حكم المنافقين وهتك أسرارهم.
سورة يونس ﵇
لما تضمنت سورة براءة قوله تعالى: "إلاتنصروه فقد نصره الله "
وقوله: "عفا الله عنك لم أذنت لهم " وقوله: (وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦١) "
стр. 43
وقوله (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ)
إلى آخر السورة، إلى ما تخلل أثناء آى هذه السورة الكريمة
مما شهد لرسول الله ﷺ بتخصيصه بمزايا السبق والقرب والاختصاص والملاطفة في الخطاب، ووصفه بالرأفة والرحمة، هذا مع ما انطوت عليه هي والأنفال من قهره أعداءه وتأييده ونصره عليهم وظهور دينه، وعلو دعوته وإعلاء لكلمته إلى غير هذا
من نعم الله سبحانه عليه، كان ذلك كله مظنة لتعجب المرتاب وتوقف الشاك، ومثيرا لتحرك ساكن الحسد من العدو العظيم، ما مُنحه ﵇ قال تعالى في هذه السورة: "أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ (٢)
ثم قال تعالى: "إن ربكم الله " الآيات وما بعدها
فبين انفراده تعالى بالربوبية والخلق والاختراع والتدبير، فكيف تعترض أفعاله أو يطلع البشر على وجه الحكمة في كل ما يفعله ويبديه، وإذا كان الكل ملكه وخلقه فيفعل في ملكه ما يشاء ويحكم في خلقه بما يريد "ذلكم الله ربكم فاعبدوه " "ما خلق الله ذلك إلا بالحق " ثم توعد سبحانه الغافلين عن التفكير في عظيم آياته حتى أدتهم الغفلة إلى مرتكب سلفهم في العجب والإنكار حتى قالوا "مال هذا الرسول يأكل الطعام يمشى في الأسواق " "وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا"
وهذه مقالات الأمم المتقدمة
"قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا"، "ما نراك إلا بشرا مثلنا"
стр. 44
(فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا)
"مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ"
فقال تعالى متوعداً للغافلين: "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ.. الآيات " وكل هذا بين الالتحام جليل الالتئام ثم تناسجت آى السورة.
سورة هود ﵇
لما كانت سورة يونس ﵇ قد تضمنت من آي التنبيه
والتحريك للنظر، ومن العظات والتخويف والتهديد والترهيبب والترغيب وتقريع المشركين والجاحدين والقطع بهم والإعلام بالجريان على حكم السوابق ووجوب التفويض والتسليم ما لم تشتمل على مثله سورة لتكرر هذه الأغراض فيها، وسبب
стр. 45
تكرر ذلك فيها والله أعلم، أنها أعقبت بها السبع الطوال، وقد مر التنبيه
على أن سورة الأنعام بها وقع استيفاء بيان حال المتنكبين عن الصراط المستقيم على اختلاف أحوالهم، ثم استوفت سورة الأنعام ما وقعت الإحالة عليه من أحوال الأمم السالفة كا تقدم، وبسطت ما أجمل من أمرهم، ثم أتبع ذلك بخطاب المستجيبين لرسول الله ﷺ ، وحذروا وأنذروا كشف عن حال من تلبس بهم من عدوهم من
المنافقين، وتم المقصود من هذا في سورة (الأنفال وبراءة) ثم عاد الخطاب إلى
طريقة الدعاء إلى الله والتحذير من عذابه بعد بسط ما تقدم، فكان مظنة لتأكيد التخويف والترهيب لإتيان ذلك بعد بسط حال وإيضاح أدلة، فلهذا كانت سورة يونس ﵇ مضمنة من هذا ما لم يضمن غيرها، ألا ترى افتتاحها بقوله "إن ربكم الله ... الآيات، ومناسبة هذا الافتتاح دعاء الخلق إلى الله في سورة البقرة بقوله تعالى: "يا أيها الناس اعبدوا ربكم" (آية: ٢١) ، ثم قد نبهوا هنا كما نبهوا هناك فقال تعالى: "أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ"
ثم تأكدت المواعظ والزواجر والإشارات إلى أحوال المكذبين والمعاندين فمن
التنبيه "إن ربكم الله " إن في اختلاف الليل والنهار" "قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ" "قل انظروا ماذا في السماوات والأرض "
إلى غير هذا.
وعلى هذا السنن تكررت العظات والأغراض المشار إليها في هذه السورة إلى
قوله تعالى: "قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ"
فحصل من سورة الأعراف والأنفال وبراءة ويونس تفصيل ما كان أجمل فيما تقدمها، كما حصل مما تقدم تفصيل أحوال السالكين والمتنكبين، فلما تقرر هذا كله، أتبع المجموع بقوله: " كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ "
стр. 46
وتأمل مناسبة الإتيان بهذين الاسمين الكريمين وهما: الحكيم، الخبير، ثم
تأمل تلاؤم صدر السورة لقوله: "قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ"
وقد كان تقدم قوله تعالى: "قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ"
فأتبع قوله تعالى: "قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ" بقوله في صدر سورة هود كتاب أحكمت آياته ثم فصلت "
فكأنه في معرض بيان الحق والموعظة، وإذا كانت محكمة مفصلة فحق لها أن تكون شفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين، وحق توبيخهم في قوله تعالى: "بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ".
والعجب في عمههم مع أحكامه وتفصيله، ولكن. (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) .
وتأمل قوله سبحانه آخر هذه السورة (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠)
فكل الكتاب حق وموعظة وذكرى، وإنما الإشارة والله أعلم بما أراد إلى ما تقرر الإيماء إليه من كمال بيان الصراط المستقيم، وملتزمات متبعيه أخذا وتركا، وذكر أحوال المتنكبين على شتى طرقهم واختلاف أهوائهم وغاياتهم وشرّهم إبليس فإنه متبعهم والقائل لجميعهم في أخبار الله تعالى سبحانه: "إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ"
وقد نسط من أمره وقصته في البقرة والأعراف ما يسر على المؤمنين الحذر منه وعرفهم به، وذُكِرَ اليهود والنصارى والمشركون والصابئون والمنافقون وغيرهم، وفصل مرتكب كل فريق منهم، كما استوعب ذكر أهل الصراط المستقيم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين، وفصل من أحوالهم ابتداء وانتهاء والتزاما وتركاً ما أوضح طريقهم وعين حزبهم
وفريقهم، "أولئك الذين هدى الله"
وذكر أحوال الأمم مع
стр. 47
أنبيائهم وأخذ كل من الأمم بذنبه مفصلا، وذكر ابتداء الخلق في قصة آدم ﵇، وحال الملائكة في التسليم والإذعان، وذكر فريقا الجن من مؤمن وكافر، وأمر الآخرة وانتهاء حال الخلائق واستقرارهم الأخروي، وتكرر دعاء الخلق إلى الله تعالى طمعا فيه ورحمة، وإعلام الخلق بما هو عليه سبحانه، وما يجب له من الصفات العلا، والأسماء الحسنى، ونبه العباد على الاعتبار وعلموا طرق الاستدلال ورغبوا ورهبوا وأنذروا وأعلموا بافتقار المخلوقات بجملتها إليه سبحانه كما هو المنفرد بخلقهم إلى ما تخلل ذلك مما يعجز الخلائق عن حصره والإحاطة به، والله يقول الحق.
فلما تقدم هذا كله في السبع الطوال وما تلاها، أعقب ذلك بقوله:
" كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ"
ثم أتبع هذا بالايماء إلى فصول ثلاثة عليها مدار آى الكتاب، وهي فصل الإلهية وفصل الرسالة وفصل التكاليف.
أما الأول فأشار إليه قوله: "أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ"
وأما فصل الرسالة فأشار إليه سبحانه: "إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ"
وأما فصل التكاليف فأشار إليه قوله سبحانه: "وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ"
وهذه الفصول الثلاثة هي التي تدور عليها آى القران، وعليها مدار السورة الكريمة.
فلما حصل استيفاء ذلك كله فيما تقدم ولم يبق وجه شبهة للمعاند
ولا تعلق للجاحد، واتضح الحق وبان، قال : "وجاءك في هذه الحق "
إشارة إلى كمال المقصود، وبيان المطلوب واستيفاء التعريف
بوضوح الطريق، وقد وضح من هذا تلاؤم هذه السورة الكريمة لما تقدمها، ومما
стр. 48
يشهد لهذا والله أعلم قوله تعالى: "أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ"
وقوله تعالى: "فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا"
فقد وضح طريقك وفاز بالفلاح حزبك وفريقك "ولا تركنوا إلى الذين
ظلموا"
فقد عرفتم سبيلهم ومصيرهم فقد بان طريق الحق.
كيف تنكب من حُرم سلوكَه من الخلق. ونظير قوله سبحانه: "وجاءك في
هذه الحق " عقب ما ذكر سبحانه "لمن الملك اليوم"
وقوله تعالى: "يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ"
فتأمل ذلك والله المستعان.
سورة يوسف ﵇
هذه السورة من جملة ما قص عليه ﵇ من أنباء الرسل وأخبار من
تقدمه مما فيه التثبيت الممنوح في قوله تعالى: "وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك "، ومما وقعت الإحالة عليه في سورة الأنعام كما
стр. 49
تقدم، وإنما أفردت على حدتها ولم تنسق على قصص الرسل مع أممهم في سورة واحدة لمفارقة مضمونها تلك القصص، ألا ترى أن تلك قصص إرسال من تقدم ذكرهم ﵈ كيفية تلقي قومهم لهم وإهلاك مكذبيهم، ْ أما هذه القصة فحاصلها فرج بعد شدة، وتعريف بحسن عاقبة الصبر، فإنه تعالى امتحن يعقوب ﵇ بفقد ابنيه وبصره وشتات بنيه، وامتحن يوسف ﵇ بالجب والبيع وامرأة العزيز وفقد الأب والأخوة والسجن، ثم امتحن جميعهم بشمول الضرر وقلة ذات اليد "مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ"
ثم تداركهم الله بإلفهم وجمع كلهم ورد بصر أبيهم وائتلاف قلوبهم
ورفع ما نزغ به الشيطان، وخلاص يوسف ﵊ من كيد
من كاده واكتنافه بالعصمة وبراءته عند الملك، وكل ذلك مما أعقبه جيل الصبر، وجلالة اليقين في حسن تلقي الأقدار بالتفويض والتسليم على توالي الامتحان وطول المدة، ثم انجر في أثناء هذه القصة الجليلة إثابة امرأة العزيز ورجوعها إلى الحق وشهادتها ليوسف ﵇ بما منحه الله من النزاهة عن كل ما يشين، ثم استخلاص العزيز إياه إلى ما أنجز في هذه القصة الجليلة من العجائب والعبر، "لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ".
فقد انفردت هذه القصة بنفسها وتناسب ما ذكر منْ قصص نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وموسى ﵈، وما جرى من أممهمْ، فلهذا فصِلت عنهم.
стр. 50
سورة برأسها إلى عاقبة من صبر ورضى وسلم ليتنبه المؤمنون على ما في طي ذلك، وقد صرح لهم بما أجملته هذه السورة من الإشارة في قوله تعالى: "وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا"
وكانت قصة يوسف ﵇ ، بجملتها أشبه شىء بحال المؤمنين في
مكابدتهم في أول الأمر وهجرتهم وتشتتهم مع قومهم، وقلة ذات أيديهم إلى أن جمع الله شملهم "وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا"
وأورثهم الأرض وأيدهم ونصرهم، ذلك. بجليل إيمانهم وعظيم صبرهم.
فهذا ما أوجب تجرد هذه القصة عن تلك القصص والله أعلم، وأما تأخر
ذكرها عنها فمناسب لحالها، ولأنها إخبار بعاقبة من آمن واتعظ ووقف عند ما حُد له فلم يضره ما كان، ولم تُذكر إثر قصص الأعراف لما بقي من استيفاء تلك القصص الحاصل ذلك في سورة هود، ثم إن ذكر أحوال المؤمنين مع من كان معهم من المنافقين وصبرهم عليهم مما يجب أن يتقدم ويعقب بهذه القصة من حث عاقبة الصبر والحض عليه كما مر فأخرت إلى عقب سورة هود ﵇ لمجموع هذا والله تعالى أعلم.
ثم ناسبت سورة يوسف أيضا أن تذكر إثر قوله تعالى: "إن الحسنات
يذهبن السيئات " وقوله: "واصبر فإن الله لا يضيع أمر المحسنين "
وقوله: "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة الآية " وقوله "وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون وانتظروا إنا منتظرون "
فتدبر ذلك.
أما نسبتها للآية الأولى فإن ندم إخوة يوسف واعترافهم بخطإ فعلهم وفضل يوسف عليهم "لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ"
وعفوه عنهم "لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ"، وندم
стр. 51
امرأة العزيز وقولها "الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ ... الآية" كل هذا من باب
إذهاب الحسنة السيئة، وكأن ذلك مثال لما عرف المومنون من إذهاب الحسنة
السيئة، وأما نسبة السورة لقوله تعالى: "واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين "
فإن هذا أمر منه سبحانه لنبيه ﵇ بالصبر على قومه، فأتبع
بحال يعقوب ويوسف ﵉، وما كان من صبرهما مع طول المدة وتوالي امتحان يوسف ﵇ بالجب ومفارقة الأب والسجن حتى خلصه الله أجمل خلاص بعد طول تلك المشقات، ألا ترى قول نبينا ﵊ ، وقد ذكر يوسف ﵇ فشهد له بجلالة الحال، وعظيم الصبر فقال: "ولو لبثت في السجن ما لبث أخي يوسف لأجبت الداعي "، فتأمل عذره له ﵉ وشهادته بعظيم قدر يوسف "وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك ".
لما قيل له ﵇ "واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين "
أتبع بحال يعقوب ويوسف من المحسنين، "ووهبنا له إسحاق ويعقوب" إلى قوله "وكذلك نجزي المحسنين ".
وقد شملت الآية ذكر يعقوب ويوسف ﵉ ، ونبينا عليه
الصلاة والسلام قد أمر بالاقتداء في الصبر بهم، وقيل له "فاصبر كما
صبر أولو العزم من الرسل "
ويوسف ﵇ من أولي العزم (صلى الله عليهم أجمعين.
стр. 52
ثم إن حال يعقوب ويوسف ﵉ في صبرهما ورؤية حسن عاقبة
الصبر في الدنيا مع ما أعد الله لهما من عظيم الثواب أنسب شىء لحال نبينا
﵇ في مكابدة قريش ومفارقة وطنه، ثم تعقب ذلك بظفره بعدوه، وإعزاز دينه، وإظهار كلمته، ورجوعه إلى بلده على حالة قرت بها عيون المؤمنين وما فتح الله عليه وعلى أصحابه فتأمل ذلك.
ويوضح ما ذكرناه ختم السورة بقوله تعالى: "حتى إذا استيأس الرسل
وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا ... " الآية.، فحاصل هذا كله
الأمر بالصبر وحسن عاقبة أولياء الله فيه.
وأما النسبة لقوله "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين " فلا أنسب لهذا ولا أعجب من حال إخوة فضلاء لأب واحد من أنبياء الله وصالحى عباده جرى بينهم من التشتت ما جعله الله عبرة لأولى الألباب، وأما النسبة لآية التهديد فبينة، وكأن الكلام في قوة اعملوا على مكانتكم وانتظروا، فلن نصبر عليكم مدة صبر يعقوب ويوسف ﵉ ، وقد وضح بفضل الله وجه ورود هذه السورة عقب سورة هود والله أعلم.
سورة الرعد
هذه السورة تفصيل لمجمل قوله سبحانه في خاتمة سورة يوسف عليه
السلام "وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون
стр. 53
(وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦) أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٠٧) قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)
فبيان آى السمماوات في قوله (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى)
وبيان آي الأرض في قوله: (وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ)
فهذه آي السماوات والأرض وقد زيدت بيانا في مواضع ثم في قوله تعالى: "يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ" ما يكون من الآيات عنهن، لأن الظلمة
عن جرم الأرض والضياء عن نور الشمس وهى سماوية ثم زاد تعالى آيات الأرض بيانا وتفصيلا في قوله: "وفي الأرض قطع متجاورات" إلى قوله "لقوم يعقلون "
ولما كان إخراج الثمر بالماء النازل من السماء من أعظم آية ودليلا واضحا على صحة المعاد، ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى "كذلك نخرج الموتى" وكان قد ورد هنا على أعظم جهة في الاعتبار من إخراجها مختلفات في
الطعوم والألوان والروائح مع اتحاد المادة، تسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الطعوم والألوان والروائح مع اتحاد المادة "تسقى بماء واحد وتفضل بعضها على بعض في الأكل " لذلك أعقب قوله تعالى: "وفي الأرض قطع متجاورات ... الآية بقوله "وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ"
ثم بين سبحانه الصنف القائل بهذا وأنهم الكافرون أهل الخلود
في النار، ثم أعقب ذلك ببيان عظيم حلمه وعفوه فقال: "وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ ... " الآية، ثم أتبعِ ذلك بما يشعر بالجري على السوابق في
قوله: "إنما أنت منذر ولكل قوم هاد" ثم بين عظيم ملكه واطلاعه على
стр. 54
دقائق ما أوجده من جليل صنعه واقتداره فقال: "الله يعلم ما تحمل كل
أنثى ... ". الآيات إلى قوله "وما لكم من دونه من وال "
ثم خوف عباده وأنذرهم ورغبهم "هو الذى يريكم البرق خوفا وطمعا ... الآيات " وما بعدها
وكل ذلك راجع إلى ما أودع سبحانه في السماوات والأرض وما بينهما من الآيات، وفي ذلك أكثر آي السورة.
ونبه تعالى على الآية الكبرى والمعجزة العظمى فقال:
"وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى"
والمراد لكان هذا القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا"
، والتنبيه بعظيم هذه الآيات مناسب لمقتضى السورة من التنبيه بما
أودع تعالى من الآيات في السماوات والأرض، وكأنه جل وتعالى لما بين لهم عظيم ما أودع في السماوات والأرض وما بينهما من الآيات وبسط ذلك وأوضحه أردف ذلك بآية أخرى جامعة للآيات ومتسعة للاعتبارات فقال تعالى: "وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ" فهو من نحو "إن في السموات والأرض لآيات للمؤمنين"، "وفي أنفسكم "، أي لو فكرتم في آيات
السماوات والأرض لأقلتكم كفتكم في بيان الطريق إليه، ولو فكرتم في أنفسكم وما أودع تعالى فيكم من العجائب لاكتفيم، (من عرف نفسه عرف)
стр. 55
فمن قبيل هذا القرب من الاعتبار هو الواقع في سورة الرعد من بسط
آيات السماوات والأرض، ثم ذكر القرآن وما يحتمل، فهذه إشارة إلى ما تضمنت هذه السورة الجليلة من بسط الآيات المودعة في الأرضين والسماوات.
وأما قوله تعالى: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)
فقد أشار إليه قوله تعالى: "ولكن أكثر الناس لا يؤمنون "
"إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ" وقوله: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)
فالذين تطمئن قلوبهم بذكر الله هم أولو الألباب المتذكرون التامو الإيمان وهم القليل المشار إليهم في قوله: "وقليل ما هم " والمقول فيهم "أولئك هم
المؤمنون حقا" ودون هؤلاء طوائف من المؤمنين ليسوا في درجاتهم
ولا بلغوا يقينهم وإليهم الإشارة بقوله: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)
قال ﵊ (الشرك في أمتي أخفى من دبيب النمل)
فهذا بيان ما أجمل في قوله: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦) .
وأما قوله تعالى: " أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ"
فما عجل لهم من ذلك في قوله: "وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ"
القاطع دابرهم والمستأصل لأمرهم، وأما قوله تعالى: "قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ.... الآية
стр. 56
فقد أوضحت آى سورة الرعد سبيله ﵇ وبينته بما تحتمله من عظيم التنبيه وبسط الدلائل بما في السماوات والأرض
وما بينهما وما في العالم بجملته وما تحمله الكتاب المبين كما تقدم.
ثم قد تعرضت السورة لبيان جلي سالكي تلك السبيل الواضحة المنجية
فقال تعالى: "الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق " إلى آخر
ما حلاهم به أخذا وتركا.
ثم عاد الكلام بعد إلى ما فيه من التنبيه والبسط وتقريع الكفار وتوبيخهم
وتسليمه ﵇ في أمرهم "إنما أنت منذر" "وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً" "فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ"
"وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا"
والسورة بجملتها غير حائدة عن تلك الأغراض المجملة في الآيات الأربع المذكورات من آخر سورة يوسف، ومعظم السورة وغالب آيها في التنبيه وبسط الدلالات والتذكير بعظيم ما أودعت من الآيات، ولما كان هذا شأنها أعقبت بمفتتح سورة إبراهيم ﵇.
стр. 57
سورة إبراهيم ﵇
لما كانت سورة الرعد على ما تمهد بأن كانت تلك الآيات
واليراهين التي سلفت فيها لا يبقى معها شك لمن اعتبر بها لعظيم شأنها
واتضاح أمرها، قال تعالى: "كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ"
أى إذا هم تذكروا به واستبصروا ببراهينه وتدبروا آياته "وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى"
стр. 58
ولما كان الهدى والضلال كل ذلك موقوف على مشيئة الله سبحانه وسابق إرادته، وقد قال لنبيه ﵇: "إنما أنت منذر ولكل قوم هاد"
قال تعالى هنا "بإذن ربهم " "فإنما عليك البلاغ " وكما قال تعالى: "وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ"، ثم بسطها في سورة الرعد، أعلم هنا أن ذلك كله له وملكه فقال: "الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض "
فالسماوات والأرض بجملتهما وما فيهما وما بينهما من عظيم ما أوضح لكم
الاعتبار به، كل ذلك له ملكا وخلقا واختراعا "وله أسلم من في السماوات
والأرض طوعا وكرها" "وويل للكافرين من عذاب شديد"
لعنادهم مع وضوح الأمر وبيانه، ويصدون عن سبيل الله مع وضوح
السبيل وانتهاج ذلك بالدليل ثم قال تعالى: "وما أرسلنا من رسول إلا
بلسان قومه " وكان هذا من تمام قوله سبحانه "ولقد أرسلنا رسلا من
قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية"
وذلك أن الكفار لما حملهم الحسد والعناد وبعد إِلفهم بما جبل على قلوبهم وطبع عليها على أن أنكروا كون الرسل من البشر حتى قالوا: "أبشر يهدوننا" "ما أنتم إلا بشر مثلنا" وحتى قالت قريش: " لولا أنزل عليه ملك " و "مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ
"وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ"
فلما كثر هذا منهم وتبع خلفُهم في هذا سلفَهم رد تعالى أزعامهم وأبطل توهمهم في آيات وردت على التدريج في هذا الغرض شيئا
стр. 59
فشيئا، فأول الوارد من ذلك في معرض السرد عليهم وعلى ترتيب سور الكتاب قوله تعالى: "أكان للناس عجبا ان أوحينا إلى رجل منهم ... الآية "، ثم أتبع ذلك بانفراده تعالى بالخلق والاختراع والتدبير والربوبية، وفي طي ذلك أنه يفعل ما يشاء، لأن الكل خلقه وملكه وأنه العليم بوجه الحكمة في إرسال الرسل وكونهم من البشر، فأرغم الله تعالى بمضمون هذه الآى كل جاحد ومعاند، ثم ذكر تعالى في سورة هود قوم نوح: "ما نراك إلا بشرا مثلنا ... الآية"
وجوابه ﵇: "أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ"
أي وإني وإن كنت في البشرية مثلكم فقد خصني الله من فضله وآتاني رحمة من عنده وبرهانا على ما جئتكم به عنه، وفي هذه القصة أوضح عظة، ثم جرى هذا لصالح وشعيب ﵉ وديدن الأمم أبدا مع أنبيائهم ارتكاب هذه المقالات، وفيها من الحيد والعجز عن مقاومتهم ما لا يخفى، وما هو شاهد على تعنتهم، ثم زاد تعالى نبيه ﷺ تعريفا بأحوال من تقدمه من الأنبياء ﵈ ليسمع
ذلك من جرى له مثل ماجرى لهم فقال مثل مقالتهم فقال تعالى: "ولقد
أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية" وأعلم سبحانه أن
هذا لا يحيط شيئا من مناصبهم بل هو أوقع في قيام الحجة على العباد، ثم تلى ذلك بقوله: "وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه " أي ليكون أبلغ في
الحجة وأقطع للعذر، فربما كانوا يقولون عند اختلاف الألسنة لا نفهم عنهم، إذ قد قالوا ذلك مع اتفاق اللغات، فقد قال قوم شعيب ﵇:
стр. 60
"مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ"
هذا وهو ﵇ يخاطبهم بلسانهم، فكيف لو كان على خلاف ذلك، بل لو خالفت الرسل ﵈ الأمم في التبتل وعدم اتخاذ الزوجات والأولاد، واستعمال الأغذية وغير ذلك من مألوفات البشر لكان ذلك منفرا، فقد بان وجه الحكمة في كونهم من البشر، ولو كانوا من الملائكة لوقع النفار والشرود لافتراق الجنسية وإليه الإشارة بقوله تعالى: "ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون "
أي ليكون أقرب إليهم لئلا يقع تنافر فكونهم من البشر أقرب وأقوم للحجة.
ولما كانت رسالة محمد ﷺ عامة كان ﵊ يخاطب كل طائفة من طوائف العرب بلسانها ويكلمها بما تفهم وتأمل
كم بين كتابه ﷺ لأنس (رضى الله عنه) في الصدقة، وكتابه إلى وائل
стр. 61
ابن حُجْر مع اتخاد الغرض، وللكتابين نظائر يوقف عليها في مظانها وكل ذلك لتقوم الحجة على الجميع، واستمر باقي سورة إبراهيم ﵇ على التعريف
بحال مكذبي الرسل ووعيد من خالفهم وبيان بعض أهوال الآخر وعذابها.
سورة الحجر
لما تقدم من وعيد الكفار ما تضمنته الآي المختتم بها سورة إبراهيم عليه
السلام من لدن قوله سبحانه: "ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون " إلى
خاتمتها (الآيات: ٤٢ - ٣٢) أعقب ذلك بقوله: (رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢)
стр. 62
أي عند مشاهدة تلك الأهوال الجلائل، ثم قال تعالى تأكيدا لذلك الوعيد (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣)
ثم أعقب تعالى هذا بيان ما جعله سنة في عباده من ارتباط الثواب والعقاب معجلة ومؤجلة بأوقات وأحيان لا انفكاك لهما عنها،
ولا تقدم ولا تأخر إذ استعجال البطش في الغالب إنما يكون ممن يخاف الفوت، والعالم بجملتهم لله تعالى وفي قبضته لا يفوته أحد منهم ولا يعجزه، قال تعالى: "وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم "
وكان هذا يزيده إيضاحا قوله "إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار"
وقوله: "وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ"
وقوله: "يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ ... الآية.
وتأمل نزول قوله تعالى: "رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ"
على هذا وعظيم موقعه في اتصاله به ووضوح ذلك كله.
وأما افتتاح السورة بقوله: " (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١) "
فأحاله على أمرين واضحين أحدهما ما نبه به سبحانه من الدلائل
والآيات كما يفسر،
والثاني ما بينه القرآن المجيد وأوضحه وانطوى عليه من الدلائل
والغيوب والوعد والوعيد وتصديق بعض ذلك بعضا، فكيف لا يكون المتوعد به في قوة الواقع الشاهد لضدة البيان، في صحة الوقوع، فالعجب من التوقف والتكذيب ثم أعقب هذا بقوله: "رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ".
стр. 63
سورة النحل
هذه السورة في التحامها بسورة الحجر مثل الحجر بسورة إبراهيم من غير
فرق، لما قال تعالى: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)
(وقال بعد ذلك في وعيد المستهزئين "فسوف يعلمون "
أعقب هذا ببيان تعجيل الأمر فقال تعالى: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ)
وزاد هذا بيانا قوله : (عَمَّا يُشْرِكُونَ)
فنزه سبحانه نفسه عما فاهوا به في استهزائهم وشركهم وعظيم بهتهم واتبع ذلك تنبيها وتعظيما فقال: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣)
ثم أتبع ذلك بذكر ابتداء خلق الإنسان وضعف جبلته "خلق الإنسان من نطفة) . ثم أبلغه تعالى حدا يكون منه الخصام والمحاجة، كل ذلك ابتلاء
منه واختبار ليميز الخبيث من الطيب، وأعقب هذا بذكر بعض ألطافه
(سبحانه) في خلق الأنعام وما جعل فيها من المنافع المختلفة وما هو سبحانه
стр. 64
عليه من الرأفة والرحمة اللتين بهما أخر العقوبة عن مستوجبها، وهدى من لم
يستحق الهداية بذاته بل كل هداية فبرأفة الخالق ورحمته، ثم أعقب ما ذكره بعد من خلق الخيل والبغال والحمير وما في ذلك كله قوله: "ولو شاء لهداكم أجمعين "
فبين أن كل الواقع من هداية وضلال، خلقه وفعله، وأنه أوجد الكل
من واحد وابتدأهم ابتداء واحدا "خلق الإنسان من نطفة"، فلا بعد في
اختلاف غاياتهم بعد ذلك، فقد أرانا سبحانه مثال هذا الفعل ونظيره في قوله: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١) .
سورة الإسراء (٢٩١)
لما تقدم قوله تعالى: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠)
إلى قوله (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا.... الآية "
كان ظاهر ذلك تفضيل إبراهيم ﵇ على محمد ﷺ وعلى جميع الأنبياء لا سيما مع الأمر بالاتباع، فأعقب ذلك بسورة الإسراء،
стр. 65
وقد تضمنت من خصائص نبينا ﵇ وانطوت على ما حَصل من
النصوص في الصحيح والمقطوع به والمجمع عليه من أنه ﷺ سيد ولد آدم فاستفتحت السورة بقصة الإسراء، وقد تضمنت حسبما وقع في صحيح مسلم
وغيره إمامته بالأنبياء ﵈ وفيهم إبراهيم وموسى وغيرهما من الأنبياء من غير استثناء، هذه رواية ثابت عن أنس (ضي الله عنه) (وهي أنقى رواية عند أهل صناعة الحديث وأجودها) ، وفي حديث أبي هريرة أنه عليه
السلام أثنى على ربه فقال: (الحمد لله الذي أرسلنى رحمة للعالمين كافة
وللناس بشيرا ونذيرا. وأنزل علي القرآن فيه تبيان كل شي وجعل أمتي خير أمة أخرجت للناس، وجعل أمتي وسطا، وجعل أمتى هم الأولون وهم
стр. 66
الآخرون، وشرح لي صدري، ووضع عني وزري ورفع لي ذكرى، وجعلني فاتحا وخاتما فقال إبراهيم ﵇ بهذا فضلكم محمد.
وفي رواية أبي هريرة (ضى الله عنه) من طريق الربيع بن أنس وذكر
ﷺ سدرة المنتهى وأنه ﵎ قال له: سل فقال إنك اتخذت إبراهم خليلا وأعطيته ملكا عظيما، كلمت موسى تكليما، وأعطيت داود ملكا عظيما، وألَنْتَ له الحديد وسخرت له الجبال، وأعطيت سليمان ملكا عظيما، وسخرت له الجن والإنس والشياطين والرياح وأعطيته مكا لا ينبغي لأحد من بعده، وعلمت عيسى التوراة والإنجيل وجعلته يبرىء الأكمه والأبرص، وأعذته وأمه من الشيطان
الرجيم، فلم يكن له عليهما سبيل فقال له ربه تعالى: قد اتخذتك حبيبا فهو
مكتوب في التوراة (محمد) حبيب الرحمن وأرسلتك إلى الناس كافة، وجعلت
أمتك هم الأولون والآخرون، وجعلت أمتك لا تجوز لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي، وجعلتك أول النبيئين خلقا وآخرهم بعثا، وأعطيتك سبعا من المثاني ولم أعطهما لنبي قبلك وأعطيتك خواتم البقرة من كنز تحت العرش لم أعطها نبيا قبلك، وجعلتك فاتحا وخاتما.
стр. 67
وفي حديث شريك أنه رأى موسى ﵇ في السماء السابعة قال
بتفضيل كلام الله، قال ثم علا به فوق ذلك ما لا يعلمه إلا الله فقال
موسى لم أظن أن يرفع علي أحد.
وفي حديث علي بن أبي طالب (رضى الله عنه) أخرجه البزار في ذكر
تعليمه عليه (السلام) الأذان وخروج الملك فقال رسول الله ﷺ ياجبريل من هذا؟ قال: والذي بعثك بالحق إني لأقرب الخلق مكانا وإن هذا الملك ما رأيته منذ خلقت قبل ساعتي هذه ... الحديث، وفيه ثم أخذ الملك بيد
стр. 68
محمد ﷺ فقدمه فأم أهل السماء فيهم آدم ونوح.
وفي هذا الحديث قال أبو جعفر محمد بن علي راويه: أكمل الله لمحمد
ﷺ الشرف على أهل السماوات والأرض، قلت: وفي هذا الحديث إشكالات صعبة فلهذا لم نورد منه إلا أطرافاً بحسب الحاجات، إذ ليس ما فيه الإشكال من مطلوبنا هنا.
وقد حصل منه تفضيله ﷺ بالاسراء وخصوصه بذلك، ثم قد انطوت السورة على ذكر المقام المحمود، وهو مقامه في الشفاعة الكبرى، وذلك مما خص به حسبما ثبت في الصحيح، وانعقد عليه إجماع أهل السنة، ولا أعلم في الكتاب العزيز سورة تضمنت من خصائصه التي فضل بها كافة الأنبياء مثل ما تضمنت هذه السورة والحمد لله.
стр. 69
سورة الكهف
стр. 70
من الثابت المشهور أن قريشا بعثوا إلى يهود بالمدينة يسألونهم في أمر
رسول الله ﷺ فأجابتها يهود بسؤاله عن ثلاثة أشياء قالوا فإن أجابكم (بجوابها) فهو نبي، وإن عجز عن جوابكم فالرجل متقول، فروا فيه رأيكم وهي: الروح، وفتية ذهبوا في الدهر الأول، وهم أهل الكهف، وعن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغربها، فأنزل الله عليه (سبحانه) جواب ما سألوه وبعضه في سورة الإسراء "وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي"
واستفتح تعالى سورة الكهف بحمده وذكر نعمة الكتاب وما أنزل بقريش
وكفار العرب من البأس يوم بدر وعام الفتح وبشارة المؤمنين بذلك وما منحهم الله من النعيم الدائم وإنذار القائلين بالولد من النصارى وعظيم مرتكبهم وشناعة قولهم: "إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا"، وتسلية نبى الله ﷺ في أمر جمعهم "فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ ... "
والتحمت الآي أعظم التحام وأحسن التئام إلى ذكر ما سأل عنه الكفار من أمر الفتية (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (٩)
ثم بسطت الآي قصتهم وأوضحت أمرهم واستوفت خبرهم، ثم ذكر سبحانه أمر ذي القرنين وطوافه وانتهاء أمره فقال: "ويسألونك عن ذي القرنين.... الآيات " (آية: ٨٣ - ٩٤) وقد فصلت بين القصتين مواعظ وآيات مستجدة على أتم ارتباط وأجل اتساق ومن جملتها قصة
стр. 71
الرجلين وجنتي أحدهما وحسن الجنتين وما بينهما كفر صاحبهما واغترَاره وهما من بني إسرائيل ولهما قصة، وقد أفصحت هذه الآي منها باغترار أحدهما بما لديه وكونه إلى توهم البقاء وتعويل صاحبه على ما عند ربه ورجوعه إليه وانتهاء أمره بعد المحاورة الواقعة نمط الآيات بينهما إلى إزالة ما تخيل الفتون بقاءه ورجع ذلك كأنه لم يكن ولم يبق بيده إلا الندم، ولا صح له من جنتيه بعد عظيم تلك البهجة سوى التلاشى والعدم. وهذه حال من ركن إلى ما سوى المالك، وكل شىء إلا وجهه فإنه فان وهالك، "إنما الحياة الدنيا لعب ولهو" "ففروا إلى الله ".
ثم أعقب ذلك بضرب مثل الحياة الدنيا لمن اعتبر واستبصر، وأعقب تلك
الآيات بقصة موسى والخضر ﵉ إلى تمامها وفي كل ذلك من تأديب بنى إسرائيل وتقريعهم وتوبيخ مرتكبهم في توقفهم عن الإيمان وتعنيفهم في توهمهم عند فتواهم لكفار قريش بسؤاله ﵇ عن القصص الثلاث، أن قد حازوا العلم وانفردوا بالوقوف على ما لا يعمله غيرهم، فجاء جواب قريش بما يرغم الجميع ويقطع دابرهم، وفي ذكر قصة موسى والخضر إشارة لهم لو عقلوا وتحريك لمن سبقت له منهم السعادة، وتنبيه لكل موفق في تسليم الإحاطة لمن هو العليم الخبير، وبعد تقريعهم وتوبيخهم بما أشير إليه عاد الكلام إلى بقية سؤالهم
فقال: "ويسألونك عن ذي القرنين " إلى آخر القصة (آية: ٨٣) وليس بسط
هذه القصص من مقصودنا وقد حصل ما أردناه ولم يبق إلا السؤال عن وجه
انفصال جوابهم ووقوعه في السورتين مع أن السؤال واحد وهذا ليس من شرطنا فلننسأه بحول الله إلى موضعه إن قدر به.
стр. 72
سورة مريم
لما قال تعالى: "أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (٩)
ثم أورد خبرهم وخبر الرجلين موسى والخضر ﵉ ، وقصة ذي القرنين، أتبع سبحانه ذلك بقصص تضمنت من العجائب ما هو أشد عجبا وأخفى سببا فافتتح سورة مريم بيحيى بن زكريا وبشارة
زكريا به بعد الشيخوخة وقطع الرجاء وعقر الزوج حتى سأل زكريا مستفهما
ومتعجبا (أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨)
فأجابه الله تعالى بأن ذلك عليه هين وأنه يجعل ذلك آية للناس
وأمر هذا أعجب من القصص المتقدمة فكأن قد قيل: أم حسبت يا محمد أن
أصحاب الكهف والرقيمِ كانوا من آياتنا عجبا نحن نخبرك بخبرهم ونخبرك بما هو أعجب وأغرب وأوضح آية وهو قصة زكريا في ابنه يحيى ﵉، وقصة عيسى ﵇ في كينونته بغير أب ليعلم أن الأسباب في الحقيقة لا يتوقف
стр. 73
عليها شىء من مسبباتها إلا بحسب سنة الله، وإنما الفعل له سبحانه لا لسبب وإلى هذا أشار قوله تعالى لزكريا ﵇ "وقد خلقتك من قبل
ولم تكن شيئا" (آية: ٩) ثم أتبع سبحانه بشارة زكريا بيحيى بإتيانه الحكم صبيا ثم بذكر مريم وابنها ﵉ وتعلقت الآي بعد إلى انقضاء السورة.
سورة طه
لما ذكر سبحانه قصة إبراهيم وما منحه وأعطاه وقصص الأنبياء بعده بما
خصهم به، وأعقب ذلك بقوله تعالى: "أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ" (مريم: ٥٨) وكان ظاهر هذا الكلام تخصيص هؤلاء بهذه المناصب العالية والدرجات المنيفة الجليلة لا سيما وقد أتبع ذلك بقوله (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)
كان هذا مظنة إشفاق وخوف فأتبعه تعالى بملاطفة نبيه (محمد) ﷺ -
стр. 74
ملاطفة المحبوب المقرب المجتبى فقال: "ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى"
وأيضا فقد ختمت سورة مريم بقوله تعالى: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (٩٨)
بعد قوله: (وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (٩٧)
وقد رأى ﵇ من تأخر قريش عن الإسلام ولردها ما أوجب
إشفاقه وخوفه عليهم ولا شك أنه ﵇ يحزنه تأخر إيمانهم ولذلك قيل له: فلا تحزن عليهم ".
فكأنه، ﵊ ظن أنه يستصعب المقصود من
استجابتهم أو ينقطع الرجاء من إنابتهم فيطول العناء والمشقة فبشره سبحانه
بقوله: "ما أنزلنا عليه القرآن لتشقى"
فلا عليك من لدد هؤلاء وتوقفهم فسيستجيب من انطوى على الخشية إذا ذكر وحرك إلى النظر في آيات الله كما قيل له في موضع آخر "فلا يحزنك قولهم " (آية: يس ٧٦) .
ثم أتبع (سبحانه) ذلك تعريفا وتأنيسا بقوله: "الرحمن على العرش
استوى" (آية: ٥) إلى أول قصص موسى ﵇ فأعلم
سبحانه أن الكل خلقه وملكه وتحت قهره وقبضته لا يشذ شىء عن ملكه، فإذا شاء هداية لم من وفقه لم يصعب أمره، ثم أتبع ذلك بقصة موسى ﵇ وما كان منه في إلقائه صغيرا في اليم، وما جرى بعد ذلك من عجيب الصنع وهلاك فرعون وظهور بني إسرائيل، وكل هذا مما يؤكد القصد المتقدم، وهذا الوجه الثاني أولى من الأول والله أعلم.
стр. 75
سورة الأنبياء
لما تقدم قوله سبحانه "وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ" إلى قوله "فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى" (طه: ٣١ ١ - ١٣٥)
قال تعالى: (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١)
أي لا تمدن عينيك إلى ذلك فإني جعلته فتنة لمن ناله بغير حق ويسأل عن قليل ذلك كثيره "لتسألن يومئذ عن النعيم " (التكاثر: ٨) والأمر قريب "اقترب للناس حسابهم " وأيضا فإنه تعالى لما قال: "وتنذر به قوما لدا" (مريم: ٩٧) وهم الشديدو الخصومة في الباطل المرتكبوا للجج، ثم قال تعالى (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (٩٨)
استدعت هذه الجملة بسط حال ابتدأت بتأنيسه ﵇ وتسليته حتى لا يشق عليه لردهم، فتضمنت. سورة طه من هذا الغرض بشارته بقوله: "ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى، وتأنيسه بقصة موسى ﵇ وما كان من حال بني إسرائيل وانتهاء أمر فرعون ومكابدة موسى ﵇ لدد فرعون ومرتكبه إلى أن وقصه الله وأهلكه
следующие страницы →