← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 13892

شرح مقدمة التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي

مساعد الطيار

Полный текст (290 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

شرح مقدمة التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي شرحها د. مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار اعتنى بإخراجها بدر بن ناصر بن صالح الجبر دار ابن الجوزي

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3

مقدمة الشرح الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فهذا شرح للمقدمة الأولى من مقدمتَي كتاب: «التسهيل لعلوم القرآن» لمحمد بن أحمد بن جزي الكلبي. وإني لأشكر الله الذي يسَّر لي إتمام شرحها، وإني لأسأله أن يبارك لي في وقتي لأنجز سواها مما هو بين يدي. ولا يفوتني في هذا المقام أن أشكر أخي بدر بن ناصر بن صالح الجبر الذي أعانني على إخراج هذا الشرح بهذه الصورة التي بين يديكم، فقد كان مراجعاً ومدقِّقاً ومخرجاً، فجزاه الله عني خيراً، وبارك له في كل أموره. وقبل البدء بشرح هذه المقدمة أشير إلى كتاب: «ابن جزي ومنهجه في التفسير» لعلي بن محمد الزبيري ﵀، فإنه يُعدُّ من أحسن الكتب التي كُتبت في بيان منهجِ مُفَسِّر، وقد ذكر في ترجمة ابن جزي ﵀ ما نصه: (ـ مولد ابن جزي ووفاته ـ: ولد أبو القاسم محمد بن أحمد بن جزي في يوم الخميس تاسع ربيع الثاني عام ٦٩٣هـ، الموافق ١٢٩٤م في مدينة غرناطة عاصمة الأندلس في ذلك العهد، واستُشهد ﵀ في ضحوة يوم الاثنين السابع من جمادى الأولى عام ٧٤١هـ، الموافق ٣٠ أكتوبر/ت١ سنة ١٣٤٠م في معركة (طريف) بعد أن أبلى بلاء حسناً ـ تقبَّل الله شهادته ـ.

стр. 4

لقد فُقد ﵀ وهو يشحذ هِمم الناس، ويحرِّضهم ويثبِّت بصائرهم، وكان هذا هو آخر العهد به، لقد حفظ لنا صاحب «نيل الابتهاج» نصّاً تاريخياً هامّاً يتعلق باستشهاد ابن جزي نقله عن فهرسة الحضرمي ـ أحد تلاميذ ابن جزي ـ جاء فيه: قال الفقيه المحدث الوزير أبو بكر بن ذي الوزارتين ابن الحكيم: (أنشدني ـ يقصد ابن جزي ـ يوم الوقيعة من آخر شعره قوله: قصدي مؤمل في جهري وإسراري ... ومطلبي من إلهي الواحد الباري شهادةٌ في سبيلِ اللهِ خالصةٌ ... تمحو ذنوبي وتُنجيني من النار إن المعاصي رجسٌ لا يُطَهِّرُها ... إلا الصَّوارمُ في أيْمانِ كُفَّارِ ثم قال: (في هذا اليوم أرجو أن يعطيني الله ما سألته في هذه الأبيات، وهكذا صدق الله ابن جزي، فصدقه وانتقل إلى جوار ربه بموكب الشهداء الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه فأكرمهم وآواهم، وفي هذه المعركة استشهد العديد من علماء الأندلس وأعيانهم، كما استشهد العديد من علماء المغرب وأعيانه) (١). هذا موجزٌ نكتفي به فيما يتعلق بحياة ابن جزي، ومن أراد المزيد في كتب ابن جزي وعلمه وطريقته في العلم وشيوخه وتلاميذه، فيمكنه مراجعة كتاب الزبيري.

стр. 5

سبب تأليفه للكتاب ومقاصده قال المصنف ﵀ (١): الحمد لله العزيز الوهَّاب، مالك الملوك وربِّ الأرباب، هو الذي أنزل على عبده الكتاب هدًى وذكرى لأولي الألباب، وأودعه من العلوم النافعة، والبراهين القاطعة غاية الحكمة وفصل الخطاب، وخصَّه بالخصائص العليَّة، واللطائف الخفيَّة، والدلائل الجليَّة، والأسرار الربَّانية العُجاب، بكل عجب عجاب، وجعله في الطبقة العليا من البيان حتى أعجز الإنسان والجانّ، واعترف زعماء أرباب اللسان بما تضمَّنه من الفصاحة والبراعة والبلاغة والإعراب والإغراب، ويسَّر حفظه في الصدور، وضمن حفظه من التبديل والتغيير، فلم يتغير، ولا يتغير على طول الدهور وتوالي الأحقاب، وجعله قولاً فصلاً، وحكماً عدلاً، وآية بادية، ومعجزة باقية يشاهدها من شهد الوحي ومن غاب، وتقوم بها الحجة للمؤمن الأوَّاب، والحجَّة على الكافر المرتاب، وهدى الخلق بما شرع فيه من الأحكام، وبيَّن من الحلال والحرام، وعلَّم من شعائر الإسلام، وصرف من النواهي والأوامر، والمواعظ والزواجر، والبشارة بالثواب، والنذارة بالعقاب، وجعل أهل القرآن أهل الله وخاصَّته، واصطفاهم من عباده وأورثهم الجنة وحسن المآب. فسبحان المولى الكريم الذي خصَّنا بكتابه، وشرَّفنا بخطابه، فيا له من نعمة سابغة، وحجة بالغة، أوزعنا الله الكريم القيام بواجب شكرها، وتوفية حقها، ومعرفة قدرها، وما توفيقي إلا بالله هو ربي لا إله إلا هو

стр. 6

عليه توكلت وإليه متاب، وصلاة الله وسلامه وتحياته وبركاته وإكرامه على من دلَّنا على الله، وبلَّغنا رسالة الله، وجاءنا بالقرآن العظيم وبالآيات والذكر الحكيم، وجاهد في الله حق الجهاد، وبذل جهده في الحرص على نجاة العباد، وعلَّم ونصح وبيَّن وأوضح حتى قامت الحجة، ولاحت المحَجَّة، وتبيَّن الرشد من الغي، وظهر طريق الحق والصواب، وانقشعت ظلمات الشك والارتياب، ذلك سيدنا ومولانا محمد النبي الأمي القرشي الهاشمي المختار من لُباب اللباب، والمصطفى من أطهر الأنساب، وأشرف الأحساب، الذي أيده الله بالمعجزات الظاهرة، والآيات الباهرة، والجنود القاهرة، والسيوف الباترة الغضاب، وجمع له بين شرف الدنيا والآخرة، وجعله قائداً للغر المحجَّلين والوجوه الناضرة، فهو أول من يشفع يوم الحساب، وأول من يدخل الجنة ويقرع الباب، فصلى الله عليه وعلى آله الطيبين وأصحابه الأكرمين خير أهل وأكرم أصحاب، صلاة زاكية نامية لا يحصر مقدارها العد والحساب، ولا يبلغ إلى أدنى وصفها ألسنة البلغاء ولا أقلام الكتَّاب، أما بعد: فإن علم القرآن العظيم هو أرفع العلوم قدراً، وأجلها خطراً، وأعظمها أجراً، وأشرفها ذكراً، وأن الله أنعم عليَّ بأن شغلني بخدمة القرآن وتعلُّمه وتعليمه، وشغفني بتفهم معانيه وتحصيل علومه، فاطلعت على ما صنفه العلماء ﵃ في تفسير القرآن من التصانيف المختلفة الأوصاف، المتباينة الأصناف، فمنهم من آثر الاختصار، ومنهم من طوَّل حتى أكثر الأسفار، ومنهم من تكلَّم في بعض فنون العلم دون بعض، ومنهم من اعتمد على نقل أقوال الناس، ومنهم من عوَّل على النظر والتحقيق والتدقيق، وكل أحد سلك طريقاً نحاه، وذهب مذهباً ارتضاه، وكلاًّ وعد الله الحسنى، فرغبتُ في سلوك طريقهم، والانخراط في سلك فريقهم، وصنفتُ هذا الكتاب في تفسير القرآن العظيم وسائر ما يتعلق به من العلوم، وسلكت مسلكاً نافعاً؛ إذ جعلته وجيزاً جامعاً، قصدت به أربع مقاصد تتضمن أربع فوائد:

стр. 7

الفائدة الأولى: جمع كثير من العلم في كتاب صغير الحجم؛ تسهيلاً على الطالبين، وتقريباً على الراغبين، فلقد احتوى هذا الكتاب على ما تضمَّنته الدواوين الطويلة من العلم ولكن بعد تلخيصها وتمحيصها، وتنقيح فصولها، وحذف حشوها وفضولها، ولقد أودعته من كل فن من فنون علم القرآن اللباب المرغوب فيه دون القشر المرغوب عنه من غير إفراط ولا تفريط، ثم إني عزمت على إيجاز العبارة، وإفراط الاختصار، وترك التطويل والتكرار. الفائدة الثانية: ذكر نُكت عجيبة وفوائد غريبة قلَّما توجد في كتاب؛ لأنها من بنات صدري ونتائج فكري، ومما أخذته عن شيوخي ﵃، أو مما التقطته من مستظرفات النوادر، الواقعة في غرائب الدفاتر. الفائدة الثالثة: إيضاح المشكلات، إما بحل العُقَد المقفلات، وإما بحسن العبارة ورفع الاحتمالات وبيان المجملات. الفائدة الرابعة: تحقيق أقوال المفسرين والتفرقة بين السقيم منها والصحيح، وتمييز الراجح من المرجوح؛ وذلك أن أقوال الناس على مراتب، فمنها الصحيح الذي يعوَّل عليه، ومنها الباطل الذي لا يلتفت إليه، ومنها ما يحتمل الصحة والفساد، ثم إن هذا الاحتمال قد يكون متساوياً أو متفاوتاً، والتفاوت قد يكون قليلاً أو كثيراً. وإني جعلت لهذه الأقسام عبارات مختلفة تعرف بها كل مرتبة وكل قول، فأدناها ما أُصرِّحُ بأنه خطأ أو باطل، ثم ما أقول فيه: إنه ضعيف أو بعيد، ثم ما أقول: إن غيره أرجح منه أو أقوى أو أظهر أو أشهر، ثم ما أقدم غيره عليه إشعاراً بترجيح المتقدم، أو بالقول فيه: قيل، كذا قصداً للخروج من عهدته. وأما إذا صرحت باسم قائل القول فإني أفعل ذلك لأحد أمرين: إما للخروج عن عهدته، وإما لنصرته إذا كان قائله ممن يُقتدى به، على أني لا أنسب الأقوال إلى أصحابها إلا قليلاً؛ وذلك لقلة صحة إسنادها إليهم، أو لاختلاف الناقلين في نسبتها إليهم، وأما إذا ذكرت شيئاً دون حكاية قوله عن أحد؛ فذلك إشارة إلى أني أتقلده وأرتضيه سواء كان من تلقاء

стр. 8

نفسي أو مما أختاره من كلام غيري، وإذا كان القول في غاية السقوط والبطلان لم أذكره تنزيهاً للكتاب عنه، وربما ذكرته تحذيراً منه، وهذا الذي ارتكبت من الترجيح والتصحيح مبني على القواعد العلمية، أو على ما تقتضيه اللغة العربية، وسنذكر بعد هذا باباً في موجبات الترجيح بين الأقوال إن شاء الله. وسميت هذا الكتاب كتاب «التسهيل لعلوم التنزيل»، وقدمت في أوله مقدمتين: إحداهما: في أبواب نافعة، وقواعد كلية جامعة، والأخرى: فيما كثر دوره من اللغات الواقعة. وأنا أرغب إلى الله العظيم الكريم أن يجعل تصنيف هذا الكتاب عملاً مبروراً، وسعياً مشكوراً، ووسيلة توصلني إلى جنات النعيم، وتنقذني من عذاب الجحيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم (١).

стр. 9

بدأ المؤلف كتابه بالحمد والثناء على الله سبحانه، والصلاة والسلام على رسوله ﷺ ، ثم ذكر أن علم القرآن هو أرقى العلوم قدراً، وأجلها خطراً، وأعظمها أجراً، وهذه القضية لا يكاد يختلف عليها علماء المسلمين، فعِلم القرآن هو أجل العلوم الإسلامية؛ لأن القرآن هو كلام الله سبحانه، ومنه تؤخذ الشريعة والعقائد، وكل علوم الإسلام ترجع إلى هذا الكتاب، وذكر أن العلماء قد خدموه إقراء وتفسيراً وتدبراً واستنباطاً، وذكر أيضاً أن من نِعم الله عليه أنه شغله بخدمة القرآن وتعلمه وتعليمه، وهذا نراه كثيراً في كلام العلماء، وهو التنبيه على ما منَّ الله عليهم به من التفرغ لخدمة كتاب الله بأنواع من الخدمة، فنجد بعض العلماء قد تفرغ للإقراء فقط؛ يصحِّح للطلاب القراءة، ولا تكاد تجده يُحسن غير هذا، وهذه نعمة، فلو أردت منه غير هذا ما استطاع، فهذا علم من علوم القرآن قد ميَّز به سبحانه بعض الناس، وهناك أناس قد تفرغوا لتفسيره والاستنباط منه. ثم ذكر تصنيفات العلماء في التفسير، وذكر لها أوصافاً، كأنه يريد أن يبين السبب الموجب لتأليفه التفسير، ولعلنا نذكر لكل نوع مثالاً من هذه المصنفات التي صُنِّفت قبل ابن جزي ـ أي: قبل عام ٧٤١هـ. قوله: (ومنهم من آثر الاختصار) مثاله: تفسير الوجيز للواحدي (ت٤٦٨هـ). قوله: (ومنهم من طوَّل حتى أكثر الأسفار) مثاله: تفسير الرازي (ت٦٠٦هـ). قوله: (ومنهم من تكلم في بعض فنون العلم دون بعض) مثاله: ابن العربي (ت٥٤٣هـ) في (أحكام القرآن) حيث خصَّه بنوع مما يتعلق بالتفسير وإن كان الكتاب ينحو منحًى فقهياً لكن المقصد من ذلك أنه تكلم على جزء من علم التفسير، وكذا كتب غريب القرآن أو كتب معاني القرآن التي اختصت بنوع من علم التفسير دون الأخذ بكل معلومات التفسير. قوله: (ومنهم من اعتمد على نقل أقوال الناس) مثاله: الثعلبي (ت٤٢٧هـ)، وابن أبي حاتم (ت٣٢٧هـ)، والماوردي (ت٤٥٠هـ) وابن الجوزي (ت٥٩٧هـ)، فهؤلاء يُعدون نَقَلَةً للتفسير. قوله: (ومنهم من عوَّل على النظر والتحقيق والتدقيق) مثل: ابن جرير (ت٣١٠هـ)، وابن عطية (ت٥٤٢هـ)، وغيرهم. المقصود أن هذه الأوصاف العامة التي ذكرها يمكن أن توصف بها بعض التفاسير، وبعضها قد يجتمع فيه أكثر من وصف. ثم قال بعد ذلك: (فرغبت في سلوك طريقهم، والانخراط في مساق فريقهم). يثير قوله هذا سؤالاً، وهو: ما الفائدة أن يُخرج العالم تفسيراً، فالتفاسير كثيرة؟

стр. 10

الجواب: إن من أهم المقاصد التي يقصدها المؤلف ويرجوها، بركةَ ذلك العمل؛ بأن يكون ممَّن ألف في التفسير، وممَّن يعتمد الناس كتابه في الرجوع إليه والاستفادة منه، فيترحَّمون عليه، لذا فإنه ينظر في ذلك إلى الأجر الأخروي؛ ولهذا لا نستغرب عندما نرى علماء المسلمين يحرصون على أن يُخلِّفوا أثراً بعدهم، ولقد كان من أثر ذلك أن حرص العلماء على تخليد علومهم في كتب تناقلتها الأجيال، حتى إننا نجد اليوم من التفاسير ما كُتب في القرن الهجري الأول والثاني والثالث والرابع ... إلخ، وكثرة المخطوطات في تفسير القرآن تدل على أن هذا المقصدَ من المقاصدِ المهمةِ للعالِمِ؛ لأنه يريد أن يخلف أثراً بعده يستفاد منه. قوله: (وصنفت هذا الكتاب في تفسير القرآن العظيم، وسائر ما يتعلق به من العلوم). يظهر من قوله هذا أنه قصد أن يكون كتابه في علمين: الأول: تفسير القرآن، وهو الذي عبَّر عنه بقوله: (وصنفت هذا الكتاب في تفسير القرآن العظيم). الثاني: علوم القرآن ممَّا عدا التفسير، وهو الذي عُطفت عليه جملة: (وسائر ما يتعلق به من العلوم)، بل قد يدخل في هذه العبارة كل ما يتعلق بالقرآن من معلومات، سواءٌ أكانت من علوم القرآن والتفسير، أم كانت من علوم أخرى، لكن سيأتي في عباراته ما يدلُّ على أنه يريد علوم القرآن العظيم (١). قوله: (وسلكت مسلكاً نافعاً؛ إذ جعلته وجيزاً جامعاً). لو قُمتَ بموازنة بين تفسير ابن جُزي وبين أحد التفاسير التي ذكرها مثل: تفسير المهدوي (ت٤٤٠هـ) أو مكي بن أبي طالب (ت٤٣٧هـ) أو

стр. 11

غيرهما فإنك ستجدُ أن تلك التفاسير أطول من تفسيره بكثير، وأن طريقتَها في التصنيف الاستيعابُ والاستطرادُ، وهي خلافُ طريقة ابن جُزي الذي عَمَد إلى الاختصار، فالاستطرادات عنده قليلة بالنسبة للكمِّ الذي كتبه في هذا التفسير؛ لذا يصح أن يطلق عليه: التفسير الوجيز الجامع، فهو جامع للأقوال مع وجازة العبارة. قوله: (قصدت فيه أربع مقاصد) هنا فائدة مهمة وهي أنه يحسن بنا أن نعرف مقاصد المؤلفين في تآليفهم، فابن جزي ألف كتابه هذا لمقاصد أربع ذكرها، وكان قد سبق أن أشار إلى مقصد عام، وهو أن ينخرط في سلك المفسرين. وهذه المقاصد الأربعة التي نصَّ عليها تُعدُّ خطة العمل التي أراد ابن جُزيٍّ أن يقوم عليها كتابه، فكأنه يقول: إن هذه المقاصد ستكون موجودة في كتابه (١). فالمؤلف أراد أن يحقق أربع فوائد وهي: (الفائدة الأولى: جمع كثير من العلم في كتاب صغير الحجم؛ تسهيلاً على الطالبين، وتقريباً على الراغبين) وهذه الفائدة تتعلق بقضية الإيجاز؛ أي: أنه قصد أن

стр. 12

يكون الكتاب صغير الحجم سهلاً على من أراد أن يطلب علم التفسير، وهذا المقصد هو الذي أراده الواحدي (ت٤٦٨هـ) لما كتب كتابه: (الوجيز) ليسهل على من أراد أن يقرأ التفسير استظهار كتابه أو حفظه، قال: «... إلى إيجاز كتاب في التفسير، يقربُ على من تناوله، ويسهل على من تأمله، من أوجز ما عمل في بابه، وأعظمه فائدة على متحفِّظيه وأصحابه. وهذا كتاب أنا فيه نازل إلى درجة أهل زماننا، تعجيلاً لمنفعتهم، وتحصيلاً للمثوبة في إفادتهم ما تمنَّوه طويلاً، فلم يُغْنِ عنهم أحدٌ فتيلاً ...» (١). إذن هذا المقصد يحسن أن يكون مقصداً لمن أراد أن يؤلف لعامة الناس، فليس كل الناس يستطيع أن يقرأ المجلدات الكبار، وكأن ابن جُزيٍّ ﵀ أراد أن يقرِّب التفسير للراغبين فيه فقال: (صغير الحجم تسهيلاً على الراغبين). ثم وصف كتابه فقال: (فلقد احتوى هذا الكتاب على ما تضمنته الدواوين الطويلة من العلم، ولكن بعد تلخيصها وتمحيصها، وتنقيح فصولها، وحذف حشوها وفضولها). كأن المؤلف ينتقد بعض الكتب ـ وإن لم يذكرها ـ ويشير إلى أن فيها مشكلة من جهة الإطالة في العبارة أو الحشو، والمراد به: زيادة ما لا داعي له، وكأنه أراد أن يقول: (سأجعل كتابي مختصراً)، ويدل لذلك العبارة التي ستأتي في قوله: (من غير إفراط ولا تفريط). ثم قال بعد ذلك: (ولقد أودعته من كل فن من فنون علم القرآن) نلاحظ أنه قال أولاً: (صنفت هذا الكتاب في تفسير القرآن العظيم وسائر

стр. 13

ما يتعلق به من العلوم) ثم رجع مرة أخرى وقال: (ولقد أودعته من كل فن من فنون علم القرآن اللباب المرغوب فيه دون القشر المرغوب عنه). وهذا يشير إلى ما ذكرته سابقاً من أن إدخال مسائل بعض أنواع علوم القرآن من مقاصد ابن جزي في تفسيره هذا. ثم قال: (من غير إفراط ولا تفريط) كأنه يقول: جعلته وجيزاً مختصراً ليس فيه ذلك الحشو ولا ذلك التطويل. ثم قال: (ثم إني عزمت على إيجاز العبارة وإفراط الاختصار وترك التطويل والتكرار)، بدأ بذكر الأسلوب الكتابي الذي سينتهجه في عباراته في هذا التفسير (١). ثم قال ﵀: (الفائدة الثانية: ذكر نكت عجيبة وفوائد غريبة قلما توجد في كتاب؛ لأنها من نبات صدري، وينابيع ذكري، ومما أخذته عن شيوخي ﵃، أو مما التقطته من مستظرفات النوادر، الواقعة في غرائب الدفاتر).

стр. 14

يتحدث المؤلف عن المقصد الثاني من هذا التأليف، وهو (ذكر نكت عجيبة وفوائد غريبة)، وغالباً ما تكون في باب المُلَح أو الاستنباطات الطريفة. ثم قال عنها: (قلما توجد في كتاب) أي: لا يوجد كتاب يحوي هذه النكت، ولا يزال الناس إلى اليوم ينشدون كتاباً يجمع هذه النكت، وهذا صعب، فهي كثيرة جداً، ولا يمكن حصرها. ثم ذكر ﵀ مصادره في هذه النكت والفوائد: ١ - قال: (من بنات صدري ونتائج فكري). وهذا ما يقع له حسب اجتهاده وتدبره في الكتاب العزيز، ولا يعني هذا ألا يكون قد سُبِق إليها، لكنه حسب علمه لم يطلع عليها، وإن وقع لك وأنت تقرأ كتابه شيئاً ادَّعى افتراعه وابتداعه، ثم رأيته لأحد ممن تقدمه، فاعلم أن الأمر كما يقال: (وقع الحافر على الحافر)، فاتفق هو مع المتقدم عليه دون اطلاع سابق، وذلك كثير في كتب أهل العلم. ٢ - قال: (مما أخذته عن شيوخي بالمشافهة، فهي غير مسطرة في كتاب). هذه الدرر التي يأخذها عن شيوخه كالتي يصل إليها بمحض اجتهاده، وقيدها عنده أنها غير مدونة في كتب أهل العلم، فهي من بنات أفكار شيوخه، لكن لا يلزم ألا يكون وصل إليها أحد قبلهم ـ كما مرَّ التنبيه على ذلك في الفقرة السابقة. ومن باب الفائدة، فإن الطالب لو جعل له كرَّاساً يجمع فيه الفوائد واللطائف التي يسمعها من أساتذته في شتى العلوم والمعارف لحفظ من فوائد العلم شيئاً كثيراً. ولقد كان عمِل بهذه الفكرة أحد أصحابي، ورأيت كُنَّاشةً جمع فيها فوائد ولطائف وأشعار مما كان يسمعه من الأستاذين في سني دراسته في

стр. 15

الكلية، وكان فيها من اللطائف والمعارف الشيء الكثير، حتى كأنك تسير في حديقة غنَّاء مليئة بأنواع الثمار والفواكه والزهور. وأذكر من فوائد ما علِق في ذاكرتي من أثناء دراستي في الجامعة تعليقاً لأحد أساتذة التربية على قوله تعالى: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢]، قال ما معناه: جاء لفظ صاحب للردِّ على زعمهم بأن محمداً ﷺ مجنون؛ إذ كيف تتهمونه بالجنون، وهو مصاحب لكم تعلمون جميع أحواله، وأنتم أشد الناس معرفة بصدقه وأمانته. ٣ - قال: (أو مما التقطته من مستظرفات النوادر الواقعة في غرائب الدفاتر). أي: أنه أخذها من مصادر لا يتصور أنها من مراجع علم التفسير، فقد تكون من كتاب فقهي أو كتاب أدبي أو كتاب لغوي، والقارئ قد يقع على شيء من علم التفسير في غير مظانِّه، ومن هذه الكتب ـ على سبيل المثال ـ: كتاب «نتائج الفكر» للسيهلي (ت٥٨١هـ)، فهذا الكتاب ـ وهو في علم النحو ـ لا يُتوقَّع أن يوجد فيه شيء مما يتعلق بالتفسير؛ فأنَّى لك أن تكتشف أن فيه من النكت والطرائف والفوائد التفسيرية الشيء الكثير العجيب، وإنك واجد فيه مِنْ براعة السهيلي في استنباط الكثير من بلاغة القرآن ولطائف لغته ودقائقها الشيء الكثير، وقد استفاد منه ابن القيم (ت٧٥١هـ) كثيراً في كتابه: «بدائع الفوائد». ذكر السهيلي (ت٥٨١هـ) بحثاً ماتعاً حول سؤال قال فيه: (فإن قيل: كيف جاز ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ [المزمل: ٨]، والمقصود بالذكر والتسبيح هو الرب ﵎، لا اللفظ الدال عليه؟ قلنا: هذا سؤال قد كعَّ عنه أكثر المحصِّلين، ونكتة عجز عنها أكثر المتأولين ... والقول السديد في ذلك ـ والله المستعان ـ أن نقول: الذِّكر

стр. 16

على الحقيقة محله القلب؛ لأنه ضدُّ النسيان، والتسبيح نوع من الذكر، فلو أطلق الذكر والتسبيح لما فُهِم منه إلا ذلك، دون اللفظ باللسان، والله إنما تعبَّدنا بالأمرين جميعاً، ولم يتقبل من الإيمان إلا ما كان قولاً باللسان، واعتقاداً بالجَنان، فصار معنى الآيتين على هذا: اذكر ربك وسبح ربك بقلبك ولسانك، ولذلك أقحم الاسم تنبيهاً على هذا المعنى حتى لا يخلو الذكر والتسبيح من اللفظ باللسان؛ لأن الذكر بالقلب مُتَعَلَّقُه المسمى المدلول عليه بالاسم دون سواه، والذكر باللسان متعلَّقه اللفظ وما يدلَّ عليه؛ لأن اللفظ لا يراد لنفسه، فلا يتوهم أحد أن اللفظ هو المسبَّح دون ما يدل عليه من المعنى، هذا ما لا يذهب إليه خاطر، ولا يتوهَّمُه ضمير، فقد وضحت تلك الحكمة التي من أجلها أُقحِم ذكر الاسم، وأنه به كملت الفائدة، وظهر الإعجاز في النظم والبلاغة في الخطاب. فهذه نكتة لمتدبرها خير من الدنيا بحذافيرها، والحمد لله على ما فَهَّمَ وعَلَّم) (١). ومن لطيف ما نقله ابن القيم (ت٧٥١هـ) عن شيخه ابن تيمية (ت٧٢٨هـ) في هذه الآية قوله: «وعبَّر لي شيخنا أبو العباس ابن تيمية ـ قدس الله روحه ـ عن هذا المعنى بعبارة لطيفة وجيزة فقال: المعنى: سبِّح ناطقاً باسم ربك متكلماً به، وكذا سبح اسم ربك؛ «المعنى: سبِّح ربك ذاكراً اسمه، وهذه الفائدة تساوي رحلة، لكن لمن يعرف قدرها، فالحمد لله المنان بفضله ونسأله تمام نعمته» (٢). ثم قال ﵀: (الفائدة الثالثة: إيضاح المشكلات إما بحل العقد المقفلات، وإما بحسن العبارة ورفع الاحتمالات وبيان المجملات).

стр. 17

يشير بهذه الفائدة إلى أن هناك مشكلات؛ سواء ما يقال فيه: «مشكل القرآن» أو فيما يُشكِل من المسائل العلمية التي يذكرها العلماء، فنبَّه أنه سيعمل على حلِّ هذه العقد المقفلات: • إما بحسن العبارة فتكون واضحة بحيث تنفك المشكلة، ويزول الغموض. • وإما برفع الاحتمالات بأن يذكر القول الصواب فيها، إن كانت تحتاج إلى بيان القول الصواب، أو بأن يبين عن المراد باللفظة أو الجملة إذا احتملت أكثر من معنى. وإما ببيان المجملات بأن يذكر المعنى البيِّن من هذه الأقوال التي فيها إجمال، فحسن العبارة وطريقة التعبير عنها كفيل بإيضاح وإفهام هذه القضايا المشكلة. ثم تحدث ابن جزي عن الفائدة الرابعة فقال: (الفائدة الرابعة: تحقيق أقوال المفسرين والتفرقة بين السقيم منها والصحيح، وتمييز الراجح من المرجوح ....). المؤلف جعل من مقاصد التأليف عنده تحقيق أقوال المفسرين أي: تمييز الصحيح من الضعيف، وتمييز الصحيح من الباطل، وهذا المقصد موجود في بعض التفاسير؛ لأن بعض الكتب يغلب عليها النقل وعدم التحقيق، وأما الكتب التي تتميز بالتحقيق فمن أهمها: تفسير الإمام الطبري (ت٣١٠هـ) رحمه الله تعالى فهو من الكتب التي تعتمد تمييز الراجح من المرجوح والتحقيق في أقوال المفسرين، وكذلك تفسير ابن عطية (ت٥٤٢هـ)، وتفسير القرطبي (ت٦٧١هـ)، وتفسير البحر المحيط لأبي حيان (ت٧٤٥هـ)، وتفسير ابن كثير (ت٧٧٤هـ)، وتفسير الألوسي (ت١٢٧٠هـ)، وتفسير الطاهر ابن عاشور (ت١٣٩٣هـ) وهو «التحرير والتنوير»، هذه بعض الكتب التي عملت بما يذكره المؤلف وإن لم تذكر ـ

стр. 18

في الغالب ـ نصّاً منظماً كنصِّ المؤلف، وهذه الكتب المحررة ستجد فيها نقاشات علمية وترجيحات وتحريرات في التفسير، فابن جزي قدَّم تنظيراً متكاملاً، ثم سيذكر التطبيقات في التفسير. وقد جعل المؤلف أقوال الناس على مراتب؛ منها: ١ - الصحيح الذي يعول عليه. ٢ - والباطل الذي لا يلتفت إليه (١). ٣ - وما يحتمل الصحة والفساد، ثم يذكر مع هذا الاحتمال قد يكون متساوياً وقد يكون متفاوتاً، والتفاوت قد يكون قليلاً أو كثيراً.

стр. 19

هذه التفصيلات التي ذكرها في حال العمل التفسيري قد لا نحتاج إليها كثيراً؛ أي: أننا لا نعمل بها في حال الاختلاف، ولا ننظر هل هذا من هذا القسم أو من ذاك؛ لذا لو أردنا أن نمثل لما يكون متساوياً أو ما يكون متفاوتاً لصعب علينا في كل مثال يقع فيه اختلاف، وهذه إن ذُكرت في باب التنظير، فلا يلزم أن يوجد لها تطبيقات كثيرة في التفاسير في كل الأحوال. أما الصحيح والضعيف، أو الصحيح والباطل فهذا يوجد، ويمكن التمثيل له فنقول: هذا تفسير صحيح وهذا تفسير ضعيف. قوله: (وإني جعلت لهذه الأقسام عبارات مختلفة تعرف بها كل مرتبة وكل قول). المؤلف لم يجعل القارئ يستقرئ طريقته في قضية الترجيح، بل ذكر طريقته تلك في هذه المقدمة بوضوح، فذكرها بالترقي من الأدنى إلى الأعلى. • فأدناها: ما صرَّح بأنه خطأ أو باطل، فهو أضعف الأقوال. • ثم ما ذكر أنه ضعيف أو بعيد، وهذا مرتبته أعلى قليلاً من الذي قبله. • ثم ما يقول فيه: إن غيره أقوى أو أرجح أو أظهر أو أشهر، وهذا أعلى من سابقه. • ثم ما يقدم غيره عليه إشعاراً بترجيح المتقدم وأن الذي بعده أقل منه عند المؤلف. ثم قال: (وأما إذا صرَّحت باسم قائل القول فإني أفعل ذلك لأحد أمرين: إما للخروج عن عهدته، وإما لنصرته إذا كان قائله ممن يقتدى به). الأصل عند ابن جزي عدم التصريح بالأسماء، وقد ذكر سبب ذكره الأسماء في بعض المواطن:

стр. 20

الأول: إذا أراد أن يخرج من عهدة القول. الثاني: إذا أراد أن ينصر القول؛ لأن قائل هذا القول إمام معتبر فهذه قاعدته في التصريح بالأسماء. ثم علَّل سبب عدم تصريحه بالأسماء، فقال: (على أني لست أنسب الأقوال إلى أصحابها إلا قليلاً؛ وذلك لقلة صحة إسنادها إليهم، أو لاختلاف الناقلين في نسبتها إليهم). أوجز المؤلف قضية اختلاف الناقلين في نسبتها إلى أصحابها وهي تحتاج إلى تأمل، والظاهر من العبارة أنه يقصد مفسري السلف؛ لأن غيرهم من العلماء كالطبري (ت٣١٠هـ) أو ابن عطية (ت٥٤٢هـ) وغيرهم إن نَسَبَ إليهم شيئاً فسينظر في كتبهم التي بين يدينا ويعرف صحته من عدمه، لكن الذين قد لا يصح الإسناد إليهم، أو يكون للواحد منهم أكثر من قول، هم مفسرو السلف، وهذا يدل على أن عنده مشكلتين تحفَّان ببعض تفسيرات السلف: الأولى: قلة صحة الإسناد إليهم. الثانية: اختلاف الناقلين في نسبتها إليهم. وهاتان المشكلتان تحتاجان إلى نظر آخر غير ما ذكره الإمام ابن جزي ﵀، وهو: أولاً: إن ما يتعلق بصحة الإسناد لم يكن مشكلة جوهرية عند المفسرين، فلم يتوقف ابن جزي أو من قبله أو بعده من المفسرين من الاستفادة من مرويات السلف بهذه الأسانيد التي فيها ما هو ضعيف وليس باطلاً أو موضوعاً، وأخذوا منها بيان معاني القرآن، ورجحوا بها أقوالهم على أقوال المتأخرين، والمقصود أن قضية صحة الإسناد في آثار السلف في التفسير لا تمثل مشكلة كبيرة؛ بدلالة أن علماءنا منذ القرن الثاني ومن بعده لم يتوقفوا في هذه الأسانيد وقبلوها وعملوا بما فيها مع

стр. 21

علمهم التام بما في بعضها من كلام؛ كما في رواية الضحاك (ت١٠٥هـ) عن ابن عباس (ت٦٨هـ) فإن فيها انقطاعاً؛ لأن الضحاك لم يلق ابن عباس. وكذلك رواية العوفيين عن جدهم عطية العوفي (ت١١١هـ) عن ابن عباس فإن فيها ضعفاً ـ أيضاً ـ وهذا معروف عند علماء الحديث والتفسير، ومع ذلك أخذوا بهذه الروايات من حيث الجملة. وهنا ينبه إلى فائدة مهمة قد تخفى على بعض طلاب العلم، وهو أن عمل العلماء وتتابعهم على قبول هذه الرواية محكَّم معتبرٌ، وكذا هو الحال في كثير من روايات السلف التي عُلمت مخارجها، أو كانت نُسخاً تروى عن أصحابها بالإسناد إليهم، كنسخة عطية العوفي (ت١١١هـ) عن ابن عباس، أو نسخة علي بن أبي طلحة (ت١٤٥هـ) عن ابن عباس. ثانياً: إن قضية اختلاف الناقلين في نسبتها إليهم، فيها نظر؛ لأن المختلف في نسبته إلى الناقلين يحتاج أن نثبت وقوع الاختلاف فيه؛ فقد ينسبه راوٍ إلى عكرمة (ت١٠٥هـ) وآخر ينسبه إلى مجاهد (ت١٠٤هـ) فاختلفت النسبة لكن قد يكون هذا القول قال به مجاهد وقال به عكرمة فليس هناك اختلاف؛ لأن غالب ما ينقل عنهم هو من باب اختلاف التنوع الذي يكون بين جميع المفسرين من السلف ويكون عن المفسر الواحد؛ ولذا تجد رواية عن ابن عباس بمعنى ورواية أخرى بمعنى آخر وليس بينهما تضاد، وإنما هو من باب التنوع، فهذا القول صحيح، والقول الآخر صحيح، والمقصود أن اختلاف نقل الناقلين عنهم لا يُعدُّ مشكلة. ثم ذكر طريقته في الأقوال الباطلة فقال: (وإذا كان القول في غاية السقوط والبطلان لم أذكره تنزيهاً للكتاب، وربما ذكرته تحذيراً منه) بمعنى أنه إذا ورد تفسير باطل أو ضعيف في كتابه فقد يذكره للتحذير منه والتنبيه عليه. ثم ذكر بعد ذلك مصطلح الترجيح والتصحيح، ولا نستطيع من

стр. 22

خلال عبارة المؤلف أن نميز ونفرِّق بينهما، ولا نقول: إن العطف يقتضي المغايرة؛ لأن المؤلف قد يكون ذكر هذا من باب تنويع العبارة وليس من باب المغايرة، ثم قال: (وسنذكر بعد هذا باباً في موجبات الترجيح)، ويلاحظ أنه غيَّر المصطلح، فسمَّاها قبل ذلك قواعد الترجيح، ثم سمَّاها هنا موجبات الترجيح، ثم سمَّاها وجوه الترجيح في بابها الذي سيناقش فيه ذلك، وتنوع مصطلحات العالم قد يكون من باب تنويع العبارة، وقد يكون له مقصد لا نعرفه. ثم قال: (وسميته كتاب التسهيل لعلوم التنزيل). الأصل في هذا الكتاب أنه كتاب تفسير، فنُصَنِّفه في كتب علوم التفسير؛ لكن المؤلف أراد أن يضيف إليه أنواعاً من علوم القرآن، وهذا ظاهر من تسمية المؤلف له حيث جعله في «علوم التنزيل»، أي: «علوم القرآن». لذا أقول: من أراد أن يكتب في تصنيف علوم القرآن فلا بد أن يذكر هذا الكتاب أثناء كتابته عن تطور علوم القرآن في المراحل التاريخية؛ لأن علوم القرآن مقصد من مقاصد التأليف عند المؤلف ونصَّ عليها في أكثر من موطن، ولما سمَّى كتابه لم يسمِّه «تفسيراً»، بل سمَّاه: «التسهيل لعلوم التنزيل»، فيجب أن نعرف أن للعلماء مناهج في الحديث عن علوم القرآن فبعضهم ألف مؤلفات مفردة كالناسخ والمنسوخ، وأحكام القرآن والمكي والمدني، وبعضهم ألف كتباً فيها جمع لعددٍ من علوم القرآن، ومن أشهرها: كتاب البرهان للزركشي (ت٧٩٤هـ)، والإتقان للسيوطي (ت٩١١هـ). والمشكلة التي قد تقع لبعضنا في الوقت الحاضر أنه لا يفهم أنواع علوم القرآن إلا من خلال ما كتبه «صاحب البرهان» و «صاحب الإتقان»، فأي كتاب لا يتمثَّل فيه صبغة البرهان وصبغة الإتقان فإنه عنده ليس من كتب علوم القرآن.

стр. 23

وتنظير أنواع علوم القرآن من خلال هذين الكتابين فحسب فيه نظر، بل الصواب أن نتتبع المراحل التاريخية، ونرى كيف تعامل العلماء مع أنواع علوم القرآن، وننظر في مقاصد كتبهم، فإن كان واضحاً من مقصدهم التأليف في أنواع علوم القرآن فلا يجدر بنا أن نغفله عند الحديث عن تاريخ علوم القرآن والمؤلفات فيه (١). قوله: (وقدمت في أوله مقدمتين: إحداهما: في أبواب نافعة، وقواعد كلية جامعة، والأخرى: فيما كثر دوره من اللغات الواقعة). هذه مقدمة المقدمة، أمَّا المقدمة التي سيذكر فيها ما يتعلق بعلوم القرآن وأصول التفسير فهي المقدمة الأولى التي سنشرحها. وأما المقدمة الثانية، فقد ذكر فيها الألفاظ التي يكثر دورانها في القرآن وبيّن معانيها فجعلها كأنها كتاب في مفردات ألفاظ القرآن بحيث لا يحتاج إلى أن يذكر معاني هذه الكلمات في كل موضع ترد فيه. وهذه الطريقة لها جانب حسن، ولها جانب غير ذلك، وذلك مبني على مدى استفادة القارئ منهما؛ لأن قارئ التفسير ـ مثلاً ـ قد يقرأ في

стр. 24

سورةٍ ما، ولا يجد تفسير لفظة من الآية، فيظن أن المؤلف قد أهملها، وإنما تركها لأنه ذكرها في هذه المقدمة التي فسَّر فيها الألفاظ. وإذا كان القارئ يعلم عن منهج المؤلف، فإنه سيضطر للرجوع إلى هذه المقدمة ليعرف ما قاله المؤلف في بيان معنى هذه اللفظة، وهذا فيه تطويل في تحصيل الفائدة في غير مظنتها. وأما محاسن جمع تفسير الألفاظ في محلٍّ واحد، فمن جهة أن من أراد أن يقرأ مفردات القرآن عند ابن جزي يجدها مجموعة في مكان واحد. فوائد علمية مستخلصة من هذه المقدمة: يمكن استخراج النتائج والفوائد من هذه المقدمة التي جعلها تمهيداً للمقدمتين الأولى والثانية، فمن هذا الفوائد: ١ - تفريق المؤلف بين علوم التفسير وعلوم القرآن. ٢ - أن علوم القرآن مقصد من مقاصد التأليف عند المؤلف؛ أي: ليس الكتاب تفسيراً، وإنما هو تفسير قصد فيه ذكر مسائل علوم القرآن. ٣ - وضوح مقاصد تأليف الكتاب عند المؤلف. ٤ - وضوح منهج المؤلف. ٥ - عناية المؤلف بتحقيق الأقوال التفسيرية. ٦ - اعتماد المؤلف على القواعد العلمية في الترجيح بين الأقوال.

стр. 25

الباب الأول نزول القرآن الكريم قال ﵀: المقدمة الأولى: فيها اثنا عشر باباً، الباب الأول: في نزول القرآن وجمعه في المصحف ونقطه وتحزيبه وتعشيره وذكر أسمائه. في نزول القرآن على رسول الله ﷺ من أول ما بعثه الله بمكة، وهو ابن أربعين سنة إلى أن هاجر إلى المدينة، ثم نزل عليه بالمدينة إلى أن توفاه الله، فكانت مدة نزوله عليه عشرون سنة، وقيل: كانت ثلاثاً وعشرين سنة على حسب الاختلاف في سنِّه ﷺ يوم توفي هل كان ابن ستين سنة؟ أو ثلاث وستين سنة؟ وكان ربما تنزل عليه سورة كاملة، وربما تنزل عليه آيات مفترقات، فيضم ﵇ بعضها إلى بعض حتى تكمل السورة. وأول ما نزل عليه من القرآن: صدر سورة العلق، ثم المدثر والمزمل، وقيل: أول ما نزل المدثر، وقيل: فاتحة الكتاب، والأول هو الصحيح؛ لما ورد في الحديث الصحيح عن عائشة في حديثها الطويل في ابتداء الوحي قالت فيه: «جاءه الملك وهو بغار حراء قال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني وغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني ثم قال: ﴿اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ *خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ *اقْرَا وَرَبُّكَ الأَكَرَمُ *الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ *عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ - ٥]، فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف

стр. 26

فؤاده فقال: «زمِّلوني زمِّلوني، فزمَّلوه حتى ذهب عنه ما يجد من الرَّوع» (١)، وفي رواية من طريق جابر بن عبد الله: فقال رسول الله ﷺ : «زملوني، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ (٢) [المزمل: ١]، وأما آخر ما نزل: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١]، وقيل: آية الربا التي في البقرة، وقيل: الآية قبلها (٣). الفرق بين علوم القرآن وعلوم التفسير: علوم التفسير وعلوم القرآن بينهما فرق، ونعرفه إذا فهمنا المراد بالتفسير الذي هو (بيان معاني كلام الله)، فإذا جئنا إلى قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق: ٢] فمعناه: أن الله أوجد هذا الإنسان من العلقة التي تتكون في رحم المرأة، وهذا هو التفسير؛ لأنه بيان للمعنى. أما إذا قلنا: إن هذه الآيات الخمس الأولى من سورة العلق، أولُ ما نزل من القرآن، وقال آخر: ليست أول ما نزل بل نزل قبلها ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١]؛ كما هو مروي عن جابر (ت:٧٨هـ)، فإن هذا الخلاف لا يؤثر في فهم المعنى، وهذه المعلومة مرتبطة بالآية بلا ريب؛ فلا تكون من علوم التفسير، بل تكون من علوم القرآن. المقصود أن المعنى إذا كان لا يتم إلا بفهم معلومة معينة فنقول: إن هذه المعلومة من التفسير، وإذا كان المعنى يفهم بدون هذه المعلومة فهي من علوم الآية؛ أي: من علوم القرآن، وليست من علوم التفسير. وعلوم القرآن قد تكون من علوم السورة؛ كفضائلها، وعدد آياتها، واسمها.

стр. 27

وقد تكون من علوم الآية، كسبب نزولها، ومكان نزولها، ومشكلها، وما وقع فيها من النسخ ... إلخ. ومن أمثلة علوم السورة: فضائل السور، ومن ذلك فضل سورة البقرة التي ورد فيها عدد من الأحاديث، فإن المسلم إذا أراد أن يتعلم تفسيرها، ولم يكن يعرف فضائلها فإن جهله هذا بفضائلها لا يؤثر على فهمه للمعاني. ومن علوم الآية في هذا الموضوع فضل آية الكرسي، فإن المسلم لو لم يعرف فضلها فإن فهمه لن يتأثر بعدم هذه المعرفة. والمؤلف يحدثنا في هذا الباب عن نزول القرآن على الرسول ﷺ ، وهو نوع من علوم القرآن، ثم ذكر الخلاف المشهور في مدة بقاء الرسول ﷺ في مكة، فقيل: عشر سنوات، وقيل: ثلاث عشرة سنة، وهو الراجح، وتوفي وعمره ثلاث وستون سنة؛ كما رجحه المحققون، وعلى هذا تكون مدة نزول القرآن ثلاث وعشرون سنة. وقال في الفائدة التي بعدها: (وكان ربما تنزل عليه سورة كاملة)، مثل: سورة الكوثر وسورة الناس وسورة الفلق وسورة الفاتحة، وغيرها من قصار السور. قال بعدها: (وربما تنزل عليه آيات مفترقات، فيضم ﵇ بعضها إلى بعض حتى تكمل السورة)، ولذا ورد قوله ﷺ : «ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا» (١)، وترتيب الآيات في السور كان بوحيٍ من الله إجماعاً؛ وإذا نظرت إلى سورة العلق فإنك ستجد أن الآيات الخمس الأولى من سورة العلق أنها كانت أول ما نزل في غار حراء، أما الآيات التي بعدها فهي متأخرة في النزول؛ لأنها تتحدث عن حدث

стр. 28

بعد إظهار الدعوة؛ لأنها تتكلم عن الرجل الذي ينهى (أبو جهل) عبداً إذا صلى (محمد ﷺ ، وهذا كان بعد فترة طويلة، فجعلت هذه الآيات مع أول الآيات التي نزلت، فالرسول ﷺ كان يضم الآيات إلى الآيات في السورة. الخلاف في أول ما نزل: الصحيح أن أول ما نزل هو صدر سورة العلق. وقيل: أول ما نزل: المدثر، وهو مذهب الصحابي جابر بن عبد الله. وقيل: فاتحة الكتاب، وهذا قول ضعيف جداً؛ لكنه يذكر في كتب علوم القرآن. لكن الذي وقع فيه الخلاف صدر سورة العلق وصدر سورة المدثر، ولولا أثر جابر ﵁ لما حُكِيَ الخلاف، وهذا الأثر فيه إشكال كبير، فإن جابراً سئل عن أول ما نزل؟ فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] فالسؤال عن الأولية مطلقاً، وبعض العلماء يخرِّجه على أولية مخصوصة، ويقول: إن جابراً ﵁ أراد أنها أول ما نزل بالإنذار أو بالنبوة. والذي يظهر من خلال الأثر الذي ورد عن جابر، أن جابراً لم يعلم عن نزول الآيات في غار حراء، ويظهر أن الرسول ﷺ لم يحدِّثه بنزول الآيات بل حدثه بمجيء جبريل ﵇ إليه في غار حراء فقط، ثم حدَّثه بما حصل بعد هذا المجيء، فجابر ﵁ حدَّث بما عَلِمَ، وظنَّ أن ما قاله الرسول ﷺ هو أول ما بدئ به في الوحي، ولو أخذناه على هذا المحمل فليس ـ في نظري ـ هناك مشكلة، وجابر ﵁ لو كان يعلم أن المَلَكَ لما نزل في غار حراء قرأ على الرسول ﷺ : ﴿اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ لم يقل: (أول ما نزل سورة المدثر). ثم إن هذا مذهب فرد من الصحابة، والصحابي قد يقع منه الغلط، وليس له عصمة.

стр. 29

قوله: (وأما آخر ما نزل: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١]، وقيل: آية (الربا) (١) التي في البقرة، وقيل: الآية قبلها). آخر ما نزل على الإطلاق فيه خلاف، والتعبير بعبارة (آخر ما نزل) عند السلف على قسمين: القسم الأول: أن يكون مرادهم الآخرية المطلقة، وعليه قول بعضهم: آخر ما نزل سورة الكوثر. القسم الثاني: آخرية نسبية، وعليه قول بعضهم: (آخر ما نزل سورة المائدة، وهي محكمة)، ومراده أن جميع آياتها لا يوجد فيها نسخ. وقول بعضهم: «إن آخر آية نزلت آية الربا»، مراده الآخرية المطلقة، وهي من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَاكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ إلى قوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١]. ومن قال منهم: آخر آية نزلت قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١]، فإنه لا يخالف هذا القول؛ لأن الأول ذكر أول الآيات التي نزلت آخراً، والثاني ذكر آخر آية مما نزل آخراً. والذي ينتج من خلال بحث (آخر ما نزل) ما يأتي: ١ - أنه لا يوجد اتفاق على الآخرية المطلقة. ٢ - أنه يوجد آخريات نسبيه كثيرة، كآخر ما نزل من آيات الربا، أو آيات الخمر، أو آيات الجهاد.

стр. 30

٣ - كل آخرية نسبية يقابلها أولية نسبية، وقد يقع الخلاف في بعض مواطن الأوليات النسبية؛ كالخلاف في آية الخمر الأولى، هل هي قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَناً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل: ٦٧]، أو قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢١٩].

стр. 31

جمع المصحف وكتابته قال ﵀: وكان القرآن على عهد رسول الله ﷺ متفرقاً في الصحف، وفي صدور الرجال، فلما توفي رسول الله ﷺ قعد علي بن أبي طالب ﵃ في بيته فجمعه على ترتيب نزوله، ولو وجد مصحفه لكان فيه علم كبير ولكنه لم يوجد. فلمَّا قتل جماعة من الصحابة يوم اليمامة في قتال مسيلِمة الكذاب أشار عمر بن الخطاب على أبي بكر الصديق ﵄ بجمع القرآن مخافة أن يذهب بموت القراء، فجمعه في صحف غيرَ مرتب السور، وبقيت تلك الصحف عند أبي بكر، ثم عند عمر بعده، ثم عند ابنته حفصة أم المؤمنين. وانتشرت في خلال ذلك صحف كتبت في الآفاق عن الصحابة، وكان بينها اختلاف، فأشار حذيفة بن اليمان على عثمان بن عفان ﵄ فجمع الناس على مصحف واحد خيفة من اختلافهم، فانتدب لذلك عثمان، وأمر زيد بن ثابت فجمعه وجعل معه ثلاثة من قريش: عبد الله بن الزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وسعيد بن العاص بن أمية، وقال لهم: «إذا اختلفتم في شيء فاجعلوه بلغة قريش»، وجعلوا المصحف الذي كان عند حفصة إماماً في هذا الجمع الأخير، وكان عثمان ﵁ يتعهدهم ويشاركهم في ذلك، فلمَّا كمل المصحف نسخ عثمان ﵁ منه نسخاً، ووجَّهها إلى الأمصار، وأمر بما سواها أن تخرق أو تحرق، يروى بالحاء والخاء المنقوطة (١).

стр. 32

تحدث المؤلف عمَّا اصطُلح عليه «جمع القرآن»، وذكر حال القرآن في عهد رسول الله ﷺ فقال: (وكان القرآن على عهد رسول الله متفرقاً في الصحف وفي صدور الرجال). وقوله: (في الصحف) فيه مشكلة؛ لأنه قد يُفهم منه أنه كان مجموعاً بأكمله في الصحف، والمعروف أنه لم يكن في عهد الرسول ﷺ مجموعاً كاملاً في الصحف فقط، وإنما كان في عدة أدوات من أدوات الكتابة مثل كتف البعير واللخاف الذي هو رقائق الحجر، وغيرها من الأدوات المتعاهدة عندهم، فكانوا يكتبون بأي شيء يمكن أن يكتب فيه. والقرآن كتب في عهد الرسول ﷺ تحت إشرافه ﷺ ؛ ولهذا حفظ في عهده مقروءاً ومكتوباً، وهذا ما أشار إليه المؤلف بقوله: (متفرقاً في الصحف وفي صدور الرجال). ويعني بقوله: (وفي صدور الرجال): ما يقرؤونه من المحفوظ في صدورهم. ومن المسائل المتعلقة بجمع القرآن في عهد الرسول ﷺ : أولاً: يلاحظ أن هناك آيات في القرآن نزلت وهي تشير إلى حفظ القرآن في السطور؛ بمعنى أن القرآن سيكون محفوظاً فيما بعد في الكتب، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ [البينة: ٢]، وكذلك قوله سبحانه: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢]، ولا يسمى الشيء كتاباً إلا إذا كان مكتوباً، وفي القرآن غيرها من الأدلة التي تنصُّ على أنه سيكون مكتوباً مدوَّناً. ثانياً: أن الحفاظ كانوا أكثر من الكتاب في عهد الرسول ﷺ ، فالاعتماد على الحفظ كان أكثر من الكتابة، وهذه قضية مهمة؛ لأن

стр. 33

المؤلف سيشير إلى شيء من ذلك فيما بعد، وأريد أن أُبرز هذا الجانب؛ لأنه مهم، فأقول: الأصل في القرآن القراءة المحفوظة في الصدور، وليست الكتابة، فنحن عندما نتعلم القرآن ننطلق من المقروء، كما كان الأمر عند الصحابة الذين تلقوا القرآن مشافهة عن النبي ﷺ ، ولم يأخذوه من كتاب، لذا نقول: هم ينطلقون مما يسمعونه من الرسول ﷺ ، ثم يكتبه بعضهم. ولم يُعهد عنهم أنهم اعتمدوا المكتوب دون المحفوظ في الصدور، وهذه قاعدة مهمة يجب أن نتنبه لها، فنعلم أن أي خطأ ينسبُهُ الملاحدة والمستشرقون إلى كتابة المصحف، أو الزعم بأن الرسم يحتمل قراءات متعددة، وكان ذلك هو السبب في تعدد القراءات؛ نعلم أنه يدل على خطأ مَنْ نسبَ الخطأَ إليها؛ لأن المكتوب لا يؤثر على المحفوظ في الصدور المتلقَّى مشافهة من النبي ﷺ . والذي أريد تقريره أن الأصل في القرآن عندنا أننا ننطلق من المحفوظ المقروء وليس من المكتوب، ويدل على ذلك أمور: ١ - أن القرآن لم يجمع في مصحف في عهد الرسول ﷺ ، وإنما جمع متفرقاً، وكذلك كان مبثوثاً في صدور حفظة القرآن. ٢ - أن الصحابة ﵃ كانوا يتفاوتون في حفظه، فمنهم من كان يحفظه كاملاً مثل زيد بن ثابت ﵁ (ت:٤٥هـ)، ومنهم من كان يحفظ بعضه، ومن ثمَّ فإن جمهور الصحابة لا يخفى عليهم القرآن، وإن كان قد يخفى بعضُه على بعضِهم. ٣ - أن التلقي بالمشافهة كانت هي الأصل الذي انتقل به القرآن جيلاً بعد جيل، وهناك آثار تدل على حرص الصحابة على تلقي القرآن مشافهة من النبي ﷺ . ثالثاً: أن النبي ﷺ كان يشرف على كتابة القرآن، إن لم يكن

стр. 34

قارئاً، فقد كُتِب بين يديه، وكان يراجعه على جبريل يعارضه؛ لذا فإن الأصل ألا يتعدى الصحابة ما تعلموه من الرسول ﷺ ؛ لأنه هو الذي وكِلت إليه مهمة بيان القرآن وتعليمه للناس، وهذه قاعدة كلية يجب استصحابها في كل ما يتعلق بالقرآن، مثل ما يتعلق بترتيب آياته وسوره، وما يقال بعد ذلك يكون خلاف الأصل. ومن أدلة ذلك: ما رواه البخاري في صحيحه، عن ابن الزبير: «قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: قُلْتُ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] قَدْ نَسَخَتْهَا الآيَةُ الأُخْرَى، فَلِمَ تَكْتُبُهَا أَوْ تَدَعُهَا؟! قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، لاَ أُغَيِّرُ شَيْئاً مِنْهُ مِنْ مَكَانِهِ». قوله: (فلما توفي رسول الله ﷺ قعد علي بن أبي طالب ﵃ في بيته فجمعه على ترتيب نزوله). هذا الأثر الوارد عن علي ﵁ أنه جلس في بيته وجمع القرآن وكتب مصحفه على ترتيب النزول ليس بصحيح، وقد ضعفه ابن حجر (ت:٨٥٢هـ) لانقطاعه، ثم قال: (وعلى تقدير أَن يكون محفوظاً فمراده بجمعه: حفظه في صدره)، ثم قال: (وما تقدم من رواية عبد خير عن علي أصح، فهو المعتمد) (١)، ويقصد برواية عبدِ خيرٍ: ما رواه ابن أبي داود (ت:٣١٦هـ) في المصاحف بسند حسن عن عبد خير قال: سمعت عليّاً يقول: «أعظم النَّاس فِي المصاحف أجراً أبو بكر، رحمة الله على أبي بكر، هو أول من جمع كتاب الله» (٢).

стр. 35

والمقصود من هذا: أن هذا الأثر لا يصح، وليس فيه حجة أو عمدة لمن يحتج بأن علياً ﵁ كان له مصحف كاملٌ. أما قول المؤلف: (ولو وجد مصحفه لكان فيه علم كبير ولكنه لم يوجد) فهذا غريب، فأي علم سيوجد في مصحف علي ﵁؟ فإن قصارى الأمر أنه سيكون فيه رأي عليٍّ ﵁ في ترتيب نزول القرآن، والاختلاف في ترتيب النزول أمر مشهور ومعروف. فإن قيل: لعل فيه تعليقات وتفسيرات من عليٍّ ﵁. الجواب: إن الأصل أن الصحابة لم يكونوا يكتبون مع القرآن غيره، وإنما جاءت هذه الشبهة في أن الصحابة كانوا يكتبون بعض تفسيراتهم، وهو ما اصطُلح عليه باسم «القراءات التفسيرية»، لِمَا وُجِد من بعض القراءات الشاذة مثل: «فصيام ثلاثة أيام متتابعات» فكلمة «متتابعات» قراءة شاذة، وليست تفسيراً؛ لأن من رواها نصَّ على أنها قراءة، وليست من قبيل التفسير، ومن الآثار في ذلك: في «مصنف ابن أبي شيبة»: «ابن علية عن ابن عون قال: سألت إبراهيم عن صيام الثلاثة أيام في كفارة اليمين، قال: في قراءتنا «فصيام ثلاثة أيام متتابعات»». وفيه: «وكيع عن أبي جعفر عن الربيع عن أبي العالية قال: كان أبي يقرؤها: «فصيام ثلاثة أيام متتابعات»» (١). وفي رواية يحيى الليثي لموطأ مالك، قال: «وحَدَّثَنِي عَنْ مَالِك عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ الْمَكِّيِّ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ قَالَ: كُنْتُ مَعَ مُجَاهِدٍ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ فَجَاءَهُ إِنْسَانٌ فَسَأَلَهُ عَنْ صِيَامِ أَيَّامِ الْكَفَّارَةِ أَمُتَتَابِعَاتٍ أَمْ يَقْطَعُهَا؟ قَالَ حُمَيْدٌ: فَقُلْتُ لَهُ: نَعَمْ يَقْطَعُهَا إِنْ شَاءَ. قَالَ مُجَاهِدٌ: لا يَقْطَعُهَا، فَإِنَّهَا فِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: «ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ»» (٢).

стр. 36

وبعض العلماء خرّج هذا تخريجاً عقلياً فقال: إن هذه القراءة قراءةٌ تفسيرية، لكن لا يوجد في الآثار إشارة إلى أن أحداً من الصحابة كتب في مصحفه غير القرآن. المقصد أن علياً ﵁ لو كتب مصحفه على ترتيب النزول فإنه لا يوجد شيء من العلم الذي ذكره ابن جزي إلا معرفة ترتيب النزول فقط على رأي علي بن أبي طالب ﵁ (ت٤٠هـ)، ومعلوم أن ترتيب النزول فيه خلاف بين الصحابة، وعليٌّ ﵁ (ت٤٠هـ) من أعلم الصحابة بالقرآن والنزول، كما ذكر ذلك عن نفسه، وكذلك ابن مسعود ﵁ (ت٣٢هـ) من أعلم الصحابة بالقرآن وفيمن نزل القرآن، لكن عندما يتعارض قول صحابي مع آخر فإنه لا يمكن اعتماد قول أحدهما إلا بحجة. قوله: (فلما قتل جماعة من الصحابة يوم اليمامة في قتال مسيلمة الكذاب أشار عمر بن الخطاب على أبي بكر الصديق ﵄ بجمع القرآن مخافة أن يذهب بموت القراء فجمعه في صحف غير مرتب السور). قوله: (فجمعه في صحف غير مرتب السور) هذا قول بعض أهل العلم، لكن فيه نظر، إذ لا يوجد دليل صريح عن أحد من الصحابة أن مصحف أبي بكر ﵁ (ت١٣هـ) غير مرتب السور، وإن كان الأثر الذي رواه الإمام أحمد وغيره، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «قُلْتُ: لِعُثْمَانَ مَا حَمَلَكُمْ عَلَى أَنْ عَمَدْتُمْ إِلَى الأَنْفَالِ، وَهِيَ مِنَ «الْمَثَانِي» (١)،

стр. 37

وَإِلَى بَرَاءَةٌ، وَهِيَ مِنَ «الْمِئِينَ»، فَقَرَنْتُمْ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ تَكْتُبُوا بَيْنَهُمَا سَطْرَ بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَوَضَعْتُمُوهَا فِي «السَّبْعِ الطِّوَالِ»، فَمَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِمَّا يَاتِي عَلَيْهِ الزَّمَانُ وَهُوَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ مِنَ السُّوَرِ ذَوَاتِ الْعَدَدِ، فَكَانَ إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ دَعَا بَعْضَ مَنْ يَكْتُبُ لَهُ، فَيَقُولُ: «ضَعُوا هَذِهِ فِى السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا». وَإِذَا أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ الآيَاتُ قَالَ: «ضَعُوا هَذِهِ الآيَاتِ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا». وَإِذَا أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ الآيَةُ قَالَ: «ضَعُوا هَذِه الآيَةَ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا» (١). وَكَانَتِ الأَنْفَالُ مِنْ أَوَائِلِ مَا نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ بَرَاءَةٌ مِنْ أَوَاخِرِ مَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ. قَالَ: فَكَانَتْ قِصَّتُهَا شَبِيهاً بِقِصَّتِهَا، فَظَنَنَّا أَنَّهَا مِنْهَا، وَقُبِضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا أَنَّهَا مِنْهَا، فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قَرَنْتُ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ أَكْتُبْ بَيْنَهُمَا سَطْرَ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَوَضَعْتُهَا فِي السَّبْعِ الطِّوَالِ»، قد يعتمد عليه من يرى أن ترتيب السور بالاجتهاد، إلا أن هذا الأثر يمكن النظر فيه من خلال النقاط الآتية:

стр. 38

أولاً: أن سبب سؤال ابن عباس ﵁ هو ترك سطر البسملة بين السورتين. ثانياً: أن ابن عباس ﵁ ينسب هذا العمل إلى عثمان ﵁ بقوله: «لم عمدتم»، ويحتمل أن يريد به عثمان ﵁ واللجنة التي كلفها أيضاً. ثالثاً: أن قصارى الأمر أن الذي لم يبلغهم ترتيبه هو سورة الأنفال وبراءة، فاجتهد عثمان ﵁ في وضعهما في السبع الطوال، وحذف سطر البسملة لاحتمال كونهما سورة واحدة. ويحسن هنا أن نستحضر تفسير بعض السلف لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧] أنها السبع الطوال، وهذا يعني أن من مصطلحاتهم في أسماء السبع الطوال أنها السبع المثاني؛ لأنها تثنَّى فيها المواعظ والعبر والقصص، قال الطبري: «وقائلو هذه المقالة مختلفون في المثاني، فكان بعضهم يقول: المثاني هذه السبع، وإنما سُمِّين بذلك لأنهنَّ ثُنِّي فيهنّ الأمثالُ والخبرُ والعِبَر. * ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن يونس، عن ابن سيرين، عن ابن مسعود في قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ قال: السبع الطُّوَل. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن سعيد الجريريّ، عن رجل، عن ابن عمر قال: السبع الطُّوَل. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يَمان، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ قال: السبع الطُّوَل» (١). وها أنت ترى ثلاثة من الصحابة قد أطلقوا على «السبع الطوال»

стр. 39

مصطلح «المثاني»، وإذا صحَّ ذلك، فلا مانع من أن ابن عباس أراد بالمثاني في هذا الأثر السبع الطوال، خصوصاً أنه قد ورد التفسير عنه بذلك في تفسير آية الحجر. وإذا كان ذلك كذلك، فإن ابن عباس لا يخالف في كون الأنفال من السبع الطوال التي سماها السبع المثاني، وإنما يسأل عن عدم جعل البسملة بين سورة من الطوال، وسورة من المئين، وهي التوبة. وكأن عثمان يقول: إني نزعت سطر البسملة بينهما، وظننت أنهما سورة واحدة مكملة للسبع الطوال، والله أعلم. وبعد، فإن الأظهر أن يكون مصحف عثمان منتسخاً من مصحف أبي بكر على ما هو معروف الآن من ترتيب، والأصل أن ترتيب كل ما يتعلق بالقرآن من النبي ﷺ ، وكذا مصحف أبي بكر، ومن ثَمَّ فإنه يكون على ما كان عليه القرآن في عهد الرسول ﷺ . ولا يعكِّر على هذا إلا هذا الأثر الذي يشير إلى عدم معرفة ترتيب سورتي الأنفال والتوبة. ولقد كان الكاتب زيد بن ثابت ﵁ (ت٤٥هـ) الذي ذُكِر أنه حضر العرضة الأخيرة، من أعلم الصحابة بالقراءة وبالمنزَّل على النبي ﷺ وهو الذي كتبه في عهد النبي ﷺ ، وفي عهد أبي بكر بمعونة عمر ﵁ (ت٢٣هـ)، ثم كتبه في عهد عثمان ﵁ (ت٣٥هـ)، ولم يرد عن واحد منهم أن ما فعله عثمان يخالف ما فعله أبو بكر؛ لأن عمل عثمان هو النسخ فقط كما يدل عليه أثر حذيفة في جمع الناس على مصحف (١)، ولم يرد أن ما فعله أبو بكر يخالف ما كان على عهد الرسول ﷺ ، فإذا لم يرد هذا، فالأصل البقاء على الأصل، والأصل أن يكون المصحف في عهد

стр. 40

الرسول ﷺ كما هو في عهد عثمان ﵁، وأي خلاف يورد في هذا يحتاج إلى دليل صريح، لذا فإن القول بأن القرآن في عهد النبي ﷺ لم يكن معروف الترتيب، أو أن المصحف في عهد أبي بكر ﵁ غير مرتب السور، قولٌ فيه نظر. قوله: (وانتشرت في خلال ذلك صحف كتبت في الآفاق عن الصحابة، وكان بينها اختلاف، فأشار حذيفة بن اليمان على عثمان بن عفان ﵄ فجمع الناس على مصحف واحد خيفة من اختلافهم). ذكر المؤلف ﵀ انتشار الصحف في عهد عثمان، ولكن لا يعني هذا تكاثر المصاحف كما نشاهده اليوم في مساجد المسلمين، بل هو انتشار نسبي؛ أي: أنها بالنسبة إلى ما قبلها من عام (٢٥هـ) أكثر، وإلا فإن القراءة من خلال الحفظ في عهد عثمان أكثر ﵁ من القراءة من خلال الصحف. ومع أن الكتابة صار لها انتشار إلا أنها لم تصل إلى أن تكون الصحف أصولاً يُرجع إليها ـ كما هو الحال اليوم ـ فما زال المقروء من الصدور سائداً في العالم الإسلامي، والقرآن يتلقى من خلال أفواه القراء. ولما لاحظ حذيفةُ بن اليمان ﵁ (ت٣٦هـ) في فتح أرمينية القَرَأةَ يختلفون، كما ورد في الأثر عنه: «... وَكَانَ يُغَازِي أَهْلَ الشَّامِ فِي فَتْحِ إِرْمِينِيَّةَ وَأَذْرَبِيجَانَ مَعَ أَهْلِ الْعِرَاقِ فَأَفْزَعَ حُذَيْفَةَ اخْتِلاَفُهُمْ فِي الْقِرَاءَةِ» (١)، ولم يكن لهم أصل يرجعون إليه لمعرفة الصحيح من غيره، كما كان الحال لما وقع ـ لعمر بن الخطاب ﵁ (ت٢٣هـ) وأبي بن كعب ﵁ (ت٣٠هـ) ـ الاختلاف في القراءة؛ رجعا إلى الرسول ﷺ ، فبيَّن لهما صحَّة قراءتهما مع اختلافها، فإذا كان قد وقع ذلك ممن حضر التنزيل
следующие страницы →