← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 13892

شرح مقدمة التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي

مساعد الطيار

Полный текст (290 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وبعض العلماء خرّج هذا تخريجاً عقلياً فقال: إن هذه القراءة قراءةٌ تفسيرية، لكن لا يوجد في الآثار إشارة إلى أن أحداً من الصحابة كتب في مصحفه غير القرآن. المقصد أن علياً ﵁ لو كتب مصحفه على ترتيب النزول فإنه لا يوجد شيء من العلم الذي ذكره ابن جزي إلا معرفة ترتيب النزول فقط على رأي علي بن أبي طالب ﵁ (ت٤٠هـ)، ومعلوم أن ترتيب النزول فيه خلاف بين الصحابة، وعليٌّ ﵁ (ت٤٠هـ) من أعلم الصحابة بالقرآن والنزول، كما ذكر ذلك عن نفسه، وكذلك ابن مسعود ﵁ (ت٣٢هـ) من أعلم الصحابة بالقرآن وفيمن نزل القرآن، لكن عندما يتعارض قول صحابي مع آخر فإنه لا يمكن اعتماد قول أحدهما إلا بحجة. قوله: (فلما قتل جماعة من الصحابة يوم اليمامة في قتال مسيلمة الكذاب أشار عمر بن الخطاب على أبي بكر الصديق ﵄ بجمع القرآن مخافة أن يذهب بموت القراء فجمعه في صحف غير مرتب السور). قوله: (فجمعه في صحف غير مرتب السور) هذا قول بعض أهل العلم، لكن فيه نظر، إذ لا يوجد دليل صريح عن أحد من الصحابة أن مصحف أبي بكر ﵁ (ت١٣هـ) غير مرتب السور، وإن كان الأثر الذي رواه الإمام أحمد وغيره، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «قُلْتُ: لِعُثْمَانَ مَا حَمَلَكُمْ عَلَى أَنْ عَمَدْتُمْ إِلَى الأَنْفَالِ، وَهِيَ مِنَ «الْمَثَانِي» (١)،

стр. 37

وَإِلَى بَرَاءَةٌ، وَهِيَ مِنَ «الْمِئِينَ»، فَقَرَنْتُمْ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ تَكْتُبُوا بَيْنَهُمَا سَطْرَ بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَوَضَعْتُمُوهَا فِي «السَّبْعِ الطِّوَالِ»، فَمَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِمَّا يَاتِي عَلَيْهِ الزَّمَانُ وَهُوَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ مِنَ السُّوَرِ ذَوَاتِ الْعَدَدِ، فَكَانَ إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ دَعَا بَعْضَ مَنْ يَكْتُبُ لَهُ، فَيَقُولُ: «ضَعُوا هَذِهِ فِى السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا». وَإِذَا أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ الآيَاتُ قَالَ: «ضَعُوا هَذِهِ الآيَاتِ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا». وَإِذَا أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ الآيَةُ قَالَ: «ضَعُوا هَذِه الآيَةَ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا» (١). وَكَانَتِ الأَنْفَالُ مِنْ أَوَائِلِ مَا نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ بَرَاءَةٌ مِنْ أَوَاخِرِ مَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ. قَالَ: فَكَانَتْ قِصَّتُهَا شَبِيهاً بِقِصَّتِهَا، فَظَنَنَّا أَنَّهَا مِنْهَا، وَقُبِضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا أَنَّهَا مِنْهَا، فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قَرَنْتُ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ أَكْتُبْ بَيْنَهُمَا سَطْرَ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَوَضَعْتُهَا فِي السَّبْعِ الطِّوَالِ»، قد يعتمد عليه من يرى أن ترتيب السور بالاجتهاد، إلا أن هذا الأثر يمكن النظر فيه من خلال النقاط الآتية:

стр. 38

أولاً: أن سبب سؤال ابن عباس ﵁ هو ترك سطر البسملة بين السورتين. ثانياً: أن ابن عباس ﵁ ينسب هذا العمل إلى عثمان ﵁ بقوله: «لم عمدتم»، ويحتمل أن يريد به عثمان ﵁ واللجنة التي كلفها أيضاً. ثالثاً: أن قصارى الأمر أن الذي لم يبلغهم ترتيبه هو سورة الأنفال وبراءة، فاجتهد عثمان ﵁ في وضعهما في السبع الطوال، وحذف سطر البسملة لاحتمال كونهما سورة واحدة. ويحسن هنا أن نستحضر تفسير بعض السلف لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧] أنها السبع الطوال، وهذا يعني أن من مصطلحاتهم في أسماء السبع الطوال أنها السبع المثاني؛ لأنها تثنَّى فيها المواعظ والعبر والقصص، قال الطبري: «وقائلو هذه المقالة مختلفون في المثاني، فكان بعضهم يقول: المثاني هذه السبع، وإنما سُمِّين بذلك لأنهنَّ ثُنِّي فيهنّ الأمثالُ والخبرُ والعِبَر. * ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن يونس، عن ابن سيرين، عن ابن مسعود في قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ قال: السبع الطُّوَل. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن سعيد الجريريّ، عن رجل، عن ابن عمر قال: السبع الطُّوَل. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يَمان، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ قال: السبع الطُّوَل» (١). وها أنت ترى ثلاثة من الصحابة قد أطلقوا على «السبع الطوال»

стр. 39

مصطلح «المثاني»، وإذا صحَّ ذلك، فلا مانع من أن ابن عباس أراد بالمثاني في هذا الأثر السبع الطوال، خصوصاً أنه قد ورد التفسير عنه بذلك في تفسير آية الحجر. وإذا كان ذلك كذلك، فإن ابن عباس لا يخالف في كون الأنفال من السبع الطوال التي سماها السبع المثاني، وإنما يسأل عن عدم جعل البسملة بين سورة من الطوال، وسورة من المئين، وهي التوبة. وكأن عثمان يقول: إني نزعت سطر البسملة بينهما، وظننت أنهما سورة واحدة مكملة للسبع الطوال، والله أعلم. وبعد، فإن الأظهر أن يكون مصحف عثمان منتسخاً من مصحف أبي بكر على ما هو معروف الآن من ترتيب، والأصل أن ترتيب كل ما يتعلق بالقرآن من النبي ﷺ ، وكذا مصحف أبي بكر، ومن ثَمَّ فإنه يكون على ما كان عليه القرآن في عهد الرسول ﷺ . ولا يعكِّر على هذا إلا هذا الأثر الذي يشير إلى عدم معرفة ترتيب سورتي الأنفال والتوبة. ولقد كان الكاتب زيد بن ثابت ﵁ (ت٤٥هـ) الذي ذُكِر أنه حضر العرضة الأخيرة، من أعلم الصحابة بالقراءة وبالمنزَّل على النبي ﷺ وهو الذي كتبه في عهد النبي ﷺ ، وفي عهد أبي بكر بمعونة عمر ﵁ (ت٢٣هـ)، ثم كتبه في عهد عثمان ﵁ (ت٣٥هـ)، ولم يرد عن واحد منهم أن ما فعله عثمان يخالف ما فعله أبو بكر؛ لأن عمل عثمان هو النسخ فقط كما يدل عليه أثر حذيفة في جمع الناس على مصحف (١)، ولم يرد أن ما فعله أبو بكر يخالف ما كان على عهد الرسول ﷺ ، فإذا لم يرد هذا، فالأصل البقاء على الأصل، والأصل أن يكون المصحف في عهد

стр. 40

الرسول ﷺ كما هو في عهد عثمان ﵁، وأي خلاف يورد في هذا يحتاج إلى دليل صريح، لذا فإن القول بأن القرآن في عهد النبي ﷺ لم يكن معروف الترتيب، أو أن المصحف في عهد أبي بكر ﵁ غير مرتب السور، قولٌ فيه نظر. قوله: (وانتشرت في خلال ذلك صحف كتبت في الآفاق عن الصحابة، وكان بينها اختلاف، فأشار حذيفة بن اليمان على عثمان بن عفان ﵄ فجمع الناس على مصحف واحد خيفة من اختلافهم). ذكر المؤلف ﵀ انتشار الصحف في عهد عثمان، ولكن لا يعني هذا تكاثر المصاحف كما نشاهده اليوم في مساجد المسلمين، بل هو انتشار نسبي؛ أي: أنها بالنسبة إلى ما قبلها من عام (٢٥هـ) أكثر، وإلا فإن القراءة من خلال الحفظ في عهد عثمان أكثر ﵁ من القراءة من خلال الصحف. ومع أن الكتابة صار لها انتشار إلا أنها لم تصل إلى أن تكون الصحف أصولاً يُرجع إليها ـ كما هو الحال اليوم ـ فما زال المقروء من الصدور سائداً في العالم الإسلامي، والقرآن يتلقى من خلال أفواه القراء. ولما لاحظ حذيفةُ بن اليمان ﵁ (ت٣٦هـ) في فتح أرمينية القَرَأةَ يختلفون، كما ورد في الأثر عنه: «... وَكَانَ يُغَازِي أَهْلَ الشَّامِ فِي فَتْحِ إِرْمِينِيَّةَ وَأَذْرَبِيجَانَ مَعَ أَهْلِ الْعِرَاقِ فَأَفْزَعَ حُذَيْفَةَ اخْتِلاَفُهُمْ فِي الْقِرَاءَةِ» (١)، ولم يكن لهم أصل يرجعون إليه لمعرفة الصحيح من غيره، كما كان الحال لما وقع ـ لعمر بن الخطاب ﵁ (ت٢٣هـ) وأبي بن كعب ﵁ (ت٣٠هـ) ـ الاختلاف في القراءة؛ رجعا إلى الرسول ﷺ ، فبيَّن لهما صحَّة قراءتهما مع اختلافها، فإذا كان قد وقع ذلك ممن حضر التنزيل

стр. 41

وشاهده، فما بالك بمن جاء بعدهما، وليس هو بإيمان عمرَ ﵁ ولا بإيمان أبيِّ بن كعب ﵁ (ت٢١هـ)، لذا فإن وقوع التلاحي في قراءة القرآن في عهد قريب من عهد النبوة أمر غير مستغرب، خصوصاً إذا علمنا أن الذي وقع بينهم هم أناس من التابعين، وقد يكون بعضهم ليس من أهل العلم إنما سمع وأخذ عن بعض الصحابة، ثم انتقل يغازي، وليس عنده من العلم الشيء الكبير، فإذا قرأ هو بقراءة، وقرأ الآخر بقراءة تخالفه، واعترض هذا على ذاك، وذاك على هذا، فعندئذ يبدأ التنازع، وتظهر المشكلة. لما أشار حذيفة (ت٣٦هـ) على عثمان (ت٣٥هـ) أن يجمع الناس على مصحف واحد انتدب لهذا أربعة وهم: ١ - زيد بن ثابت ﵁ (ت٤٥هـ) الذي كتب في عهد الرسول ﷺ ، وكان الكاتب الخاص للوحي، وهو الذي كتبه في عهد أبي بكر وكتبه في عهد عثمان. ٢ - عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ (ت٧٣هـ). ٣ - سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ (ت٥٩هـ). ٤ - عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَام. وهؤلاء الثلاثة من قريش كانوا يُملون عليه ويراجعون معه، وقال لهم: «إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم» (١)، فأعطاهم عثمان منهجاً عاماً في الكتابة. ثم قال المؤلف بعدها: (وجعلوا المصحف الذي كان عند حفصة إماماً في هذا الجمع الأخير).

стр. 42

كان عمل هؤلاء الصحابة هو النسخ كما قال زيد بن ثابت ﵁ (ت٤٥هـ): «فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ... حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف ردّ عثمان المصحف إلى حفصة» (١)، فلم يضيفوا شيئاً جديداً، ثم بعد اكتمال النسخ أرسلوا نسخاً إلى الأمصار، وحرَّق ما سواها، فجمع ما عند الصحابة من نسخ وأحرقها إلا ابن مسعود ﵁ الذي انفرد بالاعتراض ـ فكان موقفه فرديّاً، فاحتفظ بمصحفه واستشهد بقوله: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَاتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١] وتبنى هذا الموقف ومات عليه؛ ولذا بقيت كثير من القراءات التي تنسب إلى ابن مسعود (ت٣٢هـ) تخالف مصحف عثمان وإن كان يوجد قراءات غيرها تخالف مصحف عثمان كقراءة أُبَيّ (ت٢١هـ) أو أبي الدرداء (ت٣٢هـ) لكن أكثر الموجود مما يخالف مصحف عثمان هو مما روي عن ابن مسعود. والحكمة التي أرادها عثمان من حرق المصاحف ألا يبقى شيء يخالف المصحف الذي أجمع عليه الصحابة وكتبوه في هذه المصاحف. وكان عدد النسخ التي كتبت ـ على الصحيح ـ ستة: ١ - نسخة اختص بها عثمان، وهي التي قُتل، وهي بين يديه يقرأ منها. ٢ - نسخة جعلها بين يدي زيد يقرئ بها أهل المدينة. ٣ - نسخة لأهل الكوفة. ٤ - نسخة لأهل مكة. ٥ - نسخة لأهل البصرة. ٦ - نسخة لأهل الشام ومما يلحظ أن هذه الأمصار التي ذهبت إليها النُّسَخ هي التي خرج منها القراء، وهي التي اعتُمد عليها في عدِّ الآي.

стр. 43

ويُذكر نسخة لأهل البحرين، ونسخة لأهل اليمن، لكن لا يوجد أي ذِكْرٍ لما في هذه النسخ من رسم في الكتب، والخبر بها منقطع، ولعله ليس بصحيح. الفروق في مصاحف عثمان الستة: أما الفروق التي نجدها في المصاحف من جهة الرسم فمتعددة، ومنها ما لا علاقة له بالرسم مباشرة؛ لاتفاقه في الرسم واختلافه في النطق، ومن ذلك أن قريشاً لا تهمز، وغيرها يهمز؛ ولذا جاءت قراءة المكي ابن كثير (ت١٢٠هـ) بغير الهمز، فكلمة (يومنون) تكتب هكذا بغير همز؛ لأن الهمز من علم الضبط الذي حدث بعد الصحابة ﵃ (١)، وهي تحتمل قراءة من يهمز ومن لا يهمز. ومن الفروق ما وقع من خلاف في باب المقطوع والموصول، مثلاً (إنما) هل تكتب متصلة أم منفصلة؟ وكذلك «ألاَّ» كتبت في مواطن متصلة وفي مواطن أُخَرَ كتبت منفصلة «أن لا»، وكذا تاء التأنيث بالتاء المفتوحة أو المربوطة وقع فيها خلاف، وغيرها مما يدخل في باب الموصول والمفصول. ومن الفروق ـ كذلك ـ زيادة الكلمة أو نقصانها مثل: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا﴾ جاءت في مصحفٍ كذا، وفي مصحف آخر ﴿تَجْرِي تَحْتَهَا﴾.

стр. 44

ولا يخالف هذا ما تقرَّر من أن الأصل اتباع المحفوظ وتقديمه على المرسوم؛ لأن المرسوم في هذه القضايا المعينة صار أصلاً يُعتمد عليه في القراءة، فيتبع كل قوم ما وقع من الرسم عندهم، ولا تعارض بين ذلك، فمن كان في مصحفه «وأوصى» فإنه يقرأ كذلك، ومن كان في مصحفه ﴿وَوَصَّى﴾ فإنه يقرأ كذلك، وهذا مما يقع فيه اتِّباع الرسم اتباعاً تامّاً. وأما ما عدا ذلك فإنه يعود إلى المحفوظ، خصوصاً أن هناك قضايا صوتية كثيرة لا يمكن رسمها، وإنما حدث ضبطها ـ بعد جيل الصحابة ـ بعلم الضبط، ومثال ذلك أن القارئ بالإمالة أو الفتح في قوله تعالى: ﴿وَالضُّحَى﴾ لا يختلف الرسم بينهما ألبتة. والمقصود أن هذه الأمور إنما تؤخذ عن مشافهة القارئ، فالقراءة ما زالت هي الأصل، والمرسوم رتبة ثانية. ومما يحسن بالباحث أن يستوعب قضايا الرسم التي في مصاحف عثمان، ويعرف ما كان من رسم الصحابة مما جاء بعدهم من باب الضبط؛ لكي لا يقع في بعض الأخطاء الطريفة؛ كمن يقول: وكتبوا في مصحف ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ وفي مصحف «فتثبّتوا»، فإن هذا غلط؛ لأن النقط ليس من عمل الصحابة ﵃، ولا هو مما يتعلق بالرسم. هل ألزم عثمان ﵁ الناس بحرف واحد؟ لما نسخ عثمان ﵁ هذه المصاحف لم يلزم الناس بحرف واحد مما نزل، ومن قال بذلك اعتمد على قوله: «فاكتبوه بلسان قريش»، ولكن الصحيح أنه أراد بذلك أن يكون الرسم موافقاً للقراءة الأُولى التي نزل بها القرآن، وهي قراءة قريش، ثم إنه إذا كتب بعد ذلك برسم فإن ذلك لا يمنع أن يقرأ بما يخالف الرسم ولو احتمالاً، بدليل أنهم ينصُّون في كتب الرسم على أن بعض الألفاظ كتبت بوجه واحد في جميع

стр. 45

المصاحف، ووقع خلاف بين القراء في القراءة، فقرئت بأكثر من وجه؛ مثل: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]، فقوله: ﴿الصِّرَاطِ﴾ كتبت في جميع المصاحف بالصاد لكن القراءة فيها ثلاثة أوجه: الصاد، والسين، وإشمام الصاد زاياً. والسين يمكن أن تكتب، لكنهم لم يكتبوها في مصحف كما هو الحال في بعض ما تعددت قراءته، وقد وقع الاتفاق على أن قراءة السين ثابتة، ويُقرأ بها ولو لم تكن مكتوبة. أما إشمام الصاد زاياً، فهي تكتب بالصاد، والإشمام مسألة صوتية لا يمكن رسمها، لكن يقع ضبطها في علم الضبط بعد ذلك. ومما كُتب في جميع المصاحف بوجه واحد وقرئت بأكثر من وجه كلمة «ضنين» في قوله: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير: ٢٤] كتبت في جميع المصاحف بالضاد، وقرئت بقراءتين بالظاء والضاد، فلا يقال: من قرأ بالظاء فقد خالف رسم المصحف؛ لأن الأصل في مثل هذا ما ثبتت قراءته، وإن لم يوافق الرسم موافقةً تامة، لذا نقول: إن ما هو مسند إلى الرسول ﷺ وثابتٌ عند القراء ومشتهر بينهم ومُتَلقًّى بالقَبول، فإنه هو الصحيح المعتمد، والرسم إنما هو ضابط للمقروء، أما لو صح السند إلى الرسول ﷺ ، ولم يُتلق بالقبول، فإنه يردُّ، ويُعتدُّ برده بالرسم إن كان مخالفاً؛ كالقراءة التي ذكرها أبو الدرداء فيما رواه البخاري أن الرسول ﷺ قرأ: «والذكر والأنثى» (١) في قوله: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى﴾ [الليل: ٣] فلا يمكن أن نقرأ بـ «والذكر والأنثى» مع أنها ثابتة في الصحيح؛ لأننا لا نجد في مصحف من المصاحف أنها كُتِبت «والذكر والأنثى»، أما قوله: ﴿تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ﴾ [التوبة: ١٠٠] أو (مِن تَحْتِهَا الانْهَارُ) [التوبة: ١٠٠] فقد أجزناها

стр. 46

بالحذف؛ لأنها في أحد المصاحف العثمانية هكذا، وأجزناها بإثبات «مِن»؛ لأنها في بقية المصاحف العثمانية هكذا، لكن «والذكر والأنثى» لا توجد في أي مصحف من المصاحف التي أرسلها عثمان، ولهذا لا يقرأ بها لأنها لم تشتهر في الرواية، ولمخالفتها للمرسوم، وإذا كانت مخالفة للمرسوم فستكون مخالفة للمقروء المشهور. وهذه القراءة «والذكر والأنثى» نثبت أنها قراءة قرأ بها الرسول ﷺ لكنها نسخت، فأي قراءة ثبتت عن النبي ﷺ ولم يقرأ بها القراء بالطرق المشتهرة المقبولة عندهم، فإن ذلك يدل على أنها مما نسخ، وطريقة معرفة نسخها أنها لا توجد في مصحف عثمان، والأصل في القرآن تلقيه من النبي ﷺ قراءة أو نسخاً أو ترتيباً، ولا يمكن لأحد أن ينسخ منه شيئاً أو يزيل منه حرفاً واحداً؛ لأن هذه مهمة الرسول ﷺ عن رب العالمين. فإن قال قائل: إن عثمان ﵁ عمل هذا العمل كله لأجل اتقاء الاختلاف في القراءة، ولكن القراءة لم تتحد بعده، فما زالت مختلفة فما الفائدة من عمل عثمان ﵁؟ نقول: يجب أن ننتبه لملحوظة مهمة وهي أن الرسول ﷺ توفي والقراءات الثابتة لا يعلمها إلا بعض الصحابة، ثم كُتب المصحف في عهد أبي بكر ـ ولم يكتب إلا ما ثبتت قرآنيته ـ ولم يُلزم الناس به؛ لأن عمل أبي بكر إنما كان لحفظ المقروء في السطور، ثم جاء عهد عمر ﵁ ولم يقع إلزام منه بما في مصحف أبي بكر، وإن كان قد وقع منه نهيٌ لبعض الصحابة أن يقرؤوا ببعض الأحرف، وكذلك في أول عهد عثمان ﵁ لم يكن منه إلزام للأمة بشيء من هذه الأحرف، فكل واحد من الصحابة يقرأ بما سمعه وثبت عنده عن الرسول ﷺ ، فابن مسعود ﵁ يقول: «والله لقد أخذت من فيِّ رسول الله ﷺ بضعاً وسبعين

стр. 47

سورة» (١)، فهو يقرئ بما سمعه من النبي ﷺ ولم يتنازل عن قراءةِ وإقراء ما سمعه من النبي ﷺ حتى مات، فابن مسعود وغيره من الصحابة كانوا يُقرئون بما سمعوا، ولذا انتشر المنسوخ بسبب عدم وجود المرجعية لما هو ثابت عن الرسول ﷺ في العرضة الأخيرة، ولما تفاقم الأمر جمع عثمان ﵁ الناس على الثابت من هذه الأحرف عن النبي ﷺ ، فثبَّت لنا عثمان ﵁ مصدراً ومرجعية في معرفة القرآن الذي ثبت والقرآن الذي نُسخ، ولم يعتمد في ذلك على اجتهاده، بل اعتمد على مصحف أبي بكر، وأبو بكر اعتمد على ما ثبت عن النبي ﷺ أنه قرأ به ومات وهو من القرآن، وما عدا ذلك مما لم يجمعه الصحابة ويتفقوا عليه فإنه يدخل في باب المنسوخ. وبفعل عثمان من تثبيت الصحيح الباقي من المقروء دون المنسوخ، توقفت القراءات الصحيحة المنسوخة التي قرأ بها النبي ﷺ ولم يقرأ بها الصحابة بعد فعل عثمان ﵁، وتوقَّف الإقراء بها، فلا يوجد أحد يقرأ بتلك القراءات مثل (والذكر والأنثى) وغيرها. ثم بعد ذلك العملِ الذي قام به عثمان والصحابة ﵃ فإنه إذا خرج مجاهد في سبيل الله من الكوفة، وآخر من الشام، وقرأ الكوفي بقراءة تخالف قراءة الشامي فإنهم كلهم ينسبون القراءة إلى مرجع معتبر عندهم، وهو المرجع الذي اتفق عليه الصحابة ﵃، وهذا الاتفاق في المرجعية لم يكن موجوداً قبل نسخ المصاحف. هل بقي شيء من مصاحف عثمان الستة؟ لا يصح وجود شيء من هذه المصاحف الستة التي أمر عثمان ﵁ بكتابتها، مثل مصحف طشقند الذي ينسب إلى عثمان ليس بصحيح، لكنه كتب على نسق المصاحف العثمانية.

стр. 48

تنبيه: إن الأصل في علم الرسم هو استقراء المصاحف العثمانية، فهي المصدر الوحيد لمعرفة علم الرسم، لكنها غير موجودة الآن، فصار عندنا مصدر النقل عن بعضها، وهو ما قام به مثل أبي عبيد (ت٢٢٤هـ) وغيره ممن اطلع على مصحف من هذه المصاحف، فحكوا ما في هذه المصاحف من الرسوم، فصارت حكايتهم مصدراً من مصادر علم الرسم، ثم تتابع العلماء يكتبون على حسب ما حكي في كتب الرسم. فائدة: هناك من علماء الخط مثل ابن البواب (ت٤٢٣هـ) وغيره ممن كتب المصاحف لم يلتزموا فيها بالرسم العثماني، بل كتبوها بالإملاء المتعارف عندهم، وأهل المغرب كانوا يعتنون بالرسم أكثر من أهل المشرق. ومن أنفس الكتب في الرسم ما طبع في مجمع الملك فهد ﵀ الذي هو كتاب «الطراز شرح ضبط الخراز»، وهو أصل من الأصول التي اعتمد عليها في المصاحف المطبوعة في عصرنا.

стр. 49

ترتيب السور قال ﵀: فترتيب السور على ما هو الآن من فعل عثمان وزيد بن ثابت والذين كتبوا معه المصحف، وقد قيل: إنه من فعل رسول الله ﷺ ، وذلك ضعيف ترده الآثار الواردة في ذلك (١). الخلاف في ترتيب السور على قسمين: ١ - منهم من يرى أن العمل من الصحابة. ٢ - منهم من يرى أنه من الرسول ﷺ . وإذا رجعنا إلى الآثار التي وردت عن النبي ﷺ نجد أن كثيراً منها قد جاء بترتيب السور على حسب المعروف عندنا اليوم، يقول ﷺ : «لاَ صَلاَةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» (٢)، ويقول: «اقرؤوا الزهراوين البقرة وآل عمران» (٣)، وهي كذلك اليوم في المصاحف. وما دام النبي ﷺ قد نطق بسورٍ مرتبة حسب ترتيب المصحف، فإن ما لم يرد إلا من طريق الصحابة في عملهم يُحمل على هذا المنصوص عليه، كالوارد عن ابن مسعود ﵁ في قوله: «بَنِي إِسْرَائِيلَ وَالْكَهْفُ وَمَرْيَمُ وَطَهَ وَالأَنْبِيَاءُ هُنَّ مِنَ الْعِتَاقِ الأُوَلِ، وَهُنَّ مِنْ تِلاَدِي» (٤).

стр. 50

وهذه الآثار تدلُّ على أن الصحابة أخذوا ترتيب السور من النبي ﷺ . وكان من أعلمهم بترتيبها زيد بن ثابت (ت٤٥هـ) الذي كان من أخص كتَّابِ المصحف بين يدي النبي ﷺ ، هذا مع ما ذُكر أنه قد حضر العرضة الأخيرة (١)، لذا فهو أبصر بأمور المصحف من غيره من الصحابة، ولعله لهذا السبب كان في لجنة المصحف في عهد أبي بكر ﵁، ثم في عهد عثمان ﵁. والصحيح أن مصحف أبي بكر كان مرتب السور، وذهب بعض العلماء الكبار أنه لم يكن مرتب السور، ويقولون: كان مرتب الآيات باتفاق، والذين قالوا بأن ترتيب السور كان بالاجتهاد اعتمدوا على مجموع أدلة نذكرها، ثم نذكر الرد عليها بإيجاز: ١ - منهم من ذكر أن مصاحف الصحابة ﵃ مختلفة بالترتيب. والجواب عن ذلك أن يقال: أولاً: إن مصاحف الصحابة ﵃ خاصة بهم، ولم يلزم واحد منهم بما في مصحفه من الترتيب؛ لأنه كان يكتبه لنفسه، والصحابي عندما كان يكتب لم يكن ملتزماً بالترتيب، وإنما وقع الالتزام بذلك بعد مصاحف عثمان ﵁ المتفق عليها (٢).

стр. 51

ثانياً: لم يكن كل الصحابة يعلمون ترتيب السور عن النبي ﷺ ؛ لذا اجتهد من كتب منهم مصحفاً خاصّاً بترتيب خاصٍّ عنده. ٢ - من أدلتهم: استدلوا بقراءة النبي ﷺ في صلاته في قيام الليل فقرأ البقرة ثم النساء ثم آل عمران (١)، فخالف الترتيب. والجواب أن يقال: إن هذه المخالفة فيها احتمالان: الاحتمال الأول: أن يكون ذلك منه ﷺ قبل معرفته بالترتيب. الاحتمال الثاني: أن يكون ﷺ أراد أن يبين الجواز؛ أي: جواز مخالفة الترتيب في الصلاة، فيجوز للإنسان أن يقرأ (آل عمران) ثم (البقرة)، بدلالة أن الرسول ﷺ فَعَلَه (أي: مخالفة الترتيب)، وهذا هو التوجيه الصحيح لهذا الحديث. أما قول بعضهم ممن يمنع القراءة بدون ترتيب بأن هذا الحديث منسوخ فهذا غير صحيح؛ لأن النسخ لا بد له من ناسخ، كما أن الحكم بالنسخ صعب، والصواب العمل بالحديث، وإعمال الحديث أولى من إهماله. كما أنه لم يُذكر أن النبي ﷺ نهى أو اعترض على أحد يقرأ بخلاف الترتيب؛ بدلالة أن الرجل الذي كان يقرأ في كل ركعة سورة ويقرأ سورة الإخلاص معها (٢)، فيحتمل أنه قرأ سورة الإخلاص وقرأ سورة بعدها، وبذلك يكون قد قرأ بغير الترتيب. هذا، فضلاً على أنه قد أجمع المسلمون على تعليم القرآن في

стр. 52

الكتاتيب بالبدء بسورة الناس ثم يصعد الطالب بعكس السور، ولم يخالف في هذا أحد. ٣ - ومن أدلتهم حديث ابن عباس مع عثمان، وقد سبقت الإشارة إليه، والجواب عنه. والمقصود من هذا أن نعرف ما هو الأثر العلمي للقول بالتوقيف أو الاجتهاد في ترتيب السور؟ يظهر أثر الخلاف في ترتيب السور من الجهة العلمية في مسألة تناسق سور القرآن، وهو ما يسمى بعلم المناسبات، فإذا قيل: إن الذي رتبه الرسول ﷺ أخذاً منه عن جبريل، فهذا يعني أنه من ترتيب الله ، ولا بد أن يكون لحكمة، فيبحث عن الحكمة ما دام منسوباً إلى المشرِّع، أما إذا كان الترتيب من اجتهاد الصحابة ﵃ فقد يكون هناك حكمة عند المجتهد، وقد لا يكون كذلك، وإنما رتبوها باعتبارات معينة.

стр. 53

نقط المصحف قال ﵀: وأما نقط القرآن وشكله فأول من فعل ذلك الحجاج بن يوسف بأمر عبد الملك بن مروان وزاد الحجاج تحزيبه، وقيل: أول من نقطه يحيى بن يعمر، وقيل: أبو الأسود الدؤلي. وأما وضع الأعشار فيه، فقيل إن الحجاج فعل ذلك، وقيل: بل أمر به المأمون العباسي (١). هذا يتعلق بما يسمى بضبط المصحف أو علم الضبط، والحَجَّاجُ (ت:٩٥) مع ما يعرف عنه من شر إلا أن له عنايةً بالمصحف اشتُهر بها، فبعد كتابة المصحف العثماني أضيف على الرسم إضافات وهو ما يسمى بمراحل النقط: أولاً: إضافة أبي الأسود الدؤلي (ت٦٩هـ)، وهو من كبار التابعين، ومن تلاميذ علي (ت٤٠هـ) ﵁، وهو أول من أدخل النقط في المصاحف، حيث أحضر كاتباً وقال له: «خذ المصحف وصبغاً يخالف لون المداد، فإذا فتحت شفتيَّ فانقط واحدة فوق الحرف، وإذا ضممتهما فاجعل النقطة إلى جانب الحرف، وإذا كسرتهما فاجعل النقطة في أسفله، فإن أتبعت شيئاً من هذه الحركات غنَّةً فانقط نقطتين ـ يقصد التنوين ـ» (٢)،

стр. 54

ولم يذكر السكون، وهذه العلامات توضع على أواخر الكلمات؛ لضبط الإعراب، وهي بدايات علم النحو ـ أيضاً ـ وليس على كل من الكلمة، ولون المداد الذي وضعه هو الأحمر، والرسم مداده أسود، لذا يتميز عمل أبي الأسود عن عمل الصحابة. فإذا جاء عند قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١] فـ ﴿وَيْلٌ﴾: يوضع أمام اللام من قِبَلِ وسطها دائرتان باللون الأحمر ﴿وَيْلٌ﴾. و ﴿لِكُلِّ﴾ يضع النقطة الحمراء تحت اللام (لكل.). و ﴿هُمَزَةٍ﴾ يضع تحت التاء المربوطة نقطتان ﴿هُمَزَةٍ﴾، وهكذا، واستمر هذا النقط حتى مع وجود النقط الذي جاء بعده، فأبو عمرو الداني (ت:٤٤٤) يقول: «وترك استعمال شكل الشعر، وهو الشكل الذي في الكتب الذي اخترعه الخليل في المصاحف الجامعة الأمهات وغيرها، أولى وأحقُّ؛ اقتداءً بمن ابتدأ النقط من التابعين، واتباعاً للأئمة السابقين» (١). ثانياً: نقط الإعجام على يد يحيى بن يعمر (ت١٢٩هـ)، وقيل: نصر بن عاصم (ت٩٠هـ)، وهي النُّقَطُ التي توضع فوق الحرف أو تحته، فالباء نقطة واحدة تحت، والتاء مثناة فوق، والثاء مثلثة فوق، والجيم في الوسط إن كانت مفردة أو تحتها إن كانت موصولة، والخاء فوق، وهكذا. ويظهر أن بداية النقط كانت متقدمة على هذا الزمن، لكنها استقرت على يد هذين العلَمَين، فقد ورد في نقش سدِّ الطايف إبان خلافة معاوية نقط الإعجام لبعض الحروف، مما يشير إلى أن النقط قد ابتدأ في ذلك العصر، ثم اكتمل في عصر نصر ويحيى.

стр. 55

ثالثاً: جاء بعدهما الخليل (ت١٧٥هـ) وأدخل الشكل الذي هو الآن الفتحة والضمة والكسرة وكان له فيها اصطلاح ثم عدِّل بعده بعض الشكل، فالكسرة كان يضع لها الياء الصغيرة المعقوفة الموجودة في المصحف في مثل الصلة الصغرى والكبرى (. . .)؛ كان يضعها تحت الحرف المكسور، ثم مع تقادم الزمان رأوا أن سنة الياء هذه لا يحتاج إليها، فحذفوها وصارت الكسرة ـ كما هي معروفة في الإملاء اليوم ـ ألفاً مبطوحةً تحت الحرف، لعدم اشتباهها بغيرها. وكان نقْطُ يحيى ونَصْرٍ وشكْلُ الخليل بالمداد الأسود؛ لأنه لا يؤثر على بنية الرسم بخلاف عمل أبي الأسود؛ لأنه كان دائرة كبيرة فكان يضعها بالأحمر، واستمر عمل الخليل وعمل أبي الأسود في الكتب حتى عهد متأخر، ثم اعتُمد رسم الخليل وتنوسي عمل أبي الأسود الدؤلي، وهكذا بقي هذا العمل ثم أضيفت إضافات فيما بعد، مثلاً: الألف الصغيرة المسماة بالخنجرية التي هي إشارة إلى الألف المحذوفة (١)،

стр. 56

والزيادات يضعون عليها دائرة صغيرة إشارة إلى هذا الحرف الزائد، وطريقة كتابة الشكل في المظهر والمُدغم والمُخفى والقلب وغيرها، وهذا من عمل علماء الضبط جيلاً بعد جيل، حتى استقرَّ على ما هو معروف في المصاحف اليوم، وكل هذا يدخل عندهم في مسمى «علم الضبط». وهذا تسلسل تاريخي يوضح ما قام به العلماء من الرسم والضبط: (١) ١ - عام (٢٤ - ٢٥هـ) تمَّ رسم المصاحف العثمانية. ٢ - عام (٥٨هـ) توفي معاوية بن أبي سفيان ﵁، وكان قد بنى سدَّ الطائف، وكُتبت بعض أحرف النقش بضبط الإعجام في عصره. ٣ - في عام (٥٣) توفي زياد بن أبيه، وقد قيل: إن أبا الأسود الدؤلي (ت:٦٩) وضع نقط الإعراب في ولايته (٢). ٤ - في عهد عبد الملك بن مروان (ت٨٦هـ) أمر الحجاج (ت٩٥هـ) نصر بن عاصم (ت٩٠هـ) ويحيى بن يعمر (ت١٢٩هـ) بوضع نقط الإعجام، فأتموا الأحرف كلها. ٥ - اعترض على نقط أبي الأسود الدؤلي (ت:٦٩)، وهو نقط الإعراب؟ الصحابي عبد الله بن عمر (ت٧٣هـ). ٦ - وضع الخليل بن أحمد (ت١٧٠هـ تقريباً) الشكل. ٧ - بعد الخليل (ت١٧٠هـ) قام علماء الضبط على مرِّ العصور بتجويد الضبط حتى وصل إلى ما نعرفه اليوم في ضبط المصاحف.

стр. 57

قوله: (وأما وضع الأعشار فيه، فقيل: إن الحجاج فعل ذلك). الأعشار: وضع علامة على الآية رقم (١٠) ومضاعفاتها. والأخماس: وضع علامة على الآية رقم (٥) ومضاعفاتها. كانت الأعشار والأخماس في عهد التابعين، وقد واجهت اعتراض بعض العلماء في جعل الأخماس والأعشار في المصحف اقتداء بفعل الصحابة، ويظهر من خلال الآثار أن التعشير ظهر في عهد مبكر، فقد روى الداني بسنده عن مسروق عن عبد الله بن مسعود (ت٣٥هـ): «أنه كره التعشير في المصحف» (١). وقد ذكر آثاراً أخرى عن السلف من التابعين وأتباعهم في كراهية التعشير. ولما كان عمل أبي الأسود ـ وهو من كبار التابعين ـ حادثاً، أنكر ذلك بعض علماء التابعين، بل أنكره بعض من عاصر هذا من الصحابة وهو عبد الله بن عمر (ت٧٣هـ) ﵁، وإنكار ابن عمر ﵁ له لا يعني أن الصحابة أنكروا أن يُدخل في رسم عثمان ما ليس منه. فإن قال قائل: ماذا عن قول ابن مسعود ﵁: «جرِّدوا القرآن»، وقول عمر ﵁: «جرِّدوا القرآن»؟ أقول: إن هذا الأثر عن عمر (ت٢٣هـ) وابن مسعود (ت٣٢هـ) لم يجئ في مساق المصحف، إنما جاء في مساق تعليم الناس قراءة القرآن، فعمر ﵁ أراد: إذا أردتم أن تعلموا الناس فعلموهم القرآن ولا تدخلوا معه غيره في تعليمهم، وكما هو معلوم من منهج عمر أنه كان ينهى عن التحديث عن رسول ﷺ ، عن قرظة بن كعب، قال: خرجنا نريد العراق فمشى معنا عمر بن الخطاب إلى صرار فتوضأ ثم قال: «أتدرون لم مشيت معكم؟»، قالوا: نعم، نحن أصحاب رسول الله ﷺ مشيت معنا،

стр. 58

قال: «إنكم تأتون أهل قرية لهم دوي بالقرآن كدوي النحل فلا تبدونهم بالأحاديث فيشغلونكم، جرَّدوا القرآن، وأقلُّوا الرواية عن رسول الله ﷺ ، وامضوا وأنا شريككم» (١). وكذلك قول ابن مسعود هذا؛ ليس مراده جرَّدوا المصحف بل جرَّدوا القرآن مما يزاد فيه، فقد جاء عنده رجل وقرأ باستعاذة طويلة فقال: «جردوا القرآن»، أي: لا تضيفوا إلى القرآن ما ليس منه، ومن ذلك ما رواه النسائي بسنده عن أبي الأحوص قال: قال عبد الله: «جردوا القرآن ليربوا فيه صغيركم ولا ينأى عنه كبيركم، فإن الشيطان يفر من البيت يسمع تقرأ فيه سورة البقرة» (٢). وروى ابن أبي شيبة في مصنفه عن أبي المغيرة قال: قرأ رجل عند ابن مسعود فقال: استعذ بالله العليم من الشيطان الرجيم، فقال: عبد الله: «جردوا القرآن» (٣). وهذان الأثران عنه يدلان على أن مراده تجريد القرآن حال القراءة، وليس تجريد المصحف، لكن من جاء بعدهم من التابعين وغيرهم خرَّج على قولهم، فكل من استدل بقول عمر أو ابن مسعود نقول له: هذا تخريج على قولهم وليس هو مراد قولهم، ففي عهد عمر (ت٢٣هـ) وابن مسعود (ت٣٢هـ) لم يكن هناك نقط ولا شكل ولا غيره مما يدل على أنهم لم يريدوا ما استدل به بعض المتأخرين على كلامهم.

стр. 59

أسماء القرآن قال المصنف ﵀: وأما أسماؤه فهي أربعة: القرآن، والفرقان، والكتاب، والذكر، وسائر ما يسمى صفات لا أسماء، كوصفه بالعظيم، والكريم، والمتين، والعزيز، والمجيد، وغير ذلك. فأما القرآن فأصله مصدر قرأ ثم أطلق على المقروء، وأما الفرقان فمصدرٌ أيضاً، معناه التفرقة بين الحق والباطل، وأما الكتاب فمصدر ثم أطلق على المكتوب، وأما الذِّكر فسُمي القرآن به لما فيه من ذكر الله، أو من التذكير والمواعظ، ويجوز في السورة من القرآن الهمز وترك الهمز لغة قريش، وأما الآية فأصلها العلامة، ثم سُمِّيت الجملة من القرآن به؛ لأنها علامة على صدق النبي ﷺ (١). طرح المؤلف مسألة في أسماء القرآن، وهي الفرق بين الاسم والصفة، وهي مشكلة علمية طويلة، وفيها خلاف كبير، لكن المشتهر عند العلماء هو ما ذكره المؤلف أن أسماء القرآن هذه الأربعة: وهي الفرقان والقرآن والكتاب والذكر، وبعضهم قد يضيف إليها أسماء أخرى مثل: التنزيل، وهذه الأربعة المذكورة جعلها المؤلف أسماء، وجعل سائر ما ذكر بعد هذه الأسماء من الصفات، مثل: الكريم، والمتين، والعزيز، والمجيد.

стр. 60

من الأمور التي يمكن أن يتميز بها الاسم على الصفة، أن الاسم يكون أصلاً والصفة تكون تابعاً، فإذا وجدنا شيئاً من هذه المذكورات على أنها أوصاف وهي تابعة ولم نجدها أصلاً يتبعه غيره فنعلم أنها صفات، كالذِّكر في قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] فدل ذكره أصالة ـ دون أن يكون تابعاً لغير ـ على الاسمية. هذا، وكل اسم يتضمن صفة، فهذه الاسمية متضمنة للصفة، لكن لما وصف بأنه قرآن مجيد فلا يسمى القرآن بأنه المجيد، فأنت لا تقول مثلاً: أعطني المجيد، أو اقرأ المجيد؛ لأن هذا وصف، لكن تقول: اقرأ التنزيل، اقرأ الذكر، اقرأ الكتاب، اقرأ القرآن. وهذا من الأشياء التي يمكن أن يميز بها بين أسماء القرآن وصفاته، وإن كان التفريق بين الاسم والصفة من المسائل الشائكة. ثم ذكر أن القرآن مصدر قرأ بمعنى تلا، هذا هو الصحيح الذي عليه جمهور العلماء في اشتقاق لفظ القرآن، والهمزة فيه أصلية، وأطلق على المقروء. وكون أصل مادة: «قرأ» يرجع إلى معنى الجمع لا يؤثر على أن يكون المراد بالقرآن المقروء؛ أي: المتلو؛ لأن المتلو أو المقروء يرجع إلى معنى الجمع؛ لأنك حينما تقرأ تجمع الحرف إلى الحرف، والكلمة إلى الكلمة، والجملة إلى الجملة، والآية إلى الآية، فتكون قد جمعت هذه وقرأت، فهناك نوع من التلازم بين القراءة والجمع. وبعض العلماء يرى أن أصل مادة: «قرأ» الجمع. لكن الأشهر في إطلاق القرآن أنه المقروء وليس المجموع. والفرقان مصدر من فرق، وهو الذي فرَّق بين الحق والباطل. والكتاب مصدر، ثم أطلق على المكتوب.

стр. 61

وذكر أن الذكر سمي به: إما لما فيه من ذكر الله، وإما لما فيه من التذكير والمواعظ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤]، على أحد وجوه تأويل الذكر في هذه الآية. أما الحديث عن السورة فقد أوجز فيه، ولم يعرِّف السورة، وإنما أشار إلى أنه يجوز في السورة من القرآن الهمز وترك الهمز يعني السورة والسؤرة، وهي بترك الهمز لغة قريش التي نزل بها القرآن. والسورة لغة: بمعنى المنزلة الرفيعة، وهذا علو معنوي، أو من السُّور المحيط بالبناء؛ لأنه عالٍ، وهذا علو حسيٌّ، وكأن من جعلها من المنزلة الرفيعة نظر إلى ما لها من الرفعة والشأن، ومن جعلها من السُّور، إما أن يكون نظر إلى الرفعة، وإما أن يكون نظر إلى الإحاطة، فيكون مراده أن لها حدوداً ذات مبدأ ومنتهى تُعرف بها. تسمية السور: الأصل في تسمية سور القرآن أنها من النبي ﷺ ، أما المسمَّيات الموجودة الآن فإنها على ثلاث مراتب: ١ - منها ما ثبت تسميته عن النبي ﷺ . ٢ - منها ما ثبت تسميته عن الصحابة، مثل ما ورد في صحيح البخاري أن سعيد بن جبير (ت٩٥هـ) قال: «سألت ابن عباس عن سورة الأنفال، فقال: تلك سورة بدر» (١)، فسماها ابن عباس سورة بدر. ٣ - منها ما ثبت عمَّن دون الصحابي بدءاً من التابعين إلى يومنا هذا، ومما يلحظ أنه يغلب عليها أن تسمى ببدايات السورة، مثل: سورة (لم يكن)، سورة (أرأيت)، سورة (عم) وهكذا، والاصطلاح على تسمية سورة باسم جائز؛ لأنه لم يرد نهي من النبي ﷺ في ذلك، وما زال

стр. 62

العمل عند المسلمين على هذا من عهد الصحابة والتابعين إلى يومنا هذا، فليس في هذا إشكال ولا نكير. وطلبُ الحكمة فيما ثبت أن النبي ﷺ سمَّاه مرتبط بكونه ﷺ لا يخرج عنه إلا ما هو حكمة، لذا يصح أن نبحث عن علة التسمية النبوية. أما الآية، فأصلها العلامة، ثم سمِّيت الجملة من القرآن بها، وعلل المؤلف هذا بأنها علامة على صدق النبي ﷺ ، وكون الآية علامة على صدق النبي ﷺ لا يعني أن هذا سبب التسمية، وإنما المراد بها القطعة من السورة التي يعبر عنها بعض العلماء ويقول: «ذات مبدأ ومقطع»؛ أي: لها بداية ونهاية وهي جزء من السورة، ولو نظرنا في القرآن لوجدنا أن تسمية الآية جاء على معانٍ: الآية المكتوبة التي لها مبدأ ومقطع؛ كما في قوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَاتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، والمراد بالآية هنا الآية ذات المبدأ والمقطع، وليس العلامة على صدق النبي ﷺ . والآية التي هي حجة على الكفار، ودالة على صدق النبي ﷺ ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ٢]، فالرؤية هنا تقتضي الرؤية البصرية؛ أي: إن يروا آية «العلامة الدالة على صدقه ﷺ » من آيات النبي ﷺ التي يظهرها لهم، وليس المراد بالآية هنا ذات المبدأ والمقطع.

стр. 63

الباب الثاني السور المكية والمدنية قال ﵀: الباب الثاني في السورة المكية والمدنية: اعلم أن السور المكية هي التي نزلت بمكة ويعد منها كل ما نزل قبل الهجرة وإن نزل بغير مكة، كما أن المدنية هي السورة التي نزلت بالمدينة ويعد منها كل ما نزل بعد الهجرة وإن نزل بغير المدينة. وتنقسم السور ثلاثة أقسام: قسم مدنية باتفاق، وهي اثنان وعشرون سورة، وهي: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنفال، وبراءة، والنور، والأحزاب، والقتال، والفتح، والحجرات، والحديد، والمجادلة، والحشر، والممتحنة، والصف، والجمعة، والمنافقون، والتغابن، والطلاق، والتحريم، وإذا جاء نصر الله. وقسم فيها خلاف هل هي مكية أو مدنية؟ وهي ثلاث عشرة سورة: أم القرآن، والرعد، والنحل، والحج، والإنسان، والمطففون، والقدر، ولم يكن، وإذا زلزلت، وأرأيت، والإخلاص، والمعوذتان. وقسم مكية باتفاق وهي سائر السور. وقد وقعت آيات مدنية في سور مكية كما وقعت آيات مكية في سور مدنية، وذلك قليل مختلف في أكثره. واعلم أن السور المكية نزل أكثرها في إثبات العقائد، والرد على المشركين، وفي قصص الأنبياء، وأن السور المدنية نزل أكثرها في الأحكام الشرعية، وفي الرد على اليهود والنصارى، وذكر المنافقين والفتوى في مسائل، وذكر غزوات النبي ﷺ وحيث ما ورد ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فهو

стр. 64

مدني، وأما ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ فقد وقع في المكي والمدني (١). قال ﵀: (اعلم أن السور المكية هي التي نزلت بمكة، ويُعدُّ منها كل ما نزل قبل الهجرة، وإن نزل بغير مكة. كما أن المدنية هي السورة التي نزلت بالمدينة ويُعدُّ منها كل ما نزل بعد الهجرة، وإن نزل بغير المدينة). وصف المؤلف ﵀ المكي بوصفين: الأول: التي نزلت بمكة. الثاني: أن يكون قبل الهجرة. ويبدو من سياق عبارته أن ما نزل بمكة بعد الهجرة، فهو مدني لا مكي لقوله: (ويعد منها كل ما نزل بعد الهجرة وإن نزل بغير المدينة)، وبهذا يكون تعريفه التفصيلي هذا على رأي الذي اشتهر عند المتأخرين. والملاحظ هنا أن النبي ﷺ لم يخرج في العهد المكي إلا إلى الطائف، ولم يُذكر أنه نزل عليه قرآن خارج مكة، إلا إذا اعتبرت أن غار حراء خارج مكة، فيكون لما قاله المؤلف ﵀ مثالٌ. وأما قوله في تعريف المدني: (كما أن المدنية هي السورة التي نزلت بالمدينة ويُعدُّ منها كل ما نزل بعد الهجرة، وإن نزل بغير المدينة)، فهو باعتبار الزمان كما هو ظاهر. وكون ما نزل بالمدينة مدنيٌّ لا خلاف فيه ألبتة لا من جهة اعتبار المكان، ولا من جهة اعتبار الزمان. ويبقى ما نزل في العهد المدني خارج المدينة؛ كيف يمكن أن يوصف من جهة النزول؟

стр. 65

إن الظاهر في عبارات السلف ـ وهم العمدة في هذا الباب ـ اعتبار المكان، والنصُّ عليه. واعتبار المكان في عباراتهم يتضمَّن اعتبار الزمان بدهياً؛ لأن أسفار النبي ﷺ لم تكن إلا في العهد المدني، فإذا قيل: نزلت سورة الفتح في الحديبية، فقد أفاد هذا القول الأمرين معاً: (المكان والزمان)؛ لأن أمر الحديبية إنما كان بعد الهجرة. أما لو عُبِّر بالزمان فقط، فإنه لا يفيد في تحديد المكان، فلو قيل: سورة الفتح مدنية، نزلت بعد الهجرة، فإن هذا القول لا يفيد في تعيين المكان الذي نزلت فيه، ولا شكَّ أن في تحديد المكان فائدة زائدة على اعتماد الزمان فقط. وإذا كان الأمر كذلك، فإن الأفضل في مثل هذا الحال أن يعبر عن المكان، ثم يتبع بالزمان إن كان الأمر يحتاج إلى ذلك. ويمكن تقسيم السور ـ بناءً على هذا ـ كالآتي: • ما نزل في مكة. • ما نزل في المدينة. • ما نزل في ضواحيهما أو في أسفاره ﷺ بعد الهجرة، وهذه يغلب عليها أنها مدنية، إن لم تكن كلها كذلك. ومثال ما نزل في ضواحي المدينة: ما ورد عن عكرمة (ت١٠٥هـ) أنه سئل عن آية فقال: «نزلت بسفح سلع» (١)؛ أي: جبل سلع، فحدد المكان وهو سفح جبل سلع، وهو من جبال المدينة. ومما نزل في أسفاره ﷺ سورة التوبة، فقد نزل بعضها أثناء عودته من غزوة تبوك. ومما نزل في ضواحي مكة بعد الهجرة آية المائدة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً﴾ [المائدة: ٣]، فقد

стр. 66

جاء اليهودي إلى عمر قال: «لقد نزلت عليكم آية لو نزلت فينا معشر اليهود لجعلنا يومها عيداً، فقال: أي آية؟ فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً﴾ [المائدة: ٣]». قال عمر: «والله إني لأعلم أين نزلت؟ نزلت على الرسول ﷺ عشية عرفة» (١). ومما نزل في مكة بعد الهجرة قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]، فقد روى ابن جرير عن ابن جريج: «قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ قال: نزلت في عثمان بن طلحة قبض منه النبي ﷺ مفتاح الكعبة، فدخل به البيت يوم الفتح، فخرج وهو يتلو هذه، فدعا عثمان فدفع إليه المفتاح. قال: وقال عمر بن الخطاب لما خرج رسول الله ﷺ من الكعبة، وهو يتلو هذه الآية: فداه أبي وأمي، ما سمعته يتلوها قبل ذلك» (٢). وبهذا التحليل يمكن القول بأنه لا يوجد اختلاف أو تناقض بين من يحدد المكان وبين من يحدد الزمان، ومن ثمَّ فإننا لا نحتاج إلى طرح هذه الاعتبارات على أنها أقوال تحتاج إلى ترجيح بينها، وإنما نجعل الأصل اعتبار المكان، ونجعل اعتبار الزمان ضابطاً في المكي والمدني؛ لأن عدم ترجيح اعتبار المكان يناقض قول السلف، كقول عمر: «والله إني لأعلم أين نزلت في عرفة» (٣)، ولم يقل: «متى نزلت»، ولا يتصور أن يُفهم أن عمر لا يدرك أنها نزلت بعد الهجرة، وإنما الظاهر من ذلك أنه حينما حدد المكان فإنه قد حدَّد الزمان، ولم يلغه، وعلى هذا يمكن القول بأن من عبر بالزمان من العلماء المتأخرين فإنه من باب التحرير وضبط المسألة وليس قولاً آخر يعارض القول بالمكان.

стр. 67

وهذا الضابط الذي هو (ما نزل قبل الهجرة فهو مكي)، و (ما نزل بعد الهجرة فهو مدني) ضابط متقدم قال به علماء من طبقة صغار التابعين أمثال: يحيى بن سلام البصري (ت٢٠٠هـ)، وعلي بن الحسين بن واقد (ت٢١١هـ) وما قاله يحيى بن سلام البصري موجود في مقدمة مختصريه: «تفسير هود بن محكم، وتفسير ابن أبي زمنين»، وهذا هو بتمامه: «قال يحيى: إن ما نزل بمكة وما نزل في طريق المدينة قبل أن يبلغ النبي ﵇ المدينة فهو من المكي. وما نزل على النبي ﵇ في أسفاره بعدما قدم المدينة فهو من المدني، وما كان من القرآن ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فهو مدني، وما كان ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ ففيه مكي ومدني، وأكثره مكي» (١). وقال علي بن الحسين بن واقد (ت٢١١هـ): «كل القرآن مكي أو مدني غير قوله: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَآدُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥] فإنها أنزلت على رسول الله ﷺ بالجحفة حين خرج مهاجراً إلى المدينة. فلا هي مكية ولا مدنية، وكل آية نزلت على رسول الله ﷺ قبل الهجرة فهي مكية، نزلت بمكة أو بغيرها من البلدان، وكل آية نزلت بالمدينة بعد الهجرة فإنها مدنية، نزلت بالمدينة أو بغيرها من البلدان» (٢). قوله: (وتنقسم السور ثلاثة أقسام: قسم مدنية باتفاق .....). هذا المبحث يتعلق بأقسام السور في قضية المكي والمدني (٣)، هذا

стр. 68

التقسيم الذي ذكره فيه خلاف، والكلام فيها يطول، لكن نأخذ مثالاً في ذلك، وهي أم القرآن؛ وقع فيها خلاف على ثلاثة أقوال: ١ - قيل: نزلت بمكة. ٢ - قيل: نزلت في المدينة. ٣ - قيل: إن جزءاً منها نزل بمكة وجزءاً بالمدينة، وهذا أضعف الأقوال. والصحيح أنها نزلت بمكة، وأقوى الأدلة على ذلك هو ما ورد في سورة الحجر في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧]، والرسول ﷺ قد فسر أن المراد بالسبع المثاني والقرآن العظيم أنها الفاتحة، فبيانه ﷺ ليس بعده بيانٌ، وسورة الحجر مكية بالاتفاق، وبهذا فسورة الفاتحة مكية؛ لأن النبي ﷺ قد أوتيها كما هو نصُّ الآية. واستدلوا بأدلة أخرى مثل انعقاد الصلاة بها، وغيرها من الأدلة، لكن هذا من أقوى الأدلة وأوضحها وأصرحها؛ لأنه قد يقول قائل: يحتمل أنه كان يصلي ولم تفرض الفاتحة بعدُ، وإنما فرضت في المدينة، فنقول: إنه لو سقط الاستدلال بهذا لا يسقط الاستدلال بآية الحجر، وهي مكية. نزول السورة أو الآية مرتين: يقصد بنزول السورة أو الآية مرتين أن تكون نزلت أول مرة لغرضٍ، ثم حدث أمر فأُنزلت مرة أخرى للغرض الحادث، وليس نزول جبريل ﵇ لمدارسة النبي ﷺ في رمضان من هذا الباب. والقول بنزول السورة أو الآية مرتين خلاف الأصل، والأحاديث الواردة في كون آية نزلت مرتين فيها ضعف (١).

стр. 69

قوله: (وقد وقعت آيات مدنية في سور مكية، كما وقعت آيات مكية في سور مدنية، وذلك قليل مختلف في أكثره). الأصل أن تكون السورة مكية كلها أو مدنية كلها، والاستثناء خلاف الأصل، ولا يخرج عن نوعين: الأول: أن ترد آية مكية في القرآن المدني، وهو قليل مختلف فيه، بل إن ابن حجر ﵀ يقول: (فلم أره إلا نادراً) (١)، يعني وقوع الآيات المكية في السور المدنية قليل. الثاني: أن ترد آية مدنية في القرآن المكي، وهو موجود وكثير (٢). قوله: (واعلم أن السور المكية نزل أكثرها في إثبات العقائد، والرد على المشركين، وفي قصص الأنبياء، وأن السور المدنية نزل أكثرها في الأحكام الشرعية، وفي الرد على اليهود والنصارى ....). يمكن أن يطلق على هذه موضوعات المكي والمدني، وهو الذي عُرف ـ فيما بعد ـ عند السيوطي وغيره بضوابط المكي والمدني. وذكر أن أكثر السور المكية في إثبات العقائد والرد على المشركين، وفي قصص الأنبياء، وقوله: (أكثرها) دقيق؛ لأن بعض السور المدنية لا تخلو من إثبات العقائد، ولا تخلو من الرد على المشركين، ولا تخلو من قصص الأنبياء، وهذا يفيد في إدراك كون السورة مكية بالنظر إلى الموضوعات الرئيسة التي طرحها المؤلف، وإن كان ليس لازماً، إذ قد وردت ـ مثلاً ـ قصة آدم في سورة البقرة، وهي مدنية. أما السور المدنية فموضوعاتها الأحكام الشرعية والمراد بها التفصيلات وليس أصول الأحكام؛ لأن الأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة كان موجوداً في مكة، وكذلك الرد على اليهود والنصارى والمحاجة

стр. 70

والمجادلة والمخاصمة معهم لم يقع إلا في المدني، أما ذكر اليهود والنصارى فقد جاء في القرآن المكي، كذلك ذكر المنافقين كان بالمدينة قطعاً؛ لأن النفاق لم يظهر إلا في المدينة، وكذلك الفتاوى في المسائل كان في المدينة بعد أن تشكل المجتمع الإسلامي، وصار الأمر والنهي راجعاً إلى الرسول ﷺ ، وكذلك الحديث عن غزوات النبي ﷺ مدنية؛ لأن غزواته كانت بالمدينة. وهذه الموضوعات علامات أو أمارات للتمييز بين المكي والمدني. قوله: (وحيث ما ورد ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فهو مدني، وأما ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ فقد وقع في المكي والمدني). هذا القول يدخل في باب الضوابط؛ أي: «ضوابط المكي والمدني»، وهذا الضابط أغلبي؛ لأنه ورد قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] في سورة النساء، وهي مدنية. وأغلب مسائل المكي والمدني من علوم القرآن وليست من علوم التفسير؛ لأنه ليس لها أثر في المعنى، فمثلاً إذا عرفت أن قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] «نزلت في جوف الكعبة» فإن هذا ليس له أثر في المعنى. وهناك مسائل جزئية منه لها أثر في التفسير، خاصة ما يتعلق بالترجيح بين الأقوال، كما هو الحال في خلافهم في المراد بالشاهد في قوله تعالى: ﴿... وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأحقاف: ١٠] هل هو موسى ﵇ بناءً على أن السورة مكية، أو عبد الله بن سلام ﵁؟

стр. 71

وكونها في سورة مكية كان مما احتج به مسروق (ت٦٣هـ) والشعبي (ت١٠٣هـ) ومن قال بقولهما؛ على من قالوا بأنه عبد الله بن سلام (ت٤٣هـ) الذي لم يظهر أمره إلا في المدينة. إذن المكي والمدني ينقسم قسمين: قسم نحتاج إليه في التفسير، وقسم يكون من علوم السورة أو علوم الآية «علوم القرآن».

стр. 72

الباب الثالث في المعاني والعلوم التي تضمَّنها القرآن قال ﵀: الباب الثالث في المعاني والعلوم التي تضمَّنها القرآن، ولنتكلم في ذلك على الجملة والتفصيل، أما الجملة فاعلم أن المقصود بالقرآن دعوة الخلق إلى عبادة الله وإلى الدخول في دين الله، ثم إن هذا المقصد يقتضي أمرين لا بد منهما وإليهما ترجع معاني القرآن كله: أحدهما بيان العبادة التي دعي الخلق إليها، والأخرى ذكر بواعث تبعثهم على الدخول فيها وترددهم إليها، فأما العبادة فتنقسم إلى نوعين: وهما أصول العقائد، وأحكام الأعمال، وأما البواعث عليها فأمرين: وهما: الترغيب والترهيب. وأما على التفصيل فاعلم أن معاني القرآن سبعة وهي: علم الربوبية، والنبوة، والمعاد، والأحكام، والوعد، والوعيد، والقصص. فأما علم الربوبية فمنه إثبات وجود الباري ﷻ ، والاستدلال عليه بمخلوقاته، فكل ما جاء في القرآن من التنبيه على المخلوقات، والاعتبار في خلقة الأرض والسموات والحيوان والنبات والريح والأمطار والشمس والقمر والليل والنهار وغير ذلك من الموجودات، فهو دليل على خالقه، ومنه إثبات الوحدانية، والرد على المشركين، والتعريف بصفات الله من الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر وغير ذلك من أسمائه وصفاته، والتنزيه عما لا يليق به، وأما النبوة فإثبات نبوة الأنبياء ﵈ على العموم، ونبوة محمد ﷺ على الخصوص، وإثبات الكتب التي أنزلها الله عليهم، ووجود الملائكة الذين كان منهم وسائط بين الله وبينهم، والرد على من كفر بشيء من ذلك، وينخرط في سلك هذا ما ورد في القرآن

стр. 73

من تأنيس النبي ﷺ وكرامته والثناء عليه وسائر الانبياء صلى الله عليه وعليهم أجمعين، وأما المعاد فإثبات الحشر، وإقامة البراهين، والرد على من خالف فيه وذكر ما في الدار الآخرة من الجنة والنار والحساب والميزان وصحائف الأعمال وكثرة الأهوال ونحو ذلك. وأما الأحكام فهي الأوامر والنواهي، وتنقسم خمسة أنواع: واجب ومندوب وحرام ومكروه ومباح، ومنها ما يتعلق بالأبدان كالصلاة والصيام وما يتعلق بالأموال كالزكاة، وما يتعلق بالقلوب كالإخلاص والخوف والرجاء وغير ذلك، وأما الوعد فمنه وعد بخير الدنيا من النصر والظهور وغير ذلك، ومنه وعد بخير الآخرة وهو الأكثر كأوصاف الجنة ونعيمها، وأما الوعيد فمنه تخويف بالعقاب في الدنيا، ومنه تخويف بالعقاب في الآخرة، وهو الأكثر كأوصاف جهنم وعذابها وأوصاف القيامة وأهوالها، وتأمل القرآن تجد الوعد مقروناً بالوعيد قد ذكر أحدهما على أثر ذكر الآخر؛ ليجمع بين الترغيب والترهيب، وليتبين أحدهما بالآخر كما قيل «بضدها تتبين الأشياء». وأما القصص فهو ذكر أخبار الأنبياء المتقدمين وغيرهم كقصة أصحاب الكهف وذي القرنين، فإن قيل: ما الحكمة في تكرار قصص الأنبياء في القرآن؟ فالجواب من ثلاثة أوجه: الأول: أنه ربما ذكر في سورة من أخبار الأنبياء ما لم يذكره في سورة أخرى، ففي كل واحدة منهما فائدة زائدة على الأخرى، الثاني: أنه ذكرت أخبار الأنبياء في مواضع على طريقة الإطناب وفي مواضع على طريقة الإيجاز؛ لتظهر فصاحة القرآن في الطريقتين، الثالث: أن أخبار الأنبياء قصد بذكرها مقاصد فيتعدد ذكرها بتعدد تلك المقاصد، فمن المقاصد بها: إثبات نبوة الأنبياء المتقدمين بذكر ما جرى على أيديهم من المعجزات، وذكر إهلاك من كذبهم بأنواع من المهالك، ومنها إثبات النبوة لمحمد ﷺ لإخباره بتلك الأخبار من غير تعلم من أحد وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ [هود: ٤٩]، ومنها: إثبات الوحدانية

стр. 74

ألا ترى أنه لما ذكر إهلاك الأمم الكافرة قال: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [هود: ١٠١]، ومنها: الاعتبار في قدرة الله وشدة عقابه لمن كفر، ومنها تسلية النبي ﷺ عن تكذيب قومه له بالتأسي بمن تقدم من الأنبياء كقوله: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [الأنعام: ٣٤]، ومنها: تسليته ﵇ ووعده بالنصر كما نصر الأنبياء الذين من قبله، ومنها: تخويف الكفار بأن يعاقبوا كما عوقب الكفار الذين من قبلهم، إلى غير ذلك مما احتوت عليه أخبار الأنبياء من العجائب والمواعظ واحتجاج الأنبياء وردهم على الكفار وغير ذلك، فلما كانت أخبار الأنبياء تفيد فوائد كثيرة ذكرت في مواضع كثيرة ولكل مقام مقال (١). هذا الباب من نفائس هذه المقدمة، ويحسن أن نذكر فيه تنبيهاً، وهو أن علماءنا السابقين لم يغفلوا عن النظر الموضوعي للقرآن، وكلام ابن جزي مثال من الأمثلة، وما ذكره في المعاني والعلوم التي تضمنها القرآن، لا يمكن أن يكون إلا بعد النظرة الشمولية لموضوعات القرآن. فإن قال قائل: لكن ما ذكره ليس كل المعاني والعلوم التي تضمنها القرآن. نقول: نعم، لكن ما ذكره هو أصل كل شيء، إذ إن أغلب ما يذكر بعد ذلك هو راجع إلى هذه المعاني التي ذكرها هنا، لذا يحسن أن ننتبه إلى أنَّ تراث العلماء السابقين فيه أشياء كثيرة قد نغفل عنها فنظن أنهم لم يفعلوا ولم يتكلموا، وهم قد تكلموا وأفاضوا، لكن جهلنا بما عندهم من العلم جعلنا نزعم مثل هذا الزعم. والمؤلف ﵀ جعل مقصود القرآن الكلي دعوة الخلق إلى عبادة الله سبحانه، ثم ذكر أن هذا المقصد يقتضي أمرين ـ ترجع إليهما معاني القرآن كله ـ:

стр. 75

أحدهما: بيان العبادة التي دُعِيَ الخلقُ إليها. الآخر: ذكر بواعث «الترغيب والترهيب» تبعثهم على الدخول فيها وتردهم إليها، ثم ذكر في العبادة أصول العقائد وأصول الأحكام التي هي الأعمال المعروفة في تقسيمات العلماء. وأما المقاصد التفصيلية فذكر سبعة من العلوم: العلم الأول: علم الربوبية، وهو يريد به توحيد الباري، وعلم الأسماء والصفات، أما علم الألوهية فسيدخل عنده في باب الأحكام الذي سيذكره، لكنه لم يشر إليه إشارة واضحة، بل اكتفى بالإشارة إلى بعض الأعمال القلبية التي تدخل في توحيد الألوهية، فقال: (وما يتعلق بالقلوب كالإخلاص والخوف والرجاء وغير ذلك وما يتعلق بالأبدان). العلم الثاني: علم الأحكام والأوامر والنواهي، وهذا يرجع كله إلى توحيد الألوهية الذي هو توحيد الله بأفعال عباده. والأول: هو توحيد الربوبية توحيد الله بأفعاله، ودخل فيه باب الأسماء والصفات. ملحظان فيما يتعلق بالنظر الموضوعي للقرآن: الأول: حديث عائشة ﵂ لما جاءها العراقي يسأل قال: «أي الكفن خير؟ قالت: ويحك ما يضرك، قال: يا أم المؤمنين أريني مصحفك، قالت: لم؟ قال: لعلي أؤلف القرآن عليه؛ فإنه يقرأ غير مؤلف، قالت: وما يضرك أيها قرأت قبل، إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل، فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبداً، ولو نزل: لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا أبداً، لقد نزل بمكة على محمد ﷺ وإني لجارية ألعب: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٦]، وما نزلت سورة البقرة والنساء
следующие страницы →