← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 13892

شرح مقدمة التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي

مساعد الطيار

Полный текст (290 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ثانياً: الوقف الكافي: ذكر المؤلف وصفه للوقف الكافي، فقال: (وإن كان الكلام الأول مستقلاًّ يفهم دون الثاني إلا أن الثاني غير مستقل إلا بما قبله. فالوقف على الأول كافٍ، وذلك في التوابع والفضلات كالحال والتمييز والاستثناء وشبه ذلك إلا أن وصل المستثنى المتصل آكد من المنقطع، ووصل التوابع والحال إذا كانت أسماء مع ذاتٍ آكد من وصلها إلا إذا كانت جملة)، وهذا الذي قاله أشبه بالوقف الحسن عند الجمهور؛ لأن التوابع ألصق بالوقف الحسن والقبيح من غيرهما. الوقف الكافي عند الجمهور: هو ما كان فيه ارتباط من جهة المعنى وليس من جهة الإعراب كالوقف عند قوله: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] فهناك ارتباط في المعنى بين الجملتين، لكن من حيث الإعراب هي جملة إعرابية تامة، ومن ضوابط الوقف الكافي وجود الروابط اللفظية غير الإعرابية مثل الضمائر في ﴿قُلُوبِهِمْ﴾، و ﴿سَمْعِهِمْ﴾ فهي تدلُّ أن الحديث عن سابقين في هذا السياق. مثال آخر: الوقف عند قوله: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾، ثم البدء بقوله: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] ففيه ارتباط بما قبله من جهة المعنى؛ سواء كان قوله: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ من كلام الله أو من كلام بلقيس على حسب الخلاف الوارد عند المتأخرين في التفسير. فائدة: لما أمر الرسول ﷺ ابن مسعود (ت٣٢هـ) أن يقرأ عليه سورة النساء، ووصل إلى قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] قال له النبي ﷺ : «حسبك

стр. 247

الآن»، وقطع ابن مسعود القراءة، وهذا القطع على وقف كافٍ، وليس على وقف تامٍّ؛ لأن بعده قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢]، وهذا مرتبط بما قبله من جهة المعنى؛ لأن السياق لم ينتهِ في الحديث عن هذا الموقف العظيم، وإنما يكون الوقف التامُّ على قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾؛ لأن الذي بعده النداء الدال على التمام، وهو قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤١ - ٤٣]، وهذه جملة جديدة منفصلة انفصالاً تاماً عما قبلها. ثالثاً: الوقف الحسن: ذكر المؤلف الوقف الحسن بقوله: (وإن كان الكلام مستقلاًّ والثاني كذلك، فإن كانا في قصة واحدة فالوقف على الأول حسن، وإن كانا في قصتين مختلفتين فالوقف تام). وهذا الذي قاله في الوقف الحسن هو الوقف الكافي عند الجمهور، قالوا: هو ما يحسن الوقف عليه ولا يحسن الابتداء بما بعده لارتباطه به من جهة الإعراب؛ كالوقف عند قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: ٢]، فالحسن هو ما كان معنى الجملة الموقوف عليها تاماً من جهة الإعراب، لكن لا يحسن البدء بما بعده؛ لأن ما بعدها مرتبط بها من جهة الإعراب؛ كالبدء بقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. رابعاً: الوقف القبيح: الوقف القبيح عند المؤلف: (فإن كان الكلام مفتقراً إلى ما بعده في إعرابه أو معناه، وما بعده مفتقراً إليه كذلك لم يجز الفصل بينهما، والوقف على الكلام الأول قبيح)، ويمكن أن يتلخَّص في الوقف القبيح نوعان:

стр. 248

١ - الفصل بين متلازمين؛ كالفصل بين كل معمولٍ وعامله وبين كل ذي خبر وخبره، كما في قوله : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: ٢]، فمن قرأ وقال: ﴿الْحَمْدُ﴾، ثم سكت، فإن الوقف لا يُفهم معنى، فالحمد مبتدأ لم يجئ خبره، وفصله عن خبره فصل بين أمرين بينهما ترابط شديد. وكذلك في قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ لو وقفت على ﴿رَبِّ﴾ فلن يُفهم معنى من هذا الوقف. ٢. إدخال ما ليس من الجملة فيها، وهذا لم يذكره المؤلف، وهو الوقف على كلمة تدخل في حكم ما قبلها وهي خارجة عنه، كما لو وقف على في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى﴾ [الأنعام: ٣٦]، فالوقف هنا قبيح؛ لأنك تثبت للموتى سماعاً، والسماع إنما هو للذين يسمعون فقط. خلاصة: الخلاف في مواطن الوقوف وفي أنواعها كثيرٌ جدّاً، لكن هذه الوقوف الأربعة هي التي تذكرها أغلب كتب الوقوف، وهي مرتبطة بالإعراب والمعنى كما يأتي: أولاً: إذا وجد الرابط الإعرابي فعندنا احتمالان في نوع الوقف: الأول: أن يكون الوقف حسناً، إن كان الموقوف عليه جملة تامة بنفسها. الثاني: أن يكون الوقف قبيحاً، إن كان الموقوف عليه جملة ناقصة في الإعراب. ثانياً: إذا انعدم التعلق الإعرابي فعندنا في الوقف احتمالان: الأول: أن يكون تاماً، وذلك إذا انعدم الارتباط بالمعنى، وكان كل كلام مستقلٍّ بذاته.

стр. 249

الثاني: أن يكون كافياً وذلك إن وجدت الروابط اللفظية غير الإعرابية؛ كالضمائر. قول المؤلف: (وقد يختلف الوقف باختلاف الإعراب أو المعنى)، وهذا كثير، وهو أحد أسباب الاختلاف في الوقف التام والوقف الكافي في كثير من مواضعه على رأي الجمهور في تعريف الوقف الكافي، بل قد يكون الاختلاف في موطن بين مواقف ثلاثة: «التام والكافي والحسن»، ومن ذلك ما ورد في قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التغابن: ١]، قال زكريا الأنصاري في المقصد: «﴿وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ حسن، وقال أبو عمرو: «كاف، وقيل: تام» (١)، ولا شكَّ أن مثل هذا الاختلاف مبني على الاختلاف في النظر في الإعراب والمعنى. قول المؤلف: (ولذلك اختلف الناس في كثيرٍ من المواقف، ومن أقوالهم فيها راجح، ومرجوح، وباطل)، أما الباطل، فإدراكه أسهل من إدراك الراجح من المرجوح؛ لأنه يقع الخلاف في الوقف ـ كما سبق ـ ويحتاج الأمر إلى مرجحات. ومن باب الفائدة، فإن كلام المؤلف هذا يشير إلى أمر مهم، وهو أن الوقف والابتداء من آثار فهم المعنى «التفسير»، والعجيب أن يستملح بعض القراء بعض الوقوفات الباطلة، ويرتكب في هذا مخالفة معنى الآية ونظمها، كمن يقف على لفظة ﴿فِيمَ﴾ من قوله تعالى: ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ [النازعات: ٤٣]، ثم يبتدئ بقوله: ﴿أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ على أنه خطاب مبتدأ موجه للنبي ﷺ على معنى: أنت يا محمد من ذكراها، ويستدل لذلك بمثل قوله ﷺ : «بعثت أنا والساعة كهاتين، وأشار

стр. 250

بالوسطى والسبابة» (١). والمعنى الصحيح لهذه الآية: في أيّ شيء أنت من ذكر الساعة والبحث عن شأنها، إنما أنت منذر من يخاف هذه الساعة. قول المؤلف: (وقد يقف لبيان المراد، وإن لم يتم الكلام). هذا الوقف يسميه بعض من كتب في الوقف والابتداء وقف البيان، وهو أن يقف ليبين معنى لا يبين إلا بالوقوف عليه، أو أن يقف على كلمة وكأنه واقف واصل؛ أي: بلا قطع نفس. والأول أولى، وهو شبيه بالوقف اللازم عند السجاوندي، وعلامته في المصحف (م) كما في الوقف على قوله: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ [الأنعام: ٣٦]، لكن عدم تمام الكلام لا يكون إلا إذا كان من قبيل الوقف الكافي، أما إذا كان من قبيل الوقف القبيح، فإنه لا يمكن أن يوجد وقف بيان يصح الوقف عليه لأجل بيان معنى ما؛ لأن القبيح لا يمكن أن لا يكون قبيحاً، والله أعلم. ويمكن التمثيل له بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٩]. فالوقف على لفظ الجلالة (يعلمه الله) وقف بيان؛ لأن الفعل ﴿يَعْلَمْهُ﴾ مجزوم بإن الشرطية، والفعل «ويعلمُ» في الجملة التي بعدها مرفوع، وهو مستأنف، وليس معطوفاً على الفعل السابق، فالوقف يبين الفرق بين الفعلين في الإعراب.

стр. 251

الباب العاشر الفصاحة والبلاغة وأدوات البيان قال المصنف: الباب العاشر في الفصاحة والبلاغة وأدوات البيان، أما الفصاحة فلها خمسة شروط: الأول: أن تكون الألفاظ عربية، لا مما أحدثه المولدون ولا مما غلطت فيه العامة. الثاني: أن تكون من الألفاظ المستعملة لا من الوحشية المستثقلة. الثالث: أن تكون العبارة واقعة على المعنى موفية له لا قاصرة عنه. الرابع: أن تكون العبارة سهلة سالمة من التعقيد. الخامس: أن يكون الكلام سالماً من الحشو الذي لا يحتاج إليه، وأما البلاغة فهي سياق الكلام على ما يقتضيه الحال والمقام من الإيجاز والإطناب، ومن التهويل، والتعظيم، والتحقير، ومن التصريح، والكناية، والإشارة، وشبه ذلك بحيث يهز النفوس، ويؤثر في القلوب، ويقود السامع إلى المراد أو يكاد، وأما أدوات البيان فهي صناعة البديع، وهي تزيين الكلام كما يزين العَلَم الثوب، وقد وجدنا في القرآن منها اثنين وعشرين نوعاً، ونبهنا على كل نوعٍ في المواضع التي وقع فيها من القرآن، ونذكر هنا أسماءها ونبين معناها. الأول: المجاز، وهو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له لعلاقة بينهما وهو اثنا عشر نوعاً: التشبيه والاستعارة، والزيادة والنقصان، وتشبيه المجاور باسم مجاوره، والملابس باسم ملابسه، وإطلاق اسم الكل على البعض وعكسه، وتسمية السبب باسم المسبب وعكسه، والتسمية باعتبار ما

стр. 252

يستقبل، والتسمية باعتبار ما مضى، وفي هذا خلاف هل هو حقيقة أو مجاز؟ واتفق أكثر أهل علوم اللسان وأهل الأصول على وقوع المجاز في القرآن؛ لأن القرآن نزل بلسان العرب، وعادة فصحاء العرب استعمال المجاز، ولا وجه لمن منعه؛ لأن الواقع منه في القرآن أكثر من أن يحصى. الثاني: الكناية، وهي العبارة عن الشيء بما لا يلازمه من غير تصريح. الثالث: الالتفات، وهو على ستة أنواع: خروج من التكلم إلى الخطاب، أو الغيبة، وخروج من الخطاب إلى التكلم، أو الغيبة، وخروج من الغيبة إلى التكلم، أو الخطاب. الرابع: التجريد، وهو ذكر شيء بعد اندراجه في لفظ عام متقدم، والقصد بالتجريد تعظيم المجرد ذكره، أو تحقيره، أو رفع الاحتمال. الخامس: الاعتراض، وهو إدراج كلامٍ بين شيئين متلازمين كالخبر والمخبر عنه، والصفة والموصوف، والمعطوف والمعطوف عليه، أو إدخاله في أثناء كلام متصل، والقصد به تأكيد الكلام الذي أدرج فيه. السادس: التجنيس، وهو اتفاق اللفظ مع اختلاف المعنى، ثم إن الاتفاق قد يكون في الحروف والصيغة أو في الحروف خاصة، أو في أكثر الحروف لا في جميعها، أو في الخط لا في اللفظ، وهو تجنيس التصحيف. السابع: المطابقة، وهو ذكر الأشياء المتضادة كالسواد والبياض والحياة والموت، والليل والنهار، وشبه ذلك. الثامن: المقابلة، وهو أن يجمع بين شيئين متصاعداً، ثم يقابلهما بأشياء أخر. التاسع: المشاكلة، وهي أن تذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته.

стр. 253

العاشر: الترديد، وهو رد الكلام على آخره، ويسمى في الشعر: رد العَجُز على الصدر. الحادي عشر: لزوم ما لا يلزم، وهو أن تلتزم قبل حروف الروي حرفاً آخر، وكذلك عند رؤوس الآيات. الثاني عشر: القلب، وهو أن يكون الكلام يصلح ابتداء قراءته من أوله وآخره نحو: دعد، أو تعكس كلماته فتقدم المؤخر منها وتؤخر المقدم. الثالث عشر: التقسيم، وهو أن تقسم المذكور إلى أنواعه أو أجزائه. الرابع عشر: التتميم، وهو أن تزيد في الكلام ما يوضحه أو يؤكده وإن كان مستقلاًّ دون هذه الزيادة. الخامس عشر: التكرار، وهو أن تضع الظاهر موضع المضمر فتكرر الكلمة على وجه التعظيم، أو التهويل، أو لمدح المذكور، أو ذمه، أو للبيان. السادس عشر: التهكم، وهو إخراج الكلام عن مقتضاه استهزاءً بالمخاطب أو بالخبر ككلام البشارة موضع النذارة. السابع عشر: اللف والنشر، وهو أن تلف في الذكر شيئين فأكثر، ثم تذكر متعلقاتها وفيه طريقتان: أن تبدأ في ذكر المتعلقات بالأول، وأن تبدأ بالآخر. الثامن عشر: الجمع، وهو أن تجمع بين الشيئين فأكثر في خبر واحدٍ وفي وصفٍ واحد وشبه ذلك. التاسع عشر: الترصيع، وهو أن تكون الألفاظ في آخر الكلام مستوفية الوزن أو متقاربة مع الألفاظ التي في أوله. العشرون: التسجيع، وهو أن يكون كلمات الآية على رَوِيِّ حرف واحد.

стр. 254

الحادي والعشرون: الاستطراد، وهو أن يتطرق من كلام إلى كلامٍ آخر، بوجه يصل ما بينهما ويكون الكلام الثاني هو المقصود كخروج الشاعر من النسيب إلى المدح بمعنى يتعلق بالطرفين مع أنه إنما قصد المدح. الثاني والعشرون: المبالغة، وقد تكون بصيغة الكلمة نحو: صيغة فعال ومفعال، وقد تكون بالمبالغة في الأخبار أو الوصف، فإن اشتدت المبالغة فهو غلو وإغراق، وذلك مستكره عند أهل الشان (١). قول المؤلف في شروط الفصاحة: (أن تكون الألفاظ عربية، لا مما أحدثه المولدون ولا مما غلطت فيه العامة)، هذه المسألة ليس لها علاقة بفصاحة القرآن وإنما يتكلم المؤلف عن الفصاحة من حيث العموم؛ ولهذا ذكر هذه المسألة، وليس لها علاقة بالقرآن؛ لأن ألفاظ القرآن قبل المولدين وقبل المُحْدِثين. وقد أشار المؤلف إلى ثلاثة مصطلحات وهي: الفصاحة، والبلاغة، وأدوات البيان. وهذه المصطلحات الثلاثة التي ذكرها ترجع إلى باب البلاغة، والمؤلف لم يذكر التقسيم الذي نعرفه اليوم، وهو: علم المعاني وعلم البديع وعلم البيان، فهذه المصطلحات والتقسيمات لم يُعْمِلها كما لم يعملها من كان قبله، بل هي تحريرات متأخرة. بعد أن تحدث المؤلف عن شروط وقيود الفصاحة ذكر أن البلاغة هي سياق الكلام على ما يقتضيه الحال والمقام، فقد يقتضي الحالُ الإيجاز أو يقتضي الإطناب، ومن البلاغة اختيار الألفاظ في الأماكن المناسبة لها، وهي تدل على براعة المتكلم.

стр. 255

ثم ذكر أدوات البيان وأنها علم البديع التي تكون محسنة للكلام البليغ، مثل الطباق والمقابلة وغيرها من المحسنات البديعية. أما ما يتعلق باستعمال الألفاظ، فالقرآن لم يستخدم لفظة وحشية، وإن كان فيه ألفاظ فيها غرابة من جهة المعنى، وألفاظ فيها ثقل من جهة النطق؛ لكنها ليست من الألفاظ المستكرهة، وإذا تأملت بعض هذه الألفاظ ستجد أنها تؤدي الغرض المقصود منها من جهة البلاغة، مثل قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ﴾ [التوبة: ٣٨] لفظة ﴿اثَّاقَلْتُمْ﴾ لفظة ثقيلة أخف منها (تثاقلتم)، ولكن عُبِّرَ بـ ﴿اثَّاقَلْتُمْ﴾ لتشير إلى الحالة التي تدل على أن هذا الإنسان قد لزق بالأرض حتى لا يكاد يقوم، ولا يمكن أن تؤدي هذه الصورة لفظة «تثاقلتم»؛ لأن التثاقل يدل على محاولة القيام لكن فيه ثقل، أما ﴿اثَّاقَلْتُمْ﴾ فهي تدل على اللصوق بالأرض لصوقاً تاماً، وهذه الكلمة لو وضعت في مكان آخر ما صلحت لكنها في هذا الموطن صالحة وتؤدي المعنى الذي جاءت من أجله، ولو غيرت بلفظة أخرى ما استقامت الجملة على المعنى الذي هي به من جهة هذه اللفظة. ولا شك أن القرآن قد وصل في اختيار الألفاظ إلى الحد الأعلى الذي لا يمكن أن يوجد في كلام متكلم؛ ولهذا يستدرك الناس على أعظم أهل البيان من الشعراء وغيرهم في اختياراتهم، لكن لا يمكن أن يستدرك على القرآن في كلمةٍ واحدة، ولا يمكن أن يقال: إن هذه اللفظة لو كان بدلاً منها تلك اللفظة لكانت أبرع. ومن المستدركات على بعض الشعراء ما استدرك على امرئ القيس في لاميته في قوله (١):

стр. 256

وَجيدٍ كَجيدِ الرِئمِ لَيسَ بِفاحِشٍ ... إِذا هِيَ نَصَّتهُ وَلا بِمُعَطَّلِ وَفَرعٍ يَزينُ المَتنَ أَسوَدَ فاحِمٍ ... أَثيثٍ كَقِنوِ النَخلَةِ المُتَعَثكِلِ غَدائِرُها مُستَشزِراتٌ إِلى العُلا ... تَضِلُّ المدارى في مُثَنًّى وَمُرسَلِ فقوله: (غَدائِرُها مُستَشزِراتٌ) إن امرؤ القيس يتحدث عن امرأة خرجت في التوِّ من الاغتسال، فالمشط عندما يُجرى على الشعر ويتجه في تمشطه إلى الأعلى ففيه صعوبة، وانظر إلى العبارات التي ذكرها بعض العلماء في نقد هذا، فيقول البغدادي (ت١٠٩٣هـ): «وهذا البيت استشهد به صاحب تلخيص المعاني على أن في «مستشزرات» تنافراً لثقلها على اللسان، وعسر النطق بها» (١)، وقال في «صبح الأعشى»: «الصفة الثالثة من صفات اللفظ المفرد الفصيح: ألا يكون متنافر الحروف فإذا كانت حروفه متنافرة بحيث يثقل على اللسان ويعسر النطق به فليس بفصيح، ثم ذكر هذا البيت وقال بعده: فلفظ «مستشزرات» من المتنافر الذي يثقل على اللسان ويعسر النطق به» (٢). قال الوزير ضياء الدين بن الأثير (ت٦٣٧هـ) في المثل السائر: «فلفظة مستشزرات مما يقبح استعمالها؛ لأنها تثقل على اللسان ويشق النطق بها ـ ثم قال ـ: ولقد رآني بعض الناس وأنا أعيب على امرئ القيس هذه اللفظة فأكبر ذلك لوقوفه مع شبهة التقليد في أن امرأ القيس أشعر الشعراء، فعجبت من ارتباطه بمثل هذه الشبهة الضعيفة وقلت له: لا يمنع إحسان امرئ القيس من استقباح ما له من القبح بل مثال ذلك كمثال غزال المسك فإنه يخرج منه المسك والبعر ولا يمنع طيب ما يخرج من مسكه من خبث ما يخرج من بعره، ولا تكون لذاذة ذلك الطيب حامية للخبيث من الاستكراه، قال: فأُسكت الرجل عند ذلك» (٣).

стр. 257

هذا ما قاله النقاد في بيت امرئ القيس، وهناك وجه آخر لو نظرنا إليه لاختلف الحكم، وهو أن هذه اللفظة مع استثقالها جاءت في مكانها البليغ التام من جهة دلالتها على المعنى وتصويرها للحال، فالمرأة إذا كان شعرها طويلاً وغسلته فإنه يتجعد ويدخل بعضه في بعض، فإذا أجرت عليه المشط كان إجراؤه صعباً، فهذه الحالة الصعبة تمثلها لفظة «مستشزرات»، فالتعبير بهذه اللفظة لمناسبة الحال من شعر المرأة، ومناسبة اللفظة للحال من تمام البلاغة، والله أعلم. ثم تكلم المؤلف عن علوم البلاغة التي استنبطها وهي موجودة في القرآن وعدَّتها عنده اثنان وعشرون نوعاً، ويلاحظ على هذه الأنواع ما يأتي: الأول: أن بعض الأنواع التي ذكرها ليس موجوداً في القرآن. الثاني: أن بعض الأنواع التي ذكرها قد لا يكون له أثر في بيان المعاني وإنما أثره في حسن الكلام من جهة البلاغة؛ ولذا نقول: ليس كل نوع من أنواع علوم البلاغة يستفاد منه في بيان المعاني «التفسير»، وإنما يستفاد من علم البلاغة لبيان «إعجاز القرآن». وإذا كانت المسألة البلاغية تؤثر على المعنى فإنها تكون من باب بيان المعاني «التفسير»، ومن أنواع علوم البلاغة في آن واحدٍ. وقد تحدث المؤلف عن النوع الأول من أنواع علم البلاغة في القرآن وهو المجاز فقال: (الأول: المجاز وهو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له لعلاقة بينهما) إلى أن قال: (واتفق أهل العلم واللسان وأهل الأصول على وقوع المجاز في القرآن لأن القرآن نزل بلسان العرب، وعادة فصحاء العرب استعمال المجاز، ولا وجه لمن منعه؛ لأن الواقع منه في القرآن أكثر من أن يحصى). سبق أن المؤلف قال في قوله: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧]

стр. 258

قال: «إن هذا مجاز باتفاق» (١)، فقوله: إن المجاز موجود باتفاق، ليس بصحيح؛ لأن هناك من خالف في وقوع المجاز، ولهذا قوله: (واتفق أهل العلم واللسان وأهل الأصول على وقوع المجاز في القرآن)، رأي له، لكن المخالف لا يرى أنه مجاز بل هو حقيقة عنده، والمؤلف يرى أنه لا يوجد مخالف في ذلك، والحقيقة أنه يوجد مخالف، وكون المخالفين أقل من المجيزين، فإن هذا لا يمنع من اعتبار رأيهم لا سيما أنهم جبال في العلم مثل ابن خويز منداد (ت٣٩٠هـ) من المالكية وغيره، وتبعه من العلماء شيخ الإسلام ابن تيمية (ت٧٢٨هـ)، ثم تلميذه ابن القيم (ت٧٥١هـ)، ثم من المعاصرين الشيخ محمد الأمين (ت١٣٩٣هـ) رحمهم الله تعالى جميعاً. أما ما يتعلق بأصل الوضع في الحقيقة ثم النقل إلى المجاز فهي قضية تاريخية تحتاج أن تثبت، وهذا من الحجج التي رد بها المانعون للمجاز، فما هو الدليل التاريخي على أن المراد بالكتاب: المكتوب والمسطور في الكتب، فقد يكون أصل المادة هو الجمع، وسمي المكتوب كتاباً؛ لأن فيه معنى الجمع. والمجيزون يقولون: عندنا قاعدة وهي أن المجاز إذا شاع استعماله صار حقيقة، ومما يدل على الحقيقة أن الذي يتبادر إلى أذهان الناس كما في الكتاب أنه المكتوب، وكوننا لا نعرف أصل الكلمة لا يمنع من وجود معنى أغلبي يمكن أن يتفق عليه كثير من علماء اللغة فيكون هو المعنى المراد، وهذا ليس فيه إشكال، والإشكال في تسمية انتقال استعمال الكلمة من معناها المشهور إلى معنى آخر هل يسمى حقيقة أو مجازاً؟ أهل المجاز يسمونه مجازاً، وأهل الحقيقة لا يسمونه مجازاً بل

стр. 259

يسمونه توسعاً في كلام العرب كما يقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي. ونقول: إنكار المجاز صعب، ومصادرةُ أقوالِ الآخرين الذين لا يرون المجاز صعبٌ أيضاً، وأرى أن المشكلة ليست في تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز بل المشكلة في القرينة وهي التي استخدمها أصحاب المجاز في تعطيل الصفات، وبعضهم استخدمها في تعطيل الأسماء، وبعضهم استخدمها في تعطيل أمور الآخرة، فالقرينة هي التي جعلت المانعين للمجاز يمنعونه، والمجاز والتأويل قرينان فلا يكون تأويل إلا بمجاز؛ ولا يكون مجاز إلا بقرينة، لكن هذه القرينة قد يختلف عليها أصحاب المجاز، وقد تكون القرينة، غير صحيحة كقولهم في أسماء الله وصفاته إنها مجاز، والقرينة هي خوف التشبيه كما في قوله : ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] يقولون: يداه، أي: نعمتاه أو قدرتاه. فقرينة خوف التشبيه ليست قرينة صحيحة؛ لأن تفسيرها بهذا التفسير «نعمتاه أو قدرتاه» يجعل موضع ﴿يَدَاهُ﴾ ليس لها أي معنى، ثم إنه ابتعد عن إثبات الله لليد كما أثبته لنفسه خشية التشبيه والتجسيم، ثم وصفه بالقدرة، والعبد له قدرة فنقول له: أوِّل القدرة، فإن قال: لا، قدرة الله غير قدرة العبد، قلنا: يد الله صفة ليست كيد المخلوق، فالإشكالية في المجاز هي في القرينة، فنحن لا نصحح هذه القرينة، ولذا لا نقول بالمجاز في أسماء الله ولا في صفاته ولا في أمور المعاد التي وقعت عند كثير من المتكلمين. هذا إذا سلمنا لهم بالقول بالمجاز، أما القول بالمنع فهو قطع للطريق من أوله، وجعلُ الكلام كله على الحقيقة فلا مجاز. فإن قال قائل: إن المجاز يمكن أن يكذب. نقول: هذه القاعدة ليست بصحيحة وليست على إطلاقها؛ لأن الأصل في أخبار الله الصدق.

стр. 260

تنبيهات: الأول: عدم الأخذ بالمجاز في أسماء الله وصفاته والغيبيات لا يعني عدم الأخذ به أيضاً في تفسير كلام الله، فإن حمل قوله تعالى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧] على المجاز لا يورث مشكلة من جهة المعنى، وليس فيها تحريف لكتاب الله، فإذا قيل: الجدار ليس له إحساس، والإرادة من عمل العقلاء فهذا صارف له عن الحقيقة، فإن هذا لا يؤثر على المعنى، بخلاف القول بالمجاز في أسماء الله وصفاته؛ لأنه ينفي معانيها ودلالاتها عن اللائق بها. الثاني: معرفة الحقيقة من المجاز يكون بكثرة الاستعمال في الحقيقة، أو يكون هو المتبادر للذهن، فإذا قلت كلمة «عين» فإن أول ما يتجه الذهن إليه هو العين الباصرة. وكون العين وضعت في اللغة الأولى للعين الباصرة، فإنه يرجع إلى مسألة أصل اللغات أي: هل اللغة توقيفية أو اصطلاحية؟ لكن الذي يدل عليه الدليل النقلي أن أصل اللغات توقيفي ثم دخله الاصطلاح، ولذلك أدلة: ١ - أن هذه الألفاظ العربية منطوق بها في السماء، فإن الله لما خلق آدم ﵇ ونفخ فيه الروح، عطس آدم، فقال: «الحمد لله، فقال له ربه: رحمك الله يا آدم، اذهب إلى أولئك الملائكة إلى نفرٍ منهم وسلِّم عليهم، فلما ذهب قال: السلام عليكم، فردوا عليه: وعليكم السلام ورحمة الله» (١). ٢ - قضية الاشتقاق، فآدم لفظ مشتق؛ إما من الأُدْمَةِ وهي السُّمرَة

стр. 261

أو من أديم الأرض الذي هو التراب، وهذا يشير إلى أن اللغة التي تكلم بها آدم لغة اشتقاق، ومن قال: بأنها سريانية، فإنها تسمية لا تخرج بالاسم عن الأصل المقصود الذي ذكرته، وهو كونها لغة اشتقاقية بأي اسم سميت هذه اللغة. وآدم ﵇ قد نطق بهذه اللغة الاشتقاقية منذ أن خلقه الله، وانظر إلى قوله للملائكة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ردوا عليه بمثله، وإذا كانت الأسماء لا تتغير، فإنه قد نطق باسم الجلالة كما نعرفه اليوم، وكذا اسم السلام. وكذا ورد في الحديث: «قال الله : أنا الرحمن وأنا خلقت الرحم واشتققت لها من اسمي» (١)، أي: من الرحمن والرحيم، فالاشتقاق هذا هو الذي جعل اللغة التي تكلم بها آدم تستمر إلى يومنا هذا، وإن كان بعض اللغات حدث فيها تغيير كبير حتى خرجت عن لغة الاشتقاق، وفقدته برمته، ولذلك أسباب تاريخية يمكن دراستها في غير هذا الموضع. وإذا تأملت اللغات التي يتكلم بها الناس فإنك ستجد أن اللغة العربية أسعد اللغات حظاً بهذه اللغة الاشتقاقية الأولى؛ لأن أصولها ممتدة من جهة الاشتقاق إلى أمدٍ سحيق، فهي لغة أنبياء العرب كالنبي صالح، شعيب، وهود ﵈ وهم قبل إبراهيم؛ أي: قبل اليهود، بل ستجد أنها قبل هؤلاء كلهم، فهذه أسماء أصنام قوم نوح عربية ﴿وَقَالُوا لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدًّا وَلاَ سُوَاعًا وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣]، وقوم نوح بينهم وبين آدم عشرة قرون، كما ورد عن ابن عباس، وهذا يشير إلى أن اللغة الاشتقاقية الآدمية كانت موجودة في قوم نوح ﵇، وأن أصول كلام العرب كان ممتداً إلى قوم نوح.

стр. 262

وبقاء الاشتقاق في اللغة التي تكلم بها آدم هو الذي ولَّد هذه اللهجات المتكاثرة، وكذا ولَّد معاني جديدة حسب الحاجة التي يحتاجها الناس، وحسب ما يقوم عندهم من حضارات مادية تحتاج إلى أسماء جديدة. وإذا نظرت إلى تاريخ حدوث المسميات، فإنك ستجد المجاز يطلُّ عليك؛ لأن الحقيقة هي أول ما يتبادر إلى الذهن عند جمهور الناس، أو ما يُجمَع أو يتفق عليه كثير من علماء اللغة، ثم إن بعض المجازات قد تكون أصلاً إذا كثر استعمالها، ولهذا إذا رجعت إلى كتاب ابن فارس (ت٣٩٥هـ) في مادة «لبس» تجد أن أصلها الاختلاط (١)؛ وفي قولنا: «لبست الثوب» اختلف العلماء هل هو من الستر أو الاختلاط؟، وإذا نظرت إلى مادة «لباس»، فإنها ترجع إلى لبس الثوب، مع أنه ليس هو الأصل. وإذا قرأت قولهم في بيان بلاغة قوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] يقول ابن جزي: «تشبيه بالثياب لاشتمال كل واحد من الزوجين على الآخر» (٢)، فذكر أنه مجاز، وهذا فيه نظر، بل هو حقيقة، لكننا لما غفلنا عن الأصل الأول الذي هو الستر أو الاختلاط، ظننا أنه لا علاقة له بمعنى اللباس هنا، وذهبنا إلى أن التشبيه باللباس الذي يُلبس؛ لأنه هو الأشهر والأظهر من الاستعمال في مادة «لباس». فإذا أثبتنا أن هذا هو الحقيقة لكثرة الاستعمال أو لكونه المتبادر إلى الذهن فهذه قضية يتسامح فيها، ولا يمكن أن نصل إلى علم يقيني مطلقٍ فيها، والمسألة فيها اجتهاد، وهي حكم بغلبة الظن.

стр. 263

قوله: (الثاني: الكناية، وهي العبارة عن الشيء بما لا يلازمه من غير تصريح). الكناية فيها خلاف هل وقعت في القرآن أو لا؟ وهناك كتاب معاصر ذهب مؤلفه أن القرآن ليس فيه كناية، لكن نقول: كلام الله فيه عبارات عن أشياء من غير تصريح فلما قال الله : ﴿كَانَا يَاكُلاَنِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥] عن «عيسى وأمه» فابن عباس يقول: «إن الله يكني» كأنه يقول: إن الله أراد التنبيه على أن من يأكل الطعام يحتاج إلى إخراج، ومن يكون بهذه المثابة فإنه فقير محتاج إلى هذا، والله هو الغني، فهو منزه عن أن يكون ممن يحتاج إلى طعام. والإشارة إلى لازم الأمر كنايةً ليس فيه إشكال فهي موجودة في القرآن، قال ابن عباس (ت٦٨هـ): «إن الله حييٌ يَكْنِي عن الأمر». قوله: (الثالث: الالتفات. وهو على ستة أنواع: خروج من التكلم إلى الخطاب، أو الغيبة. وخروج من الخطاب إلى التكلم، أو الغيبة. وخروج من الغيبة إلى التكلم، أو الخطاب). الالتفات هو انتقالٌ من خطابٍ إلى خطاب، وهو من أنواع البلاغة النفيسة جداً، كما في قوله : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ *مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٢ - ٤] هذا كلام عن غائب، ثم انتقل إلى الكلام عن حاضر بقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، فصار فيه التفات من الحديث عن الغائب للحديث مع المخاطب (١).

стр. 264

وفي قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ *ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام: ٦١، ٦٢] قال ابن جزي: («ثم ردوا» خروج من الخطاب إلى الغيبة). وفي قوله تعالى: ﴿طه *مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى *إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [طه: ١ - ٣]. قال ابن جزي: «وبدأ السورة بلفظ المتكلم في قوله: ﴿مَا أَنْزَلْنَا﴾، ثم رجع إلى الغيبة في قوله: ﴿تَنْزِيلاً مِمَنْ خَلَقَ الأَرْضَ﴾ الآية، وذلك هو الالتفات». والالتفات بأنواعه التي ذكرها ابن جزي كثير في القرآن، وقد كُتب فيه كتب عديدة. قوله: (الرابع: التجريد، وهو ذكر شيء بعد اندراجه في لفظ عام متقدم، والقصد بالتجريد تعظيم المجرّد ذكْرُه، أو تحقيرُه، أو رفعُ الاحتمال). التجريد شبيه بمسألة ذكر الخاص بعد العام، وهو عبَّر عنها بهذا المصطلح، وذكر أغراضه الثلاثة التي نصَّ عليها، ومن أمثلة ذلك ما ورد في قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨]، فجبريل وميكائيل من الملائكة، وذِكْرُهُم ـ بعد ذلك ـ من ذِكْرِ شيءٍ بعد اندراجه في لفظ عام، وهم الملائكة، ثم خصهم بالذكر لتعظيمهم. قوله: (الخامس: الاعتراض، وهو إدراج كلامٍ بين شيئين متلازمين كالخبر والمخبر عنه، والصفة والموصوف، والمعطوف والمعطوف عليه، وإدخاله في أثناء كلام متصل، والقصد به تأكيد الكلام الذي أدرج فيه).

стр. 265

هذا ما يسمى الجملة المعترضة، وهو من محاسن البلاغة؛ لأن الاعتراض له مقاصد، وذكر المؤلف أحدها وهو: (والقصد به أن يكون تأكيد الكلام الذي أدرج فيه)، ومثاله قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦] فهذه الجملة فيها اعتراضان: الأول: أن هذه الجملة معترضة بين القسم وجوابه، قال تعالى: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ *وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٥ - ٧٦]. الثاني: جملة ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ معترضة بين الخبر والمبتدأ، فأصل الجملة «وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ عَظِيم». وقد ذكر المؤلف أحد أغراض الجملة المعترضة، وهو تأكيد الكلام، وله أغراض أخرى تطلب في كتب البلاغة. قوله: (السادس: التجنيس، وهو اتفاق اللفظ مع اختلاف المعنى. ثم الاتفاق قد يكون في الحروف والصيغة، أو في الحروف خاصة، أو في أكثر الحروف لا في جميعها، أو في الخط لا في اللفظ، وهو تجنيس التصحيف). التجنيس ويسمى عند غيره الجناس، وفائدته تحسينُ الكلامِ، وهو يدخل في علم البديع كما في قوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥] وللشاطبي (ت٧٩٠هـ) كلام شديد على باب التجنيس وكثير من علم البديع حتى إنه كان يقول: «فما يؤمننا من سؤال الله تعالى لنا يوم القيامة من أين فهمتم عني أني قصدت التجنيس الفلاني بما أنزلت من قولي: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤]، أو قولي: ﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٨]؟ فإن في دعوى مثل هذا على القرآن وأنه مقصود للمتكلم به خطراً بل هو راجع إلى معنى قوله تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً

стр. 266

وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥] وإلى أنه قول فى كتاب الله بالرأي وذلك بخلاف الكناية فى قوله تعالى: ﴿أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣]، وقوله: ﴿كَانَا يَاكُلاَنِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥]، وما أشبه ذلك» (١). وهذا يدعو إلى الاحتراز من جملة ما يذكر من المحسنات البديعية في «علم البديع»؛ لأنه يرتبط بصفاء الجملة من جهة مسمعها، لكن لا يلزم أن كل ما قالوه في علم البديع من القرآن من أمثلة يكون صحيحاً، وإن كان بعضها صحيحاً؛ كقوله: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم: ٤٣] قوله: ﴿أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾، وهل يمكن أن يأتي الخطاب بغير ذلك، حتى نقول: إن اختيار الطباق مقصود لذاته، ولعل هذا ما يريد الشاطبي نقده، وهو الذي ينبغي ألا يقال أنه من مرادات الله في كلامه. قوله: (التاسع: المشاكلة، وهي أن تذكر الشيء بلفظ آخر لوقوعه في صحبته). المشاكلة إذا وردت في صفات الله ففيها إشكالية؛ لأن الأصل إثبات الصفة؛ مثل: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤]، فمن نفى جعلها من باب المشاكلة: لمَّا ذكر مكرَهم ذكر مكرَه بهم، وقد وقع من ابن جزي ﵀ هذا، فقال: «ومكر الله الموصوف بالسرعة هو عقابه لهم سماه مكراً مشاكلة لفعلهم وتسمية للعقوبة باسم الذنب» (٢)، وما ذهب إليه ليس بصحيح، بل هذه من الصفات المقابلة التي لا تُذكر إلا بمقابلها، فيقال: إن الله يمكر بمن يمكر به أو بالمؤمنين، ولا يجوز أن يُتعدَّى هذا اللفظ عن غير هذه المقابلة، ولا يؤخذ من هذه الصفة اسماً ولا وصفاً مطلقاً. أما قوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] فهي من باب المشاكلة، والمشاكلة هنا صحيحة، وهذا يعني أنه ليس كل ما ورد في باب المشاكلة يكون مراداً به المشاكلة، ولا أنه لا يكون من باب المشاكلة، والأمر راجع إلى النظر في السياق والأحوال والأصل فيما ورد من الآيات في صفات الله مما يُظنُّ أنه من باب

стр. 267

المشاكلة؛ والأصل حمله على الحقيقة كما هو مذهب أهل السنة والجماعة. قوله: (العاشر: الترديد، وهو رد الكلام على آخره، ويسمى في الشعر ردُّ العَجُزِ على الصَّدر). قد يكون الترديد في آية، بحيث تُختم بما بدأت به، وقد يكون في القصة ذات الموضوع الواحد، وقد يكون في السورة، مثل ما ورد في سورة المؤمنون التي بدأت بأهل الفلاح في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١]، خُتِمت بمن نفي عنهم الفلاح في قوله: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ *وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٧، ١١٨] وهذا من لطائف رد العجز على الصدر. قوله: (الحادي عشر: لزوم ما لا يلزم، وهو أن تلتزم قبل حروف الروي حرفاً آخر، وكذلك عند رؤوس الآيات). كما في سورة الرحمن كقوله: ﴿تُكَذِّبَانِ﴾ وقوله: ﴿مُدْهَآمَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] وغيرها فقد التزمت بأكثر من حرف، وقد يأتي في الآيات ما يخالف هذا النسق. ومصطلح «لزوم ما لا يلزم» إنما هو في الشعر، والمقصود به أن الأصل أن الشاعر يلتزم بالقافية المعينة، فإذا زاد عليها التزامه بالقافية وحرف قبلها أو أكثر كان من باب لزوم ما لا يلزم، وهذا مما لا أثر له على فهم المعنى، ولم يكن شعراء الجاهلية يلتزمونه، وإنما اعتنى به بعض شعراء الإسلام في العصر العباسي ومن جاء بعدهم.

стр. 268

قوله: (الثاني عشر: القلب، وهو أن يكون الكلام يصلح ابتداء قراءته من أوله وآخره؛ نحو دعد، أو تعكس كلماته، فتقدم المؤخر منها وتؤخر المقدم). هذا نوع لم يكن العرب يعتدُّون أو يحتفون به، وإنما أخذ به بعض علماء البلاغة المتأخرين الذين حرصوا على علم البديع وغيره، ومما يمثلون به في ذلك قوله: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ﴾ [الأنبياء: ٣٣] تقرأ من أولها كما تقرأ من آخرها بالقلب ولا تختلف (١)، وهذا من الإغراق في التلغيز، ولا يمكن أن يكون من مرادات الله، ولا هو مما يُعنى به أهل البلاغة الحقة، ولا هو مما يؤثر في المعنى، لكن هذا الموضوع مما اعتنى به بعض الشعراء والمعتنون بالبلاغة من المتأخرين حيث كانوا يُجْهِدون أذهانهم ليخرجوا مثل هذه الأبيات أو الخطب الطويلة التي تقرأ من الأعلى إلى الأسفل وتقرأ من الأسفل إلى الأعلى ولا تختلف، مثل قول الشاعر (٢): مودتُهُ تدومُ لكُلِّ هَوْلٍ ... وهلْ كُلٌّ مَوَدَّتُهُ تدومُ قوله: (الثالث عشر: التقسيم، وهو أن تقسم المذكور إلى أنواعه أو أجزائه). هذا ليس فيه شيء من البلاغة؛ لأن من الطبيعي أن الشيء إذا كان له أنواع أو أجزاء وأريد ذكرها أن تذكر أقسامها وأجزاؤها. قوله: (الرابع عشر: التتميم، وهو أن تزيد في الكلام ما يوضحه أو يؤكده، وإن كان مستقلاً دون هذه الزيادة). التتميم لزيادة التأكيد، وهذا لا شك أنه يوجد في القرآن، لكن ننبه إلى أن حذف هذا الكلام ينقص المعنى الدقيق المراد، أما قول المؤلف:

стр. 269

إن الكلام واضح بغير هذه الإضافة فهذا لا يمكن أن يكون في القرآن منه شيء فقد لا يفهم المعنى المراد إلا بهذه الزيادة. وقد أورد ابن جزي في قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨] مثالاً، فقال: «ففي قوله: ﴿عَلَى حُبِّهِ﴾ تتميم وهو من أدوات البيان» (١). قوله: (الخامس عشر: التكرار، وهو أن تضع الظاهر موضع المضمر فتكرر الكلمة على وجه التعظيم أو التهويل أو مدح المذكور أو ذمه أو للبيان). وضع الظاهر موضع المضمر، وعكسه لا شك أنه من البلاغة بمكان؛ لأن له مقاصد كثيرة، وذكر المؤلف منها: التعظيم، أو التهويل، أو مدح المذكور، أو ذمه، أو للبيان مثاله: وضع الظاهر موضع المضمر، في سورة المنافقين في قوله: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]، ولم يقل: (والله يشهد إنهم لكاذبون) مع أنه سبق ذكرهم، فأعاد لفظة المنافقين مرة أخرى، وهذا من وضع الظاهر موضع المضمر. قوله: (السادس عشر: التهكم، وهو إخراج الكلام عن مقتضاه استهزاء بالمخاطب أو بالخبر؛ ككلام البشارة موضع النذارة). التهكم يوجد له بعض الأمثلة كقوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩]، أو وضع البشارة موضع النذارة وهذا كثير كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَامُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١]، كذلك قول قوم شعيب: ﴿إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧] قالوه من باب التهكم.

стр. 270

قوله: (السابع عشر: اللف والنشر، وهو أن تَلُفَّ في الذكر شيئين فأكثر، ثم تذكر متعلقاتها، وفيه طريقتان: أن تبدأ في ذكر المتعلقات بالأول. وأن تبدأ بالآخر). إذا بدأت بمتعلق الأول، فإنه يسمى لفٌّ ونشر مرتب؛ أي: أن الأول للأول، والثاني للثاني على وفق ترتيبها في النظم، ومثاله في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص: ٧٣]، فقوله: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ يعود إلى ﴿اللَّيْلِ﴾، وقوله: ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ يعود لـ ﴿وَالنَّهَارَ﴾. وإذا بدأت بمتعلق الثاني، فهو لفٌّ ونشر غير مرتب «ويسمى: مشوَّشاً»، فالأول للثاني، والثاني للأول، ومثاله في قوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا *إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاَسِلَ وَأَغْلاَلاً وَسَعِيرًا *إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَاسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ [الإنسان: ٣ - ٥]. فابتدأ بذكر الشاكر، ثم عطف عليه ذكر الكافر، ثم ذكر مآل الكافر، ثم عاد إلى ذكر مآل الشاكر، على طريقة اللف والنشر غير المرتب. قوله: (التاسع عشر: الترصيع، وهو أن تكون الألفاظ في آخر الكلام مستوفية الوزن، أو متقاربة مع الألفاظ التي في أوله). هذا يدخل في باب علم الفاصلة، ويلاحظ أن اللام والنون يتعاقبان في هذه الفواصل، وكذلك النون والميم تتعاقب، وهذه الألفاظ كما ذكر مستوفية الوزن وقد تكون متقاربة كما في قوله: ﴿فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ *مُدْهَآمَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٣، ٦٤] تجد ﴿تُكَذِّبَانِ﴾ و ﴿مُدْهَآمَّتَانِ﴾ متوازنتان في العدد.

стр. 271

قوله: (العشرون: التسجيع، وهو أن يكون كلمات الآية على روي حرف واحد). كما في سورة الرحمن وسورة الصمد، وقد وقع خلاف بين العلماء في صحة وجود السجع في القرآن، والخلاف لفظي، ومآله إلى الاتفاق، فالسجع الباطل الذي نهي عنه، وهو سجع الكهان لا يوجد في كلام الله، وهو يخالف السجع الصحيح الوارد في كلام الله وفي كلام رسوله ﷺ وفي كلام بلغاء العرب. قوله: (الحادي والعشرون: الاستطراد، وهو أن يتطرق من كلام إلى كلامٍ آخر، بوجه يصل ما بينهما، ويكون الكلام الثاني هو المقصود؛ كخروج الشاعر من النسيب إلى المدح بمعنى يتعلق بالطرفين مع أنه قصد المدح)]. الاستطراد موجود في القرآن كما في: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى *أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى *وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى *أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى *أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى *فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى *وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى *وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى *وَهُوَ يَخْشَى *فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ [عبس: ١ - ١٠]، ثم قال بعدها: ﴿كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ *فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ [عبس: ١١، ١٢]، ثم استطرد بذكر القرآن: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ *مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ *بِأَيْدِي سَفَرَةٍ *كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٣ - ١٦]، فانتقل من حدث العتاب إلى شرف القرآن بتناسقٍ جميل لا يشعر به القارئ، وهذا كثير في القرآن ويقع فيه ما يسمى عند بعضهم حسن التخلص، وهو الانتقال من موضوعٍ إلى آخر على سبيل بديع من حسن التخلص.

стр. 272

الباب الحادي عشر إعجاز القرآن قال المصنف ﵀: الباب الحادي عشر: في إعجاز القرآن وإقامة الدليل على أنه من عند الله ويدل على ذلك عشرة وجوه: الأول: فصاحته التي امتاز بها عن كلام المخلوقين. الثاني: نظمه العجيب وأسلوبه الغريب من مقاطع آياته وفواصل كلماته. الثالث: عجز المخلوقين في زمان نزوله وبعد ذلك إلى الآن عن الإتيان بمثله. الرابع: ما أخبر فيه من أخبار الأمم السالفة والقرون الماضية، ولم يكن النبي ﷺ تَعَلَّمَ ذلك ولا قرأه في كتاب. الخامس: ما أخبر فيه من الغيوب المستقبلة فوقعت على حسب ما قال. السادس: ما فيه من التعريف بالبارئ ﷻ ، وذكر صفاته وأسمائه، وما يجوز عليه وما يستحيل عليه ودعوة الخلق إلى عبادته وتوحيده، وإقامة البراهين القاطعة، والحجج الواضحة، والرد على أصناف الكفار، وذلك كله يعلم بالضرورة أنه لا يصل إليه بشر من تلقاء نفسه، بل بوحي من العليم الخبير، ولا يشك عاقل في صدق من عرف الله تلك المعرفة، وعظَّم جلاله ذلك التعظيم ودعا عباد الله إلى صراطه مستقيم. السابع: ما شرع فيه من الأحكام، وبيَّن من الحلال والحرام، وهدى إليه من مصالح الدنيا والآخرة، وأرشد إليه من مكارم الأخلاق، وذلك غاية الحكمة وثمرة العلوم.

стр. 273

الثامن: كونه محفوظاً عن الزيادة والنقصان، محروساً على التغير والتبديل على تطاول الزمان بخلاف سائر الكتب. التاسع: تيسيره للحفظ، وذلك معلوم بالمعاينة. العاشر: كونه لا يمله قارئه ولا سامعه على كثرة الترديد، بخلاف سائر الكلام (١). ما طرحه المؤلف في إعجاز القرآن واضح ويسير، ورأيت أن أطرق بعض الجوانب التي لم يتطرق لها المؤلف، وهي: أولاً: مصطلح الإعجاز والمعجزة لم يرد لا في الكتاب ولا في السنة ولا في كلام السلف الذين هم الصحابة والتابعون وأتباع التابعين، بل الذي ورد في القرآن يقابله: الآية والبرهان والسلطان، والآية هي أغلب ما ورد من الدلالة على المعجزة، كما في قوله في موسى ﵇ ﴿فَأَرَاهُ الآيَةَ الْكُبْرَى﴾ [النازعات: ٢٠] سمَّاها آية ولم يسمِّها معجزة، فلفظ المعجزة والإعجاز باعتباره مصطلحاً إنما ورد عند المتكلمين من المعتزلة ثمَّ سار بعدهم، ومن ثَمَّ؛ فإن آثار الاعتزال والمذهب الكلامي سيكون باقياً في مصطلح المعجزة، ومن ذلك ما وقع في تعريف المعجزة: (إنها أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي، سالم من المعارضة). ومما وقع في هذا التعريف من خلل أنه ليس كل معجزة تظهر للنبي ﵇ يلزم منها أن تكون مقرونة بالتحدي، وموضوع نقد مصطلح المعجزة يطول. وليست هذه دعوة لإلغاء مصطلح المعجزة، وإنما للتنبيه على ما وقع تاريخياً في موضوع المعجزة، ومعرفة الصحيح المقابل لها من

стр. 274

كلام الله حيث سمَّاها آية؛ لأن فيها دلالة على صدق النبي ﷺ ، فالله أرسل موسى إلى فرعون بالآيات؛ لتدل على صدق موسى وليؤمن فرعون وقومه. ولو قُلت في تعريف المعجزة: «هي الآية الدالة على صدق النبي التي لا يمكن أن تأتي من غيره»، لكان أقرب لمصطلح القرآن. ثانياً: الأنبياء لم يلتزموا بتحدي أقوامهم بالمعجزات، إنما أظهروها لكي يؤمن القوم فقط لا غير؛ ولذا فقيد التحدي في التعريف ليس موجوداً في جميع المعجزات فقد أجرى الله على نبيه آيات لم يكن فيها تحدّ. ولا يُفهم من هذا أن الأقوام قادرة على الإتيان بجنس معجزات الأنبياء لعدم قيد التحدي؛ لأن الجهة منفكة بين الأمرين، فالمعجزات جاءت معهم للتدليل على صدقهم والبشر غير قادرين على الإتيان بمثلها؛ فعدم القدرة شيء والتحدي شيء آخر. ثالثاً: الأصل أن الكلام عن إعجاز القرآن ينطلق من القول بالقرآن، فعلى أقوال المذاهب الإسلامية في القرآن ينتج عنها الكلام في المعجزة، لكن الملاحظ أن هناك انفصالاً بين تعريف القرآن عند بعض أهل الكلام، والكلام عن المعجزة، فالمعتزلة يقولون في القرآن: إنه مخلوق وليس كلام الله على الحقيقة، وما دام القرآن عندهم مخلوقاً فالإعجاز ليس ذاتياً فيه، بل الإعجاز مخلوق أيضاً، فصارت حقيقة الإعجاز شيء وحقيقة القرآن شيء آخر، وعلى قول المعتزلة في القرآن فإن أنسب الأقوال في إعجاز القرآن إلى قولهم بخلق القرآن، هو القول بالصَّرفة؛ بفتح الصاد من «صَرَف يَصْرِف صَرْفاً»، وهو قول أحد شيوخهم، وهو النَظَّام (١)، وقد اعترض عليه في قوله هذا العلماء حتى

стр. 275

المعتزلة؛ لأنه يرى أن العرب يقدرون على أن يأتوا بمثله لكن صُرفوا عن ذلك، وهذا ـ عندي ـ يتناسق مع مذهبهم بخلق القرآن. ومن يرى الكلام النفسي، فالقرآن الذي نقرأه ليس معجزاً عنده، وإنما المعجز على الحقيقة خالق الإعجاز، ولذا انتفت ذاتية الإعجاز من القرآن؛ ولذا قال بعضهم: «إن نسبة الإعجاز إلى القرآن مجاز، وأن المعجز على الحقيقة هو الله». والمقصود أنه لا بد من الانتباه إلى الربط بين المراد بالإعجاز وأقوال هؤلاء الأقوام بالقرآن. أما قول أهل السنة والجماعة بأن القرآن كلام الله على الحقيقة، فإنه معجز بذاته، وهم من يلتئم معهم الكلام عن الإعجاز في القرآن. رابعاً: أن القرآن هو الذي نُصَّ فيه على التحدي صراحة دون غيره من آيات النبي ﷺ أو آيات الأنبياء السابقين؛ ولذا تحداهم أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور، أو بسورة، وبعض العلماء ذهب إلى أنه ورد التحدي بآية لكن هذا القول فيه نظر؛ لأن قوله: ﴿فَلْيَاتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٤] مجملٌ يبيّنه ما وقع من التدرج في التحدي: إما القرآن كاملاً، وإما عشر سور، وإما سورة، وبها خُتمت مراحل التحدي. أما سائر آيات النبي ﷺ أي معجزاته فلم يُتحدَّ بها، فالرسول ﷺ حصل له بعض المعجزات مثل: حنين الجذع، وتسبيح الحصى بكفه، وردِّه عين أحد الصحابة والتفل عليها فعادت وبرئت، والتفل في البئر فزادت، فالصواب الذي أراه أنه لم يقع التحدي إلا بالقرآن فقط؛ لأنه هو المنصوص عليه، وما عدا ذلك من آيات الأنبياء سواء ظهرت أمام

стр. 276

الكفار أم أمام المؤمنين فإنه لم يقع فيها التحدي مطلقاً، والدليل واضح من نص القرآن. وأنبِّه إلى أن معارضة هؤلاء الأقوام أو طلبهم للآية ليس من التحدي كما عارض فرعون موسى لما أتى له بآيات كاليد والعصا، فعارضه بالسحرة، أو كطلب ثمود الناقة من صالح فهذا ليس فيه تحدّ. فإن قال قائل: إن آيات الأنبياء لم يكن التحدي فيها مقالاً بل كان التحدي فيها حالاً، فحالهم حال من وقع منه التحدي. أقول: يجب أن نفرق بين كون التحدي صراحة وبين أن نقول: إنه لا يستطيع أحد أن يأتي بآية مثل آيات الأنبياء، فالتحدي أخص من كونه لا يستطيعه البشر، وكونه من الله فهذا باتفاق، ويظهر أنه لالتباس هاتين النقطتين وقع قول بعضهم بأن التحدي حاليٌّ، وإن لم يقع مقالاً. خامساً: وجوه الإعجاز في القرآن كثيرة كالإخبار بالغيبيات، لكن الشيء الذي عجز عنه العرب وتحداهم أن يأتوا بمثله هو ذلك «النظم والبيان العربي»، أما المعاني الموجودة فهي تبع وليست أصلاً، فسورة العصر مثلاً: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر] ليس فيها إعجاز غيبي أو تشريعي، بل فيها ما يتعلق بالنظم والبيان بدليل أن كُتُبَ الله التي نزلت على أنبيائه فيها مغيبات، وفيها تشريع وفيها أخبار مِثل الأخبار الواردة في القرآن؛ لأن المتكلم بها واحد والحقيقة المتكلم عنها واحدة، لكن الذي تميز به القرآن هو ما يتعلق بالنظم والبيان الذي لا يستطيع العرب أن يأتوا بمثله، فهذا هو المتحدى به، وهو الذي ينتظم في جميع سور القرآن، أما وجوه الإعجاز الأخرى فتختلف في بعض السور، مثلاً: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١] فيها إعجاز غيبي وإعجاز في النظم

стр. 277

والبيان، لكن ليس فيها إعجاز تشريعي، وقد نأتي إلى سورة أخرى فيها إعجاز تشريعي وإعجاز النظم والبيان، وليس فيها إعجاز غيبي. والخلاصة: أن إعجاز النظم والبيان العربي واقع في كل سورة، وما سواه من أنواع الإعجاز التي حكاها العلماء تتخلف في بعض السور، وفي هذا دلالة على أن المتحدى به هو ما يوجد في كل سورة دون ما سواه، ليتناسب مع قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَاتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: ٣٨]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَاتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٣]. سادساً: العرب أدركوا سر الإعجاز، وعبروا عن ذلك بعبارات مجملة تدل على ما وقع في نفوسهم من إدراك ما ماز به هذا الكلام كلامهم، وإن لم يحصل منهم التفصيل، فالواحد منهم إذا سمع القرآن أذعن له إذعان العارف بأن هذا ليس من كلام البشر؛ كما في مقولة الوليد بن المغيرة وكذلك قصة إسلام أبي ذر (ت٣٢هـ)، لما قال أنيس لأخيه أبي ذر: «إني ذاهب إلى مكة هل لك حاجة؟»، قال: «نعم إنه قد خرج فلان وكان يذكر كذا وكذا فانظر لي في خبره»، وفي رواية قال: «إني لقيت رجلاً بمكة على دينك يزعم بأن الله أرسله يسمونه الصادق، قلت: ما يقول؟ قال: يزعمون أنه كاذب وأنه ساحر وأنه شاعر، وقد سمعت قوله، فوالله ما هو بقولهم، وقد سمعت قولهم، فوالله إني لأراه صادقاً» (١)، وكذا ما ورد في قصة إسلام الطفيل بن عمرو الدوسي (ت١١هـ)، لما أراد أن يدخل البيت الحرام نبهه بعض سادات قريش، وقالوا له: إنه يفرق بين المرء وزوجه، وإنه ساحر، وإنا نخشى عليك وعلى قومك، حتى قال: «والله لا أدخل المسجد إلا وأنا سادٌّ أذني، قال:

стр. 278

فعمدت إلى أذني، فحشوتها كُرْسُفاً، ثم غدوت إلى المسجد، فإذا برسول الله ﷺ قائماً في المسجد، فقمت قريباً منه، وأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله، فقلت في نفسي: والله إن هذا لعجز، وإني امرؤ ثبت، ما تخفى علي الأمور؛ حسنها وقبيحها، والله لأستمعن منه، فإن كان أمره رشداً أخذت منه، وإلا اجتنبته، فنزعت الكُرْسُفَةَ، فلم أسمع قط كلاماً أحسن من كلام يتكلم به، فقلت: يا سبحان الله! ما سمعت كاليوم لفظاً أحسن ولا أجمل منه، قال: فانتظرته ﷺ ....» إلى أن ذكر قصة إسلامه (١). سابعاً: ليست معجزة الرسول ﷺ ودليل صدقه هو التحدي بالقرآن فقط، بل هناك دلائل ووجوه أخرى، ومن أهمها أحواله ﷺ ، وهذا ما فعله هرقل ملك الروم لما أراد أن يستدل على صدق هذا الرسول الذي أرسل له يأمره باتباعه. ومن أبرز وجوه الإعجاز التي في القرآن الإعجازُ الغيبيُّ؛ كما في قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ *مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ *سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ *وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ *فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [المسد]، فلم يؤمن أبو لهب، ولا آمنت زوجه أم جميل، وقد أخبر أنهما يموتان كافرين به، ومضى على هذا التنزيل فترة من الزمن حتى ماتا، ولم يتخلف هذا الخبر البتة. ومن غيوبه الباقية والمستمرة ما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَاتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ *فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٣، ٢٤] فلم يعارض أحد من العرب القرآن، ولا يستطيع أحد هذا أبداً.

стр. 279

ومن غيوبه الباقية والمستمرة ما قال في اليهود: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الْدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ *وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٩٤، ٩٥]، وقال: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ *وَلاَ يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة: ٦، ٧]، ولم نسمع أن يهودياً تمنى الموت. ومن وجوه صدقه العقلية تلك العتابات للرسول ﷺ ؛ كما في قوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣]، ﴿لَوْلاَ كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٨]، ولو كان من عنده لأخفى مثل هذه العتابات، وقد نبهت إلى ذلك السيدة عائشة، فقد روى البخاري بسنده عَنْ أَنَسٍ قَالَ: جَاءَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ يَشْكُو فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «اتَّقِ الله، وَأَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ». قَالَتْ عَائِشَةُ: لَوْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَاتِماً شَيْئاً لَكَتَمَ هَذِهِ. قَالَ: فَكَانَتْ زَيْنَبُ تَفْخَرُ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ تَقُولُ: زَوَّجَكُنَّ أَهَالِيكُنَّ، وَزَوَّجَنِي اللهُ تَعَالَى مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ. وَعَنْ ثَابِتٍ: «﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ﴾ نَزَلَتْ فِى شَانِ زَيْنَبَ وَزَيْدِ بْنِ حَارِثَة» (١). ومن الأدلة العقلية على صدقه أننا نجد ذكر غيره من الأنبياء أكثر من ذكره نفسِه ﷺ ، ولو كان من عنده فكيف يغفل عن الإكثار من ذكر نفسه ﷺ ، فإننا نجد ـ مثلاً ـ ذكر اسم موسى ﵇ أكثر من ذكر اسم محمد ﷺ ، وهذا من الدلائل العقلية الدالة على صدقه، وعلى أن هذا القرآن من لدن حكيم خبير.

стр. 280

ومع تكاثر وجوه الأدلة الدالة على صدقه؛ إلا أنني أُؤَكِّد على أن المقصودين أولاً بهذا التحدي هم العرب الذين نزل القرآن بلغتهم، أما من عداهم من الأمم إلى قيام الساعة فهم تبع لهم في هذا؛ لأنه إذا عجز العرب الذين هم أصحاب الفصاحة والبيان وأصحاب اللغة التي نزل بها القرآن، فمن باب أولى أن يعجز غيرهم؛ لأنهم لا يمكن أن يصلوا إلى درجة العرب في البيان. ولذا تعجب من بعض المستشرقين أمثال: (نولدكه) الذي كتب «تاريخ القرآن» عندما يعترض على ألفاظ في القرآن أو يزعم أن محمداً ﷺ هو الذي كتب القرآن وأنه أخذه من كتب اليهود أو النصارى، وتزداد عجباً عندما ينتقد ويقول: «ولقد قرأها محمد خطأً لم يعرفها، وهي كذا وكذا»، وهذا كله جهل، فلو كان محمد ﷺ كما يزعم لانتقده هؤلاء الذين أمامه وجالدوه بالسيوف، لكنهم لم يحتجوا على كلمة في القرآن، ولم يقولوا بأنها ليست عربية، فكيف ظهر له ما لم يظهر لمن كانوا أشدَّ منه حرصاً على إبطال ما جاء به محمد ﷺ ، ولا شك أن هذا خلل فكري في المنهج العلمي الذي يدعيه المستشرقون، ومن يحترم عقله لا يمكن أن يقول مثل هذا القول، ولذا تلاحظ أن كثيراً من المستشرقين إذا ناقشوا ـ حسب زعمهم ـ قضية أَخْذِ القرآن من الكتب السابقة، لا يذكرون إلا احتمالاً واحداً وهو أن محمداً كتب القرآن بنفسه، وأنه أخذ من الكتب السابقة، والعجيب أنهم لا يذكرون الاحتمالات العقلية الأخرى، وهذا ـ بلا شكٍّ ـ مخالف للمنهج العلمي؛ أما الاحتمال الآخر وهو أن يكون محمد ﷺ أخذ من المصدر الذي أُخِذت منه التوراة، ومن المصدر الذي أُخِذ منه الإنجيل، لكننا لا نجدهم يجعلون مثل هذا افتراضاً ـ على الأقل ـ كما هي عادتهم في فرض الافتراضات، ثم بناء الأحكام العلمية عليها. ولا يظهر أنهم يُغفلون مثل هذا الاحتمال غفلة منهم؛ لأنهم لو

стр. 281

ذكروه لقالوا: إنه نبي، ولو قالوا بذلك لاضطروا إلى لزوم التصديق به، وهم لا يريدون ذلك، فتراهم لأجل هذا يُغفِلون هذا الاحتمال ولا يذكرونه. وهذا الأسلوب من إسقاطاتهم الشنيعة التي أسقطوا بها أسلوب بعض الدراسات العلمية عن أسفارهم، فظهر لبعض الدارسين لها أن بعض قصصه مأخوذة عن كتب السابقين وأخبارهم، ولا يلزم أن هؤلاء الدارسين قد قالوا الحقّ في ذلك، أو أن يكونوا وصلوا إلى القول الصواب، لكنهم استخدموا هذا الأسلوب من الموازنة، وظهروا بهذه النتائج، ثم جاء هؤلاء وأرادوا إسقاط هذا على دراسة مصدر القرآن، فقالوا بمثل هذه الأقوال الغريبة في مصدر القرآن الكريم. ونحن لسنا مع هذه الدراسات التي انتقدت أسفارهم، بل نثبت ما ثبت عندنا باليقين من قصص الأنبياء وما لم يثبت في القرآن أو السنة، فمذهبنا فيه كما قال رسول الله ﷺ : «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم» (١). ثامناً: لا يلزم فيما يتعلق بمعجزات الأنبياء ـ في رأيي الخاص ـ أن تتوافق مع ما اشتهر به أقوامهم، فقوم عيسى ﵇ لم يثبت أنهم كانوا خبراء بالطب، وكذا معجزات الأنبياء الآخرين كنوح وصالح وهود وإبراهيم ﵈ لا يظهر أن معجزاتهم كانت من جنس ما برع به أقوامهم، لكن بعض المعجزات قد تكون موافقة لما برع به قوم النبي؛ كما عند موسى حيث كانوا سحرة. تاسعاً: ما ظهر من المعجزات على يد بعض الأولياء، فإن تسميتها «كرامات» تسمية اصطلاحية محضة، ولا تغير من جنس موضوع خرق

стр. 282

العادة شيئاً، لكنها لا يمكن أن تبلغ ما يظهر على يد النبي ﷺ بحال، فالنار التي أُلقي فيها إبراهيم ﵇ ليست كالنار التي ألقي فيها أبو مسلم الخولاني، ولا بقاؤه فيها كبقائه، فنار إبراهيم أعظم، وظهور كرامة الله له أمام قومه أعظم أيضاً. وآية النبي ﷺ لا يمكن أن تلتبس بما يصدر من غيره سواء أكان وليّاً أم ساحراً أم كاهناً، بل إن آية الولي تبع للنبي ﷺ ، وهي دليل على صدقه، ولا يمكن أن تخرج على يد من يدَّعي الولاية وهو لا يكون متابعاً للنبي ﷺ ، بل إذا ظهر مثل ذلك لمن ليس مُتَّبعاً للنبي ﷺ ، فهو دليل على أنه من تلاعب الشيطان بالإنسان، فإن الله لا يظهر الكرامة لأعدائه.

стр. 283

الباب الثاني عشر في فضائل القرآن قال المصنف ﵀ (١): الباب الثاني عشر: في فضائل القرآن وإنما نذكر ما ورد في الحديث الصحيح فمن ذلك ما ورد: عن أبي أمامة الباهلي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه» (٢). وعن عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأه ويتتعتع به وهو عليه شاقٌّ فله أجران» (٣). وعن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأُتْرُجَّة ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة لا ريح لها وطعمها طيب، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ليس لها ريح وطعمها مر» (٤). وعن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «استذكروا القرآن فلهو أشد تفصياً من صدور الرجال من النِّعم بعُقُلها» (٥).

стр. 284

وعن عثمان بن عفان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «خيركم من تعلَّم القرآن وعلمه» (١)، وعن عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله يرفع بهذا القرآن أقواماً ويضع آخرين» (٢). وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: بينما جبريل قاعد عند النبي ﷺ سمع نقيضاً من فوقه فرفع رأسه، فقال: هذا باب من السماء فُتح اليوم لم يفتح قط إلا اليوم. فنزل منه ملك فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم، فسلم وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب وخواتم سورة البقرة، لم تقرأ بحرف منها إلا أعطيته. وعن أبي مسعود الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ هاتين الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه» (٣) (٤). وعن أبي أمامة الباهلي أن رسول الله ﷺ قال: «اقرؤوا البقرة فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا يستطيعها البطلة» (٥). وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان يفر من البيت الذي تُقرأ فيه سورة البقرة» (٦). وعن أُبَيّ بن كعب رضي الله تعالى عنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم»؟ قلت: ﴿اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾. فضرب في صدري وقال: «ليهنك العلم يا أبا المنذر» (٧). وعن النواس بن سمعان أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:

стр. 285

«يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به تقدمهم سورة البقرة وآل عمران، وضرب لهما رسول الله ﷺ ثلاثة أمثال ما نسيتهن بعد، قال: «وإنهما غمامتان أو ظلتان سوداوان بينهما شَرْقٌ أو كأنهما فرقان من طير صواف تحاجَّان عن صاحبهما» (١). وعن أبي الدرداء أن رسول الله ﷺ قال: «من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عُصِم من الدجال» (٢). وعن أبي الدرداء أن رسول الله ﷺ قال: «سورة قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن» (٣). وعن عقبة بن عامر ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «ألم تر آيات أنزلت عليَّ لم ير مثلهن قط، قل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس» (٤). في هذا الباب الثاني عشر ختم المؤلف المقدمة الأولى ببيان فضل القرآن، وهو باب معروف، وكتب فيه العلماء قديماً وفيه كتب مطبوعة؛ ولذا سأكتفي بذكر بعض الفوائد التي ذكرها المؤلف وهي تنقسم إلى قسمين: ١ - الفضائل العامة للقرآن كله. ٢ - الفضائل الخاصة لسور أو آية معينة. والأحاديث فيها تنقسم إلى أقسام ثلاثة:
следующие страницы →