قال الإمام المحقق ابن عرفة المالكي: يخشى على المبتدئ منه أكثر مما يخاف على الزمخشري، فالزمخشري لما علمت الناسُ منه أنه مبتدع تخوَّفوا منه، واشتهر أمره بين الناس أن فيه من الاعتزال المخالف للصواب، وأكثر من تبديعه وتضلليه وتقبيحه وتجهيله، وابن عطية سني، لكن لا يزال يُدخِل من كلام بعض المعتزلة ما هو من اعتزاله في التفسير، ثم يقره وينبه عليه ويُعتقد أنه من أهل السنة، وأن ما ذكره من مذهبهم الجاري على أصولهم، وليس الأمر كذلك، فكان ضرر تفسير ابن عطية أشد وأعظم على الناس من ضرر الكشاف» (١).
ولا شك أن كلام ابن حجر الهيتمي وابن عرفة في ابن عطية فيه نظر وليس على إطلاقه، وإن كان ابن عطية قد ذكر بعض كلام المعتزلة ولم ينتقده، لكنه في الحقيقة قليل، أما الأصول التي سار عليها فهي على أصول ابن فورك (ت٤٠٦هـ)، والجويني (ت٤٧٨هـ)، وهو قد قرأ كتبهما كما ذكره هو في فهرست شيوخه، وإذا جاء إلى الآيات المرتبطة بالاعتقاد سواء في الصفات أو في القدر أو في القرآن أو غيرها سار على مذهب هؤلاء وهم من المتكلمين الأشاعرة.
و «تفسير ابن عطية» من أنفس كتب التفسير، وفيه عناية بتوجيه أقوال المفسرين، وله في ذلك ما لم يُسبق ـ فيما أعلم ـ إليه، ومن ذلك تفسيره لقوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقعة: ٦٥]، قال: «و: ﴿تَفَكَّهُونَ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وقتادة معناه: تعجبون، وقال عكرمة: تلامون. وقال الحسن معناه: تندمون، وقال ابن زيد: تتفجعون، (وهذا كله تفسير لا يخص اللفظة، والذي يخص اللفظ، هو: تطرحون الفاكهة عن أنفسكم وهي المسرة والجدل) (٢)، ورجل فكه
стр. 212
إذا كان منبسط النفس غير مكترث بالشيء، وتفكَّه من أخوات تحرَّج وتحوَّب».
قوله: (ثم ختم علم القرآن بالأندلس وسائر المغرب بشيخنا الأستاذ أبي جعفر بن الزبير، ولقد قطع عمره في خدمة القرآن، وآتاه الله بسطة في علمه، وقوة في فهمه، وله فيه تحقيق، ونظر دقيق).
أبو جعفر بن الزبير (ت٧٠٨هـ) اشتهر بما ذكره المؤلف من دقة فهمه في القرآن، وظهر من خلال كتابين له، وهما مطبوعان: الكتاب الأول «ملاك التأويل القاطع بذوي الإلحاد والتعطيل في توجيه المتشابه اللفظ من آي التنزيل»، والكتاب الثاني هو «البرهان في تناسب سور القرآن).
قوله: (ومما بأيدينا من تآليف أهل المشرق تفسير أبي القاسم الزمخشري، وأبي الفضل الغزنوي، وأبي الفضل بن الخطيب.
أما الزمخشري: فمسدد النظر، بارع في الإعراب، متقن في علم البيان؛ إلا أنه ملأ كتابه من مذهب المعتزلة ونَصَرهم، وحمل آيات القرآن على طريقتهم، فتكدَّر صفوُه، وتمرَّرَ حلوُه، فَخُذْ منه ما صَفا، ودَعْ ما كَدَرَ).
ذكر في الزمخشري (ت٥٨٣هـ) ثلاث قضايا:
١ - أنه بارع في الإعراب، وإن كان بعض النحويين المتأخرين يستدركون عليه كثيراً في قضايا النحو، ويعيبون تقصيره في بعض مسائله، كما يفعل ذلك أبو حيان الأندلسي (ت٧٤٥هـ) في تفسيره «البحر المحيط».
٢ - أنه متقن في علم البيان، وهذا مما أطبق عليه العلماء، وهو مما يُسَلَّم فيه للزمخشري، وقد استفاد منه من جاء بعده.
٣ - أنه ملأ تفسيره بكلام المعتزلة؛ وقد قصد إلى ذلك، وربما أخفاه بطريقة ذكية في التعبير حتى قال فيه البلقيني (ت٨٠٥هـ):
стр. 213
«استخرجت من الكشاف اعتزالاً بالمناقيش» (١) ولأجل هذا صار يُنظر إلى كلامه بريبة، ويُظنُّ أنه أرد ببعض عباراته نصرة مذهبه الاعتزالي، وذلك مثل ما وقع في تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥] قال: «فقد حصل له الفوز المطلق المتناول لكل ما يفاز به ولا غاية للفوز وراء النجاة من سخط الله والعذاب السرمد، ونيل رضوان الله والنعيم المخلد» (٢)، وفي عبارته هذه ما يشعر بأن دخول الجنة هو الفوز المطلق، وبأنه ليس وراء دخول الجنة فوز آخر، وباطن هذه العبارة إنكار رؤية الباري التي هي أعظم الفوز.
وهذا التفسير قد كثرت الدراسات عليه قديماً، وقد اعتنى به العلماء، وقرؤوه مع طلابهم، وأكثر من اعتنى به علماء الماتريدية والأشاعرة، وهم يتعقبونه في مسائل الاعتقاد، وهناك من اعتنى به من جهة البلاغة، وفي ذلك حواشي نفيسة كحاشية القزويني، وحاشية الطيبي.
والزمخشري له كشَّافان: «الكشَّاف القديم» ولكنه غير موجود و «الكشاف الجديد» وهو مطبوع، وكتبَه وهو مجاور في بيت الله كما قال: «في مقدار مدّة خلافة أبي بكر» (٣)، أي: في سنتين وستة أشهر تقريباً.
قوله: (أما الغزنوي، فكتابه مختصر، وفيه من التصوف نكت بديعة).
وقع في بعض نسخ المخطوطة «القونوي»، والصواب الغزنوي، وقد ذكر نقولاً عنه في تفسيره، ونصَّ على ذلك في مواضع منها تفسير
стр. 214
قوله تعالى: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٦]، قال: «... وقال الغزنوي: هي للتأسف والتأوه ..» (١)، ومنها في تفسير قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى﴾ [العلق: ١١] ... الآيات، قال: «... وخالفهما أيضاً الغزنوي في الجواب فقال: إن جواب قوله إن كان على الهدى محذوف ...» (٢).
قوله: (وأما ابن الخطيب فتضمن كتابه ما في كتاب الزمخشري، وزاد عليه إشباع الكلام في قواعد في الكلام، ونمقه بترتيب المسائل، وتدقيق النظر في بعض المواضع، وهو على الجملة كتاب كبير الجرم ربما احتاج إلى تنخيل وتلخيص، والله ينفع الجميع بخدمة كتابه، ويجزيهم أفضل ثوابه).
ابن الخطيب هو الرازي المعروف محمد بن عمر (ت٦٠٤هـ)، وكنيته أبو عبد الله أشهر من كنيته بأبي الفضل، وقد صنف كتابه: «التفسير الكبير»، وسماه أيضاً: «مفاتيح الغيب»، وقد انتقد بعض العلماء هذه التسمية.
والرازي ـ كما ذكر المؤلف ـ استفاد من الزمخشري، لذا تجد الفائدة في كتاب الزمخشري في سطر، ثم ترى الرازي يشققها إلى مسائل، وكان هذا هو منهج الرازي في كتابه، وهو ممن اعتنى بالتقسيم.
وقد انتقده آخرون بأن فيه كل شيء إلا التفسير، وهذا النقد فيه مبالغة، وإنما فيه التفسير وفيه كثير مما ليس من التفسير، وقد أشار إلى هذا أبو حيان الأندلسي (ت٧٤٥هـ)، فقال: «فإنه جمع في كتابه في التفسير أشياء كثيرة طويلة لا حاجة لها في علم التفسير» (٣).
стр. 215
وقد أدخل في تفسيره مسائل كثيرة من العلوم ليست من التفسير إطلاقاً، فتجد فيه الفلسفة والمنطق والتنجيم والكلام عن السحر.
والتفسير بحاجة إلى تلخيص، كما أشار ابن جزي؛ لاستخراج النكات العلمية المرتبطة بالآيات والتفسير، فالكتاب مليء بالفوائد كعلم المناسبات، وحل بعض المشكلات التفسيرية.
وهناك خلاف طويل هل الرازي أتمه أو لم يتمه؟ وكتب في ذلك الشيخ يحيى المعلمي رحمه الله تعالى وغيره، لكن يكاد يُتفق أنه لم يكمل تفسيره، وهناك خلاف هل أكمله أحد تلاميذه أو غيرهم؟
стр. 216
الباب السابع
في الناسخ والمنسوخ
قال المصنف ﵀: النسخ في اللغة: هو الإزالة والنقل، ومعناه في الشريعة رَفع الحكم الشرعي بعد تقرّره، ووقع في القرآن على ثلاثة أوجه:
الأول: نسخ اللفظ والمعنى، كقوله: «لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم».
الثاني: نسخ اللفظ دون المعنى كقوله: «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم».
الثالث: نسخ المعنى دون اللفظ، وهو كثير، وقع منه في القرآن على ما عد بعض العلماء مائتا موضع واثنتا عشرة موضعاً منسوخاً إلا أنهم عدوا التخصيص والتقييد نسخاً، والاستثناء نسخاً، وبين هذه الأشياء وبين النسخ فروقٌ معروفة، وسنتكلم على ذلك في مواضعه، ونقدم منها ما جاء من نسخ مسالمة الكفار والعفو عنهم، والإعراض، والصبر على أذاهم بالأمر بقتالهم ليغني ذلك عن تكراره في مواضعه، فإنه وقع منه في القرآن مائة آية وأربع عشرة آية من أربع وخمسين سورة:
ففي البقرة: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً﴾ [البقرة: ٨٣]، ﴿وَلَنَا أَعْمَالُنَا﴾ [البقرة: ١٣٩]، ﴿وَلاَ تَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٩٠] أي: لا تبدؤوا بالقتال، ﴿وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]، ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧]، ﴿لاَ إِكْرَاهَ﴾ [البقرة: ٢٥٦]
وفي آل عمران: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ﴾ [آل عمران: ٢٠]، ﴿مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨].
وفي الإسراء: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ﴾ [الإسراء: ٥٤].
وفي مريم: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ﴾ [مريم: ٣٩]، ﴿فَلْيَمْدُدْ﴾ [مريم: ٧٥]، ﴿فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ [مريم: ٨٤].
وفي طه: ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ﴾ [طه: ١٣٥].
وفي الحج: ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ﴾ [الحج: ٦٨].
وفي المؤمنون ﴿فَذَرْهُمْ﴾ [المؤمنون: ٥٤]، ﴿ادْفَعْ﴾ [المؤمنون: ٩٦].
وفي النور: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ﴾ [النور: ٥٤].
وفي النمل: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى﴾ [النمل: ٩٢].
وفي القصص: ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا﴾ [القصص: ٥٥].
وفي العنكبوت: ﴿أَنَا نَذِيرٌ﴾ [العنكبوت: ٥٠] لما يقتضي من عدم الإجبار.
وفي الروم: ﴿فَاصْبِرْ﴾ [الروم: ٦٠].
وفي لقمان: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ [لقمان: ١٢].
وفي السجدة: ﴿وَانْتَظِرْ﴾ [السجدة: ٣٠].
وفي الأحزاب: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٨].
وفي سبأ: ﴿قُلْ لاَ تُسْأَلُونَ﴾ [سبأ: ٢٥].
وفي فاطر: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلاَّ نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٣].
وفي يس: ﴿فَلاَ يَحْزُنْكَ﴾ [يس: ٧٦].
وفي الصافات ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ [الصافات: ١٧٤] ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ [الصافات: ١٧٨]، وما يليهما.
وفي ص: ﴿اصْبِرْ﴾ [ص: ١٧] ﴿أَنَا مُنْذِرٌ﴾ [ص: ٦٥].
وفي الزمر: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ [الزمر: ٣] لما فيه من الإمهال ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [الزمر: ١٥]، ﴿يَاقَوْمِ اعْمَلُوا﴾ [الزمر: ٣٩]، ﴿فَمَنِ
стр. 219
اهْتَدَى﴾ [الزمر: ٤١] ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ﴾ [الزمر: ٤٦]؛ لأن فيه تفويضاً.
وفي المؤمن: ﴿فَاصْبِرْ﴾ في موضعين [المؤمن: ٥٥، ٧٧].
وفي السجدة: ﴿ادْفَعْ﴾ [فصلت: ٣٤].
وفي الشورى: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الشورى: ٦]، ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا﴾ [الشورى: ٤٨].
وفي الزخرف: ﴿فَذَرْهُمْ﴾ [الزخرف: ٨٣]، ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٩].
وفي الدخان: ﴿فَارْتَقِبْ﴾ [الدخان: ٥٩].
وفي الجاثية: ﴿يَغْفِرُوا﴾ [الجاثية: ١٤].
وفي الأحقاف: ﴿فَاصْبِرْ﴾ [الأحقاف: ٣٥].
وفي القتال: ﴿فَإِمَّا مَنًّا﴾ [محمد: ٤].
وفي ق: ﴿فَاصْبِرْ﴾ [ق: ٣٩]، ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ [ق: ٤٥].
وفي الذاريات: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾، [الذاريات: ٥٤].
وفي الطور: ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا﴾ [الطور: ٣١]، ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور: ٤٨]، ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاَقُوا﴾ [الطور: ٤٥].
وفي النجم: ﴿فَأَعْرِضْ﴾ [النجم: ٢٩].
وفي القمر: ﴿فَتَوَلَّ﴾ [القمر: ٦].
وفي ن: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [القلم: ٤٨]، ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ [القلم: ٤٤].
وفي المعارج: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلاً﴾ [المعارج: ٥]، ﴿فَذَرْهُمْ﴾ [المعارج: ٤٢].
وفي المزمل: ﴿وَاهْجُرْهُمْ﴾ [المزمل: ١٠]، ﴿وَذَرْنِي﴾ [المزمل: ١١].
وفي المدثر: ﴿ذَرْنِي﴾ [المدثر: ١١].
وفي الإنسان: ﴿فَاصْبِرْ﴾ [الإنسان: ٢٤].
وفي الطارق: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ﴾ [الطارق: ١٧].
стр. 220
وفي الغاشية: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢].
وفي الكافرون: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ﴾ [الكافرون: ٦].
نَسَخ ذلك كله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة: ٢١٦] (١).
عقد المؤلف باباً للناسخ والمنسوخ، وهو من علوم القرآن، لكن إذا كان المعنى يتغير، فإن المسألة في النسخ تكون من التفسير، وسواء أكان النسخ في رفعٍ جزئيٍّ أم في رفعٍ كليٍّ.
والنسخ هنا على اصطلاح المتأخرين، وهو المتعلق بالأحكام، أما النسخ الجزئي الذي كان عند السلف فهو الذي عدّه بعضهم تخصيصاً أو تقييداً أو بياناً أو استثناءً، والمؤلف قد انتقد عدَّ التخصيصِ والتقييدِ والاستثناءِ نسخاً.
ونقول: إذا كان هذا اصطلاحهم فلا يُثرب عليهم فيه، بل إذا فهمنا مرادهم فلا مشكلة في عبارتهم ما داموا لم يقصدوا النسخ الذي ارتضاه المؤلف.
وإذا ورد النسخ عند السلف في الأحكام فإن كانت عبارتهم تحتمل أنهم يريدون التقييد والتخصيص والاستثناء حمل النسخ عندهم على هذا المعنى، لكن إن دلت العبارة على أنه النسخ الكلي فإنها تحمل عليه.
وإذا ورد النسخ عند السلف في الأخبار المحضة (٢) فهم يريدون النسخ الجزئي؛ لأن الأخبار لا تنسخ نسخاً كليّاً، أما النسخ الجزئي
стр. 221
الذي هو التخصيص والتقييد والاستثناء وبيان المجمل، فهذا يدخل في الأخبار كما يدخل في الأحكام.
أنواع النسخ التي ذكرها المؤلف ثلاثة:
١ - نسخ اللفظ والمعنى.
٢ - نسخ اللفظ دون المعنى.
٣ - نسخ المعنى دون اللفظ.
وأصل مبحث النسخ في النوعين الأولين أنه من مباحث الرواية، وليس الدراية، لذا فإن البحث فيه يتطلب ثبوت الرواية بالنسخ، ثمَّ يُصار إلى الدراية، أما ما وقع من نقد لوقوع النسخ في هذين النوعين من جهة الدراية، فإن هذا ليس بصواب، ولا شكَّ أن الآثار تدلُّ على وقوع هذه الأنواع الثلاثة.
وأما النسخ في الأحكام ـ وهو النوع الثالث ـ فإنه لا يقع إلا عند التعارض التام بين النصوص بحيث لا يمكن إعمال النصَّين معاً، فيجتهد الفقيه هاهنا بالقول بالنسخ.
فإن قال قائل: هل المجتهد هو الذي ينسخ؟
نقول: الناسخ هو الشارع، فالذي أنزل المنسوخ هو الذي أنزل الناسخ، فالأمر إلى الله في ذلك.
وعمل المجتهد عند حصول التعارض في النصوص هو الحمل على النسخ، ثم مناقشة صحة النسبة من عدمها، أما الذي ينسخ آية بآية فهو الشارع سبحانه.
فإن قال قائل: هل ورد قرآن ونسخ بالكلية؟
نقول: هذا بحث نقلي، فإذا ثبت النقل، فإنه يُحكم به، والمطلوب من العقل تفهُّم وجه النسخ، وليس الاعتراض عليه، والمؤلف قد أورد
стр. 222
رواية في آية منسوخة، وهي: «لا ترغبوا عن آبائكم»، فالطريق الذي عرفنا به هذه الآية أنها منسوخة هو طريق النقل عن الصحابة، فالصحابي عندما يخبر بعبارات تدل على أنها كانت قرآناً فيقول: كان مما يتلى، أو كان مما أنزل الله، أو كان مما نقرأ، هذه العبارات تدل على أن آية نزلت وكانت تقرأ ثم نسخت، وهذا النوع لا مجال لإنكاره؛ لأن إثباته إنما هو من جهة الخبر ولا شك أن هذه الأخبار التي ارتبطت بها هذه الآثار أخبار آحاد، وخبر الواحد يوجب العلم خصوصاً إذا عَمِلَت به الأمة، أو إذا كثرت أخبار آحاد في قضية معينة فتدل على ثبوت هذه القضية.
قال الدكتور مصطفى زيد ـ بعد ذكره لكلام طويل عن الآيات المنسوخة نسخاً كلياً؛ أي: لفظاً وتلاوة ومعنى ـ في كتابه: «النسخ في القرآن» ـ وهو من أنفس كتب النسخ ـ قال: «وفي بعض هذه الروايات جاءت هذه العبارات التي لا تتفق ومكانة عمر ولا مكانة عائشة»، ثم قال بعد ذلك: «مما يجعلنا نطمئن إلى اختلاقها ودسها على المسلمين» (١).
أقول: هذه الطريقة من الحكم غريبة جدّاً، وهي تخالف منهج البحث العلمي، وقد وقع بعض المعاصرين في هذه المشكلة، فإذا أعياه شيء من الآثار قال: إنه من بثِّ الزنادقة، وأقول: إذا دُسَّ شيء على المسلمين هل سيخفى على جهابذة العلماء؟!
لذا يجب التنبه لهذه القضية الفكرية التي توجد عند بعض الباحثين، إذ مع جودة بحوثهم إلا أنهم إذا جاءتهم نصوص لم يعرفوا وجهها اعترضوا عليها بمثل هذا الاعتراض، والواجب الاعتماد على الآثار المنقولة وجعلها أصلاً، ثمَّ تفهُّمها، ومعرفة وجهها، وتخريجها تخريجاً سليماً، وليس ردُّها بهذه الطريقة الغريبة.
стр. 223
الإشكالية الواقعة للدكتور مصطفى ﵀ ومن شابهه في هذه القضية الفكرية أنه لم يقتنع بهذه الآثار فأراد أن يردها بأي سبيل، فصار يدفعها دفع الصائل؛ أي: يردها بأي شيء كان، فوصل إلى أن هذا من دسِّ الزنادقة!
وهذا الأسلوب في تخريج مثل هذه القضية فيه تهمة لعلمائنا السابقين، وأنهم لم يعرفوا الصحيح من الضعيف، مع ما عُرف عنهم من حرص في التنقيب عن ذلك.
والمنهج الحق: أن الآثار إذا وردت عن الصحابة، فإننا نثبتها، ونجتهد في تفهُّمها، فالصحابة أعلم بكتاب الله، وأعلم بحقوق المصطفى ﷺ ، وأعلم بحقوق الأنبياء، فإذا عبر الواحد منهم عن شيء واقع في هذه الأمور، فالواجب معرفة وجهها، وليس تخطئة الصحابي أو الناقل عنه بلا برهان مقبول في ذلك الردِّ.
والأَولى في هذا المقام أن نقول بثبوت قرآنية هذه الآيات، ثمَّ نحكم بنسخها؛ سواء بقي حكمها مثل «الشيخ والشيخة» أو لم يبق حكمها.
فإن قال قائل: هل للآيات المنسوخة لفظاً ما للقرآن المتواتر؟
نقول: إن الآيات الثابتة يتعلق بها حكمان:
١ - التعبد بألفاظها، والصلاة بها.
٢ - العمل بالأحكام التي تتضمنها.
وما نسخ لفظاً يزول ما يتعلق به من الفضل والتعبد ويبقى ما يتعلق بالحكم، فنعمل بما فيها من أحكام إن لم يثبت نسخها.
أما ما يتعلق بالإعجاز والبلاغة القرآنية فليس لها حكم القرآن؛ لاحتمال دخول الرواية بالمعنى حيث نقلت كما تنقل الأحاديث، ولكن لا شك أنها تُعتبر من أفصح الكلام.
وبعض المعاصرين اعترض على آية «الشيخ والشيخة إذا زنيا
стр. 224
فارجموهما ألبتة» فقال: إن جملة «الشيخ والشيخة» فيها ركاكة في اللفظ، وفيها ثقل.
وأقول: إن اختيار «الشيخ والشيخة» فيه بلاغة كما في قول الرسول ﷺ : «وأشيمط زان» (١)، فإذا كان الزنا يقع من الشيخ والشيخة في مثل هذا الوقت فهو شنيع، وإذا كان يعاقبان فمن باب أولى أن يعاقب غيرهما من الشباب، فاختيار هذا اللفظ فيه تشنيع على من يفعل هذا الفعل إذا كان يفعله في الكِبَرِ، فمن باب أولى من يفعله في الصغر.
الآيات التي وقع فيها النسخ كثيرة، وفيها اختلاف بين العلماء منذ بدأت الكتابة في الناسخ والمنسوخ، ولكن الآيات التي نسخت نسخاً كليّاً قليلة جداً، وليست كما يَزعم أنها أكثر من مئتي آية.
ومن الآيات المنسوخة آية الصدقة في سورة المجادلة، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ *أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المجادلة: ١٢، ١٣].
وقد حكى الشيخ عبد الله ابن الشيخ محمد الأمين الإجماع على وقوع النسخ في هذه الآية (٢).
أما ما يتعلق بالآية التي أوردها المؤلف عندما قال: «ونقدم منها ما جاء من نسخ مسالمة الكفار والعفو عنهم والإعراض والصبر على أذاهم بالأمر بقتالهم»، فإن الأمر بقتال الكفار لا يلزم أن يكون منازعاً للآيات الأخرى، وإنما هي مرتبطة بالأحوال، وكذلك الكثير من الآيات التي
стр. 225
ذكرت هي في قضايا ليس لها علاقة بالقتال أصلاً، وإنما لها علاقة بالمعاملة، أو طريقة المجادلة، أو غير ذلك.
والمقصد من ذلك أن هذه الأمثلة التي ذكرها المؤلف، لكل واحدةٍ تخريجٌ على حال من الأحوال، وليس لها علاقة بقضية الناسخ والمنسوخ.
ولو جمعت الآيات التي قيل إنها نسخت لفظاً ـ سواء بقي معناها أم لم يبق ـ لخرج فيها بحث جيد، ويكون البحث مؤصلاً من جهة المتن ومن جهة الإسناد، فإذا ثبت المتن والإسناد فإنه يشار إليه كما في صحيح البخاري في قوله سبحانه: الذَّكَرَ وَالأُنْثَى (١)، وكما في قول أنس (ت٩٣هـ): «أُنزل في الذين قتلوا ببئر معونة قرآنٌ قرأناه ثم نسخ بعد: «بلِّغوا قومنا أن قد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه» (٢)، وكما في كلام أبي موسى الأشعري (ت٤٤هـ) للقراء: «وإنا كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول والشدة ببراءة فأنسيتها غير أني قد حفظت منها: لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى وادياً ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب» (٣).
ومن باب الفائدة إذا ورد عن التابعي حكاية قراءة عن الصحابي، كما يقول بعض تلاميذ ابن مسعود: قرأ ابن مسعود كذا كما في: «فصيام ثلاثة أيام متتابعات»، فلا يقال: هذه قراءة تفسيرية، فلفظ: «متتابعات» ليست آية، وإنما هي تفسير على هذا القول.
وهذا تخريج عقلي دعت إليه حماية القرآن من أن تكون هذه الألفاظ من الآيات، ثمَّ إنها نُسخت، والصحيح أن هذه قراءة؛ لأمور:
الأول: أن التابعي ينص على أن الصحابي قرأ، ولم يقل: فسَّر،
стр. 226
والتابعي يروي التفسير والقراءة عن الصحابي، وهو يعرف الفرق بين التفسير والقراءة، ويمايز بينهما، ولو كانا من باب واحد، لما كان هناك فائدة في قوله: «قرأ فلان ...».
الثاني: أن قوله: بأنها قراءة تفسيرية فيه اتهام للتابعي بالعيّ في إيصال المعلومة واتهام له بعدم فهم شيخه.
الثالثة: أنه قد ثبت عنهم قراءات ليس فيها زيادة، ولم يُحكم عليها بأنها تفسيرية، وأسلوب روايتها لا يختلف عن هذه القراءات التي فيها زيادات؛ لذا لا يستقيم أن نقول إنها تفسير مع أن التابعي قال إنها قراءة.
ومما ورد من الآثار مما يجمع بين منسوخ التلاوة والحكم، ومنسوخ التلاوة دون الحكم، ما ورد في صحيح مسلم عن عائشة قالت: «كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرِّمن ثم نسخن بخمس معلومات يحرِّمن، وتوفي رسول الله ﷺ وهي فيما يُقرأ من القرآن» (١).
ومعنى الخبر:
١ - أنه نزل عشر رضعات، وكانت تُقرأ.
٢ - ثم نزل خمس رضعات، وكانت تقرأ.
٣ - ثم وقع للخمس رضعات نسخٌ في التلاوة، وبقي حكمها معمولاً به.
٤ - صارت العشر رضعات مما نُسخ تلاوة وحكماً.
стр. 227
الباب الثامن
القراءات
قال: الباب الثامن في جوامع القراءات، وهي على نوعين: مشهورة، وشاذة.
المشهورة: القراءات السبع، وهو حرف نافع المدني، وابن كثير المكي، وأبو عمرو بن العلاء البصري، وابن عامر الشامي، وعاصم، وحمزة والكسائي، الكوفيَيْن، ويجري مجراهم في الصحة والشهرة: يعقوب الحضرمي، وابن محيصن، ويزيد بن القعقاع.
والشاذة ما سوى ذلك، وإنما سميت شاذة؛ لعدم استفاضتها في النقل، وقد تكون فصيحة اللفظ، وقوية المعنى.
ولا يجوز أن يقرأ بحرف إلا بثلاثة شروط: موافقته لمصحف عثمان بن عفان ﵁، وموافقته لكلام العرب ولو على بعض الوجوه، أو في بعض اللغات، ونقله نقلاً متواتراً أو مستفيضاً.
واعلم أن اختلاف القراء على نوعين: أصول، وفرش الحروف.
فأما الفرش: هو ما لا يرجع إلى أصل مطّرد، ولا قانون كلي، وهو على وجهين: اختلاف في القراءة باختلاف المعنى، وباتفاق المعنى.
وأما الأصول: فالاختلاف فيها لا يغير المعنى، وهي ترجع إلى ثمان قواعد:
الأولى: المدّ وهو في حروف المد الثلاثة، ويزاد فيها على المد الطبيعي بسبب الهمزة أو التقاء الساكنين.
الثانية: الهمز وأصله التحقيق، ثم قد يخفف على سبعة أوجه:
стр. 228
إبدال واو أو ياء أو ألف، وتسهيل بين الهمزة والواو، وبين الهمزة والياء، وبين الهمزة والألف، وإسقاط.
الثالثة: الإظهار والإدغام، والأصل الإظهار ثم يحدث الإدغام في المثلين، أو المتقاربين، وفي كلمة، وكلمتين. وهو نوعان: إدغام كبير انفرد به أبو عمرو، وهو إدغام المتحرك، وإدغام صغير لجميع القراء، وهو إدغام الساكن.
الرابعة: الإمالة وهي: أن تنحو بالفتحة نحو الكسرة، وبالألف نحو الياء، والأصل الفتح، ويوجب الإمالة: الكسرة، والياء.
الخامسة: الترقيق والتفخيم، والحروف على ثلاثة أقسام: مفخم في كل حال، وهي حروف الاستعلاء السبعة، ومفخم تارة، ومرقق أخرى، وهي الراء واللام والألف، فأما الراء: فأصلها التفخيم وترقق للكسر والياء، وأما اللام: فأصلها الترقيق وتفخم لحروف الإطباق، وأما الألف: فهي تابعةٌ للتفخيم والترقيق لما قبلها، والمرقق على كل حال سائر الحروف.
السادسة: الوقف، وهو على ثلاثة أنواع: سكون جائز في الحركات الثلاثة، والرَّوم في المضموم والمكسور، وإشمام في المضموم خاصة.
السابعة: مراعاة الخط الوقف.
الثامنة: إثبات الياءات وحذفها وتسكينها وفتحها (١).
المؤلف ﵀ قال عن القراءات: (وهي على نوعين: مشهورة وشاذة)، ثم ذكر القراءات السبع، ووصفها بأنها مشهورة، وجعل قراءة يعقوب بن إسحاق الحضرمي (ت٢٠٥هـ)، وابن محيصن محمد بن
стр. 229
عبد الرحمن (ت١٣٢هـ)، ويزيد بن القعقاع أبو جعفر المدني (ت١٣٠هـ)، جعلها تجري مجراهم في الصحة والشهرة.
وهذا الاختيار لقراءة ابن محيصن دون خلف بن هشام (ت٢٢٩هـ) المعروف بـ «خلف العاشر» مخالف لما هو عليه الحال عند غير المؤلف، فقراءة ابن محيصن تُعدُّ في الشواذِّ، وليست قريبة من قراءة السبعة فتأخذ هذا الحكم.
وابن جزي له كتابان في القراءات: «المختصر البارع في قراءة نافع»، وكتاب: «أصول القراء الستة غير نافع»، وهذا يعني أنه مشارك في هذا العلم، وقوله هذا بحاجة إلى وقفة؛ ليُنظر فيها حال أسانيد هذه القراءة ورتبتها عند أهل عصره.
وقراءة ابن محيصن (ت١٣٢هـ) هي ضمن أربع قراءات تُروى كاملة عن أصحابها بالإسناد، وهي: قراءة الحسن البصري (ت١١٠هـ)، وقراءة سليمان بن مهران الأعمش (ت ١٤٨هـ)، وقراءة اليزيدي؛ أبو محمد يحيى بن المبارك (ت٢٠٢هـ).
قال المؤلف في وصف القراءة الشاذة: (وإنما سُمِّيت شاذَّة لعدم استفاضتها في النقل، وقد تكون فصيحة في اللفظ، وقوية المعنى).
وقوله هذا يشير إلى أنها قد تكون قبل انعدام استفاضتها لها شأن آخر، لكن النقل تخلَّف عنها من جهة الاستفاضة، فلم ترقَ إلى القراءات التي وصفها بأنها «مشهورة»، وهو وصف جعله مقابل لوصف الشذوذ.
وهذا الضابط الذي ذكره للشذوذ يشير إلى أن هناك قراءات كثيرة أُهملت، فلم تبلغ حدَّ الاشتهار، وهذا مكان بحث لأولي القراءات، إذ هذا الأمر يحتاج إلى تحرير، وهو «مراحل تشذيذ القراءات القرآنية»، ولو تأملتَ تاريخ القراءة وتدوينها لوجدت الآتي:
١ - منذ عهد أبي بكر إلى صدر خلافة عثمان (سنة ٢٥ تقريباً)، لم
стр. 230
يكن يُحكى الشذوذ بين الصحابة في قراءاتهم المختلفة، وإن كان قد يقع بينهم استدراكات على قراءة بعضهم.
٢ - بعد نسخ المصاحف ـ في عهد عثمان ـ من مصحف أبي بكر، وقع إلزام الناس بوجوه القراءة الثابت بقاؤها في العرضة الأخيرة، وأمر عثمان بطرح ما سواها، ولذلك أمر بحرق المصاحف.
ومن هنا بدأ تبيُّن القراءة المقبولة من القراءة غير المقبولة.
٣ - بقي بين يدي الناس بعض القراءات التي تسللت عبر روايتها إما مفردة، وإما كاملة كـ «القراءات الأربع»، وهذه القراءات حكم العلماء عليها بالشذوذ لأحد أسباب أشار إليها المؤلف؛ كأن تخالف رسم مصحف عثمان، أو أن تكون منقولة بطريقة أقلَّ من الطرق المشهورة، وغالب ما يقع عليه أحد هذين الوصفين فإن العلماء لا يتلقونه بالقَبول.
والمؤلف قد أشار إلى ذلك في قوله: (ولا يجوز أن يقرأ بحرف إلا بثلاث شروط:
١ - موافقته لمصحف عثمان بن عفان ﵁.
٢ - وموافقته لكلام العرب ولو على بعض الوجوه أو في بعض اللغات.
٣ - ونقله نقلاً متواتراً أو مستفيضاً).
إن كان يقصد بالشرط: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته، فإن بعض هذه المذكورات فيها نظر من جهة تسميتها بالشروط، وإذا ورد النقل المتواتر أو المستفيض، فإن الشرطين المذكورين قبله تبع له، ذلك أن الأصل في ثبوت القرآن هو الحفظ القلبي (١)، والرسم إنما هو زيادة في الضبط، بحيث لو تُصُوِّر عدم
стр. 231
وجوده فإنه لا يقع خلل في نقل القرآن؛ لأن أغلب من نزل عليهم القرآن كانوا يستظهرونه، ولم يكونوا أهل عناية بكتابته لسببين:
الأول: قوة الحفظ والاستظهار عندهم.
الثاني: قلَّة أدوات الكتابة عندهم.
لكن هذا الرسم أفاد ـ مع تقدم الزمن ـ في ضبط القرآن، وصار معياراً لردِّ بعض القراءات الشاذَّة؛ إذ ليس كل القراءات الشاذة تخالف رسم المصحف.
الشرط الأول: موافقته لمصحف عثمان بن عفان:
مما يلاحظ في سيرة الرسول ﷺ أنه لم ينشط لكتابة القرآن إلا عندما جاء إلى المدينة، وقد كتبه مفرَّقاً على اللخاف والأكتاف والسُّعُف وغيرها، ثم لما توفي ﷺ جمعه أبو بكر، ثم في عهد عثمان نُسِخَت المصاحف من مصحف أبي بكر.
فالقاعدة المعتمدة على المسألة التاريخية لحفظ القرآن وتدوينه: أن الرسم متأخر عن القراءة، وأن القراءة أصل والرسم فرع، وأنه لا يلزم أن يكون الرسم ـ دائماً ـ موافقاً للفظ، وهذا ليس في تدوين القرآن ولا في الإملاء الذي بين يدينا اليوم، بل هذا معروف في جميع لغات العالم، فالمرسوم لا يلزم أن يطابق جميع الملفوظ، بل قد يوجد أحرف زوائد أو أحرف ناقصة، وأهل كل لغة يعرفون ذلك من لغتهم ولا يحتاجون فيها إلى معلم خارجي يبين لهم ذلك، وإنما يحتاج ذلك من لم تكن لغته مثل لغتهم.
وإذا عرفنا هذه القاعدة نعلم أن كل ما يقال من نقص الرسم أو أن الرسم سبب في الخطأ في القراءة فهو باطل.
وإذا نظرت إلى مزاعم المستشرقين من أن هناك خطأ في رسم
стр. 232
الصحابة بوجود نقص أو زيادة، أو أن بعض القراء أخطأ؛ لأنه قرأ هذا الرسم أو خالف ذاك الرسم، فإنه يمكن القول بأن هذا جهل مركب؛ لأنه لا يوجد في أي لغة من اللغات من ينطلق من المرسوم، بل الأصل أن ينطلق من المقروء وإن وقع بينه وبين المرسوم اختلاف.
مسائل في قول المؤلف: (موافقته لمصحف عثمان):
الأولى: الموافقة لمصحف عثمان معتبرة ولو احتمالاً؛ لأن بعض الكلمات كتبت بوجهٍ واحد، وقرئت بأكثر من وجه، كلفظة (الصراط) في سورة الفاتحة، فقد قرئت بالسين والصاد.
الثانية: إن بعض الكلمات لها (أداء صوتي) لا يمكن أن يرسم، ولم يجتهد الصحابة في ضبطه، وهذا يدلُّ على أن الأصل هو المقروء من الصدور، ومن ذلك لفظة: «الصراط» في سورة الفاتحة، فقد قرئت بوجه ثالث، وهو إشمام الصاد زاياً، وهذه القراءات الثلاث (بالصاد وبالسين وبإشمام الصاد زاياً) كلها ثابتة ومقروء بها، وقد اتفقت المصاحف على كتابة هذه اللفظة بالصاد، ومن عِلَل ذلك أن الصاد هي الأصل، وأن اللفظة لو كُتبت بالسين لم يكن لقراءة الإشمام وجه ظاهر في هذه اللفظة.
والمقصود أن مما يجب أن يُتنبَّه له أنه ليس كل مقروء يمكن كتابته؛ لأنه قد يكون متعلقاً بأمور صوتية، والأمور الصوتية ـ من مدٍّ وإدغام وفكٍّ وإبدال وتسهيل وإمالة وغيرها ـ مما لا يمكن رسمه، ولذا كان من علماء علوم القرآن بعد جيل الصحابة أن أدخلوا علم ضبط المصاحف، وكان بدأ شيئاً فشيئاً حتى وصل إلى ما نراه اليوم في مصاحف المسلمين.
الثالثة: أن بعض الاختلافات في الرسم تبع للمصحف الذي أرسل إلى ذلك القطر أو ذاك، ويكون رسم كل مصحف على حسب القراءة
стр. 233
التي يقرأ بها قراء ذلك المصر، فقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الحديد: ٢٤]، جاء الرسم موافقاً لمن يثبت الضمير ﴿هُوَ﴾، والمصحف الذي يقرأ به هؤلاء يكون هذا اللفظ مثبتاً فيه، لكن لو كتبنا المصحف على رواية من يحذف (هو)، فإننا نحذفها ولا نثبتها، قال ابن مجاهد: «قرأ نافع وابن عامر: (إِنَّ اللهَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) [الحديد: ٢٤]، ليس فيها هو، كذلك هي في مصاحف أهل المدينة والشام.
وقرأ الباقون: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الحديد: ٢٤]، وكذلك هي في مصاحف أهل مكة والعراق) (١).
الرابعة: لم يحرص الصحابة على تدوين كافة وجوه الاختلاف في الرسم، بل إن بعض الكلمات كُتبت على وجه واحد، وهي تقرأ بعدة وجوه قرائية، وهذا يدلُّ ـ أيضاً ـ على أن الأصل هو المقروء من الصدور، وليس المرسوم، ومن ذلك أن المصاحف اتفقت على رسم واحد في قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير: ٢٤]، فرسموها بالضاد، وهي تقرأ على وجهين بالضاد وبالظاء، لذا فإنها تكتب في جميع المصاحف على جميع الروايات بالضاد بخلاف المسألة السابقة التي ثبت أن الصحابة كتبوها على وجهين، ولو أشير لمن يقرأ بالظاء بوضع حرف ظاء صغير فوقها، لجاز، ولكان هذا من باب الضبط.
الرابعة: الرسم ليس توقيفياً؛ أي: ليس مأخوذاً عن النبي ﷺ ، وإنما يدخل في باب الإجماع، فهو إجماع من الصحابة.
وإذا نظرنا إلى تاريخ تدوين المصحف، فإنه سيتبين لنا أنه قبل نسخ المصاحف ـ وكذا أثناءها ـ كان هناك اختلاف في المرسوم كما كان
стр. 234
الحال في اختلافهم في المقروء، ثمَّ إن الأمر استقر على مرسوم المصاحف العثمانية التي نسخوها من مصحف أبي بكر ﵁، وبهذا يمكن القول بأنه قد انعقد الإجماع على مرسوم مصاحف عثمان ﵁.
وأما تحليل الاختلاف في الرسم، فإنه أمر سهل جدّاً، وليس اختلافهم بدعاً في هذا الأمر، بل لا يزال الاختلاف في المرسوم «الإملاء» قائماً إلى اليوم، والأمر في ذلك أنه يدخل في باب اختلاف التنوع، فالإملاء في بعض المرسوم له أكثر من وجه، وهو اصطلاح يختلف من كاتب إلى آخر، ومن عصر إلى عصر، وإذا أخذناه من هذا الباب هان الأمر وسهُل، ولم يكن هناك تعنيف ولا تثريب، ولظهر لنا أن كل ما وُجِّه من نقد لمرسوم المصاحف العثمانية من الصحابة أنفسهم ـ كالمروي عن عائشة ـ إنما هو من هذا الباب، إذ كلٌّ حكم بما يعرف، وأنكر ما لا يعرف، وهذا أمر يوجد في المرسوم وفي القراءة وفي الأحكام وفي غيرها.
لذا نقول: إنما اعترض الصحابي على الرسم؛ لأنه حكم بما يعلم، والرسم الآخر لم يعرفه فحكم بخطئه، وإذا كان الأمر كذلك فإن الجواب عن مثل ذلك أن يقال: إن اعتراض الصحابي لكونه لم يعلم بالوجه الآخر لا يعني أن ما اعترض عليه أنه خطأ محض، بل نقول: إن ما جهله هو قد علمه غيره.
أما ما روي عن عثمان من قوله: «إن فيه لحناً وستقيمه العرب بألسنتها» (١)، فإنه ضعيف لا يُحتجُّ بمثله، غير أن له توجيهاً يسلم به من الفهم الذي وقع فيه بعض الناس؛ إذ كيف يُتصوَّر أن عثمان يرى الخطأ في مرسوم كتاب الله ويسكت عنه، ولا يأمر بتعديله، ثم أين الصحابة من هذا؟!
стр. 235
ويمكن توجيه مراد عثمان ﵁ أنه قصد باللحن أن صورة الكتابة في بعض المواطن تختلف عن طريقة اللفظ والقراءة، وأن العرب سيقيمونه بقراءتهم فهم لن يقرأوا «الربو» بالواو كما كتبت وإنما بالألف؛ لأن المقروء عندهم هو الأصل.
الشرط الثاني: موافقته لكلام العرب ولو على بعض الوجوه أو في بعض اللغات:
أما شرط موافقته لكلام العرب فإنه لا يدخل في مصطلح الشرطية؛ لأنه إذا ثبتت القراءة وتواترت، فإنها حجة عربية بذاتها (١).
الشرط الثالث: ونقله نقلاً متواتراً أو مستفيضاً:
قول المؤلف في الشرط الثالث (نقله نقلاً متواتراً أو مستفيضاً)، فيه إشارة إلى اختلاف نوعي النقل، وهما التواتر والاستفاضة، وكأنه يشير إلى ما قيل من أن القراءات السبع متواترة، وأن القراءات الثلاثة المتممة مشهورة، والله أعلم.
ومفهوم التواتر في القراءات فيه أمور مشكلة، والبحث فيها لا يؤثِّر على صحة نقل القرآن، وإنما المراد من بحثها تبيُّن وجه هذه القراءات على مرِّ العصور، خصوصاً في الأزمنة الأولى قبل اشتهار تدوين القراءات وانتشارها في الأمصار.
وهذا الموضوع من الدِّقة بمكان، بحيث إنه يحتاج في علاجه إلى باحث ماهر يستطيع أن يخرج بنتائج وافرة تدعم حفظ القرآن بما أوكل الله به المسلمين من حفظه؛ إذ كانوا هم السبب الذي جعله الله من تمام حفظ القرآن، فهيأ لهم سبل ذلك الحفظ، فبقي القرآن يتلى
стр. 236
على مرِّ العصور، وفي جميع الأقطار، جيلاً بعد جيل، وما زاد أحد فيه شيئاً، ولا نقصوا منه شيئاً، وفي ذلك عبرة لمن يطعن في نقل القرآن ـ لو كان يعتبر ـ ذلك أن البشر لو تمالؤوا على حفظ كتاب مثله فإنهم لا يستطيعون ذلك، وشاهد ذلك تلك المخطوطات التي تكون للكتاب الواحد، فانظر كم هي الفروق التي تقع بينها؟
وإن كتاب الله المنزل على محمد ﷺ يتميز عن غيره من كتب الله بميزة الحفظ من النقص والزيادة والتحريف والتبديل، أما كتب الله السابقة، فهي إما من المفقود الذي لا يعرف له أثر، وإما مما استُحفظ عليه البشر، ووكلت المهمة إليهم، فما قاموا بها، بل وقع التبديل والتحريف عندهم، كما وردت الإشارة إليه في القرآن في قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيدِيهِمْ وَوَيلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩]، وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٦] ولا يمكن أن تجد كتاباً من كتب اليهود والنصارى مما ينسبونه إلى أنبيائهم ﵈ هو باللغة التي نزل بها، بل كلها مترجمة، ولا يوجد منها شيء بلغته الأولى، مما أعطى مجالاً لمن استُحفظوا على هذه الكتب أن يقع عندهم التحريف والتبديل، أما القرآن فإنه يتلى باللغة نفسها التي نزل بها، فلله الحمد والمنة.
والمقصود: أنه لا خوف علينا نحن المسلمين من نقاش هذا الموضوع، وإنه إن لم يزدنا قناعة بما عندنا، فإنه لن يغير من الواقع شيئاً، والله الموفق.
ومشكلة مصطلح التواتر، وظهوره بين المتكلمين مشكلة معروفة، وقد أحدثت مشكلات علمية في علم الحديث والاعتقاد وغيرهما، وانجرَّ ذلك على أسانيد القراءة، وغيرها، مما يحتاج إلى إعادة النظر في مفهوم
стр. 237
هذا المصطلح، وإلى تحرير المراد به في كل علم، وإلى استبداله بما يتناسب مع طبيعة كل علم، بحيث لا يبقى غامضاً موهماً، وتُحمَّل بعض القضايا العلمية عليه، وهي لا تحتمله أصلاً، إذ كم هُدم من معلومات بسبب القول به على اصطلاح المتكلمين.
وقضية التواتر في القراءات فيها إشكالية من جهة أن في الأسانيد التي تنسب إلى القراء أفراداً، فحمزة (ت١٥٦هـ) قد ينفرد ـ مثلاً ـ ببعض الألفاظ، فهذا التي انفرد به تعدُّ آحاداً؛ ولهذا إذا أردنا أن نتعامل مع القراءات بأسلوب مصطلح التواتر الموجود في كتب أصول الفقه سنصطدم بمثل هذا الأمر.
والأولى أن ننظر في القراءات نظراً تاريخياً، فهؤلاء السبعة لا نجد أحداً من العلماء المتخصصين يخالف في أن قراءاتهم كانت مشهورة، ومتلقاة بالقبول عندهم، وهذا يعني أن العلماء ارتضوها بضابط الشهرة وضابط القبول، وهذان الضابطان صحيحان.
وإذا نظرنا إلى بعض القراءات تاريخياً، فإننا سنجد بعضها مشتهرة لكنها غير مقبولة؛ كالقراءات الأربع المتممة للعشر.
لكن لا يمكن أن تكون مقبولة وهي غير مشتهرة، وعندي أن ضابط الشهرة أدق من ضابط التواتر، فالقراءة المقبولة هي التي اشتهرت وتلقاها العلماء بالرضى والقبول، فابن مجاهد (ت٣٢٤هـ) لما اختار هؤلاء السبعة لم يخالفه أحد في الاختيار مما يدل على أن الأئمة السبعة قد اتفقت الأمة على إمامتهم وأنهم أهل لنقل القراءة، وما أضيف فيما بعد إليهم يكون داخلاً ضمن قراءاتهم، وهو قليل، وقد تلقته الأمة بالقبول.
ومن تأمَّل تاريخ القراءات، واعتمد على المصطلحات التي يذكرها علماء القراءات المتقدمين، لا يجد لفظة «تواتر»، وإنما يجد «قراءة
стр. 238
العامة»، «القراءة المستفيضة»، «القراءة المشهورة» «القراءة التي عليها قَرَأَة الأمصار».
وهذه المصطلحات التي يتعامل بها أهل القراءة المتقدمين بحاجة إلى دراسة، لمعرفة واقعها عند أصحاب الشأن، والنظر في مدى الحاجة إلى ذلك التغيير الذي طرأ على هذه المصطلحات التي كانت مشتهرة بين القراء.
وهنا نحتاج إلى دراسة الاعتراض على القراءات عند المتقدمين، وكيفية الخلوص منه إلى القول بالتواتر عند المتأخرين.
وموضوع الاعتراض على القراءات مما لا خفاء فيه، لكن البحث والتحرير فيه قليل جدّاً.
ومن أمثلة ذلك:
١ - روى البخاري بسنده عن ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ «أَرَأَيْتِ قَوْلَهُ: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ [يوسف: ١١٠] أَوْ كُذِبُوا. قَالَتْ: بَلْ كَذَّبَهُمْ قَوْمُهُمْ. فَقُلْتُ: وَاللهِ لَقَدِ اسْتَيْقَنُوا أَنَّ قَوْمَهُمْ كَذَّبُوهُمْ وَمَا هُوَ بِالظَّنِّ. فَقَالَتْ: يَا عُرَيَّةُ، لَقَدِ اسْتَيْقَنُوا بِذَلِكَ. قُلْتُ: فَلَعَلَّهَا أَوْ كُذِبُوا. قَالَتْ: مَعَاذَ اللهِ لَمْ تَكُنِ الرُّسُلُ تَظُنُّ ذَلِكَ بِرَبِّهَا، وَأَمَّا هَذِهِ الآيَةُ قَالَتْ: هُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ الَّذِينَ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَصَدَّقُوهُمْ، وَطَالَ عَلَيْهِمُ الْبَلاَءُ، وَاسْتَاخَرَ عَنْهُمُ النَّصْرُ حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَتْ مِمَّنْ كَذَّبَهُمْ مِنْ قَوْمِهِمْ، وَظَنُّوا أَنَّ أَتْبَاعَهُمْ كَذَّبُوهُمْ جَاءَهُمْ نَصْرُ اللهِ» (١).
فهذه عائشة ﵂ لم تر قراءة «كُذِبوا» بالتخفيف، واعتمدت ما تعرفه
стр. 239
من قراءة التثقيل، ورأت أن في قراءة التخفيف معنى غير لائق بالأنبياء ﵈ فمنعته، واعترضت على قراءة التخفيف لأجل ما تحتمله من هذا المعنى.
٢ - روى الحاكم في المستدرك بسنده ـ ورواه غيره ـ عن أبي وائل شقيق بن سلمة قال: قرأ عبد الله ﵁: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢] بضم التاء (عجبتُ)، قال شريح: «إن الله لا يعجب من شيء إنما يعجب من لا يعلم»، قال الأعمش: فذكرت لإبراهيم فقال: إن شريحاً كان يعجبه رأيه إن عبد الله كان أعلم من شريح، وكان عبد الله يقرؤها: «بل عجبتُ» (١).
فشريح اعترض على قراءة الضم، وظنَّ أن صفة العجب لا تجوز على الله، وقد اعترض عليه الأعمش بكون قراءة الضم هي قراءة عبد الله بن مسعود، وعبد الله لم يعترض على معنى هذه القراءة مما يدل على أنه يقول بمعنى هذه القراءة.
ونقد القراءات استمرَّ عند العلماء، ولم يخلُ ابن مجاهد في كتابه «السبعة» من نقد القراءات، ففي قراءة ابن عامر (ت١١٨هـ) ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧، آل عمران: ٥٩، مريم: ٣٥] قال: «واختلفوا في قوله: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧] في نصب النون وضمها فقرأ ابن عامر وحده ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ بنصب النون.
قال أبو بكر: وهو غلط، وقرأ الباقون «فيكونُ» رفعاً) (٢).
وقال: «قوله: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] قرأ ابن عامر وحده «كن فيكونَ» بالنصب.
قال أبو بكر: وهو وهم» (٣).
стр. 240
وقال: «قوله: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [مريم: ٣٥].
قرأ ابن عامر وحده كن «فيكونَ» نصباً وهذا خطأ في العربية» (١).
وهذا الذي انتقده ابن مجاهد واعترض عليه قبله غيره من العلماء، وعلى قبولهم سار العمل.
وبعد: فإن النظر في تاريخ القراءات يعطي أمرين مهمين:
الأول: أن اعتماد التواتر الأصولي لا يصلح في القراءات؛ لأنه قد ثبت وجود أفراد في قراءات السبعة، ولا يوجد أسانيد متواترة لها، وهذا معلوم لا يرتاب فيه من يعرف أسانيد القراءات.
والمقصود أن اعتماد الوارد من الأسانيد لا يكفي في بعض أفراد القراءات السبعة أو العشرة في حكاية التواتر فيها، بل إن اعتماد مصطلح التواتر الأصولي مشكل فيها بلا ريب.
الثاني: أن اشتهار القراءة، وتلقي علماء هذا الشأن لها بالقبول لها يكفي، لذا لا ترى في علماء الأمة من بقي على إنكار قراءة من القراءات السبع أو المتممة للعشر، بل تلقتها الأمة بالقبول، وهذا التلقي أقوى من القول بالتواتر الأصولي الذي لا ينضبط مع علم القراءات.
وهذا ظاهر لمن تأمل تاريخ القراءات، ومما يشير إلى ذلك موقفهم من ابن مقسم (ت:٣٥٤) وابن شنبوذ (ت:٣٢٨)، وإنكارهم لمذهبهما الذي خرجا به عن المشهور من مذاهب العلماء في تلقي القراءات.
والمقصود ألا نلتزم بمصطلح التواتر الأصولي، بل نقول بأن القرآن وصل إلينا بالنقل المستفيض، وهذه العبارة التي يذكرها ابن جرير الطبري (ت٣١٠هـ) كثيراً في كتابه، وكذا ابن مجاهد (ت٣٢٤هـ)، والداني (ت٤٤٤هـ)، ومكي (ت٤٣٧هـ) وجمهور علماء القراءة المتقدمين، أما لفظ
стр. 241
التواتر فلم يذكروه، وإنما عبروا بالاستفاضة والشهرة، أو بأنها نقل العامة أو اتفاق العامة.
فإن قال قائل: إن بعض العلماء حصل منهم إنكار لبعض القراءات كما وقع من الطبري (ت٣١٠هـ) رحمه الله تعالى حيث أنكر قراءة ابن عامر (ت١١٨هـ).
نقول: إنكاره لقراءة ابن عامر (ت١١٨هـ) سببه: أن السند الذي عنده فيه مشكلات من جهات، ومنها:
١ - أنه لا يُعرف أن أحداً أخذ القراءة على عثمان، والطريق الذي رواه ابن عامر عن المغيرة عن عثمان بن عفان.
٢ - أن في سند قراءة ابن عامر رجلاً مجهولاً من أهل الشام لا يُعرف بالنقل عند أهل النقل، وهو عراك بن خالد المري.
وإذا نظرت إلى الأسلوب العلميِّ الذي سلكه الطبري، فإنك ستجده صحيحاً؛ لأن الطبري لم يعترض على قراءة ابن عامر اعتباطاً، بل اعترض بحجة علمية معتبرة.
لكن هذا الذي جهله الطبري من رجال السند عرفه غيره، فأهل الشام تلقوا قراءة ابن عامر بالقبول، أما قول الطبري رحمه الله تعالى فغير مقبول في هذا وإن كان إماماً في التفسير وفي القراءات وغيرها، فنحن نحترم العالم، لكننا لا نقبل قوله ما دام خطأً.
وهذا يدعونا ألا نحكم على العلماء المتقدمين بأنهم ردوا قراءة متواترة ـ أي: متواترة بالنسبة لنا ـ فلا نقول ـ عندما ردَّ بعض علماء البصرة كالمبرد (ت٢٨٥هـ) قراءة حمزة (ت١٥٦هـ) ﴿الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١]: إن المبرد ردَّ قراءة متواترة؛ لأننا يلزمنا أن نُثبت أنه كان يرى تواترها، ثم ردَّها بعد حكمه بتواترها، ولو كان الأمر كذلك لصحَّ التشنيع عليه؛ لكنه لم يحكم بتواترها فنقول: إنه ردَّ قراءة متواترة.
стр. 242
وهذا يعني أننا حينما نخطّئ العالمَ المتقدمَ على أنه ردَّ قراءةً متواترةً؛ نخطِّئه بمصطلحٍ حدث بعده، ونخطئه بقضية علمية لم تثبت عنده، ونحن لم نبحث عن سبب تخطئته هو للقراءة لكي نفسِّر هذا الأمر ولا نبرره، وهذا مما لا تكاد تجد أحداً من الباحثين حرص على بيانه، وهو مهم جدّاً.
ومن يتتبَّع التاريخ سيجد أن الاعتراض على بعض القراءات موجود منذ عهد الصحابة وتتابع من جاء بعدهم على ذلك، لكن لا نقول إن فلاناً قد ردَّ قراءة متواترة إلا إذا ثبت أنه يثبت أنها متواترة ثم يردها، ومن ثَمَّ لا نقول ـ مثلاً ـ: إن عائشة ردَّت قراءة متواترة، وذلك لأنه لم يثبت عندها أن النبي ﷺ قرأ بها، إذا لا يُتصوَّر أن تثبت عندها القراءة ثُمَّ تردُّها.
ومما يقرب من مبحث الاعتراض على القراءة موضوع «الترجيح بين القراءات»، وهو قديم الوجود، وقد نشأ مع اختيار الأئمة للقراءات، والاختيار جزء من الترجيح، وغالباً ما يكون الاختيار والترجيح مبنياً على علَّه معينة دعت ذلك إلى هذا الاختيار أو الترجيح، وهذا العمل لم يكن فيه أي ضير عند العلماء، ولم يصدر المنع في الترجيح بين القراءات والتشديد في ذلك إلا متأخراً.
وهي مسألة لها تعلق بتفاضل كلام ـ الله من وجه، والتفاضل ثابت عن النبي ﷺ ، فقد أخبر عن فضل بعض سور القرآن وآيه في غير ما حديث.
ثمَّ نشأ عن هذا مسألة أخرى أيضاً، وهي هل بعض الجمل أو الآي أبلغ من بعض؟
والقول الصواب في هذا أنه لما كان كلام الله منزل على كلام العرب، فإنه سيقع التفاضل في البلاغة من جهة، وتقرير ذلك: أن كلام الله كلَّه أبلغ ما يكون، وهو في المرتبة العليا من البلاغة بلا ريب،
стр. 243
لكنه في ذاته يمكن أن يكون بعضه أبلغ من بعض؛ لأنه جارٍ على سَنَنِ كلام العرب، وكلام العرب يتفاضل في البلاغة.
أما قول المؤلف ﵀: (واعلم أن اختلاف القراء على نوعين: أصول، وفرش الحروف .....)، فهذا ليس له علاقة أو أثر فيما يتعلق بالتفسير، وكلام المؤلف فيها جيد ففيه استيعاب لجمهور ما يتعلق بمسائل علم القراءات، ولذا لن نتكلم عنها.
стр. 244
الباب التاسع
الوقف
قال: الباب التاسع: في المواقف، وهي أربعة أنواع: موقف تام، وحسن، وكاف، وقبيح. وذلك بالنظر إلى الإعراب والمعنى، فإن كان الكلام مفتقراً إلى ما بعده في إعرابه أو معناه، وما بعده مفتقراً إليه كذلك لم يجز الفصل بينهما، والوقف على الكلام الأول قبيح، وذلك الفصل بين كل معمول وعامله، وبين كل ذي خبر وخبره، وبين كل ذي جواب وجوابه، وبين كل موصولٍ وصلته، وإن كان الكلام الأول مستقلاًّ يفهم دون الثاني إلا أن الثاني غير مستقل إلا بما قبله. فالوقف على الأول كافٍ، وذلك في التوابع والفضلات كالحال، والتمييز، والاستثناء، وشبه ذلك، إلا أن وصْل المستثنى المتصل آكد من المنقطع، ووصل التوابع والحال إذا كانت أسماء مفردة آكد من فصلها إلا إذا كانت جملة، وإن كان الكلام الأول مستقلاًّ والثاني كذلك، فإن كانا في قصة واحدة فالوقف على الأول حسن، وإن كانا في قصتين مختلفتين فالوقف تام. وقد يختلف الوقف باختلاف الإعراب أو المعنى، ولذلك اختلف الناس في كثيرٍ من المواقف، ومن أقوالهم فيها راجح ومرجوح وباطل، وقد يقف لبيان المراد وإن لم يتم الكلام.
تنبيه: هذا الذي ذكرنا من رعي الإعراب والمعنى في المواقف استقر عليه العمل، وأخذ به شيوخ المقرئين، وكان الأوائل يراعون رؤوس الآيات فيقفون عندها لأنها في القرآن كالفِقَر في النَّثْرِ والقَوافِي في الشعر،
стр. 245
ويؤكد ذلك ما أخرجه الترمذي (١) عن أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يقطع قراءته يقول: «الحمد لله رب العالمين» ثم يقف «الرحمن الرحيم» ثم يقف (٢).
ذكر المؤلف عدداً من أنواع الوقف وهي: الوقف التام والحسن والكافي والقبيح، وسأرتب هذه المصطلحات، وأذكر تعريفاتها على المشهور عن أهل هذا الفنِّ، ثم أذكر أمثلة موضحة لها ليتمَّ المراد.
أولاً: الوقف التام:
ذكر المؤلف الوقف التام، فقال: (وإن كان الكلام مستقلاًّ والثاني كذلك، فإن كانا في قصة واحد فالوقف على الأول حسن، وإن كانا في قصتين مختلفتين فالوقف تام).
وهو كذلك عند الجمهور، وهو ما كان الاستقلال فيه تاماً بين الجملتين كالوقف على قوله : ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥]، ثم البدء بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ٦] فهذه الجملة ليس لها علاقة من جهة الإعراب أو المعنى بالآية التي قبلها؛ لأن ما قبلها قصة عن الذين آمنوا، وهذه بداية قصة عن الكفار.
وضابط الوقف التام أن تستقل الجملة الثانية بالابتداء استقلالاً تاماً يفهم منها المخاطب الانقطاع التام كأغلب مواطن النداء بـ ﴿يَاأَيُّهَا﴾ فإنه يدل على الانفصال التام بين ما قبلها وما بعدها.
стр. 246
ثانياً: الوقف الكافي:
ذكر المؤلف وصفه للوقف الكافي، فقال: (وإن كان الكلام الأول مستقلاًّ يفهم دون الثاني إلا أن الثاني غير مستقل إلا بما قبله. فالوقف على الأول كافٍ، وذلك في التوابع والفضلات كالحال والتمييز والاستثناء وشبه ذلك إلا أن وصل المستثنى المتصل آكد من المنقطع، ووصل التوابع والحال إذا كانت أسماء مع ذاتٍ آكد من وصلها إلا إذا كانت جملة)، وهذا الذي قاله أشبه بالوقف الحسن عند الجمهور؛ لأن التوابع ألصق بالوقف الحسن والقبيح من غيرهما.
الوقف الكافي عند الجمهور:
هو ما كان فيه ارتباط من جهة المعنى وليس من جهة الإعراب كالوقف عند قوله: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] فهناك ارتباط في المعنى بين الجملتين، لكن من حيث الإعراب هي جملة إعرابية تامة، ومن ضوابط الوقف الكافي وجود الروابط اللفظية غير الإعرابية مثل الضمائر في ﴿قُلُوبِهِمْ﴾، و ﴿سَمْعِهِمْ﴾ فهي تدلُّ أن الحديث عن سابقين في هذا السياق.
مثال آخر: الوقف عند قوله: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾، ثم البدء بقوله: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] ففيه ارتباط بما قبله من جهة المعنى؛ سواء كان قوله: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ من كلام الله أو من كلام بلقيس على حسب الخلاف الوارد عند المتأخرين في التفسير.
فائدة:
لما أمر الرسول ﷺ ابن مسعود (ت٣٢هـ) أن يقرأ عليه سورة النساء، ووصل إلى قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] قال له النبي ﷺ : «حسبك
стр. 247
الآن»، وقطع ابن مسعود القراءة، وهذا القطع على وقف كافٍ، وليس على وقف تامٍّ؛ لأن بعده قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢]، وهذا مرتبط بما قبله من جهة المعنى؛ لأن السياق لم ينتهِ في الحديث عن هذا الموقف العظيم، وإنما يكون الوقف التامُّ على قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾؛ لأن الذي بعده النداء الدال على التمام، وهو قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤١ - ٤٣]، وهذه جملة جديدة منفصلة انفصالاً تاماً عما قبلها.
ثالثاً: الوقف الحسن:
ذكر المؤلف الوقف الحسن بقوله: (وإن كان الكلام مستقلاًّ والثاني كذلك، فإن كانا في قصة واحدة فالوقف على الأول حسن، وإن كانا في قصتين مختلفتين فالوقف تام). وهذا الذي قاله في الوقف الحسن هو الوقف الكافي عند الجمهور، قالوا: هو ما يحسن الوقف عليه ولا يحسن الابتداء بما بعده لارتباطه به من جهة الإعراب؛ كالوقف عند قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: ٢]، فالحسن هو ما كان معنى الجملة الموقوف عليها تاماً من جهة الإعراب، لكن لا يحسن البدء بما بعده؛ لأن ما بعدها مرتبط بها من جهة الإعراب؛ كالبدء بقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
رابعاً: الوقف القبيح:
الوقف القبيح عند المؤلف: (فإن كان الكلام مفتقراً إلى ما بعده في إعرابه أو معناه، وما بعده مفتقراً إليه كذلك لم يجز الفصل بينهما، والوقف على الكلام الأول قبيح)، ويمكن أن يتلخَّص في الوقف القبيح نوعان:
стр. 248
١ - الفصل بين متلازمين؛ كالفصل بين كل معمولٍ وعامله وبين كل ذي خبر وخبره، كما في قوله : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: ٢]، فمن قرأ وقال: ﴿الْحَمْدُ﴾، ثم سكت، فإن الوقف لا يُفهم معنى، فالحمد مبتدأ لم يجئ خبره، وفصله عن خبره فصل بين أمرين بينهما ترابط شديد.
وكذلك في قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ لو وقفت على ﴿رَبِّ﴾ فلن يُفهم معنى من هذا الوقف.
٢. إدخال ما ليس من الجملة فيها، وهذا لم يذكره المؤلف، وهو الوقف على كلمة تدخل في حكم ما قبلها وهي خارجة عنه، كما لو وقف على في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى﴾ [الأنعام: ٣٦]، فالوقف هنا قبيح؛ لأنك تثبت للموتى سماعاً، والسماع إنما هو للذين يسمعون فقط.
خلاصة:
الخلاف في مواطن الوقوف وفي أنواعها كثيرٌ جدّاً، لكن هذه الوقوف الأربعة هي التي تذكرها أغلب كتب الوقوف، وهي مرتبطة بالإعراب والمعنى كما يأتي:
أولاً: إذا وجد الرابط الإعرابي فعندنا احتمالان في نوع الوقف:
الأول: أن يكون الوقف حسناً، إن كان الموقوف عليه جملة تامة بنفسها.
الثاني: أن يكون الوقف قبيحاً، إن كان الموقوف عليه جملة ناقصة في الإعراب.
ثانياً: إذا انعدم التعلق الإعرابي فعندنا في الوقف احتمالان:
الأول: أن يكون تاماً، وذلك إذا انعدم الارتباط بالمعنى، وكان كل كلام مستقلٍّ بذاته.
стр. 249
الثاني: أن يكون كافياً وذلك إن وجدت الروابط اللفظية غير الإعرابية؛ كالضمائر.
قول المؤلف: (وقد يختلف الوقف باختلاف الإعراب أو المعنى)، وهذا كثير، وهو أحد أسباب الاختلاف في الوقف التام والوقف الكافي في كثير من مواضعه على رأي الجمهور في تعريف الوقف الكافي، بل قد يكون الاختلاف في موطن بين مواقف ثلاثة: «التام والكافي والحسن»، ومن ذلك ما ورد في قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التغابن: ١]، قال زكريا الأنصاري في المقصد: «﴿وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ حسن، وقال أبو عمرو: «كاف، وقيل: تام» (١)، ولا شكَّ أن مثل هذا الاختلاف مبني على الاختلاف في النظر في الإعراب والمعنى.
قول المؤلف: (ولذلك اختلف الناس في كثيرٍ من المواقف، ومن أقوالهم فيها راجح، ومرجوح، وباطل)، أما الباطل، فإدراكه أسهل من إدراك الراجح من المرجوح؛ لأنه يقع الخلاف في الوقف ـ كما سبق ـ ويحتاج الأمر إلى مرجحات.
ومن باب الفائدة، فإن كلام المؤلف هذا يشير إلى أمر مهم، وهو أن الوقف والابتداء من آثار فهم المعنى «التفسير»، والعجيب أن يستملح بعض القراء بعض الوقوفات الباطلة، ويرتكب في هذا مخالفة معنى الآية ونظمها، كمن يقف على لفظة ﴿فِيمَ﴾ من قوله تعالى: ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ [النازعات: ٤٣]، ثم يبتدئ بقوله: ﴿أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ على أنه خطاب مبتدأ موجه للنبي ﷺ على معنى: أنت يا محمد من ذكراها، ويستدل لذلك بمثل قوله ﷺ : «بعثت أنا والساعة كهاتين، وأشار
стр. 250
بالوسطى والسبابة» (١).
والمعنى الصحيح لهذه الآية: في أيّ شيء أنت من ذكر الساعة والبحث عن شأنها، إنما أنت منذر من يخاف هذه الساعة.
قول المؤلف: (وقد يقف لبيان المراد، وإن لم يتم الكلام).
هذا الوقف يسميه بعض من كتب في الوقف والابتداء وقف البيان، وهو أن يقف ليبين معنى لا يبين إلا بالوقوف عليه، أو أن يقف على كلمة وكأنه واقف واصل؛ أي: بلا قطع نفس.
والأول أولى، وهو شبيه بالوقف اللازم عند السجاوندي، وعلامته في المصحف (م) كما في الوقف على قوله: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ [الأنعام: ٣٦]، لكن عدم تمام الكلام لا يكون إلا إذا كان من قبيل الوقف الكافي، أما إذا كان من قبيل الوقف القبيح، فإنه لا يمكن أن يوجد وقف بيان يصح الوقف عليه لأجل بيان معنى ما؛ لأن القبيح لا يمكن أن لا يكون قبيحاً، والله أعلم.
ويمكن التمثيل له بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٩]. فالوقف على لفظ الجلالة (يعلمه الله) وقف بيان؛ لأن الفعل ﴿يَعْلَمْهُ﴾ مجزوم بإن الشرطية، والفعل «ويعلمُ» في الجملة التي بعدها مرفوع، وهو مستأنف، وليس معطوفاً على الفعل السابق، فالوقف يبين الفرق بين الفعلين في الإعراب.