← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 13892

شرح مقدمة التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي

مساعد الطيار

Полный текст (290 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وكونها في سورة مكية كان مما احتج به مسروق (ت٦٣هـ) والشعبي (ت١٠٣هـ) ومن قال بقولهما؛ على من قالوا بأنه عبد الله بن سلام (ت٤٣هـ) الذي لم يظهر أمره إلا في المدينة. إذن المكي والمدني ينقسم قسمين: قسم نحتاج إليه في التفسير، وقسم يكون من علوم السورة أو علوم الآية «علوم القرآن».

стр. 72

الباب الثالث في المعاني والعلوم التي تضمَّنها القرآن قال ﵀: الباب الثالث في المعاني والعلوم التي تضمَّنها القرآن، ولنتكلم في ذلك على الجملة والتفصيل، أما الجملة فاعلم أن المقصود بالقرآن دعوة الخلق إلى عبادة الله وإلى الدخول في دين الله، ثم إن هذا المقصد يقتضي أمرين لا بد منهما وإليهما ترجع معاني القرآن كله: أحدهما بيان العبادة التي دعي الخلق إليها، والأخرى ذكر بواعث تبعثهم على الدخول فيها وترددهم إليها، فأما العبادة فتنقسم إلى نوعين: وهما أصول العقائد، وأحكام الأعمال، وأما البواعث عليها فأمرين: وهما: الترغيب والترهيب. وأما على التفصيل فاعلم أن معاني القرآن سبعة وهي: علم الربوبية، والنبوة، والمعاد، والأحكام، والوعد، والوعيد، والقصص. فأما علم الربوبية فمنه إثبات وجود الباري ﷻ ، والاستدلال عليه بمخلوقاته، فكل ما جاء في القرآن من التنبيه على المخلوقات، والاعتبار في خلقة الأرض والسموات والحيوان والنبات والريح والأمطار والشمس والقمر والليل والنهار وغير ذلك من الموجودات، فهو دليل على خالقه، ومنه إثبات الوحدانية، والرد على المشركين، والتعريف بصفات الله من الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر وغير ذلك من أسمائه وصفاته، والتنزيه عما لا يليق به، وأما النبوة فإثبات نبوة الأنبياء ﵈ على العموم، ونبوة محمد ﷺ على الخصوص، وإثبات الكتب التي أنزلها الله عليهم، ووجود الملائكة الذين كان منهم وسائط بين الله وبينهم، والرد على من كفر بشيء من ذلك، وينخرط في سلك هذا ما ورد في القرآن

стр. 73

من تأنيس النبي ﷺ وكرامته والثناء عليه وسائر الانبياء صلى الله عليه وعليهم أجمعين، وأما المعاد فإثبات الحشر، وإقامة البراهين، والرد على من خالف فيه وذكر ما في الدار الآخرة من الجنة والنار والحساب والميزان وصحائف الأعمال وكثرة الأهوال ونحو ذلك. وأما الأحكام فهي الأوامر والنواهي، وتنقسم خمسة أنواع: واجب ومندوب وحرام ومكروه ومباح، ومنها ما يتعلق بالأبدان كالصلاة والصيام وما يتعلق بالأموال كالزكاة، وما يتعلق بالقلوب كالإخلاص والخوف والرجاء وغير ذلك، وأما الوعد فمنه وعد بخير الدنيا من النصر والظهور وغير ذلك، ومنه وعد بخير الآخرة وهو الأكثر كأوصاف الجنة ونعيمها، وأما الوعيد فمنه تخويف بالعقاب في الدنيا، ومنه تخويف بالعقاب في الآخرة، وهو الأكثر كأوصاف جهنم وعذابها وأوصاف القيامة وأهوالها، وتأمل القرآن تجد الوعد مقروناً بالوعيد قد ذكر أحدهما على أثر ذكر الآخر؛ ليجمع بين الترغيب والترهيب، وليتبين أحدهما بالآخر كما قيل «بضدها تتبين الأشياء». وأما القصص فهو ذكر أخبار الأنبياء المتقدمين وغيرهم كقصة أصحاب الكهف وذي القرنين، فإن قيل: ما الحكمة في تكرار قصص الأنبياء في القرآن؟ فالجواب من ثلاثة أوجه: الأول: أنه ربما ذكر في سورة من أخبار الأنبياء ما لم يذكره في سورة أخرى، ففي كل واحدة منهما فائدة زائدة على الأخرى، الثاني: أنه ذكرت أخبار الأنبياء في مواضع على طريقة الإطناب وفي مواضع على طريقة الإيجاز؛ لتظهر فصاحة القرآن في الطريقتين، الثالث: أن أخبار الأنبياء قصد بذكرها مقاصد فيتعدد ذكرها بتعدد تلك المقاصد، فمن المقاصد بها: إثبات نبوة الأنبياء المتقدمين بذكر ما جرى على أيديهم من المعجزات، وذكر إهلاك من كذبهم بأنواع من المهالك، ومنها إثبات النبوة لمحمد ﷺ لإخباره بتلك الأخبار من غير تعلم من أحد وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ [هود: ٤٩]، ومنها: إثبات الوحدانية

стр. 74

ألا ترى أنه لما ذكر إهلاك الأمم الكافرة قال: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [هود: ١٠١]، ومنها: الاعتبار في قدرة الله وشدة عقابه لمن كفر، ومنها تسلية النبي ﷺ عن تكذيب قومه له بالتأسي بمن تقدم من الأنبياء كقوله: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [الأنعام: ٣٤]، ومنها: تسليته ﵇ ووعده بالنصر كما نصر الأنبياء الذين من قبله، ومنها: تخويف الكفار بأن يعاقبوا كما عوقب الكفار الذين من قبلهم، إلى غير ذلك مما احتوت عليه أخبار الأنبياء من العجائب والمواعظ واحتجاج الأنبياء وردهم على الكفار وغير ذلك، فلما كانت أخبار الأنبياء تفيد فوائد كثيرة ذكرت في مواضع كثيرة ولكل مقام مقال (١). هذا الباب من نفائس هذه المقدمة، ويحسن أن نذكر فيه تنبيهاً، وهو أن علماءنا السابقين لم يغفلوا عن النظر الموضوعي للقرآن، وكلام ابن جزي مثال من الأمثلة، وما ذكره في المعاني والعلوم التي تضمنها القرآن، لا يمكن أن يكون إلا بعد النظرة الشمولية لموضوعات القرآن. فإن قال قائل: لكن ما ذكره ليس كل المعاني والعلوم التي تضمنها القرآن. نقول: نعم، لكن ما ذكره هو أصل كل شيء، إذ إن أغلب ما يذكر بعد ذلك هو راجع إلى هذه المعاني التي ذكرها هنا، لذا يحسن أن ننتبه إلى أنَّ تراث العلماء السابقين فيه أشياء كثيرة قد نغفل عنها فنظن أنهم لم يفعلوا ولم يتكلموا، وهم قد تكلموا وأفاضوا، لكن جهلنا بما عندهم من العلم جعلنا نزعم مثل هذا الزعم. والمؤلف ﵀ جعل مقصود القرآن الكلي دعوة الخلق إلى عبادة الله سبحانه، ثم ذكر أن هذا المقصد يقتضي أمرين ـ ترجع إليهما معاني القرآن كله ـ:

стр. 75

أحدهما: بيان العبادة التي دُعِيَ الخلقُ إليها. الآخر: ذكر بواعث «الترغيب والترهيب» تبعثهم على الدخول فيها وتردهم إليها، ثم ذكر في العبادة أصول العقائد وأصول الأحكام التي هي الأعمال المعروفة في تقسيمات العلماء. وأما المقاصد التفصيلية فذكر سبعة من العلوم: العلم الأول: علم الربوبية، وهو يريد به توحيد الباري، وعلم الأسماء والصفات، أما علم الألوهية فسيدخل عنده في باب الأحكام الذي سيذكره، لكنه لم يشر إليه إشارة واضحة، بل اكتفى بالإشارة إلى بعض الأعمال القلبية التي تدخل في توحيد الألوهية، فقال: (وما يتعلق بالقلوب كالإخلاص والخوف والرجاء وغير ذلك وما يتعلق بالأبدان). العلم الثاني: علم الأحكام والأوامر والنواهي، وهذا يرجع كله إلى توحيد الألوهية الذي هو توحيد الله بأفعال عباده. والأول: هو توحيد الربوبية توحيد الله بأفعاله، ودخل فيه باب الأسماء والصفات. ملحظان فيما يتعلق بالنظر الموضوعي للقرآن: الأول: حديث عائشة ﵂ لما جاءها العراقي يسأل قال: «أي الكفن خير؟ قالت: ويحك ما يضرك، قال: يا أم المؤمنين أريني مصحفك، قالت: لم؟ قال: لعلي أؤلف القرآن عليه؛ فإنه يقرأ غير مؤلف، قالت: وما يضرك أيها قرأت قبل، إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل، فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبداً، ولو نزل: لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا أبداً، لقد نزل بمكة على محمد ﷺ وإني لجارية ألعب: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٦]، وما نزلت سورة البقرة والنساء

стр. 76

إلا وأنا عنده، قال: فأخرجت له المصحف فأملت عليه آي السور» (١)، في هذا الحديث إشارة إلى النظر الموضوعي لموضوعات القرآن، فعائشة ﵂ تبيِّن لنا أن القرآن نزل أول ما نزل فيه ذكر الجنة والنار، وأما قضايا الحلال والحرام إنما كانت آخر ما نزل لما كان الرسول ﷺ في المدينة، فالمقصد من هذا أنه يجب علينا عند ذكر موضوعٍ معينٍ مثل هذه الموضوعات الجديدة أن نقرأ في تراثنا؛ لأنا سنجد له أصولاً وإشارات. الثاني: الذي نذكره فيما يتعلق بالموضوعات وهو خارج عن حدِّ علوم القرآن لكن الإشارة إليه مفيد، وهو النظر في الموضوعات التي طرحها القرآن الكريم، والنظر في الموضوعات الموجودة في كتب أهل الكتاب اليوم التي تسمى بأسفار بني إسرائيل (العهد القديم والعهد الجديد)، فلو جمعت الموضوعات التي طرقها القرآن والموضوعات التي طرقتها هذه الكتب فسيكون هناك اختزال شديد في أسفارهم لقضايا كثيرة عُني بها القرآن، كالتربية على الأخلاق، وتزكية النفس، وقضية الجنة والنار، والثواب والعقاب. وسنجد أن الموضوعات التي طرقها القرآن فيها تكامل وشمولية في النظرة إلى الحياة والإنسان والكون، والعلاقة بالخالق ، وعلاقة المسلم بالمسلم، وعلاقة المسلم بغير المسلم، ومثل هذه التفصيلات ليست موجودة فيما بين يدي اليهود والنصارى اليوم. ثم إن القرآن لما نزل بهذه الموضوعات أثّر على الحياة الجاهلية، فالرجل الجاهلي كان أعلى هدف يريد أن يصل إليه في حياته أن يكون أمير القبيلة، أو فارسها، أو يتزوج فلانة، أو يحصل على الناقة الفلانية، أو أن يحصل على الخيل الفلاني، وهذه كلها قضايا دنيوية، لكن لما نزل القرآن فجَّر في هؤلاء طاقات لم تكن موجودة عندهم، ومن الأمثلة ذلك

стр. 77

الرجل الذي قال: «فزت ورب الكعبة»، فقد روى البخاري عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ أَقْوَاماً مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ إِلَى بَنِي عَامِرٍ فِي سَبْعِينَ، فَلَمَّا قَدِمُوا، قَالَ لَهُمْ خَالِي: أَتَقَدَّمُكُمْ، فَإِنْ أَمَّنُونِي حَتَّى أُبَلِّغَهُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَإِلاَّ كُنْتُمْ مِنِّي قَرِيباً. فَتَقَدَّمَ، فَأَمَّنُوهُ، فَبَيْنَمَا يُحَدِّثُهُمْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ أَوْمَئُوا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَطَعَنَهُ فَأَنْفَذَهُ فَقَالَ: اللهُ أَكْبَرُ، فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ. ثُمَّ مَالُوا عَلَى بَقِيَّةِ أَصْحَابِهِ فَقَتَلُوهُمْ، إِلاَّ رَجُلاً أَعْرَجَ صَعِدَ الْجَبَلَ. قَالَ هَمَّامٌ: فَأُرَاهُ آخَرَ مَعَهُ، فَأَخْبَرَ جِبْرِيلُ ﵇ النَّبِيَّ ﷺ أَنَّهُمْ قَدْ لَقُوا رَبَّهُمْ، فَرَضِيَ عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ، فَكُنَّا نَقْرَأُ أَنْ بَلِّغُوا قَوْمَنَا أَنْ قَدْ لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِي عَنَّا وَأَرْضَانَا. ثُمَّ نُسِخَ بَعْدُ، فَدَعَا عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ صَبَاحاً، عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَبَنِي لِحْيَانَ وَبَنِي عُصَيَّةَ الَّذِينَ عَصَوُا اللهَ وَرَسُولَهُ ﷺ » (١)، فانظر كيف تحوَّل هؤلاء العرب في التفكير في فترة وجيزة جداً. تكرار القصص: أما ما ذكره في أسباب تكرار قصص القرآن فهو من النفائس الجيدة وهي: الأولى: (أنه ربما ذكر في سورة من أخبار الأنبياء ما لم يذكره في سورة أخرى، ففي كل واحدة منهما فائدة زائدة على الأخرى). مثال ذلك: ما ورد في قصة موسى ﵇ وتتبع أخته له، فإنك تجد في كل موضع ما لا تجده في الآخر، وتخصيص موطن بالزيادة إنما يكون لحكمة، وقد وردت مختصرة في سورة طه، قال تعالى: ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلاَ تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى﴾ [طه: ٤٠]، وورد في سورة القصص زيادات،

стр. 78

قال تعالى: ﴿وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ *وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ [القصص: ١١، ١٢]. الثانية: من الحِكَم في تكرار القصص كما ذكر: (أنه ذكرت أخبار الأنبياء في مواضع على طريقة الإطناب، وفي مواضع على طريقة الإيجاز؛ لتظهر فصاحة القرآن في الطريقتين). قال الجرجاني في «التعريفات»: «الإطناب: أداء المقصود بأكثر من العبارة المتعارفة» (١)، والإيجاز ضده. واستخدامهما في القصص القرآني مرة بالإطناب ومرة بالإيجاز هو كما قال المؤلف ﵀: (لتظهر فصاحته)، وهذا يعني أن الإطناب في موطنه، والإيجاز في موطنه من مقام الاقتدار على الكلام، والإتيان بالبلاغة على أعلى نظام. الثالثة: (أن أخبار الأنبياء قصد بذكرها مقاصد فتعدد ذكرها بتعدد تلك المقاصد) ذكر مقاصد القصص القرآنية وهي: ١ - إثبات نبوة الأنبياء. ٢ - إثبات النبوة لمحمد ﷺ . ٣ - إثبات الوحدانية. ٤ - الاعتبار في قدرة الله وشدة عقابه. ٥ - تسلية النبي ﷺ . ٦ - وعده بالنصر كما نصر الأنبياء الذين من قبله. ٧ - تخويف الكفار. وهذه المقاصد صالحة للبحث، بحيث يكون كل مقصد مدار بحث في القصص القرآني.

стр. 79

الباب الرابع فنون العلم التي تتعلق بالقرآن قال ﵀: اعلم أن الكلام على القرآن يستدعي الكلام في اثني عشر فناً من العلوم وهي: التفسير، والقراءات، والأحكام، والنسخ، والحديث، والقصص، والتصوف، وأصول الدين، وأصول الفقه، واللغة، والنحو، والبيان (١). ذكر المؤلف بعض العلوم المرتبطة بالقرآن، وهي عند الزركشي والسيوطي «أنواع علوم القرآن»، والمؤلف سمَّاها: «فنون العلم التي تتعلق بالقرآن»، وهذا من باب الاصطلاح، وقد ذكر المؤلف منها اثني عشر علماً. يلاحظ أن المؤلف جعل التفسير من «فنون العلم التي تتعلق بالقرآن»، ثم نبَّه على أن العلوم الأخرى إما أنها أدوات تعين على التفسير، وإما أن لها تعلق ولو بوجه بالتفسير. ويحسن قبل أن ندخل في موضوع الفنون أن نقول: لو تأملنا هذه العلوم الاثني عشر: «وهي التفسير، والقراءات، والأحكام، والنسخ، والحديث، والقصص، والتصوف، وأصول الدين، وأصول الفقه، واللغة، والنحو، والبيان»، فإننا سنجد فيها ثلاث قضايا:

стр. 80

الأولى: التصوف ليس من علوم القرآن بل هو نتاج علمٍ وثمرته، فإدخاله في فنون العلم فيه إشكال، ولا أدري لماذا أدخله هنا؟ الثانية: هذه العلوم منها ما هو منبثق من القرآن، ومنها ما يشاركه فيها غيره، فعلم القراءات مثلاً لا يمكن أن نأخذه من غير القرآن، فهو علم منبثق من القرآن، أما الناسخ والمنسوخ فليس علماً خاصاً بالقرآن بل تشاركه السنة، ففيها ناسخ ومنسوخ، والقرآن فيه ناسخ ومنسوخ، والجامع بين السنة والقرآن أنهما نصَّان تشريعيان، فبالنظر إلى الكتاب على أنه نص تشريعي تأتي معه السنة، فعلم الناسخ والمنسوخ ليس خاصاً بالقرآن ولا بالسنة بل هو لهما معاً، ومنهما نشأ العلم المترتب على الفقه فيهما، وهو علم أصول الفقه. وعالم أصول الفقه عندما يستنبط فإنه يستنبط من القرآن والسنة، فما أُخذ من كتب أصول الفقه وأضيف إلى كتب علوم القرآن لا يعني أنه فضلة في علوم القرآن وأصل في أصول الفقه. والمشاهد أن هناك تشابهاً فيما كتبه من كَتَب في علوم القرآن ومن كَتَب في أصول الفقه، وسبب ذلك أن مَن كَتَب في أصول الفقه أسبق في التحرير ممن كتب في علوم القرآن، فجاء الذي يكتب في علوم القرآن مثل الزركشي (ت٧٩٤هـ) في (برهانه) أو السيوطي (ت٩١١هـ) في (إتقانه) أو غيرهما، ونقل مادة أصول الفقه في الناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه والمطلق والمقيد وغيرها، ووضعها عنده في أنواع علوم القرآن. ولو نُظِر إلى هذه العلوم على أنها من علوم القرآن لظهر عندنا مسائل مغايرة لما هو معروف في كتب أصول الفقه. على سبيل المثال: إذا رجعنا إلى مسائل (العموم والخصوص) في كتب علوم القرآن، فإننا سنجد أن البحث فيها بحث أصولي بحت؛ أي: أنه يغلب عليه جانب الأحكام الذي هو مادة أصول الفقه.

стр. 81

ولا تجد الذين بحثوا في علوم القرآن تعرضوا للتفسير بالمثال، وكونه لا يُعدُّ تخصيصاً، ولو نظرت إلى تفسير السلف لوجدت تفسير العموم بالمثال كثير عندهم، وسبب ذلك أن تفسير العموم بالمثال ليس من مباحث أصول الفقه، فلم يذكروه، ثم إن من كتب في علوم القرآن غفل عن ذلك، مع كثرة تطبيقاته في تفسير السلف. هذا مثال من الأمثلة التي تدل على أننا لو بحثنا هذه العلوم التي لها علاقة بأصول الفقه من جهة علوم القرآن فسنظفر بأمثلة وموضوعات ومعلومات ليست موجودة في أصول الفقه، فاستقاء علوم القرآن من كتب أصول الفقه دون تحرير المسائل المختصة بالتفسير جعل في كتب علوم القرآن قصوراً (١). الثالثة: هذه العلوم التي ذكرها منها ما لا يقوم التفسير إلا به فهو مما يحتاجه المفسر، ومنها ما يحتاج جزءاً منه، ومنها ما ليس له علاقة بالتفسير وإنما له علاقة بعلم آخر، وسيتبين ذلك بالتفصيل عند الحديث عن كل علم من هذه العلوم. والمقصد أن من المهم لطالب علم التفسير ولمن يقرأ في علوم القرآن أن يتنبه للفروق بين الموضوعات وما الذي يحتاجه في حال التفسير الذي هو بيان معاني كلام الله؟ وما الذي يحتاجه بعد التفسير؟ فليس كل ما كُتِبَ في كُتُبِ التفسير يمكن أن يحكى لطلاب العلم؛ لأن فيه أشياء تعد فضلة، فهناك معلومات تكون مضافة لكتب التفسير وهي من المعلومات التي تأتي بعد التفسير، فما هو القدر الذي نحتاجه من هذه المعلومات؟

стр. 82

هذه المعلومات هي التي يتمايز بها العلماء في مناهجهم؛ ولذا صار عندنا اتجاهات مختلفة: اتجاه عقدي، واتجاه فقهي، واتجاه نحوي، وغيرها، فكل واحد من هؤلاء تميز بميزة لم تكن عند الآخر أضافها إلى كتابه، أما المادة التفسيرية، فالغالب أن يكون بينهم تقارب، وإن كان هناك اختلاف في الاختيار. فإن قال قائل: هل هذه فقط هي علوم القرآن التي ذكرها المؤلف؟ الجواب: لا، وإنما ذكر المؤلف بعضها، ويمكن أن يستدرك على هذا علوم كثيرة جداً، فلو قال قائل مستدركاً: أمثال القرآن، واستدل بقوله : ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] على أنها من العلوم المهمة التي يجب أن يعلمها المفسر وغير المفسر بناء على دلالة الآية، فإن هذا صواب.

стр. 83

العلم الأول من علوم القرآن: التفسير قال ﵀: فأما التفسير فهو المقصود بنفسه، وسائر هذه الفنون أدوات تعين عليه، أو تتعلق به، أو تتفرع منه، ومعنى التفسير: شرح القرآن وبيان معناه، والإفصاح بما يقتضيه بنصه، أو إشارته، أو فحواه (١). المؤلف ﵀ عبَّر عن التفسير بمعنى الشرح، وهذا هو أحد مدلولات هذه اللفظة في اللغة، وإن كان لفظ الشرح من حيث الاصطلاح العام بين طلبة العلم يتجه إلى شرح الحديث، والتفسير يتجه إلى تفسير القرآن، فأنت تقول: شرح فلان الحديث ولا تقول: فسّر فلان الحديث، وتقول: فسر فلان آية، ولا تقول: شرح الآية، هذا في الغالب، فقوله: «شرح القرآن» كأنه اعتمد على الأصل اللغوي لمعنى التفسير، وهي أحد معاني التفسير في اللغة. قوله: (شرح القرآن وبيان معناه، والإفصاح بما يقتضيه بنصه ـ الذي هو المنصوص عليه ـ أو إشارته أو فحواه)، والمؤلف ﵀ أدخل (النص والإشارة والفحوى) وهي من علم أصول الفقه، ولم يذكر أمثلة عليها، لكن يظهر أن المؤلف قد توسع في مفهوم التفسير فأدخل ما ليس من باب الشرح والبيان للمعاني في علم التفسير، ويمكن وضوح هذه

стр. 84

المشكلة من خلال المثال، فلو أردنا تفسير قوله : ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١]، نقول: أي: هلك وخسر أبو لهب وقد خسر؛ لأنه إخبار بأنه قد وقع في الخسارة، ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد: ٢] أي: لم ينفعه ماله ولا ولده، ثم قال: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد: ٣] أي: سيدخل ناراً حامية ذات لهب، ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد: ٤] أي: وامرأته ستصلى النار أعني حمالة الحطب، أي: التي تحمل الشوك فتلقيه في طريق النبي ﷺ ، أو أنها كانت تمشي بالنميمة. وبهذا لا نجد أن شيئاً من معاني الآيات بقي بلا تفسير. وفي قوله: ﴿وَامْرَأَتُهُ﴾ إشارة إلى صحة عقود أنكحة الكفار؛ لأن الله سبحانه نسب المرأة الكافرة إلى زوجها الكافر، كما أشار إلى ذلك الشافعي، وهذا من دقة استنباطه، ولكن هذه الإشارة ليست تفسيراً؛ لأنك لو فقدت هذه المعلومة ولم تطرأ على بالك فإنها لا تؤثر في فهم المعنى، وما دامت لا تؤثر في فهم المعنى فهي خارجة عن حد التفسير، لكنها من علوم الآية؛ لأنها مستنبطة منها. والمقصد من هذا أن قول المؤلف: (بيان معناه) هذا هو حقيقة التفسير، وما سوى ذلك فهو خارج عن حد بيان المعنى.

стр. 85

الإجماع والاختلاف في التفسير قال المصنف ﵀: واعلم أن التفسير منه: متفق عليه، ومختلف فيه، ثم إن المختلف فيه على ثلاثة أنواع: الأول: اختلاف في العبارة مع اتفاق في المعنى، فهذا عده كثير من المؤلفين خلافاً وليس في الحقيقة بخلاف؛ لاتفاق معناه، وجعلناه نحن قولاً واحداً، وعبَّرنا عنه بأحد عبارات المتقدمين، أو بما يقرب منها، أو بما يجمع معانيها، الثاني: اختلاف في التمثيل؛ لكثرة الأمثلة الداخلة تحت معنى واحد وليس مثال منها على خصوصه هو المراد، وإنما المراد: المعنى العام التي تندرج تلك الأمثلة تحت عمومه، فهذا عده أيضاً كثير من المؤلفين خلافاً وليس في الحقيقة بخلاف؛ لأن كل قول منها مثال للمراد وليس بكل المراد، ولم نعده نحن خلافاً بل عبرنا عنه بعبارة عامة تدخل تلك الأقوال تحتها، وربما ذكرنا بعض تلك الأقوال على وجه التمثيل مع التنبيه على العموم المقصود. الثالث: اختلاف المعنى، فهذا هو الذي عددناه خلافاً ورجَّحنا فيه بين أقوال الناس حسبما ذكرناه في خطبة الكتاب (١). لما ذكر تعريف التفسير انتقل إلى موضوعات في علوم أصول التفسير ويطلق عليها الإجماع والاختلاف في التفسير؛ لأنه قال: (واعلم أن التفسير منه متفق عليه وهذا يمثل الإجماع، ومنه ما هو مختلف فيه وهذا يمثل الاختلاف).

стр. 86

والتفسير ليس كله متفقاً عليه بل هناك خلاف بين السلف، وإذا كان بين السلف خلاف فمن باب أولى أن يكون خلاف فيمن جاء بعدهم؛ لأنه كلما ابتعد العصر عن زمن النبوة زادت رقعة الاختلافات، وهذه قاعدة علمية ذكرها شيخ الإسلام في «مقدمة في أصول التفسير»، فالاختلاف مقرر، وكذلك الإجماع مقرر (١). والذي يعنينا في هذا الباب هو الاختلاف الذي نصَّ عليه المؤلف، وقد انطلق المؤلف في أنواع الاختلاف من اللفظ والمعنى، فقال في النوع الأول: (اختلاف في العبارة مع اتفاق في المعنى، فهذا عده كثير من المؤلفين خلافاً وليس في الحقيقة بخلاف لاتفاق معناه). أقول: لعل السبب الذي جعل بعض المفسرين يعده اختلافاً راجع إلى منهجية المفسر، فابن الجوزي (ت٥٩٧هـ) في «زاد المسير» قد يجعل في الآية سبعة أقوال، وإذا تأملنا هذه الأقوال وجدنا أن بعضها يرجع إلى بعض، فكأن هذه المنهجية في تعداد الأقوال جَعَلَها أقوالاً مستقلةً، وكأنها متغايرة، والحقيقة أن بعضها يرجع إلى بعض. وهذا الأسلوب ليس منه ما يفعله بعض المفسرين من الحفاظ على عبارات السلف، فيذكرون كل قول بسنده كما هو الحال في تفسير الطبري (ت٣١٠هـ) وابن أبي حاتم (ت٣٢٧هـ). فهذا ليس من هذا الباب الذي يذكره المؤلف؛ لأن المقصد من ذلك أن يذكر من قال بهذا القول من المفسرين، أو على سبيل ما ورد في لفظ هذه الآية من المعاني عند السلف، وليس على سبيل أنها أقوال؛ لذا يفرق بين هذين المنهجين.

стр. 87

أما المثال على اختلاف العبارة واتفاق المعنى، فقوله تعالى: ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الأنعام: ٧٠] فـ ﴿تُبْسَلَ﴾ قيل: تحبس، وقيل: ترتهن، فـ (تحبس وترتهن) تدخل في اختلاف العبارة واتفاق المعنى؛ لأن الحبس والارتهان في النهاية بمعنى الحبس، فعبارة الرهن غير عبارة الحبس، والمعنى الكلي واحد. مثال: قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ [الانشقاق: ١٧] بعضهم قال: (وما جمع)، وبعضهم قال: (وما ضم)، وبعضهم قال: (وما حوى)، وهذا اختلاف في العبارة بين (حوى) و (ضم) و (جمع)، لكن المعنى في النهاية واحد، فهذا اختلاف في العبارة والمعنى واحد. الثاني: قال ﵀: (اختلاف في التمثيل لكثرة الأمثلة الداخلة تحت معنى واحد، وليس مثال منها على خصوصه هو المراد، وإنما المراد المعنى العام التي تندرج تلك الأمثلة تحت عمومه)؛ أي: لفظٌ عامٌّ فُسِّر بأمثلة. مثاله: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر: ٣٢] الظالم لنفسه: هو الذي يؤخر الصلاة حتى يخرج وقتها، والمقتصد: هو الذي يصليها في وقتها، والسابق بالخيرات: هو الذي يصليها في أول الوقت، هذا قول من الأقوال، لكن هل المراد بالظالم لنفسه فقط هو الذي يؤخر الصلاة، والمقتصد الذي يصليها في وقتها وإن أخرها عن أوله، والسابق هو الذي يصليها في أول الوقت. ليس المقصود هذا المعنى فقط دون غيره، إنما هو مثال لعمل من أعمال الإسلام يقع فيه ظلمٌ للنفس أو اقتصادٌ أو سبقٌ في الخيرات. مثال: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ٣] بعضهم قال: (قدر؛ أي: خلق الطفل وهداه إلى ثدي أمه)، وبعضهم قال: (هدى

стр. 88

الذكر للأنثى) هذه الأقوال إذا تأملناها هي أمثلة فقط، لنوع من أنواع الهداية والتقدير الرباني. مثال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] ﴿الْحَسَنَاتِ﴾ قيل: الصلوات الخمس، وقيل: إنها قول العبد: (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر). وهذه الأقوال إنما هي ذكر وأمثلة للحسنات، ولو قال قائل: إن الحسنات هي بر الوالدين، وقال آخر: إن الحسنات هي إيتاء الصدقة، وقال آخر: إن الحسنات هي متابعة الحج، بعد الحج فهذا كله داخل في معنى الحسنات، فالحسنات لفظ عام، ويشمل أمثلة كثيرة. ثم قال: (فهذا عدَّه أيضاً كثير من المؤلفين خلافاً وليس في الحقيقة بخلاف؛ لأن كل قول منها مثال للمراد، وليس بكل المراد؛ ـ أي: ليس كل قول فيها هو المراد كله ـ، ولم نعده نحن خلافاً بل عبرنا عنه بعبارة عامة تدخل تلك تحتها، وربما ذكرنا بعض تلك الأقوال على وجه التمثيل مع التنبيه على العموم المقصود). فإن قال قائل: كيف نعرف أن المفسر أراد التمثيل ولم يرد التخصيص؟ الجواب: إن الأصل في تفسير العام بما يشعر الخصوص أنه يُحمل على التمثيل إلا أن تدل عبارة المفسر على التخصيص بأن يذكر لفظة «خاصة»، أو توجد قرينة غيرها تدل عليه. ومن قرائن كون التفسير على سبيل المثال أن يرد عن المفسرين أكثر من مثال، وهذا يدلُّ على أنهم أرادوا التمثيل للفظ العام، وليس التخصيص، ومثال ذلك ما ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر: ٣]، قيل: الشفع: العاشر من ذي الحجة، والوتر: يوم عرفة، فيوم تسعة يتحقق فيه أنه وتر، ويوم عشرة يتحقق فيه أنه شفع، وهذا عليه

стр. 89

كثير من السلف؛ لأنهم في قوله: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ٢] قالوا: إنها عشر ذي الحجة، وإذا رجعنا إلى أقوال المفسرين المتأخرين نجد أنها وصلت إلى عشرين قولاً، قال ابن الجوزي: «وللمفسرين في (الشفع والوتر) عشرون قولاً» (١). قال بعضهم: الشفع: الخلق، والوتر: الله. وقيل: الشفع والوتر هي الصلوات، منها شفع ومنها وتر، والوتر في الصلوات هي المغرب والبقية هي شفع. وقيل: الوتر: آدم، والشفع: حواء؛ لأن آدم كان وتراً، ولما خلقت حواء كانا شفعاً، وذُكر غير هذه الأقوال، وليس في أحد هذه الأقوال ما يدل على التخصيص. مثال التخصيص: قول بعضهم عند قوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى﴾ [الليل: ١٧]: نزلت في أبي بكر خاصة، فالعبارة دالة على التخصيص والقرينة واضحة جداً عند من قال بهذا. ومن يقول: إنها نزلت في أبي بكر خاصة لا يعني أنه لا يُدخل غير أبي بكر في هذا الخطاب، بل يدخل عنده من باب القياس وليس من باب تعميم اللفظ، ومن يقول: إن أبا بكر ﵁ مثال من أمثلة الأتقى، وهو أعلى مثال يذكر، فإنه يجعل اللفظ عامّاً. وهذه الآية مثال على الاختلاف في (هل العبرة بعموم اللفظ أم بخصوص السبب)؟. فمن يرى التعميم في اللفظ فإنه لا يحتاج إلى القياس، أما من يرى تخصيص اللفظ وأنها نزلت في أبي بكر خاصة فيدخل غيره معه على سبيل القياس وليس على سبيل تعميم اللفظ، وهذا من باب المسائل المهمة فيما يتعلق ببحث العموم والخصوص في تفسير السلف.

стр. 90

النوع الثالث من أنواع الاختلاف قوله: (الثالث اختلاف المعنى، فهذا هو الذي عددناه خلافاً ورجَّحنا فيه بين أقوال الناس حسب ما ذكرناه في خطبة الكتاب). هذا النوع تتعدد فيه المعاني وتختلف، لكن ليست على سبيل التمثيل، وهو يختلف عن النوع السابق كما ستظهر من خلال المثال. مثاله: القُرء في قوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فمن قال: القرء: (الحيض) يغاير من قال: القرء: (الطهر)؛ لأنه يلزم أن يكون المراد بالقرء؛ إما الحيض وإما الطهر، وهذا من باب التضاد، وهذا يلزم منه أن يكون في أكثر من معنى. ومن أمثلة ما يرد فيه أكثر من معنى، وإن لم تكن متضادة، ما ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ *عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ [النبأ: ١، ٢] قيل: ﴿النَّبَإِ﴾ هو القرآن، وقيل: هو البعث، وهذا الاختلاف يرجع إلى أكثر من معنى. مثال آخر: قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢]. قيل: ﴿الْكِتَابَ﴾ هو القرآن، وقيل: هو التوراة وهذا يرجع إلى أكثر من معنى. هذه ثلاثة أنواع من أنواع الاختلاف عند ابن جزي، لا يخرج أي نوع من أنواع الاختلاف عنها. واختلاف المعنى قد يكون متقارباً، ويسمى اختلاف تنوع، وقد يكون بين قول صحيح وقول غير صحيح يحتاج إلى الترجيح، وقد يكون كلا القولين صحيحاً على وجه لا يمكن حمل الآية على المعنيين فيلزم الترجيح بينهما كما في معنى القرء.

стр. 91

أمثلة تطبيقية على أنواع الاختلاف: هذه أمثلة على أنواع الاختلاف من تفسير ابن الجوزي لزيادة التوضيح والبيان: مثال: ﴿يَازَكَريَا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٧]. فيه ثلاثة أقوال: ١ - لم يسمَّ يحيى قبله. ٢ - لم تلد العواقر مثله. ٣ - لم نجعل له من قبل مثلاً وشبهاً (١). هذه الأقوال لو طبقناها على أنواع الاختلاف عند ابن جزي فإننا نجد أن القول الثاني والثالث يدخلان في اختلاف العبارة واتحاد المعنى. أما القول الثاني والثالث مع القول الأول، فهذا من باب اختلاف المعنى؛ لأن المعنيين مختلفان. مثال: قوله تعالى: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ [مريم: ٢٤]. فيه قولان: أنه الملَك، وقيل: المنادي هو عيسى (٢). هذا من النوع الثالث وهو اختلاف المعنى؛ لأن المنادي واحد؛ إما هذا؛ وإما ذاك. مثال: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٤]، ﴿سَرِيًّا﴾ قيل: ١ - النهر الصغير، وهو قول جمهور المفسرين.

стр. 92

٢ - أنه عيسى ﵇، وهو قول الحسن (ت١١٠هـ) وغيره. هذا يرجع إلى النوع الثالث وهو اختلاف المعنى (١). مثال: ﴿فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧] فيه خمسة أقوال: ١ - أن السر: ما أسره الإنسان في نفسه، وأخفى: ما لم يكن بعد وسيكون. ٢ - أن السر: ما حدثت به نفسك، وأخفى: ما لم تتلفظ به. ٣ - أن السر: هو العمل الذي يسره الإنسان من الناس، وأخفى: منه الوسوسة. ٤ - أن معنى الكلام يعلم أسرار عباده وقد أخفى سره عنهم فلا يعلم. ٥ - يعلم ما أسره الإنسان إلى غيره وما أخفاه في نفسه (٢). هذا من النوع الثاني وهو الاختلاف في التمثيل للعموم؛ لأن «السر وأخفى» لفظان عامان يشملان هذه الأقوال. مثال: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣]، المراد بالغيب فيه أقوال: ١ - أنه الوحي. ٢ - أنه القرآن. ٣ - أنه الله . ٤ - أنه ما غاب عن العباد من أمر الجنة والنار ونحو ذلك مما ذكر في القرآن (٣)، وهذا من النوع الثاني؛ لأن الغيب لفظ عام، والوحي غيب بالنسبة لنا، والقرآن مرتبط بالوحي، وذات الله سبحانه بالنسبة لنا

стр. 93

غيب، وفيما يتعلق بإنزال القرآن بالنسبة لنا غيب، فلا تستطيع أن تقول شاهدت نزول القرآن فهذا غيب، وكذا الجنة غيب، ونحن لا نتكلم عن الثبوت بل نتكلم عن المشاهدة (١). مثال: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا﴾ [الجن: ٤] السفيه فيه أقوال: ١ - إبليس. ٢ - أنه كفار هؤلاء الجن. هذا من النوع الثاني إذا كانت الإضافة تدل على العموم، ويمكن أن يكون من الثالث وهو اختلاف المعنى إذا جعلت إبليس من غير الجن. مثال: ﴿إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، فيه ثلاثة أقوال: ١ - أنه الزوج. ٢ - أنه الولي. ٣ - أنه أبو البِكْرِ (٢). على القول بأن أبا البكر هو الولي فيكون القول الثاني والثالث من النوع الأول وهو اختلاف عبارة؛ لأنه في نهاية الأمر هو الولي. واختلافهم في كونه الولي أو الزوج يدخل في النوع الثالث: اختلاف المعنى. مثال: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ [الحجر: ٢٠] المشار إليه ﴿فِيهَا﴾: فيه قولان: ١ - الأرض.

стр. 94

٢ - الأشياء التي أُنبتت (١). هذا فيه اختلاف في مرجع الضمير. وهنا قاعدة: الأصل في الاختلاف في مرجع الضمير أن يكون من النوع الثالث؛ لأنه يؤدي إلى اختلاف المعنى. مثال: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ *وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ [العاديات: ٦، ٧] فيه قولان: ١ - أنه الرب. ٢ - أنه الإنسان (٢). هذا يعود إلى النوع الثالث، وهو اختلاف المعنى. مثال: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] التأويل فيه قولان: ١ - هو التفسير. ٢ - العاقبة المنتظرة (٣). وهذا يرجع إلى النوع الثالث. مثال: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الحج: ٧٨] ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ﴾ قيل: الله، وقيل: إبراهيم ﵇ (٤)، وهذا يرجع إلى النوع الثالث. ويحسن أن نشير إلى الذين تكلموا عن أنواع الاختلاف الوارد في التفسير هم: شيخ الإسلام، ثم ابن جزي، ثم الشاطبي، ثم الشيخ ابن عثيمين، فهؤلاء لهم تنظير في أنواع الاختلاف الوارد في التفسير.

стр. 95

الفرق بين التفسير والتأويل قال ﵀: فإن قيل: ما الفرق بين التفسير والتأويل؟ فالجواب أن في ذلك ثلاثة أقوال: الأول: أنهما بمعنى واحد، الثاني: أن التفسير للفظ والتأويل للمعنى، الثالث وهو الصواب: أن التفسير: هو الشرح، والتأويل: هو حمل الكلام على معنى غير المعنى الذي يقتضيه الظاهر بموجب اقتضى أن يحمل على ذلك ويخرج على ظاهره (١). المرجع الأول في الفرق بين التفسير والتأويل هما الكتاب والسنة، والمرجع الثاني هو اللغة، والتأويل مرتبط بالقرآن، وأصل النقاش في ذلك هو قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧]، فنحن نحتاج إلى الرجوع أولاً إلى الكتاب والسنة لمعرفة مصطلح التأويل فيها، ثم الرجوع إلى تفسير المفسرين من السلف الذين اعتمدوا على اللغة، وننظر في قولهم. ولا يوجد في الكتاب والسنة وفي تفسير السلف وفي اللغة للتأويل إلا أحد معنيين: ١ - التفسير. ٢ - ما تؤول إليه حقائق الأشياء. ولو وقفنا عند هذا الحد ولم نرجع إلى الخلافات التي وردت حتى

стр. 96

صارت خمسة عشر قولاً بين التفسير والتأويل لكان المعنى واضحاً في الفرق بين التفسير والتأويل. فإن قال قائل: هل التفسير هو التأويل؟ نقول: (نعم) باعتبار، و (لا) باعتبار، فإذا كان مرادك بالتأويل كشف معنى الكلام صار في معنى التفسير، وإذا كان مرادك بالتأويل ما تؤول إليه حقيقة هذا الكلام، فهذا غير التفسير. في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَآبَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لاَ يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٨٢]. التأويل بمعنى التفسير: يخبر الله أنه يُخرج للناس في آخر الزمان دابة من دواب الأرض .... التأويل بمعنى ما تؤول إليه حقيقة الشيء منه (شكل الدابة ولونها وطولها ومتى تخرج)، وهذا التأويل بمعنى ما تؤول إليه حقيقة الشيء لا يمكن إدراكه إلا إذا وقع. والتأويل بهذا المعنى لا علاقة له بالتفسير؛ لأن التفسير بيان المعاني، وإدراك الحقيقة خارج عن بيان المعاني، لكن لا يعني أن هذه الحقيقة لا معنى لها، بل لها معنى، لكن النظر هنا إلى كيفيتها وليس إلى معناها. أما الآية التي وقع فيها الخلاف هي قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] فإن قلنا: إن المراد بالتأويل التفسير، فإن المتشابه يعلمه الله سبحانه ويعلمه العلماء، لكن المتشابه هنا هو المتشابه في المعاني. وجمهور الأمة يعرفون معاني القرآن من حيث جملتهم، وليس هناك معنى يخفى على الجميع، وإن خَفِي على بعضهم فإن غيرهم من العلماء يعلمونه، ويكون الخفاء على بعضهم من قبيل المتشابه النسبي؛ أي: هو بالنسبة لمن خَفِيَ عليه متشابه، وبالنسبة لمن علِمه محكم، وهذا يدخل في التأويل الذي هو بمعنى التفسير.

стр. 97

وإذا قلنا إن التأويل هو المتشابه الكلي الذي لا يعلم حقيقته ووقت وقوعه إلا الله، فيكون ما يدخل في هذا التأويل من هذه الجهة، وإن كان معناه معروفاً خارجاً عن حدِّ التفسير، وهذا التفصيل هو القول الحق في هذه الآية؛ لأنه هو الوارد عن السلف من الصحابة والتابعين الذين هم أعلم الأمة بتفسير القرآن. وإنما وقع الإشكال في مصطلح التأويل لمَّا استخدم المجاز، وجُعِل مطية لبعض التأويل المنحرف في العلوم الإسلامية، فوقع بذلك تفسير التأويل في كتاب الله بالمعنى الذي ذكره المؤلف، وهو القول الثالث الذي ذهب أنه هو الصواب، فذهب إلى أن المراد به حمل الكلام على معنى غير المعنى الذي يقتضيه الظاهر. وتخصيص التأويل بهذا المعنى دون غيره ليس بصواب؛ لأن هذا ليس معروفاً في كلام الله، ولا في كلام رسوله ﷺ ، ولا في كلام السلف، ولا في لغة العرب، وقصارى الأمر أن يكون هذا من باب الاصطلاح، والاصطلاح لا يُحَكَّم على ألفاظ القرآن وألفاظ السنة وكلام العرب؛ لأنه سيؤدي إلى خلل وخطأ جسيم في حمل معنى كلام الله وكلام رسوله على ما لم يريداه. الإشكال في كلام المؤلف أنه جعله هو معنى التأويل لا غير، أما حمل الكلام على معنى غير المعنى الذي يقتضيه الظاهر لموجب، فهو يرجع إلى معنى التفسير، ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا﴾ [الإسراء: ٥٩] المعنى الظاهر: آتينا ثمود الناقة ذات البصر، لكن هذا الظاهر ليس المراد، وإنما المراد: آية مبصرة، وإذا قلنا إن هذا من حمل الكلام على معنى غير المعنى الذي يقتضيه الظاهر، وإذا تأملنا هذا المعنى الذي ذُكر عند المتأخرين وهو المخصِّص للتأويل نجد أنه في حقيقته تفسير؛ لأنه إذا كان هذا هو المراد من كلام الله وكلام رسوله، فإنه يكون من باب التفسير في النهاية.

стр. 98

والمقصود من هذا أننا عندما نترك الظاهر الصحيح في المعنى إلى غير الظاهر لموجب فهو في الحقيقة تفسير سواء سمَّيناه تأويلاً وخصَّصناه بهذا المصطلح، أو سمَّيناه بأي مصطلح آخر فهو يرجع إلى معنى التفسير، لكن الإشكال أنه جُعل هو معنى التأويل لا غير، وحُمل عليه كلام الله وكلام رسوله ﵇، لكن لو كان بهذا المعنى الذي ذكرنا فإما أن يكون من باب التفسير، وإما أن يكون من باب ما تؤول إليه حقائق الأشياء. وإذا أردت أن تسلم من إشكالات التأويل فقِفْ عند هذا الحد؛ لأن التأويل يأتي بمعنى (ما تؤول إليه حقائق الأشياء) ويأتي بمعنى (التفسير) ويعرف هذا من السياق، كما هو الحال من استعمال أبي جعفر الطبري لهذه العبارة في عنوان كتابه: (جامع البيان عن تأويل آي القرآن)، وكذا يستعمل هذه العبارة (القول في تأويل قوله تعالى) في كل كتابه من بدايته إلى نهايته، ويريد بذلك التفسير، ولا يريد به ما تؤول إليه حقائق الأشياء، ولا صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى آخر.

стр. 99

العلم الثاني من علوم القرآن: القراءات قال ﵀: وأما القراءات فإنها بمنزلة الرواية في الحديث فلا بد من ضبطها كما يضبط الحديث بروايته، ثم إن القراءات على قسمين: مشهورة، وشاذة، فالمشهورة هي القراءات السبع، وما جرى مجراها كقراءة يعقوب، وابن محيصين، والشاذة ما سوى ذلك. وإنما بنينا هذا الكتاب على قراءة نافع المدني لوجهين: أحدهما: أنها القراءة المستعملة في بلادنا بالأندلس وسائر بلاد المغرب الأخرى؛ والآخر: الاقتداء بالمدينة شرفها الله؛ لأنها قراءة أهل المدينة، وقال مالك بن أنس: «قراءة نافع سنة»، وذكرنا من سائر القراءات ما فيها فائدة في المعنى والإعراب، وغير ذلك، دون ما لا فائدة فيه زائدة، واستغنينا عن استيفاء القراءات؛ لكونها مذكورة في الكتب المؤلفة فيها، وقد صنَّفنا فيها كتباً نفع الله بها، وأيضاً فإنا لما عزمنا في هذا الكتاب على الاختصار حذفنا منه ما لا تدعو إليه الضرورة، وقد ذكرنا في هذه المقدمات باباً في قواعد أصول القراءات (١). العلم الثاني من العلوم: علم القراءات، وقد ذكر المؤلف عن القراءات أنها بمنزلة الحديث، ويريد بذلك أن الطريق إليها الرواية، لكن لا شك أن طريقة تلقي القراءات تختلف عن طريقة تلقي الأحاديث،

стр. 100

فالأحاديث إذا كانت تنفع فيها الوجادة وغيرها، فإن القراءات لا ينفع فيها إلا المشافهة فقط: إما عرضاً وإما سماعاً، فلا يمكن أخذها من غير هذين الطريقين إطلاقاً، وكذلك ضبط ألفاظ القرآن في منتهى الدقة تماماً بحيث لا يقع فيه خلل بخلاف ضبط ألفاظ الحديث فقد يقع فيه الخطأ من الناقل، فضبط روايات القرآن أصح وأعلى وأدق من ضبط روايات الحديث. قوله ﵀: (وإنما بنينا هذا الكتاب على قراءة نافع). أفادنا المؤلف أن كتابه مبني على قراءة نافع (ت١١٧هـ) برواية قالون (ت٢٢٠هـ)، وهي قراءة أهل المدينة، لذا فإنه يلزم في طباعة هذا التفسير أن يكون مرسوماً بهذه الرواية، ليتوافق مع التفسير، ولو طبع بقراءة حفص (ت١٨٠هـ) فسيقع فيه خلل في التفسير، فتكون الآية على قراءة حفص (ت١٨٠هـ)، والتفسير على قراءة قالون (ت٢٢٠هـ). ثم ذكر سبب الأخذ بقراءة قالون: الأول: (أنها القراءة المستعملة في بلادنا بالأندلس وسائر بلاد المغرب)، وهذا يفيدنا في تاريخ القراءات، ففي القرن الثامن الذي هو عصر المؤلف كانت قراءة قالون هي المستخدمة في تلك البلاد، ولا تزال كذلك إلى الآن. ثم قال: (الآخر: الاقتداء بالمدينة شرفها الله؛ لأنها قراءة أهل المدينة) حيث روى عن نافع (ت١١٧هـ) راوياه: ورشٌ (ت١٩٠هـ) وقالون (ت٢٢٠هـ)، وورش عَرَضَ ما عنده، وقالون قرأ بالقراءة العامة التي ارتضاها نافع، وأقرأ بها أهل المدينة وغيرهم. ثم ذكر قول الإمام مالك بن أنس (ت١٧٩هـ): «قراءة نافع سنة» (١)، ومالك هو إمام أهل المدينة، ولهذا يقتدي به المالكية من أهل المغرب في اعتماد قراءة نافع.

стр. 101

وقد أشار المؤلف إلى ضابط لطيف فيما يحتاجه المفسر من هذا العلم، فقال: (وذكرنا من سائر القراءات ما فيها فائدة في المعنى، والإعراب، وغير ذلك، دون ما لا فائدة فيه زائدة)، وهذا يعني أن المفسر لا يحتاج كل علم القراءات في التفسير، يحتاج منه الاختلاف الذي يكون مرتبطاً ببيان المعنى، ومن الأمثلة على ما لا نحتاجه في التفسير من القراءات قوله تعالى: ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ [النازعات: ١٩] فـ (تخشى) قرئ بالفتح والإمالة، وهذه ليس لها أثر في التفسير. مثال آخر: في قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١] فيها قراءتان ـ كما ذكر الشوكاني (١) وغيره ـ: الأولى: بالفك وهو الإظهار، والثانية: بالإدغام، وهذا ليس له أثر في التفسير. لكن قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير: ٢٤] ﴿بِضَنِينٍ﴾: (ببخيل)، و (بظنين) بالظاء (بمتهم)، فيه أثر في التفسير؛ لأن المعنى يختلف. مثال آخر: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧] قرئت (تَهْجُرُون) من (هجر)، وقرئت (تُهْجِرُون) من (أهجر)، وهذا له أثر في المعنى. والمقصد أن اختلاف القراءات إذا كان له أثر في المعنى فلا شك أنه من التفسير، وإذا لم يكن له أثر في المعنى فيكون من خصوصيات علم القراءات، ولذا لا يلزم المفسر أن يكون عالماً بتفاصيل علم القراءات؛ ولا نطلب من المفسر أن يكون مقرئاً، كما لا نطلب من المقرئ أن يكون مفسراً. ومن ثَمَّ، فلا يقال للمفسر: ماذا قرأ نافع؟ وماذا قرأ قالون؟ وكيف

стр. 102

تقرأ هذه؟ بل هذا يطلب من المقرئ فهذه مهمته، ومهمة المفسر أن يبين الفرق بين (هجر) و (أهجر) في (تَهْجُرُون) و (تُهْجِرُون)، والفرق بين (سُكِرَت) و (سُكِّرَت) والفرق بين (بضنين) و (بظنين)، والفرق بين (يُعَذِّبُ) و (يُعَذَّبُ) في قوله: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر: ٢٥]. وكأن ابن جزي يريد أن يقول: ما له فائدة فيما يتعلق بالمعنى والإعراب وما قرب منه فإنه يأخذ به؛ مثل: البلاغة، لكن ما سوى ذلك فإنه يتركه؛ لأن المرجع فيها كتب القراءات؛ ولذلك قال: (واستغنينا عن استيفاء القراءات لكونها مذكورة في الكتب المؤلفة فيها) فهو انتخب من علم القراءات ما له علاقة بالمعنى والإعراب وما قرب من ذلك. ثم ذكر تأليفه في هذا العلم، وله ﵀ كتاب مطبوع في قراءة نافع (ت١١٧هـ) برواية قالون (ت٢٢٠هـ). ثم ذكر سبب الاختصار وأنه عمد إليه، حيث قال: (فإنا لما عزمنا في هذا الكتاب على الاختصار حذفنا منه ما لا تدعو إليه الضرورة وقد ذكرنا في هذه المقدمات باباً في قواعد أصول القراءات)، وسيذكر المؤلف عند حديثه عن مصادره في هذا الكتاب: كتاب المهدوي (ت٤٤٠هـ) الذي توسع في القراءات فجعلها من صلب الكتاب، وذكرها على طريقة كتب القراءات، فالمهدوي ﵀ بنى كتابه على علوم منها: علم التفسير وعلم الإعراب وعلم القراءة، فيذكر القراءة ويوجهها، ويذكر قضايا في الأداء وغيرها.

стр. 103

العلم الثالث: أحكام القرآن قال ﵀: وأما أحكام القرآن فهي ما ورد فيه من الأوامر والنواهي والمسائل الفقهية، وقال بعض العلماء: إن آيات الأحكام خمسمائة آية، وقد تنتهي إلى أكثر من ذلك إذا استقصى تتبعها في مواضعها، وقد صنف الناس في أحكام القرآن تصانيف كثيرة، ومن أحسن تصانيف المشارقة فيها: تصنيف إسماعيل القاضي، وأبي الحسن إلكيا، ومن أحسن تصانيف أهل الأندلس: تأليف القاضي الإمام أبي بكر بن العربي، والقاضي الحافظ ابن محمد بن عبد المنعم بن عبد الرحيم المعروف بابن الفرس (١). يتحدث المؤلف عن علم أحكام القرآن حيث قال: (فهي ما ورد فيه من الأوامر والنواهي والمسائل الفقهية) كأنه أراد بذلك علم الفقه، والمفسر لا يحتاج إلى علم الفقه بأصوله وفروعه في علم التفسير؛ لأن المفسر ليس فقيهاً ولا يطلب منه أن يذكر فروع المسائل الفقهية، ولا يُطلب منه استنباطٌ مثل استنباط الفقهاء، بل يُطلب من المفسر أن يفهم المسائل الفقهية المنصوص عليها في القرآن؛ لأن المسائل الفقهية المنصوص عليها في القرآن هي من التفسير. والمقصود أن أحكام القرآن المنصوص عليها في القرآن هي جزء

стр. 104

من علم التفسير بلا ريب؛ لأنه لا يتم فهم المعنى إلا بفهم الحكم الشرعي المنصوص عليه، أما ما عدا ذلك من الاستنباطات أو تفصيل مسائل الفروع في باب من أبواب الفقه فهذا ليس من مهمة المفسر، ولا هو من صلب التفسير، ولا هو مما يحسن إدخاله في كتب التفسير. الكتب التي ذكرها المؤلف مختصة بأحكام القرآن فقط، فهم يأخذون الآيات التي فيها أحكام ويناقشون أقوال الفقهاء فيها، والراجح منها، كلٌّ على مذهبه، والمذكورون كلهم مالكية، و «أبو الحسن كباه» هذا لا أعرفه (١)، أما البقية فهم معروفون، فـ «إسماعيل القاضي» (ت٢٨٢هـ) من علماء المالكية المتقدمين، وطبع جزء صغير جداً من كتابه «أحكام القرآن»، أما «ابن العربي» (ت٥٤٣هـ) فكتابه مشهور وهو مطبوع، أما «ابن الفرس» (ت٥٩٧هـ) فقد طبع كتابه مؤخراً في ثلاث مجلدات.

стр. 105

والمصنفون في كتب الأحكام هم الحنفية والمالكية والشافعية، أما الحنابلة فلا يكاد يوجد لهم كتب في أحكام القرآن. ثم ذكر المؤلف أن آيات الأحكام في خمسمائة آية فقط، وهذا هو المشهور، ومنه ما فعله «مقاتل» في تفسير خمسمائة آية في الأمر والنهي، ولكن لو تُتُبِّع ذلك فقد يوجد أكثر. وهذا القول في عدد آيات الأحكام يحتاج إلى تجلية؛ لأن قائله لم يبيِّن هل مراده الآيات الصريحة أم ماذا؟

стр. 106

العلم الرابع: النسخ قال ﵀: وأما النسخ فهو يتعلق بالأحكام؛ لأنها محل النسخ؛ إذ لا تنسخ الأخبار، ولا بد من معرفة ما وقع في القرآن من الناسخ والمنسوخ والمحكم وهو ما لم ينسخ، وقد صنف الناس في ناسخ القرآن ومنسوخه تصانيف كثيرة، وأحسنها تأليف القاضي أبي بكر بن العربي، وقد ذكرنا في هذه المقدمات باباً في قواعد النسخ، وذكر ما تقرر في القرآن من المنسوخ وذكرنا سائره في مواضعه (١). قوله: (وقد ذكرنا في هذه المقدمات باباً في قواعد النسخ) هذه المقدمات هي في الباب السابع، أما قوله: (في مواضعه) فيقصد مواضعه من الآيات. ثم أشار المؤلف إلى الفائدة التي تدل على أن علم الناسخ والمنسوخ هو جزء من أحكام القرآن، وأحكام القرآن ـ المنصوص عليها ـ جزء من التفسير. قوله: (وأما النسخ فهو يتعلق بالأحكام؛ لأنها محل النسخ إذ لا تنسخ الأخبار). الأحكام هي محل النسخ؛ والأخبار لا تنسخ، وهي قاعدة مطردة

стр. 107

في علم الناسخ والمنسوخ بلا إشكال، لكن إذا رجعنا إلى بعض التفاسير نجد عن ابن عباس ﵁ (ت٦٨هـ) أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤]: هذه منسوخة نسخها قوله: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧]، فابن عباس أدخل على الخبر النسخ، ونحن نعلم أن هذه الجملة خبر وليست بحكم، والمؤلف قال: إن الأخبار لا تنسخ، فإما أن يكون كلام ابن عباس خطأ، وإما أن يكون تقرير العلماء الذي أُجمِع عليه ـ وهو أن الأخبار لا تنسخ ـ خطأ، وإما أن نقول إن هناك اختلافاً في مفهوم النسخ، وهذا هو الصواب؛ إذ إن فيما يدخل تحت مصطلح النسخ اختلاف بين السلف ومن جاء بعدهم، وإذا أخذنا الأمر بهذا التفصيل، فإن العبارتين صحيحتان؛ نظراً لاختلاف الاعتبار في المراد بالنسخ. ومن هنا أقول: يجب على طالب العلم أن يعتني بالمصطلحات، وأن يعرف مصطلح كل قوم، وتطور هذه المصطلحات، واختلافها عند العلماء، وإلا وقع طالب العلم في الخلل؛ كما وقع في ذلك بعض المتأخرين في إنكاره النسخ في عبارة ابن عباس. ويمكن القول بأن النسخ على نوعين: ١ - نسخ كلي: وهذا الذي يدخل في الأحكام، ولا يجري على الأخبار إطلاقاً، وهو مراد المتأخرين. ٢ - نسخ جزئي: وهذا يدخل في الأحكام والأخبار، وهو ما يستخدمه السلف، فهم يستخدمون الكلي والجزئي لكن المتأخرين يستخدمون الكلي فقط، ولما كانوا يستخدمون النسخ الكلي الذي لا يقع إلا في الأحكام قالوا: إن الأخبار لا يقع فيها نسخ، أما السلف فكانوا

стр. 108

يوسعون الدائرة في النسخ الكلي والجزئي، فأي رفع من معنى الآية يعتبرونه نسخاً، ويدخل في ذلك تخصيص العام، وتقييد المطلق، وبيان المجمل والاستثناء، ومن ثَمَّ فإنه ليس هناك خلاف بين كلام ابن عباس وكلام غيره في هذا الباب. وفي الناسخ والمنسوخ تصانيف كثيرة جداً، ومن أنفسها: ١ - ما ذكره المؤلف: كتاب «الناسخ والمنسوخ» لأبي بكر بن العربي (ت٥٤٣هـ). ٢ - قبله: كتاب «الناسخ والمنسوخ» لابي عبيد القاسم بن سلام (ت٢٢٤هـ). ٣ - كتاب «الناسخ والمنسوخ» لمكي بن أبي طالب (ت٤٣٧هـ). ٤ - كتاب «الناسخ والمنسوخ» لابن الجوزي (ت٥٩٧هـ). هذه من أنفس الكتب عند المتقدمين، أما الدراسات المعاصرة ففيها كتب كثيرة، ومن أنفسها: ١ - كتاب «النسخ في القرآن» لمصطفى زيد. ٢ - كتاب الشيخ عبد الله ابن الشيخ محمد الأمين في «الآيات المنسوخة في القرآن».

стр. 109

العلم الخامس: الحديث قال المصنف ﵀: وأما الحديث فيحتاج المفسر إلى روايته وحفظه لوجهين: الأول: أن كثيراً من الآيات في القرآن نزلت في قومٍ مخصوصين، ونزلت بأسباب قضايا وقعت في زمن النبي ﷺ ، من الغزوات والنوازل والسؤالات، ولا بد من معرفة ذلك لِيُعْلَم فيمن نزلت الآية، وفيما نزلت، ومتى نزلت؟ فإن الناسخ يُبْنَى على معرفة تاريخ النزول لأن المتأخر ناسخ للمتقدم، والوجه الآخر: أنه ورد عن النبي ﷺ كثيرٌ من تفسير القرآن، فيجب معرفته لأن قوله ﵇ مقدم على أقوال الناس (١). الشرح هذا العلم الخامس من العلوم التي ذكرها المؤلف، وهو (الحديث)، وقد ذكر قسمين من علم الحديث: القسم الأول: يمكن أن يطلق عليه ما له حكم الرفع؛ لأنه قال: (إن كثيراً من الآيات في القرآن نزلت في قومٍ مخصوصين، ونزلت بأسباب قضايا وقعت في زمن النبي ﷺ إلى آخر كلامه، وهذا إنما يتعلّق بالحوادث التي نزلت في عهده ﷺ وليست من كلامه ﷺ ، فإذا ورد مثلاً أن الصحابي قال: نزلت هذه الآية في فلان، فالأصل أن هذا له حكم الرفع. القسم الثاني الذي ذكره: ما يرد عن النبي ﷺ من تفسير القرآن مباشرةً، وهو التفسير النبوي، أما قول المؤلف: (إنه ورد عن النبي ﷺ

стр. 110

كثيرٌ من تفسير القرآن) فإن كان يقصد التفسير النبوي المباشر، ففيه نظر؛ لأن ما رُوِيَ عن النبي ﷺ لم يكن كثيراً، وذلك مثل قوله ﷺ لما قرأ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] قال: «ألا إن القوة الرمي» (١)، وفي قوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] قال ﷺ : «إن المغضوب عليهم: اليهود، والضالين: النصارى» (٢). وهذه التفسيرات النبوية المباشرة قليلة. وإن كان مراد المؤلف أوسع من هذا المفهوم، وهو أنه قد يرد في السنة ما يشرح القرآن، وما يرد في السنة على مراتب من أعلاها: أن يكون الحديث النبوي مفسراً للآية بحيث لا يكاد يختلف اثنان أن هذا الحديث يفسر هذه الآية، مثل قوله : ﴿وَجِيىءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر: ٢٣] بعض المفسرين يذكر الحديث المذكور عن النبي ﷺ : «أنه يجاء بجهنم لها سبعون ألف زمام، لكل زمام سبعون ألف ملكٍ يجرونها» (٣)، فهذه التفاصيل في مجيء جهنم إنما علمت من جهته ﷺ . فإذا ورد في الحديث ما يكون موافقاً لمعنى الآية، وقام المفسِر بحمل الحديث على الآية، فإن هذا ـ بلا شك ـ من عمل المفسر. وفي بعض الأحيان قد يكون التوافق الشديد بين معنى الآية وبين معنى الحديث واضحاً وضوحاً تاماً، فإذا أدخلنا هذا النوع فلا شك أنه سيكون كثيراً. وقد قال المؤلف في وجوه الترجيح: (الثاني: حديث النبي ﷺ
следующие страницы →