← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 13893

أنواع التصنيف المتعلقة بتفسير القرآن الكريم

مساعد الطيار

Полный текст (166 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

(ت: ٤٠) في النَّاسخِ والمنسوخِ، فقد وردَ عنه أنَّه مرَّ بقاصٍّ يقصُّ في المسجدِ، فقال له: «أعلِمتَ النَّاسخَ والمنسوخَ؟ قال: لا. قال: هلكتَ وأهلكتَ» (١). وقد نبَّه على مفهومِ النَّسخِ عند السَّلفِ جمعٌ من العلماءِ، أنقلُ لك من أقوالِهم قول الشَّاطبيِّ (ت: ٧٩٠): «... الذي يظهرُ من كلامِ المتقدمين أنَّ النَّسخَ عندهم في الإطلاقِ أعمُّ منه في كلامِ الأصوليين، فقد يطلقون على تقييد المطلقِ نسخًا، وعلى تخصيصِ العمومِ بدليلٍ متَّصلٍ أو منفصلٍ نسخًا، وعلى بيانِ المبهمِ والمجملِ نسخًا، كما يطلقون على رفع الحكمِ بدليلٍ متأخِّرٍ نسخًا؛ لأنَّ جميع ذلك مشتركٌ في معنًى واحدٍ، وهو أنَّ النَّسخَ في الاصطلاحِ المتأخِّرِ اقتضى أنَّ الأمرَ المتقدِّمَ غيرُ مرادٍ في التَّكليفِ، وإنما المرادُ ما جيء به آخِرًا، فالأوَّلُ غيرُ معمولٍ به، والثَّاني هو المعمولُ به. وهذا جارٍ في تقييدِ المطلقِ، فإنَّ المُطلَقَ متروكُ الظَّاهرِ مع مُقَيِّدِهِ، فلا إعمالَ له في إطلاقِه، بل المُعمَلُ هو المقيَّدُ، فكأن المطلقَ لم يُفِدْ مع مُقَيِّدِهِ شيئًا، فصارَ مثلَ النَّاسخِ والمنسوخِ. وكذلك العامُّ مع الخاصِّ، إذْ كانَ ظاهرُ العامِّ يقتضي شمولَ الحكمِ لجميعِ ما يتناولهُ اللَّفظُ، فلمَّا جاءَ الخاصُّ، أخرجَ حُكمَ العامِّ عن الاعتبارِ، فأشبه النَّاسخَ والمنسوخَ. إلاَّ أنَّ اللَّفظَ العامَّ لم يُهمَلْ مدلولُه جملةً، وإنما أُهمِلَ منه ما دلَّ عليه الخاصُّ، وبقِيَ السَّائرُ على

стр. 107

الحكمِ الأوَّلِ. والمبيَّنُ مع المبهمِ، كالمُقَيَّدِ مع المُطلَقِ، فلمَّا كانَ كذلكَ استُسْهِلَ إطلاقُ لفظِ النَّسخِ في جملةِ هذه المعاني، لرجوعِها إلى شيءٍ واحدٍ» (١). وإذا تقرَّر هذا، فإنَّه لا يصحُّ الاعتراضُ على ما يردُ عن السَّلفِ من النَّسخِ حتَّى يتبيَّنَ لك الأمرُ. وسأضربُ لك مثالين في مصطلحِ النَّسخِ عند السَّلفِ: * رُويَ عن ابن عباسٍ (ت: ٦٨) أنَّه حَكَمَ على قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] بأنه منسوخٌ بقوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] (٢). والآيةُ المنسوخةُ خبرٌ، وقد تقرَّرَ في قواعدِ النَّسخِ أنَّ الأخبارَ لا تُنسخُ (٣). ولكن إذا حملتَ النَّسخَ على مطلقِ الرَّفعِ، وأنَّه هنا رَفَعَ بعضَ العمومِ الوارد على لفظِ الشُّعراءِ، وبهذا يكونُ الاستثناءُ الواردُ بعد هذا العمومِ قد خصَّصَ من الشُّعراءِ من آمنَ باللهِ = صحَّ لك ما وردَ من

стр. 108

الحُكمِ بالنَّسخِ، وأنه لا يرادُ به النَّسخُ على الاصطلاحِ المتأخِّرِ الذي استقرَّ عليه علماءُ أصولِ الفقه وغيرهم، واللهُ أعلمُ. * أسند النَّحاسُ (ت: ٣٣٨)، عن وهب بن منبِّه (ت: ١١٤) أنَّ قوله تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلاَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ أَلاَ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الشورى: ٥]، منسوخٌ بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر: ٧] (١). وقد اعترض على هذا جماعةٌ، منهم ابن الجوزيِّ (ت: ٥٩٧). قال: «وهذا قبيحٌ؛ لأنَّ الآيتين خبرٌ، والخبرُ لا يُنسخُ ...» (٢). وهذا الاعتراضُ يصحُّ لو كان مقصودُ القائلِ النَّسخَ الاصطلاحيَّ المتأخِّرَ، ولكن لو حُمِلَ على مُصطلحِ السَّلفِ، وجُعلَ هذا من بيان المجملِ، لكانَ المذهبَ، دون أن يُعترضَ على العلماءِ ما كان لقولِهم وجهٌ مقبولٌ واللهُ أعلمُ. وعلى هذا قِسْ كثيرًا مما وردَ من لفظِ النَّسخِ عن السَّلفِ، تسلمُ من الاشتباهِ في تفسيرِهم، أو الاعتراضِ عليهم بما لهم فيه مصطلحٌ ما استقرَّ عليه المتأخِّرون. ومن هنا يحسنُ التَّنبُّه على أنَّه لا يصحُّ أن تُحملَ ألفاظُ السَّلفِ

стр. 109

على الألفاظِ الاصطلاحيَّةِ التي ضُبِطَتْ بها العلوم بعد عهدهم. ومن الأمثلةِ على ذلك، ما ورد في تفسيرِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]، قال عكرمةُ (ت: ١٠٥)، والحسنُ البصريُّ (ت: ١١٠)، وابن جريج (ت: ١٥٠): ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾، ثمَّ استثنى، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١]؛ يعني: عيسى والملائكة وعُزَير وكلُّ من عُبِدَ من الصالحينَ، وهو غيرُ راضٍ (١). قال مكيُّ بن أبي طالب (ت: ٤٣٧): «وقد سمَّى جماعةٌ من المتقدمين هذا استثناءً، وليس كذلك؛ لأنَّ الاستثناءَ إنَّما يأتي بحرفِ الاستثناءِ، ولا حرفَ في هذا، فإنما هو تخصيصٌ وبيانٌ» (٢). وهذا الاستدراكُ من مكيٍّ (ت: ٤٣٧) غيرُ صحيحٍ؛ لأنَّه لا يرادُ بالاستثناءِ في هذا المثالِ الاستثناءُ في مصطلحِ النَّحويين، بل مرادهم: استثنى؛ أي: أخرجَ، والمرادُ أنَّهم خارجونَ عن حكمِ الآيةِ الأولى بهذه الآيةِ، وهو التَّخصيصُ والبيانُ الذي ذكرَه أبو محمد مكيُّ بن أبي طالبٍ (ت: ٤٣٧) (٣).

стр. 110

استدراكٌ في أمثلةِ النَّسخ عند السَّلفِ: قد لا تسلمُ بعضُ الأمثلةِ من أن تكونَ مشكلةً في مرادِ السَّلفِ بالنَّسخِ، وذلك إذا كان الأمرُ يتعلَّقُ بحكمٍ شرعيٍّ، وكان محتملاً للنَّسخِ الاصطلاحيِّ المتأخِّرِ، ومحتملاً لأن يكونَ بمعنى تخصيصِ العمومِ مثلاً. فيكونُ الخلافُ في الحكم على الآيةِ دائرًا بين النَّسخِ، والقول بالعمومِ المُخصَّصِ، وإليك هذا المثال الذي يبيِّنُ المقالَ: قوله: ﴿وَلاَ تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ١٢١]. في هذه الآية خلافٌ طويلٌ، والمرادُ هنا ما أشيرَ إلى حكمِ النَّسخِ فيها، فقد قيل بأنها منسوخةٌ بآيةِ المائدةِ، وهي قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [المائدة: ٥]. ويكونُ المرادُ بالمشركاتِ: عابداتِ الأوثان من العربِ وغيرِهم، واليهوديَّاتِ، والنَّصرانيَّاتِ، وتكونُ هذه الآيةُ ناسخةً للمنعِ من زواجِ نساءِ أهلِ الكتابِ إذا كُنَّ عفائفَ محصناتٍ، وأُعطينَ أجورهنَّ. أما عابداتُ الوثنِ من الكافرات، فقد وردَ النَّهيُ عن زواجِهنَّ في غيرِ هذه الآيةِ، ولذا يبقينَ على التَّحريمِ. وقيلَ بأنَّ آيةَ سورةِ المائدةِ مخصِّصةٌ لآيةِ سورةِ البقرةِ؛ أي أنَّ اللهَ

стр. 111

خصَّ من المشركاتِ نساءَ أهل الكتابِ، على أنَّ وصفَ المشركاتِ يشملهنَّ ويشملُ الوثنيَّاتِ. وفي هذا المثالِ، قد يجوزُ أن يكونَ من قال بالنَّسخِ، أرادَ العمومَ، كما قد يجوزُ أن يكونَ مرادُه النَّسخَ الاصطلاحيَّ، واللهُ أعلمُ. وفي الآية تقريرٌ آخر، لكنَّ المرادَ هنا مطلقُ المثال الذي يُصوِّر المسألة، والله الموفِّقُ. ومن الملاحظِ في كتبِ النَّسخِ، كثرةُ حكايتهم لآياتِ النَّاسخِ والمنسوخِ، وهي في كثيرٍ منها ليست كذلك، ولعلَّ أكثرَ آيةٍ ادُّعيَ أنها ناسخةٌ آيةُ السَّيفِ، فقد حُكِيَ أنها ناسخة لأكثرَ من ستينَ آية (١).

стр. 112

عاشرًا: كتبُ المناسبات كتب العلماءُ في علمِ المناسباتِ، وكانت كتابتُهم ـ غالبًا ـ في المناسباتِ بين السُّورِ والمناسبات بين الآيات. والمرادُ بهذا العلمِ: بيان وجهِ ارتباطِ اللفظةِ أو الآية أو السورةِ، أو غيرِها مما يحكيه العلماء من أنواع المناسباتِ. وأول من ذُكِرَ عنه الاعتناءُ بهذا العلمِ أبو بكر عبد اللهِ بن محمد بن زياد النيسابوريُّ (ت: ٣٢٤) من علماءِ بغداد (١). وكان لابن العربيِّ المالكيِّ (ت: ٥٤٣) اعتناءٌ به، وقد قال في ذلك: «ارتباطُ آي القرآنِ بعضِها ببعضٍ، حتى تكونَ كالكلمة الواحدة، متَّسقة المعاني، منتظمة المباني = علمٌ عظيمٌ، لم يتعرَّض له إلاَّ عالمٌ واحدٌ، عَمِلَ فيه سورةَ البقرةِ، ثُمَّ فتحَ الله لنا فيه، فلمَّا لم نجد له حَمَلَةً، ورأينا الخلقَ بأوصافِ البَطَلَةِ، ختمنا عليه، وجعلناه بيننا وبين الله،

стр. 113

ورددناه إليه» (١). ومن الكتبِ المؤلَّفةِ في ذلك: ١ - رِيُّ الظَّمآنِ في تفسيرِ القرآنِ، لأبي عبد الله محمد بن عبد الله المُرسيِّ السُّلميِّ (ت: ٦٥٥)، قال معاصرُه ياقوت الحمويُّ (ت: ٦٢٦) عن تفسيره: «كبيرٌ جدًّا، قصد فيه ارتباط الآيِ بعضها ببعضٍ» (٢). ٢ - البرهانُ في تناسبِ سورِ القرآنِ، لأبي جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزُّبيرِ الغرناطيِّ (ت: ٧٠٨) (٣). ٣ - نظم الدُّررِ في تناسبِ الآياتِ والسُّورِ، لبرهان الدين أبي الحسن إبراهيم بن عمر البِقاعيِّ (ت: ٨٨٥) (٤). ٤ - تناسق الدُّررِ في تناسبِ السُّورِ، لجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطيِّ (ت: ٩١١) (٥). ٥ - جواهر البيان في تناسب سور القرآن، لأبي الفضلِ عبد الله الصِّدِّيق الغماريِّ. ٦ - الإعجازُ البيانيُّ في ترتيبِ آياتِ القرآنِ الكريمِ وسورِه، للدكتور أحمد يوسف القاسم، وهو دراسة متميِّزَة في علمِ المناسبات.

стр. 114

وممن كان له عناية به: الفخرُ الرَّازيًّ (ت: ٦٠٦) في كابه التفسير الكبير، وأبو حيَّان (ت: ٧٤٥) في البحرِ المحيطِ، وغيرهم (١). وهذا العلمُ لطيفُ المأخذِ، وهو يعتمدُ على أنَّ بين آي القرآنِ وسورِه ترابطًا، وإن كان مختلفَ الأوقاتِ في النُّزولِ؛ لأنَّ ترتيبَه من لدنِ اللهِ الحكيمِ. وهذا المبدأُ صحيحٌ لا مأخذ عليه، وإن كانَ لا يلزمُ منه أن يتوصَّلَ المفسِّرُ الذي يسلكُ البحث عن مناسبات آيات القرآنِ وسورِه = إلى جميعِ المناسباتِ، لذا لا يخلو مَن كتبَ في علمِ المناسباتِ مِن التَّكلُّفِ. أنواع المناسبات: مناسبة اسم السُّورة لموضوعاتِها، ومناسبة اللَّفظة للآية التي وردت فيها، ومناسبة خاتمة الآية لموضوعها، ومناسبة مبدأ الآية لخاتمتها، ومناسبة الآية للآية التي تليها، ومناسبة السُّورة للسورةِ التي تليها، ومناسبة خاتمة السُّورة لفاتحة التي تليها، ومناسبة موضوعات السُّورة لموضوعات التي تليها، وغيرها من أنواع المناسبات. وقد يوجدُ أكثرُ من مناسبةٍ بين الموضعين الذين تُحكى بينهما المناسبة، كما قد يكونُ سبب المناسبةِ التَّضادَّ بين الشيئين؛ كذكرِ الجنَّةِ بعد النَّارِ، وذكر خبرِ المؤمنين بعد الكفَّارِ، أو وجود التَّلازمِ بينهما كتلازمِ الحمد والتسبيح، أو غير ذلك من المناسبات التي تظهر للمتأمِّلِ فيها.

стр. 115

وسأذكر لك بعض أمثلةٍ من المناسبات: * مناسبةُ سورةِ الرَّحمن لسورة القَمَر، فقد وردَ في آخرِ سورةِ القَمَرِ قوله تعالى: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥]، وابتدأت سورةُ الرَّحمن بقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَانُ﴾ [الرحمن: ١]، وواضحٌ ما بينهما من المناسبةِ، فالمليكُ المقتدرُ هو الرحمنُ (١). * وفي مناسبة تسمية البقرة بهذا الاسم سِرٌّ لطيفٌ (٢)، إذ قد يقول قائلٌ: إنَّ في قصَّةِ البقرةِ إحياءَ ميِّتٍ، فسُمِّيتْ السورةُ بما يُشيرُ إلى ذلك الحدثِ الغريبِ. والجوابُ: أنها لم تكن هي الأميزَ في موضوعِ إحياءِ الموتى، فقد وردَ في هذه السُّورةِ أكثرُ من قصةٍ فيها إحياءُ الموتى، وهي: إحياءُ بني إسرائيلَ بعد الصَّعقةِ، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ *ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٥، ٥٦].

стр. 116

وقصَّةُ الذين خرجوا من ديارهم، وهم ألوف، خرجوا حذر الموتِ، فأماتهم الله، ثُمَّ أحياهم. وقصَّة الذي مرَّ على قرية وهي خاوية على عروشها، فأماته الله مائة عامٍ ثُمَّ بعثه. وقصَّة إحياء الطيور الميِّتةِ لإبراهيم ﵇. إذًا، فليست هي القصةَ الوحيدةَ في هذا الشأنِ العجيبِ، وهو إحياءُ الموتى. والذي يُمكنُ أن يُقال في مناسبةِ تسميتها بهذا الاسم ـ واللهُ أعلمُ ـ: أنَّ هذه السُّورةَ من أوائلِ السُّورِ المدنيَّةِ، والعهد المدنيُّ كان فيه إقرار كثيرٍ من الأحكامِ الشرعيَّة، وكان الأمرُ في أحكامِ اللهِ أن تُنفَّذَ، ولا يُتأخَّرَ فيها أو يُعترضَ عليها، فأخبرَ اللهُ بقصَّةِ البقرةِ التي فيها التَّنبيه والإعلامُ بشأنِ من تلكَّأ في الاستجابةِ لأحكامِ الله، فإنَّ بني إسرائيلَ لمَّا شدَّدُوا وتعنَّتوا في تنفيذِ أمرِ اللهِ، شدَّدّ اللهُ عليهم، إذ لو ذبحوا في أولِ أمرِ اللهِ لهم أيَّ بقرةٍ، لأجزأهم ذلك، ولكانوا بذلك مستجيبين لأمرِ اللهِ، وفي هذه القصَّةِ عِظةٌ، أيُّما عِظةٍ للصَّحابةِ ﵃، كي لا يتردَّدُوا في تنفيذِ أحكامِ اللهِ، فيشدِّدَ اللهُ عليهم، كما شدَّد على بني إسرائيلَ في شأنِ البقرةِ. وحياتُهم ﵃ مع نبيِّهم ﷺ تدلُّ على أنهم وَعَوا هذا الدَّرسَ وتلقَّنوه جيِّدًا، فلم يكونوا يتأخَّرون عن تنفيذِ أوامرِ الشَّرعِ، واللهُ أعلمُ. * ومن مناسبة اختيار الألفاظِ، ما ورد في قوله تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]، فإنَّ اللهَ حجَبَهم عن كرامتِه التي أكرمَ الله بها المؤمنين من رؤيته. وهذا يناسبُ ما حجبوا به أنفسهم من الرَّانِ الذي غطَّى على قلوبِهم، وذلك قوله تعالى: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا

стр. 117

كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]، فالجزاءُ من جنسِ العملِ، واللهُ أعلمُ. ولو تتبَّعتَ مناسباتِ الألفاظِ، وحسنَ اختيارِها في مواقِعها، لوجدت شيئًا كثيرًا، وعِلمًا غزيرًا. فتدبَّرْ ـ مثلاً ـ في سورةِ مريمَ تكرار اسم اللهِ الدَّالِّ على الرحمةِ: «الرحمن»، فقد وردَ في أحد عشر موضِعًا، ومجملُ وروده في القرآن في سبعة وخمسين موضعًا. وورودُه في بعض المواطنِ مثيرٌ للسُّؤالِ؛ لأنه يتبادرُ إلى الذِّهنِ أنَّ غيرَه من الأسماءِ الحسنى أليقُ بهذا الموطنِ، لكن عندَ تأمُّلِ مناسبةِ ورودِه، ومعرفةِ ارتباطِ موضوعِ الآيةِ به، تُبْعِدُ باديَ الرأي الذي طَرَأَ لكَ، وتقتنعُ بأنه جاء في مكانه الأنسبِ له، وتقولُ: تباركَ من تكلَّمَ بهذا الكلام. ففي قول إبراهيمَ لأبيه آزرَ: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَانِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٥]، قد يبدو لك أنَّ التَّهديدَ بالعذابِ لا يتناسبُ معه ذكر الاسم الدَّالِ على الرَّحمةِ، بل يناسبه من الأسماءِ ما دلَّ على القوَّةِ والانتقام؛ كالقهَّارِ والقويِّ والعزيزِ. ولكنَّك عند التأمُّل يظهرُ لكَ أنَّ المقامَ مقامُ دعوةٍ وتلطُّفٍ، فناسبَ في مقامِ ذكرِ الوعيدِ أن يورِدَ الاسمَ الدَّالَّ على الرَّحمةِ، ترغيبًا لأبيه وتلطُّفًا معه. كما يمكنُ أن يكونَ ذكرُ اسم الرَّحمنِ هنا من أشدِّ أنواعِ التَّهديدِ، نظرًا لأنَّ الرَّحمنَ لا يُعذِّبُ إلاَّ من بلغَ حدًّا جعلَه يخرجُ عن رحمتِه، من بابِ قولِهم: اتقِ غضبةَ الحليمِ إذا غضبَ، فغضبه يدلُّ على أنَّ ما اقتُرِفَ في حقِّه خرجَ عن حدِّ التَّحلُّمِ، وأنَّ صاحبَه يستحقُّ العقوبةَ، واللهُ أعلمُ.

стр. 118

حادي عشر: كتبُ أسبابِ النُّزولِ نزل القرآنُ على محمَّدٍ ﷺ مُنجَّمًا، وكان منه يَنْزِلُ عليه ابتداءً، ومنه ما يَنْزِلُ بسببٍ: حادثةٍ تقعُ؛ كحادثةِ الظِّهارِ، أو سؤالٍ يوجَّهُ إلى النَّبيِّ ﷺ . وبهذا يخرجُ ما نزلَ من القرآنِ بشأنِ قِصَصٍ ماضيةٍ، فإنها لا تُعدُّ من أسبابِ النُّزول. أمَّا إن كانَ السَّببُ في قصةٍ وقعتْ، أو في حالٍ من أحوالِ من نزلَ فيه القرآنُ من العربِ وأهلِ الكتابِ = فإنَّه يُعدُّ سببًا للنُّزولِ، وعلى هذا كثيرٌ من أسبابِ النُّزولِ المحكيَّةِ. وقد كتبَ العلماءُ في أسبابِ النُّزولِ، ومن كتبِهم في هذا العلمِ: ١ - أسبابُ النُّزولِ، لعليِّ بن المَدِينيِّ (ت: ٣٣٤). ٢ - أسباب النُّزولِ، لأبي الحسن علي بن أحمد الواحديِّ (ت: ٤٦٨). ٣ - العُجابُ في بيانِ الأسبابِ، لأبي الفضل أحمد بن حجر العسقلانيِّ (ت: ٨٥٢).

стр. 119

٤ - لبابُ النُّقولِ في أسبابِ النُّزولِ، لجلالِ الدِّينِ عبد الرحمن بن أبي بكر السُّيوطيِّ (ت: ٩١١). ٥ - الصَّحيحُ المسندُ من أسبابِ النُّزولِ، لمقبل بن هادي الوادعيِّ. وهناك غيرها في هذا العلمِ (١). صِيغُ أسباب النُّزول: تعتبرُ صِيَغُ النُّزولِ من المباحثِ المشكلةِ في علم التَّفسيرِ؛ لأنَّ تحديدَ الصِّيَغِ التي يُرادُ بها سبب النُّزولِ المباشرِ غيرُ واضحةٍ في كلِّ سببٍ يُذكرُ، وليس لهم في ذلك عبارةٌ متَّحدةٌ. ومن العباراتِ: فأنزل الله، فَنَزَلت، نزلت هذه الآية في كذا، نزلت في فلان. وصيغةُ: «فأنزل الله»، وصيغةُ: «فَنَزَلت»، غالبًا ما تكونُ في السَّببِ المباشرِ لنُزولِ الآيةِ. وصيغةُ: «نزلت هذه الآية في كذا»، وصيغة: «نزلت في فلان»، غالبًا ما تكونُ من بابِ التَّفسيرِ الاجتهاديِّ، وليست من بيانِ السَّببِ الذي من أجلِه نزلت الآيةُ. وقد تأمَّلتُ كثيرًا مما وردَ بهاتين الصِّيغتين، فظهرَ لي أنها ـ إن لم تكن تحكي سَبَبًا مباشرًا ـ لا تخلو من ثلاثةَ أحوالٍ: الأول: أن تدلَّ على تضمُّنِ الآية للحكمِ الذي حُكِيَ في النُّزولِ.

стр. 120

ومثاله، ما رواه الواحديُّ (ت: ٤٦٨) عن عبد الله بن عمر (ت: ٧٣)، قال: «أُنزلت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] أن تصليَ حيثما اتجهت بك راحلتك، في التَّطوُّعِ» (١). الثَّاني: أن تدلَّ هذه العبارةُ على أنَّ المفسِّرَ فسَّرَ بالقياسِ. ومثاله ما رُوي عن سعد بن أبي وقَّاصٍ (ت: ٥٥) في قول اللهِ تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ [البقرة: ٢٧]، قال: «نزلت في الحَرُورِيَّةِ»؛ يعني: الخوارج، وفي روايةٍ: هم الحروريَّةُ (٢). الثالث: أن تكونَ على سبيلِ حكايةِ مثالٍ لمن تشملُه الآيةُ. ومن أمثلتِه، ما رواه ابن مردويه (ت: ٤١٠) عن سعد بن أبي وقَّاصٍ (ت: ٥٥)، في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة: ٣٣]، قال: «نزلت في الحروريَّةِ» (٣). والآيةُ عامَّةٌ في كلِّ من حاربَ الله ورسولَه، والخوارجُ الحروريَّةُ مثالٌ لهم، فهم داخلونَ في حكمِ الآيةِ، واللهُ أعلمُ. ويكثرُ في هذا القِسْمِ أن يُحكى نزولُ الآيةِ في شخصٍ معيَّنٍ، والمرادُ من ذِكْرِه التَّمثيلُ به لمعنى ما تحمله الآيةُ؛ لذا قد يُحكى نزولُ الآيةِ في أكثرَ مِن شخصٍ، وإنما هم أمثلةٌ لمن تحتملُه الآيةُ، ومن ذلكَ قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣]، فقد وردَ أنها نزلتْ في العاصِ بن وائل، وقيل: في عقبة بن أبي معيطٍ، وقيل: في أبي

стр. 121

لهبٍ، وقيل: في أبي جهلٍ (١)، وهؤلاءِ المذكورونَ أمثلةٌ لمن أبغضَ رسولَ اللهِ ﷺ ، فهم كلهم يشملُهم هذا الوصفُ، كما قال ابن كثيرٍ (ت: ٧٧٤): «وهذا يَعُمُّ جميعَ من اتَّصَفَ بذلك ممن ذُكرَ وغيرِهم» (٢). ومن ثَمَّ، فإنَّ أسبابَ النُّزولِ في أغلبِ أحوالِها أمثلةٌ لما تتضمّنُه الآيةُ من معنى أو حكمٍ؛ لذا قد يصحُّ أكثرُ من سببٍ في آيةٍ، وليس بينها تعارضٌ إذا حُمِلَتْ على التَّمثيلِ، ومن ذلك: روى البخاريُّ (ت: ٢٥٦) سببينِ في نزولِ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بَعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ٧٧]. الأول: عن أبي وائل شفيق بن سلمة (ت: ٨٢)، عن عبد الله بن مسعودٍ (ت: ٣٢) قال: «قال رسول الله ﷺ : «من حلف يمين صبر ليقتطعَ بها مالَ امرئ مسلمٍ، لقيَ الله وهو عليه غضبانُ»، فأنزلَ اللهُ تصديقَ ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بَعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: فدخل الأشعثُ بنُ قيسٍ، وقال: ما يُحدِّثُ أبو عبد الرحمن؟ قلنا: كذا وكذا. قال: فِيَّ أُنزِلت. كانت لي بئرٌ في أرضِ ابن عمٍّ لي، فقال النَّبيُّ ﷺ : «بَيِّنَتُكَ أو يمينه». فقلتُ: إذًا يَحْلِفُ يا رسول الله.

стр. 122

فقال النَّبيُّ ﷺ : «من حلفَ على يمينِ صبرٍ يقتطعُ بها مالَ امرئٍ مسلمٍ، وهو فاجرٌ، لقيَ الله وهو عليه غضبان». الثاني: عن عبد الله بن أبي أوفَى (ت: ٨٨): «أنَّ رجلاً أقامَ سِلعةً في السُّوقِ، فحلفَ فيها: لقد أُعطِيَ بها ما لم يُعطَهُ، ليوقِعَ فيها رجلاً من المسلمين، فنَزَلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بَعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ [آل عمران: ٧٧]» (١). وهذان السَّببان لا منافاة بينهما، ويُحملُ الأمرُ على أنَّ النُّزولَ كان بالسَّببينِ جميعًا، ولفظُ الآية أعمُّ من ذلك (٢). ومن أجل ذلك، ظهرتْ قاعدةُ: العبرة بعمومِ اللَّفظِ، لا بخصوص السَّببِ. وهذا يعني أنَّه لا يوجدُ إشكال في تكاثُرِ النُّصوصِ في سبب النُّزولِ، واللهُ أعلمُ. ملاحظة: يكثرُ تعيينُ من يُرادُ بالآيةِ، دون ذكرِ لفظِ النُّزولِ، وهذا يأتي في بابِ القياسِ، وبابِ التَّمثيلِ، ومن أمثلةِ ذلكَ: ما ورد في تفسيرِ قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمُ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف: ٥] عن أبي أمامة الباهليِّ: صُدّيِّ بن عجرن (ت: ٨٦)، قال: «هم الخوارج» (٣).

стр. 123

وإذا نظرتَ إلى سياقِ الآيةِ، وجدتَ أنه في الحديثِ عن بني إسرائيل، كما أنَّ الخوارجَ لم يكونوا عند نزولِ هذه الآياتِ، وإنما أرادَ المفسِّرُ أنْ يُنبِّه على دخولِ الخوارجِ في حكم هذه الآيةِ، وأنهم مثالٌ لقومٍ مالوا عن الحقِّ، فأمالَ اللهُ قلوبهم جزاءً وفاقًا لميلِهم، على سبيلِ القياسِ بأمرِ بني إسرائيلَ. طريق معرفة سبب النُّزول: سببُ النُّزولِ له حُكمُ الرَّفعِ؛ لأنَّه حكايةُ أمرٍ حدثَ في عهدِ النَّبيِّ ﷺ ، وهذا يعني أنَّه لا يُقبلُ إلاَّ ممن شَهِدَ الحدثَ (١)، أو كان من الصَّحابةِ الذين يروونَه، وإن لم يُشاهدوه (٢). وهذا يعني أنَّ ورودَ أسبابِ النُّزولِ الصَّريحةِ عن الصَّحابةِ الكرامِ له حكمُ الرَّفعِ، وإلى هذا أشارَ جماعةٌ من العلماءِ؛ منهم الحاكمُ (ت: ٤٠٥)، فقد ذكر ذلك في مواطنَ من كتابه: المستدركِ على الصَّحيحين، وذكره كذلك في كتاب معرفة علوم الحديث، فقال: «... فأمَّا الموقوفُ على الصَّحابةِ، فإنَّه قلَّ ما يخفى على أهل العلم ... ومن الموقوف الذي يُستدلُّ به على أحاديث كثيرة: ما حدَّثناه أحمد بن كاملٍ القاضي، ثنا يزيد بن الهيثم، ثنا محمد بن جعفر الفيدي، ثنا ابن فضيل، عن أبي سنان، عن عبد الله بن أبي الهذيل، عن أبي هريرة ﵁ في قول الله : ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٩]، قال:

стр. 124

تلقاهم جهنَّمُ يوم القيامة، فتلفحُهم لفحةً، فلا تترك لحمًا على عظمٍ إلاَّ وضعت على العراقيب. قال: وأشباه هذا من الموقوفات تُعَدُّ في تفسيرِ الصَّحابةِ. فأمَّا ما نقول في تفسير الصَّحابيِّ: مسندٌ، فإنَّما نقولُه في غيرِ هذا النَّوعِ (١)، فإنَّه كما أخبرناه أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصَّفَّار، حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، حدثني مالك بن أنس، عن محمد بن المنكدر، عن جابرٍ قال: كانت اليهود تقول: من أتى امرأته من دبرها في قُبُلِها، جاء الولدُ أحول، فأنزل الله : ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]. قال الحاكم: هذا الحديث وأشباهه مسندةٌ عن آخرها، وليست بموقوفة، فإنَّ الصَّحابيَّ الذي شَهِدَ الوحي والتَّنْزيلَ، فأخبر عن آيةٍ من القرآنِ: إنها نزلت في كذا وكذا، فإنَّه حديثٌ مسندٌ» (٢). أمَّا إذا وردت حكايةُ السَّببِ الصَّريحِ عن التابعينَ أو أتباعِهم، فإنه لا يخلو الحالُ من أمرين: الأول: أن ينفردَ الواحدُ منهم بذكرِه، وفي هذه الحالِ لا يُقبلُ

стр. 125

السَّببُ صريحًا؛ لأنَّ فيه انقطاعًا ظاهرًا، وإن احتُملَ تفسيرًا. الثاني: أن يَرويَ السَّببَ اثنان أو أكثر، وفي هذه الحالِ يُجعلُ أصلُ ما حكوه سببًا، وإن اختلفوا في تفاصيلِه، خصوصًا إذا تكاثرت روايتُهم، وورد عن جمع منهم من غيرِ تواطؤٍ أو روايةٍ لأحدهم عن الآخرِ. وهذه القاعدةُ تفيدُ كثيرًا في الأسبابِ التي يرويها مَنْ دونَ الصَّحابةِ الكرامِ، وقد ذكرها شيخ الإسلام ابن تيميَّةَ (ت: ٧٢٨)، فقال: «والمراسيلُ إذا تعدَّدتْ طُرقُها، وخلتْ عن المواطأةِ قصدًا، أو الاتفاقِ بغيرِ قصدٍ، كانتْ صحيحةً. فإنَّ النقلَ إمَّا أن يكونَ صِدقًا مطابقًا للخبرِ، وإما أن يكون كذبًا تعمَّدَ صاحبه الكذب، أو أخطأ فيه، فمتى سَلِم من الكذبِ العمد والخطأ = كان صدقًا بلا ريب. فإذا كان الحديثُ جاء على جهتينِ أو جهاتٍ، وقد عُلِمَ أنَّ المخبرين لم يتواطئوا على اختلاقه، وعُلِمَ أنَّ مثلَ ذلكَ لا تقع الموافقة فيه اتفاقًا بلا قصد، عُلمَ أنَّه صحيحٌ، مثلُ شخصٍ يحدِّثُ عن واقعةٍ جرتْ، ويذكرُ تفاصيلَ ما فيها من الأقوالِ والأفعالِ، ويأتي شخصٌ آخرُ قد عُلِمَ أنَّه لم يواطئ الأولَ، فيذكرُ مثلَ ما ذكرَه الأولُ من تفاصيلِ الأقوالِ والأفعالِ، فيعلم قطعًا أنَّ تلك الواقعةَ حقٌّ في الجملةِ. فإنه لو كان كلٌّ منهما كَذَبَها عمدًا أو خطأً، لم يتَّفقْ في العادةِ أن يأتي كلٌّ منهما بتلك التفاصيلِ التي تمنعُ العادةُ اتفاقَ الاثنينِ عليها بلا مواطأةٍ من أحدهما لصاحبِه، فإنَّ الرَّجلَ قد يتَّفقُ أن ينظِمَ بيتًا، وينظمَ الآخرُ مثله، أو يكذب كذبة، ويكذب الآخر مثلها، أما إذا أنشأ قصيدة طويلةً ذات فنون على قافيةٍ ورويٍّ، فلم تَجْرِ العادةُ بأنَّ غيرَه يُنشِئُ مثلها

стр. 126

لفظًا ومعنًى، مع الطولِ المُفرطِ، بل يُعلمُ بالعادةِ أنَّه أخذها منه. وكذلك إذا حدَّثَ حديثًا طويلاً فيه فنونٌ، وحدَّثَ آخرُ بمثلِه، فإنه يكونُ واطأه عليه، وأخذه منه، أو يكونُ الحديثُ صِدقًا. وبهذه الطَّريقِ يُعلمُ صدقُ عامَّةِ ما تعدَّدتْ جهاتُه المختلفةُ على هذا الوجهِ من المنقولاتِ، وإن لم يكنْ أحدها كافيًا؛ إمَّا لإرساله، وإمَّا لضعفِ ناقِلِه. لكن مثل هذا لا ينضبطُ به الألفاظُ والدقائقُ التي لا تُعلمُ بهذه الطَّريق، بل يحتاجُ ذلك إلى طريقٍ يَثْبُتُ بها مثلُ تلكَ الألفاظِ والدَّقائقِ، ولهذا ثبتت غزوةُ بدرٍ بالتَّواتر، وأنها قبل أُحُدٍ، بل يُعلمُ قطعًا أنَّ حمزةَ وعليًّا وعُبيدةَ برزوا إلى عتبةَ وشيبةَ والوليدِ، وأنَّ عليًّا قتلَ الوليدَ، وأنَّ حمزةَ قتل قِرْنَهُ، ثمَّ يُشَكُّ في قِرْنِه هل هو عتبةُ أو شيبةُ؟ وهذا الأصل ينبغي أن يُعرفَ فإنَّه أصلٌ نافعٌ في الجزمِ بكثيرٍ من المنقولاتِ في الحديثِ والتَّفسيرِ والمغازي، وما يُنقلُ من أقوالِ النَّاسِ وأفعالِهم، وغيرِ ذلك» (١). الحاجة إلى معرفة سبب النُّزولِ: الأصل الأصيلُ الذي يجبُ أنْ يُعلمَ أنَّ سببَ النُّزول الصَّريحَ يعينُ على فهم معنى الآيةِ، ويُبعدُ المحتملاتِ الواردةِ عليها، فهو مرجِّحٌ أكيدٌ عند ورودِ الاحتمالِ، والجهلُ به مدعاةٌ للوقوعِ في الخطأ في التَّفسيرِ (٢).

стр. 127

ومن الأمثلةِ في ذلكَ: فسَّرَ أبو عبيدةَ (ت: ٢١٠) قول الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَاتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَاتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩]، فقال: «أي اطلبوا البِرَّ من أهلِه ووجهِه، ولا تطلبوه عندَ الجهلةِ المشركينَ» (١). وفسَّرَه بعضهم على «أنَّ البيوتَ كنايةٌ عنِ النِّسَاءِ، ويكونُ المعنى: وأتوا النِّسَاءَ منْ حيثُ أمرَكم اللهُ، والعربُ تُسَمِّي المرأةَ بيتًا، قالَ الشاعرُ (٢): مَا لي إذَا أنْزِعُهَا صَأَيْتُ ... أكِبَرٌ غَيَّرَنِي أمْ بَيتُ أراد بالبيتِ المرأةَ» (٣). وكلا هذينِ القولينِ يَظْهَرُ منهما عدمُ العملِ بسببِ النُّزولِ الواردِ في الآيةِ الذي يدلُّ على أنَّ المرادَ بالبيوتِ البيوتُ المسكونةُ، ولو لم يكنِ السَّبَبُ واردًا لاحتملَ ما قالوا. وقد ورد عن السَّلفِ أقوالٌ في سببِ نزولِها (٤)، وهي لا تخرجُ

стр. 128

بالبيوتِ عن المعنى الظَّاهرِ المعروفِ؛ أي: البيوت المسكونة، والذي عليه جمهورهم أنَّ الأنصارَ كانوا إذا أحرموا في الجاهلية لم يدخلوا البيت من بابه، وإنما يدخلونه من ظهرِه، فأنزل الله هذه الآيةَ لهذا السَّببِ، فأبطل هذه العادةَ الجاهليَّةَ.

стр. 129

ثاني عشر: كتبُ توجيهِ القراءاتِ كتب القراءات على نوعينِ: النوع الأول: يذكر القراءات وينسبها إلى من قرأ بها، دون ذكر توجيهها. النوع الثاني: يذكر القراءات وينسبها، ويذكر توجيهها. وقد كتبَ العلماءُ في توجيه القراءاتِ كتبًا مستقلَّةً، واعتنوا بتوجيه متواترِها وشاذِّها، ومن كتبِهم في ذلك: ١ - القراءات وعلل النَّحويِّين فيها، لأبي منصور محمد بن أحمد الأزهريِّ (ت: ٣٧٠) (١). ٢ - إعراب القراءات السبع وعللها، لأبي عبد الله الحسين بن

стр. 130

أحمد بن خالويه (ت: ٣٧٠) (١). ٣ - الحجَّة للقراء السَّبعةِ، لأبي علي الحسن بن عبد الغفار الفارسيِّ (ت: ٣٧٧) (٢). ٤ - المحتسب في تبيين شواذِّ القراءات والإيضاح عنها، لأبي عثمان بن جنِّي (ت: ٣٩٢) (٣). ٥ - الكشف عن وجوه القراءات السَّبع وعللها وحججها، لأبي محمد مكي بن أبي طالب القيسي (ت: ٤٣٧) (٤). ٦ - حجَّةُ القراءات، لأبي زرعة عبد الرحمن بن محمد بن زنجلة (ت: بعد ٤٠٠) (٥). وهناك غير هذه الكتب في هذا المجالِ. وعلم توجيه القراءات يشملُ عدَّة موضوعاتٍ، منها: توجيه الإعرابِ، وتوجيه التَّصريفِ، وتوجيه الأداءِ، وتوجيهُ اختلافِ معاني الألفاظِ.

стр. 131

والذي يخصُّ علمَ التَّفسيرِ منها = توجيهُ ما يتعلَّقُ بالمعنى، فإذا اختلفَ المعنى بسببِ القراءةِ فإنه من علمِ التَّفسير، أما إذا لم يكن الاختلافُ متعلِّقًا بالمعنى، فإنه يكونُ خارجًا عن علم التَّفسيرِ. وهذا يعني أنَّ المفسِّرَ لا يستفيدُ من كتبِ هذا العلمِ إلا بما يتأثَّرُ به المعنى، وأمثلةُ ذلك كثيرةٌ. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧]، فقد وردَ في لفظِ «تهجرون» قراءتان: الأولى: بفتحِ التَّاءِ وضمِّ الجيم «تَهْجُرُون»، والمعنى: تتركون الآيات، ولا تنقادونَ لها، ولا تؤمنون بها. الثانية: بضم التاء وكسر الجيم «تُهْجِرُون»، والمعنى: تقولون الهُجْرَ من الكلامِ، وهو الهذيان، والقبيح من القولِ، وما لا خير فيه. نوع الاختلاف في القراءات المتواترة، وعلاقته بالتَّفسير: الاختلافُ في القراءات المتواترة من قبيلِ اختلافِ التَّنوَّع، ولا إشكالَ في ذلك. ولا يوجدُ تناقضٌ بين القراءات المتواترة البتَّةَ؛ لأنها كلَّها قرآنٌ من عند الله، ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] (١). وإذا تأمَّلتَ الاختلافَ الكائنَ في القراءةِ، مما له أثرٌ في المعنى، وجدتَ فيه ما يأتي: ١ - أن تكون مادَّةُ اللفظِ واحدةً، ويكونَ في أحدِها زيادةٌ في

стр. 132

المبنى؛ كزيادةِ التَّضعيفِ، ومن ذلك قراءة «فتحت» بالشدَّةِ على التاء الأولى وبعدم الشَّدَّة، أو زيادة الألفِ، ومن ذلك قراءةِ «نخرة» بدون ألفٍ، و «ناخرة» بألفٍ. ففي قوله تعالى: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧١، ٧٣]، وقوله تعالى: ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾ [النبأ: ١٩]، قراءتان: الأولى: بتشديدِ التَّاء المكسورة «وفُتِّحَتْ»، والمراد التَّنبيه على تكرارِ الفعلِ؛ كأنَّها فتحت مرَّة بعد مرَّةً، أو تكثير الفتح، أو المبالغة في الفتح. الثانية: بتخفيف التَّاء المكسورةِ، والمرادُ بها حصول جنس الفتح (١). ٢ - أن تكون القراءةُ بيانًا لمعنى القراءة الأخرى، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا﴾ [المجادلة: ١١]، فقد وردَ في لفظِ «المجالس» قراءتان: الإفرادُ والجمعُ. ويفهم من صيغةِ الجمع الدِّلالةُ على أنَّ المرادَ عمومُ المجالسِ، وهذا أحد وجوه التَّفسيرِ. ومن ثمَّ يكونُ لفظُ المجلسِ بالإفرادِ دالًّا على الجنسِ؛ أي: جنس المجالسِ، فيكونُ عامًا كقراءةِ الجمعِ، وبهذا تكونُ قراءةُ الجمعِ مبيِّنةً أنَّ المرادَ بالمجلسِ عمومُ المجالس لا مجلسًا واحدًا بعينِه، وهو مجلسُ الرَّسول ﷺ ، كما وردَ في تفسيرِ قراءةِ الإفرادِ، واللهُ أعلمُ.

стр. 133

٣ - أن يكون لكلِّ قراءةٍ معنى مستقلٌّ، وهذا الأمرُ لا يخلو من حالين: الأول: أن يكونَ الاختلافُ في القراءة راجعًا إلى ذاتٍ واحدةٍ، فيكونُ حُكْمًا لهذه الذات بمعاني هذه القراءات، ومن ذلك القراءات الواردةُ في قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير: ٢٤]، فقد قُرئت بالضَّادِ، والمعنى: ما هو ببخيلٍ عليكم بالوحي الذي آتاه الله، فهو يُعلِّمكم ويرشدكم به. وقرئت بالظاء «ظنين»، والمعنى: ما هو بمتَّهمٍ في بلاغِه عن الله، فهو يبلغكم وحيه، لا يزيد فيه ولا ينقص (١). ومن ثَمَّ، فإن الرسول ﷺ غير بخيلٍ بهذا الوحي، ولا متَّهم في أمانته به، فهو يؤديه كما سمعه. الثاني: أنْ يكونَ الاختلافُ في القراءاتِ راجعًا إلى أكثرَ من ذاتٍ، فيكون لكلِّ ذاتٍ الحكمُ الخاصُّ بها من معنى قراءتِها، ومن ذلك ما وردَ في قوله تعالى: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج: ١٥]، فقد قُرِئَ لفظُ «المجيدِ» بالرفعِ والجرِّ. فمن قرأ بالرَّفعِ، جعلَ المجيدَ من صفةِ «ذو»، والمعنى: ذو العرشِ ـ وهو الله ـ مجيدٌ. ومن قرأه بالجرِّ، جعله من صفةِ العرشِ، فالعرشُ هو المجيدُ. تنبيه حول تفسير السلف وعلاقته بالقراءات: مما يرد في تفسير السَّلفِ من الاختلافِ ما يمكنُ أن يكونَ سببه

стр. 134

اختلاف القراءةِ، فيُنقلُ في تفسيرِ لفظةٍ، ومراده هو تفسيرُها على قراءةٍ أخرى، وهذا الموضوعُ يحتاجُ بحثًا استقرائيًّا يُظهِرُ ما وقع من التَّفسيرِ عنهم على هذه الشَّاكلةِ. وعدم معرفةِ هذا، قد يقع بها نسبة الخطأ إلى المفسِّرِ، وسبب ذلك جهلُ المخطِّئ بأنَّه إنما فسَّرَ على قراءةٍ، وهو حملهَا على القراءةِ التي يعرفُ، ومن ذلك تفسيرُ قوله تعالى: ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ [الكهف: ٣٤]، وقوله تعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ [الكهف: ٤٢]، فقد ورد التَّفسيرُ عن مجاهدٍ (ت: ١٠٤) أنها الذَّهبُ والفضَّةُ، وقد علَّل ابن جريرٍ الطبري (ت: ٣١٠) هذا القولَ، فقال: «قال بعضهم: كان له ذهبٌ وفضَّةٌ، وقالوا: ذلك هو الثَّمرُ؛ لأنها أموالٌ مثمَّرةٌ؛ يعني: مُكَثَّرَةٌ» (١). وتفسيرُ مجاهدٍ (ت: ١٠٤) هذا جاءَ تفسيرًا لقراءةِ أهل مكةَ، وهم يقرؤونها بضمِّ الثاء والميمِ «ثُمُر» (٢)، وليسَ تفسيرًا لقراءةِ «ثَمَر» بفتحهما. فمن لم ينتبه على أنه يفسِّرُ قراءة الضَّمِّ، حكم على هذا التَّفسرِ بالبُعدِ، والأمرُ ليس كذلك، وإنَّما هو كما شرحتُ لك في أنَّهم يفسِّرونَ على قراءةٍ (٣)، والله الموفِّقُ.

стр. 135

ثالث عشر: كتبُ الوقف والابتداءِ إنَّ لعلم الوقف والابتداءِ علاقةً أكيدةً بعلمِ التَّفسيرِ، إذ هو أثرٌ من آثارِ التَّفسيرِ. ذلك أنَّ مَنِ اختارَ وقفًا، فإنَّه اعتمد المعنى أوَّلاً، ثُمَّ وقفَ، فالواقفُ يفسِّرُ، ثُمَّ يقِفُ، فهو بوقفِه على موضعِ الوقفِ يبيِّنُ وجه المعنى الذي يراه. وإذا نظرتَ في كتبِ هذا العلمِ، أو في وقوفِ المصاحفِ، فإنَّكَ

стр. 136

تنطلقُ من الوقفِ إلى المعنى، وليس في ذلك مخالفةٌ لما ذكرتُ لك، وإنَّما اختلفت زاويةُ النَّظرِ، فكاتبُ الوقفِ تفهَّمَ المعنى، ثُمَّ وقفَ، وأنتَ نظرتَ في وقفه، ثُمَّ عرفتَ المعنى الذي اختارَه. وهذا يعني أنَّ بين المعنى والوقفِ تلازمًا، وهو أنَّ من قصدَ الوَقفَ على موضعٍ، فإنَّه قد فسَّرَ، وأنَّ من فسَّر فإنَّه دلَّ بتفسيرِه على الموضعِ الصَّالحِ للوقفِ. ولهذا فإنَّ تفسيرَ السلف يُعَدُّ عمدةً في اختيارِ الوقوفِ، وقد كان أبو عمرٍو الدَّانيُّ (ت: ٤٤٤) يعتمدُ على تفسيراتِهم في بعض ترجيحاتِه في الوقفِ. ومن ذلك ما ورد من الوقف على لفظِ «الحسنى» من قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى﴾ [الرعد: ١٨]، فقد حكم بالوقف على هذا الموضع بالتَّمامِ. ثُمَّ قال: «والحسنى ها هنا الجنَّةُ، وهي في موضع رفع بالابتداءِ، والخبرُ في المجرور قبلها، الذي هو ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا﴾. حدثنا محمد بن عبد الله المري، قال: حدثنا علي، قال: حدثنا أحمد، قال: حدثنا ابن سلام، قال: قال قتادة: الحسنى: الجنَّة. وقال ابن عبد الرَّزَّاق: ليس ﴿الأَمْثَالَ﴾ [الرعد: ١٧] بتمامٍ؛ لأنَّ ﴿الْحُسْنَى﴾ [الرعد: ١٨] صفةٌ له، فلا يتمُّ الكلامُ دونها، والمعنى على التَّقديمِ والتأخيرِ؛ أي: الأمثالُ الحسنى للذين استجابوا لربِّهم. والأوَّلُ هو الوجهُ (١).

стр. 137

والأمثلةُ في علاقة الوقوفِ بالتَّفسيرِ كثيرةٌ، ويكفي في بيانها هذا المثالُ، ومن الأمثلةِ التي هي مرتبطةٌ بالتَّفسيرِ، ولها علاقةٌ بعلمِ الفقهِ، ما ورد في آيةِ القذفِ من سورة النور، وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ *إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٤، ٥]. فمن لم ير قبول شهادة القاذف بعد التوبة، كان الوقف عنده على قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾. ومن كان رأيُه قبولَ شهادةِ القاذفِ بعد التَّوبة، كان الكلامُ عنده متَّصِلاً، وكانَ الوقفُ عنده على قول الله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١). هذا، وَوُجودُ بابٍ في علمِ التَّجويدِ يتعلَّقُ بالوقفِ والابتداءِ لا يعني أنَّه نابعٌ من علمِ القراءةِ، بل هو أثرٌ من آثارِ التَّفسير، ولكن إذا بانَ المعنى، ظهرَ للقارئ مكانُ الوقفِ، وهذا يعني أنَّه إنَّما يتعلَّقُ بالأداءِ بعد فهمِ المعنى؛ لأنَّ القارئَ يَحْسُنُ أداؤه بإبرازِ المعاني بالوقفِ على ما يتمُّ منها، وبه تظهرُ جودةُ ترتيلِه، والله أعلم. ولا تخلو كتبُ علمِ الوقفِ والابتداءِ من حكايةِ بعضِ الوقوفِ الغريبة، التي قد يستملحها بعضُ النَّاسِ، ولكنَّها خلافُ الظاهرِ المتبادرِ من نظم القرآنِ، ومن أمثلةِ ذلكَ: ما وردَ من الوقفِ على لفظِ «ربكم»، والابتداء بقوله: ﴿عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ في قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ

стр. 138

عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [الأنعام: ١٥١]، قال الأشمونيُّ: «... ﴿مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ حَسَنٌ، ثمَّ يبتدئُ: ﴿عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا﴾ على سبيل الإغراءِ؛ أي: الزموا نفيَ الإشراكِ» (١). والظاهرُ المتبادرُ من النَّظمِ القرآنيِّ أنَّ الوقفَ يكونُ على لفظِ ﴿عَلَيْكُمْ﴾، وتحتملُ جملة: ﴿ألا تشركون به شيئا﴾ على هذا وجهينِ من الأعراب: الأولُ: أن تكونَ هذه الجملةُ خبرًا لمبتدأ محذوف، ويكونُ تقديرُ الكلام: هو ألاَّ تشركوا (٢)، أو يكون تقديرُه: ذلك ألاَّ تشركوا (٣)، وعلى هذا الوجه الإعرابيِّ يصلح الابتداءُ بها على سبيلِ الاستئنافِ. الثاني: أن تكونَ هذه الجملةُ في موقع عطفِ البيانِ من جملةِ ﴿أَتْلُ مَا حَرَّمَ﴾، ويكونُ التَّقديرُ: قل تعالوا أتلُ ما حرَّمَ ربُّكم عليكم: أتلُ ألا تشركوا به شيئًا (٤). ومن الوقوفِ الغريبةِ المستنكرةِ ما حكاه النَّحاسُ في قوله تعالى: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣]، قال: «ومن القُصَّاصِ الجُهَّالِ من يقفُ على: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ﴾، فقال عبد الله بن مسلمٍ (٥): وقال من لا يعرفُ اللُّغةَ والوقفَ: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ﴾، ثُمَّ يبتدئُ: ﴿عَظِيمٌ * وَجَدْتُّهَا﴾ [النمل: ٢٣،

стр. 139

٢٤ -]، وقد أخطأ. ولو كان كما قال، لقال: عظيمٌ أن وجدتها. قال أبو جعفر: وهذا من قولِ القتبيِّ حسنٌ جميلٌ» (١). ولهذا لا يحسنُ أن يستحسنَ القارئُ وقفًا دونَ أن يكونَ عنده فيه نظرٌ صحيحٌ، وكم تسمع من مستنكراتِ الوقفِ التي يقصدُ أئمَّةُ المساجد أو غيرُهم من القراءِ الوقفَ عليها لشيءٍ لاح لهم بادي الرَّأي، وهي عند التَّمحيصِ هباءٌ منثورٌ لا حقيقةَ له؟! وأشهر ما طُبِعَ من كتبِ الوقف والابتداء: إيضاحُ الوقف والابتداء، لابن الأنباريِّ (ت: ٣٢٨)، والقطعُ والائتنافُ للنَّحَّاس (ت: ٣٣٨)، والمكتفى في الوقف والابتدا، لأبي عمرو الدَّانيِّ (ت: ٤٤٤)، وعلل الوقوف، للسِّجاوَنْديِّ (ت: ٥٦٠)، والمقصد لتلخيص ما في المرشد في الوقف والابتداء، لأبي زكريا الأنصاريِّ (ت: ٩٢٦)، وتقييد وقوف القرآن، لمحمد بن أبي جمعة الهَبْطيِّ (ت: ٩٣٠)، ومنار الهدى في الوقف والابتدا، للأشمونيِّ.

стр. 140

رابع عشر: كتبُ مُبهمَاتِ القرآنِ المبهم: ما انغلقَ من الكلامِ، وكان يحتاجُ إلى بيانٍ لفتحِ انغلاقِه. ومبهماتُ القرآنِ: ما لم يُنَصَّ على ذكرِه من الأسماءِ، وقد يكونُ الإبهامُ لعَلَمٍ أو نباتٍ، أو حيوانٍ أو مكانٍ أو زمانٍ ... إلخ. وقد ألَّف العلماءُ في هذا العلمِ، ومن مؤلَّفاتِهم: ١ - التعريفُ والإعلامُ فيما أُبهِمَ في القرآنِ من الأسماءِ الأعلامِ، لعبد الرحمن السُّهيليِّ (ت: ٥٨١) (١). ٢ - التَّكميلُ والإتمامُ لكتاب التعريفِ والإعلامِ، لأبي عبد الله محمد بن علي بن عسكر الغسَّانيِّ (ت: ٦٣٦). ٣ - غرر البيان في مبهمات القرآن، لبدر الدين محمد بن إبراهيم بن جماعة (ت: ٧٣٣). ٤ - صِلَةُ الجمعِ وعائد التَّذييل لموصول كتابي الإعلام والتَّكميل،

стр. 141

لأبي عبد الله محمد بن علي البَلَنْسِيِّ (ت: ٧٨٢) (١). ٥ - مفحمات الأقران في مبهمات القرآن، لجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطيِّ (ت: ٩١١) (٢). ومما يُورِدُه أصحابُ هذه الكتبِ ما وردَ في صحيحِ البخاري (ت: ٢٥٦) ومسلم (ت: ٢٦١)، عن ابن عباسٍ (ت: ٦٨)، قال: «مكثتُ سنةً أُريدُ أن أسألَ عمرَ بن الخطَّابِ عن آيةٍ، فما أستطيعُ هيبةً له، حتى خرج حاجًّا، فخرجتُ معه، فلما رجعتُ كنَّا ببعضِ الطريقِ، عدلَ إلى الأراكِ لحاجةٍ له، قال: فوقفتُ له حتى فرغ، ثُمَّ سرتُ معه، فقلتُ: يا أميرَ المؤمنين، منِ اللَّتانِ تظاهرتا على النَّبيِّ ﷺ من أزواجِه. فقال: تلك حفصةُ وعائشةُ ...» (٣). وقد حَرَصَ هؤلاءِ المؤلِّفون في هذا العلمِ على إبرازِ أهميَّتِه، غيرَ أنَّه لا أثرَ له في فهمِ التَّفسيرِ؛ إذ الأصلُ أنَّ ما أبهمَهُ اللهُ ـ من أسماء الأعلامِ وغيرِها ـ لا فائدةَ فيهِ. وهو ليسَ من متينِ العلمِ، بل يدخلُ في مُلَحِه، وما يكونُ للمذاكرةِ (٤). وتأمَّلْ، ما الذي يتوقَّفُ عليه التَّفسيرُ من معرفةِ اسمِ الشَّجرةِ التي أكلَ منها آدمُ ﵇، وأسماءِ أصحابِ الكهفِ، واسم كلبهم ولونه، واسم مؤمن آل فرعون، والرَّجلِ الذي أنذر موسى، وغيرها من المبهمات؟!

стр. 142

وقد كان من منهجِ إمام المفسِّرينَ الطَّبريِّ (ت: ٣١٠) الذي تميَّزَ به: أن يقفَ عند مبهماتِ القرآنِ، ويبيِّنَ أنَّهُ عِلْمٌ إذا عُلِمَ لم ينفع العالم به علمه، وإن جَهله جاهل لم يضره جهله به، ومن ذلك تعليقُه على نوعِ الشَّجرةِ التي أكل منها آدمُ ﵇، قال: «والقول في ذلك عندنا: أن الله جل ثناؤه أخبر عباده أن آدم وزوجه أكلا من الشجرة التي نهاهما ربهما عن الأكل منها، فأتيا الخطيئة التي نهاهما عن إتيانها بأكلهما ما أكلا منها، بعد أن بيَّن الله ـ جلَّ ثناؤه ـ لهما عين الشَّجرة التي نهاهما عن الأكل منها، وأشار لهما إليها بقوله: ﴿وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة: ٣٥]. ولم يَضَعِ اللهُ ـ جلَّ ثناؤه ـ لعباده المخاطَبين بالقرآنِ دلالة على أي أشجار الجنَّة كان نهيه آدمَ أن يقربَها، بنصٍّ عليها باسمها، ولا بدلالةٍ عليها، ولو كان للهِ في العلمِ بأي ذلك من أيٍّ رضًا، لم يُخْلِ عبادَه من نصبِ دلالةٍ لهم عليها، يصلون بها إلى معرفة عينها، ليطيعوه بعلمهم بها، كما فعل ذلك في كل ما بالعلم به له رضًا. فالصوابُ في ذلك أن يقال: إن الله ـ جلَّ ثناؤه ـ نهى آدم وزوجته عن أكل شجرة بعينها من أشجار الجنة دون سائر أشجارها، فخالفا إلى ما نهاهما الله عنه، فأكلا منها، كما وصفهما الله ـ جلَّ ثناؤه ـ به، ولا علم عندنا بأي شجرةٍ كانت على التَّعيين لأن الله لم يضعْ لعباده دليلاً على ذلك في القرآن ولا في السُّنَّة الصحيحة، فأنَّى يأتي ذلك؟ وقد قيل: كانت شجرة البُرِّ، وقيل: كانت شجرة العنب، وقيل: كانت شجرة التين. وجائز أن تكون واحدة منها، وذلك علمٌ، إذا عُلِمَ لم ينفع العالم به

стр. 143

علمه، وإن جَهِلَهُ جاهل لم يضره جهله به» (١). وقد ذكرَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ (ت: ٧٢٨) فيما طريقُه النَّقلُ من علمِ التَّفسيرِ، فقال: «... وهذا القسمُ الثَّاني من المنقولِ ـ وهو ما لا طريقَ لنا إلى الجزمِ بالصِّدقِ منه ـ فالبحثُ عنه مما لا فائدةَ فيه، والكلامُ فيه من فضولِ الكلامِ. وأمَّا ما يحتاجُ المسلمونَ إلى معرفتِه، فإنَّ اللهَ نَصَبَ على الحقِّ فيه دليلاً. فمثالُ ما لا يفيدُ ولا دليلَ على الصَّحيحِ منه: اختلافُهم في لون كلبِ أصحاب الكهفِ، وفي البعضِ الذي ضَربَ به موسى من البقرةِ، وفي مقدارِ سفينةِ نوحٍ، وما كانَ خَشَبُها، وفي اسمِ الغلامِ الذي قتله الخضرُ، ونحو ذلك ...» (٢). ومن الأمثلةِ من كتبِ المبهمات: في قوله: ﴿نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٠]، قال السُّهيليُّ (ت: ٥٨١): «هو مالكُ بن الصَّيف، ويقالُ فيه: ابن الصيب ...» (٣). ولا تخلو كتبُ المبهماتِ من فوائدَ تفسيريَّة، لكن غالبَها خارجٌ عن حدِّ المبهمِ وإن كانوا قد عدُّوه منه، ومن ذلك ما ذكره السُّهيليُّ (ت: ٥٨١) في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧]، قال: «فمن سورةِ الحمد قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧]: هم الذين

стр. 144

ذكرهم الله في سورة النِّساءِ حين قال: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ﴾ [النساء: ٦٩]، الآية. وانظر إلى قوله: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]، واجمع بينه وبين قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧]، تجدْ شرحًا له؛ لأنَّ الصراطَ الطَّريقُ، ومن شأنِ سُلاَّكِ الطَّريقِ الحاجةُ إلى الرَّفيقِ، فلذلك قال: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ ...» (١).

стр. 145

خاتمة البحث الحمدُ لله الذين أتمَّ لي هذا الكتاب، وأسألُه أن يعينني في حياتي ومماتي، وأصلي وأسلمُ على رسوله المصطفى وعلى آله وأصحابِه النُّجباء، وعلى من تبعه إلى يومِ الدِّينِ، وبعد: فقد أنهيتُ هذا الكتابَ على ما فيه من القصورِ، وأرجو أن أستطيعَ تسديدَ ما تركتُه من جوانبِه، وتكميلَ ما نقصَ من أطرافِه. والكتابُ لو بقيَ دهرًا عند صاحبِه يُعدِّلُ فيه بنقصٍ أو زيادةٍ أو تعديلٍ، لما خرجَ للناسِ؛ لأنَّه يبدو له في كلِّ مرَّةٍ نظرٌ جديدٌ، ورأيٌ مخبوءٌ، وعلمٌ مكنوزٌ. ولا شكَّ أنَّه يمرُّ بالكاتبِ مثلُ هذا؛ لكنَّه يُخرجُ كتابَه حينَ يُخرجُه، وهو على أحسنِ ما يريدُ أو يُقاربُه، قال أستاذ البلغاء القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني للعماد الأصفهاني ـ معتذرًا عن كلام استدركه عليه ـ: «إنه قد وقع لي شيءٌ، وما أدري أوقعَ لك أم لا، وها أنا أخبرُك به: وذلك أنِّي رأيتُ أنَّه لا يكتب إنسانٌ كتابَه في يومِه إلا قال في غَدِهِ: لو غُيِّرَ هذا لكانَ أحسن، ولو زيد هذا لكان يستحسن، ولو قُدِّمَ هذا لكان أفضل، ولو ترك هذا لكان أجمل، وهذا من أعظمِ العِبَرِ، وهو دليل على استيلاء النَّقصِ على جُمْلَةِ البشرِ» (١).
следующие страницы →