مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة: ٢٥]؛ أي: مُتَّفِقَ المناظرِ، مُختلفَ الطُّعومِ. وقال: ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة: ١١٨]؛ أي: يُشبهُ بعضُها بعضًا في الكفرِ والقسوةِ.
ومنه يُقالُ: اشتبهَ الأمرُ: إذا أشبَه غيرَه، فلم تكد تُفرِّقُ بينهما.
وشبَّهتَ عليَّ: إذا لبَّستَ الحقَّ بالباطلِ.
ومنه قيلَ لأصحابِ المخاريق (١): أصحابُ الشُّبَهِ؛ لأنهم يُشبِّهونَ الباطلَ بالحقِّ.
ثُمَّ يُقالُ لكلِّ ما غمَضَ ودقَّ: متشابهٌ، وإن لم تقعِ الحَيرَةُ فيه من جهةِ الشَّبَهِ بغيرِه، ألا ترى أنه قد قيل للحروفِ المقطَّعةِ في أوائل السورِ: متشابهٌ، وليس الشَّكُّ فيها والوقوفُ عندها لمُشاكلتِها غيرَها، والتباسِها بها» (٢).
ومن ثَمَّ، فالمشكلُ والمتشابِه الذي يغمضُ معناهما لأيِّ سببٍ مصطلحان، مترادفانِ، كلٌّ منهما يؤدي معنى الآخرِ.
والمرادُ بالمتشابه: المتشابهُ النِّسبيُّ الذي يقابل المحكمَ، وهو ما يخفى على بعضٍ دونَ بعضٍ، فمن خَفِيَ عليه المعنى المرادُ، فهو متشابهُ ومشكلٌ عنده، ومن عَلِمَ المرادَ منه زالَ عنه المشكلُ وانتفى التَّشابُه، وصارَ مُحكَمًا عنده.
وإنَّما يَرِدُ المشكلُ على العقولِ بسببِ قصورٍ في إدراكِ المعنى
стр. 72
المرادِ، وقد كانَ السؤالُ عن المشكلِ قديمًا، إذ كلُّ ما لا يُفهَمُ مشكلٌ.
ويدخلُ فيه ما أشكلَ فهمه على الصحابةِ؛ كسؤالِهم عن معنى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]، وما وقعَ لعديِّ بنِ حاتم الطائيِّ في فهمِهِ قولَه تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وغيرِها من الآياتِ التي سألَ الصحابةُ الرسولَ ﷺ عنها.
وكذا يدخلُ فيها ما أشكلَ على التَّابعينَ، وسألوا الصَّحابةَ عن معناه.
أخرجَ البُخَاريُّ (ت: ٢٥٦) عن سعيد بن جُبير (ت: ٩٥)، قال: «قال رجلٌ لابن عباس: إني لأجدُ في القرآنِ أشياءَ تختلفُ عليَّ، قال: ﴿فَلاَ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١]، ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧]، ﴿وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢]، ﴿رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، فقد كتموا في هذه الآيةِ.
وقال: ﴿أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾، إلى قوله: ﴿دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٢٧ - ٣٠]، فذكر خلق السماء قبل خلقِ الأرضِ، ثمَّ قال: ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ إلى قوله: ﴿طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ٩ - ١١]، فذكر خلق الأرض قبل السماءِ، وقال تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، ﴿عَزِيزًا حَكِيمًا﴾، ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾، فكأنَّه كان ثمَّ مضى.
فقال (١): ﴿فَلاَ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ [المؤمنون: ١٠١] في النَّفخةِ الأولى، ثمَّ يُنفخُ في الصُّورِ، فصعق من في السَّموات ومن في الأرض إلى من
стр. 73
شاء الله، فلا أنساب بينهم عند ذلك ولا يتساءلون. ثمَّ في النفخةِ الآخرةِ ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصَّافات: ٢٧].
وأما قوله: ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، فإن الله يغفرُ لأهلِ الإخلاصِ ذنوبهم، وقال المشركون: تعالوا نقول: لم نكن مشركين، فختم على أفواههم، فتنطق أيديهم، فعند ذلك عُرِفَ أنَّ الله لا يُكتَمُ حديثًا، وعنده ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ الآية (١) [النساء: ٤٢].
وخَلَقَ الأرضَ في يومين، ثمَّ خلقَ السَّماءِ، ثمَّ استوى إلى السَّماء فسواهنَّ في يومين آخرين، ثمَّ دحا الأرضَ، ودَحْوُها: أن أخرجَ منها الماء والمرعى، وخلقَ الجبالَ والجِمالَ والآكام وما بينهما في يومين آخرين، فذلك قوله: ﴿دَحَاهَا﴾، وقوله: ﴿خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾، فجُعلتِ الأرضُ وما فيها من شيءٍ في أربعةِ أيَّامٍ، وخُلِقَتِ السماواتُ في يومينِ.
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ سمَّى نفسَه ذلك، وذلكَ قولُه؛ أي: لم يزل كذلك، فإنَّ الله لم يُرِدْ شيئًا إلاَّ أصابَ به الذي أرادَ، فلا يختلفْ عليك القرآنُ، فإنَّ كلًّا من عند الله» (٢).
وقد يكونُ المشكلُ في فهم المعنى المرادِ، وقد يكونُ في غير المعنى؛ أي أنَّه يكونُ في التَّفسيرِ، وفي المسائلِ المتعلِّقةِ بالتَّفسيرِ، وقد يكونُ الإشكالُ في آيةٍ، أو في جمع آيةٍ مع غيرِها، كما في الأثر الواردِ آنفًا عن حَبْرِ الأُمَّةِ ابن عبَّاسٍ (ت: ٦٨).
* ويظهرُ أنَّ سببَ الكتابةِ في مشكل القرآن مَوجَةٌ من الزَّندقةِ التي
стр. 74
كانت تُشكِّكُ بالقرآنِ الكريمِ في نَظْمِه، أو أسلوبِه، أو أخبارِه. وقد كتب مقاتلُ بن سليمانَ (ت: ١٥٠) كتابًا في متشابه القرآنِ. وقد نقلَ منه أبو الحسين محمد بن أحمد الملطيُّ الشَّافعيُّ (ت: ٣٧٧)، فقال: «قال مقاتل: أمَّا ما شَكَّتْ فيه الزنادقةُ (١) في مثلِ هذه الآيةِ ونحوها من قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿هَذَا يَوْمُ لاَ يَنْطِقُونَ *وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥، ٣٦]، ثمَّ قال في آية أخرى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١]، فهذا عند من يجهلُ التَّفسيرَ ينقضُ بعضه بعضًا، وليس بمنتقضٍ، ولكنهما في تفسير الخواصِّ في المواطنِ المختلفةِ.
أمَّا تفسيرُ ﴿هَذَا يَوْمُ لاَ يَنْطِقُونَ *وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥، ٣٦]، فأوَّلُ ما يجتمعُ الخلائقُ بعد البعثِ، فهم لا ينطقونَ في ذلك الموطن.
﴿وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾، قال: مقدار ستين سنة، ثمَّ يؤذنُ لهم في الكلام، فيكلِّمُ بعضُهم بعضًا. ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١] عند الحسابِ، ثُمَّ يُقالُ لهم: ﴿قَالَ لاَ تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٨]، بعد الحسابِ» (٢).
ويظهرُ من نقلِ الملطيِّ (ت: ٣٧٧) عن كتابِ مقاتلٍ (ت: ١٥٠) أنَّ هؤلاء الزَّنادقةَ الذين ذكر اعتراضَهم، كانوا يقعون في ما يُوهِمُ
стр. 75
الاختلافَ، وكانوا يعارضون الآيةَ بالآيةِ، ثمَّ يحكمونَ على القرآنِ بالتَّناقض، بزعمهم.
* وكتبَ فيه محمدُ بنُ المُستنيرِ، المعروفُ بقُطْرُب (ت: ٢٠٦) كتابًا أسماه: «الرد على الملحدين في متشابه القرآن» (١).
ثمَّ تلاه ابن قتيبة (ت: ٢٧٦)، وكتبَ كتابه «تأويل مشكل القرآن».
ويظهرُ من كتابه هذا أنَّ قومًا من المُلحدينَ تكلَّموا في نظمِ القرآنِ ومقاصدِ معانيه، فألَّفَ هذا الكتابَ للرَّدِّ عليهم.
قال ابن قتيبةَ (ت: ٢٧٦): «وقد اعترضَ كتابَ اللهِ بالطَّعنِ مُلحدونَ، ولَغَوا فيه وهَجَروا (٢)، واتَّبعوا ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، بأفهامٍ كليلةٍ، وأبصارٍ عليلةٍ، ونَظَرٍ مَدْخُولٍ، فحرَّفوا الكلامَ عن مواضعِه، وعدلوه عن سُبُلِهِ ثمَّ قَضَوا عليه بالتناقضِ، والاستحالةِ، واللَّحنِ، وفسادِ النَّظمِ، والاختلافِ.
وأدْلَوا في ذلك بِعِلَلٍ، ربَّما أمالتِ الضَّعيفَ الغُمْرَ (٣)، والحَدَثَ الغِرَّ (٤)، واعترضت بالشُّبهةِ القلوبَ، وقَدَحَتْ بالشُّكوكِ الصُّدورَ ...» (٥).
وبتتبُّعِ المسائلِ التي ذكرها ابن قتيبةَ (ت: ٢٧٦) عن الطَّاعنينَ، تلحظُ أنَّ عدمَ التَّأصيلِ العلميِّ، واتِّباعَ العقلِ المجرَّدِ = أصلٌ في نشوءِ هذه المسائلِ، كما لا يخلو أمرُهم من هوى أرادوا به الطَّعنَ على الإسلامِ.
كما ستجدُ أنَّ كثيرًا من هذه المسائلِ التي افتعلتها عقولُ
стр. 76
الملحدين، هي في مسائلَ قد تكونُ خارجةً عن بيان المعاني إلى مسائلَ أخرى متعلِّقة بها، أو غير متعلِّقةٍ؛ كالحديثِ عن اختلافِ القراءات التي بدأ بها ابنُ قتيبةَ (ت: ٢٧٦) حكايةَ أقوالِ الطاعنينَ، وكان أغلبُ اعتراضِهم الذي ذكره: عن نظمِ القرآنِ وأسلوبِه في الخطابِ، وفصاحتِه، ومقاصِدِه في التعبيرِ، ومن ذلك:
قال ابن قتيبة (ت: ٢٧٦): «وقد قال قومٌ بقصورِ العلمِ، وسوءِ النَّظرِ في قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ [الكهف: ١٧]: ما معنى هذا الكلامِ وما فائدتُه؟ وما في الشَّمسِ إذا مالتْ بالغداةِ والعَشِيِّ عن الكهفِ منَ الخبرِ؟
ونحنُ نقولُ: وأيُّ شيءٍ أولى بأن يكونَ فائدةً من هذا الخبرِ؟ وأيُّ معنًى ألطفُ مما أودَعَ اللهُ في هذا الكلامِ؟
وإنما أراد اللهُ أن يُعرِّفنا لُطفَهُ للفتيةِ، وحِفْظَهُ إيَّاهم في المهجعِ، واختيارَه لهم أصلحَ المواضعِ للرُّقودِ.
فأعلمَنا أنَّه بوَّأهم كهفًا في مَقْنَأةِ الجبلِ (١)، مستقبلاً بنات نَعْشٍ (٢)، فالشَّمسُ تَزْوَرُّ عنه وتستدبرُه طالعةً، وجاريةً، وغاربةً، ولا تدخلُ عليهم فتؤذيهم بِحَرِّها، وتلفحُهم بسمومها، وتغيِّرُ ألوانَهم، وتُبلِي ثيابَهم، وأنهم كانوا في فجوةٍ من الكهفِ ـ أي: متَّسعٍ منه ـ ينالُهم فيه نسيمُ الرِّيحِ
стр. 77
وبردُها، وينفي عنهم غُمَّةَ الغارِ وكربَه» (١).
ولئن كانت هذه بدايةَ التَّأليفِ في هذا الموضوعِ، فإنَّ الأمرَ بعدَ ذلك صارَ أعمَّ في البحثِ، ولم يكنِ المقصودُ بالتَّأليفِ فيه ردَّ الطاعنينَ وإلحاداتِهم، بل كانَ المرادُ بيانَ ما يُشكِلُ فهمُه على القارئينَ، أيًّا كان هذا المشكلُ: في معنى، أو مناسبةٍ، أو نظمٍ، أو غيرِها.
كما أدخلَ المصنِّفون في تصنيفاتِهم كثيرًا من اللَّطائفِ والمُلحِ التي تتعلَّقُ بالتفسيرِ.
ومن المؤلفاتِ في مشكلاتِ القرآنِ ـ غير ما ذكرتُه من تأليفِ مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠)، وقطرب (ت: ٢٠٦)، وابن قتيبةَ (ت: ٢٧٦) ـ ما يأتي:
١ - وضح البرهان في مشكلات القرآن، لبيان الحقِّ محمود بن أبي الحسن النيسابوريِّ (ت: ٥٥٥ تقريبًا) (٢).
٢ - فوائد في مشكل القرآن، لعزِّ الدين عبد العزيز بن عبد السَّلام (ت: ٦٦٠) (٣).
стр. 78
٣ - فتح الرحمن بكشف ما يلتبسُ في القرآن، لأبي يحيى زكريا الأنصاري (ت: ٩٢٦) (١).
٤ - تيجان البيان في مشكلات القرآن، لمحمد أمين بن خير الله الخطيب العمريِّ (ت: ١٢٠٣) (٢).
٥ - مشكلات القرآن، لمحمد أنور شاه الكشميري (ت: ١٣٥٢) (٣).
٦ - دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب، لمحمد الأمين الشنقيطي (ت: ١٣٩٣) وهو من أنفس الكتب في هذا الباب.
وهذه الكتبُ قَصَدَت البحثَ عن مشكلِ القرآنِ، كما هو ظاهرٌ من عناوينِها.
وقد تجدُ في كتبٍ أخرى بحوثًا مقصودةً في المشكلِ، وإن لم يقع لها هذا الاسمُ؛ ككتابِ الروضِ الرَّيَّانِ في أسئلةِ القرآنِ، لشرف الدِّينِ الحسينِ بنِ سليمانَ الرَّيَّان (ت: ٧٧٠)، الذي قال عن كتابِه: «
جَمَعْتُ كِتَابًا فِيهِ أسْئِلَةٌ حَوتْ ... جَوَاهِرَ مِنْ لَفْظِ الكِتَابِ المنَزَّل
وأتْبَعْتُهَا مِنْ بَعْدِ تَقْرِيرِ حُكْمِهَا ... بِأجْوِبَةٍ قَدْ أوضَحَتْ كُلَّ مُشْكِل
» (٤).
ومن الأمثلة الواردة في هذا الكتاب، ما ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ
стр. 79
لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢]، قال: «سؤالٌ: فما الفائدةُ في ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾، فهو كلامٌ عارٍ من الفائدة؛ لأنَّ كلَّ أحدٍ يعلمُ أنَّ الثلاثينَ مع العشرة تكونُ لأربعين؟
جوابٌ: فيه إزالةُ التَّوهُّمِ أن تكونَ العشرة من نفسِ الثلاثين، فلما ذكر الأربعينَ زالَ الإيهامُ» (١).
ومثلُه: كتابُ أنموذج جليل في أسئلةٍ وأجوبةٍ من غرائب التَّنزيل، لمحمد بن أبي بكر الرازيِّ (ت: ٦٦٦) (٢)، فهو يحوي شيئًا من مشكلِ القرآنِ مع كثيرٍ من لطائفَ ومُلَحٍ تتعلَّقُ بالتَّفسيرِ.
وقد قال في مقدِّمةِ كتابه: «هذا مختصرٌ جمعتُ فيه أُنموذجًا يسيرًا من أسئلةِ القرآنِ المجيدِ وأجوبتِها» (٣).
ومن الأمثلةِ في هذا الكتابِ: «فإن قيلَ: ما فائدة قوله تعالى: ﴿الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]؟
قلنا: هو تأكيدٌ، كما في قوله تعالى: ﴿وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾
стр. 80
[الأنعام: ٣٨]، وقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾ [الفتح: ١١]، وما أشبه ذلك ...» (١).
وقد سبقَ في أوَّلِ الكلامِ الإشارةُ إلى أنَّ مصطلحَ المُشكلِ يرادفُ مصطلحَ «المتشابه النِّسبيِّ»، وهو ما قد يخفى على بعضِ النَّاسِ، ويعلمُه غيرُهم، وهذا يدخلُ فيه ما كان غموضُ معناه بجمعه مع آيةٍ أخرى، أو غموضُه بذاتِه؛ أي أنَّ ضابطَ عدِّ الآيةِ من المتشابهِ النِّسبيِّ هو خفاءُ المعنى على طالبِهِ.
والمتشابه هنا يقابلُ المحكمَ، والمحكمُ: ما لا خفاءَ في معناه، فما كان معناه ظاهرًا لك، فهو بالنِّسبةِ لك محكمٌ، وما كان فيه خفاءٌ وغموضٌ، فهو متشابِه عندكَ.
وقد كان للاعتقادِ أثرٌ في مفهومِ المحكمِ والمتشابهِ، وتحديدِ آياتهما، وقد نتجَ عن ذلك أنَّ المحكمَ عند قومٍ قد لا يكونُ محكمًا عند غيرِهم، لتأثُّرِه بالمعتقدِ الذي يعتقدُه المفسِّرُ، فمعاني آيات الصِّفاتِ الإلهيَّةِ يعدُّها بعضهم من المتشابه، وهي ليست كذلك، وسببُ عدِّها من المشابِه الاعتقادُ الذي يقولُ به المفسِّرُ لهذه الصِّفاتِ (٢).
ومن أشهرِ الكتبِ التي حملتْ هذا العنوانَ، وكتبت فيه على هذا
стр. 81
المفهومِ المخالفِ، كتابُ متشابهِ القرآنِ، للقاضي عبدِ الجبَّارِ الهَمَذَانِيَّ المعتزلِيَّ (ت: ٤١٥)، وهو على منهجِ المعتزلةِ، وقد اعتمدَ قاعدة الأدلَّةِ العقليَّةِ ـ كما هو الحالُ بزعم المعتزلة ـ وجَعَلَها الحاكمَ في المحكمِ والمتشابهِ فقال: «... ولهذه الجملة يجب أن يُرَتَّبَ المحكمُ والمتشابهُ جميعًا على أدلَّةِ العقولِ، ويُحكم بأن ما لا يحتملُ إلاَّ ما تقتضيه هذه الجملةُ يجبُ أن يكونَ محكمًا، وما احتملَ هذا الوجه وخلافَه، فهو المتشابهُ. فأقوى ما يُعلمُ به الفرقُ بينَ المحكمِ والمتشابهِ أدلَّةُ العقولِ ...» (١).
وهذا الموضوعُ يحتاجُ إلى بسطٍ آخرَ، والمرادُ هنا الإشارةُ إلى أنَّ هذا النوعَ من المتشابهِ يرادفُ علمَ المشكلِ، والله الموفق.
стр. 82
سادسًا: كتبُ متشابه القرآنِ
علمُ المتشابهِ في علومِ القرآن مصطلحٌ يطلقُ على عدَّةِ علومٍ، وهي:
١ - المتشابِه الذي يقابلُ المحكم.
٢ - المتشابه اللفظيُّ الذي يُشْكِلُ على حفَّاظِ القرآنِ.
٣ - المتكرِّرُ من المقاطعِ، مع تغيُّرِ كلمةٍ أو نحوها، أو ما يكونُ بين مقطعينِ من تناسبٍ ومُشَاكَلةٍ من أي وجهٍ من وجوهِ المُشَاكَلَةِ.
أما النَّوعُ الأوَّلُ فهو قسمان:
الأولُ: أن يُرادَ بالمتشابِه: ما يقعُ لبعضِ النَّاسِ من عدمِ فهم المعنى، ويكونُ غيرُه عالِمًا به، فيكونُ متشابهًا على من وقع له ذلكَ، ومحكمًا عندَ من علِمهُ، وهذا هو المتشابِهُ النِّسبيُّ، وقد مضتِ الإشارةُ إليه في مشكلِ القرآن.
الثَّاني: أن يرادَ بالمتشابِه: ما استأثرَ اللهُ بعلمِه، ويكونُ المحكمُ بهذا الاعتبارِ: ما عَلِمه النَّاسُ على وجهِ العمومِ، وإن وقعَ لبعضِهم عدمُ فهمِ بعضِ معانيه، كما سبقَ في المتشابِه النِّسبيِّ.
стр. 83
وهذا القسمُ [أي: المتشابه الذي استأثر الله بعلمه] لا علاقةَ له بالتَّفسيرِ، لأنَّ التَّفسيرَ مرتبطٌ ببيانِ المعاني المعلومةِ للناسِ التي قد تخفى على بعضهم، فتكونُ من المتشابهِ عندهم.
وهذا المتشابِهُ الذي استأثرَ اللهُ بعلمِه مرتبطٌ بالمغيَّباتِ: من وقتِ وقوعِ الحوادثِ، وكيفيَّاتِ هذه المغيَّباتِ، وهذا لا يعلمُه إلاَّ اللهُ، ومن ادَّعى علمَه فقد كذبَ.
وأمَّا النَّوعُ الثَّاني، فلا علاقة له بعلم التَّفسيرِ، وإنما يتعلَّقُ ببيانِ المواطن التي تتشابَهُ على الحفَّاظِ، فيقعُ منه الغلطُ في حفظِها، وقد كتبَ في ذلك جماعة من العلماء، منهم: أبو الحسن علي بن حمزة الكسائي (ت: ١٨٩) (١)، وأبو الحسين أحمد بن جعفر بن المنادي (ت: ٣٣٦) (٢)، وأبو الحسن علي بن محمد السَّخاويُّ (ت: ٦٤٣) (٣)، وغيرهم.
وأمَّا النَّوعُ الثَّالثُ، فهو المقصودُ بالحديثِ هنا، ومن المؤلَّفاتِ المطبوعةِ فيه:
١ - دُرَّةُ التَّنْزيلِ وغُرَّةُ التأويلِ، لأبي عبد الله محمد بن عبد الله،
стр. 84
المعروف بالخطيب الإسكافي (ت: ٤٢٠) (١).
٢ - البرهان في متشابه القرآن، لمحمود بن حمزة الكرمانيِّ (ت: بعد ٥٠٠).
٣ - ملاك التأويل القاطع بذوي الإلحاد والتعطيل في توجيه المتشابه اللفظ من آي التنزيل، لأبي جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير الغرناطيِّ (ت: ٧٠٨).
٤ - كشف المعاني في المتشابه من المثاني، لبدر الدين محمد بن إبراهيم بن جماعة (ت: ٧٣٣).
ويلاحظُ أنَّ بعضَ الأمثلةِ الواردةِ في النَّوعينِ الأولين قد تكونُ واردةً في كتبِ هذا النَّوعِ؛ لأنَّه في حقيقتِه توجيهٌ وتعليلٌ، ويشمل من الآيات:
١ - ما تكرَّرَ بتمامِه؛ كقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ في سورة الرحمن.
٢ - ما اختلفَ فيه التعبيرُ مع اتفاقِ الحدثِ أو اختلافِه.
فمثالُ اتفاقِ الموقفِ قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى *إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً﴾ [طه: ٩، ١٠]، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [القصص: ٢٩].
ومثال اختلاف الحدثِ، قوله في يوسف ﵇: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٢٢]، وقال في
стр. 85
موسى ﵇: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [القصص: ١٤].
٣ - ما اختلفَ بتقديمٍ أو تأخيرٍ:
ومثالُ ذلكَ قوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [الأنعام: ٣٢]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ [العنكبوت: ٦٤].
وهناك غيرُها من أنواع الاشتباه التي يحكيها المؤلِّفونَ في هذا العلمِ؛ كالزيادة والحذفِ، وإبدال حرفِ مكانَ حرفٍ، وإبدالِ كلمةٍ مكانَ كلمةٍ، ومجيء اللفظِ منكَّرًا في آيةٍ ومعرَّفًا في أخرى، ومجيئه مجموعًا في آيةٍ ومفردًا في أخرى، ومجيئه مشدَّدًا في آيةٍ وغيرَ مشدَّدٍ في أخرى ... إلخ.
وإذا تأمَّلتَ الأمثلةَ المذكورةَ تبيَّنَ لك أنَّ هذه الكتبَ تشتملُ على أمثلةٍ من النَّوعينِ الأوَّلينِ، فالتكرارُ الواردُ في القرآنِ، واختلافُ التعبيرِ عن الحدث الواحدِ مما اعترضَ عليه الزَّنادقةُ الملحدونَ (١).
والمثالُ الواردُ في التقديمِ والتأخيرِ يحكيه المصنِّفونَ في المتشابِه على الحفَّاظِ (٢).
وهذا العلمُ من العلومِ الصَّعبَةِ التي تتطلَّبُ طولَ تفكُّرٍ، ودقَّةَ نظرٍ، ويدخلُها التَّكلُّفُ؛ لأنَّ طلبَ المناسبةِ بين الآيات التي يقع فيها التَّشابُه لا يتأتَّى بيسرٍ وسهولةٍ؛ لذا لن تَعدمَ من وجودِ أمثلةٍ لا تقنعُ بالحلِّ المذكورِ لها عند من كتبَ في هذا العلمِ، ومن أمثلةِ ذلكَ:
стр. 86
قوله تعالى في يوسف ﵇: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٢٢]، وقال في موسى ﵇: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [القصص: ١٤]، فما وجهُ زيادةِ «استوى» في قصَّةِ موسى ﵇؟
قال الخطيبُ الإسكافيُّ (ت: ٤٢٠): «والذي يفرق بين المكانين حتى لم ينتظر بيوسف ﵇ الاستواء بعد بلوغ الأشدِّ (١) هو أنَّ يوسفَ ﵇ أخبرَ الله ـ تعالى ـ عنه أنَّه أوحى إليه لما طرحَه إخوتُه في الجُبِّ، حيثُ قال: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ [يوسف: ١٥]، وأراه ـ عزَّ ذِكْرُه ـ الرُّؤيا التي قصَّها على أبيه.
وموسى ﵇ لم يُفعلْ به شيءٌ من ذلك إلى أن بلغ الأشدَّ واستوى؛ لأنه لم يعلمْ ما أريدَ به إلا بعدَ أن استأجره شعيبٌ ﵇ (٢)، ومضتْ سنو إجارتِه، وسارَ بأهلِه، فهو أتاه ما أتاه من كرامة الله تعالى.
وقيلَ: إنَّه بعد الأربعينَ، فلم ينتظر بيوسف في إيتاءِ الحكمِ والعلمِ والتَّشريفِ بالوحي ما انتظر به موسى ...» (٣).
стр. 87
والذي يظهرُ أنَّه لا حاجةَ إلى ربطِ الآيتينِ ببعضهما، حتَّى تطلبَ لهما مناسبةُ هذه الزيادةِ التي اختصَّ بها موسى ﵇، ولقد كنت غير مقتنعٍ بهذا الجوابِ، وظهرَ لي أنَّ تخصيصَ ذكرِ موسى بالاستواءِ؛ أنَّ خِلقَةَ موسى كانتْ على ذلك من قوَّةِ البنيةِ، وشدة الصرعة التي كان يحتاجُها في رسالتِه، ولقد ظهرَ أثرُها في الآيات التي بعدها، وهي في قصةِ الفرعونيِّ الذي وكزه موسى ﵇، فقضى عليه، وكأنَّ في ذِكْرِ «استوى» تمهيدًا لما في هذه القصَّةِ، وفيها تنبيهٌ على احتياجِ موسى ﵇ لقوة خِلقَتِه وبِنْيَتِهِ في رسالتِه، كما هو ظاهرٌ من حياتِه ﵇، بخلافِ ما كان من يوسفَ ﵇ الذي كان يحتاجُ إلى العلم والحكم لتدبير شؤون الناس في معاشهم، واللهُ أعلمُ.
ولا تخلو هذه الكتبُ من المُلَحِ والطَّرائفِ في توجيه بعض المواطن المتشابِهة، ومن ذلك ما وردَ في قوله تعالى: ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٠]، وقوله تعالى: ﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمْ الأَسْفَلِينَ﴾ [الصافات: ٩٨]. حيثُ اختلفت الفاصلتانِ مع أنهما واردتان في قصَّةِ تكسيرِ إبراهيمَ لأصنامِ قومِه، ومناظرتِه لهم في شأنِها.
ومما وُجِّهَ به هذا الاختلافُ: أنَّه في سورة الأنبياء ذكر المكايدة بينه وبين قومه، فقال لهم: ﴿وَتاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٧]، وهم أرادُوا به كيدًا، فانتهى كيدُه إلى النَّجاحِ، حيث كسرَ أصنامَهم، ونجا من نارِهم، وانتهى كيدُهم إلى الخسارةِ، حيثُ
стр. 88
خَسِرُوا أصنامَهم، ولم ينتقموا ممن كسرَها، فناسبَ ذكرُ الخسارةِ سورةَ الأنبياء.
وفي سورةِ الصَّافَّاتِ ذُكِرَ البنيانُ الذي بنوه له، وذلكَ في قوله تعالى: ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٩٧]؛ أي في أسفلِ البنيانِ، فخرجَ منه معافًى لم يُصِبْهُ أذى، فكانوا أحقَّ بالسُّفولِ منه، وفي ذكرِ السُّفولِ مناسبَةٌ لغرضِهم من هذا البنيانِ العالي الذي أرادوا أن يجعلوه في أسفلِه، واللهُ أعلمُ (١).
стр. 89
سابعًا: كتبُ الوجوه والنظائر
هذا العلمُ من العلومِ التي نشأت على يد المُفسِّر مقاتل بن سليمان البلخيِّ (ت: ١٥٠) (١)، وكلُّ الذينَ كتبوا هذا العلمَ بعده عيالٌ عليه، فكتابُه أصلٌ معتمدٌ لهم، وغايتهم أن يستدركوا وجهًا لم يقل به، أو نظيرًا لما ذكره.
ومن الكتبِ المطبوعةِ في هذا العلمِ:
١ - الوجوه والنَّظائر، لمقاتلِ بنِ سليمان (ت: ١٥٠) (٢).
٢ - الوجوه والنظائر، لهارون بن موسى (ت: ١٧٠ تقريبًا) (٣).
стр. 90
٣ - تفسير القرآن مما اشتبهت أسماؤه وتصرَّفت معانيه، أو (التَّصاريف) ليحيى بن سلام البصريِّ (ت: ٢٠٠) (١).
٤ - نزهة الأعين النَّواظر في علم الوجوه والنَّظائر، لأبي الفرج عبد الرحمن ابن الجوزيِّ (ت: ٥٩٧) (٢).
معنى مصطلح الوجوه والنظائر:
كان أوَّل من ألَّفَ في هذا العلمِ مقاتل (ت: ١٥٠)، ولكن لا يوجدُ في المطبوعِ من كتابه تعريفٌ لهذا المصطلحِ، ومن ثَمَّ فالمعوَّلُ عليه في معرفةِ مراده به الاستقراءُ.
وقد ظهرَ لي من استقراءِ كتابهِ، وكتبِ من جاء بعده ما يأتي:
الوجوه: المعاني المختلفةُ للَّفظِ القرآنيِّ.
والنَّظائرُ: الآياتُ الواردةُ في الوجهِ الواحدِ.
стр. 91
ومن ثَمَّ، فطريقتُهم في هذا العلمِ أن يكونَ للَّفظِ القرآنيِّ أكثرُ من معنى في سياقاتِه في النَّصِّ القرآنيِّ، فيذكرُونها أوجُهًا لهذا اللَّفظِ.
والآيات التي تَرِدُ في أحد الأوجه هي النظائرُ؛ لأنَّ معنى اللَّفظِ في هذه الآية، نظيرُ معناه في الآيةِ الأخرى.
ومن أمثلةِ ذلك:
قال مقاتل (ت: ١٥٠): «تفسيرُ أرساها على وجهين:
فوجه منها أرساها؛ يعني: أثبتها، فذلك قوله في النازعات: ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ [النازعات: ٣٢]؛ يعني: أثبت بها الأرضين؛ لئلاّ تزول بمن عليها.
كقوله: ﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ: ١٣]؛ يعني: ثابتاتٍ.
كقولِه: ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ [ق: ٧]؛ يعني: الجبالَ؛ لتُثبِّتَ الأرضين.
والوجه الثاني: مرساها؛ يعني: حينها، فذلك قوله في الأعرافِ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ [الأعراف: ١٨٧]؛ يعني: متى حينُها؟
نظيرها في النازِعات: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ [النازعات: ٤٢]؛ يعني: متى حينها؟» (١).
تحليلُ هذا المثال:
جعل مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠) الأوجه: المعاني المتعددة للفظِ
стр. 92
الإرساء، وجعل النَّظائر: المواطن التي تكرَّر فيها المعنى، فمعنى مراساها في آية الأعراف نظيرُ معناها في آية النازعاتِ.
ملاحظُ على كتبِ الوجوه والنَّظائرِ:
* إذا وازنت هذه الوجوه بأقوالِ المفسِّرينَ ممن قبلهم، فإنَّك ستظفرُ بكثيرٍ منها عندهم، فكتب الوجوهِ والنظائرِ إنَّما هي جَمْعٌ لِلمُتَفَرِّقِ من أقوالِ المفسِّرينَ، وإنْ لم يَنْسُبْ من ألَّف في الوجوه والنَّظائرِ أقوالَهم إليهم.
* كتبُ الوجوهِ والنَّظائرِ تَعْمِدُ إلى بيانِ المعنى السِّياقيِّ للَّفظةِ، لذا تكثرُ في هذه الكتب معاني بعض الألفاظ، وهي متداخِلةٌ، ولا حاجةَ لفصلِها عن بعضِها؛ كالوجوه التي أوردها مقاتلٌ (ت: ١٥٠) في «المشي»، وهي: المُضيُّ، والهُدى، والمرور، والمشي بعينه (١).
وثلاثةُ أوجهٍ منها بمعنى واحدٍ، وهي: المُضيُ، والمرورُ، والمشيُ بعينه. ولو جعلها وجهًا واحدًا لكان أولى، ولست أدري ما عِلَّةُ تكثيرِه لأوجه هذه اللَّفظةِ، وعنده من أشباه هذا التَّكثيرِ كثيرٌ.
* كما أنَّ بعضَ هذه الوجوهِ فيه تكلُّفٌ لا داعي له سوى التَّكثُّرُ.
стр. 93
ولذا يمكنُ أن يتداخل عددٌ من الوجوهِ في وجهٍ واحدٍ، كما سبقَ.
كما أنَّ بعضَ الوجوهِ لا تظهرُ له علاقةٌ باللَّفظِ الذي يذكرونه، ومن ذلك:
قال مقاتل (ت: ١٥٠): «تفسيرُ شِيَعًا على خمسة وجوه:
فوجه منها، يعني: فِرَقًا، فذلك قوله في الأنعامِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ [الأنعام: ١٥٩]؛ يعني: أحزابًا، فِرَقًا من يهود ونصارى وصائبين ومجوس.
نظيرُها في الرُّومِ، حيث يقولُ: ﴿... وَلاَ تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ [الروم: ٣١، ٣٢]؛ يعني: أحزابًا، فِرَقًا. وقال في القصص: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ [القصص: ٤]؛ يعني: فِرَقًا. فِرقة القِبْطِ، وفرقةَ بني إسرائيلَ.
وكقولِه في الحِجْرِ: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الأَوَّلِينَ﴾ [الحجر: ١٠]؛ يعني: فِرق الأوَّلينَ،؛ يعني: قوم نوحٍ وهودٍ والأمم.
الوجه الثاني: الشِّيعُ؛ يعني: الجيش (١)، فذلك قوله في القصص لموسى: ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ﴾؛ يعني: كافرين، ﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ﴾؛ يعني: من بني إسرائيل، ﴿وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾؛ يعني: والآخر من عدوِّه؛
стр. 94
القبط، ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ﴾؛ يعني: من جيشِ موسى، ﴿عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥]: القبطي.
الوجه الثالث: الشِّيع؛ يعني: أهل مكة، فذلك قوله في اقتربت السَّاعة: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ﴾ [القمر: ٥١] يا أهل مكة.
كقولِه في سبأ: ﴿كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾ [سبأ: ٥٤]؛ يعني: أهل مكة.
كقولِه في مريم: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ﴾ [مريم: ٦٩]؛ يعني: أهل مكة.
كقوله في الصَّافَّات: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيْعَتِهِ لإبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات: ٨٣]؛ يقول: إنَّ من أهل ملَّتِه ـ ملة نوح ـ لإبراهيم.
والوجه الرابع: (تشيعَ) نفسُها. فذلك قوله في النُّور: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ [النور: ١٩]؛ يعني: أن تَفْشُوَ الفاحشةُ في الذين آمنوا (١).
والوجه الخامس: شِيعًا؛ يعني: الأهواء المختلِفةَ، فذلكَ قوله في الأنعام: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ [الأنعام: ٦٥]؛ يعني: الأهواء المختلفة» (٢).
وإذا تأمَّلت هذه الأوجه، ظهر لك ما يأتي:
١ - إن كانت قراءةُ المحقِّقِ للوجه الثَّاني صحيحةً، وهو الجيش،
стр. 95
فإنه لا علاقةَ له بمعنى الشِّيَعِ، ولا معنى لإدخالِه فيه.
٢ - أنَّ بعض هذه الوجوه متداخلٌ، ولا معنى لفصلِه عن غيره؛ لأنها تجتمعُ في المعنى الغالبِ على اللَّفظِ، وهو المعاضدةُ والمناصرةُ (١)، فكلُّ مجموعةٍ متناصرةٍ ومتعاضدةٍ على شيءٍ شيعةٌ، وبهذا سُمِّيتِ الفِرَقُ شِيَعًا، ويدخلُ في هذا المعنى الوجه الأول: الفِرَق، والثاني، على قراءتها: «الجنس»، والثالث: أهل مكة، والخامس: الأهواء المختلفة.
أما الوجه الرابع، فهو المعنى الآخرُ من معاني «شيع»، وهو البثُّ والإشاعة والإشادة (٢).
٣ - ما ذكره في الوجه الخامس، وهو تفسيرُ: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ [الأنعام: ٦٥]؛ يعني: الأهواء المختلفة، هو من الوجه الأول، بمعنى الفِرَقِ؛ أي يجعلكم فِرَقًا مختلطةً.
وهذا التفسيرُ المطابقُ لمعنى اللَّفظِ، وهو الذي أشار إليه السُّدِّيُّ (ت: ١٢٨) في تفسيره فقال: «يُفَرِّق بينكم» (٣).
أمَّا ما ذكره في تفسير الآية فإنَّه تفسيرٌ بالمعنى، لا بمطابقِ اللفظِ، وهذا التَّفسيرُ بالمعنى هو تفسيرُ مجاهد (ت: ١٠٤) وغيره من السَّلفِ (٤).
* وهذه الوجوهُ مرجِعها اللُّغةُ؛ أي أنَّ بينَ معنى هذه الوجوهِ في سياقاتِها القرآنيَّةِ وبين المعنى اللُّغويِّ للوجهِ = مناسبةٌ.
стр. 96
وقد تكونُ المناسبةُ مرتبطةً بأصلِ معنى اللَّفظِ في لغةِ العربِ، وقد تكونُ بالمعنى المشهورِ من دلالاتِ اللَّفظِ.
* كما قد تفيدُ حكايةُ هذه الوجوهِ في معرفةِ المعاني التي يجتمعُ فيها اللفظُ، ولا يخرجُ عنها في القرآنِ.
وقد تفيدُ هذه الوجوه من يبحثُ في مصطلحِ القرآنِ الغالبِ على بعضِ الألفاظِ، ويظهرُ ذلك بتتبُّعِ النظائرِ المذكورة للوجوهِ.
ومن أمثلةِ حصرِ هذه الوجوه للمعاني التي ترادُ باللَّفظِ، ما ذكرهُ مقاتل (ت: ١٥٠) في تفسيرِ وجوه لفظ «النَّجمِ»، قال: «تفسيرُ النَّجمِ على ثلاثةِ وجوهٍ:
فوجهٌ منها: النَّجمُ؛ يعني: الكوكب، فذلك قوله في السماء والطَّارق: ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ [الطارق: ٣]؛ يعني: الكوكبَ المضيءَ ...
والوجه الثَّاني: النَّجمُ؛ يعني: نجوم القرآنِ، إذ كان ينْزلُ القرآنُ نجومًا على النَّبيِّ ﵊ ورحمةُ اللهِ وبركاتُه ـ الآيةَ والآيتينِ والسُّورةَ والسُّورتينِ، ونحوه كثيرٌ، قولهُ: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم: ١] ...
والوجه الثالثُ: النَّجمُ؛ يعني: النَّبت الذي ليس له ساقٌ، فذلك قوله في الرَّحمنِ: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٦] ...» (١).
فيُستفادُ من ذكرِ هذه الأوجهِ أنَّ لفظَ النَّجمِ إذا وردَ لا يحتملُ غيرَ هذه المعاني المذكورة، واللهُ أعلمُ.
стр. 97
ثامنًا: كتبُ أحكامِ القرآنِ
ألَّفَ العلماءُ في هذا العلم قديمًا، وكان من أوائلِ من ألَّف فيه الحافظُ الرَّحَّالُ أبو الحسن علي بن حُجْرٍ (ت: ٢٤٤) (١)، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري (ت: ٢٦٨) (٢)، والقاضي إسماعيل بن إسحاق الجهضميُّ (ت: ٢٨٢) (٣)، وأبو جعفر أحمد بن محمد الطحاوي (ت: ٣٢١) (٤)، وغيرهم.
ومن أشهرِ المؤلَّفات فيه: كتاب أحكام القرآن، لأبي بكر الجصَّاص الحنفيِّ (ت: ٣٧٠)، وكتاب أحكام القرآن، للقاضي ابن العربيِّ المالكيِّ (ت: ٥٤٣)، وكتاب الجامع لأحكام القرآن، للقرطبيِّ المالكيِّ (ت: ٦٧١).
стр. 98
ولا تخلو كتب التَّفسير المطوَّلةُ من تفسير الأحكام القرآنيَّة والاستطراد في مسائل الفقه؛ كتفسيرِ الطَّبريِّ (ت: ٣١٠)، وتفسيرِ ابن عطيَّةَ الأندلسيِّ (ت: ٥٤٢)، وتفسيرِ ابن كثيرٍ الدِّمشقيِّ (ت: ٧٧٤)، وتفسيرِ أبي حيَّانَ الأندلسيِّ (ت: ٧٤٥).
وقد كانت طريقةُ ترتيبِ كتبِ الأحكامِ على منهجينِ:
الأوَّلُ: ترتيبُ الكتابِ على سورِ القرآنِ، فيبتدأُ بالفاتحةِ، ويختمُ بالنَّاسِ، وعلى هذا أغلبُ كتبِ أحكامِ القرآنِ.
الثاني: ترتيبُ الكتابِ على أبوابِ الفقه، وعلى هذا سار أبو جعفر الطَّحاويُّ (ت: ٣٢١).
ويظهر على كتبِ أحكامِ القرآنِ عمومًا الميلُ إلى المذهبِ الذي يتمذهبُ به صاحبُ الكتابِ، فالطَّحاويُّ (ت: ٣٢١) يذهبُ بالمسائل التي ذكرَها إلى إبرازِ المذهبِ الحنفيِّ الذي ينتمي إليه، وابن العربيِّ (ت: ٥٤٣) يذهبُ بالمسائل التي ذكرَها إلى إبرازِ المذهبِ المالكيِّ الذي ينتمي إليه، وكذا غيرُهم، مهما وُصِفَ باعتدالِه في بيانِ المذهبِ الراجِحِ؛ لأنَّ المذهبَ الذي نشأ عليه غَلاَّبٌ.
ويكفي في التَّمثيلِ لهذه المسألةِ أن ترى المسائلَ التي عقدها الطَّحاويُّ (ت: ٣٢١) في كتابِه، فإنَّك ستجدُ ـ في أغلبِ المسائلِ ـ النَّصَّ على مذهبِ أبي حنيفةِ (ت: ١٥٠) وأصحابِه (١).
بل قد يتعدَّى الأمرُ إلى غمطِ المخالفين، والاستطالة عليهم بما لا
стр. 99
داعي له، ومن أمثلةِ ذلكَ ما قاله ابن العربيِّ (ت: ٥٤٣): «وظنَّ الشَّافعيُّ ـ وهو عند أصحابِه مَعدُّ بن عدنان في الفصاحة، بَلْهَ أبي حنيفة وسواه ـ أنَّ الغَسْلَ صبُّ الماءِ على المغسولِ من غيرِ عركٍ. وقد بيَّنَّا فسادَ ذلك في مسائل الخلافِ» (١).
وقال: «والشَّافعيُّ وسواه لا يَلْحَظونَ الشَّريعةَ بِعَينِ مالكٍ ﵀، ولا يلتفتون إلى المصالحِ، ولا يعتبرونَ المقاصدَ، وإنما يلحظونَ الظَّواهرَ ويستنبطونَ منها، وقد بيَّنَّا ذلك في أصولِ الفقه، والقبسِ في شرحِ موطَّأ مالك بن أنس» (٢).
وقد ظهرَ في منهجِ من حرصَ على ذكر أحكامِ القرآنِ من المفسِّرينَ أو مَن كتبَ في أحكامِ القرآنِ خاصَّةً الاستطرادُ في ذكرِ المسائلِ المتعلقةِ بحكمِ الآيةِ، وإن لم تُشِرْ إليها.
والمنهجُ الموافقُ لمفهومِ التَّفسيرِ أن لا يتعدَّى المفسِّرُ ما تضمَّنتهُ الآيةُ من حكمٍ، وقد أشارَ إلى ذلكَ بعضُ المفسِّرينَ؛ منهم: الإمامُ ابن جريرٍ الطبريُّ (ت: ٣١٠) (٣)، وأبو حيَّانَ (ت: ٧٤٥).
قال أبو حيَّان (ت: ٧٤٥): «وقد تَعَرَّضَ المفسِّرون في كتبِهم لحكم التَّسميةِ في الصَّلاةِ، وذكروا اختلافَ العلماءِ في ذلك، وأطالوا التَّفاريعَ في ذلك، وكذلك فعَلُوا في غيرِ ما آيةٍ، وموضوعُ هذا كتبُ الفقهِ.
وكذلك تكلَّمَ بعضُهم على التَّعَوُّذِ، وعلى حكمِه، وليس من القرآنِ بإجماعٍ.
стр. 100
ونحنُ في كتابِنا هذا لا نتعرَّضُ لحكمٍ شرعيٍ إلاَّ إذا كان لفظُ القرآنِ يدلُّ على ذلك الحكمِ، أو يمكنُ استنباطُه منه بوجهٍ من وجوهِ الاستنباطاتِ» (١).
وقد تجدُ تكلُّفًا في ذكرِ بعض الأحكامِ الفقهيَّةِ، ولو كانت الإشارةُ إليه باللَّفظِ فقط، وقد اعترضَ على هذا أبو حيَّانَ (ت: ٧٤٥)، فقال: «وقد تكلَّمَ بعضُ النَّاسِ (٢) على أحكامِ السُّكنى والعُمْرَى والرُّقْبَى (٣)، وذكرَ كلامَ الفقهاءِ في ذلك واختلافهم، حين فسَّرَ قول الله تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، وليس في الآيةِ ما يدلُّ على شيءٍ مما ذكر» (٤).
وهذا المنهجُ الذي انتهجه أصحابُ كتبِ أحكام القرآن جعلَ كتبَهم كتبَ فقهٍ، لا كتب تفسيرٍ، ولذا فإنَّه لا تكتملُ فيها صورةُ التَّفسيرِ.
ولو كانت كتبُ أحكامِ القرآنِ تعمدُ إلى الأحكامِ التي نصَّ عليها القرآنُ، وإلى كيفيَّةِ استنباطِ الحكمِ من القرآنِ، دونَ الاستطرادِ في ذكرِ المسائلِ الفقهيَّةِ، أو تكلُّفِ الحديثِ عن أحكامٍ لم ينصَّ عليها القرآنُ = لما اتسعتْ هذه الكُتبُ، واللهُ أعلمُ.
стр. 101
وإنما ستتباينُ هذه الكُتبُ في نتيجةِ الحُكمِ المستنبطِ، كما ستتباينُ طرقُ الاستنباطِ، ومصادر الأخذ؛ كإجماعِ أهل المدينة عند المالكيةِ.
وسبب ذلكَ كلِّه اختلافُ المذهبِ الفقهيِّ الذي ينتمي إليه المؤلِّفُ، إذ لكلِّ مذهبٍ أصولُه التي يَصدُر عنها، ويَستنبطِ الأحكامَ بها.
وقد أشارَ إلى هذا مكيُّ بن أبي طالب (ت: ٤٣٧) في حديثِه عن الأخذِ بشرعِ من قبلنا، فقال: «... وهذه المعاني من الأصولِ لها مواضعُ يُتَقَصَّى الكلامُ فيها ويُبيَّنُ في غير هذا الكتابِ ـ إن شاء الله ـ فهي أصل الفقه والدين وعليها بنى الفقهاءُ مسائلهم وفُتياهم، وإنما اختلفوا في الفتيا على نحو اختلافِهم في معاني الأصولِ، فمعرفةُ الأصولِ عليها العمدةُ عند أهل الفهمِ والنَّظرِ، ومعرفةُ المسائلِ بغيرِ معرفةِ الأصولِ إنما هو سبيل المقلدين الضعفاء في الأفهام» (١).
* ومن الملحوظِ أنَّ دراسة آيات الأحكامِ مفردةً تذهبُ بالآياتِ التي تدرسُها إلى علمِ الفقهِ، ولا تعتني بمسائلِ التَّفسيرِ، حتَّى صارتِ الكتبُ المؤلَّفةُ في أحكامِ القرآنِ فقط = كتبَ فقهٍ لا تفسير.
وكذا الحالُ في كتبِ أحاديثِ الأحكامِ، تجد الدارس لهذه الكتب يدرسُ مسائلَ الفقهِ.
والدارسُ يدرسُ علمَ الفقهِ أصلاً، ثمَّ تراه تتكرَّرُ له المسائلُ الفقهيَّةُ، ويدرسُها على أنَّها على أسلوبِ علماءِ التَّفسيرِ أو علماءِ الحديثِ، والأمرُ ليس كذلك، إذ هو يدرسُ الفقهَ بصورةٍ أخرى، ليس إلاَّ.
стр. 102
ونشأ عن هذا أنَّك لا تأخذُ من كتبِ آيات الأحكام منهجَ تفسيرٍ؛ لأنَّها لا تُعنى به.
ولو دُرست السُّوَرُ التي تحوي أحكامًا كاملةً، لتمكَّنَ المعلِّمُ أن يفيدَ في جانبِ التَّفسيرِ وفي جانب الأحكامِ، وهذا أوْلى، وبهذا يُعطى كلُّ علمٍ حظَّه من التَّدريسِ، ويستفيدُ الدارسُ من جملةِ هذه العلومِ، واللهُ أعلمُ.
стр. 103
تاسعًا: كتبُ الناسخِ والمنسوخِ
إنَّ علمَ النَّاسخِ والمنسوخِ من أشهرِ علومِ القرآنِ، وأكثرها كُتُبًا، إذ كتبَ فيه عددٌ كثيرٌ من العلماءِ، ومن كتبهم المطبوعة:
١ - كتاب النَّاسخِ والمنسوخِ في كتابِ الله تعالى، لقتادة بن دِعامة السَّدوسيِّ (ت: ١١٧).
٢ - النَّاسخُ والمنسوخُ، لمحمد بن مسلم بن شهاب الزهريِّ (ت: ١٢٤).
وهذان الكتابان من كتبِ أعلامِ التَّابعينَ وتابعيهم، ومن ثَمَّ فإنَّ دراستَها يلزمُ أن تكونَ على مصطلحِهم في النَّسخِ، وسيأتي بيانُ مصطلحِهم فيه.
٣ - الناسخ والمنسوخ، لأبي عبيد القاسم بن سلام (ت: ٢٢٤).
٤ - الناسخ والمنسوخُ في كتاب الله واختلاف العلماء في ذلك، لأبي جعفر أحمد بن محمد النَّحاس (ت: ٣٣٨).
٥ - الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ومعرفة أصوله واختلاف الناس فيه، لأبي محمد مكي بن أبي طالب (ت: ٤٣٧).
стр. 104
٦ - الناسخ والمنسوخ في القرآن لأبي بكر بن محمد بن عبد الله بن العربي (ت: ٥٤٣).
٧ - نواسخ القرآن، لأبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزيِّ (ت: ٥٩٧).
وتتميَّزُ هذه الكتبُ الأربعة بالنَّقدِ والتَّحليلِ في تفسيرِ الآياتِ التي حُكيَ فيها النَّسخُ، وفيها فوائدُ كثيرةٌ بسببِ هذه المناقشاتِ العلميَّة.
٨ - النَّسخُ في القرآنِ الكريمِ، للدكتور مصطفى زيد، وهو من أهمِّ كتب النَّسخِ المعاصرة.
وهناك غيرها كثيرٌ من المطبوع والمخطوطِ.
مصطلح النَّسخ بين المتقدِّمين ومتأخِّري الفقهاء:
يختلف إطلاقُ النَّسخِ بين السَّلفِ والمتأخِّرينَ.
فالمتأخِّرونَ من علماءِ الفقهِ وأصولهِ يُعرِّفونَ النَّسخَ بأنه: رفعُ حكمٍ شرعيٍّ بدليلٍ شرعيٍّ متراخٍ عنه.
ومن شروطِ وقوعِ النَّسخِ:
١ - أن يكونَ النَّسخُ في حكم شرعيٍّ.
٢ - أن لا يكونَ النَّاسخُ متصلاً بالمنسوخِ في آية واحدة.
٣ - أن يكونَ بينهما زمنٌ في النُّزولِ، وهذا يعتمدُ على تاريخِ النُّزُولِ، ومعرفة المكِّيِّ من المدنيِّ، والذي نزلَ أوَّلاً، والذي نزل بعده، وهذا من أعسرِ العلوم.
قال ابن العربيِّ (ت: ٥٤٣): «ومعرفةُ المكِّيِّ والمدنيِّ أمرٌ عسيرٌ، لم تبلغْ إليه معرفةُ العلماءِ على التَّحقيقِ، ولا ثبتَ فيه النَّقلُ على الصَّحيحِ،
стр. 105
وإنما أراد الله أن يكونَ كذلك في سبيل الاحتمال حتى تختلفَ بالمجتهدين الأحوالُ» (١).
٤ - وجودُ التَّعارض بين الحكمينِ المُدَّعى فيهما النَّسخُ.
وأغلبُ مادَّةِ كُتبِ النَّاسخِ والمنسوخِ تتعلَّقُ بالنَّسخِ على اصطلاحِ المتأخرينَ، ومن أجلِ ذلك، فهو جزءٌ من علمِ أحكامِ القرآنِ.
أمَّا علماءُ السَّلفِ من الصَّحابة والتَّابعين وأتباعِهم، فالنَّسخُ عندهم يشملُ النَّسخَ الذي استقرَّ عليه المتأخرونَ، والعامَّ والخاصَّ، والمجملَ والمبيَّنَ، والمطلقَ والمقيدَ.
وهذا يعني أنَّ مصطلحَ النَّسخِ عندهم يشملُ رفعَ أيِّ حكمٍ، أو معنى في الآيةِ، وهو بهذا يشملُ تخصيصَ العامِّ، وتقييدَ المطلقِ، وبيانَ المجملِ، والاستثناءَ، وغيرَها مما يدخلُه إزالةُ بعضِ معناه (٢).
وعلى هذا المفهومِ من النَّسخِ يُحملُ كلامُ علي بن أبي طالب
стр. 106
(ت: ٤٠) في النَّاسخِ والمنسوخِ، فقد وردَ عنه أنَّه مرَّ بقاصٍّ يقصُّ في المسجدِ، فقال له: «أعلِمتَ النَّاسخَ والمنسوخَ؟
قال: لا.
قال: هلكتَ وأهلكتَ» (١).
وقد نبَّه على مفهومِ النَّسخِ عند السَّلفِ جمعٌ من العلماءِ، أنقلُ لك من أقوالِهم قول الشَّاطبيِّ (ت: ٧٩٠): «... الذي يظهرُ من كلامِ المتقدمين أنَّ النَّسخَ عندهم في الإطلاقِ أعمُّ منه في كلامِ الأصوليين، فقد يطلقون على تقييد المطلقِ نسخًا، وعلى تخصيصِ العمومِ بدليلٍ متَّصلٍ أو منفصلٍ نسخًا، وعلى بيانِ المبهمِ والمجملِ نسخًا، كما يطلقون على رفع الحكمِ بدليلٍ متأخِّرٍ نسخًا؛ لأنَّ جميع ذلك مشتركٌ في معنًى واحدٍ، وهو أنَّ النَّسخَ في الاصطلاحِ المتأخِّرِ اقتضى أنَّ الأمرَ المتقدِّمَ غيرُ مرادٍ في التَّكليفِ، وإنما المرادُ ما جيء به آخِرًا، فالأوَّلُ غيرُ معمولٍ به، والثَّاني هو المعمولُ به.
وهذا جارٍ في تقييدِ المطلقِ، فإنَّ المُطلَقَ متروكُ الظَّاهرِ مع مُقَيِّدِهِ، فلا إعمالَ له في إطلاقِه، بل المُعمَلُ هو المقيَّدُ، فكأن المطلقَ لم يُفِدْ مع مُقَيِّدِهِ شيئًا، فصارَ مثلَ النَّاسخِ والمنسوخِ.
وكذلك العامُّ مع الخاصِّ، إذْ كانَ ظاهرُ العامِّ يقتضي شمولَ الحكمِ لجميعِ ما يتناولهُ اللَّفظُ، فلمَّا جاءَ الخاصُّ، أخرجَ حُكمَ العامِّ عن الاعتبارِ، فأشبه النَّاسخَ والمنسوخَ. إلاَّ أنَّ اللَّفظَ العامَّ لم يُهمَلْ مدلولُه جملةً، وإنما أُهمِلَ منه ما دلَّ عليه الخاصُّ، وبقِيَ السَّائرُ على
стр. 107
الحكمِ الأوَّلِ. والمبيَّنُ مع المبهمِ، كالمُقَيَّدِ مع المُطلَقِ، فلمَّا كانَ كذلكَ استُسْهِلَ إطلاقُ لفظِ النَّسخِ في جملةِ هذه المعاني، لرجوعِها إلى شيءٍ واحدٍ» (١).
وإذا تقرَّر هذا، فإنَّه لا يصحُّ الاعتراضُ على ما يردُ عن السَّلفِ من النَّسخِ حتَّى يتبيَّنَ لك الأمرُ.
وسأضربُ لك مثالين في مصطلحِ النَّسخِ عند السَّلفِ:
* رُويَ عن ابن عباسٍ (ت: ٦٨) أنَّه حَكَمَ على قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] بأنه منسوخٌ بقوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] (٢).
والآيةُ المنسوخةُ خبرٌ، وقد تقرَّرَ في قواعدِ النَّسخِ أنَّ الأخبارَ لا تُنسخُ (٣).
ولكن إذا حملتَ النَّسخَ على مطلقِ الرَّفعِ، وأنَّه هنا رَفَعَ بعضَ العمومِ الوارد على لفظِ الشُّعراءِ، وبهذا يكونُ الاستثناءُ الواردُ بعد هذا العمومِ قد خصَّصَ من الشُّعراءِ من آمنَ باللهِ = صحَّ لك ما وردَ من
стр. 108
الحُكمِ بالنَّسخِ، وأنه لا يرادُ به النَّسخُ على الاصطلاحِ المتأخِّرِ الذي استقرَّ عليه علماءُ أصولِ الفقه وغيرهم، واللهُ أعلمُ.
* أسند النَّحاسُ (ت: ٣٣٨)، عن وهب بن منبِّه (ت: ١١٤) أنَّ قوله تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلاَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ أَلاَ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الشورى: ٥]، منسوخٌ بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر: ٧] (١).
وقد اعترض على هذا جماعةٌ، منهم ابن الجوزيِّ (ت: ٥٩٧). قال: «وهذا قبيحٌ؛ لأنَّ الآيتين خبرٌ، والخبرُ لا يُنسخُ ...» (٢).
وهذا الاعتراضُ يصحُّ لو كان مقصودُ القائلِ النَّسخَ الاصطلاحيَّ المتأخِّرَ، ولكن لو حُمِلَ على مُصطلحِ السَّلفِ، وجُعلَ هذا من بيان المجملِ، لكانَ المذهبَ، دون أن يُعترضَ على العلماءِ ما كان لقولِهم وجهٌ مقبولٌ واللهُ أعلمُ.
وعلى هذا قِسْ كثيرًا مما وردَ من لفظِ النَّسخِ عن السَّلفِ، تسلمُ من الاشتباهِ في تفسيرِهم، أو الاعتراضِ عليهم بما لهم فيه مصطلحٌ ما استقرَّ عليه المتأخِّرون.
ومن هنا يحسنُ التَّنبُّه على أنَّه لا يصحُّ أن تُحملَ ألفاظُ السَّلفِ
стр. 109
على الألفاظِ الاصطلاحيَّةِ التي ضُبِطَتْ بها العلوم بعد عهدهم.
ومن الأمثلةِ على ذلك، ما ورد في تفسيرِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]، قال عكرمةُ (ت: ١٠٥)، والحسنُ البصريُّ (ت: ١١٠)، وابن جريج (ت: ١٥٠): ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾، ثمَّ استثنى، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١]؛ يعني: عيسى والملائكة وعُزَير وكلُّ من عُبِدَ من الصالحينَ، وهو غيرُ راضٍ (١).
قال مكيُّ بن أبي طالب (ت: ٤٣٧): «وقد سمَّى جماعةٌ من المتقدمين هذا استثناءً، وليس كذلك؛ لأنَّ الاستثناءَ إنَّما يأتي بحرفِ الاستثناءِ، ولا حرفَ في هذا، فإنما هو تخصيصٌ وبيانٌ» (٢).
وهذا الاستدراكُ من مكيٍّ (ت: ٤٣٧) غيرُ صحيحٍ؛ لأنَّه لا يرادُ بالاستثناءِ في هذا المثالِ الاستثناءُ في مصطلحِ النَّحويين، بل مرادهم: استثنى؛ أي: أخرجَ، والمرادُ أنَّهم خارجونَ عن حكمِ الآيةِ الأولى بهذه الآيةِ، وهو التَّخصيصُ والبيانُ الذي ذكرَه أبو محمد مكيُّ بن أبي طالبٍ (ت: ٤٣٧) (٣).
стр. 110
استدراكٌ في أمثلةِ النَّسخ عند السَّلفِ:
قد لا تسلمُ بعضُ الأمثلةِ من أن تكونَ مشكلةً في مرادِ السَّلفِ بالنَّسخِ، وذلك إذا كان الأمرُ يتعلَّقُ بحكمٍ شرعيٍّ، وكان محتملاً للنَّسخِ الاصطلاحيِّ المتأخِّرِ، ومحتملاً لأن يكونَ بمعنى تخصيصِ العمومِ مثلاً.
فيكونُ الخلافُ في الحكم على الآيةِ دائرًا بين النَّسخِ، والقول بالعمومِ المُخصَّصِ، وإليك هذا المثال الذي يبيِّنُ المقالَ:
قوله: ﴿وَلاَ تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ١٢١].
في هذه الآية خلافٌ طويلٌ، والمرادُ هنا ما أشيرَ إلى حكمِ النَّسخِ فيها، فقد قيل بأنها منسوخةٌ بآيةِ المائدةِ، وهي قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [المائدة: ٥].
ويكونُ المرادُ بالمشركاتِ: عابداتِ الأوثان من العربِ وغيرِهم، واليهوديَّاتِ، والنَّصرانيَّاتِ، وتكونُ هذه الآيةُ ناسخةً للمنعِ من زواجِ نساءِ أهلِ الكتابِ إذا كُنَّ عفائفَ محصناتٍ، وأُعطينَ أجورهنَّ.
أما عابداتُ الوثنِ من الكافرات، فقد وردَ النَّهيُ عن زواجِهنَّ في غيرِ هذه الآيةِ، ولذا يبقينَ على التَّحريمِ.
وقيلَ بأنَّ آيةَ سورةِ المائدةِ مخصِّصةٌ لآيةِ سورةِ البقرةِ؛ أي أنَّ اللهَ