← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 13893

أنواع التصنيف المتعلقة بتفسير القرآن الكريم

مساعد الطيار

Полный текст (166 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

أنواع التَّصنيف المتعلِّقة بتَفسير القُرآن الكريم إعداد د. مساعِد بن سُليمان بن ناصر الطيَّار أستاذ التفسير المشارك بجامعة الملك سعود دار ابن الجوزي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 2

ـ[عرض أنواع التَّصنيف المتعلِّقة بتَفسير القُرآن الكريم]ـ (*) عرض: عمرو الشرقاوي إعداد د. مساعِد بن سُليمان بن ناصر الطيَّار أستاذ التفسير المشارك بجامعة الملك سعود صدر الكتاب عن دار ابن الجوزي بعدة طبعات مختلفة، آخرهن طبعة مجلدة. وقد ذكر المؤلف أنه لمْ يَسِرْ على نظامٍ مُجَدْوَلٍ في كلِّ تصنيفٍ، بل كان يكتبُ ما يمليه الخاطرُ؛ لذا لم يكن للمعلوماتِ ترتيبٌ معيَّنٌ. وذكر المؤلف مدخلاً يتعلَّقُ بتصنيفِ العلومِ التي يشملُها علمُ «علومِ القرآنِ». واستطرد في ذكرِ قضيَّةِ تداخلِ موضوعاتِ «علوم القرآنِ»، وهي قضيَّةٌ مهمَّةٌ تحتاجُ إلى نظرٍ ودراسةٍ؛ لأنَّه قد يمكنُ أن تُدرسَ جملةٌ من علومِه تحتَ مسمًّى واحدٍ تترابطُ فيه مسائلُ هذا العلمِ؛ ويبنى عليها ما بعدها من المسائلِ. كما نبه على أن علم التَّفسيرِ جزءٌ من علومِ القرآنِ. وأن الأصل أن يكونَ ما في علمِ التَّفسيرِ مُبينًا للقرآنِ، وما كانَ خارجًا عن حَدِّ بيانِ كلامِه سبحانَهُ، فإنَّه ليسَ من صُلبِ التَّفسيرِ. كما أجرى المؤلف محاولةً في ترتيبِ جملةِ هذه العلومِ التي يذكرها المصنِّفون في علومِ القرآنِ، ودمج ما تفرَّق منها، وإرجاعِ بعضها إلى بعضٍ. وذكر عدة فوائد نفيسة في مدخل الكتاب يحسن الرجوع إليها. وبدأ بذكر كتب التفسير، منبهًا أنها كثيرةٌ جدًّا، وذكر إشاراتٍ عابرةً في هذه الكتبِ. كما ذكر أنَّ السَّلفَ من التابعينَ وتابعيهم قد دوَّنوا التَّفسيرَ، وأنَّ أغلبَ هذه المدوَّناتِ مبثوثٌ في الكتبِ التي تُعنى بالمأثورِ عنهم. ونبه أنه إذا درست تفاسيرَهم بعنايةٍ، ونظرت في تفاسيرِ المتأخرينَ، سيظهر جليًّا أنَّ المتأخِّرينَ عالةٌ عليهم في بيانِ معاني القرآنِ والمرادِ بها، وأنَّ المتأخرينَ لم يزيدوا كثيرًا على أقوالِهم من جهةِ البيانِ عن معنى الآي، وإنما كانتِ الزيادةُ في غيرِ هذا الجانبِ.

стр. 3

ونبه كذلك أنَّ كُتبَ التَّفسيرِ تحوي كثيرًا من مسائلِ العلومِ التي لها علاقةٌ بعلمِ التَّفسيرِ أو هي من علومِ القرآنِ، وأن هذه الكتبُ مجالٌ خصبٌ لتطبيقاتِ هذه المسائلِ العلميَّةِ، بل قد تجدُ فيها إشاراتٍ إلى مسائلَ متعلِّقةٍ بعلمٍ من علومِ القرآنِ، وهي غيرُ موجودةٍ في كتبِه. وأن مُدوَّناتُ التَّفسيرِ الكبيرةُ خرجت بعلمِ التَّفسيرِ إلى مسائلَ لا علاقةَ لها به، وإنما جرَّها إليه بُرُوعُ المؤلِّفِ في فنٍّ من الفنونِ. ونبه أنَّ المذهب الذي يميلُ إليه المفسر، سواءٌ أكانَ فِقْهًا، أم نَحْوًا، أم عَقِيدَةً = له أثرٌ في اختيارِ المفسِّرِ للمعنى، وقد يظهرُ بهذا الاختيارِ تكلُّفُ المفسِّرِ وتعسُّفُه، وتركُه للظَّاهرِ من أجلِ أن لا يخالفَ ما يعتقدُه. وفي كتب إعراب القرآن نبه على أن علم إعرابِ القرآنِ يدخلُ في تآليفِ معاني القرآنِ. وذكر المؤلف أنَّ كُتب العلماءِ في إعرابِ القرآنِ على قسمين: الأول: كتبٌ مستقلَّةٌ باسم إعرابِ القرآنِ. الثاني: كتبٌ تضمَّنت إعرابَ القرآنِ؛ كبعضِ كتبِ التَّفسيرِ، وكتبِ معاني القرآنِ، وكتبِ الاحتجاجِ للقراءاتِ، وكتبِ الوقفِ والابتداءِ. ونبه المؤلف أن التَّوجُّهِ للنَّصِّ القرآنيِّ مجالٌ لبعضِهم في ذكر أصولِ مذاهبِ العلماء وآرائهم النحويَّةِ. ومن الفوائد الحسنة التي ذكرها أن كتابي الفراء والأخفش لو رُتِّبَا على مسائلِ كُتب النَّحوِ، لصارا كتابينِ نحويَّينِ، قلَّ أن يشذَّ عنهما بابٌ من أبوابِ النَّحوِ، وأن هذا يدلُّ على أنهما أرادا بهذا التَّوجُّه للقرآنِ إبرازَ مذهبِهما النَّحويِّ، واللهُ أعلمُ. وذكر بعض القواعد التي تضبط ما يُعملُ به في إعرابِ كتابِ اللهِ. وفي كتب معاني القرآن ذكر من ألف فيه من لغويو القرن الثاني، وبعض ما قد طُبِعَ من كُتبِ معاني القرآنِ.

стр. 4

ونبه أن بعضَ كتبِ معاني القرآنِ تضمُّ إليها علمَ إعرابِ القرآنِ؛ لذا، فإنها من مراجِعِ كتبِ الإعرابِ القرآنيُّ. ونبه أنه قد يدخل في علم معاني القرآنِ: علمُ غريبِ القرآنِ، وعلمُ مشكلِ القرآنِ، وعلمُ الأساليبِ العربيَّةِ التي جاءت في القرآن (علم إعجازِ القرآنِ، وعلم البلاغة كما بحثه المتقدِّمونَ). ومن فوائده: أن معاني القرآن التي كتب فيها المتقدمون غير علم المعاني الذي صار قسمًا من علوم البلاغة. وفي كتب غريب القرآن، نبه على أنه ليس المرادُ بالغريبِ: ما كانَ غامض المعنى دون غيره، وإنَّما المرادُ به: تفسيرُ مفرداتِ القرآنِ عمومًا. وذكر أن كتاب مجازِ القرآنِ، لأبي عبيدةَ من أشهرِ كتبِ غريبِ القرآنِ، وأكثرِها أثرًا في من جاء بعده، كما يتميَّزُ بكثرةِ الشَّواهدِ الشِّعريَّةِ. ونبه أنه قد سارت المؤلفاتُ في غريبِ القرآنِ في ترتيبِها على طريقتين: الأولى: السَّيرُ على ترتيب الألفاظِ في السورِ، مبتدأةً بسورة الفاتحة، ومختتمةً بسورةِ النَّاس. الثانية: ترتيبُ الألفاظِ القرآنيَّة على الحروفِ الهجائيَّةِ، وغالبُها سارَ على الترتيبِ الألفبائي. ومن الفوائد الجميلة: أنَّ علم غريبِ القرآنِ من أوَّلِ علومِ التَّفسيرِ التي يجبُ أن يتعلَّمه طالبُ علمِ التَّفسيرِ. وفي كتب مُشكلاتِ القُرآن، نبه أنه قد يرادُ بالمشكلِ: المُشَاكِلُ للشَّيءِ؛ أي: المُشَابِه له، وقد يرادُ به: ما غَمَضَ ودَقَّ عن الفَهْمِ. وأن المراد به هنا النَّوع الثاني؛ أي: ما غَمَضَ في الفَهْمِ وخَفِيَ على المرءِ، أيًّا كانَ سببُ غُمُوضِه وخَفَائه، وأنه قد يُطلقُ على هذا النَّوع مصطلحُ المتشابهِ. وأنه يظهرُ أنَّ سببَ الكتابةِ في مشكل القرآن مَوجَةٌ من الزَّندقةِ التي كانت تُشكِّكُ بالقرآنِ الكريمِ في نَظْمِه، أو أسلوبِه، أو أخبارِه.

стр. 5

وفي كتبُ متشابه القرآنِ، ذكر أن علم المتشابهِ في علومِ القرآن مصطلحٌ يطلقُ على عدَّةِ علومٍ، وهي: ١ ـ المتشابِه الذي يقابلُ المحكم. ٢ ـ المتشابه اللفظيُّ الذي يُشْكِلُ على حفَّاظِ القرآنِ. ٣ ـ المتكرِّرُ من المقاطعِ، مع تغيُّرِ كلمةٍ أو نحوها، أو ما يكونُ بين مقطعينِ من تناسبٍ ومُشَاكَلةٍ من أي وجهٍ من وجوهِ المُشَاكَلَةِ. وأنواع ذلك وبعض كتبه. كما ذكر معنى مصطلح الوجوه والنظائر. وفي كتب أحكامِ القرآنِ، ذكر أنه قد ألَّفَ العلماءُ في هذا العلم قديمًا. ونبه أنه لا تخلو كتب التَّفسير المطوَّلةُ من تفسير الأحكام القرآنيَّة والاستطراد في مسائل الفقه. ونبه أنه قد كانت طريقةُ ترتيبِ كتبِ الأحكامِ على منهجينِ: الأوَّلُ: ترتيبُ الكتابِ على سورِ القرآنِ، فيبتدأُ بالفاتحةِ، ويختمُ بالنَّاسِ، وعلى هذا أغلبُ كتبِ أحكامِ القرآنِ. الثاني: ترتيبُ الكتابِ على أبوابِ الفقه. وذكر أن هذا المنهج الذي انتهجه أصحابُ كتبِ أحكام القرآن جعلَ كتبَهم كتبَ فقهٍ، لا كتب تفسيرٍ، ولذا فإنَّه لا تكتملُ فيها صورةُ التَّفسيرِ. ولو كانت كتبُ أحكامِ القرآنِ تعمدُ إلى الأحكامِ التي نصَّ عليها القرآنُ، وإلى كيفيَّةِ استنباطِ الحكمِ من القرآنِ، دونَ الاستطرادِ في ذكرِ المسائلِ الفقهيَّةِ، أو تكلُّفِ الحديثِ عن أحكامٍ لم ينصَّ عليها القرآنُ = لما اتسعتْ هذه الكُتبُ، واللهُ أعلمُ. وفي كتب الناسخِ والمنسوخِ، ذكر أنَّ علمَ النَّاسخِ والمنسوخِ من أشهرِ علومِ القرآنِ، وأكثرها كُتُبًا، إذ كتبَ فيه عددٌ كثيرٌ من العلماءِ، وذكر بعض كتبهم المطبوعة. كما نبه على الفرق في مصطلح النَّسخ بين المتقدِّمين ومتأخِّري الفقهاء. وفي كتب المناسبات، ذكر أن العلماء كتبوا في في علمِ المناسباتِ، وكانت كتابتُهم ـ غالبًا ـ في المناسباتِ بين السُّورِ والمناسبات بين الآيات.

стр. 6

وأن المرادُ بهذا العلمِ: بيان وجهِ ارتباطِ اللفظةِ أو الآية أو السورةِ، أو غيرِها مما يحكيه العلماء من أنواع المناسباتِ. ثم تحدث عن كتب أسبابِ النُّزولِ، وبعض مصطلحاته. وذكر المؤلف طريق معرفة سبب النُّزول، والحاجة إلى معرفته. ثم تعرض لكتب توجيهِ القراءاتِ، وأنها على نوعينِ: النوع الأول: يذكر القراءات وينسبها إلى من قرأ بها، دون ذكر توجيهها. النوع الثاني: يذكر القراءات وينسبها، ويذكر توجيهها. وأنه قد كتبَ العلماءُ في توجيه القراءاتِ كتبًا مستقلَّةً، واعتنوا بتوجيه متواترِها وشاذِّها. كما ذكر كتبً الوقف والابتداءِ، وأن لعلم الوقف والابتداءِ علاقةً أكيدةً بعلمِ التَّفسيرِ، إذ هو أثرٌ من آثارِ التَّفسيرِ. وبين في كتب مُبهمَاتِ القرآنِ أن مبهمات القرآنِ: ما لم يُنَصَّ على ذكرِه من الأسماءِ، وقد يكونُ الإبهامُ لعَلَمٍ أو نباتٍ، أو حيوانٍ أو مكانٍ أو زمانٍ ... إلخ. ثبت أنواع الكتب المذكورة أولاً: كتبُ التفسير. ثانيًا: كتب إعراب القرآن. ثالثًا: كتب معاني القرآن. رابعًا: كتبُ غريب القرآن. خامسًا: كتب مشكلات القرآن. سادسًا: كتبُ متشابهِ القرآن. سابعًا: كتب الوجوه والنَّظائر. ثامنًا: كتبُ أحكامِ القرآن. تاسعًا: كتبُ الناسخ والمنسوخ. عاشرًا: كتبُ المناسبات. حادي عشر: كتبُ أسباب النُّزول. ثاني عشر: كتبُ توجيهِ القراءات. ثالث عشر: كتبُ الوقف والابتداء. رابع عشر: كتبُ مبهمات القرآن.

стр. 7

مقدمة البحث الحمدُ للهِ العليِّ الكبيرِ، أنزلَ خيرَ كتبِه على خَيرِ رسلِه، وأصلِّي وأسلِّمُ على البشيرِ النَّذيرِ محمَّدِ بنِ عبد اللهِ، وعلى آلهِ وصحبهِ ومن والاه إلى يومِ الدين، وبعد: لقد تنافسَ العلماءُ في التَّصنيفِ فيما يتعلَّقُ بكتابِ اللهِ، فخرجَ بذلك كتبٌ كثيرةٌ تخدمُ من يريدُ تفسيرَ كتابِ اللهِ، ويستعينُ بها على فهمه. وهذه الكتبُ لا حصرَ لأفرادِها لكثرتها. لكن كان من الممكنِ حصرُ موضوعاتِها التي تطرَّقت إليها، من غريبٍ ومُشكلٍ ومبهَمٍ وحُكْمٍ، وغيرِها. وهذا الكتاب يتعلَّقُ بأنواعِ الكتبِ التي صُنِّفت من أجلِ خدمةِ تفسيرِ كتابِ اللهِ. وقد كانت فكرةُ تدوينِ هذا البحثِ إثرَ محاضراتٍ ألقيتُها تحت عنوان «مقدِّماتٌ في علم التفسير»، وكان هذا الموضوعُ أحد الموضوعات التي طرحتُها، فلاقى استحسانًا من الحضورِ، فبدا لي أن أزيد فيه، وأضعه في مؤلَّفٍ يحويه، فكانَ هذا الكتابُ. ولقد حَرَصتُ فيه على بيانِ أنواعِ الكتبِ التي يُستفادُ منها في تفسيرِ كلامِ اللهِ، كما أشرتُ ـ في الغالبِ ـ إلى المعلوماتِ التي أُدخِلتْ على التَّفسيرِ في هذه الكتبِ. وقد ذكرتُ في كلِّ نوعٍ من أنواعِ التَّصنيفِ عنوانَ الكتبِ الذي

стр. 8

اشتهرت به، وحرَّرتُ معناه، وبيَّنتُ ما وقع فيه من تطوُّرٍ إن وُجدَ، وذكرتُ بدايات هذا العلم، وبداياتِ التَّأليفِ فيه، وطريقةَ ترتيبِ هذه الكتبِ المصنَّفةِ، وقد أذكرُ نماذجَ منها، كما قد أُشِيرُ إلى مدى إفادتِها للمفسِّرِ وما يحتاجهُ منها، كلُّ ذلك قدر الجهدِ والطَّاقةِ. ولمْ أَسِرْ على نظامٍ مُجَدْوَلٍ في كلِّ تصنيفٍ، بل كنت أكتبُ ما يمليه الخاطرُ ساعتَها؛ لذا لم يكن للمعلوماتِ ترتيبٌ معيَّنٌ. كما لم ألتزم قراءة كلِّ كتبِ هذه العلومِ، بل دوَّنتُ ما كنتُ جمعتُه من فوائدَ في هذه الكتبِ في أثناء قراءاتٍ سابقةٍ. وقد ذكرتُ في مبدإ هذا البحثِ مدخلاً يتعلَّقُ بتصنيفِ العلومِ التي يشملُها علمُ «علومِ القرآنِ» وقد ذكرتُها لأجل أن يُعرفَ الفرقُ بين «علومِ التَّفسيرِ» و «علومِ القرآن»، واستطردتُ في ذكرِ قضيَّةِ تداخلِ موضوعاتِ «علوم القرآنِ»، وهي قضيَّةٌ مهمَّةٌ تحتاجُ إلى نظرٍ ودراسةٍ؛ لأنَّه قد يمكنُ أن تُدرسَ جملةٌ من علومِه تحتَ مسمًّى واحدٍ تترابطُ فيه مسائلُ هذا العلمِ؛ ويبنى عليها ما بعدها من المسائلِ. ولقد كانَ يكفي أن يعرفَ الدَّارسُ ترابُطَ بعضِ العلومِ وتداخُلَها التي تُذكرُ مفرَّقةً في كتبِ القرآنِ، غير أنه في بعضِ الموضوعاتِ يكونُ ما هو أكثرُ من ذلكَ، وهو تأخيرُ دراسةِ موضوعٍ يمرُّ ذِكرهُ في موضوعاتٍ متقدِّمةٍ، ولا يمكنُ فهمُ ما يطرحُ فيها بدونِ شرحِه وتفصيلِه. ومن الأمثلةِ على ذلك: أنَّك تجدُ أنَّ في موضوعِ «جمعِ القرآنِ» إشارةً إلى «الأحرفِ السَّبعةِ» في جمعِ أبي بكرٍ وجمعِ عُثمانَ، والدَّارسُ لا يعرفُ المرادَ بالأحرفِ السَّبعةِ، فتَراكَ مضطرًّا لشرحِ موضوعِ «الأحرفِ السَّبعةِ» بإيجازٍ شديدٍ جدًّا يتناسبُ مع وقتِ إلقاءِ معلوماتِ «جمعِ القرآنِ».

стр. 9

وكذا الحالُ عند الحديث عن القراءات، وكيفَ اختلفتْ هذه القراءاتُ؟ وما عَلاقتُها بالأحرفِ السَّبعةِ؟ فإنَّك إن لم تكن قد درَّستَ الأحرفَ السَّبعةَ، ستضطرُّ إلى بيانِها هنا على أنَّها جُزئيَّةٌ استطراديَّةٌ. وقد كان يُغني عن ذلك ما لو رُتِّبت علومُ القرآنِ، وجُعِلَ مثلُ هذا الموضوعِ من أوَّلِ ما يدرسُه الدارسُ، ثمَّ يُحالُ عليه عندما يأتي موضوعٌ له علاقةٌ به. وسيكونُ في ترتيبِ العلومِ في كتبِ علومِ القرآنِ ابتعادٌ عن هذه المشكلةِ وغيرِها مما يلاحظهُ الذي يُدرِّسُ هذا العلمَ. وقد كنتُ أودُّ أن أطرحَ جانبًا أراهُ مُغْفَلاً في علومِ القرآنِ، مما جعلَ هذا العِلْمَ علمًا لا يطربُ له دارسُه، ولا يُحسُّ بثرائه وكثرة مادَّتِهِ، ولذا يندرُ أن تجدَ هذا العلمَ يُدرَّسُ خارجَ قاعاتِ الدِّراسةِ النِّظاميَّةِ، كما هو الحالُ في علمِ العقيدة أو علم الفقه أو علمِ الحديثِ. وبعضُ الباحثينَ يحسبُ أنَّ هذا العلمَ قوالبُ مصبوبةٌ قد انتهى البحثُ فيه، واحترقتْ مادَّتُه، فلا جِدَّةَ في مسائله، ولا ثَمرة بعد ما ذكره الأقدمونَ ممن كتبوا في هذا العلمِ؛ وهذا ظنٌّ زائفٌ. وفي ظنِّي أن الذي أنشأ هذا التَّفكيرَ عن علومِ القرآنِ هو إغفالُ الجانبِ التَّطبيقيِّ لهذا العلمِ، لذا قد يمرُّ بالباحثِ وهو يقرأ في التَّفسيرِ أمثلةٌ تخالفُ ما نُظِّرَ له في دراستِه لعلومِ القرآنِ، لكنَّها لا تسترعي انتباهَه، ولا يَطلبُ لها حلًّا، وكأنَّه قد حكمَ بزَيْفِها؛ لأنَّها خالفت ما قُرِّرَ له، فلا يُتعبُ نفسَه بتثويرِ الموضوعِ مرَّةً أخرى، عَلَّهُ يجدُ ما يصحِّحُ ما درسَه أو يؤيِّدُه. إنَّ كتبَ تفسير القرآنِ ميدانٌ رحبٌ لتطبيقاتِ مسائلِ علومِ القرآنِ،

стр. 10

فلو اتَّجه مدرِّسو علومِ القرآنِ إلى هذه الكتبِ وطبَّقوا عليها ما درسوه في كتبِ علومِ القرآنِ، فإن الأمرَ لا يخلو من ثلاثةِ أحوالٍ نافعةٍ في تنشيط هذا العلمِ، وفي إشباعهِ بالتَّطبيقاتِ والأمثلةِ: الحالُ الأولى: تعزيزُ الأفكارِ العلميَّةِ المطروحةِ في كتبِ علومِ القرآنِ، وذلك بتكثيرِ الأمثلةِ التي توافقُ الفكرةَ العلميَّةَ المطروحةَ. الحالُ الثَّانيةُ: أن يوجدَ أمثلةٌ تخالفُ ما تقرَّرَ في الفكرةِ العلميَّةِ المطروحةِ، فتدرسُ هذه الأمثلةُ، وقد تكونُ نتيجةُ هذه الدِّراسةِ ضَعْفَ هذه الأمثلةِ وعدَم صحَّتِها، أو أنَّها تدلُّ على أنَّ تلكَ الفكرةَ العلميَّةَ المطروحةَ في كتبِ علومِ القرآنِ = مدخولةٌ وغيرُ صحيحةٍ، فتحتاجُ إلى إعادةِ تنظيرٍ. الحالُ الثَّالثةُ: أن يوجدَ في الأمثلةِ أفكارٌ جديدةٌ تضافُ إلى مسائلِ العلمِ الذي يُطبَّقُ عليه من خلالِ التَّفسيرِ. وفي هذه الطَّريقة إثارةٌ وتحفيزٌ للدَّارسِ، وتحريكٌ وتنشيطٌ له في متابعةِ الدَّرسِ، وفي تثبيتِ المعلوماتِ. وليس المقصودُ هنا الحديثَ عن هذه القضيَّةِ، وإنما أردتُ أن أُذكِّرَ به لمَّا مرَّ ما يتعلَّق به في هذا المدخلِ، وأسألُ الله أن ييسِّرَ بسطَ هذه الموضوعِ في مكانٍ آخرَ. وبعد، أرجو أن يكونَ هذا المؤلَّفُ نافعًا، وأن يكونَ خالصًا لله الكريمِ، وأن ييسِّرَ لي غيرَه من التَّآليفِ، إنه سميعٌ مجيبٌ. مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار المملكة العربيَّة السُّعودية/ الرياض www.attyyar.net

стр. 11

مدخلٌ إلى الموضوعِ علمُ التَّفسيرِ جزءٌ من علومِ القرآنِ. والأصلُ أن يكونَ ما في علمِ التَّفسيرِ مُبينًا للقرآنِ، وما كانَ خارجًا عن حَدِّ بيانِ كلامِه سبحانَهُ، فإنَّه ليسَ من صُلبِ التَّفسيرِ. وغالبًا ما يكونُ ذلكَ الخارجُ عن حدِّ البيانِ من علومٍ تعلَّقتْ بعلمِ التَّفسيرِ، وكثيرٌ من هذه العلومِ التي تطرَّقَ إليها المفسِّرُونَ معدودٌ في علوم القرآنِ. وقد نشأ عن ذِكْرِهم لهذه العلومِ في تفاسيرهم خطأٌ، ذلك أنَّ بعضَ مَنْ كتبَ في علمِ التَّفسيرِ جعلَها كلَّها من العلومِ التي يحتاج إليها المفسِّرُ، ويَلزَمُه معرفتُها، وفي ذلكَ نظرٌ. والموضوعاتُ المعدودةُ في علومِ القرآنِ بحاجةٍ إلى تحريرٍ، لكثرةِ التَّشقيقِ فيها، إذ تجدُ مجموعةً من هذه العلومِ يمكنُ أن تدخلَ في مسمًّى واحدٍ، ولكنَّ بعضَ المؤلِّفينَ في علومِ القرآنِ يجعلونَها عدَّةَ علومٍ، حتى لقد ادَّعى بعضهم أنَّ علومَ القرآنِ لا تُحصى عددًا، قال ابن العربيِّ (ت: ٥٤٣): «وقد ركَّبَ العلماءُ على هذا كلامًا، فقالوا: إنَّ علومَ القرآنِ خمسونَ علمًا، وأربعمائة علمٍ، وسبعةُ آلاف وسبعونَ ألفَ علمٍ، على عدد كَلِمِ القرآن مضروبةً في أربعةٍ، إذ لكلِّ كلمةٍ منها ظهرٌ وبطنٌ وحدٌّ ومطلعٌ. هذا مطلقٌ دون اعتبارِ تركيبه، ونَضْدِ بعضِه إلى بعضٍ، وما بينها

стр. 12

من روابطَ على الاستيفاءِ في ذلك كلِّه، وهذا مما لا يحصى، ولا يعلمُه إلاَّ اللهُ» (١). وهذا من التَّكثُّرِ في عدِّ العلومِ الذي لا داعيَ له، ولا دليلَ يدلُّ عليه. وقد أجريتُ محاولةً في ترتيبِ جملةِ هذه العلومِ التي يذكرها المصنِّفون في علومِ القرآنِ، ودمج ما تفرَّق منها، وإرجاعِ بعضها إلى بعضٍ. وقبلَ أنْ أذكرَ لك هذه المحاولةَ، أُشيرُ إلى بعضِ الملحوظاتِ حولَ ما سأكتبه في هذه العلومِ: ١ - أنَّ ما سأذكرُه من المصطلحاتِ، إنما هو على الاصطلاحِ السَّائدِ في كتبِ علومِ القرآنِ. ٢ - أنه يوجدُ ترابطٌ وثيقٌ بين علومِ القرآنِ، بل قد يكونُ بعضُها منبثقًا من علمٍ آخر من علومِه؛ لذا يمكنُ أن يوضعَ علمٌ منها في موضعينِ؛ لارتباطِه بهذا وبذاك، وهذا التَّداخلُ لا يمكنُ الانفكاك منه، وليسَ ذلك عيبًا، والله الموفِّقُ. وقد ظَهَرَ لي في ترتيبِ علومِ القرآنِ ما يأتي: أولاً: علم نزول القرآن: ويندرجُ تحته: ١ - أحوالُ نزولِه، ويشمل: أوَّلَ ما نزلَ وآخرَ ما نزلَ، والحضريَّ

стр. 13

والسَّفريَّ، والصيفيَّ والشِّتائيَّ، واللَّيليَّ والنَّهاريَّ، والفراشيَّ والمناميَّ، وغيرَها من الموضوعاتِ التي يذكرُونها في أحوال نزولِه. ٢ - أسباب النُّزول. ٣ - المكيُّ والمدنيُّ. ٤ - الأحرف السَّبعة (١). ٥ - كيفية إنزال القرآن (الوحي). ٦ - اللُّغاتُ التي نزلَ بها القرآنِ، ويشمل: ما نزل بغير لغة العرب (المعرَّب)، وما نزل بغير لغة الحجاز. ثانيًا: علم جمع القرآن: ويندرجُ تحته: ١ - تدوين المصحف وتاريخه. ٢ - رسم المصحف. ويَتْبَع رسمَه ما يتعلَّقُ بنَقْطِه وشَكْلِه بالحركاتِ، وغيرِها مما أُدخِلَ لتوضيحِ القراءةِ وتسهيلِها. ثالثًا: علم القراءات: ويندرجُ تحته: ١ - طبقات القراء. ٢ - أنواع القراءات.

стр. 14

٣ - توجيه القراءات (١). ٤ - آداب القراءة. ٥ - تجويد القرآن. رابعًا: علم معاني القرآن (٢): ١ - غريب القرآن (٣). ٢ - إعراب القرآن. ٣ - مشكِل القرآن (٤). ٤ - إعجاز القرآن، ويَدخُل فيه ما يتعلَّق بأساليبِ الكلام العربيِّ (البلاغة) (٥).

стр. 15

٥ - مُتشابِه القرآن (١). خامسًا: علم التفسير: ويندرج تحته: ١ - تاريخُ التَّفسيرِ وطبقاتُ المفسِّرينَ. ٢ - أصول التفسير. ٣ - الناسخ والمنسوخ، ويشملُ: (النسخ الاصطلاحي، والعام والخاص، والمجمل والمبين، والمطلق والمقيد) (٢). ٤ - الوجوه والنَّظائر. ٥ - أقسام القرآن. ٦ - أمثال القرآن. ٧ - المحكمُ والمتشابهُ (٣).

стр. 16

٨ - قواعد التَّفسير. ٩ - كليَّات القرآنِ. ١٠ - مُبْهَمات القرآن. ويُلحقُ به من الدِّراسات المعاصرة: ١١ - مناهج المفسرين (١). ١٢ - التفسير الموضوعي. ١٣ - التفسير العلمي (٢). ١٤ - اتجاهات التفسير (٣). سادسًا: علم سور القرآن وآياته: ويندرجُ تحته: ١ - معرفة أسماء السور.

стр. 17

٢ - ترتيب السور. ٣ - المناسبات بين السور. ٤ - ترتيب الآي. ٥ - المناسبات في الآيات: في الفواتح والخواتم. ٦ - فواصل الآي. ٧ - عَدُّ الآي. سابعًا: علم فضائل القرآن. ثامنًا: علمُ أحكامِ القرآنِ ووجوهِ الاستنباطاتِ. تاسعًا: علمُ الوقف والابتداء. عاشرًا: علمُ جدلِ القرآنِ. وهذا اجتهادٌ أردتُ به قدح الفكرِ إلى إعادةِ صياغةِ ترتيبِ العلومِ المذكورةِ في كتبِ علومِ القرآنِ، ولو أطلقتَ العِنانَ لتشقيقِ هذه العلومِ، فإنكَ ستبلغُ بها عددًا كثيرًا لا ضابطَ له ولا حدَّ. وبعدَ هذا، أجيءُ إلى الكتبِ المصنَّفةِ المتعلِّقةِ بتفسيرِ القرآنِ، وهي في جملتِها مذكورةٌ في عِدادِ علومِ القرآنِ، وهذه الكتبُ نوعان: الأول: كتبُ علمِ التَّفسيرِ بأنواعِه واتِّجاهاته المختلفةِ التي قَصَدتْ تفسيرَ الآيات القرآنيَّةِ، سواءٌ أكانت هذه الكتبُ شاملةً لجميع آياتِ القرآنِ؛ كتفسير الطبريِّ (ت: ٣١٠)، أمْ لم تشملْ تفسيرَ جميع الآياتِ، كالأجزاء المفردةِ في تفسيرِ سورةٍ أو آيةٍ أو آياتٍ، ويدخل فيها تفاسيرُ السَّلفِ التي لم تكنْ شاملةً لجميع آيِ القرآنِ؛ مثلُ: تفسيرِ مجاهد (ت: ١٠٤). وكتبُ التَّفسيرِ هذه قد يوجدُ فيها ما لا علاقةَ له بالتَّفسيرِ.

стр. 18

ويلحقُ بها ما لا علاقةَ له إلاَّ بعلمِ التَّفسيرِ، ككتبِ مبهماتِ القرآنِ، وكتبِ أسباب النُّزولِ. الثاني: كتبُ علومِ القرآنِ الأخرى التي يوجدُ فيها مباحثُ يحتاجُها المفسِّرُ، ومنها كتبٌ لا يكادُ يستغني عنها المفسِّرُ؛ ككتب توجيهِ القراءاتِ وكتبِ غريبِ القرآنِ، ومنها كتبٌ حاجةُ المفسِّرِ إليها قليلةٌ؛ ككتبِ علمِ الوقفِ والابتداءِ، وكتبِ علمِ الجدلِ القرآنيِّ، وكتبِ علمِ المبهماتِ. والحديثُ هنا عن كُتبٍ صُنِّفتْ بهذه العناوين، وليسَ المرادُ الحديثَ عن العلومِ التي سبقَ ذِكْرُها تحتَ علمِ التَّفسيرِ، ولذا ستجدُ عناوينَ كتبٍ تحملُ اسمَ علمٍ من علومِ القرآنِ كما هو مذكورٌ هناك. كما ستجدُ أنَّ بعض ما ذُكرَ تحتَ «علمِ التَّفسيرِ» غير مذكور هنا؛ كعلمِ «طبقاتِ المفسِّرينَ» الذي هو من العلومِ النَّظريَّة، وليس له أثرٌ في بيانِ القرآنِ البتَّةَ. ولن تجدَ ذكرًا لما قلَّ التَّأليفُ فيه؛ كعلم «أقسامِ القرآن». ويمكنُ تقسيمُ هذه المصنَّفاتِ المتعلِّقةِ بتفسيرِ القرآنِ كالآتي: كتبُ التفسير (١). كتبُ إعرابِ القرآنِ. كتبُ معاني القرآنِ (٢).

стр. 19

كتبُ غريبِ القرآنِ. كتبُ مشكلاتِ القرآنِ. كتبُ متشابهِ القرآنِ. كتبُ الوجوهِ والنَّظائرِ. كتبُ أحكامِ القرآنِ. كتبُ الناسخِ والمنسوخِ. كتبُ المناسباتِ. كتبُ أسباب النُّزول. كتبُ توجيهِ القراءاتِ. كتبُ الوقف والابتداء. كتبُ مبهماتِ القرآن. والنَّظرُ في عناوينِ هذه الكتبِ يدلُّ على تداخُلٍ بينَ العلمِ العامِّ (علومِ القرآنِ)، والعلمِ الجزئيِّ منه (علمِ التَّفسيرِ)، وسببُ ذلكَ أنَّ كُتبَ التَّفسيرِ هي المحلُ الأوسعُ لتطبيقاتِ مسائلِ علومِ القرآنِ، ولا يلزمُ من ذكرِها في كتبِ التفسيرِ أنْ تكونَ من صلبِه. وقد جاءَ ذكرها في كتبِ التَّفسيرِ وعلومِ القرآنِ بسبب اشتراكهما في الموضوع الذي يُدرسُ، وهو القرآن، فَعِلْمُ علومِ القرآنِ يتحدثُ عن علومِه المستنبطةِ منه والخادمةِ له، وعلمُ تفسيرِ القرآنِ يتحدثُ عن بيانِه وكشفِ معانيه. استطرادٌ في: دخول مواد بعض العلوم الأخرى في علومِ القرآنِ: مما يلاحظُ أنَّ جملةً من العلوم المندرجةِ في كتبِ علومِ القرآنِ

стр. 20

موجودةٌ في كتبِ علومٍ أخرى؛ كالمسائل المتعلقةِ بالناسخِ والمنسوخِ، والمطلقِ والمقيَّدِ، والخاصِّ والعامِّ، وغيرها من المسائل التي هي من جملةِ علمِ أصول الفقهِ، فهل يعني هذا أنَّ هذه العلومَ ليست من صميمِ علومِ القرآن؛ كعلمِ القراءاتِ، وعلم نزولِ القرآنِ، وغيرِها من العلومِ التي تتعلق به فقط. في هذه المسألةِ نظرٌ لا بدَّ من بيانِه، فأقول: إنَّ هذه المسائل وغيرَها من صميمِ علومِ القرآنِ، لا شكَّ في ذلكَ، ولكن لما سبقَ علماءُ الأصولِ ـ مثلاً ـ إلى تحريرِ المسائلِ المعلِّقة بالناسخِ والمنسوخِ، والعامِّ والخاصِّ، والمطلقِ والمقيَّدِ، وغيرها، وضبطوها ضبطًا خاصًّا = صارتْ تُنْسَبُ إلى علمهم (١)، ولما كان ذلك كذلك، فإنه قد يُفهمُ أنَّ هذه العلومَ المحرَّرةَ في كتبِ العلومِ الأخرى ليست من علوم القرآنِ. والواقعُ أنَّ هذه العلومَ مشتركةٌ بين هذين العلمين، وكونُ أصحابِ هذه العلومِ حرَّروا هذه المسائل المشتركةَ قبلَ علماء علومِ القرآنِ، فإن هذا لا يعني أنها ليست من علومِ القرآنِ، وإنْ كانَ يُنسبُ لأصحابِ العلومِ الأخرى تحريرُ مسائلِ هذه العلومِ التي استفادَ منها من كتبَ في علومِ القرآنِ. وإن كان علماءُ علومِ القرآنِ قد استفادوا في تقعيدِ هذه العلومِ من

стр. 21

كتبِ العلومِ الأخرى، لسبقِها في ذلك، فإنَّ هذا لا يعني الاتِّفاقَ التَّامَّ بين كتب علوم القرآنِ وغيرِها في طرحِها لهذه العلومِ. ويبدو أنَّ هذا السَّبقَ في التَّدوينِ جعلَ بعضَ الباحثينَ يظنُّ أنَّ جملةً من علومِ القرآنِ، مما يكونُ متداخلاً مع علمٍ آخر = ليست خالصةً له. وأزيدُ فأقولُ: إنَّ الأصلَ في العلومِ الإسلاميَّةِ التَّداخلُ، وهناكَ قاسمٌ مشترَكٌ بين أصولِ هذه العلومِ، ذلك أنَّ العلومَ الشَّرعيَّة كلَّها مستقاةٌ من الكتابِ والسُّنَّةِ، والكتابُ نزل بلسانٍ عربيٍّ مبينٍ، وكذا الحالُ في السُّنَّةِ أنَّها بلسانٍ عربيٍّ مبينٍ. فالفقيهُ ـ مثلاً ـ يحتاجُ إلى تفسير آياتِ الأحكامِ، ولكنَّه لا يحتاجُ إلى تفسير غيرها من الآيات. والمفسِّرُ المشتغلُ بعلومِ القرآنِ يُعنَى بتفسيرِ آياتِ الأحكامِ؛ لأنها جزءٌ من علمِه الذي يشتغلُ به. ولا بدَّ لكلٍّ من الفقيهِ والمفسِّرِ من أصولٍ توصلُهما إلى مرادهما (أي: تفسير آيات الأحكام). ومع اتفاقِهما في محلِّ البحثِ (أي: آيات الأحكام). وفي اللُّغةِ التي يفسِّرُونَ بها، وإليها يرجعُ كثيرٌ من الأصولِ. وفي الغاية التي يريدونها، وهي تفسير آياتِ الأحكامِ = فمن الطَّبيعيِّ أن تتَّفِقَ كثيرٌ من أصولِهما. ولكنَّ الأصولَ التي تعنِي الفقيهَ هي المتعلِّقةُ بآياتِ الأحكامِ فحسب؛ لأنَّها مجالُ بحثِه، في حين يهتمُّ المفسِّرُ بالأصولِ التي تتعلَّقُ بجميعِ آياتِ القرآنِ، من آيات عقائدَ وأحكامٍ وأخبارٍ.

стр. 22

ومن ثَمَّ، قد تجدُ في أصولِ الفقهِ ما ينطبقُ على جميعِ آياتِ الأحكامِ، لكنَّه لا ينطبقُ على غيرِها من الآياتِ، وهذا الذي لا ينطبقُ على غيرِها من الآياتِ ينبغي أن لا يوجدَ في أصولِ التَّفسيرِ وعلومِ القرآنِ، لعدمِ وجودِ تطبيقاتٍ له، أو لاختلافِ المصطلحاتِ وتطبيقاتِها بين العلمينِ. ومن هنا وقع الخطأُ من بعضِ من كتبَ في علمِ أصولِ التَّفسيرِ أو علومِ القرآنِ حينَ جعلُوا القواعدَ التي وضعَها علماءُ أصولِ الفقه التي تخصُ آياتِ الأحكامِ منطبقةً على جميعِ الآياتِ القرآنيَّةِ. ومن الأمثلةِ على ذلكَ أنَّكَ تجدُ أنَّ علماءَ أصولِ الفقه قد قعَّدوا قاعدةً في النَّسخِ، وهي: الأخبارُ لا يجوزُ فيها النَّسخُ. وإذا رجعتَ إلى المأثورِ عن السَّلفِ، وجدتَ أنَّهم حكموا بالنَّسخ على بعضِ الأخبارِ، فهلْ تُخَطِّئُ الواردَ عن السَّلفِ، أو أنَّ في الأمرِ شيئًا آخر؟ لا شكَّ أنَّ القاعدةَ المذكورةَ صحيحةٌ، ولكن يلزمُ أن تفهم أن مرادَ السَّلفِ بالنَّسخِ أوسع من مرادِ الأصوليِّين، فالسَّلفُ يريدونَ بالنَّسخِ مطلقَ الرَّفعِ، فأيُّ رفعٍ يحصلُ لمعنى الآيةِ من تخصيصٍ أو تقييدٍ أو بيانٍ أو نسخٍ اصطلاحيٍّ، فهو نسخٌ عندهم، وعلى هذا فالأخبارُ يدخلها النَّسخُ؛ أي: التخصيص أو البيان أو التَّقييد أو غيرُها مما يدخلُ الأخبار، وليس المرادُ الإزالةَ التَّامَّةَ التي تكونُ في النَّسخِ الاصطلاحيِّ المتأخّر، وسيأتي بيانُ ذلكَ بأمثلتِه في (كتب النَّاسخِ والمنسوخِ). وهذا الذي ذكرتُه لك من التَّمثيلِ بأصولِ الفقه وعلومِ القرآن، إنَّما هو مثالٌ تقيسُ عليه تداخلَ المعلوماتِ بين العلومِ الشَّرعيَّةِ، واللهُ أعلمُ. ومن ثَمَّ، فإنَّك قد تجدُ أصولَ مسائلِ علمٍ من علومِ القرآنِ مستقاةً من كتبِ علمٍ آخرَ، وهذه الأصول المستقاةُ هي من صميمِ بحثِهم، لكنهم

стр. 23

تأخروا في تحريرها فنقلوها عمَّن حرَّرها، وأضربُ لك مثلاً بعلم التجويدِ: يقولُ شمس الدينِ ابنُ الجَزَرِيِّ (ت: ٨٣٣) في كتابِه التمهيد في علم التجويدِ: «مخارجُ الحروف عند الخليلِ سبعةَ عشر مخرجًا (١)، وعند سيبويه وأصحابه ستَّةَ عشر (٢)، لإسقاطِهم الجويَّة (٣)، وعند الفراء وتابعيه أربعةَ عشر، لجعلهم مخرجَ الذلقيةِ (٤) واحدًا» (٥). ألا تلاحظُ أنَّ المقرئ ابن الجَزَريِّ (ت: ٨٣٣)، وهو يتحدَّثُ عن أصلٍ من أصولِ التجويدِ، يُرجِعُ معلوماتِه إلى علماءِ لغةٍ ونَحْوٍ، ولم يُرجِعْهُ إلى عالمٍ متخصَّصٍ بعلمِ القراءةِ! أيعني هذا أنَّ مخارجَ الحروفِ ليستْ من علمِ التجويدِ؟ كلاَّ. لكنَّ علماءَ النَّحوِ واللُّغةِ كانوا أصحابَ التَّحريرِ الأولِ لمسائلِ مخارجِ الحروف وصفاتها، فلما أفردَ علماءُ القراءاتِ علمَ التَّجويدِ لبيانِ صفةِ قراءةِ كلِّ قارئٍ على حِدةٍ، جعلوا علم مخارجِ الحروف وصفاتِها من أوَّلِ العلومِ التي يحتاجُها دارسُ التَّجويدِ، ولما كتبوا مسائلها نقلوها عن أوَّلِ من حرَّرها، وهم علماءُ النَّحوِ واللُّغةِ، ولا يختلف اثنانِ في أنَّ علمَ النَحوِ واللُّغةِ سابقانِ لعلمِ القراءةِ والتجويدِ من حيثُ التأليف. إذًا، فمخارجُ الحروفِ وصفاتُها من صميمِ علم التَّجويدِ، وإنما

стр. 24

نُقلتْ عن علماء النَّحوِ واللُّغةِ لسبقِهم في التدوينِ (١). وبعدَ هذا الاستطرادِ، أرجِعُ إلى صُلبِ الموضوعِ، وهو:

стр. 25

أنواعُ التصنيف المتعلقةُ بتفسير القرآن قبلَ البدءِ بسَرْدها أذكر بعضَ التَّنبيهات: إنَّ بعض هذه العلومِ المصنَّفةِ المتعلِّقةِ بتفسيرِ القرآنِ مُشْتَرَكَةٌ بين علم التَّفسيرِ وعلومِ القرآنِ، وقد سبق ذكرُ جملةِ العلومِ التي تتضمَّنها كتبُ علوم القرآنِ، وأشرتُ هناكَ إلى هذه المسألةِ. إنَّه لا يلزمُ أن تكونَ كلُّ هذه العلوم التي سأذكُرها مما يحتاج إليه المفسِّرُ، والحديثُ هنا عن مصنَّفاتٍ تمَّ تدوينُها، وليسَ عن العلومِ التي يحتاج إليها المفسِّرُ. ولا بدَّ من الإشارةِ هنا إلى مسألةٍ، وهي التَّوازنُ في النَّظرِ إلى حاجةِ المفسِّرِ لبعض العلومِ التي ينصُّ عليها العلماءُ؛ كعلمِ النَّحوِ، وعلمِ البلاغةِ، وعلمِ الفقه، وغيرها. ومعنى ذلك أنْ لا يُجعَلَ علمٌ من هذه العلومِ هو الأصلَ في التَّفسيرِ، وأنَّ من عَلِمَه علِمَ التَّفسيرَ، بل يكونُ هذا العلم من جملةِ المصادرِ التي تفيدُ المفسِّرَ، وتُعينُه في بيان القرآنِ. ولا شكَّ أنَّ بعضَ هذه العلومِ أسعدُ حظًّا من غيرِها ببيان القرآنِ، كعلمِ مفرداتِ اللُّغة الذي لا يمكنُ أن تنفكَّ منه آيةٌ، والمفسِّرُ بحاجةٍ أكيدةٍ إليه؛ إذ لا يمكنُ التَّفسيرُ بدونِ معرفةِ دلالة الألفاظِ. إنَّه قد يوجدُ مصنَّفات لا تدخلُ ضمنَ هذه العلومِ التي سأذكرُها.

стр. 26

إنَّه ليس من شَرْطِي أن أستوعب كلَّ ما يتعلَّقُ بهذه العلومِ التي سأذكرُها، وأغلبُ ما كتبتُه ملحوظاتٌ وأفكارٌ جمعتها في أثناء القراءةِ في كتبِ هذه العلومِ، فسطَّرتها لك هنا.

стр. 27

أولاً: كتب التفسير كتبُ التَّفسيرِ كثيرةٌ جدًّا، ولا يمكنُ الحديثُ عنها هنا، ولو بإيجازٍ، لذا سأذكرُ إشاراتٍ عابرةً في هذه الكتبِ. * أنَّ السَّلفَ من التابعينَ وتابعيهم قد دوَّنوا التَّفسيرَ، وأنَّ أغلبَ هذه المدوَّناتِ مبثوثٌ في الكتبِ التي تُعنى بالمأثورِ عنهم؛ كتفسير عَبْدِ بنِ حُمَيد (ت: ٢٤٩)، وتفسيرِ الطَّبريِّ (ت: ٣١٠)، وتفسيرِ ابن أبي حاتم (ت: ٣٢٧)، وغيرِها. وغالبُ تفاسيرِهم كانت صُحُفًا تُروى بالأسانيدِ؛ كتفسيرِ عطيَّةَ بنِ سعد العوفيِّ (ت: ١١١)، وتفسيرِ إسماعيلَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ السُّدِّيِّ (ت: ١٢٨)، وتفسيرِ عليِّ بنِ أبي طلحةَ الوالبِيِّ (ت: ١٤٣)، وغيرها. وقد كان تفسيرُهم يشملُ تفسيرَ مفرداتِ القرآنِ، وناسخَه ومنسوخَه، وقصصَ آيِهِ من إسرائيلياتٍ وغيرِها، وسببَ نزولِه، ومبْهماتِه، والمعنى الجُمْليَّ، وذكرَ التفسيرِ النَّبويِّ، والتفسيرَ بالقرآنِ، والتفسيرَ بالسُّنَّةِ، وبيانَ أحكامِه ...

стр. 28

وإذا درستَ تفاسيرَهم بعنايةٍ، ونظرتَ في تفاسيرِ المتأخرينَ، سيظهرُ لكَ جليًّا أنَّ المتأخِّرينَ عالةٌ عليهم في بيانِ معاني القرآنِ والمرادِ بها، وأنَّ المتأخرينَ لم يزيدوا كثيرًا على أقوالِهم من جهةِ البيانِ عن معنى الآي، وإنما كانتِ الزيادةُ في غيرِ هذا الجانبِ. وأحسبُ أنَّ كتبَ التَّفسيرِ الكبيرةَ ـ كالجامعِ لأحكام القرآنِ لأبي عبدِ اللهِ محمدِ بن أحمدَ القرطبيِّ (ت: ٦٧١)، أو البحرِ المحيطِ لأبي حيانَ محمدِ بنِ يوسفَ الأندلسيِّ (ت: ٧٤٥)، أو غيرها ـ لو اعتمدتْ صُلْبَ التَّفسيرِ، وتركتِ الاستطرادَ في مسائلِ العلومِ، لرجعتْ إلى تفسيرِ السَّلفِ وقاربتْهُ. * ولما تنوَّعتِ المعارفُ والعلومُ، وتشكَّلتْ مسائلُ كلِّ علمٍ؛ كالفقه، وأصولِ الفقه، والنَّحوِ، واللُّغَةِ، والتَّاريخِ، وغيرها، وشاركَ في التَّأليفِ في التَّفسيرِ مَنْ تميَّزَ بعلمٍ من هذه العلومِ، صبغ كل منهم تفسيرَه بتخصُّصِه الذي برزَ فيه، يساعدُه في ذلك إمكانيَّةُ التوسُّعِ في كتابةِ التَّفسيرِ، وهذا ما جعلَ كتبَ التَّفسيرِ تفترقُ في المناهجِ. * ولهذا، ستجدُ أنَّ كثيرًا مما سيأتي من المصنَّفاتِ المُدوَّنةِ على انفرادٍ، يكونُ موجودًا في بطونِ كتبِ التَّفسيرِ من حيثُ الجملةُ، لذا تجدُ أنَّ مما يتميَّزُ به منهجُ أبي حيان (ت: ٧٤٥) في كتابِه البحرِ المحيطِ عنايتَه بعلمِ المناسبات (١). وهذا يعني أنَّ كُتبَ التَّفسيرِ تحوي كثيرًا من مسائلِ العلومِ التي لها

стр. 29

علاقةٌ بعلمِ التَّفسيرِ أو هي من علومِ القرآنِ، وهذه الكتبُ مجالٌ خصبٌ لتطبيقاتِ هذه المسائلِ العلميَّةِ (١)، بل قد تجدُ فيها إشاراتٍ إلى مسائلَ متعلِّقةٍ بعلمٍ من علومِ القرآنِ، وهي غيرُ موجودةٍ في كتبِه، ومن ذلك: في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠]، قال ابن عطية (ت: ٥٤٢): «وحكى الطَّبريُّ عن عكرمةَ ومجاهد أنَّ هذه الآيةَ مكيَّةٌ (٢) ... ويَحتملُ عندي قولُ عكرمةَ ومجاهدٍ: «هذه مكيَّةٌ»، أن أشارا إلى القصَّةِ لا إلى الآية» (٣). هل تجدُ مثلَ هذا التَّحريرِ في كتبِ علومِ القرآنِ؟ لو صحَّتْ هذه الفرضيَّةُ التي ذكرَها ابن عطيَّةَ (ت: ٥٤٢)، لحلَّتْ كثيرًا مما يُشكلُ من عباراتِ السَّلفِ في علمِ المكيِّ والمدنيِّ، وبهذا التَّخريجِ لا يخالفُ قولُ مجاهد (ت: ١٠٤) وعكرمة (ت: ١٠٥) من قال إنها مدنيَّةٌ؛ لأنَّ هذا يَحكي وقتَ النُّزولِ، وهما يَحكيانِ وقتَ وقوعِ الحدثِ الذي نزلتِ الآيةُ بشأنِه، واللهُ أعلمُ. وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧١]، قال ابن عطيَّة الأندلسيُّ

стр. 30

(ت: ٥٤٢): «وأمَّا تفسيرُ الآيةِ بقصَّةِ عبد اللهِ بن أبي سرْح (١)، فينبغي أنْ تُحرَّرْ. فإنْ جُلبتْ قصَّةُ عبد اللهِ بن أبي سرْحٍ على أنها مثالٌ، كما يمكنُ أن تُجلبَ أمثلةٌ في عصرنا من ذلك، فحسنٌ. وإن جُلبتْ على أنَّ الآيةَ نزلت في ذلك، فخطأٌ؛ لأنَّ ابن أبي سرْحٍ إنما تبيَّنَ أمرُه في يومِ مكةَ، وهذه الآيةُ نزلت عَقِيبَ بدرٍ» (٢). هل تجدُ مثلَ هذا التَّحريرِ في كتبِ علومِ القرآنِ؟ إنَّ تحريرَ ابن عطيَّةَ (ت: ٥٤٢) يتعلَّقُ بنوعينِ من أنواعِ علومِ القرآنِ: أسبابِ النُّزول، والمكيِّ والمدنيِّ. أمَّا معرفةُ المكيِّ والمدنيِّ، فتُبيِّنُ خطأ كونِ هذه الآيةِ نزلتْ بشأنْ ابن أبي سرحٍ، للعلَّةِ المذكورةِ. فيستفاد من معرفة تاريخِ النُّزولِ في الترجيحِ بين الأقوالِ كما هو ظاهرٌ، إذ بها ضَعُفَ قولٌ، فترجَّحَ الآخرُ. وأما أسبابُ النُّزولِ، فأفاد فيها: أنَّ بعضَ ما يُحكى منها إنما هو مثالٌ على تفسيرِ الآيةِ، ولا يلزمُ منه قَصْرُ الآيةِ عليه، كما لا يلزمُ أن يكونَ هو السَّببَ المباشرَ لنُزول الآيةِ. كما أفاد أنَّه يمكنك أن تُنَزِّلَ الآيات على الواقِع الذي تعيشُه، ولو كانت بحكايةِ (نزلتْ هذه الآيةُ في كذا)؛ لأنَّ ذلك على سبيلِ التمثيلِ لما

стр. 31

تشملُه الآيةُ، لا على أنَّه السَّببُ في نزولِ الآيةِ، واللهُ أعلمُ. * ومُدوَّناتُ التَّفسيرِ الكبيرةُ خرجت بعلمِ التَّفسيرِ إلى مسائلَ لا علاقةَ لها به، وإنما جرَّها إليه بُرُوعُ المؤلِّفِ في فنٍّ من الفنونِ. وقد كان لذلكَ أثرٌ في تسميةِ بعضِ كتبِ التَّفسيرِ، فالقرطبيُّ (ت: ٦٧١) سَمَّى تفسيرَه (الجامع لأحكام القرآن، والمبين لما تضمنه من السُّنَّة وآي الفرقان) (١)، وهو تفسيرٌ شاملٌ وليس خاصًّا بأحكامِ القرآنِ، وقد قال في بيان ذلك: «فلما كان كتابُ الله هو الكفيلَ بجميع علومِ الشرعِ، الذي استقلَّ بالسُّنَّة والفرض، ونزل به أمين السماء إلى أمين الأرضِ؛ رأيتُ أنْ أشتغلَ به مدى عمري، وأستفرغَ فيه مُنَّتِي (٢)؛ بأن أكتبَ فيه تعليقًا وجيزًا، يتضمَّنُ نُكَتًا من التَّفسيرِ واللُّغاتِ، والإعرابِ والقراءاتِ، والرَّدِّ على أهل الزيغ والضلالاتِ، وأحاديث كثيرة شاهدة لما نذكره من الأحكام ونزول الآيات، جامعًا بين معانيهما، ومبينًا ما أشكلَ منهما بأقاويلِ السَّلفِ ومَن تبعهم مِن الخَلَفِ ...» (٣). وهذا يعني أنَّ كتابَه شاملٌ للتَّفسيرِ، ومع هذا تراه سمَّاه باسمٍ يدلُّ على أنَّه سيكونُ متعلِّقًا بعلم الفقه والاستنباطِ، وإنما كان ذلك بسبب بروع مؤلفه في علم الفقه، واللهُ أعلمُ. * والملاحظُ أنَّ حَشْوَ كتبِ التَّفسيرِ بهذه الموادِّ من العُلُومِ لا ضابطَ له، ولذا تجدُ المؤلفَ الذي برع في فنٍّ من الفنونِ يحرصُ على الإشارة العابرةِ لفنه، ولو لم تكن في مجالِ ما يريدُ الحديثَ عنه،

стр. 32

فيسهبُ في الحديثِ عن أمورٍ لا تخصُّ الآيةَ من أيِّ وجهٍ، ومن ذلك: في قوله تعالى: ﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [يوسف: ١٠]، قال القُرطبيُّ (ت: ٦٧١): «الالتقاط: تناول الشَّيء من الطريقِ، ومنه اللَّقيط واللُّقَطَةُ. ونحن نذكر من أحكامِها ما دلَّت عليه الآيةُ والسُّنَّةُ، وما قاله أهلُ العلمِ واللُّغةِ ...» (١). وإذا قرأتَ المسائل التي ذكرها في اللَّقيطِ وأحكامِه (٢)، تبيَّنَ لك أنَّ هذه المسائلَ محلُّها كُتبُ الفقه، لا كتب التَّفسيرِ، والآيةُ لم تُشِر إلى حكمٍ في هذا الموضوعِ حتَّى يُفسَّرَ. وبهذه الاستطرادات وأمثالِها زادَ حجمُ كتابِه. ولو اعتمد المؤلِّفونَ في التَّفسيرِ على ما تُعطيه ألفاظُ الآيةِ من التفسيرِ واقتصروا عليه، وتركوا هذه الاستطراداتِ التَّخصُّصيَّةَ التي محلُّها كتبُ ذلكَ الفَنِّ، لتضاءَلت أحجامُ كتبِهم كثيرًا. ومن المهمِّ هنا أن يُفهَمَ أن هذه الاستطرادات في العلومِ ليست من لوازمِ التَّفسيرِ، وإنَّما اهتمَّ كثيرٌ من العلماءِ ـ الذين ألَّفُوا في التَّفسرِ ـ بتدوينها في تفاسيرِهم، لأنهم سلكوا منهجًا في التأليفِ يريدُون به استقصاءَ ما حولَ الآيةِ مما يرتبطُ بالعلمِ الذي برعُوا فيه. فإن كان لبعضهم العُذْرُ، فإنَّ هذا لا يعني أنَّ كلَّ كتابِه في علمِ التَّفسيرِ.

стр. 33

* كما يُلاحَظُ أنَّ المذهب الذي يميلُ إليه المفسر، سواءٌ أكانَ فِقْهًا، أم نَحْوًا، أم عَقِيدَةً = له أثرٌ في اختيارِ المفسِّرِ للمعنى، وقد يظهرُ بهذا الاختيارِ تكلُّفُ المفسِّرِ وتعسُّفُه، وتركُه للظَّاهرِ من أجلِ أن لا يخالفَ ما يعتقدُه. كما أنَّ للمعتقَدِ أثرًا في قَصْرِ معنى الآيةِ على المحتمَلِ الذي يناسبُ معتقدَ المؤلِّفِ دون غيرِه من المحتملاتِ الصحيحة الجائزِ حملُ الآيةِ عليها، ولا يكونُ في هذا الحَمْلِ أيُّ تناقضٍ، ومن أمثلةِ ذلكَ ما ورد في تفسيرِ قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]، فقد جعلَ بعضُ المعتزلةِ «ما» موصولةً، ويكون التقديرُ: خلقكم وخلق ما تعملونه من الأصنام (١). ونفى أن تكون «ما» مصدريةً؛ لأن المعنى يكون: والله خلقكم وعملَكم، وهذا ينافي ما يعتقده المعتزلةُ من أن الله لا يخلقُ الشَّر، وأنَّ العباد هم الذين خلقوا أفعالَهم. ولولا وجود هذه العقيدة، لما قصرَ معنى الآيةِ على هذا التَّوجيه دون غيرِه. والمعنى محتملٌ لأن تكونَ «ما»: مصدريَّةٌ، وأن تكونَ موصولةً، ويكون المعنى: والله خلقكم، وخلق أعمالكم، وما عملتموه (٢). * والمقصودُ أنَّ هذه المطوَّلاتِ تشتملُ على عدَّةِ اتجاهاتٍ علميَّةٍ

стр. 34

تعرَّضَ لها المؤلِّفون، فمن أرادَ الإعرابَ والنَّحْوَ ـ بعد رجوعِهِ إلى كتبِ أعاريبِ القرآنِ (١) ـ يرجعُ إلى تفسير البحر المحيطِ لأبي حيانَ النَّحويِّ (ت: ٧٤٥)، أو إلى كتاب تلميذِه السَّمينِ الحلبيِّ (ت: ٧٥٦) الدُّرِّ المصونِ في علومِ الكتابِ المكنون، وهما من أشملِ وأوسع ما كُتِبَ في إعراب القرآنِ. هذا، ولا تخلو بعضُ المطوَّلاتِ من مسائلِ إعراب القرآنِ؛ كجامع البيان عن تأويلِ آي القرآنِ، للطَّبريِّ (ت: ٣١٠)، والبسيطِ في التَّفسيرِ، للواحديِّ (ت: ٤٦٨)، والكشاف عن حقائق التَّنْزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، للزَّمخشريِّ (ت: ٥٣٨)، والمحرَّرِ الوجيزِ في تفسير الكتاب العزيز، لابن عطيَّة (ت: ٥٤٢)، والجامع لأحكام القرآنِ، للقرطبيِّ (ت: ٦٧١)، وغرائبِ القرآنِ الجامع الفرقانِ، للقُمِّي النَّيسابوريِّ (ت: ٧٢٨)، وفتحِ القديرِ الجامع بين فَنَّي الرواية والدراية، للشوكانيِّ (ت: ١٢٥٠)، ورُوح المعاني في تفسير القرآن العظيمِ والسَّبعِ المثاني، للآلوسيِّ (ت: ١٢٧٠)، وغيرِها. ومن أرادَ الإبانةَ عن فصاحةِ القرآنِ وبلاغتِه، رجعَ إلى الكشَّافِ، للزمخشريِّ (ت: ٥٣٨)، والبحرِ المحيطِ، لأبي حيان الأندلسيِّ (ت: ٧٤٥)، ونظمِ الدُّرر في تناسبِ الآي والسُّورِ، للبقاعيِّ (ت: ٨٨٥)، وحاشية شيخ زاده على البيضاويِّ، لمحيي الدين مصطفى القوجوي (ت: ٩٥١)، وإرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريمِ، للقاضي أبي السعودِ (ت: ٩٥١)، والسِّراجِ المنير للخطيب الشربيني (ت: ٩٧٧)، وعناية القاضي وكفاية الراضي المعروف بحاشية الشهاب الخفاجي، لأحمد بن الخفاجي

стр. 35

(ت: ١٠٦٩)، والفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفيَّةِ، المعروف بحاشية الجمل على الجلالين، لسليمان بن عمر العجلي الشهير بالجمل (ت: ١٢٠٤)، وروح المعاني، للآلوسيِّ (ت: ١٢٧٠)، ومحاسن التأويل لمحمد جمال الدين القاسميِّ (ت: ١٣٣٢)، والتحرير والتنويرِ، للطاهر بن عاشور (ت: ١٣٩٣). وهكذا كتبُ التَّفسيرِ، تجدُ في مجموعةٍ من الكتبِ ما لا تجدُه في غيرِها، فمنهم من اعتنى أكثرَ من غيرِه بتفسيرِ القرآنِ بالقرآنِ، ومنهم من اعتنى بالسُّنَّةِ النَّبويَّةِ واستفاد منها في تفسيرِه، ومنهم من اعتنى بإيرادِ آثارِ السَّلفِ في التَّفسيرِ، ومنهم من اعتنى بالأحكامِ، ومنهم من اعتنى باللطائف والنِّكاتِ ... إلخ. وهذا الموضوع أوسعُ من أن يُكتبَ فيه مثلُ هذه التَّذكرةِ السريعةِ، أسألُ الله أن يُيسِّرَ بسطَ الموضوعِ مرَّةً أخرى.

стр. 36

ثانيًا: كتبُ إعرابِ القرآنِ برزَت بداياتُ علمِ الإعرابِ (النَّحو) في عهدِ التَّابعينَ، وكان ذلك على يد أبي الأسودِ الدؤليِّ (ت: ٩٦)، واستمرَّ هذا العلمُ في التَّقدم، حتَّى كتبَ فيه إمامُ علم النَّحوِ: سيبويه (ت: ١٨٠) كتابه «الكتاب»، وكان ذلك في عهد أتباعِ التَّابعينَ، ومؤلَّفُه هذا مليءٌ بالشَّواهدِ القرآنيَّةِ المُعرَبَةِ. وقد كانَ علمُ إعرابِ القرآنِ يدخلُ في تآليفِ معاني القرآنِ، كما هو ظاهرٌ من كتابِ الفرَّاء (ت: ٢٠٧)، والأخفشِ (ت: ٢١٥)، والزَّجَّاجِ (ت: ٣١١). وقد نصَّ الفرَّاء (ت: ٢٠٧) على أنَّ كتابَه في علم المعاني والإعرابِ، فقال: (تفسيرُ مشكل إعرابِ القرآنِ ومعانيه» (١). كما نصَّ على ذلك الزَّجاجُ (ت: ٣١١)، فقال: «هذا كتابٌ مختصرٌ في إعرابِ القرآنِ ومعانيه» (٢).

стр. 37

أمَّا الأخفشُ (ت: ٢١٥)، فإنَّ مقدمة كتابِه مفقودةٌ، ولكنَّ كتابَه كتابُ نحوٍ وإعرابٍ، وهو باسم إعرابِ القرآنِ أولى منه باسم معاني القرآنِ. وقد ذُكِرَ لجماعةٍ من العلماءِ كتبٌ أفردوها في علمِ إعرابِ القرآنِ. وأوَّل كتابٍ مطبوعٍ في هذا الشَّأنِ، كتابُ إعرابِ القرآنِ لأبي جعفر النَّحَّاسِ (ت: ٣٣٨)، وهو كتابٌ يتميَّزُ بنقلِ أقوالِ السَّالفينَ من أئمَّةَ النَّحو. وللنَّحاسِ (ت: ٣٣٨) كتابٌ في معاني القرآنِ، وقد يكونُ بكتابيه هذين أوَّلَ من فَصَلَ في التَّأليفِ بينَ علمِ معاني القرآنِ، وعلم إعرابِ القرآنِ (١). وبهذا يظهر أنَّ كُتب العلماءِ في إعرابِ القرآنِ على قسمين: الأول: كتبٌ مستقلَّةٌ باسم إعرابِ القرآنِ. الثاني: كتبٌ تضمَّنت إعرابَ القرآنِ؛ كبعضِ كتبِ التَّفسيرِ، وكتبِ معاني القرآنِ، وكتبِ الاحتجاجِ للقراءاتِ، وكتبِ الوقفِ والابتداءِ. ومن الكتبِ المستقلَّةِ بإعرابِ القرآنِ: ١ - إعرابُ القرآنِ، لأبي جعفر النَّحَّاس (ت: ٣٣٨).

стр. 38

٢ - إعراب ثلاثين سورة من القرآن، لأبي عبد الله الحسين بن أحمد بن خالويه (ت: ٣٧٠). ٣ - مشكل إعراب القرآنِ، لمكي بن أبي طالب القيسيِّ (ت: ٤٣٧). ٤ - البيان في غريب إعرابِ القرآنِ، لأبي البركات عبد الرحمن بن محمد بن الأنباري (ت: ٥٧٧). ٥ - التبيان في إعراب القرآنِ، لأبي البقاء عبد الله بن الحسين العكبري الحنبلي (ت: ٦١٦). ٦ - الفريد في إعراب القرآن المجيد، للمنتخب حسين بن أبي العزِّ الهَمَذاني (ت: ٦٤٣). ٧ - الدر المصون في علوم الكتاب المكنون، للسمين الحلبيِّ (ت: ٧٥٦). وإذا قرأت في هذه الكتبِ، فإنَّك تجدُ خلافاتِ النُّحاةِ، وتطبيقاتِ علم النَّحوِ، وكأنَّكَ تقرأُ كتابًا في النَّحوِ لا كتابًا له علاقةٌ ببيانِ معنى كلامِ اللهِ تعالى، وهذا الأمرُ ظاهرٌ ـ أيضًا ـ في جُلِّ الأعاريبِ المذكورةِ في الكتبِ المتوسِّعةِ في بيانِ المسائلِ النَّحويَّةِ من كتبِ التَّفسيرِ؛ كالبحرِ المحيطِ، لأبي حيَّانَ الأندلسيِّ (ت: ٧٤٥)، الذي عظَّمَ علمَ النَّحوِ، وجعلَه من أهم العلومِ التي يحتاج إليها المفسِّرُ، وكتابِ روحِ المعاني للآلوسيِّ (ت: ١٢٧٠) الذي اعتمدَ على نحويَّاتِ أبي حيان (ت: ٧٤٥). ولو اقتصرَ المعربونَ من النَّحوِ على ما يتأثَّرُ به المعنى، فبيَّنوه، لكان أنفعَ للمفسِّرِ، إذ تَتَبُّعُ الفروع الكثيرةِ المتعلِّقةِ بإعرابِ الآي محلُّه كُتبُ النَّحوِ، ومن تأمَّلَ هذا الحشوَ لمسائلِ علمِ النَّحوِ، وجدَه قاطعًا عن تحصيلِ التَّفسيرِ، وليس معينًا عليه.

стр. 39

ولقد كان إمامُ المفسِّرينَ ابنُ جريرٍ الطبريُّ (ت: ٣١٠) على هذا المنهج، وقد أشارَ إليه بقولِه: «... فهذه أوجهُ تأويلِ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧]، باختلافِ أوجهِ إعرابِ ذلك. وإنما اعتَرَضْنا بما اعتَرَضْنا في ذلك من بيان وجوه إعرابِه ـ وإن كان قصدُنا في هذا الكتابِ الكشفَ عن تأويلِ آي القرآنِ ـ لما في اختلافِ وجوهِ إعرابِ ذلك من اختلافِ وجوهِ تأويلِه، فاضطرَّتنا الحاجةُ إلى كشفِ وجوه إعرابهِ، لنكشف لطالبِ تأويلِه وجوهَ تأويلِه، على قدرِ اختلافِ المختلفةِ في تأويلِه وقراءتِه» (١). * كما كانت ظاهرةُ بناء الإعرابِ على المعنى بارزةً عنده كذلك، وله في تفسيرِه أمثلةٌ، منها: في تفسيرِ قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، قال الطَّبريُّ (ت: ٣١٠): «وهذان الخبرانِ عن مجاهد والضحاك (٢) يُنبئانِ عن صحَّةِ ما قُلنا في رفع «الصَّدِّ» و «الكفر به»، وأنَّ رافعَه «أكبر عند الله»، وهما

стр. 40

يؤكِّدان صِحَّةَ ما روينا في ذلك عن ابن عباس، ويدلاَّن على خطأ من زعم أنه مرفوعٌ على العطفِ على «الكبير» (١)، وقول من زعم أنَّ معناه: وكبيرٌ صدٌّ عن سبيلِ اللهِ، وزعم أنَّ قوله: ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾، خبرٌ منقطعٌ عما قبله مبتدأ (٢)» (٣). * بل كان عنده ما هو أخصُّ من ذلك، وهو بناء الإعرابِ على ما جاء عن السَّلفِ، كما في المثالِ السابقِ، وحسَبَ علمي، لم يلقَ هذا الجانب ما يليق به من البحثِ والتَّمحيصِ، ولو سبكتَ في ذلكَ قاعدةً لقلت: إنَّما يُبْنَى الأعرابُ على تفسيرِ السَّلفِ، ولا يصحُّ ردُّ الواردِ عنهم بدعوى مخالفةِ القواعدِ النحويَّةِ التي ضبطها المتأخرون، بلْ يبحثُ عن الوجه من الإعرابِ الذي حُمِلَ عليه الكلامُ عندهم. ومن أمثلةِ تطبيقِ هذا: * ما ورد في تفسيرِ الطبري (ت: ٣١٠)، عند تفسيرِ قوله تعالى: ﴿يَامُوسَى لاَ تَخَفْ إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ * إِلاَّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النمل: ١٠، ١١]، عن الحسن البصريِّ (ت: ١١٠)، قال: «كانت الأنبياء تُذنبُ، فتعاقبُ»، وقال ابن جريج (ت: ١٥٠): «لا يُخيفُ اللهُ الأنبياءَ إلاَّ بذنبٍ يُصيبُه أحدهم، فإن أصابَه، أخافَه اللهُ، حتَّى يأخُذَه منه» (٤). ثُمَّ أورد الطبريُّ (ت: ٣١٠) عن بعضِ النُّحاةِ في هذا الاستثناء تقديرات:
следующие страницы →