ثانيًا: كتبُ إعرابِ القرآنِ
برزَت بداياتُ علمِ الإعرابِ (النَّحو) في عهدِ التَّابعينَ، وكان ذلك على يد أبي الأسودِ الدؤليِّ (ت: ٩٦)، واستمرَّ هذا العلمُ في التَّقدم، حتَّى كتبَ فيه إمامُ علم النَّحوِ: سيبويه (ت: ١٨٠) كتابه «الكتاب»، وكان ذلك في عهد أتباعِ التَّابعينَ، ومؤلَّفُه هذا مليءٌ بالشَّواهدِ القرآنيَّةِ المُعرَبَةِ.
وقد كانَ علمُ إعرابِ القرآنِ يدخلُ في تآليفِ معاني القرآنِ، كما هو ظاهرٌ من كتابِ الفرَّاء (ت: ٢٠٧)، والأخفشِ (ت: ٢١٥)، والزَّجَّاجِ (ت: ٣١١).
وقد نصَّ الفرَّاء (ت: ٢٠٧) على أنَّ كتابَه في علم المعاني والإعرابِ، فقال: (تفسيرُ مشكل إعرابِ القرآنِ ومعانيه» (١).
كما نصَّ على ذلك الزَّجاجُ (ت: ٣١١)، فقال: «هذا كتابٌ مختصرٌ في إعرابِ القرآنِ ومعانيه» (٢).
стр. 37
أمَّا الأخفشُ (ت: ٢١٥)، فإنَّ مقدمة كتابِه مفقودةٌ، ولكنَّ كتابَه كتابُ نحوٍ وإعرابٍ، وهو باسم إعرابِ القرآنِ أولى منه باسم معاني القرآنِ.
وقد ذُكِرَ لجماعةٍ من العلماءِ كتبٌ أفردوها في علمِ إعرابِ القرآنِ.
وأوَّل كتابٍ مطبوعٍ في هذا الشَّأنِ، كتابُ إعرابِ القرآنِ لأبي جعفر النَّحَّاسِ (ت: ٣٣٨)، وهو كتابٌ يتميَّزُ بنقلِ أقوالِ السَّالفينَ من أئمَّةَ النَّحو.
وللنَّحاسِ (ت: ٣٣٨) كتابٌ في معاني القرآنِ، وقد يكونُ بكتابيه هذين أوَّلَ من فَصَلَ في التَّأليفِ بينَ علمِ معاني القرآنِ، وعلم إعرابِ القرآنِ (١).
وبهذا يظهر أنَّ كُتب العلماءِ في إعرابِ القرآنِ على قسمين:
الأول: كتبٌ مستقلَّةٌ باسم إعرابِ القرآنِ.
الثاني: كتبٌ تضمَّنت إعرابَ القرآنِ؛ كبعضِ كتبِ التَّفسيرِ، وكتبِ معاني القرآنِ، وكتبِ الاحتجاجِ للقراءاتِ، وكتبِ الوقفِ والابتداءِ.
ومن الكتبِ المستقلَّةِ بإعرابِ القرآنِ:
١ - إعرابُ القرآنِ، لأبي جعفر النَّحَّاس (ت: ٣٣٨).
стр. 38
٢ - إعراب ثلاثين سورة من القرآن، لأبي عبد الله الحسين بن أحمد بن خالويه (ت: ٣٧٠).
٣ - مشكل إعراب القرآنِ، لمكي بن أبي طالب القيسيِّ (ت: ٤٣٧).
٤ - البيان في غريب إعرابِ القرآنِ، لأبي البركات عبد الرحمن بن محمد بن الأنباري (ت: ٥٧٧).
٥ - التبيان في إعراب القرآنِ، لأبي البقاء عبد الله بن الحسين العكبري الحنبلي (ت: ٦١٦).
٦ - الفريد في إعراب القرآن المجيد، للمنتخب حسين بن أبي العزِّ الهَمَذاني (ت: ٦٤٣).
٧ - الدر المصون في علوم الكتاب المكنون، للسمين الحلبيِّ (ت: ٧٥٦).
وإذا قرأت في هذه الكتبِ، فإنَّك تجدُ خلافاتِ النُّحاةِ، وتطبيقاتِ علم النَّحوِ، وكأنَّكَ تقرأُ كتابًا في النَّحوِ لا كتابًا له علاقةٌ ببيانِ معنى كلامِ اللهِ تعالى، وهذا الأمرُ ظاهرٌ ـ أيضًا ـ في جُلِّ الأعاريبِ المذكورةِ في الكتبِ المتوسِّعةِ في بيانِ المسائلِ النَّحويَّةِ من كتبِ التَّفسيرِ؛ كالبحرِ المحيطِ، لأبي حيَّانَ الأندلسيِّ (ت: ٧٤٥)، الذي عظَّمَ علمَ النَّحوِ، وجعلَه من أهم العلومِ التي يحتاج إليها المفسِّرُ، وكتابِ روحِ المعاني للآلوسيِّ (ت: ١٢٧٠) الذي اعتمدَ على نحويَّاتِ أبي حيان (ت: ٧٤٥).
ولو اقتصرَ المعربونَ من النَّحوِ على ما يتأثَّرُ به المعنى، فبيَّنوه، لكان أنفعَ للمفسِّرِ، إذ تَتَبُّعُ الفروع الكثيرةِ المتعلِّقةِ بإعرابِ الآي محلُّه كُتبُ النَّحوِ، ومن تأمَّلَ هذا الحشوَ لمسائلِ علمِ النَّحوِ، وجدَه قاطعًا عن تحصيلِ التَّفسيرِ، وليس معينًا عليه.
стр. 39
ولقد كان إمامُ المفسِّرينَ ابنُ جريرٍ الطبريُّ (ت: ٣١٠) على هذا المنهج، وقد أشارَ إليه بقولِه: «... فهذه أوجهُ تأويلِ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧]، باختلافِ أوجهِ إعرابِ ذلك.
وإنما اعتَرَضْنا بما اعتَرَضْنا في ذلك من بيان وجوه إعرابِه ـ وإن كان قصدُنا في هذا الكتابِ الكشفَ عن تأويلِ آي القرآنِ ـ لما في اختلافِ وجوهِ إعرابِ ذلك من اختلافِ وجوهِ تأويلِه، فاضطرَّتنا الحاجةُ إلى كشفِ وجوه إعرابهِ، لنكشف لطالبِ تأويلِه وجوهَ تأويلِه، على قدرِ اختلافِ المختلفةِ في تأويلِه وقراءتِه» (١).
* كما كانت ظاهرةُ بناء الإعرابِ على المعنى بارزةً عنده كذلك، وله في تفسيرِه أمثلةٌ، منها:
في تفسيرِ قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، قال الطَّبريُّ (ت: ٣١٠): «وهذان الخبرانِ عن مجاهد والضحاك (٢) يُنبئانِ عن صحَّةِ ما قُلنا في رفع «الصَّدِّ» و «الكفر به»، وأنَّ رافعَه «أكبر عند الله»، وهما
стр. 40
يؤكِّدان صِحَّةَ ما روينا في ذلك عن ابن عباس، ويدلاَّن على خطأ من زعم أنه مرفوعٌ على العطفِ على «الكبير» (١)، وقول من زعم أنَّ معناه: وكبيرٌ صدٌّ عن سبيلِ اللهِ، وزعم أنَّ قوله: ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾، خبرٌ منقطعٌ عما قبله مبتدأ (٢)» (٣).
* بل كان عنده ما هو أخصُّ من ذلك، وهو بناء الإعرابِ على ما جاء عن السَّلفِ، كما في المثالِ السابقِ، وحسَبَ علمي، لم يلقَ هذا الجانب ما يليق به من البحثِ والتَّمحيصِ، ولو سبكتَ في ذلكَ قاعدةً لقلت: إنَّما يُبْنَى الأعرابُ على تفسيرِ السَّلفِ، ولا يصحُّ ردُّ الواردِ عنهم بدعوى مخالفةِ القواعدِ النحويَّةِ التي ضبطها المتأخرون، بلْ يبحثُ عن الوجه من الإعرابِ الذي حُمِلَ عليه الكلامُ عندهم.
ومن أمثلةِ تطبيقِ هذا:
* ما ورد في تفسيرِ الطبري (ت: ٣١٠)، عند تفسيرِ قوله تعالى: ﴿يَامُوسَى لاَ تَخَفْ إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ * إِلاَّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النمل: ١٠، ١١]، عن الحسن البصريِّ (ت: ١١٠)، قال: «كانت الأنبياء تُذنبُ، فتعاقبُ»، وقال ابن جريج (ت: ١٥٠): «لا يُخيفُ اللهُ الأنبياءَ إلاَّ بذنبٍ يُصيبُه أحدهم، فإن أصابَه، أخافَه اللهُ، حتَّى يأخُذَه منه» (٤).
ثُمَّ أورد الطبريُّ (ت: ٣١٠) عن بعضِ النُّحاةِ في هذا الاستثناء تقديرات:
стр. 41
الأول: أن يكونَ الاستثناءُ منقطعًا، ويكونَ المعنى: إنَّ الرسلَ معصومةٌ مغفورٌ لها آمنةٌ يوم القيامةِ، ومن خلطَ عملاً صالحًا وآخر سيِّئًا، فهو يخافُ ويرجو (١).
الثاني: أن يكون المستثنى منه محذوفًا، ويكون المعنى: إنِّي لا يخافُ لديَّ المرسلون، إنما يخاف غيرهم، إلاَّ من ظلمَ، ثمَّ بدَّل حسنًا بعد سوءٍ، فإنه لا يخاف (٢).
الثالثُ: أن تكون «إلاَّ» بمعنى «الواو»، ويكون المعنى: لا يخاف لديَّ المرسلون، ولا من بدَّل حسنًا بعد سوءٍ (٣).
قال الطبريُّ (ت: ٣١٠): «والصَّوابُ من القولِ في قوله: ﴿إِلاَّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ﴾ عندي، غيرُ ما قال هؤلاء الذين حكينا قولهم من أهل العربيَّةِ، بل هو القولُ الذي قاله الحسنُ البصريُّ وابنُ جُريجٍ ومن قال قولهما، وهو أن قوله: ﴿إِلاَّ مَنْ ظَلَمَ﴾ [النمل: ١١] استثناءٌ صحيحٌ من قولِه: ﴿... لاَ يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ * إِلاَّ مَنْ ظَلَمَ﴾ منهم، فأتى ذنبًا، فإنه خائفٌ لديه من عقوبتِه.
وقد بيَّنَ الحسنُ ﵀ معنى قيلِ اللهِ لموسى ذلك، وهو قوله: إنما أخفتُك، لقتلكَ النَّفسَ (٤) ... وأما الذين ذكرنا قولهم من أهل العربيَّة، فقد قالوا على مذهبِ العربيَّةِ، غير أنهم أغفلوا معنى الكلمةِ، وحملُوها على غير وجهِها من التأويلِ.
стр. 42
وإنما ينبغي أن يُحمَلَ الكلامُ على وجهِهِ من التَّأويلِ، ويُلتَمسَ له ـ على ذلك الوجه للإعرابِ في الصَّحةِ ـ مخرجٌ، لا على إحالةِ الكلمةِ عن معناها ووجهِها الصَّحيحِ من التأويل» (١).
* وعن الباقولي (ت: ٥٤٣) (٢)، قال: «قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤]؛ أي: الذين هم لأجل الطهارةِ وتزكيةِ النَّفسِ عاملونَ الخير.
وليس المرادُ من هذا الكلام أنهم يؤدون الزَّكاةَ؛ لأنَّه لا يقالُ: فعلتُ الزكاةَ، وأنت تريدُ: أدَّيتُ الزَّكَّاةَ.
فإنَّما الزكاةُ: الطهارةُ، كما قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى *وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٤، ١٥]، وقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: ٩]؛ أي: طهَّرها من المعاصي، ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ١٠]؛ أي: من أخملَهَا بالفجورِ والمعاصي.
وأبدًا ينبغي لك أن تُفسِّر القرآن بعضَه ببعض ما أمكنَكَ. ألا ترى أنهم قالوا في قول الله : ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١] إنَّ المعنى: للرسولِ معقِّباتٌ؛ أي: ملائكةٌ من أمرِ اللهِ يحفظونَه من بين يديه ومن خلفِه، كذا فسَّرَ إبراهيمُ النَّخَعيُّ.
стр. 43
ففارَ فائرُ القومِ، وقالوا في هذا: إنه فصل بين الصفةِ والموصوفِ، وقدَّم ظرفَ الصِّفةِ على الصِّفةِ.
فنظرنا في ذلكَ، فإذا إبراهيمُ أخذ هذا التَّفسيرَ من قولِه تعالى: ﴿إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن: ٢٧]، والرَّصَدُ: الملائكةُ، وهم المعقِّباتُ، يحفظون النَّبيَّ ﵌.
فوجبَ أخذُ التَّفسير من آيةٍ نظيرةِ تلك الآيةِ التي تُفسِّرُها، فإذا ثبتَ هذا وصحَّ، عَلِمْتَ سقوطَ طعنِ الطَّاعنِ في هذه الآية» (١).
وإذا تقعَّدَ ذلك عندك، علمتَ خطأ أبي حيان (ت: ٧٤٥) في ردِّه الواردَ عن السَّلفِ في تفسيرِ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاَ أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٢٤]، بدعوى أن تفسيرَهم لا يُساعدُ عليه كلامُ العربِ.
قال: «والذي رُوِيَ عن السلفِ لا يُساعدُ عليه كلامُ العرب؛ لأنهم قدَّروا جواب «لولا» محذوفًا، ولا يدلُّ عليه دليلٌ؛ لأنهم لم يقدِّروا: لهمَّ بها، ولا يدلُّ كلامُ العربِ إلا على أن يكونَ المحذوفُ من معنى ما قبلَ الشَّرطِ؛ لأنَّ ما قبل الشَّرطِ دليلٌ عليه، ولا يُحذَفُ الشيءُ لغيرِ دليلٍ» (٢).
وهذا منه ﵀ غيرُ سديدٍ؛ لأنَّ هؤلاءِ السَّلفَ ـ الذين يزعم أنَّ
стр. 44
كلامَ العربِ لا يُساعد على قولِهم ـ عربٌ (١)، وهم أدرى منه بلغتِهم، وأقدرُ على تحديدِ مرادِ اللهِ بكلامهِ من غيرِهم من المتأخرينَ عنهم، فكيفَ غفلَ عن هذا؟!
ولو كان ﵀ يجعل تفسيرَهم حجةً يحتكمُ إليه، ويبني عليه الإعرابَ، لما قال هذا القولَ.
وهذا الاعتراضُ ـ فيما يبدو ـ متناسقٌ مع رأيه في أنَّ النَّحويَّ قادرٌ على معرفةِ التَّفسيرِ بدونِ الرُّجوعِ إلى تفسيرِ السَّلفِ، وقد حكى مذهبَه هذا في مقدِّمةِ تفسيرِه.
قال: «ومن أحاط بمعرفةِ مدلولِ الكلمةِ، وأحكامِها قبلَ التَّركيبِ، وعَلِمَ كيفيَّةَ تركيبِها في تلكَ اللُّغةِ، وارتقى إلى تمييزِ حُسْنِ تركيبِها وقُبحِه = فلن يحتاج في فهم ما تركَّبَ من الألفاظِ إلى مُفهِّم ومُعلِّم، وإنما تفاوتَ النَّاسُ في إدراكِ هذا الذي ذكرناه، فلذلك اختلفت أفهامهم، وتباينت أقوالُهم.
وقد جرينا الكلام يومًا مع بعضِ من عاصرنا، فكان يزعم أنَّ علمَ التَّفسيرِ مضطرٌّ إلى النَّقلِ في فهمِ معاني تراكيبه الإسناديَّةِ إلى مجاهد وطاوس وعكرمة وأضرابِهم، وأنَّ فهم الآيات متوقِّفٌ على ذلك.
والعجب له أنه يرى أقوالَ هؤلاء كثيرةَ الاختلافِ، متباينةَ
стр. 45
الأوصافِ، متعارضةً ينقضُ بعضُها بعضًا (١) ...» (٢).
ومن ثَمَّ، فإنَّ الاهتمامَ بمسائلِ النَّحوِ التي لها أثرٌ في المعنى واختلافِه مطلبٌ مهمٌّ لمفسِّرِ القرآنِ، ومن الأمثلةِ الموضحة لذلك:
اختلاف المعنى بمعرفةِ الفرقِ بين واو العطف وواو الاستئنافِ، في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧]، فإن كانت عاطفةً فالمعنى: وما يعلم تفسيرَه إلاَّ الله والراسخون في العلم. وإن كانت مستأنفةً، فالمعنى: ما يعلم حقيقة ما يؤول إليه إلاَّ الله وحده، أما الراسخون في العلم فيقولون آمنَّا به ...
وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤]، إن كانت الواو عاطفةً، فجملةُ: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ من تمام كلام ملكة سبأ. وإن كانت الواو استئنافيَّةً، فالكلام تعقيب من الله على كلامها، لتأكيد ما قالته.
ومثلُه اختلافُ المعنى بسببِ احتمالِ «ما» أن تكونَ تعجُّبيَّةً أو استفهاميَّةً في قوله تعالى: ﴿قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧]، فإن كانت تعجبيةً فالمعنى: ما أشدَّ كفرَه.
وإن كانت استفهاميَّةً، فالمعنى: ما الذي جعله يكفر؟
أو أن تكونَ نافيةً أو موصولةً في قوله تعالى: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾
стр. 46
[البلد: ٣]، فإن كانت نافيةً، فالمعنى: أقسم بمن يلد ومن لا يلد (١).
وإن كانت موصولةً، فالمعنى: أقسم بالوالد وولدِه.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ [البقرة: ١٠٢]، وغيرها، فإن كانت نافيةً، فالمعنى: يعلِّمون النَّاس السِّحرَ، ولم يُنْزَل على الملكينِ شيءٌ من السِّحرِ. وإن كانت موصولةً، فالمعنى: يعلِّمون الناس السِّحرَ والذي أُنزلَ على الملكين ببابل.
ولو تأمَّلتَ هذه الأوجه الإعرابيَّةَ المختلفةَ التي ذكرتُها، وجدتها أثرًا من آثارِ المعنى والتَّفسيرِ؛ أي: أنَّ التَّفسيرَ والمعنى سابقانِ للنَّحوِ، إذ الإعراب فرعُ المعنى، فأنت تفهمُ المعنى، ثمَّ تُعربُ، هذا هو الأصلُ، ولكن لمَّا فَسَدَتِ الألسنُ، كتبَ العلماءُ الأصولَ التي يُضبطُ بها كلامُ العربِ، فتشكَّلَ بهذا علمُ النَّحوِ، وصارَت له مسائلُه المضبوطةُ، وصار يُتَطلَّبُ المعنى من جهته أحيانًا (٢).
стр. 47
ولهذا تجدُ أنَّ علمَ النَّحوِ يساعدُ في ردِّ بعضِ الأوجُه التَّفسيريَّةِ التي تردُ عن بعضِ المفسِّرينَ أو المعربين، ومن ذلك ما قاله ابن كثيرٍ الدِّمشقيُّ (ت: ٧٧٤): «وقوله تعالى: ﴿آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ [الذاريات: ١٦]، قال ابن جرير؛ أي: عاملينَ بما آتاهم الله من الفرائضِ.
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ [الذاريات: ١٦]؛ أي: قبلَ أن يفرض عليهم الفرائض كانوا محسنين في الأعمالِ أيضًا، ثمَّ روى عن ابن حميد، حدثنا مهران، عن سفيان، عن أبي عمر، عن مسلم البطين، عن ابن عباس في قوله: ﴿آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾، قال: الفرائض، ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾: قبل الفرائض يعملونَ.
وهذا الإسنادُ ضعيفٌ، ولا يصحُّ عن ابن عباسٍ، وقد رواه عثمان بن أبي شيبة، عن معاوية بن هشام، عن سفيان، عن أبي عمر البزَّار، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره.
والذي فسَّرَ به ابن جرير فيه نظرٌ؛ لأنَّ قوله: ﴿آخِذِينَ﴾ حالٌ من قولِه: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الذاريات: ١٥]، فالمتقونَ في حالِ كونِهم في الجنَّاتِ والعيونِ آخذينَ ما آتاهم ربُّهم؛ أي: من النعيمِ والسُّرورِ والغِبطةِ» (١).
стр. 48
* ولقد كان التَّوسُّع في ذكرِ التَّقديراتِ النَّحويَّةِ التي يحتملها نصُّ القرآنِ مما يقطع منفعةَ هذا العلمِ في بيانِ كلامِ الله. ولو اكتُفيَ بحملهِ على أحسنِ الإعرابِ، وأفصحِ الوجوهِ = لكان، ولكنَّ الواقعَ في كثيرٍ من كُتبِ أعاريبِ القرآن وكتب التفسيرِ وغيرِها مما يحوي جملةً منه، أنها ابتعدتْ عن هذا إلى ذكرِ المحتملاتِ الإعرابيَّةِ التي تحتملُها المفردةُ والجملةُ القرآنيَّةُ، فصارَ القرآنُ ميدانًا لتطبيقاتِ النَّحويِّينَ وخلافاتِهم، والأمثلةُ على ذلك كثيرةٌ جدًا، وأذكر لك هنا هذا المثال:
* قال الباقوليُّ (ت: ٥٤٣): «قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَاتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣].
الهاءُ في ﴿مِثْلِهِ﴾ تعودُ على «ما»، وهو القرآنُ؛ أي: فأتوا بسورةٍ مثل القرآنِ (١). فـ «مِنْ»، زيادةٌ على هذا، وهو قول الأخفشِ، ودليلُه في الآيةِ الأخرى: ﴿فَاتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [يونس: ٣٨].
وقولٌ ثانٍ: فأتوا بسورةٍ من مثلِ محمدٍ ﷺ (٢)، فتعودُ الهاءُ إلى «عبدنا» من قوله: ﴿عَلَى عَبْدِنَا﴾، فيكونُ «مِنْ» لابتداءِ الغايةِ؛ أي: ابتدئوا في الإتيان بالسورةِ من مثلِ محمدٍ ﷺ .
فهذان قولانِ قالَهما أصحابُ المعاني (٣).
стр. 49
وعلى قياس سيبويه ـ في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ [النحل: ٦٦]: إنَّ الهاء في قوله: ﴿فِي بُطُونِهِ﴾ يعودُ إلى ﴿الأَنْعَامِ﴾ ـ يجيءُ قولٌ ثالثٌ في هذه الآيةِ، وهو أن يعودَ الهاء من قوله: ﴿فَاتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾؛ أي: من مثلِ الأندادِ؛ لأنَّ الأندادَ ذُكِرَتْ قبلُ في قولِه: ﴿فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: ٢٣]» (١).
والقولان الأوَّلانِ هما المعروفانِ في التَّفسيرِ (٢)، وهذا التَّوجيهُ الإعرابيُّ الثالثُ غريبٌ جدًّا، ولا يخفى ضعفُه على متأمِّلٍ، وإنما ساقه إليه الحرصُ على بيان ما تحتمله الآيةُ من إعراباتٍ، وإن لم يكنِ السياقُ شاهدًا لها.
وقد أشار ابن القيم (ت: ٧٥١) إلى مشكلةِ التَّقديراتِ النَّحويَّةِ التي يذكرُها بعضهم، فقال: «قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [سبأ: ٣٧]، فمَنْ آمن ليس داخلاً في الأموالِ والأولادِ، ولكنه من الكلامِ المحمولِ على المعنى؛ لأنه تعالى أخبرَ أنَّ أموالَ العبادِ وأولادَهم لا تُقَرِّبُهم إليه، وذلك يتضمَّنُ أنَّ أربابَها ليسوا هم من المقربينَ إليه، فاستثنى منهم من آمنَ وعَمِلَ صالحًا؛ أي: لا قريبَ عنده إلا من آمنَ وعَمِلَ صالحًا، سواءٌ كان له مالٌ وولدٌ، أو لم يكن له.
والانقطاعُ فيه أظهرُ، فإنَّه تعالى نَفَى قُرْبَ النَّاسِ إليه بأموالِهم وأولادِهم وأثبتَ قُرْبَهم عنده بإيمانِهم وعملهم الصَّالِحِ.
فتقديرُ «لكن» ههنا أظهرُ من تقديرِ الاتصالِ في هذا الاستثناءِ، وإذا
стр. 50
تأمَّلتَ الكلامَ العربيَّ، رأيتَ كثيرًا منه واردًا على المعنى لوضوحِه، فلو وردَ على قياسِ اللَّفظِ مع وضوحِ المعنى لكانَ عِيًّا.
وبهذه القاعدةِ تزولُ عنك إشكالاتٌ كثيرةٌ، ولا تحتاج إلى تكلُّفِ التَّقديراتِ التي إنَّما عدلَ عنها المتكلمُ لما في ذكرِها من التَّكلفِ، فقدَّر المتكلّفون لنطقهِ ما فَرَّ منه، وألزمُوه بما رَغِب عنه، وهذا كثيرٌ في تقديراتِ النُّحاةِ التي لا تخطرُ ببال المتكلِّمِ أصلاً، ولا تقعُ في تراكيبِ الفصحاءِ، ولو سَمِعُوها لاستهجنوها، وسنعقُد إنْ شاءَ اللهُ تعالى لهذا فصلاً مستقلاً» (١).
* ولقد كان في التَّوجُّهِ للنَّصِّ القرآنيِّ مجالٌ لبعضِهم في ذكر أصولِ مذاهبِهم وآرائهم النحويَّةِ، ومن أدلِّ الدليلِ على ذلكَ ما تراه في كتبِ معاني القرآنِ، للفراء (ت: ٢٠٧)، وللأخفش (ت: ٢١٥)، فالأوَّلُ بنى كتابَه على نحو أهلِ الكوفةِ، فبيَّنَ أصولَهم في كتابِه هذا، حتى كاد يخرُج من كونِه بيانًا للمعاني إلى كونِه كتابًا في النَّحوِ الكوفيِّ.
وأمَّا الثاني، وهو بصريٌّ، فقد أرادَ أن يُبيِّنَ آراءه النَّحويَّةَ التي يتبنَّاها، وقد تكونُ مخالفةً لأصحابِه البصريِّينَ، فعمِلَ كتابَه هذا بعد انتشارِ كتاب سِيبَويه (ت: ١٧٠) الذي استحسنه النَّاس وكَلِفُوا به (٢)، ولكي يَنفُقَ كتابه، كان التَّوجُّه للقرآنِ، وكانَ هذا أولى ما يخلِّدُ به العالمُ مذهبَه، فكان ذلك من الأخفشِ (ت: ٢١٥)، واللهُ أعلمُ (٣).
стр. 51
ولو رُتِّبَ هذان الكتابان على مسائلِ كُتب النَّحوِ، لصارا كتابينِ نحويَّينِ، قلَّ أن يشذَّ عنهما بابٌ من أبوابِ النَّحوِ (١)، وهذا يدلُّ على أنهما أرادا بهذا التَّوجُّه للقرآنِ إبرازَ مذهبِهما النَّحويِّ، واللهُ أعلمُ.
* لمَّا كان الأمرُ من التوسُّع في الإعراب ما ذكرتُ لك، ظهرتْ قواعدُ تضبطُ ما يُعملُ به في إعرابِ كتابِ اللهِ، ومن هذه القواعد: أن لا يعربَ القرآنُ إلاَّ بالأفصحِ الصحيح، وأن يُجتنبَ الغريبُ والشَّاذُّ من الأعاريبِ.
* في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، قال أبو جعفر النَّحَّاسُ (ت: ٣٣٨): «وقال أبو عبيدة: هو مخفوضٌ على الجوارِ (٢).
قال أبو جعفر: لا يجوزُ أن يُعربَ شيءٌ على الجوارِ في كتابِ اللهِ ، ولا في شيءٍ من الكلامِ، وإنَّما الجوارُ غلطٌ، وإنما وقع في شيءٍ شاذٍّ، وهو قولُهم: هذا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ. والدليلُ على أنه قولٌ غلطٌ، قول العربِ في التثنية: هذان جُحْرَا ضَبٍّ خَرِبَانِ. وإنما هذا بمنزلة الإقواءِ، ولا يُحملُ شيءٌ من كتابِ اللهِ على هذا، ولا يكونُ إلاَّ بأفصحِ اللُّغاتِ وأصحِّها ...» (٣).
* وقال أبو حيَّان الأندلسي (ت: ٧٤٥): «ينبغي أن يُحملَ [أي:
стр. 52
القرآن] على أحسنِ إعرابٍ، وأحسنِ تركيبٍ، إذ كلامُ اللهِ تعالى أفصحُ الكلامِ، فلا يجوزُ فيه جميع ما يُجَوِّزُه النُّحاةُ في شعرِ الشَّمَّاخِ والطِّرمَّاحِ وغيرهما، من سلوكِ التَّقاديرِ البعيدة، والتَّراكيبِ القلقةِ، والمجازاتِ المُعقَّدةِ» (١)
* وقال ابن القيم (ت: ٧٥١): «لا يجوزُ أن يُحمل كلامُ الله ويفسَّرَ بمجرَّدِ الاحتمالِ النَّحويِّ الإعرابيِّ الذي يحتملُه تركيبُ الكلامِ، ويكونُ الكلامُ به له معنى ما، فإنَّ هذا المقامَ غلط فيه أكثرُ المعربين للقرآنِ، فإنَّهم يفسِّرون الآية ويعربونها بما يحتملُه تركيب تلك الجملةِ، ويُفهمُ من ذلك التَّركيبِ أيُّ معنًى اتَّفقَ، وهذا غلطٌ عظيمٌ يقطعُ السَّامعُ بأنَّ مرادَ القرآنِ غيرُه.
وإن احتملَ ذلك التَّركيبُ هذا المعنى في سياقٍ آخرَ وكلامٍ آخرَ، فإنَّه لا يلزمُ أن يحتملَه القرآنُ، مثلُ قولِ بعضهم في قراءة من قرأ ﴿وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]، بالجرِّ. إنَّه قَسَمٌ.
ومثلُ قول بعضِهم ـ في قوله تعالى: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ٢١٧]ـ: إنَّ المسجد مجرورٌ بالعطفِ على الضميرِ المجرورِ في «به».
ومثل قول بعضهم ـ في قوله تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ﴾ [النساء: ١٦٢]ـ: إنَّ المقيمين مجرورٌ بواو القسم. ونظائرُ ذلك أضعاف ما ذكرنا، وأوهى بكثيرٍ.
стр. 53
بل للقرآن عُرْفٌ خاصٌّ، ومعانٍ معهودةٌ، لا يُناسِبُه تفسيرُه بغيرِها، ولا يجوزُ تفسيرُه بغيرِ عرفِه والمعهودِ من معانيه، فإنَّ نسبة معانيه إلى المعاني، كنسبةِ ألفاظه إلى الألفاظِ، بل أعظمُ.
فكما أنّ ألفاظَهُ ملوكُ الألفاظِ وأجلُّها وأفصحُها، ولها من الفصاحةِ أعلى مراتِبها التي يعجزُ عنها قدر العالمين، كذلك معانيه أجلُّ المعاني وأعظمُها وأفخمُها، فلا يجوزُ تفسيرُه بغيرِها من المعاني التي لا تليقُ به، بل غيرُها أعظمُ منها وأجَلُّ وأفخمُ، فلا يجوزُ حملُه على المعاني القاصرةِ بمجرَّدِ الاحتمالِ النَّحويِّ الإعرابيِّ.
فتدبَّرْ هذه القاعدة، ولتكنْ منك على بالٍ، فإنَّكَ تنتفعُ بها بمعرفةِ ضَعْفِ كثيرٍ من أقوالِ المفسِّرينَ وزيفها، وتقطع أنها ليست مرادَ المتكلم تعالى بكلامه» (١).
ومن قرأ في كتابِ البحر المحيط لأبي حيَّانَ (ت: ٧٤٥)، فإنه سيظهرُ له في علم الإعرابِ قواعدُ كثيرةٌ منثورةٌ في كتابه، ومنها على سبيل المثالِ:
* قال أبو حيَّان (ت: ٧٤٥): «وقد ركَّبوا وجوهًا من الإعرابِ في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢]، والذي نختاره منها أنَّ قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ جملةٌ مستقلَّةٌ من مبتدأ وخبرٍ؛ لأنه متى أمكن حملُ الكلامِ على غيرِ إضمارٍ ولا افتقارٍ، كان أَولى أن يُسلكَ به الإضمار والافتقار.
وهكذا عادتنا في إعرابِ القرآنِ، لا نسلكُ فيه إلاَّ الحملَ على
стр. 54
أحسنِ الوجوهِ، وأبعدِها من التكلُّفِ، وأسوغِها في لسان العربِ.
ولسنا كمن جعلَ كتابَ الله تعالى كشعرِ امرئ القيسِ، وشعرِ الأعشى، يحملُه على جميعِ ما يحتملُه اللَّفظُ من وجوه الاحتمالات. فكما أنَّ كلامَ اللهِ من أفصحِ الكلامِ، فكذلك ينبغي إعرابه على أفصح الوجوه ...» (١).
* وقال ناقدًا الزَّمَخْشَريَّ (ت: ٥٣٨) في تقديره «خَمَدَتْ» جوابًا محذوفًا لقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ [البقرة: ١٧]، وفي ادِّعائه أنَّ الحذف أولى، قال: «... الذي يقتضيه ترتيبُ الكلامِ وصحَّتُهُ ووضعُهُ مواضِعَهُ أن يكونَ ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ هو الجوابَ، فإذا جعلتَ غيره الجوابَ، مع قوَّةِ ترتيبِ ذهابِ اللهِ بنورِهم على الإضاءةِ، كان ذلك من بابِ اللُّغزِ؛ إذ تركتَ شيئًا يُبادِرُ إلى الفَهْمِ، وأضمرتَ شيئًا يحتاجُ في تقديرِه إلى وَحْيٍ يُسفِرُ عنه، إذ لا يدلُّ على حذفه اللَّفظُ مع وجودِ تركيبِ ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾.
ولم يكتفِ الزَّمَخْشَرِيُّ بأن جَوَّزَ حذفَ هذا الجوابِ حتَّى ادعى أنَّ الحذفَ أولى، وقال: «وكانَ الحذفُ أولى من الإثبات، لما فيه من الوجازة مع الإعرابِ عن الصِّفةِ التي حصلَ عليها المستوقدُ بما هو أبلغُ للَّفظِ في أداءِ المعنى؛ كأنَّه قيلَ: فلما أضاءت ما حوله خمدت، فبقوا خابطينَ في ظلامٍ، متحيِّرينَ، متحسِّرينَ على فَوتِ الضَّوءِ، خائبين بعد الكدحِ في إحياءِ النَّارِ» (٢) انتهى.
وهذا الذي ذكره نوعٌ من الخطابةِ، لا طائلَ تحتها؛ لأنَّه كان يمكنُ
стр. 55
له ذلك، لو لم يكن يَلِي قولَه: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾، قولُه: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾.
وأمَّا ما في كلامِه بعد تقديرِ «خمدت» إلى آخرِهِ، فهو مما يُحمِّلُ اللَّفظَ ما لا يحتملُه، ويُقدِّر تقاديرَ وجملاً محذوفةً لم يدل عليها الكلامُ، وذلك عادتُه في غيرِ كلامٍ في معظم تفسيرِه.
ولا ينبغي أن يُفسَّرَ كلامُ اللهِ بغيرِ ما يحتملُه، ولا أن يُزادَ فيه، بل يكونُ الشَّرْحُ طبقَ المشروحِ، من غيرِ زيادةٍ عليه، ولا نقصٍ منه» (١).
* وفي قولِه تعالى: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠]، قال أبو حيَّان (ت: ٧٤٥): «... ولا حاجة تدعو إلى أنَّ في الكلام تقديمًا وتأخيرًا ـ كما ذهبَ إليه بعضُهم، وأنَّ التقديرَ: ونحن نُسبِّحُ ونُقدِّسُ لك بحمدك، فاعترضَ «بحمدك» بين المعطوفِ والمعطوفِ عليه (٢) ـ لأنَّ التَّقديم والتَّأخير مما يختصُّ بالضَّرورة، فلا يُحملُ كلامُ الله عليه، وإنما جاء ﴿بِحَمْدِكَ﴾ بعد ﴿نُسَبِّحُ﴾ لاختلاطِ التَّسبيحِ بالحمدِ.
وجاء قوله بعد: ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ كالتَّوكيدِ؛ لأنَّ التَّقديسَ هو التَّطهيرُ، والتَّسبيحَ: هو التَّنْزيهُ والتَّبرئةُ من السُّوءِ، فهما متقاربان في المعنى، ومعنى التَّقديس ـ كما ذكرنا ـ التَّطهيرُ» (٣).
стр. 56
وما ذكرتهُ غيضٌ من فيضٍ في كتابِ البحر المحيطِ، ولو جُمِعَت هذه القواعدُ التي تتعلَّقُ بإعرابِ كتابِ اللهِ من كتبِ إعرابِ القرآنِ، لوَجد الجامعُ لها علمًا غزيرًا، وشيئًا كثيرًا، واللهُ الموفِّقُ.
стр. 57
ثالثًا: كتب معاني القرآن
ألَّفَ هذا النَّوعَ من الكتبِ لُغويُّو القرنِ الثَّاني، وقد نُسِبَ لجماعةٍ منهم مؤلَّفاتٌ فيه كمحمد بن الحسن الرُّؤاسيِّ (ت: ١٧٠) (١)، ويونس بن حبيب الضَّبِّيِّ (ت: ١٨٢) (٢)، وعليِّ بنِ حمزةَ الكسائيِّ (ت: ١٨٩) (٣).
وقد طُبِعَ من كُتبِ معاني القرآنِ مجموعةُ كتبٍ، وهي:
١ - معاني القرآن للفراء، الكوفيِّ (ت: ٢٠٧) (٤).
٢ - معاني القرآنِ، لأبي الحسنِ سعيد بن مسعدة الأخفش، النحوي، البصري (ت: ٢١٥) (٥).
стр. 58
٣ - معاني القرآن وإعرابه، لأبي إسحاق الزجاج، البصريِّ المذهبِ (ت: ٣١١) (١).
٤ - معاني القرآنِ، لأبي جعفر النحاس (ت: ٣٣٨) (٢).
٥ - إيجاز البيانِ عن معاني القرآنِ، لمحمود بن أبي الحسن النيسابوري (ت: نحو ٥٥٣) (٣).
* يظهر من بدايات هذا العلمِ أنه نشأ وترعرع على يد علماء اللغةِ والنَّحوِ، وكان بعضهم بصريَّ المذهبِ وبعضهم كوفيَّ المذهب، وقد يكونُ سببَ ذلك التنافس العلميُّ المشهورُ بين البصرة والكوفةِ.
* ويعد علمُ المعاني: البيانَ اللغويَّ لألفاظِ وأساليبِ العربيَّةِ الواردةِ في القرآنِ، ولأجل هذا فإنَّ جلَّ المباحثِ التي في كتب معاني القرآنِ تتجهُ اتجاهًا عربيًّا في بيانِ القرآنِ، أي أنَّ جُلَّ مباحثِ هذه الكتبِ في علمِ العربيَّةِ، وسببُ ذلك أنَّ الذين كتبوا في علم معاني القرآنِ لغويُّونَ، فكتبوا فيه ما يتعلَّقُ بتخصُّصِهم؛ ولهذا لا تراهُ يَكْثُرُ فيها ما يعتمدُ على المنقولِ عن المفسِّرين، وإن كان ثمةَ تفاوت فيها في هذا المجال (٤).
стр. 59
ومن الملاحظِ أنَّ علمَ التَّفسيرِ كانَ علمًا قائمًا، له شيوخُه وحلقاته العلميَّةُ وصُحفُه المكتوبةُ ورواياتُه المشهورةُ، وكانوا يُطلِقون عليه «علمَ التَّفسيرِ»، ومع ذلك تجدُ أنَّ اللُّغويِّينَ لما شاركوا في هذا العلمِ أثَّرَ فيهم التَّخصُّصُ في تسمياتِ كتبهم، وفي مناهجِ بحثِهم، ولو فتَّشتَ في لغويِّي القرن الثاني الذين كان تدوينُ اللُّغةِ على أيديهم، فإنك لا تجدُ من سمَّى منهم كتابَه «تفسير القرآن»، بل جُلُّها باسم «معاني القرآنِ» أو «غريبِ القرآنِ».
كما تجدُ أن اللُّغويِّينِ يُطلِقونَ على من شاركَ من السَّلفِ في التَّفسيرِ مصطلح «المفسِّرين»، أو «أهل التَّفسير»، مما يُشعرُ باختلافِهم عن منهجِ هؤلاء المفسِّرينَ، كما يُشعر بأن علم المعاني مما لا يؤخذ من طريق المفسِّرين الذين يؤخذُ منهم ما يتعلقُ بالنَّقلِ.
* يلاحظُ أن بعضَ كتبِ معاني القرآنِ تضمُّ إليها علمَ إعرابِ القرآنِ؛ لذا، فإنها من مراجِعِ كتبِ الإعرابِ القرآنيُّ.
ولقد كان لهذا الدَّمجِ بين العلمينِ في مؤلَّفٍ واحدٍ أثرٌ في غلبةِ أحدِهما على الآخرِ، وهو علمُ الإعرابِ، الذي طغتْ مباحثُه على كتبِ معاني القرآنِ؛ للفرَّاء (ت: ٢٠٧)، والأخفش (ت: ٢١٥)، والزَّجَّاج (ت: ٣١١)، حتى صارتْ مواضعُ كثيرةٌ من كتبهم موطنًا للتَّطبيقاتِ النَّحويَّةِ الخلافيَّةِ بين مدارسِ النَّحو = أكثرَ من كونها في بيانِ القرآنِ وتفسيرِه الذي هو المقصدُ الأولُ.
وقد كانَ من أثرِ طغيانِ المباحثِ النَّحويةِ على هذه الكتب أنِ ابتعدتْ في كثيرٍ من مباحثِها عن مفهومِ «المعاني»، وكانَ من أكثرهم بُعْدًا عنه الأخفشُ (ت: ٢١٥)، إذ كان جُلُّ كتابِه في علم النَّحْوِ (١).
стр. 60
وكان من أثرِ ذلك أيضًا أن كَثُرَتِ الشَّواهدُ النَّحويَّةُ، وقَلَّتِ الشَّواهدُ اللُّغويَّةُ في كتبِ معاني القرآنِ.
* وفاقهم النَّحاسُ (ت: ٣٣٨) في ذكر روايات السَّلفِ التَّفسيريَّةِ (١)، وقد كان من منهجِه نَقْلُ المرويِّ عن السَّلفِ.
قال النَّحَّاسُ (ت: ٣٣٨): «فقصدتُ في هذا الكتابِ تفسيرَ المعاني، والغريب، وأحكام القرآنِ، والنَّاسخ والمنسوخِ عن المتقدِّمينَ من الأئمَّةِ، وأذكر من قولِ الجِلَّةِ من العلماءِ باللُّغةِ وأهل النَّظرِ ما حضرني ...» (٢).
ثمَّ يتلوه الزَّجَّاجُ (ت: ٣١١) الذي اعتمد في أغلب رواياته التَّفسيريَّة على تفسيرِ الإمام أحمد، قال: «... وجميع ما ذكرناه في هذه القصَّة مما رواه عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه، وكذلك أكثر ما رويتُ في هذا الكتابِ من التَّفسيرِ، فهو من كتابِ التَّفسيرِ عن أحمد بن حنبل» (٣).
стр. 61
* ويدخل في علم معاني القرآنِ: علمُ غريبِ القرآنِ، وعلمُ مشكلِ القرآنِ، وعلمُ الأساليبِ العربيَّةِ التي جاءت في القرآن (علم إعجازِ القرآنِ، وعلم البلاغة كما بحثه المتقدِّمونَ).
وهذه العلومُ كلُّها لها ارتباطٌ ببيانِ المعنى العربيِّ للآياتِ الذي هو صلبُ بحثِ كتبِ المعاني.
وهذه العلومُ متفاوتةُ الطَّرح في كُتبِ معاني القرآنِ، وإن كان من أكثرِها علمُ غريبِ القرآنِ.
* فائدة:
معاني القرآن التي كتب فيها المتقدمون غير علم المعاني الذي صار قسمًا من علوم البلاغة.
стр. 62
رابعًا: كتب غريب القرآن
ليس المرادُ بالغريبِ: ما كانَ غامض المعنى دون غيره، وإنَّما المرادُ به: تفسيرُ مفرداتِ القرآنِ عمومًا (١)، فكتبُ غريبِ القرآنِ تُعْنَى بدلالةِ ألفاظِه، دونَ غيرِها من المباحثِ المتعلقةِ بالتَّفسيرِ أو المعاني.
وهو جزءٌ من علمِ معاني القرآنِ؛ لأنَّ علمَ معاني القرآنِ يقومُ على بيانِ المفرداتِ أوَّلاً، ثُمَّ يُبيِّنُ المعنى المرادَ بالآيةِ، مع الاعتناءِ بأسلوبِ العربِ الذي نزلَ به القرآنُ.
وقد دُوِّنَ في هذا قَديمًا، ومِمَّن ذُكِرَ له فيه تدوينٌ: زيد بن علي (ت: ١٢٠) (٢)، الذي تُنسبُ له الفرقة الزيديَّة وأبان بن تغلب الجريري الشِّيعي (ت: ١٤١).
стр. 63
وقد حرصت على تتبُّعِ أقوالِهما في كتب التَّفسيرِ، فظفرتُ بنقلٍ قليلٍ جدًّا عنهما، وما كان عن أبان بن تغلب الجريريِّ (ت: ١٤١)، فهو أقلُّ (١).
أمَّا ما وجدته منقولاً عن زيد بن عليِّ (ت: ١٢٠)، فهو يخالفُ ما وردَ في غريب القرآن المطبوعِ المنسوبِ إليهِ (٢).
стр. 64
وهذا العلم مما أكثرَ اللُّغويُّون من التَّصنيفِ فيه، وممن كتبَ منهم فيه: أبو فيد مؤرِّجُ بن عمرو السَّدوسيُّ (ت: ١٩٥) (١)، والنَّضرُ بنُ شُميلٍ (ت: ٢٠٣) (٢)، وأبو عبيدةَ معمرُ بنُ المثنَّى البصريُّ (ت: ٢١٠)، والأخفشُ (ت: ٢١٥) (٣)، وابن قُتيبةَ الدينوريُّ (ت: ٢٧٦)، وغيرهم.
ويعد كتابُ مجازِ القرآنِ، لأبي عبيدةَ من أشهرِ كتبِ غريبِ القرآنِ، وأكثرِها أثرًا في من جاء بعده، كما يتميَّزُ بكثرةِ الشَّواهدِ الشِّعريَّةِ.
وقد لَقِيَ كتابُه استنكارًا من علماء عصرِه؛ إذ لم يكن هذا النَّوع من التَّأليفِ المتعلِّقِ بالقرآنِ معروفًا لديهم، وفي هذا ما يُشعِرُ بأوَّليَّتِه في التَّأليفِ في هذا البابِ، وإلاَّ لِمَ لَمْ يقع الاستنكارُ على من سبقه في هذا البابِ؟!
وفي جواب ذلك احتمالانِ:
الأول: أن يُقالَ: إنَّ من سبقَه لم يشتهرْ ويظهرْ تأليفُه إلاَّ متأخِّرًا.
стр. 65
الثاني: أن يُقالَ: إنَّه لم يخرجْ عن أسلوبِ التَّأليفِ السَّائدِ آنذاك، وهو الروايةُ عن مفسِّري السَّلفِ (١).
وتشعرُ الرِّوايةُ الواردةُ عن الجرميِّ (ت: ٢٢٥) (٢) بهذه الأوَّليَّةِ، قال: «أتيتُ أبا عبيدةَ بشيءٍ منه [يعني: مجاز القرآن]، فقلت له: عمَّنْ أخذتَ هذا يا أبا عبيدة؟ فإنَّ هذا خلافُ تفسيرِ الفقهاءِ (٣).
فقال لي: هذا تفسيرُ الأعرابِ البوَّالينَ على أعقابهم، فإنْ شِئتَ فخذْهُ، وإنْ شئتَ فَذَرْهُ» (٤).
وهذا يعني أنَّ الأسلوب الذي انتهجه أبو عبيدة (ت: ٢١٠)، لم يكن هو الأسلوب الموافقَ لأسلوب التَّفسير في عصره، الذي كان التَّفسيرُ فيه يقوم على الرِّوايةِ عن الفقهاء؛ أي: المفسِّرين.
وتكثر الشَّواهدُ الشِّعريَّةُ في كتبِ غريبِ القرآنِ؛ ككتابِ مجازِ القرآنِ لأبي عبيدة (ت: ٢١٠)، وغريبِ القرآنِ لابن قتيبة (ت: ٢٧٦)، ومفرداتِ ألفاظِ القرآنِ للراغب الأصفهاني (ت: بعد ٤٠٠)، وغيرها.
стр. 66
واستفادتها من الشَّواهد الشِّعريَّةِ في بيانِ ألفاظِ القرآنِ أغزرُ من كتبِ معاني القرآنِ التي يكثرُ فيها الشَّاهدُ النَّحويُّ.
وقد سارت المؤلفاتُ في غريبِ القرآنِ في ترتيبِها على طريقتين:
الأولى: السَّيرُ على ترتيب الألفاظِ في السورِ، مبتدأةً بسورة الفاتحة، ومختتمةً بسورةِ النَّاس، وعلى هذا التَّرتيبِ سارَ أبو عبيدة (ت: ٢١٠) وابن قتيبةَ (ت: ٢٧٦)، وابن التركماني (ت: ٧٥٠) في بهجة الأريب في بيان ما في كتاب الله العزيز من الغريب.
الثانية: ترتيبُ الألفاظِ القرآنيَّة على الحروفِ الهجائيَّةِ، وغالبُها سارَ على الترتيبِ الألفبائي؛ ككتابِ مفرداتِ ألفاظِ القرآنِ، للرَّاغبِ الأصفهانيِّ (ت: بعد ٤٠٠) (١)، وكتابِ تحفةِ الأريبِ بما في القرآنِ من الغريبِ، لأبي حيان الأندلسيِّ (ت: ٧٤٥) (٢)، وكتابِ عمدة الحفاظِ في تفسيرِ أشرفِ الألفاظِ، للسَّمينِ الحلبيِّ (ت: ٧٥٦) (٣)، وغيرها.
وكتب أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الرَّازيُّ (ت: ٦٦٦)، صاحب كتابِ مختار الصِّحاحِ، كتابًا في غريبِ القرآن (٤)، ومشى فيه على طريقة الباب والفصلِ، أو ما يُسمَّى بنظامِ التَّقفيةِ، وهو ترتيبُه على أواخرِ الكلمةِ، ثمَّ ترتيبُ ما ورد فيها على الألف ثم الباء وهكذا: (بدأ، برأ، بطأ، بوأ)، وهكذا إلى آخر الكتابِ.
стр. 67
وانفرد ابنُ عُزَيزٍ السِّجستانيُّ (ت: ٣٣٠) بترتيب موادِّ كتابِه ترتيبًا لم يُسبق إليه، حيث رتَّب كتابه على الحروفِ غير معتدٍّ بأصل الكلمةِ، وبدأ بالمفتوحِ، فالمضمومِ، فالمكسورِ، ورتَّبَ الألفاظَ في كلٍّ حسبَ ورودها في السُّورِ، وهذه الطَّريقةُ يصعبُ فيها الوصولُ إلى اللَّفظِ، كصعوبةِ هذا التَّرتيب الذي سارَ عليه، ولم يتبعْهُ أحدٌ في التَّأليفِ على هذه الطَّريقةِ.
ومن الأمثلة في ذلك: باب الشين المكسورة، فقد أوردَ فيها الألفاظَ الآتيةَ:
﴿لاَ شِيَةَ فِيهَا﴾ [البقرة: ٧١].
﴿شِقَاقٍ﴾ [البقرة: ١٣٧].
﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨].
﴿شِيَعًا﴾ [الأنعام: ٦٥].
﴿شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٨].
﴿بِشِقِّ الأَنْفُسِ﴾ [النحل: ٧].
﴿لَشِرْذِمَةٌ﴾ [الشعراء: ٥٤].
﴿شِرْبٌ﴾ [الشعراء: ١٥٥].
﴿شِيعَتِهِ﴾ [القصص: ١٥].
﴿الشِّعْرَى﴾ [النجم: ٤٩] (١).
ومن الأمثلةِ، تفسيرُ مدرار، وقد ورد في ثلاثة مواضع:
стр. 68
في قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا﴾ [الأنعام: ٦].
وقوله تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [هود: ٥٢].
وقوله تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا *يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: ١٠، ١١].
قال أبو عبيدة (ت: ٢١٠): «مدرارًا؛ أي: غزيرةً دائمةً، قال الشاعر:
وَسَقَاكَ مِنْ نَوءِ الثُّرَيَّا مُزْنَةٌ ... غَرَّاءُ تَحْلِبُ وَابِلاً مِدْرَارًا
أي: غزيرًا دائمًا» (١).
وقال ابن قتيبة (ت: ٢٧٦): «مدرارًا بالمطر؛ أي: غزيرًا، من درَّ يَدِرُّ» (٢).
وقال الرَّاغبُ الأصفهانيُّ (ت: بعد ٤٠٠): «وأصله من الدَّرِّ والدِّرَّةِ؛ أي: اللَّبنِ، ويستعارُ ذلك للمطرِ ...» (٣).
وقال أبو بكر الرَّازيُّ (ت: ٦٦٦): «مدرارًا: كثير المطرِ؛ أي: عند الحاجةِ، وهو مفعالٌ، من درَّ الماء واللَّبنُ: إذا سال بكثرةٍ، وهو من أوزانِ المبالغةِ، ومن أوزانِ التي يستوي فيها المذكَّرُ والمؤنَّثُ فلهذا لم يقلْ: مِدْرَارة» (٤).
стр. 69
ومما يحسنُ لفتُ النَّظرِ إليه: أنَّ مفسِّري السَّلفِ قد سبقوا اللُّغويِّينَ في بيان غريبِ القرآنِ الكريمِ، وهم العُمْدَةُ في هذا البابِ.
وأنَّ ابن قُتَيبَةَ (ت: ٢٧٦) كانَ من أكثرِ اللُّغويِّين الذين اهتموا بنقلِ مأثورِ السَّلفِ، وإن لم يكنْ يصرِّح بالمنقول عنه.
وأنَّ علم غريبِ القرآنِ من أوَّلِ علومِ التَّفسيرِ التي يجبُ أن يتعلَّمه طالبُ علمِ التَّفسيرِ.
كما أنَّه يجبُ عليه مراعاةُ الاختلافِ الكائنِ بسببِ تعدُّدِ دلالةِ المفردةِ في اللُّغةِ، والنَّظر في احتمالِ النَّصِّ لها من عدمِه على حسبِ المقامِ في ترجيحِ أحدِ المحتملاتِ اللُّغويَّةِ.
وأيضًا يجبُ عليه مراعاةُ اختلافِ القراءات في المفردات، ومن ذلك الاختلافُ في قوله تعالى: ﴿لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ [النحل: ٦٢]، فقد وردَ في لفظِ «مفرطون» قراءات:
الأولى: مُفْرَطُونَ، بفتح الرَّاء على المفعوليَّة، والمعنى: أنَّهم منسيون متروكونَ مهملون، أو معجَّلونَ إلى النَّارِ.
الثانية: مُفْرِطُون، بكسر الرَّاء على الفاعليَّةِ، والمعنى: أنَّهم متجاوزون الحدَّ ومسرفون على أنفسِهم بارتكابِ المعاصي.
الثالثةُ: مُفرِّطونَ، بكسرِ الرَّاءِ وتشديدِها على الفاعليَّةِ، والمعنى: أنَّهم مقصِّرونَ فيما يجبُ عليهم من الطَّاعةِ (١).
стр. 70
خامسًا: كتب مُشكلاتِ القُرآن
قد يرادُ بالمشكلِ: المُشَاكِلُ للشَّيءِ؛ أي: المُشَابِه له، وقد يرادُ به: ما غَمَضَ ودَقَّ عن الفَهْمِ، وقد وضَّحَ ابن قتيبة (ت: ٢٧٦) ذلك، فقال: «ومثل المتشابهِ «المشكلُ». وسُمِّيَ مُشْكِلاً؛ لأنه أَشْكَلَ؛ أي: دخل في شَكْلِ غيره، فأشبهَهُ وشاكَلَه.
ثُمَّ يُقالُ لما غَمَضَ ـ وإن لم يكن غموضُه من هذه الجِهةِ ـ: مُشكلاً» (١).
والمرادُ به هنا النَّوع الثاني؛ أي: ما غَمَضَ في الفَهْمِ وخَفِيَ على المرءِ، أيًّا كانَ سببُ غُمُوضِه وخَفَائه.
وقد يُطلقُ على هذا النَّوع مصطلحُ المتشابهِ، وقد فسَّرَ ذلك ابن قتيبةَ (ت: ٢٧٦)، فقال: «أصل التَّشابهِ: أن يُشبه اللفظُ اللَّفظَ في الظَّاهرِ، والمعنيانِ مختلفانِ، قال جَلَّ وعَزَّ ـ في وَصْفِ ثَمَرِ الجنَّةِ ـ: ﴿وأُتُوا بِهِ
стр. 71
مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة: ٢٥]؛ أي: مُتَّفِقَ المناظرِ، مُختلفَ الطُّعومِ. وقال: ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة: ١١٨]؛ أي: يُشبهُ بعضُها بعضًا في الكفرِ والقسوةِ.
ومنه يُقالُ: اشتبهَ الأمرُ: إذا أشبَه غيرَه، فلم تكد تُفرِّقُ بينهما.
وشبَّهتَ عليَّ: إذا لبَّستَ الحقَّ بالباطلِ.
ومنه قيلَ لأصحابِ المخاريق (١): أصحابُ الشُّبَهِ؛ لأنهم يُشبِّهونَ الباطلَ بالحقِّ.
ثُمَّ يُقالُ لكلِّ ما غمَضَ ودقَّ: متشابهٌ، وإن لم تقعِ الحَيرَةُ فيه من جهةِ الشَّبَهِ بغيرِه، ألا ترى أنه قد قيل للحروفِ المقطَّعةِ في أوائل السورِ: متشابهٌ، وليس الشَّكُّ فيها والوقوفُ عندها لمُشاكلتِها غيرَها، والتباسِها بها» (٢).
ومن ثَمَّ، فالمشكلُ والمتشابِه الذي يغمضُ معناهما لأيِّ سببٍ مصطلحان، مترادفانِ، كلٌّ منهما يؤدي معنى الآخرِ.
والمرادُ بالمتشابه: المتشابهُ النِّسبيُّ الذي يقابل المحكمَ، وهو ما يخفى على بعضٍ دونَ بعضٍ، فمن خَفِيَ عليه المعنى المرادُ، فهو متشابهُ ومشكلٌ عنده، ومن عَلِمَ المرادَ منه زالَ عنه المشكلُ وانتفى التَّشابُه، وصارَ مُحكَمًا عنده.
وإنَّما يَرِدُ المشكلُ على العقولِ بسببِ قصورٍ في إدراكِ المعنى
стр. 72
المرادِ، وقد كانَ السؤالُ عن المشكلِ قديمًا، إذ كلُّ ما لا يُفهَمُ مشكلٌ.
ويدخلُ فيه ما أشكلَ فهمه على الصحابةِ؛ كسؤالِهم عن معنى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]، وما وقعَ لعديِّ بنِ حاتم الطائيِّ في فهمِهِ قولَه تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وغيرِها من الآياتِ التي سألَ الصحابةُ الرسولَ ﷺ عنها.
وكذا يدخلُ فيها ما أشكلَ على التَّابعينَ، وسألوا الصَّحابةَ عن معناه.
أخرجَ البُخَاريُّ (ت: ٢٥٦) عن سعيد بن جُبير (ت: ٩٥)، قال: «قال رجلٌ لابن عباس: إني لأجدُ في القرآنِ أشياءَ تختلفُ عليَّ، قال: ﴿فَلاَ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١]، ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧]، ﴿وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢]، ﴿رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، فقد كتموا في هذه الآيةِ.
وقال: ﴿أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾، إلى قوله: ﴿دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٢٧ - ٣٠]، فذكر خلق السماء قبل خلقِ الأرضِ، ثمَّ قال: ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ إلى قوله: ﴿طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ٩ - ١١]، فذكر خلق الأرض قبل السماءِ، وقال تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، ﴿عَزِيزًا حَكِيمًا﴾، ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾، فكأنَّه كان ثمَّ مضى.
فقال (١): ﴿فَلاَ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ [المؤمنون: ١٠١] في النَّفخةِ الأولى، ثمَّ يُنفخُ في الصُّورِ، فصعق من في السَّموات ومن في الأرض إلى من
стр. 73
شاء الله، فلا أنساب بينهم عند ذلك ولا يتساءلون. ثمَّ في النفخةِ الآخرةِ ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصَّافات: ٢٧].
وأما قوله: ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، فإن الله يغفرُ لأهلِ الإخلاصِ ذنوبهم، وقال المشركون: تعالوا نقول: لم نكن مشركين، فختم على أفواههم، فتنطق أيديهم، فعند ذلك عُرِفَ أنَّ الله لا يُكتَمُ حديثًا، وعنده ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ الآية (١) [النساء: ٤٢].
وخَلَقَ الأرضَ في يومين، ثمَّ خلقَ السَّماءِ، ثمَّ استوى إلى السَّماء فسواهنَّ في يومين آخرين، ثمَّ دحا الأرضَ، ودَحْوُها: أن أخرجَ منها الماء والمرعى، وخلقَ الجبالَ والجِمالَ والآكام وما بينهما في يومين آخرين، فذلك قوله: ﴿دَحَاهَا﴾، وقوله: ﴿خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾، فجُعلتِ الأرضُ وما فيها من شيءٍ في أربعةِ أيَّامٍ، وخُلِقَتِ السماواتُ في يومينِ.
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ سمَّى نفسَه ذلك، وذلكَ قولُه؛ أي: لم يزل كذلك، فإنَّ الله لم يُرِدْ شيئًا إلاَّ أصابَ به الذي أرادَ، فلا يختلفْ عليك القرآنُ، فإنَّ كلًّا من عند الله» (٢).
وقد يكونُ المشكلُ في فهم المعنى المرادِ، وقد يكونُ في غير المعنى؛ أي أنَّه يكونُ في التَّفسيرِ، وفي المسائلِ المتعلِّقةِ بالتَّفسيرِ، وقد يكونُ الإشكالُ في آيةٍ، أو في جمع آيةٍ مع غيرِها، كما في الأثر الواردِ آنفًا عن حَبْرِ الأُمَّةِ ابن عبَّاسٍ (ت: ٦٨).
* ويظهرُ أنَّ سببَ الكتابةِ في مشكل القرآن مَوجَةٌ من الزَّندقةِ التي
стр. 74
كانت تُشكِّكُ بالقرآنِ الكريمِ في نَظْمِه، أو أسلوبِه، أو أخبارِه. وقد كتب مقاتلُ بن سليمانَ (ت: ١٥٠) كتابًا في متشابه القرآنِ. وقد نقلَ منه أبو الحسين محمد بن أحمد الملطيُّ الشَّافعيُّ (ت: ٣٧٧)، فقال: «قال مقاتل: أمَّا ما شَكَّتْ فيه الزنادقةُ (١) في مثلِ هذه الآيةِ ونحوها من قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿هَذَا يَوْمُ لاَ يَنْطِقُونَ *وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥، ٣٦]، ثمَّ قال في آية أخرى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١]، فهذا عند من يجهلُ التَّفسيرَ ينقضُ بعضه بعضًا، وليس بمنتقضٍ، ولكنهما في تفسير الخواصِّ في المواطنِ المختلفةِ.
أمَّا تفسيرُ ﴿هَذَا يَوْمُ لاَ يَنْطِقُونَ *وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥، ٣٦]، فأوَّلُ ما يجتمعُ الخلائقُ بعد البعثِ، فهم لا ينطقونَ في ذلك الموطن.
﴿وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾، قال: مقدار ستين سنة، ثمَّ يؤذنُ لهم في الكلام، فيكلِّمُ بعضُهم بعضًا. ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١] عند الحسابِ، ثُمَّ يُقالُ لهم: ﴿قَالَ لاَ تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٨]، بعد الحسابِ» (٢).
ويظهرُ من نقلِ الملطيِّ (ت: ٣٧٧) عن كتابِ مقاتلٍ (ت: ١٥٠) أنَّ هؤلاء الزَّنادقةَ الذين ذكر اعتراضَهم، كانوا يقعون في ما يُوهِمُ
стр. 75
الاختلافَ، وكانوا يعارضون الآيةَ بالآيةِ، ثمَّ يحكمونَ على القرآنِ بالتَّناقض، بزعمهم.
* وكتبَ فيه محمدُ بنُ المُستنيرِ، المعروفُ بقُطْرُب (ت: ٢٠٦) كتابًا أسماه: «الرد على الملحدين في متشابه القرآن» (١).
ثمَّ تلاه ابن قتيبة (ت: ٢٧٦)، وكتبَ كتابه «تأويل مشكل القرآن».
ويظهرُ من كتابه هذا أنَّ قومًا من المُلحدينَ تكلَّموا في نظمِ القرآنِ ومقاصدِ معانيه، فألَّفَ هذا الكتابَ للرَّدِّ عليهم.
قال ابن قتيبةَ (ت: ٢٧٦): «وقد اعترضَ كتابَ اللهِ بالطَّعنِ مُلحدونَ، ولَغَوا فيه وهَجَروا (٢)، واتَّبعوا ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، بأفهامٍ كليلةٍ، وأبصارٍ عليلةٍ، ونَظَرٍ مَدْخُولٍ، فحرَّفوا الكلامَ عن مواضعِه، وعدلوه عن سُبُلِهِ ثمَّ قَضَوا عليه بالتناقضِ، والاستحالةِ، واللَّحنِ، وفسادِ النَّظمِ، والاختلافِ.
وأدْلَوا في ذلك بِعِلَلٍ، ربَّما أمالتِ الضَّعيفَ الغُمْرَ (٣)، والحَدَثَ الغِرَّ (٤)، واعترضت بالشُّبهةِ القلوبَ، وقَدَحَتْ بالشُّكوكِ الصُّدورَ ...» (٥).
وبتتبُّعِ المسائلِ التي ذكرها ابن قتيبةَ (ت: ٢٧٦) عن الطَّاعنينَ، تلحظُ أنَّ عدمَ التَّأصيلِ العلميِّ، واتِّباعَ العقلِ المجرَّدِ = أصلٌ في نشوءِ هذه المسائلِ، كما لا يخلو أمرُهم من هوى أرادوا به الطَّعنَ على الإسلامِ.
كما ستجدُ أنَّ كثيرًا من هذه المسائلِ التي افتعلتها عقولُ