المروية مما لم يُقرأ به قارئ، وإن كان جائزاً في العربية، وأذكر من مسائل الإعراب الخفية ما يحتاج إليه، مما اختلف القراء فيه، أو كان جائزاً في المقاييس العقلية، فإذا أكملت السورة من هذا المختصر جمعت في آخره أصول القراءات واختصار التعليل فيها، وأصول مواقف القراءة ومبادئها؛ ليجمع ـ بعون الله وتوفيقه ـ هذا الاختصار ما لم تجمعه الدواوين الكبرى، ولتكون أغراض الجامع مضمنة فيه، ومجملة في معانيه.
وأجعل ترتيب السور مفصلاً، ليكون أقرب متناولاً، فأقول: القول من أول سورة كذا إلى موضع كذا منها، فأجمع من آيِهَا عشرين آية أو نحوها، بقدر طول الآية وقصرها.
ثم أقول الأحكام والنسخ وأذكرهما.
ثم أقول التفسير فأذكره.
ثم أقول القراءات فأذكرها.
ثم أقول الإعراب فأذكره.
ثم أذكر الجزء الذي يليه حتى آتي على آخر الكتاب إن شاء الله على ما شرطته فيه، وأذكر في آخر كل سورة موضع نزولها، واختلاف أهل الأمصار في عددها، وأستغني عن تسمية رؤوس آيها، وأبلغ غاية الجهد في التقريب والقصد ...» (١).
٥ - كتاب «البستان في علوم القرآن»، لأبي القاسم هبة الله بن عبد الرحيم بن إبراهيم الحموي (ت٧٣٨هـ).
قال الحموي: «أما بعد: فهذا كتاب «البستان في علوم القرآن»، قصدت فيه الاختصار مع البيان، وجمع الفوائد مع الإتقان، راجياً به ـ لي
стр. 37
ولمحصليه ـ الغفران، والرحمة من الله والرضوان، ويشتمل على أنواع من علوم الكتاب العزيز؛ المسمى بـ «الفرقان»:
النوع الأول: معرفة تفسير غريب اللفظ والمعنى، وأسباب النُّزول، والقصص، وما صحَّ من المنسوخ على ما ذهب إليه في ذلك كل من يُعتمد عليه.
النوع الثاني: معرفة المبهمات من الأسماء والأنساب، وضمائر الغيبة والخطاب، والعدد، والمدد، واختلاف الأقوال في ذلك ...
الثالث: معرفة قراءات الأئمة السبعة رحمة الله عليهم، ولكل إمام منهم راويان ...
الرابع: معرفة الوقوف والموقوف عليه إن لم يتوقف فهمه على ما بعده وبالعكس، فالوقف لازم إن اختلَّ المعنى بالوصل، وتامٌّ إن لم يختل، ولم يكن للثاني تعلق بالأول ...
الخامس: معرفة خط الإمام مصحف عثمان بن عفان ...
السادس: معرفة عدد آي كل سورة (العدد الكوفي)، وكونها مكية أو مدنية أو مختلفاً فيها، وذلك مذكور في أول كل سورة.
السابع: معرفة رؤوس الآيات وأخماسها وأعشارها، والمختلف في كونه آية أو غير آية بين الكوفيين وغيرهم ...
الثامن: معرفة أجزائه الثلاثين وأخماسها وأنصافها وأنصاف أسداسها وأسباع القرآن وأرباع الأسباع ...» (١)، ثم شرع في تفسير الاستعاذة والبسملة والفاتحة حتى ختم كتابه بتفسير سورة بالناس.
ولا يعني أن هذه التفاسير تختلف في مادتها العلمية عن التفاسير السابقة، لكن المقصود أن مؤلفيها قد رتبوها ترتيباً متوافقاً مع أنواع علوم القرآن، أو قصدوا ذكر جملة من علوم القرآن قصداً مباشراً، وهذا مما لا يحسن إغفاله في نشأة علوم القرآن.
стр. 38
الثانية: ظهور مجموعة من الكتب التي جمعت أنواعاً من أنواع علوم القرآن، ومن المطبوع من هذه الكتب:
١ - «فهم القرآن» للحارث المحاسبي (ت٢٤٣هـ).
٢ - «التَّنبيه على فضل علوم القرآن»، لأبي القاسم الحسن بن محمد بن الحسن بن حبيب (ت٤٠٦هـ) (١).
٣ - «فنون الأفنان في علوم القرآن»، لابن الجوزي (ت٥٩٧هـ).
٤ - «جمال القراء، وكمال الإقراء»، لعلم الدين السخاوي (ت٦٤٣هـ).
٥ - «المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز»، لأبي شامة المقدسي (ت٦٦٥هـ).
ويلاحظ في رصد ما كُتِب في علوم القرآن في هذه المرحلة أمور:
الأول: إنَّ بعض كتب التفسير عُنونت من قِبَلِ مؤلفيها بعلوم القرآن أو أحد مرادفاته، فهي وإن كانت لا تخلو من علوم القرآن لكنها سارت على منهاج كتابة التفسير المعروفة، وهي تفسير الآيات آيةً آية، وهي بهذا تكون في علم التفسير الذي هو جزء من علوم القرآن.
ومن هذه الكتب التي سارت على هذه الطريقة مع أن عنوان الكتاب في علوم القرآن:
١ - «الجامع لعلم القرآن»، لعلي بن عيسى الرماني المعتزلي (ت٣٨٤هـ)، وهو مخطوط، والموجود منه جزء صغير.
٢ - «التسهيل لعلوم التنْزيل»، لابن جزي الكلبي (ت٧٤١هـ)، وهو مطبوع.
الثاني: إن إدخال كتاب في علوم القرآن لا يلزم أن يكون من أجل
стр. 39
تسميته بهذا الاسم، بل الصحيح أن يُنظر إلى محتواه، لذا يُعدُّ كتاب «فهم القرآن» للحارث المحاسبي (ت٢٤٣هـ)، وكتاب «جمال القراء وكمال الإقراء» لعلم الدين السخاوي (ت٦٤٣هـ) من كتب علوم القرآن لقيام الكتابين على جملة من علوم القرآن، أما لو كانت علوم القرآن جزءاً من موضوع الكتاب، وليست قصداً كما في كتاب «الرسالة» للشافعي (ت٢٠٤هـ) = فإنه لا يُعدُّ من كتب علوم القرآن.
وعلى هذا التصنيف، فإن أول كتاب وصل إلينا في علوم القرآن هو كتاب الحارث المحاسبي (ت٢٤٣هـ).
الثالث: أنه اتسعت الكتابة وكثرت في مجال كتب التفسير، والكتب المفردة في علوم القرآن، لكن لم يصلنا كتاب متكاملٌ يقصد جمع كل علوم القرآن.
стр. 40
المرحلة الثالثة
الجمع الكلي من كتاب «البرهان» للزركشي (ت٧٩٤هـ) إلى كتاب «الإتقان» للسيوطي (ت٩١١هـ)
في هذه الفترة التي بين ظهور أول كتاب يجتهد في جمع أنواع علوم القرآن، وظهور كتاب السيوطي الذي صار عمدةً في كتب علوم القرآن تجد الآتي:
أولاً: لا زال التصنيف في التفسير مستمراً، ومن ذلك:
١ - «التقييد الكبير في تفسير كتاب الله المجيد»، لأحمد بن محمد البسيلي التونسي (ت٨٣٠هـ)، وقد طُبِع منه إلى تفسير سورة آل عمران.
٢ - «الجواهر الحسان في تفسير القرآن»، للثعالبي الجزائري (ت٨٧٥هـ)، وهو مطبوع.
٣ - «نظم الدرر في تناسب الآيات والسور» لبرهان الدين البقاعي (ت٨٨٥هـ)، وهو مطبوع.
ثانياً: لا زال التصنيف في علوم القرآن المفردة مستمراً، ومن ذلك:
١ - «العجاب في بيان الأسباب»، لابن حجر العسقلاني (ت٨٥٢هـ)، وهو مطبوع.
٢ - «مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور» لبرهان الدين البقاعي (ت٨٨٥هـ)، وهو مطبوع.
٣ - «كشف السرائر في معاني الوجوه والأشباه والنظائر» لابن العماد (ت٨٨٧هـ)، وهو مطبوع.
ثالثاً: ظهر بعض التصنيفات التي تتسم بالجمع الجزئي، ومن ذلك:
стр. 41
«التيسير في قواعد علم التفسير»، لمحمد بن سليمان الكافِيَجِي (ت٨٧٩هـ)، وهو مطبوع.
رابعاً: ظهرت محاولات أخرى ـ غير ما ذهب إليه الزركشي ـ للجمع الشمولي لعلوم القرآن، ومن هذه:
١ - «مواقع العلوم من مواقع النجوم» للبلقيني (ت٨٢٤هـ).
ويعدُّ تصنيفه لأنواع علوم القرآن من أجود أنواع التصانيف لها، وهي ـ كما نقلها السيوطي (ت٩١١هـ) ـ كالآتي:
«الأمر الأول: مواطن النُّزول وأوقاته ووقائعه، وفي ذلك اثنا عشر نوعاً: المكي، المدني، السفري، الحضري، الليلي، النهاري، الصيفي، الشتائي، الفراشي، النومي، أسباب النُّزول، أول ما نزل، آخر ما نزل.
الأمر الثاني: السند، وهو ستة أنواع: المتواتر، الآحاد، الشاذ، قراءات النبي ﷺ ، الرواة الحفاظ.
الأمر الثالث: الأداء، وهو ستة أنواع: الوقف، الابتداء، الإمالة، المد، تخفيف الهمزة، الإدغام.
الأمر الرابع: الألفاظ، وهو سبعة أنواع: الغريب، المعرب، المجاز، المشترك، المترادف، الاستعارة، التشبيه.
الأمر الخامس: المعاني المتعلقة بالأحكام، وهو أربعة عشر نوعاً: العام الباقي على عمومه، العام المخصوص، العام الذي أريد به الخصوص، ما خص فيه الكتاب السُّنة، ما خصصت فيه السُّنة الكتاب، المجمل، المبين، المؤول، المفهوم، المطلق، المقيد، الناسخ، والمنسوخ، نوع من الناسخ والمنسوخ وهو ما عمل به من الأحكام مدة معينة والعامل به واحد من المكلفين.
الأمر السادس: المعاني المتعلقة بالألفاظ، وهو خمسة أنواع: الفصل، الوصل، الإيجاز، الإطناب، القصر.
وبذلك تكملت الأنواع خمسين، ومن الأنواع ما لا يدخل تحت
стр. 42
الحصر: الأسماء، الكنى، الألقاب، المبهمات، فهذا نهاية ما حصر من الأنواع» (١).
٢ - «الفوائد الجميلة على الآيات الجليلة»، لأبي علي الحسين بن علي الرجراجي (ت٨٩٩هـ)، وهو مطبوع.
٣ - «التحبير في علوم التفسير»، للسيوطي (ت٩١١هـ)، وقد بنى كتابه على كتاب البلقيني (ت٨٢٤هـ)، حيث قال: «... فصنفت في ذلك كتاباً سميته التحبير في علوم التفسير ضمنته ما ذكر البلقيني من الأنواع مع زيادة مثلها وأضفت إليه فوائد سمحت القريحة بنقلها».
وبالنظر إلى أنواع علوم القرآن التي كتبها الزركشي (ت٧٩٤هـ) في «البرهان في علوم القرآن»، والبلقيني (ت٨٢٤هـ) في «مواقع العلوم من مواقع النجوم»، والسيوطي (ت٩١١هـ) في «التحبير في علم التفسير»، وفي «الإتقان في علوم القرآن» = يظهر أثر بعض العلوم في منهج كتابة أنواعٍ من علوم القرآن، فتجد جملة من مسائل علم الأصول، وعلوم البلاغة العربية، وعلوم الحديث قد دخلت في تصنيف أنواع علوم القرآن، حتى صارت كأنها منه عند قوم، ومُنْتَقَدَةٌ بكونها من هذه العلوم عند آخرين، وقد سبقت الإشارة إلى شيءٍ من سبب دخولها في كتب علوم القرآن (٢).
стр. 43
المرحلة الرابعة
ما بعد «الإتقان» للسيوطي
بعد كتاب «الإتقان» يكاد يكون التأليف في علوم القرآن قد توقف سوى بعض كتبٍ ظهرت إما تشقيقاً لما ذكره السيوطي (ت٩١١هـ)، كما فعل محمد بن أحمد بن عقيلة المكي (ت١١٥٠هـ) في كتابه «الزيادة والإحسان في علوم القرآن»، وإما كتابةً لبعض أنواع علوم القرآن، كما فعل طاهر الجزائري (ت١٣٣٨هـ) في كتابه «التبيان لبعض المباحث المتعلقة بالقرآن على طريق الإتقان».
ولما دخلت مادة (علوم القرآن) في مناهج الجامعات ظهرت مجموعة من كتب علوم القرآن لأعضاء هيئة التدريس الذين درَّسوا هذا المنهج، فكان منها ما هو عالي الجودة في التأليف، وكان منها ما هو نقل بلا زيادة ولا تحقيق، ومن أهم الكتب المعاصرة التي أفرزها تدريس هذه المادة في الجامعات:
١ - «مناهل العرفان في علوم القرآن»، لمحمد عبد العظيم الزرقاني (ت١٣٦٧هـ)، وقد ألَّفه لطلاب الدعوة والإرشاد في كليات الأزهر.
وقد جاء أسفل عنوان الكتاب العبارة الآتية: (طبق ما قرره مجلس الأزهر الأعلى في دراسة تخصص الكليات الأزهرية).
٢ - «مباحث في علوم القرآن»، للدكتور صبحي الصالح (ت١٤٠٧هـ)، وقد كان الكتاب إثر محاضرات كان يلقيها خلال عامين على طلابه في شهادة علوم اللغة العربية في كلية الآداب بجامعة دمشق، وطُبع عام (١٣٨٧/ ١٩٦٧م).
стр. 44
وقد تميَّز هذان الكتابان بحسن العرض، وترتيب المعلومات، والأسلوب الأدبي الرشيق في عرض المادة العلمية، والاعتناء بالرد على شبه المستشرقين.
٣ - «مباحث في علوم القرآن»، لمناع خليل القطان (ت١٤٢٠هـ)، وقد كتبه لطلاب جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في تخصص القرآن وعلومه، وقد استُفيد منه في تدريس هذه المادة في جامعة الإمام وغيرها، كما أضاف إليه المؤلف إضافات قبل وفاته.
ويمتاز هذا الكتاب بجودة التنظيم، وحسن ترتيب المعلومات مع سهولة في العبارة، مما جعله ملائماً للمنهج الدراسي في الجامعة.
стр. 45
قراءات مقترحة في موضوع: نشأة علوم القرآن
١ - «دراسات في علوم القرآن»، للأستاذ الدكتور فهد بن عبد الرحمن الرومي.
٢ - «علوم القرآن بين البرهان والإتقان»، للدكتور حازم سعيد حيدر.
٣ - كتاب «مناهل العرفان» للزرقاني: دراسة وتقويم، للدكتور خالد بن عثمان السبت.
٤ - «علوم القرآن من خلال مقدمات المفسرين»، للدكتور محمد صفا شيخ إبراهيم حقي.
وفي هذا الموضوع رسائل علمية نوقشت، لكنها غير مطبوعة، وهي تحت العناوين الآتية:
١ - «تاريخ علوم القرآن الكريم حتى نهاية القرن الخامس»، للباحث أحسن بن سخاء بن محمد شرف الدين (كلية القرآن الكريم بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية).
٢ - «تاريخ علوم القرآن من بداية القرن السادس إلى نهاية القرن العاشر»، للدكتور محمد بن حميد بن محمد القرشي (كلية القرآن الكريم بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية).
بحوث مقترحة في موضوع: نشأة علوم القرآن
١ - مصطلح علوم القرآن ومرادفاته في أحاديث النبي ﷺ ، وكذا في آثار الصحابة والتابعين وأتباعهم، ويكون ذلك باستقراء تفسيراتهم، وكتبهم المتعلقة بنوع من أنواع علوم القرآن، وكلام بعضهم في تقويم الرجال، حيث تجد وصفهم لبعض الأعلام بأنهم من العلماء العارفين بعلوم القرآن.
стр. 46
وهذا النظر في الأحاديث والآثار سيبين مراداتهم في إطلاق هذا المركب أو أحد مرادفاته.
٢ - مصطلح علوم القرآن في كتب تراجم الأئمة الأعلام، وهو بحث كثير المواضع؛ لأنه سيكون فيه تتبع لكتب التراجم عبر القرون، واستخلاص هذا المصطلح ومفرداته، والنظر في مراد من أطلقه.
ينظر مثلاً: التراجم الآتية من كتاب تاريخ بغداد (٦: ٢٤٨)، (٧: ٣٤١)، (١٠: ١٢٣)، (١٢: ٣٤).
٣ - تتبع مقدمات المفسرين لمعرفة أنواع علوم القرآن التي ذكروها في مقدماتهم، ومعرفة علاقتها بالتفسير عموماً، وأثرها في تفسير المفسر الذي ذكرها على وجه الخصوص.
٤ - معرفة المفسرين الذين قصدوا ترتيب كتبهم في التفسير على بعض أنواع علوم القرآن.
٥ - النظر في كتب علوم القرآن وتدرجها في ذكر أنواع علوم القرآن، والموازنة فيها بين ذكر هذه الموضوعات، فعلى سبيل المثال:
الموازنة بين الموضوعات التي ذكرها ابن الجوزي (ت٥٩٧هـ) في كتابه «فنون الأفنان في علوم القرآن»، والموضوعات التي طرحها السخاوي (ت٦٤٣هـ) في كتابه «جمال القراء وكمال الإقراء».
стр. 47
الفصل الثالث
الفرق بين علوم القرآن وأصول التفسير
стр. 48
إذا رجعت إلى بعض الكتب التي صُدِّرت عناوينها بأصول التفسير، ونظرت إلى مادتها فإنك ستجد أغلب مباحثها في علوم القرآن، ككتاب «الفوز الكبير في أصول التفسير» (١) لأحمد بن عبد الرحيم الدهلوي (ت١١٧٦هـ)، وكتاب «أصول في التفسير» للشيخ محمد بن عثيمين (ت١٤٢٢هـ)، فهل (أصول التفسير) هي (علوم القرآن)؟
لا شكَّ أنَّ اختلاف الإضافات تدلُّ على اختلاف المصطلحات، إلا إذا كان المضاف إليه له أكثر من نظير في معناه؛ كالذي سبق في مصطلح «علوم التَّنْزيل»، ومصطلح «علوم الكتاب»، وأمثالها (٢).
لكن الأمر هنا يختلف فالتفسير غير القرآن، لذا فأصول التفسير ليست هي علوم القرآن.
وإذا تأمَّلت الأمر وجدت أنَّ التفسير جزءٌ من علوم القرآن، بل هو أكبر علومه.
فالتفسير ـ الذي هو بيانُ القرآنِ وشرحُه وإيضاحُه ـ من علوم القرآن، وفي علوم القرآن غير التفسير من العلوم، وقد تكون بعض علومه مشتركة بين التفسير وعلوم القرآن، وهذا أمر معتاد، فكل ما هو من علوم التفسير، فهو من علوم القرآن قطعاً، وقد يكون إفراد هذه العلوم بعناوين مستقلة في كتب علوم القرآن مظنَّة الخلط الذي يقع بين المصطلحين؛ كعلم «غريب القرآن» الذي كتب فيه كتاباً مستقلاً جمهور من علماء اللغة المتقدمين،
стр. 49
وشاركهم فيه كثير من المتأخرين، هو من علوم التفسير لأن التفسير لا يقوم بدونه، وهو من باب أولى من علوم القرآن أيضاً.
لكن علم (عدِّ الآي) من علوم القرآن وليس من علوم التفسير؛ لأن علم التفسير يقوم بدونه.
أما أصول التفسير فإنه أخصُّ من علوم التفسير، والمسائل التي تُدرسُ في الأصول غالباً ما تمثِّل شكل القاعدة التي يندرج تحتها أمثلة متعددة، وتكون من مبادئ هذا العلم، ويغلب عليها الجانب التطبيقي، ومن عرفها فإنه يسهل عليه ممارسة علم التفسير.
وأصول التفسير تشتمل على المبادئ والأسس التي يحتاج إليها من يريد قراءة التفسير أو من يريد التفسير؛ ليعرف بها القول الصواب من الخطأ.
ويمكن اختصار القول هنا بما يأتي:
١ - إن كانت المعلومة ـ من علوم القرآن ـ لا أثر لها في فهم المعنى، فهي من علوم القرآن وليست من علوم التفسير؛ كمعرفة فضائل سورة الإخلاص، فإنها من علوم القرآن لكن معرفتها أو جهلها لا يؤثر في فهم المعنى.
٢ - وإن كانت من المعلومات التي تؤثر في فهم المعنى؛ كمعرفة غريب الألفاظ، فهذا من علوم التفسير، ومن علوم القرآن من باب أولى.
وإن كانت المعلومة تمثِّل أصلاً أو أساساً يُرجع إليه لمعرفة التفسير من حيث الصحة والبطلان، ومن حيث توجيه أقوال المفسرين، فإنها تكون من أصول التفسير، ومن باب أولى أن تكون من علوم التفسير، فعلوم القرآن.
ومثال ذلك: أن يعرف طالب علم التفسير مصطلح السلف في النسخ؛ لأن عدم معرفة مصطلحهم تؤثر في فهم تفسيراتهم وتوجيهها إذا وردت عن أحدهم في موطن لا يصلح للنسخ كالأخبار، فإذا وردت عبارة النسخ في
стр. 50
تفسير واحد من السلف في خبر من الأخبار أجزم بأنه لا يريد النسخ الاصطلاحي، بل يريد التنبيه على وقوع رفعٍ لجزء من معنى الآية؛ كأن يكون بيان مجمل، أو تخصيص عموم، أو تقييد مطلق، أو بيان وقوع استثناءٍ .. الخ.
ومن الأمثلة الواردة في إطلاق السلف لفظ النسخ على الخبر، ما ورد عن ابن عباس ﵄ (ت٦٨هـ) في قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤]، قال أبو جعفر النحاس (ت٣٣٨هـ) «قد أدخل هذه الآيات بعض الناس في الناسخ والمنسوخ، حدثنا أبو الحسن علي بن أحمد، قال: حدثنا محمد بن هشام، قال: حدثنا عاصم بن سليمان، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ قال: «نسختها الآية التي بعدها»؛ يعني: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الشعراء: ٢٢٧]» (١).
فقوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] خبرٌ، والخبرُ لا يُنسخ، بمعنى رفعه بالكلية، وليس هذا مراد ابن عباس ﵄ (ت٦٨هـ) بالنسخ هنا النسخ الكلي، وإنما مراده النسخ الجزئي، وهو تخصيص العموم الذي في قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] بالاستثناء الوارد بعده في قوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الشعراء: ٢٢٧]، والله أعلم.
وفي الختام، فإنَّ علم أصول التفسير جزء من علوم التفسير، وعلوم التفسير جزء من علوم القرآن، والله أعلم.
стр. 51
الباب الثاني
نزول القرآن وجمعه
الفصل الأول: الوحي.
الفصل الثاني: نزول القرآن.
الفصل الثالث: المكي والمدني.
الفصل الرابع: أسباب النزول.
الفصل الخامس: جمع القرآن.
стр. 52
الوحي
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: كيفية الوحي.
المبحث الثاني: أنواع الوحي.
стр. 53
• علاقة هذا النوع بأنواع علوم القرآن الأخرى:
الكلام في الوحي ـ كما هو ظاهر ـ مرتبط بعلم (نزول القرآن)، وهو كالمقدمة له، ولا يصلح تأخير بحثه فيكون بعد بحث (نزول القرآن)؛ لأن موضوع (كيفية نزوله) في علم (نزول القرآن) مرتبط بكيفية الوحي للرسول ﷺ .
стр. 54
الوحي
نزل جبريل ﵇ بالقرآن على محمد ﷺ في غار حراء، وكان ذلك أول بدءٍ للوحي بنُزول القرآن الكريم، لذا كان الحديث عن الوحي ونزول القرآن متلازمين لا ينفكان، وسيكون الحديث هنا عن الوحي من حيث كونه أساس نزول القرآن، ثمَّ عن نزول القرآن الكريم.
قال ابن فارس (ت٣٩٥هـ): «الواو والحاء والحرف المعتل أصل يدل على إلقاء علم في خفاءٍ، أو غيره إلى غيرك. فالوحي: الإشارة، والوحي: الكتابة والرسالة، وكل ما ألقيته إلى غيرك حتى عَلِمَهُ فهو وحي؛ كيف كان ...» (١).
وكل ما ذُكر من أنواع الوحي ـ كالإلهام، والرمز، والإشارة، والأمر، والكتابة ـ فإنها لا تخرج عن معنى (إلقاء علمٍ في خفاء).
أما الوحي الوارد في الكتاب والسنة فقد ورد في مواضع كثيرة تربو على المائة موضع (٢)، وهو على أنواع متعددة، وقد ذكرت آية سورة الشورى أعلى هذه الأنواع التي يقع فيها سماع كلام الله، قال تعالى:
﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ
стр. 55
رَسُولاً فَيُوحِي بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى: ٥١].
ذكرت هذه الآية ثلاثة أنواع من أنواع الوحي، وهي كالآتي:
١ - أن يلقي كلامه على النبي بكيفية غير معتادة فيعيه.
٢ - أن يكلمه مباشرة من وراء حجاب، فلا يرى النبي ربه، لكن يسمع كلامه، وقد وقع هذا لموسى ﵇ في بدء وحيه، وفي ميعاده مع ربه لأخذ الشريعة التي كانت في الألواح. وحصل لنبينا محمدٍ ﷺ في معراجه، حيث أخذ الأمر بالصلاة عن ربه مباشرة.
٣ - أن يرسل رسولاً من الملائكة، وغالباً ما يكون المرسَل جبريل ﵇ إن كان الأمر يتعلق بالنبوة والشريعة (١)، وقد يرسل غيره لأمور أخرى، كما هو وارد في الآثار.
والوحي الذي يُنْزله الله بواسطة الملك جبريل على نبي من أنبيائه هو الغالب على الوحي إلى الأنبياء، فنُزول الملك جبريل ﵇ على أحد من البشر إيذانٌ ببدء الوحي.
وهو من أمور الغيب التي يختص بها النبي المرسل، لذا فإن الاجتهاد في تقريب صورة الوحي إلى الأذهان بأمر من الأمور المحسوسة غير دقيق، ولا يمكن تقريب صورة الوحي هذه، كما اجتهد في تقريبها بعض المعاصرين.
كما أن ما يحكيه بعضهم من كيفية إتيان الملك للرسول ﷺ من أن الرسول ﷺ ينخلع من صورة البشرية إلى صورة الملكية، فذلك مما لا دليل عليه.
ومن ثَمَّ، فالوحي بلغة القرآن والسنة: إعلام الله لنبي من أنبيائه
стр. 56
• بكيفية معينة ـ بنبوته، وما يتبعها من أوامر ونواهٍ وأخبار.
والآيات الدالة على الوحي بهذا المعنى كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [النساء: ١٦٣]، وكقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الشورى: ٧]، وغيرها من الآيات التي ينصُّ فيها على وحيه لأنبيائه أو وحيه لنبيه محمد ﷺ ؛ إما بلفظ الوحي ومشتقاته، وإما بغيره مما يدل عليه كلفظ النُّزول ومشتقاته.
стр. 57
المبحث الأول
كيفية الوحي
قد ورد في السنة ما يدل على كيفية الوحي والحال التي يكون عليها رسول الله ﷺ أثناء تلقيه له، ومن ذلك ما ورد عن الحارث بن هشام ﵁ أنه سأل رسول الله ﷺ : كيف يأتيه الوحي؟
عن عائشة أم المؤمنين ﵂ أن الحارث بن هشام ﵁ سأل رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله. كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله ﷺ : «أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلاً، فيكلمني، فأعي ما يقول».
قالت عائشة ﵂: ولقد رأيته ينْزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقاً (١).
والسؤال ـ كما هو ظاهر من جوابه ـ متوجه إلى كيفية نزول الوحي بواسطة جبريل ﵇، وأنه كان ينْزل بهاتين الطريقتين، وفي الحديث إجمال، حيث لم يذكر هل ينْزل القرآن بهاتين الطريقتين أم بأحدهما؟
والحالة الأولى هي الحالة الأظهر في ذلك؛ لأنه ﷺ كان يعالج شدة أثناء نزول الوحي عليه، كما أشار إلى ذلك قوله تعالى: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ *إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٦ - ١٧]. قال ابن عباس ﵄ (ت٦٨هـ): «كان رسول الله ﷺ يعالج من التنْزيل شدة، وكان مما يحرك شفتيه ـ فقال ابن عباس: فأنا أحركهما لكم كما كان رسول الله ﷺ
стр. 58
يحركهما، وقال سعيد: أنا أحركهما كما رأيت ابن عباس يحركهما، فحرك شفتيه ـ فأنزل الله تعالى: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ *إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٦ - ١٧]» (١).
وهذه الحالة الغريبة كانت مثار الاستفسار، ومدعاة لطلب رؤيتها كما حصل من بعض الصحابة ﵃، فعن صفوان بن يعلى عن أبيه ﵁ قال: «كنا مع رسول الله ﷺ ، فأتاه رجل عليه جبة بها أثر من خلوق، فقال: يا رسول الله. إني أحرمت بعمرة فكيف أفعل؟ فسكت عنه فلم يرجع إليه، وكان عمر ﵁ يستره إذا أنزل عليه الوحي يظله، فقلت لعمر ﵁: إني أحب إذا أنزل عليه الوحي أن أدخل رأسي معه في الثوب، فلما نزل عليه خَمَّرَهُ عمر ﵁ بالثوب، فجئته، فأدخلت رأسي معه في الثوب، فنظرت إليه، فلما سُرِّيَ عنه قال: أين السائل آنفا عن العمرة؟ فقام إليه الرجل، فقال: انزع عنك جبتك، واغسل أثر الخلوق الذي بك، وافعل في عمرتك ما كنت فاعلاً في حجِّك» (٢).
وهذا يدل على أن حالة الوحي هذه قد تكون في غير القرآن، كما هو ظاهر هذا الخبر، والله أعلم.
أما مجيئه إليه بالصورة البشرية فلم يرد فيه الوحي بالقرآن بها سوى خبر الحارث بن هشام ﵁ المجمل، وإنما الوارد في أمور أخرى، كما وقع في تعليم الناس أمور الدين في حديث جبريل ﵇ الطويل في سؤاله الإسلام والإيمان والإحسان وأشراط الساعة (٣)، وكان كثيراً ما يتمثَّل بصورة الصحابي دحية الكلبي ﵁ (٤).
وإجابة النبي ﷺ للحارث بن هشام تشير إلى أن مصطلح الوحي
стр. 59
عندهم قد غلب على مجيء جبريل ﵇ بالوحي دون سواه من أنواع الوحي، لذا لا حاجة إلى الاستفسار عن سبب تركه ﷺ لأنواع الوحي الأخرى، والله أعلم.
مسألة: هل وقع الوحي بالقرآن بغير الطريق المشهور؟
عن أنس ﵁ قال: «بينا رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه متبسماً، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟
قال: أنزلت علي آنفا سورة فقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ *فَصَلِّ لِرَّبِكَ وَانْحَرْ *إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ١ - ٣]» (١).
هل يدل حديث أنس ﵁ على أن سورة الكوثر نزلت مناماً، وليس في الحال المشهورة للوحي؟
إنه لو كان هذا وقع، فإنه لا شيء يخلُّ بقرآنية سورة الكوثر؛ لأنَّ رؤيا الأنبياء وحي، والنبي ﷺ تنام عيناه ولا ينام قلبه، وقد رأى في منامه من الوحي الشيء الكثير.
لكن حمل عبارة أنس ﵁: «أغفى إغفاءة» على الحالة التي كانت تعتري الرسول ﷺ أثناء الوحي أولى؛ لأن كون الرسول ﷺ في المسجد، وبين أظهرهم يُبعِد أن يقع منه نومٌ، فتلك مخالفة للمعتاد من حاله مع أصحابه، أما وقوع الوحي، وهو بينهم، فهذا كثيرٌ جدّاً، والله أعلم.
كما يُلاحظ أنَّ عباراتهم عن هذه الحالة تختلف من صحابي إلى آخر، فقد ورد عن صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه ﵁ حكاية هذه الحال، حيث ذكر: أن رجلا أتى النبي ﷺ وهو بالجعرانة وعليه جبة وعليه أثر الخلوق أو قال صفرة فقال كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟ فأنزل الله على النبي ﷺ فستر بثوب ووددت أني قد رأيت النبي ﷺ وقد أنزل عليه الوحي فقال عمر: تعال أيسرك أن تنظر إلى النبي ﷺ وقد أنزل عليه
стр. 60
الوحي؟ قلت: نعم، فرفع طرف الثوب فنظرت إليه له غطيط ـ وأحسبه قال: ـ كغطيط البكر فلما سري عنه قال: «أين السائل عن العمرة؟ اخلع عنك الجبة واغسل أثر الخلوق عنك وأنق الصفرة واصنع في عمرتك كما تصنع في حجك» (١).
تنبيه:
يقع سؤال مهم، وهو هل هناك مانع عقلي أو شرعي يمنع أن ينْزل جبريل بالقرآن بطريق من طرق الوحي المعروفة غير نزوله الذي يكون بهيئته الملكية؛ كأن يأتي النبي (ص) بصورة بشرية أو يأتيه في المنام؟
الذي يظهر أنه ليس هناك ما يمنع ...
стр. 61
المبحث الثاني
أنواع الوحي
لو تُتُبِّعت استعمالات الوحي في القرآن والسنة لظهر سوى هذه الأنواع المذكورة من الوحي، ويمكن إجمالها فيما يأتي:
الأول: الوحي إلى الأنبياء بأي نوع من أنواع الوحي غير الصريح؛ كالإلهام أو الإلقاء في الروع، والمنام في مثل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢]، بدلالة ردِّ ابنه إسماعيل ﵇ عليه بقوله: افعل ما تؤمر، فهو وحي.
الثاني: وحي الله لغير أنبيائه من البشر؛ كوحيه لأم موسى، في قوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِي إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧].
الثالث: وحي الله لملائكته، كما وقع في قصة بدر، في قوله تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلاَئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: ١٢].
الرابع: وحي الله لبعض مخلوقاته غير العاقلة، كوحيه للنحل، في قوله تعالى ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ [النحل: ٦٨]، ووحيه إلى السماء في قوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت: ١٢]، ووحيه للأرض في قوله تعالى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥].
стр. 62
بحوث مقترحة في موضوع: الوحي
١ - وقع في تعريف الوحي اختلاف في ضابط الوحي، فبعضهم اكتفى بأنه (إعلام على وجه الخفاء)، وبعضهم زاد معنى السرعة، فجعله (إعلام على وجه الخفاء والسرعة)، ويمكن أن يقوم الطالب بالنظر في الأنواع المذكورة من الوحي، وينظر ما ينطبق من هذه الضوابط على الأنواع جميعاً، وما ينطبق على بعض دون بعض.
٢ - من الموضوعات الطريفة في الوحي؛ جمع الأوصاف التي عبر عنها الصحابة حال الوحي لرسول الله ﷺ من الغطيط والإغماءة وتفصد العرق وغيرها.
стр. 63
الفصل الثاني
نزول القرآن
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: ابتداء النُّزول وكيفيته
المبحث الثاني: أول ما نزل من القرآن
المبحث الثالث: نزول القرآن على سبعة أحرف
стр. 64
• علاقة هذا النوع بأنواع علوم القرآن الأخرى:
يرتبط هذا النوع من أنواع علوم القرآن بالوحي، وبعلم (أسباب النُّزول)، وبعلم (المكي والمدني)، وبعلم (نزول القرآن على سبعة أحرف)، ووجه ارتباطه بها كونه لا نزول للقرآن إلا بالوحي، ولا سبب نزول بلا نزول، ولا مكي أو مدني بلا نزول، ولا يوجد حرف مقروء به إلا وهو نازل، فهو كالمقدمة لهذه الموضوعات.
стр. 65
المبحث الأول
ابتداء النُّزول وكيفيته
ابتداءُ النُّزول:
كان نزول جبريل ﵇ على رسول الله ﷺ في غار حراء مؤذنٌ ببداية النبوة، وقد نزل بالآيات الخمس الأولى من سورة العلق، وهي قوله تعالى: ﴿اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ *خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ *اقْرَا وَرَبُّكَ الأَكَرَمُ *الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ *عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ - ٥].
وقد أشارت ثلاث آيات إلى بداية النُّزول، وذلك قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ *فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٣ - ٤]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١].
وهذه الآيات في ظاهرها تشير إلى أول نزولٍ للقرآن على رسول الله ﷺ ، وأنه كان في ليلة القدر من شهر رمضان، وهذا النُّزول على الرسول ﷺ هو الذي يتعلق به هداية الناس في قوله تعالى: ﴿هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥].
النُّزول الجُملي:
ثبت عن ابن عباس ﵄ في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١] أنه نزل إلى سماء الدنيا، فعن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄: في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ قال: «أنزل القرآن في ليلة القدر جملة واحدة إلى سماء الدنيا، كان بموقع النجوم،
стр. 66
فكان الله ينْزله على رسول الله ﷺ بعضه في إثر بعض، قال : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً﴾ [الفرقان: ٣٢]» (١).
وهذا الخبر الغيبي الذي لا يُدرك إلا بالخبر قد صحَّ عن ابن عباس ﵄ (ت٦٨هـ)، وليس له مخالفٌ من الصحابة، ولا يُحتمل أن يكون من مرويات بني إسرائيل؛ لأنه خبر إسلامي. ولا يقع فيه شبهة أن يكون من مرويات بني إسرائيل؛ لذا فإنه يُقبلُ ويُحتجُّ به.
وهذا النُّزول الجملي لا يتعارض مع النُّزول الابتدائي على رسول الله ﷺ ، ولا مانع من أن يتفق النُّزولان في أن يكونا في ليلة القدر، فتكون الآية محتملة للأمرين معاً، ويكون ابن عباس ﵄ (ت٦٨هـ) أراد التنبيه على هذا النوع من النُّزول الذي لا يدرك إلا بالخبر، بخلاف النوع الثاني الذي يدلُّ عليه ظاهر التَّنْزيل، والله أعلم.
وهذا النُّزول الجملي لا تتعلق به أحكام سوى بيان شرف هذه الأمة وفضلها؛ إذ نزوله بهذه الصفة دون غيره من الكتب إيذان بتميُّزها عن غيرها، والله أعلم.
ولما كان هذا النُّزول الجملي من المغيبات، فإنه يخرج عن السؤالات التكييفية، فالبحث في كيفية هذا النازل، وفي أحواله من ترتيبه وكيفية تدوينه، أو القول بنُزول آيات فيه لم يقع مضمونها؛ كل هذا من اقتحام كيفيات الغيبيات، وهو من المتشابه الكلي الذي لا يعلمه إلا الله، ولو رُدَّ مثل هذا بهذه الحجة لوقع الردُّ لبعض الغيبيات بمثلها، وذلك مما لا مجال للعقل فيه، فيؤمن به، ويُسلَّم له، واتباع ابن عباس ﵄ (ت٦٨هـ) أولى من اتباع بعض المتأخرين ممن استشكل هذا الخبر.
أما جبريل ﵇ فكان يتلقاه مباشرة عن ربِّ العالمين بلا واسطة، لا
стр. 67
كما وقع الوهم عند بعض العلماء، فظنَّ أن جبريل ﵇ يأخذه من السفرة في بيت العزَّة فيُنجِّمه على رسول الله ﷺ .
فهذا النُّزول الجملي متعلق بأهل السماء الدنيا؛ إذ ليس فيه أثر يتعلق بأهل الأرض، أما ابتداء نزوله الذي قال الله فيه: ﴿هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥] فهو متعلق بأهل الأرض؛ لأن فيه هدايتهم كما نصت الآية.
النُّزول المفرَّق:
القرآن جزء من الوحي الذي كان ينْزل على رسول الله ﷺ ، وكان من حكمة الله الخبير الموافقة لمواقع الأمور أن يجعل بعض القرآن متوافقاً في نزوله مع ما يحدث في أيام نبيه محمد ﷺ ، بحيث يكون فيه حلٌّ لإشكالات تقع، وإرشادٌ في مسائل تحدث، وتثبيتٌ لقلب النبي ﷺ في قضاء وقع ... إلخ ذلك مما تقتضيه الحاجة من نزول بعض الآيات والسور.
وقد تتابع تنْزيله على رسول الله ﷺ طوال فترة بعثته على حسب الخلاف الوارد في مدة نبوته (عشرين سنة، أو ثلاثٍ وعشرين سنة) (١).
النُّزول السنوي:
هذا النوع من النُّزول مما لم يُشر إليه من كَتب في تنَزلات القرآن، وقد أشار إليه مقاتل بن سليمان (ت١٥٠هـ) في تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]، قال: «قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ يعني القرآن؛ أنزله الله من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، إلى السفرة ـ وهم الكتبة من الملائكة ـ وكان ينْزل تلك الليلة من الوحي على قدر ما ينْزل به
стр. 68
جبريل ﵇ على النبي ﷺ في السنة كلها إلى مثلها من قابل، حتى نزل القرآن كله في ليلة القدر من شهر رمضان من السماء» (١).
وهذا المعنى الذي أشار إليه مقاتل من كونه ينْزل إلى السفرة في ليلة القدر من كل سنة إبَّان بعثة النبي ﷺ ما سينْزل عليه خلال السنة = موافق لما قيل من أنَّ الله يقدِّر في ليلة القدر مقادير السنة الآتية، ويُنْزلها إلى الكتبة من الملائكة.
فوائد تنجيم النُّزول:
إنَّ الله سبحانه قادر على أن يكون كتابه على طريقة الكتب السابقة التي نزلت جملة واحدة؛ كالتوراة التي تضمنت التشريع (٢)، والإنجيل الذي تضمَّن المواعظ، وأن يكون ما يحدث من الوقائع منصوصاً عليه بالنوع الآخر من الوحي، وهو السنة، كما هو الحال في بعض الأحكام التي حكم الله بها، وذكرها في السنة لا في القرآن، لكنه قد قضى ـ بعلمه الكامل وحكمته التامة ـ أن يكون نزول القرآن منجَّماً (مفرَّقاً) حسب الوقائع والأحداث، وأن يكون متضمناً لأنواع ما تضمنته الكتب السابقة من الشرع والوعظ والأخبار. ومن ثمَّ فإنَّ البحث في فوائد تنجيم القرآن ينطلق من هذا القَدَرِ الذي جعله الله للقرآن.
ومن فوائد تنجيمه ما يأتي:
١ - تثبيت فؤاد الرسول (ص) بسبب ما يلاقيه من عنت المشركين،
стр. 69
فينْزل القرآن عليه ليهبه ذلك التَّنَزل طمأنينةً وثباتاً، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً﴾ [الفرقان: ٣٢]. وهذه الآية صريحة بفائدة تنجيمه على رسول الله ﷺ (١).
ولقد كان تأخر الوحي عن رسول الله (ص) يقلقه كثيراً، حتى كاد يخاف انقطاعه كما حصل فيما ذُكِر من سبب نزول سورة الضحى، التي ورد فيها الطمأنة له برضى ربه عنه، فقال: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ٣].
٢ - مواكبة الحوادث والمسائل التي تقع في عصر النبوة، إذ كان الوحي ينْزل بشأنها؛ إمَّا قرآنٌ، وإما غير ذلك، تلك الحوادث والمسائل هي أسباب النُّزول التي صارت علماً مهمّاً لمن أراد أن يفسر القرآن.
٣ - التدرج في التشريع وبيان الأحكام والحدود، فالشريعة لم تنْزل جملة واحدة على رسول الله ﷺ ، بل كان ينْزل منها الشيء بعد الشيء من تفاصيل الأحكام والحدود حتى اكتملت الشريعة وتمَّ الدين.
وإذا تأمَّلت هذه الفوائد وجدتَ ما نصَّ عليه القرآن من أن المراد تثبيت الرسول ﷺ هي الفائدة العظمى في التنجيم؛ لأنه لا مانع عقلاً ولا واقعاً من بيان هذه الأحكام والحوادث بوحي غير القرآن الكريم، لكن هذه الفوائد ترتَّبت على تنجيم النُّزول فحسب، والله أعلم.
стр. 70
كيفية إنزاله:
لما ثبت النُّزول الجملي بقول ابن عباس ﵄ (ت٦٨هـ) إلى سماء الدنيا = أوهم على بعض العلماء أن جبريل ﵇ يأخذه من السفرة في بيت العزَّة، وقد دعا إلى ذلك اعتقادهم بالكلام النفسي، ونفيهم أن يكون الله تكلم بصوت وحرف يسمعه جبريل ﵇، ونقاش ذلك محله كتب العقائد، لكننا نثبت يقيناً أن الله تكلم بهذا الوحي، وسمعه جبريل ﵇ من ربه، وأنزله على محمد ﷺ كما سمعه لفظاً ومعنى، وليس له فيه إلا أداء الرسالة (١).
وقد ورد الحديث ببيان كيفية سماع الوحي في السماء عن أبي هريرة ﵁، قال: إن نبي الله ﷺ قال: «إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله؛ كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال: الحق وهو العلي الكبير» (٢) الحديث.
وقال مسروق عن ابن مسعود ﵁: «إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السموات شيئاً فإذا فزع عن قلوبهم وسكن الصوت عرفوا أنه الحق ونادوا: ماذا قال ربكم قالوا الحق».
والقرآن من الوحي الذي يسمعه جبريل ﵇ من ربه مباشرة بلا واسطة، وينْزل به على محمد ﷺ ، ولا شأن لغيرهما به، كما قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ *عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ *بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥].
• * *
стр. 71
المبحث الثاني
أول ما نزل من القرآن
لم يقع خلاف بين العلماء في أن أول ما نزل من القرآن على الإطلاق هو أول خمس آيات من سورة العلق، فقد ثبت ذلك بالدليل الصريح، فعن محمد بن شهاب الزهري عن عروة بن الزبير أخبره أن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: (كان أول ما بدئ به رسول الله ﷺ الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حُبِّبَ إليه الخلاء، فكان يلحق بغار حراء، فيتحنَّثُ فيه ـ قال والتَّحنُّثُ: التعبد ـ الليالي ذوات العدد قبل أن يرجع إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود بمثلها، حتى فَجَأَه الحقُّ وهو في غار حراء، فجاءه الملك، فقال: اقرأ.
فقال رسول الله ﷺ : ما أنا بقارئ.
قال: فأخذني، فغطَّني حتى بلغ مني الجَهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ.
قلت: ما أنا بقارئ. فأخذني، فغطَّني الثانية حتى بلغ مني الجَهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ.
قلت: ما أنا بقارىء. فأخذني، فغطَّني الثالثة حتى بلغ مني الجَهد، ثم أرسلني، فقال: ﴿اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ *خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ *اقْرَا وَرَبُّكَ الأَكَرَمُ *الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ *عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ - ٥].
فرجع بها رسول الله ﷺ ترجف بوادره حتى دخل على خديجة، فقال: «زَمِّلُوني زَمِّلُوني». فزمَّلوه حتى ذهب عنه الرَّوع. قال لخديجة: «أي خديجة، ما لي؟ لقد خشيت على نفسي». فأخبرها الخبر.
قالت خديجة: كلا، أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبداً، فوالله إنك
стр. 72
لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وتَصْدُقُ الحديثَ، وتَحْمِلُ الكَلَّ، وتُكْسِبُ المعدومَ، وتَقْرِي الضيفَ، وتُعِينُ على نوائب الحقِّ.
فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل ـ وهو ابن عم خديجة أخي أبيها، وكان امرأً تنَصَّر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربي، ويكتب من الإنجيل بالعربية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخّاً كبيراً قد عَمِيَ ـ فقالت خديجة: يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك.
قال ورقة: يا ابن أخي، ماذا ترى؟
فأخبره النبي (ص) خبر ما رأى.
فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى. ليتني فيها جذعاً، ليتني أكون حيّاً ـ ذكر حرفاً ـ (١).
قال رسول الله ﷺ : «أو مخرجي هم؟».
قال ورقة: نعم، لم يأت رجل بما جئت به إلا أوذي، وإن يدركني يومك حيّاً أنصرك نصراً مؤزراً. ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفَتَرَ الوحيُ فترةً حتى حزن رسول الله ﷺ (٢).
وهذا صريح في أن أول نزولٍ للقرآن كان في غار حراء، وأن أول ما نزل منه هذه الآيات الخمس من أول سورة العلق.
بيد أنه ورد عن جابر بن عبد الله المدني ﵄ خلاف ذلك، حيث جعل سورة المدثر أول ما نزل.
روى البخاري بسنده عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ وهو يحدث عن فترة الوحي، فقال في حديثه: «فبينا أنا أمشي إذ سمعت صوتاً من السماء، فرفعت رأسي، فإذا المَلَكُ الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فجثيت منه رعباً، فرجعت، فقلت: زَمِّلُوني
стр. 73
زمِّلوني، فدثروني، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ *قُمْ فَأَنْذِرْ *وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ *وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ *وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ١ - ٥]» (١).
وفي رواية أخرى عن يحيى بن أبي كثير قال: «سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن قال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾. قلت: يقولون: ﴿اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾! (٢).
فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله ﵄ عن ذلك، وقلت له مثل الذي قلت، فقال جابر: لا أحدثك إلا ما حدثنا رسول الله ﷺ قال: «جاورت بحراء، فلما قضيت جواري هبطت، فنوديت، فنظرت عن يميني فلم أر شيئاً، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئاً، ونظرت أمامي فلم أر شيئاً، ونظرت خلفي فلم أر شيئاً، فرفعت رأسي فرأيت شيئاً، فأتيت خديجة، فقلت: دثروني وصبوا علي ماءً بارداً، قال: فدثروني وصبوا علي ماءً بارداً، قال: فنَزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ *قُمْ فَأَنْذِرْ *وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾».
وقد أشكل جواب جابرٍ ﵁ هذا على حديث عائشة ﵂ أن أول ما نزل من القرآن الآيات الخمس الأولى من سورة العلق، وقد خرَّجه العلماء بعدد من التخريجات، لكن بعضها فيه نظر، ومن أحسن ما يمكن أن يُجاب عنه في هذا المقام ما يأتي:
أن جابراً لم يكن على علم بما نزل في غار حراء، وإن كان في حديثه إشارة إلى نزول جبريل ﵇ على محمد ﷺ في الغار، وإنما سمع حديثه عن نزول الملك بآيات سورة المدثر، ولم يكن قد ذُكر له نزول آيات قبل سورة المدثر، فحكم بأنها أول ما نزل.
ومن التخريجات التي خُرِّج بها حديث جابر ـ وفيها نظر ـ ما يأتي:
١ - أن يكون السؤال وقع عن أول سورة كاملة، فأجاب جابرٌ ﵁ بأنها سورة المدثر.
стр. 74
وهذا التخريج لا يسلم؛ لأنه السؤال عن أول ما نزل، وليس فيه أول سورة نزلت فيمكن أن يُخرَّج بهذا التخريج احتمالاً.
٢ - أن تكون الأولية مخصوصة؛ إما بما بعد فترة الوحي، وإما بالأمر بالإنذار.
وهذا التخريج لا يسلم؛ لأن السؤال صريح في أنه عن أول ما نزل، وليس في الأثر ما يدل على الأولية المخصوصة، وكونه ورد في حديث جابر ﵁ «سمعت النبي ﷺ وهو يحدث عن فترة الوحي» فإنه لا يدل على أن جابراً ﵁ أراد الأولية المخصوصة؛ لأن السؤال كان مطلقاً عن أول ما نزل، ولم يكن عن أولية مخصوصة (١).
والصحيح أن أول ما نزل على الإطلاق أول خمس آيات من سورة العلق، وأن أول ما نزل بعد فترة الوحي سورة المدثر، والله أعلم.
стр. 75
مراجع مقترحة في موضوع: نزول القرآن
١ - «نزول القرآن»، لشيخ الإسلام ابن تيمية (ت٧٢٨هـ).
٢ - «الجواب الواضح المستقيم في كيفية نزول القرآن الكريم»، لمفتي المملكة العربية السعودية الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (ت١٣٨٩هـ).
٣ - «نزول القرآن»، للأستاذ الدكتور محمد بن عبد الرحمن الشايع.
والكتابة في هذا المبحث لا تكاد تختلف في كتب علوم القرآن سواءً أكانت متقدمة ـ كالبرهان والإتقان ـ أم كانت من كتب المعاصرين، سوى ما يذكره بعض المعاصرين من زيادات في بعض فوائد التنجيم.
بحوث مقترحة في موضوع: نزول القرآن
١ - (دراسة أثر ابن عباس في النُّزول الجملي) وتكون دراسته من جهة السند، ومن جهة دلالة المتن وفوائده العلمية.
٢ - دراسة الأوليات والآخريات النسبية، من قولهم: أول ما نزل، وقولهم: آخر ما نزل.
٣ - ومن موضوعات نزول القرآن الاختلاف في أول ما نزل من القرآن، وقد بحثه كثيرون، وخلصوا إلى أن أول ما نزل على الإطلاق هو أول سورة العلق. وهناك أوليات نسبية مرتبطة ببعض الأحكام، وهي كثيرة، وفائدتها تظهر في معرفة (الناسخ والمنسوخ)، وفي معرفة (التدرج في التشريع).