← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 13896

المحرر في علوم القرآن

مساعد الطيار

Полный текст (301 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

المبحث الثاني أول ما نزل من القرآن لم يقع خلاف بين العلماء في أن أول ما نزل من القرآن على الإطلاق هو أول خمس آيات من سورة العلق، فقد ثبت ذلك بالدليل الصريح، فعن محمد بن شهاب الزهري عن عروة بن الزبير أخبره أن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: (كان أول ما بدئ به رسول الله ﷺ الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حُبِّبَ إليه الخلاء، فكان يلحق بغار حراء، فيتحنَّثُ فيه ـ قال والتَّحنُّثُ: التعبد ـ الليالي ذوات العدد قبل أن يرجع إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود بمثلها، حتى فَجَأَه الحقُّ وهو في غار حراء، فجاءه الملك، فقال: اقرأ. فقال رسول الله ﷺ : ما أنا بقارئ. قال: فأخذني، فغطَّني حتى بلغ مني الجَهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ. قلت: ما أنا بقارئ. فأخذني، فغطَّني الثانية حتى بلغ مني الجَهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ. قلت: ما أنا بقارىء. فأخذني، فغطَّني الثالثة حتى بلغ مني الجَهد، ثم أرسلني، فقال: ﴿اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ *خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ *اقْرَا وَرَبُّكَ الأَكَرَمُ *الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ *عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ - ٥]. فرجع بها رسول الله ﷺ ترجف بوادره حتى دخل على خديجة، فقال: «زَمِّلُوني زَمِّلُوني». فزمَّلوه حتى ذهب عنه الرَّوع. قال لخديجة: «أي خديجة، ما لي؟ لقد خشيت على نفسي». فأخبرها الخبر. قالت خديجة: كلا، أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبداً، فوالله إنك

стр. 72

لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وتَصْدُقُ الحديثَ، وتَحْمِلُ الكَلَّ، وتُكْسِبُ المعدومَ، وتَقْرِي الضيفَ، وتُعِينُ على نوائب الحقِّ. فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل ـ وهو ابن عم خديجة أخي أبيها، وكان امرأً تنَصَّر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربي، ويكتب من الإنجيل بالعربية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخّاً كبيراً قد عَمِيَ ـ فقالت خديجة: يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك. قال ورقة: يا ابن أخي، ماذا ترى؟ فأخبره النبي (ص) خبر ما رأى. فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى. ليتني فيها جذعاً، ليتني أكون حيّاً ـ ذكر حرفاً ـ (١). قال رسول الله ﷺ : «أو مخرجي هم؟». قال ورقة: نعم، لم يأت رجل بما جئت به إلا أوذي، وإن يدركني يومك حيّاً أنصرك نصراً مؤزراً. ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفَتَرَ الوحيُ فترةً حتى حزن رسول الله ﷺ (٢). وهذا صريح في أن أول نزولٍ للقرآن كان في غار حراء، وأن أول ما نزل منه هذه الآيات الخمس من أول سورة العلق. بيد أنه ورد عن جابر بن عبد الله المدني ﵄ خلاف ذلك، حيث جعل سورة المدثر أول ما نزل. روى البخاري بسنده عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ وهو يحدث عن فترة الوحي، فقال في حديثه: «فبينا أنا أمشي إذ سمعت صوتاً من السماء، فرفعت رأسي، فإذا المَلَكُ الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فجثيت منه رعباً، فرجعت، فقلت: زَمِّلُوني

стр. 73

زمِّلوني، فدثروني، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ *قُمْ فَأَنْذِرْ *وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ *وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ *وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ١ - ٥]» (١). وفي رواية أخرى عن يحيى بن أبي كثير قال: «سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن قال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾. قلت: يقولون: ﴿اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾! (٢). فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله ﵄ عن ذلك، وقلت له مثل الذي قلت، فقال جابر: لا أحدثك إلا ما حدثنا رسول الله ﷺ قال: «جاورت بحراء، فلما قضيت جواري هبطت، فنوديت، فنظرت عن يميني فلم أر شيئاً، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئاً، ونظرت أمامي فلم أر شيئاً، ونظرت خلفي فلم أر شيئاً، فرفعت رأسي فرأيت شيئاً، فأتيت خديجة، فقلت: دثروني وصبوا علي ماءً بارداً، قال: فدثروني وصبوا علي ماءً بارداً، قال: فنَزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ *قُمْ فَأَنْذِرْ *وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾». وقد أشكل جواب جابرٍ ﵁ هذا على حديث عائشة ﵂ أن أول ما نزل من القرآن الآيات الخمس الأولى من سورة العلق، وقد خرَّجه العلماء بعدد من التخريجات، لكن بعضها فيه نظر، ومن أحسن ما يمكن أن يُجاب عنه في هذا المقام ما يأتي: أن جابراً لم يكن على علم بما نزل في غار حراء، وإن كان في حديثه إشارة إلى نزول جبريل ﵇ على محمد ﷺ في الغار، وإنما سمع حديثه عن نزول الملك بآيات سورة المدثر، ولم يكن قد ذُكر له نزول آيات قبل سورة المدثر، فحكم بأنها أول ما نزل. ومن التخريجات التي خُرِّج بها حديث جابر ـ وفيها نظر ـ ما يأتي: ١ - أن يكون السؤال وقع عن أول سورة كاملة، فأجاب جابرٌ ﵁ بأنها سورة المدثر.

стр. 74

وهذا التخريج لا يسلم؛ لأنه السؤال عن أول ما نزل، وليس فيه أول سورة نزلت فيمكن أن يُخرَّج بهذا التخريج احتمالاً. ٢ - أن تكون الأولية مخصوصة؛ إما بما بعد فترة الوحي، وإما بالأمر بالإنذار. وهذا التخريج لا يسلم؛ لأن السؤال صريح في أنه عن أول ما نزل، وليس في الأثر ما يدل على الأولية المخصوصة، وكونه ورد في حديث جابر ﵁ «سمعت النبي ﷺ وهو يحدث عن فترة الوحي» فإنه لا يدل على أن جابراً ﵁ أراد الأولية المخصوصة؛ لأن السؤال كان مطلقاً عن أول ما نزل، ولم يكن عن أولية مخصوصة (١). والصحيح أن أول ما نزل على الإطلاق أول خمس آيات من سورة العلق، وأن أول ما نزل بعد فترة الوحي سورة المدثر، والله أعلم.

стр. 75

مراجع مقترحة في موضوع: نزول القرآن ١ - «نزول القرآن»، لشيخ الإسلام ابن تيمية (ت٧٢٨هـ). ٢ - «الجواب الواضح المستقيم في كيفية نزول القرآن الكريم»، لمفتي المملكة العربية السعودية الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (ت١٣٨٩هـ). ٣ - «نزول القرآن»، للأستاذ الدكتور محمد بن عبد الرحمن الشايع. والكتابة في هذا المبحث لا تكاد تختلف في كتب علوم القرآن سواءً أكانت متقدمة ـ كالبرهان والإتقان ـ أم كانت من كتب المعاصرين، سوى ما يذكره بعض المعاصرين من زيادات في بعض فوائد التنجيم. بحوث مقترحة في موضوع: نزول القرآن ١ - (دراسة أثر ابن عباس في النُّزول الجملي) وتكون دراسته من جهة السند، ومن جهة دلالة المتن وفوائده العلمية. ٢ - دراسة الأوليات والآخريات النسبية، من قولهم: أول ما نزل، وقولهم: آخر ما نزل. ٣ - ومن موضوعات نزول القرآن الاختلاف في أول ما نزل من القرآن، وقد بحثه كثيرون، وخلصوا إلى أن أول ما نزل على الإطلاق هو أول سورة العلق. وهناك أوليات نسبية مرتبطة ببعض الأحكام، وهي كثيرة، وفائدتها تظهر في معرفة (الناسخ والمنسوخ)، وفي معرفة (التدرج في التشريع).

стр. 76

المبحث الثالث نزول القرآن على سبعة أحرف • علاقة هذا النوع بأنواع علوم القرآن الأخرى: يرتبط هذا المبحث بعلم (نزول القرآن) فهو جزء منه، ثم ينبثق منه (علم القراءات)، إذ مرجع القراءات إلى هذه الأحرف التي نزل بها القرآن، كما أن من كتب في علوم القرآن جعل له علاقة بنوعين آخرين، وهما (جمع القرآن) و (رسم المصحف).

стр. 77

نزول القرآن على سبعة أحرف نزل التخفيف على الأمة بالأحرف السبعة كما نصَّت على ذلك جملة الأحاديث الواردة في الأحرف السبعة، ويمكن استخلاص عددٍ من الفوائد من أحاديث نزول القرآن على أحرف سبعة مباشرة، وسأذكر بعض هذه الأحاديث، ثم أذكر بعض الفوائد المستنبطة منها، ثم أذكر ما في الموضوع من مسائل أخرى. أولاً: الأحاديث وما فيها من فوائد: ١ - روى البخاري عن عبد الرحمن بن عبدٍ القاري أنه قال: «سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرؤها، وكان رسول الله ﷺ أقرأنيها، وكِدت أن أعجل عليه، ثم أمهلته حتى انصرف، ثم لَبَبْتُه بردائه، فجئت به رسول الله ﷺ ، فقلت: إني سمعت هذا يقرأ على غير ما أقرأتنيها. فقال لي: «أرسله». ثم قال له: اقرأ. فقرأ. قال: «هكذا أُنزلت». ثم قال لي: اقرأ. فقرأت، فقال: هكذا أُنزلت، إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا منه ما تيسر» (١). ٢ - وروى أيضاً عن عبيد الله بن عبد الله أن ابن عباس ﵃ حدثه أن رسول الله ﷺ قال: «أقرأني جبريل على حرف فراجعته فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف» (٢).

стр. 78

٣ - وروى عن أُبي بن كعب ﵁ أن النبي ﷺ كان عند أضاة (١) بني غفار، قال: فأتاه جبريل ﵇، فقال: إن الله يأمرك أن تَقْرَأَ أمَّتُك القرآنَ على حرف. فقال: «أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك». ثم أتاه الثانية، فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتُك القرآن على حرفين. فقال: «أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك». ثم جاءه الثالثة، فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف. فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك. ثم جاءه الرابعة، فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على سبعة أحرف، فأيما حرف قرؤوا عليه فقد أصابوا» (٢). ٤ - وروى أيضاً عن أُبي بن كعب ﵁ قال: «كنت في المسجد، فدخل رجل يصلي، فقرأ قراءة أنكرتها عليه، ثم دخل آخر، فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه. فلما قضينا الصلاة دخلنا جميعاً على رسول الله ﷺ ، فقلت: إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه، ودخل آخر، فقرأ سوى قراءة صاحبه. فأمرهما رسول الله ﷺ ، فقرآ، فَحَسَّنَ النبي ﷺ شأنهما، فسقط في نفسي من التكذيب، ولا إذ كنت في الجاهلية، فلما رأى رسول الله ﷺ ما قد غشيني ضرب في صدري، ففضت عرقاً، وكأنما أنظر إلى الله فَرَقاً، فقال لي: «يا أُبَيُّ، أُرسِل إليَّ أن أقرأ القرآن على حرف، فرددت إليه: أن هَوِّن على أمتي، فَرَدَّ إليَّ الثانية: اقرأه على حرفين، فرَدَدْتُ إليه: أن هوِّن على أمتي، فَرَدَّ إليَّ الثالثة: اقرأه على سبعة أحرف، فلك بكل رَدَّةٍ رَدْدْتُكها مسألةٌ تسألنيها، فقلت: اللهم اغفر لأمتي اللهم اغفر لأمتي، وأَخَّرْتُ الثالثة ليوم يرغب إليَّ الخلق كلهم حتى إبراهيم ﵇» (٣).

стр. 79

فوائد هذه الأحاديث: ١ - أن نزول الأحرف السبعة كان في المدينة بدلالة قوله: «أن النبي ﷺ كان عند أضاة بني غفار»، وهو موضع ماء في المدينة نزل فيه رهط أبي ذر الغفاري ﵁، فَنُسِب إليهم (١). ويضاف إلى هذا ما ورد من استنكار أُبَي بن كعب لما سمع من الصحابيين غير ما سمعه هو من النبي ﷺ ، وأُبَي كان في المدينة، ولو كانت الأحرف نزلت في مكة لما وقع هذا الاستنكار الذي يدل على ورود أمر جديد فيما يتعلق بقراءة القرآن. ٢ - أن القرآن في العهد المكي، وفترة من العهد المدني كان يقرأ على لغة قريش لسان النبي ﷺ ، ولم يرد أنه قرأه بغير ذلك. ٣ - أن هذه الأحرف نزلت من عند الله، بدلالة قوله ﷺ : «هكذا أنزلت»، وهذا يعني أنه لا يصح أن يُترك من هذه الأحرف إلا ما أذن الله بتركه. ٤ - أنه لا يمكن معرفة الأحرف إلا من طريق الرسول ﷺ ، خلافاً لمن ذهب إلى جواز القراءة بالمعنى. ٥ - أن هذه الأحرف نزلت بالتدريج، بعد مراجعة النبي ﷺ لربه أن يزيد من الأحرف رفقاً بأمته. ٦ - أن العدد سبعة يقصد به العدد المعروف، وهو ما بين الستة والثمانية، بدلالة قوله ﷺ : «أقرأني جبريل على حرف، فراجعته فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف»، وهذا فيه دلالة على الحدِّ خلافاً لمن ذهب إلى أن المراد بالسبعة التكثير في العدد، كما يستعمله

стр. 80

العرب في العدد سبعة ومضاعفاته أحياناً، وإرادة المضاعفة خروج عن الأصل، فهو يحتاج إلى قرينة، والقرينة في الأحاديث خلافه، والله أعلم. ٧ - أن هذا الاختلاف كان له أثر كبير على بعض كبار الصحابة من القراء، إذ استنكر القراءة بغير ما أقرأه رسول الله ﷺ كما حصل لعمر مع حكيم بن حزام (١) ـ حتى بيَّن لهم رسول الله ﷺ أنه أقرأ بها وأنها أنزلت من عند الله. ٨ - أن القراءة بأي حرف من الأحرف السبعة تعتبر قرآناً، وبأيها قرأ القارئ فهو مصيب. ٩ - أن الرسول الكريم؛ الرحمة المهداة من ربِّ العالمين ﷺ طلب المزيد من الأحرف تخفيفاً على أمته، وتوسيعاً عليها في القراءة، وذلك في قوله: «أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك»، وقد ورد في بعض طرق حديث الأحرف السبعة تفصيل آخر، فقد روى الإمام أحمد بسنده عن حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لقيت جبريل ﵇ عند أحجار المراء، فقال: يا جبريل إني أرسلت إلى أمة أمية: الرجل والمرأة والغلام والجارية والشيخ الفاني الذي لا يقرأ كتاباً قط، قال: إن القرآن نزل على سبعة أحرف» (٢)، وفي تحديد هذه الفئات أمران: الأول: أنَّ الذي يصعب على الأميِّ هو ما يعود إلى ما تعوَّده من

стр. 81

النطقِ، فإن نزوع أمثال هؤلاء عن طريقة منطقهم تحتاج إلى تعلُّمٍ وتكلُّفٍ، والله أعلم. الثاني: أنَّ أغلب اختلاف الأحرف السبعة يرجع إلى طريقة النطق، وإنما جاء ذكر التيسير بهذه الصورة في الحديث على الأسلوب النبوي الشرعي في نسبة الكلِّ إلى أعظم جزءٍ فيه؛ كقوله ﷺ : «الحج عرفة» (١)، مع أنَّ في الحجِّ أركاناً غير الوقوف بعرفة، وإنما المراد التنبيه على أهمية هذا الركن من أركان هذا الحجِّ، وأنَّ من فاته فقد فاته الحجُّ، وفي سنته من الأمثلة المشابهة لذلك عدد غير قليل. والمقصود أنه لا يلزم أن يكون كل اختلافٍ في هذه الأحرف لا يستطيعه من ذكرهم الرسول ﷺ ، بل قد يستطيعونه، والله أعلم. ومن المهم ملاحظة أن التخفيف على الأمة بالأحرف السبعة لم ينقطع، فالرسول ﷺ استزاد لأمته كلها، وليس لزمن من أزمانها دون غيره، وهذه الملحوظة يحسن التنبه لها في كل الأحاديث التي يرد فيها ذكر أمته ﷺ . ثانياً: الاختلافات الواردة في القراءات القرآنية من خلال القراءات المشهورة إذا اجتهدت في حصر أنواع الأوجه القرائية التي وقع فيها الاختلاف في هذه القراءات = فإنه سيظهر لك أنواع كثيرة، ومنها على سبيل المثال: ١ - الفك (الإظهار) والإدغام (قد سمع، قسَّمع). ٢ - الإمالة والفتح (والضحى). ٣ - القصر والمد. ٤ - التسهيل والتحقيق (أاعجمي، أأعجمي).

стр. 82

٥ - التحقيق والإبدال (يؤمنون، يومنون). ٦ - الإبدال بين الحروف (كالسين والصاد)، والمعنى واحد. وهذه الأنواع ترجع إلى الأداء، فهي من علم الصوتيات المرتبط باختلاف لهجات قبائل العرب. ٧ - الزيادة والنقصان (أوصى، وصَّى)، (تجري من تحتها، تجري تحتها). ٨ - اختلاف الإعراب (فتلقى آدمُ من ربه كلماتٍ، فتلقى آدمَ من ربه كلماتٌ). ٩ - الخطاب والغيبة (يعلمون، تعلمون). ١٠ - التذكير والتأنيث (كان سيئُه، كان سيئةً) (كالذي استهوته، كالذي استهواه). ١١ - تغيير الكلمة ومعناها (تبلوا، تتلوا)، (بظنين، بضنين). وغالب هذه الاختلافات تعود إلى الرسم الذي هو فرع عن القراءة الصحيحة، بحيث لو لم يرد الاختلاف في القراءة الصحيحة لما قرئ به لو وافق الرسم. وهذه الاختلافات موجودة في القراءة المشهورة المقبولة، ولو تتبعتَ القراءات الشواذ لما بَعُدَ أن يوجد إضافة إلى هذا. ثالثاً: علاقة القراءات بالأحرف السبعة: وقع الخلاف بين العلماء هل أبقى عثمان على شيء من الأحرف أم اختار واحداً وترك الباقي؟ وهذا الاختلاف ينبني على فهم مدلول الأحرف، وسيأتي بيانه. لكن المراد هنا الانطلاق من الاختلاف الكائن في القراءات المشهورة المتلقاة بالقبول من لدن علماء الأمة، وهي القراءات العشر المنسوبة لقارئيها.

стр. 83

وإذا انطلقت من أنواع الوجوه القرائية التي ذكرتها لك، ورتبتها على اختلاف العلماء في فعل عثمان، فإنه سيظهر لك ما يأتي: ١ - أن من يقول بأن عثمان ﵁ أبقى حرفاً واحداً فقط، فهذا يعني أن وجوه الاختلاف الواردة في القراءات ليست من الأحرف في شيء، وأمامك احتمالان في بقية الأحرف: الأول: أن يكون هذا الاختلاف في القراءات وارداً مع كل حرف من الأحرف التي لا نعلم ماهيتها بسبب ترك الصحابة لها، فاختلاف القراءات شيء، والأحرف شيء آخر. وذلك احتمال يدور حوله تساؤلات كثيرة، منها: كيف غاب عن الأمة ما هو منَزل من أجل التخفيف عليها؟ أفكان التخفيف لأجل سنين معدودة ثم زال سببه؟! الثاني: أن يكون هذا الاختلاف في القراءات على حرف واحدٍ، ولو بقيت لنا الأحرف الأخرى لخرج لنا اختلافات أخرى أكثر من هذه لكنها ذهبت مع ذهاب الأحرف الستة. وهذا فيه نظر أيضاً، فكيف لم يبقَ ما يدل عليها، ولو قليلاً؟ أفزالت بالكلية؟! وهذه القراءات الشاذة لا تختلف ـ من حيث العموم ـ عن أداء القراءات المقبولة المشهورة، فهل يصحُّ أن تكون هذه القراءات الشاذة قد حُفِظت، ويغيب عنا بقية الأحرف السبعة؟ وينتج عن هذا أن حلَّ الأحرف السبعة موجودٌ في وجوه القراءات؛ متواترها وشاذها؛ لأنه لا يُعقل أن تذهب هذه الأحرف بالكلية، ولا نرى بين أيدينا سوى هذه الأوجه المختلفة في القراءات، فصحَّ أن الأحرف لا تخرج عما هو بين أيدينا من هذه الأوجه المختلفة في القراءة. ٢ - أن من يقول: إن عثمان لم يصنع شيئاً سوى أنه فرَّق ما في مصحف أبي بكر في المصاحف التي كتبتها اللجنة التي اختارها، فأبانَت

стр. 84

عما صحَّ أنه مقروءٌ في العرضة الاخيرة التي عرضها رسول الله ﷺ على جبريل في آخر رمضان له ﷺ = فأنه لا بدَّ أن يذهب إلى أن الأحرف السبعة باقية مبثوثة في هذا الاختلاف الوارد في القراءات، خلافاً لمن ذهب إلى أنه ترك ستة أحرف وأبقى واحداً. ما المراد بالأحرف السبعة، وهل بقيت؟ هذا الموضوع من المشكل الذي حارت فيه العلماء واختلفت فيه قَولَتُهُم، ولا يعني هذا أنه لا يمكن الوصول إلى القول الصواب في معنى هذه الأحرف، كما أن القول الصواب لا يخرج عن مجموع أقوالهم. لعلك تلاحظ أنَّ جيل الصحابة ﵃ قد مضى، ولم يحدث عندهم لبس في هذه الأحرف؛ إذ لم يأتِ عن أحدهم أنه استشكل معناها، ولا سأل عن فحواها، وإنما سمعوها من بعضهم أو سمعوها من النبي ﷺ الذي علمهموها، ووقع عند بعضهم ـ في أول الأمر ـ شكٌّ، ثمَّ زال عنه (١)، والمراد أنه قد انقضى هذا الجيل والأحرف السبعة معلومة لهم يقرؤون بها. وإنه كلما تباعد العصر عن عصرهم ازداد غموض هذه الأحرف، ويلاحظ أن بعض العلماء قد كثَّر عدد الاختلاف، حتى بلغت الأقوال عند

стр. 85

السيوطي في الإتقان أربعين قولاً، وذلك بالنظر إلى تعدد عبارات الأقوال دون النظر إلى تداخل بعضها في بعض، مع أنها عند التمحيص لا تتجاوز العشرة بحال. وليس المراد هنا ذكر هذه الأقوال والاعتراض عليها، فذلك موجود في جملة من المراجع (١)، وإنما أذكر لك هنا أحسن ما رأيت في تعريفها الذي يمكن أن يقال فيها: هي وجوه قرائية مُنَزَّلة متعددة متغايرة في الكلمة القرآنية الواحدة ضمن نوع واحد من أنواع التغاير (٢). فإن قلت: هل يلزم أن تصل إلى سبعة أوجه؟ فالجواب: إن ذلك أقصى ما تصل إليه هذه الوجوه المنْزلة، فقد يكون في الكلمة الواحدة وجه أو وجهان أو ثلاثة إلى سبعة أوجه قرائية، ولا يمكن أن تزيد؛ لأنَّ هذا العدد مقصودٌ في التحديد، وليس المراد به التكثير، كما سبق التنبيه على ذلك. وإن قلت: لِمَ فسَّرت الأحرف بالوجوه القرائية؟ فالجواب: لأن ألفاظ الاحاديث تدل على أن هذه الأحرف شيء متعلق بالقراءة، وإنك مهما ذهبت في تفسيرها فلن تخرج عن كونها وجوهاً قرائية، وإنما سيقع الخلاف في أمرين: الأول: المراد بهذه الوجوه القرائية. والثاني: هل بقيت هذه الوجوه القرائية أم نُسِخت وتُرِكت؟ أما الأول: فإنه قد وقع اختلاف كثيرٌ في المراد بهذه الوجوه القرائية، والذي يظهر ـ والله أعلم ـ أن الوجوه القرائية ـ من حيث هي ـ أكثر من

стр. 86

سبعة وجوه (١)، لكن لم يجتمع في الكلمة الواحدة ضمن نوع واحد من أنواعها أكثر من سبعة. فإن قلت: هلاَّ مثَّلت بأمثلة توضح ذلك؟ فدونك أمثلة منها: ١ - لفظ «مجريها» في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هود: ٤١]. • قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم بفتح الميم مع الإمالة. • قرأ بضم الميم مع الإمالة أبو عمرو وابن ذكوان بخلف عنه. • قرأ الأزرق عن ورش بضم الميم مع التقليل. • قرأ الباقون بضم الميم من دون إمالة. وهذه الكلمة يتشكل منها أربعة أحرف، وهي: فتح الميم، وضم الميم، والفتح أو الإمالة أو التقليل، ويتركب منها بالجمع عدد من الأوجه، وما يتركب من الأوجه ليس هو الأحرف، وإنما الأصل الرباعي المذكور هو الأحرف في هذه الكلمة. ٢ - لفظ إبراهيم في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤]. • قرأ ابن ذكوان عن ابن عامر بخلف عنه (إبراهام). • وقرأ الباقون ـ وهو الوجه الثاني لابن ذكوان ـ (إبراهيم). فقراءة (إبراهيم) بهذين الوجهين من النطق هما حرفان من الأحرف المنْزلة. وقد سبقت الإشارة إلى جملةٍ من وجوه الاختلاف الكائن في القراءات الذي مردُّه إلى الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن. وأما الثاني، وهو هل بقيت هذه الوجوه القرائية أم نُسِخت وتُرِكت؟

стр. 87

فالجواب: إنَّ القراءات التي وصلت إلينا تدلُّ على أنَّه قد تُرك بعض القراءات التي كان يُقرأ بها؛ لأن أعلى ما وصلنا من الوجوه القرائية المتواترة في الكلمة الواحدة خمسة أوجه، ومن أمثلة ذلك كلمة (جبريل) (١). ويرد السؤال المتوقع هنا، وهو لم لا نجد في كلمة سبعة أوجه من أنواع التغاير؟ فالجواب: لأنه قد وقع تركٌ لبعض الأوجه في العرضة الأخيرة، فكان ما بقي منها لم يتجاوز الخمسة، وهذا استدلال بالثابت من القراءات الموافقة للعرضة الأخيرة؛ لأن الأمة أمرت بأن تقرأ كما عُلِّمت، وما بلغنا صحيحاً مقبولاً (المتواتر) هو ما عُلِّمت وأريد لها أن تقرأ به، وما عداه ـ مما بأيدينا ـ فهو إما مما تُرك (نُسخ)، وإما مما لم يصحَّ رفع القراءة به إلى النبي ﷺ . وإذا كان قد ثبت أنَّ هناك قراءات صحيحة لا يُقرأ بها اليوم ـ كالقراءات الأربع المتممة للعشر، وككثيرٍ من أفراد القراءات التي ثبتت بأسانيد مفردة، كقراءة (والذكر والأنثى) التي ثبتت عن ابن مسعود وأبي الدرداء ﵄، وغيرها ـ فإنَّ هذا مما يدلُّ على أنَّ هذه القراءات قد تُرِكت، وهي من الأحرف المنْزلة. ويمكن أن نقسم القراءات إلى أقسام ثلاثة: القسم الأول: القراءات المشهورة التي تلقتها الأمة بالقبول، وحكم عليها العلماء بالتواتر. القسم الثاني: القراءات الصحيحة التي لم تصل إلى حدِّ الشهرة والقبول، وقد تُرِكت القراءة بها. القسم الثالث: ما سوى ذلك مما يُنسب إلى بعض القراء أو غيرهم

стр. 88

بلا سند، وتلك لا ترقى إلى حكم القسم الثاني فضلاً عن الأول؛ لذا قد يدخلها الخطأ، فهي لا تُحسب من القراءات عند التمحيص والتمييز والتحقيق. هل يجوز لأحد كائنٍ من كان أن يحذف ما ثبتت قرآنيته؟ الجواب ـ بلا شكٍّ ـ: لا. إذن؛ ما دامت قد ثبتت قرآنية هذه الكلمات المتروكة، وثبت أنها مما لم يقرأ به الصحابة بعد جمع عثمان الناس على ما صحَّ في العرضة الاخيرة؛ فإن هذا يدلُّ على أنَّ الذي أمر بتركها هو الذي أمر بقراءتها أولاً، وهو المنْزل لها؛ إذ من فوائد حديث إنزال الأحرف أن النبي ﷺ يخبر أن القرآن (أُنزِل) والمنْزل جبريل، الآمر بالإنزال هو الله القائل: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، فهو الذي له حق النسخ. أما ما يُنسب لعثمان ﵁ من أنه أبقى حرفاً واحداً، فإن ذلك أمر لا يصح، ولو قال به من له جلالة ومنْزلة في العلم؛ لأنَّ ذلك يعني أنَّ أحرفاً نزلت، وأن بعض الأمة قد تركها، وهذه الأحرف التي يُدَّعى أنها تركت إنما هي قرآن، وتركها مخالف لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] (١) ..

стр. 89

والنتيجة التي يُتوصل إليها: • أن جميع أصول الوجوه القرائية الثابتة عن الأئمة في القراءات العشر المعتبرة؛ أنها مما قرأ به النبي ﷺ ، وهي مما أُنزلَ، ولا يجوز لأحد أن ينقص منها أو يزيد عليها. • وأن الاختلاف في بعض المقادير لا يعني وقوع الاجتهاد في الأصول، فالمدُّ أصل صحيح ثابت عند القراء، لكن اختلفوا في مقداره في أنواعه المعروفة عندهم، واختلافهم في المقدار داخل في باب الاجتهاد، لكن وجود المد كأصل في وجوه القراءة لا يدخله الاجتهاد (١). وليس عندنا أن نعرف المتروك (المنسوخ) من غيره سوى ما أثبته الصحابة مما ثبت في العرضة الأخيرة التي استقرَّت القراءة عليها أيام عثمان ﵁ لما جمع الناس على ما ثبتت قراءته في هذه العرضة، وترك ما سواه، فأجمع الصحابة على ذلك، وتركوا ما سواه مما صحَّ عندهم لكن لم يكن كل واحد منهم يعلم برفعه وتركه كما كان يعلمه زيد بن ثابت وغيره ﵃ ممن كان لهم عناية تامة بالقرآن. وقد وقع عند بعض من كتب في علاقة الأحرف السبعة بجمع القرآن افتراضات لا يدل عليها دليل نقلي، بل هي من التخريج العقلي المحض، ويظهر أن من أسباب ذلك عدم تبيُّن المراد بالأحرف السبعة.

стр. 90

قراءات مقترحة في موضوع: الأحرف السبعة ١ - «حديث الأحرف السبعة»، للدكتور عبد العزيز بن عبد الفتاح قارئ. وهو من أنفس ما كُتب في شرح الأحرف السبعة، وفيه تحليلات وفوائد جليلة. ٢ - «الأحرف السبعة ومنْزلة القراءات منها»، للدكتور حسن ضياء الدين عتر. ومما فيه من محاسن: استنباط الفوائد من أحاديث الأحرف السبعة، وإن كانت النتيجة التي وصل إليها في المراد بالأحرف السبعة فيها نظر. وفي صنيع الدكتور حسن ضياء الدين عتر في كتابه توجيه للباحثين في استنطاق الفوائد من الأحاديث التي وردت في الأحرف التي نزل بها القرآن. بحوث مقترحة في موضوع: الأحرف السبعة ١ - الاعتناء بالأحاديث الواردة في الأحرف السبعة، واستنباط الفوائد منها. ٢ - تطبيق أوجه الاختلاف بين القراء في سورة من السور للخلوص إلى عدد الأوجه القرائية المختلف فيها في السورة، وتصنيف هذه الأوجه. ٣ - دراسة العلاقة بين اللهجات العربية والأحرف السبعة.

стр. 91

الفصل الثالث المكي والمدني وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: طرق تعبير السلف عن النُّزول. المبحث الثاني: طريق معرفة المكي والمدني. المبحث الثالث: فوائد معرفة المكي والمدني.

стр. 92

• علاقة هذا النوع بأنواع علوم القرآن الأخرى: يرتبط هذا النوع (المكي والمدني) بأنواع أخرى من أنواع علوم القرآن، وهي: • (نزول القرآن) حيث يعتبر البحث في (المكي والمدني) فرع عنه. • (الناسخ والمنسوخ)؛ لأن المتقدم ينسخ المتأخر، ولا يعرف ذلك إلا بمعرفة المكي من المدني. • (أسباب النُّزول)، ويظهر الارتباط الوثيق بينهما، فيما إذا صح نزول آية في حدث مكي أو في حدث مدني، فإن سبب النُّزول يدل على المكي والمدني من هذه الجهة، مع ملاحظة أن بعض ما يُحكى في الأسباب قد يكون من باب التفسير، وليس من باب الأسباب الصريحة، وفي هذه الحالة يمكن تفسير الآية المكية بحدث مدني، ولا يكون هذا التفسير دليلاً على مدنية الآية كما سيأتي. • (أسماء السور)، حيث ينص من يعدد السور المكية والمدنية على أسمائها، ويمكن الاستفادة من هذه الآثار في تعدد أسماء بعض السور؛ لأنها تختلف في تسمية بعض السور (١). • وله ارتباط جزئي بالأحرف السبعة من جهة أن القرآن المكي وصدراً من المدني كان على حرف واحد، والقرآن المدني نزلت فيه الرخصة بالأحرف السبعة، ويمكن القول بأن نزول الأحرف السبعة مدني.

стр. 93

المبحث الأول طرق تعبير السلف عن النُّزول المكي والمدني مصطلحان مرتبطان بالمكان والزمان، وعليهما وقعت عبارات العلماء ﵏. وكان للسلف عناية خاصة بمكان نزول القرآن، وكان أول نزول القرآن في غار حراء بمكة، ثم تتابع نزوله على رسول الله ﷺ ، فكان منه ما نزل بمكة قبل الهجرة، وما نزل في ضواحي مكة، ثمَّ هاجر الرسول ﷺ إلى المدينة، ونزل عليه فيها القرآن، وكان له سفرات نزل فيها قرآن، وكان منه ما نزل عليه بمكة بعد هجرته ﷺ ، فكيف كان السلف يعبِّرون عن هذا النُّزول؟ ولقد كان للسلف طريقتان في التعبير عن النُّزول: الأولى: روايات تذكر كل السور، وتميز مكيها من مدنيها. الثانية: روايات متفرقة تذكر المكي والمدني، ويكثر في هذه الروايات الإشارة إلى أماكن نزول الآيات. وفي كلا الطريقتين لم يقع منهم نصٌّ مباشر على الزمان (قبل الهجرة، وبعد الهجرة). بل كان الوارد عن بعض الصحابة التنبيه على معرفة المكان دون الزمان؛ كالوارد عن ابن مسعود ﵁ قال: «والذي لا إله غيره ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت، ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن أنزلت، ولو أعلم أحداً أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه» (١)، وقد ورد هذا المعنى عن غيره من السلف.

стр. 94

أما الطريقة الأولى، فقد ورد بها روايات عديدة عن بعض الصحابة والتابعين وأتباعهم، ومنها ـ على سبيل المثال ـ ما رواه البيهقي (ت٤٥٨هـ) بسنده عن عكرمة (ت١٠٥هـ)، والحسن البصري (ت١١٠هـ)؛ قالا: «أنزل الله من القرآن بمكة اقرأ باسم ربك، ون، والمزمل، والمدثر، وتبت يدا أبي لهب، وإذا الشمس كورت، وسبح اسم ربك الأعلى، والليل إذا يغشى، والفجر، والضحى، وألم نشرح، والعصر، والعاديات، والكوثر، وألهاكم التكاثر، وأرأيت، وقل يا أيها الكافرون، وأصحاب الفيل، والفلق، وقل أعوذ برب الناس، وقل هو الله أحد، والنجم، وعبس، وإنا أنزلناه، والشمس وضحاها، والسماء ذات البروج، والتين والزيتون، ولإيلاف قريش، والقارعة، ولا أقسم بيوم القيامة، والهمزة، والمرسلات، وق، ولا أقسم بهذا البلد، والسماء والطارق، واقتربت الساعة، وص، والجن، ويس، والفرقان، والملائكة، وطه، والواقعة، وطسم، وطس، وطسم، وبني إسرائيل، والتاسعة، وهود، ويوسف، وأصحاب الحجر، والأنعام، والصافات، ولقمان، وسبأ، والزمر، وحم المؤمن، وحم الدخان، وحم السجدة، وحمعسق، وحم الزخرف، والجاثية، والأحقاف، والذاريات، والغاشية، وأصحاب الكهف، والنحل، ونوح، وإبراهيم، والأنبياء، والمؤمنون، وآلم السجدة، والطور، وتبارك، والحاقة، وسأل، وعَمَّ يتساءلون، والنازعات، وإذا السماء انشقت، وإذا السماء انفطرت، والروم، والعنكبوت. وما نزل بالمدينة: ويل للمطففين، والبقرة، وآل عمران، والأنفال، والأحزاب، والمائدة، والممتحنة، والنساء، وإذا زلزلت، والحديد، ومحمد، والرعد، والرحمن، وهل أتى على الإنسان، والطلاق، ولم يكن، والحشر، وإذا جاء نصر الله، والنور، والحج، والمنافقون، والمجادلة، والحجرات، ويا أيها النبي لم تحرم، والصف، والجمعة، والتغابن، والفتح، وبراءة» (١).

стр. 95

قال البيهقي: «والتاسعة يريد بها سورة يونس. قال: وقد سقط من هذه الرواية الفاتحة، والأعراف، وكهيعص فيما نزل بمكة» (١). وأما الطريقة الثانية، ففيها روايات عديدة، منها ما رواه البخاري بسنده عن طارق بن شهاب «أن أناساً من اليهود قالوا: لو نزلت هذه الآية فينا لاتخذنا ذلك اليوم عيداً. فقال عمر: أية آية؟ فقالوا: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً﴾ [المائدة: ٣]. فقال عمر: إني لأعلم أي مكان أنزلت؛ أنزلت ورسول الله ﷺ واقف بعرفة» (٢). فهذه الروايات وغيرها تدل على أنَّ السلف كانوا يُعنون بذكر المكان الذي نزلت فيه السورة أو الآية، لكن لا يعني هذا أنهم كانوا يُغفلون الزمان الذي ضبطه بعض أتباع التابعين بضابط الهجرة، فما كان قبل الهجرة فهو مكي، وما كان بعد الهجرة فهو مدني، فهذا الضابط، وإن لم ينصوا عليه إلا أنهم يعملون بفحواه، فهل يُتصوَّر أن يكون نزول آية إكمال الدين في مكة قبل الهجرة؟ بالطبع لا، فقول عمر ﵁: «أنزلت ورسول الله ﷺ واقف بعرفة» يتضمن نزولها بعد الهجرة؛ لأن حجة الوداع كانت بعد الهجرة قطعاً، ولم يكن هناك داعٍ لأن يقول عمر: نزلت بعد الهجرة، ولا كان من مصطلحات الصحابة والتابعين وكثير من أتباع التابعين (٣).

стр. 96

وأول من رأيته نصَّ على هذا الضابط الزماني يحيى بن سلام البصري (ت٢٠٠هـ) قال: «... وإن ما نزل بمكة وما نزل في طريق المدينة قبل أن يبلغ النبي ﵇ المدينة فهو من المكي. وما نزل على النبي ﵇ في أسفاره بعدما قدم المدينة فهو من المدني» (١). وهذا الضابط الزماني هو الذي اعتمده العلماء المتأخرون، وسارت به الكتب بعدهم. فقد كتب السيوطي (ت٩١١هـ) وغيره في هذا المبحث مسائل متنوعة، ومنها: اصطلاحات المكي والمدني، وقد جعلها ثلاثة: • ما كان بمكة فهو مكي، وما كان بالمدينة فهو مدني، وهذا فيه اعتبار المكان. • ما كان خطاباً بصيغة ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ فهو مكي، وما كان بصيغة ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فهو مدني، وهذا فيه اعتبار الخطاب. • ما كان قبل الهجرة فهو مكي وما كان بعد الهجرة فهو مدني، وهذا فيه اعتبار الزمان. ولم ينسب هذه الأقوال لقائلين بها، وفي القولين الأولين تجوُّزٌ؛ لأن من القرآن ما كان نازلاً في غير مكة والمدينة، ولأن القرآن ليس كله خطاباً بهاتين الصيغتين أو ما يشبههما، وليس كل سورة فيها أحد هذين الخطابين. وقد زاد بعض المعاصرين الاستدلال والاحتجاج، ورجَّح اعتبار

стр. 97

الزمان الذي رجحه بعض المتقدمين كابن حجر العسقلاني (ت٨٥٢هـ) والسيوطي (ت٩١١هـ) وغيرهما. والمقصود هنا التنبيه على أنه لا تعارض بين مذهب السلف في التعبير عن النُّزول بالمكان، وما ذهب إليه المتأخرون من العلماء من أن ما نزل قبل الهجرة فهو مكي، وما نزل بعد الهجرة فهو مدني؛ لأن السلف كانوا يعتنون بذكر المكان، ويعملون بالزمان في تطبيقاتهم التفسيرية، ومما يدل على ذلك ما يأتي: قال سعيد بن منصور: حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر قال: «سألت سعيد بن جبير عن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٤٣] أهو عبد الله بن سلام؟ فقال: كيف؟ وهذه السورة مكية» (١). ويمكن تلخيص القول في هذه المسألة بأن يُعتبر المصطلحان معاً بحيث يكون في ذكر مكان النُّزول إشارة إلى ضابط الزمان إن احتاج الأمر إلى ذلك. وإذا تأملت ذلك وجدت: ١ - أن كل ما وُصِف من القرآن بأنه مدني فلا يدخله اللَّبس، فما وصف بالمدني فهو بعد الهجرة لا قبلها قطعاً. ٢ - أنَّ الأماكن التي ثبت أن الرسول ﷺ إنما ذهب إليها بعد الهجرة؛ ـ كبعض غزواته: غزوة بني المصطلق وغزوة تبوك ـ لا يمكن أن يقال: إنها من المكي؛ لأنها بعد الهجرة. ٣ - يبقي الأمر في بعض السور والآيات التي نزلت بمكة بعد الهجرة، وهي قليلة بالنسبة لسور وآيات القرآن. وإذا كان الأمر كذلك فلا حاجة إلى الترجيح بين المصطلحين ـ كما ذهب إليه بعض من كتب في المكي والمدني ـ لأمن اللبس في أغلب نزول القرآن من هذه الجهة، والله أعلم.

стр. 98

مسألة: في الآيات المستثناة من السور: ورد عن علماء الصحابة والتابعين وأتباع التابعين بعض الآثار التي يذكرون فيها أن السورة مكية إلا آيات منها، وكذا أن السورة مدنية إلا آيات منها، وهذا المبحث من المباحث التطبيقية النفيسة التي تتداخل بين التفسير وعلوم القرآن، والأصل في هذا المبحث النقل عن الصحابة الذين شاهدوا التنْزيل، لكن قد يجتهد بعض من جاء بعدهم لقرينة تظهر له بسبب بعض الآثار الواردة في النُّزول، أو غير ذلك. ومن أمثلة الآيات المستثناة: ١ - قال السيوطي: «الأنفال: استُثني منها: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [٣٠] الآية، قال مقاتل: نزلت بمكة» (١). ٢ - قال السيوطي: «الأحقاف: استثني منها: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [١٠]، فقد أخرج الطبراني بسند صحيح عن عوف بن مالك الأشجعي ﵁ أنها نزلت بالمدينة في قصة إسلام عبد الله بن سلام ﵁، وله طرق أخرى، لكن أخرج ابن أبي حاتم عن مسروق قال: أنزلت هذه الآية بمكة، إنما كان إسلام ابن سلام بالمدينة، وإنما كانت خصومة خاصم بها محمداً ﷺ » (٢). وعند تحرير هذه الأمثلة يظهر الآتي: ١ - أن الأصل في السورة أن تكون مكية كلها، أو مدنية كلها، والاستثناء منها خلاف الأصل. ٢ - أن الشبهة قد تقع في الاستثناء، لذا لا يلزم أن يكون كل استثناءٍ صحيحاً. ٣ - أنَّ ما قيل فيه بالاستثناء يحتمل الاحتمالات العقلية الآتية:

стр. 99

الأول: أن يكون الاستثناء صحيحاً، وتكون السورة كلها نزلت بمكة أو بالمدينة، ثم أضيف إليها الآية. الثاني: أن يكون الرسول ﷺ قرأ الآية المكية في حدث مدني، فتوهم الصحابي أنها نزلت آنئذ، فحكم بمدنيتها، إذ ليس كل الصحابة يعلم جميع النازل من القرآن، ولا مكان نزوله أو وقته. الثالث: أن يكون دخول الحدث المدني في آية مكية بوحي نزل عليه، فيتلوا الآية المكية آنئذ، فيتوهم الصحابي أنها نزلت في هذا الحدث. والفرق بينه وبين الذي قبله: أن الأول من فعله ﷺ مباشرة، والثاني بوحي نزل عليه. وإليك تطبيق ذلك على بعض الآيات: ١ - قال مقاتل (ت١٥٠هـ): «سورة الأنفال مدنية كلها غير آية واحدة ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [٣٠]» (١). إذا رجعت إلى هذه الآية التي في سورة الأنفال وجدت أن السورة تتحدث عن أحداثٍ تتعلق بغزوة بدر، وهذا الحدث الذي تتحدث عنه الآية كان بمكة، لما تآمر الكفار على قتل الرسول ﷺ ، فأنجاه الله منهم، فالآية تذكير بهذا الحدث، لذا صُدِّرت بلفظ (وإذ) الدال على وقوع الحدث قبل الآية. ولربما لما كان الحدث مكيّاً توهم مقاتل أنه هذه الآية مكية. ولربما أنه اعتمد على ما روي عن مجاهد وعكرمة في هذه الآية من أنها مكية، فحكم بذلك، فقد روى الطبري (ت٣١٠هـ) بسنده عن ابن جريج (ت١٥٠هـ)، قال: «عن عكرمة، قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٣٠] قال: هذه مكية. قال ابن جريج: قال مجاهد: هذه مكية» (٢).

стр. 100

قال ابن عطيَّةَ (ت٥٤٢هـ) ـ معلقاً على قول مجاهد وعكرمة ـ: «وحكى الطَّبريُّ عن عكرمةَ ومجاهد أنَّ هذه الآيةَ مكيَّةٌ ... ويحتملُ عندي قول عكرمةَ ومجاهدٍ: «هذه مكيَّةٌ»، أن أشارا إلى القصَّةِ لا إلى الآيةِ» (١). وإذ خُرِّج قول مقاتل ومن سبقه على ما ذهب إليه ابن عطية لم يكن مرادهم النُّزول، وإنما مرادهم زمن قصة الآية فحسب. فإن قُلت: هل عُهِد من السلف مثل هذا التعبير في المكي والمدني؟ فالجواب: إن هذا يحتاج إلى استقراء، لكن ما ذكر لك من باب التخريج ليلتئم القول على ما هو مشهور من كون نزول سورة الأنفال كلها في المدينة، وباب التخريج واسع. ٢ - قال السيوطي: «الأحقاف: استثني منها ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [١٠]، فقد أخرج الطبراني بسند صحيح عن عوف بن مالك الأشجعي ﵁ أنها نزلت بالمدينة في قصة إسلام عبد الله بن سلام ﵁، وله طرق أخرى، لكن أخرج ابن أبي حاتم عن مسروق قال: أنزلت هذه الآية بمكة، إنما كان إسلام ابن سلام بالمدينة، وإنما كانت خصومة خاصم بها محمداً ﷺ » (٢). الحكم بنُزول هذه الآية في عبد الله بن سلام ﵁ وارد عن جمع من الصحابة والتابعين، وقد ذكر الطبري (ت٣١٠هـ) وغيره الرواية عنهم في ذلك، فقد ورد عن سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن سلام، وابن عباس، وعوف بن مالك الأشجعي ﵃، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، والحسن، وابن زيد (٣)، على اختلاف بينهم في النص على عبارة النُّزول. وقد اعترض مسروق على هذا المذهب، ومما ورد عنه في ذلك ما رواه الطبري (ت٣١٠هـ) بسنده عن الشعبي عن مسروق في قوله تعالى: ﴿قُلْ

стр. 101

أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ١٠] الآية، قال: «كان إسلام ابن سلام بالمدينة، ونزلت هذه السورة بمكة، إنما كانت خصومة بين محمد ﷺ وبين قومه فقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف: ١٠] قال: التوراة مثل الفرقان، وموسى مثل محمد، فآمن به واستكبرتم، ثم قال: آمن هذا الذي من بني إسرائيل بنبيه وكتابه، واستكبرتم أنتم فكذبتم أنتم نبيكم وكتابكم ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي﴾ إلى قوله: ﴿هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف: ١٠ - ١١]». وقد تبعه على ذلك الشعبي، فقد روى الطبري (ت٣١٠هـ) بسنده عنه، قال: «إن ناساً يزعمون أن الشاهد على مثله: عبد الله بن سلام، وأنا أعلم بذلك، وإنما أسلم عبد الله بالمدينة، وقد أخبرني مسروق أن آل حم إنما نزلت بمكة، وإنما كانت محاجَّة رسول الله (ص) لقومه فقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ١٠] يعني: الفرقان ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف: ١٠]، فمثل التوراة الفرقان؛ التوراة شهد عليها موسى، ومحمد على الفرقان، صلى الله عليهما وسلم» (١). ويستفاد من قول الجمهور أنَّ الآية مدنية النُّزول، وقد وُضِعت في سورة مكية، وهذا ظاهر مذهبهم في ذلك. ولو جعلت قول مسروق ومن تبعه هو المقدَّم، فإنه يلزم في تخريج الروايات الواردة عن الجمهور ما يأتي: ١ - أن تكون الآية مما تقدم نزوله وتأخر حكمه، كما ورد في قوله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]، فقد روى الطبري (ت٣١٠هـ) بسنده عن أيوب قال: لا أعلمه إلا عن عكرمة أن عمر قال: «لما نزلت ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ﴾ [القمر: ٤٥] جعلت أقول: أي جمع يهزم؟ فلما كان يوم بدر رأيت النبي ﷺ يثب في الدرع ويقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]» (٢)

стр. 102

ومما نزل مبكراً، وتأخر وقوعه قوله تعالى: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: ٢]، على من فسَّر الآية بأنها: حلال لك أنت تصنع في مكة ما تشاء (١)، وكان ذلك يوم الفتح، والآية مكية. ٢ - أن يكون الرسول ﷺ تلا هذه الآية عليهم في ذلك الحدث، فظن بعضهم أنها لتوها نزلت في هذا الشأن، وليس الأمر كذلك، بل يكون في قراءته التنبيه على شمول الآية لحال ابن سلام ﵁ وأمثاله ممن يؤمن من أهل الكتاب. وقد وقع في بعض الآثار ما يشير إلى هذا، ومن ذلك ما رواه الطبري (ت٣١٠هـ) عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]، قال: «كان ذلك يوم بدر قال: قالوا: نحن جميع منتصر. قال: فنَزلت هذه الآية» (٢) فابن عباس ﵄ مع كونه لم يحضر بدراً ـ عبَّر بالنُّزول، لِمَا سمع من قراءة النبي ﷺ لها في هذا الموطن، والله أعلم. ٣ - أن يكون في التعبير بالنُّزول توسُّعٌ ممن قال به، ولا يكون مراده السببية المباشرة، وإنما مراده التفسير، والحكم بدخول حال ابن سلام ﵁ في معنى الآية (٣).

стр. 103

وهذا يرد أيضاً في عبارات السلف في النُّزول، وإن كان قليلاً، ويمكن حمل قول ابن عباس ﵄ السابق على هذا المعنى.

стр. 104

المبحث الثاني طريق معرفة المكي والمدني إن الأصلَ في معرفة المكي والمدني من السور والآيات إنما هو النقلُ عن الصحابة الذين نزل القرآن بين ظهرانيهم، وإذا تأملت ما حكاه العلماء من المكي والمدني وجدت ما يأتي: ١ - قسم وقع الاتفاق عليه بأنه مكي أو مدني. ٢ - قسم وقع الخلاف فيه بين العلماء من الصحابة أو ممن هو دونهم من التابعين وأتباعهم. ٣ - أنَّ هذا الاختلاف كان في الآيات أكثر منه في السور، وبهذا كان لا بدَّ من الاجتهاد في هذا المختلَف فيه، وكان لا بدَّ من وجود ضوابط للترجيح في هذا الاختلاف، فصار الأمر في معرفة المكي والمدني على طريقين: الطريق النقلي والطريق القياسي الاجتهادي. أما النقلي فظاهرٌ، فإذا وقع الاتفاق أو وقع النقل عن واحد من الصحابة ليس له مخالف فالأمر على ما قال، والمنقول هو الأغلب الأعم في باب المكي والمدني دون القياسي. وأما القياسي الاجتهادي فإنه يقوم على معرفة ما يمكن القياس عليه، وهو ما دلَّ بالاستقراء من موضوعات المكي والمدني وأسلوبهما في السور والآيات، وقد استنبط العلماءُ عدداً من الضوابط التي يُعرف بها المكي والمدني (١)، ومنها:

стр. 105

١ - أورد بعض العلماءِ ضابطاً يتعلق بالخطاب، فقد ورد عن ابن مسعود ﵁ (ت٣٢هـ) أنه قال: «ما كان ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أنزل بالمدينة وما كان ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ فبمكة». وهذا الضابط أغلبي، وليس كليّاً؛ لأنه ورد في القرآن المدني الخطاب بيا أيها الناس، فقد أجمع العلماء على أن سورة النساء مدنية، وأولها: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١]، فانخرم بهذا أن يكون الخطاب بهذين الوصفين ضابطاً مُطَّرداً في معرفة المكي والمدني. ويلاحظ أن بعض من كتب في المكي والمدني جعل من هذا الضابط (الخِطابي) اصطلاحاً ثالثاً أضافه إلى الاصطلاح المكاني والزماني. وجَعْلُ هذا الضابط قولاً ثالثاً في تعريف المكي والمدني ضعيف جدّاً، بل لا يُتصوَّر القول به؛ لأنه لا يُتصور أن يخفى على أحد من أهل العلم أن أكثر السور ـ فضلاً عن الآيات ـ لا يوجد فيها الخطاب بهذين الخطابين، والله أعلم. ٢ - عن عروة بن الزبير (ت٩٤هـ) قال: «كل شيء نزل من القرآن فيه ذكر الأمم والقرون؛ فإنما نزل بمكة. وما كان من الفرائض والسنن؛ فإنما نزل بالمدينة» (١). وهذا الضابط أغلبيٌّ أيضاً؛ لأنه ورد في القرآن المدني شيءٌ من ذكر الأمم والقرون ـ كقصة آدم وإبليس وقصة موسى في سورة البقرة المدنية ـ، لكنه في القرآن المكي أكثر. كما أنه من جهة الفرائض والسنن أغلبي كذلك؛ لأن بعض الأحكام قد فُرِضت بمكة، لكن أكثر الأحكام وتفاصيلها إنما نزلت بالمدينة لما

стр. 106

قامت الدولة الإسلامية، وصار الأمر والنهي فيها للرسول ﷺ ، ولئن كانت بعض الأحكام قد فُرضت بمكة ـ كالزكاة ـ فإن كثيراً من تفاصيلها إنما كان في المدينة. ٣ - كل سورة ورد في أولها أحرف تهجٍ فهي مكية، سوى البقرة وآل عمران والرعد، وفي سورة الرعد خلاف. ٤ - كل سورة ورد فيها لفظ (كلا)، فهي مكية، ولم يرد هذا اللفظ إلا في النصف الثاني من سور القرآن، قال عبد العزيز الديريني (ت٦٩٤هـ) (١): وما نزلت كلا بيثرب فاعلمن ولم تأت في القرآن في نصفه الأعلى (٢) ٥ - كل سورة فيها ذكر المنافقين فهي مدنية؛ لأن النفاق لم يظهر إلا في المدينة. ٦ - كل سورة فيها سجدة فهي مكية. ٧ - كل سورة نزل فيها جدال لأهل الكتاب وذكر لأحوالهم ومخازيهم فهي مدنية.

стр. 107

المبحث الثالث فوائد معرفة المكي والمدني إن علماً اعتنى به الصحابي العالم بالقرآن عبد الله بن مسعود ﵁ (ت٣٢هـ) لجدير بأن يكون من العلوم المهمة، وهو كذلك عند العلماء، وهذه الفوائد التي ذكروها مبنية على الزمان؛ إذ المكي متقدم على المدني قطعاً، وقد أشار الشاطبي (ت٧٩٠هـ) إلى منْزلة المتأخر من المتقدم في النُّزول، فقال: «المدني من السور ينبغي أن يكون مُنَزلاً في الفهم على المكي، وكذلك المكي بعضه مع بعض، والمدني بعضه مع بعض؛ على حسب ترتيبه في التنْزيل، وإلا لم يصحَّ، والدليل على ذلك أن معنى الخطاب المدني في الغالب مبني على المكي، كما أن المتأخر من كل واحد منهما مبني على متقدمه؛ دلَّ على ذلك الاستقراء، وذلك إنما يكون بيان مجمل، أو تخصيص عموم، أو تقييد مطلق، أو تفصيل ما لم يفصل، أو تكميل ما لم يظهر تكميله» (١). ومما يذكر في فوائد معرفة المكي والمدني ما يأتي: أولاً: معرفة الناسخ والمنسوخ (٢): اعتنى بعض العلماء الذين كتبوا في الناسخ والمنسوخ بالمكي والمدني؛ لأن القول بالنسخ مبني على معرفة المتقدم من المتأخر، والمدني ينسخ المكي لا العكس، وقد ذكر الحارث المحاسبي (ت٢٤٣هـ) هذه

стр. 108

العلاقة، فقال: «القسم السادس: ذكر الناسخ والمنسوخ في الأحكام: فأول ذلك معرفة السور المكية والمدنية ليعرف أن ما فيها من الأمر والأحكام نزل بمكة أو بالمدينة، فإذا اختلف كان الذي نزل بالمدينة هو الناسخ؛ لأنه الآخِر في النُّزول» (١). وقال النحاس (ت٣٣٨هـ) في كتابه الناسخ والمنسوخ: «وإنما نذكر ما نزل بمكة والمدينة؛ لأن فيها أعظم الفائدة في الناسخ والمنسوخ؛ لأن الآية إذا كانت مكية، وكان فيها حكم، وكان في غيرها مما نزل بالمدينة حكم غيره = عُلِمَ أن المدنية نسخت المكية» (٢). وقال مكي بن أبي طالب القيسي (ت٤٣٧هـ) في كتابه إيضاح الناسخ والمنسوخ: «ويجب أن تعلم المكي من السور من المدني، فذلك مما يقوي ويفهم معرفة الناسخ والمنسوخ» (٣). ومن آثار السلف الدالة على بناء النسخ على المكي والمدني ما رواه القاسم بن أبي بزة عن سعيد بن جبير قال: «قلت لابن عباس: ألِمَنْ قتل مؤمناً متعمداً من توبة؟ قال: لا. قال: فتلوت عليه هذه الآية التي في الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨] إلى آخر الآية. قال: هذه آية مكية نسختها آية مدنية: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا﴾ [النساء: ٩٣]» (٤).

стр. 109

ثانياً: معرفة الصحيح من الضعيف من التفسير (الترجيح بين الأقوال): إن التفسير وضرب الأمثال لما يصلح دخوله في معنى الآية = أوسعُ من مدلول الزمان في المكي والمدني، لكن قد يقع في بعض الأقوال ما يشير إلى تحديد المراد بالقرآن المكي بحدث مدني يكون هذا الحدث المدنيُّ صحيحاً من جهة التفسير، لكن لا يكون صحيحاً من كونه هو المراد الأول الذي نزلت من أجله الآيات، ومن أمثلة ذلك: ١ - قال ابن عطية (ت٥٤٢هـ) في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١] «قال بعض المفسرين: سبب هذه الآية أن رسول الله ﷺ نزل به ضيف، فلم يكن عنده شيء، فبعث إلى يهودي ليسلفه شعيراً، فأبى اليهودي إلا برهن، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فقال: «والله إني لأمين في السماء، أمين في الأرض»، فرهنه درعه، فنَزلت الآية (١). قال القاضي أبو محمد ﵀: وهذا معترض أن يكون سبباً؛ لأن السورة مكية، والقصة المذكورة مدنية في آخر عمر النبي ﷺ ؛ لأنه مات ودرعه مرهونة بهذه القصة التي ذكرت. وإنما الظاهر أن الآية متناسقة مع ما قبلها، وذلك أن الله تعالى وبَّخهم على ترك الاعتبار بالأمم السابقة، ثم توعدهم بالعذاب المؤجل، ثم أمر نبيه ﷺ بالاحتقار لشأنهم، والصبر على أقوالهم، والإعراض عن أموالهم وما في أيديهم؛ إذ ذلك منصرم عنهم، صائر بهم إلى خزي» (٢). ٢ - قال ابن الجوزي (ت٥٩٧هـ) في قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى *وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥]: «وفي قوله تعالى: ﴿فَصَلَّى﴾ ثلاثة أقوال:

стр. 110

أحدها: أنها الصلوات الخمس؛ قاله ابن عباس ومقاتل. والثاني: صلاة العيدين؛ قاله أبو سعيد الخدري. والثالث: صلاة التطوع؛ قاله أبو الأحوص. والقول قول ابن عباس في الآيتين، فإن هذه السورة مكية بلا خلاف، ولم يكن بمكة زكاة ولا عيد» (١). وإذا تأملت القول بصلاة العيد وجدته يدخل في عموم قوله تعالى: ﴿فَصَلَّى﴾، لكن أن يكون هو المراد لا غيرُه، أو يكون هو المراد أولاً، ففيه النظر الذي ذكره ابن الجوزي (ت٥٩٧هـ)، والله أعلم. ثالثاً: الاستفادة منه في الدعوة إلى الله بتنْزيل المقال على مقتضى الحال: إن القرآن المكي كان يخاطب أغلبية كافرة لا تؤمن بالله ولا باليوم الآخر، فكان الخطاب يكثر فيه ذكر قضايا التوحيد الكلية وما يتعلق بإثبات النبوة والبعث، وغيرها. والقرآن المدني كان يخاطب الدولة المسلمة التي استقرَّ أمرها، وصار الأمر والنهي فيها لرسول الله ﷺ ، فظهر الحديث عن التشريعات والحدود، كما تجد الحديث عن الجهاد والمنافقين وغير ذلك، وكان لكل نوع من هذه الأنواع طريقة في خطابه. فالداعية يستفيد من هذا في تنويع خطابه، فلا يكون خطابه وأسلوب تعامله واحداً لا يتغير، فإن كان يخاطب ملحداً فإن خطابه لا يكون كما يخاطب كافراً مؤمناً بالله، وإذا كان يخاطب كافراً مؤمناً بالله ـ كأهل الكتاب ـ فإنه يختلف في خطابه لهم عن خطابه لمبتدع، وخطابه لمبتدع يختلف عن خطابه لعاصٍ فاسقٍ، وهكذا يُنَزَّل لكل قوم ما يصلح لهم من الخطاب، والله أعلم. • * *
следующие страницы →