وقيل: تعطيهم من ضوئها شيئاً ثم تزول سريعاً؛ كالقرض يُسْتَردُّ، وعلى هذا يكون أصل «تقرضهم» أقرض، ولو كان أصلها أقرض لكان الفعل مضموم التاء «تُقرضهم».
ولما كان الفعل مفتوحاً دل على أنه من الأول.
قال أبو حيان: «وقال أبو علي: معنى تقرضهم: تعطيهم من ضوئها شيئاً ثم تزول [١٠٧] سريعاً، كالقرض يُستردُّ، والمعنى عنده أن الشمس تميل بالغدوة، وتصيبهم بالعشي إصابة خفيفة انتهى.
ولو كان من القرض الذي يعطى ثم يسترد لكان الفعل رباعياً، فكان يكون تُقرضهم بالتاء مضمومة، لكنه من القطع، وإنما التقدير تَقرض لهم؛ أي: تقطع لهم من ضوئها شيئاً» (١). [١٠٨]
* * *
стр. 142
٧ - ما يتعلق بالتقديم والتأخير
الأصل في الكلام تقديم ما حقه التقديم، وتأخير ما حقه التأخير، ولا يعدل عن هذا الأصل إلا بحجة يجب التسليم لها.
قال أبو جعفر النحاس: «التقديم والتأخير إنما يكون إذا لم يجز غيرهما» (١).
وقال أبو عمرو الداني: «التقديم والتأخير لا يصح إلا بتوقيف أو بدليل قاطع» (٢).
وقال شيخ الإسلام: «والتقديم والتأخير على خلاف الأصل، فالأصل إقرار الكلام على نظمه وترتيبه لا تغيير ترتيبه، ثم إنما يجوز فيه التقديم والتأخير مع القرينة، أما مع اللبس فلا يجوز؛ لأنه يلتبس على المخاطب» (٣).
مثال: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى *فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ [الأعلى: ٤، ٥].
الأحوى: شديد السواد، أو الأخضر الضارب إلى السواد من شدة الخضرة.
والغثاء: الهشيم اليابس.
وفي معنى الآية قولان:
الأول: أن الله أخرج المرعى أخضر، ثم جعله من بعد الخضرة هشيماً متكسراً، مائلاً إلى السواد من القدم.
стр. 143
الثاني: أن الله أخرج المرعى أحوى؛ أي: أخضر شديد الخضرة، مائلاً بشدة خضرته إلى السواد، ثم جعله هشيماً متكسراً، ويكون على هذا القول (أحوى) مؤخراً حقه التقديم.
قال ابن جرير الطبري معلقاً على هذا القول: «وهذا القول وإن كان غير مدفوع أن يكون ما اشتدت خضرته من النبات قد تسميه العرب أسود، غير صواب عندي، بخلاف تأويل أهل التأويل في أن الحرف إنما يحتال لمعناه المجرد بالتقديم والتأخير إذا لم يكن له وجه مفهوم إلا بتقديمه عن موضعه، أو تأخيره، فأمَّا وله في موضعه وجه صحيح فلا وجه لطلب الاحتيال لمعناه بالتقديم والتأخير» (١). [١٠٩]
* * *
стр. 144
٨ - ما يتعلق بظاهر القرآن
المراد من هذا أن ظاهر القرآن لا يجوز العدول عنه إلا بدليل يجب الرجوع إليه، أو كما قال الإمام ابن جرير: «غير جائز ترك الظاهر المفهوم من الكلام إلى باطن إلا بدليل» (١).
مثال: قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥].
قال ابن جرير: «يعني بقوله جل ثناءه: ﴿وَإِنَّهَا﴾ وإن الصلاة، فالهاء والألف في «إنها» عائدتان على الصلاة.
وقد قال بعضهم: إن قوله: ﴿وَإِنَّهَا﴾ بمعنى إجابة محمد ﷺ ، ولم يَجْرِ ذلك بلفظ الإجابة ذكر، فتجعل الهاء والألف كناية عنه، وغير جائز ترك الظاهر المفهوم من الكلام إلى باطن لا دلالة على صحته» (٢).
مثال: قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨].
روى الإمام ابن جرير عن السدي أنه قال: «يعنيان العرب».
قال ابن جرير معلقاً على هذا القول: «وهذا قول يدل ظاهر الكتاب على خلافه؛ لأن ظاهره يدل على أنهما دعوا الله أن يجعل من ذريتهما أهل طاعته وولايته والمستجيبين لأمره، وقد كان من ولد إبراهيم العرب وغير العرب، والمستجيب له والخاضع له بالطاعة من الفريقين، فلا وجه لقول من قال: عنى إبراهيم بدعائه ذلك فريقاً من ولده بأعيانهم دون غيرهم إلا التحكم الذي لا يعجز عنه أحد» (٣). [١١٠]
стр. 145
مثال: قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧].
قال الإمام الشنقيطي: «وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ﴾ جمع ميزان، وظاهر القرآن تعدد الموازين لكل شخص؛ لقوله: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [الأعراف: ٨]، وقوله: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ [الأعراف: ٩]، فظاهر القرآن يدل على أن للعامل الواحد موازين يوزن بكل واحد منها صنف من أعماله؛ كما قال الشاعر:
ملك تقوم الحادثات لعدله ... فلكل حادثة ميزان
والقاعدة المقررة في الأصول أن ظاهر القرآن لا يجوز العدول عنه إلا بدليل يجب الرجوع إليه» (١). [١١١]
* * *
стр. 146
٩ - ما يتعلق بطريقة القرآن
والمراد هنا أن اختيار التأويل الموافق لطريقة القرآن الكلية أو الأغلبية أولى من غيره.
وهذا يعني أن طريقة القرآنُ تُرجِّح إحدى التأويلات على غيرها، وقد تُرَدُّ بعض الأقوال لأنها على غير طريقة القرآن ومعهوده في الاستعمال.
مثال: قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ [الطارق: ٨].
في مرجع الضمير في ﴿رَجْعِهِ﴾ قولان:
الأول: أنه يعود إلى الإنسان، ويكون المعنى: قادر على رده للحياة بعد موته.
الثاني: أنه يعود إلى الماء، ويكون المعنى: قادر على رد الماء إلى الصلب ـ على قول ـ أو إلى الإحليل على قول آخر.
وقد صواب ابن القيم القول الأول، ومن أوجه استدلالاته أنه قال: «إنه المعهود من طريقة القرآن من الاستدلال بالمبدأ على المعاد».
ورد الثاني: ومن أوجه استدلالاته في الرد أنه قال: «إنه لم يأت لهذا المعنى في القرآن نظير في موضع واحد» (١).
مثال: قوله تعالى: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥].
قيل: هي آيات القرآن، ومواقعها: نزولها شيئاً بعد شيء.
وقيل: هي النجوم المعروفة في السماء.
стр. 147
وقد علل ابن القيم لهذا القول فقال: «ويرجح هذا أن النجوم حيث وقعت في القرآن فالمراد منها الكواكب؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩]، وقوله: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ﴾ (١) [الأعراف: ٥٤]. [١١٢]
مثال: قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧].
قال الإمام الشنقيطي: «ومثال الإجمال بسبب الاشتراك في فعل قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧]، فإنه مشترك بين إقبال الليل وإدباره، وقد جاءت آية تؤيد أن معناه في الآية أدبر، وهي قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ *وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾ [المدثر: ٣٣، ٣٤] فكون عسعس في الآية بمعنى: أدبر، يطابق معنى آية المدثر هذه كما ترى، ولكن الغالب في القرآن أنه تعالى يقسم بالليل وظلامه إذا أقبل، وبالفجر وضيائه إذا أشرق؛ كقوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى *وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ [الليل: ١، ٢]، وقوله: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا *وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ [الشمس: ٣، ٤]، وقوله: ﴿وَالضُّحَى *وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى: ١، ٢] ... إلى غير ذلك من الآيات، والحمل على الغالب أولى، وهذا هو اختيار ابن كثير، وهو الظاهر، خلافاً لابن جرير» (٢).
وفي قوله تعالى: ﴿قُلْ ادْعُوا اللَّهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَانَ﴾ [الإسراء: ١١٠].
قال ابن القيم:
«وقيل: إن الدعاء ههنا بمعنى التسمية، كقولهم: دعوت ولدي سعيداً.
وادعه بعبد الله ونحوه. والمعنى: سمُّوا ربكم: الله، أو سمُّوه: الرحمن؛ فالدعاء ههنا بمعنى التسمية. وهذا قول الزمخشري. والذي حمله على هذا قوله: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]، فإن المراد بتعدُّده: معنى «أي» وعمومها هنا تعدد الأسماء ليس إلا. المعنى: أي اسم سمَّيتموه به من أسماء الله تعالى؛ إما الله وإما الرحمن فله الأسماء الحسنى؛
стр. 148
أي: فللمسمى سبحانه الأسماء الحسنى. والضمير في «له» يعود إلى المسمى. فهذا الذي أوجب له أن يحمل الدعاء في هذه الآية على التسمية، وهذا الذي قاله هو من لوازم المعنى المراد بالدعاء في الآية وليس هو عين المراد، بل المراد بالدعاء معناه المعهود المطرد في القرآن، وهو دعاء السؤال، ودعاء الثناء، ولكنه متضمن معنى التسمية، فليس المراد مجرد التسمية الخالية من العبادة والطلب؛ بل التسمية الواقعة في دعاء الثناء والطلب.
فعلى هذا المعنى: يصح أن يكون في «تدعوا» معنى: تسمُّوا، فتأمله. والمعنى: أيّاً ما تسموا في ثنائكم ودعائكم وسؤالكم. والله أعلم» (١). [١١٣]
* * *
стр. 149
١٠ - ما يتعلق بإجماع الحجة أو قول الأكثر من الصحابة والتابعين
استخدام ابن جرير في ترجيحاته إجماع الحجة ـ وهو قول الأكثر عنده ـ استخدمه في ترجيح أحد الأقوال أو في تخطئتها.
مثال: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩].
قيل: الأمر لقريش، والناس من عداهم.
وقيل: الأمر للمسلمين، والناس وإبراهيم ﵇، وهو قول الضحاك.
قال ابن جرير الطبري: «والذي نراه صواباً من تأويل هذه الآية، أنه عنى بهذه الآية قريشاً ومن كان متحمساً معها من سائر العرب؛ لإجماع الحجة من أهل التأويل على أن ذلك تأويله» (١).
مثال: قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ [البقرة: ٦٩].
قال أبو الليث: «ويقال: أراد بها البقرة السوداء ...
ولكن هذا خلاف أقاويل المفسرين، وكلهم اتفقوا أنه أراد به اللون الأصفر، إلا قولاً روي عن الحسن البصري» (٢). [١١٤]
* * *
стр. 150
١١ - الترجيح بالاستعمال العربي
المراد بهذه القاعدة أن الاستعمال العربي للفظة أو الأسلوب يكون دليلاً في ترجيح أحد الأقوال على غيرها.
ومن أمثلة ذلك: قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ [البقرة: ٦٩].
رد ابن جرير قول من قال: فاقع: سوداء شديدة السواد.
وقال: «... العرب لا تصف السواد بالفقوع، وإنما تصف السواد ـ إذا وصفته بالشدة ـ بالحلوكة ونحوها، فتقول: هو أسود حالك، وحانك، وحلكوك، وأسود غربيب، ودجوجي، ولا تقول: هو أسود فاقع، وإنما تقول: هو أصفر فاقع. فوصْفُه إياه بالفقوع، من الدليل البين على خلاف التأويل الذي تأول قوله: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ﴾ المتأول بأن معناه سوداء شديدة السواد» (١).
وفي قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [الأحقاف: ١٥].
ذكر الطبري الأقوال في الأشد، وهي:
١ - ثلاثة وثلاثون سنة، وهو قول ابن عباس، وقتادة.
٢ - بلوغ الحلم، وهو قول الشعبي.
ثم قال معلقاً على القولين، ومرجحاً لأحدهما:
«وقد بينا فيما مضى أن الأشد جمع: شد، وأنه تناهي قوته واستوائه، وإذا كان ذلك كذلك، كان الثلاث والثلاثون به أشبه من الحلم؛ لأن المرء لا
стр. 151
يبلغ في حال حلمه كمال قواه، ونهاية شدته، فإن العرب إذا ذكرت مثل هذا الكلام، فعطفت ببعض على بعض جعلت كلا الوقتين قريباً أحدهما من صاحبه، كما قال جل ثناؤه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ﴾ [المزمل: ٢٠] ولا تكاد تقول: أنا أعلم أنك تقوم قريباً من ساعة الليل وكله، ولا أخذت قليلاً من مال أو كله، ولكن تقول: أخذت عامة مالي أو كله، فكذلك ذلك في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [الأحقاف: ١٥] لا شك أن نسق الأربعين على الثلاثة والثلاثين أحسن وأشبه، إذ كان يراد بذلك تقريب أحدهما من الآخر من النسق على الخمس عشرة أو الثمان عشرة» (١). [١١٥]
* * *
стр. 152
١٢ - الترجيح بالسنة النبوية
لا شك أن تفسير النبي ﷺ مقدم على تفسير غيره، ولكن قد يكون في النصوص احتمال؛ فيستند المفسر على السنة النبوية لبيان الأقوى منها، ومن ذلك ما ورد في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠].
أورد ابن جرير في معنى قوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ قولين:
الأول: أنها بمعنى: النفي، بمعنى: ما من مزيد؛ لأنها قد امتلأت، وكأن قولها هذا من باب التأفف من هؤلاء الكفار الذي ألقوا فيها.
الثاني: أنها بمعنى: الاستزادة، وأنها تطلب مزيداً إن كان هناك مزيداً.
ورجح الطبري القول الثاني فقال:
«وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال: هو بمعنى الاستزادة: هل من شيء أزداده؟ وإنما قلنا ذلك أولى القولين بالصواب لصحة الخبر عن رسول الله ﷺ بما حدثني أحمد بن مقدم العجلي، قال: ثنا محمد بن عبد الرحمن الطفاوي، قال: ثنا أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا كان يوم القيامة، لم يظلم الله أحداً من خلقه شيئاً، ويلقى في النار، تقول: هل من مزيد؟ حتى يضع عليها قدمه، فهنالك يملؤها، ويزوي بعضها إلى بعض، وتقول: قطْ قطْ»».
ثم قال بعد أن سرد غير هذا الخبر: «ففي قول النبي ﷺ : «لا تزال جهنم تقول: هل من مزيد؟»، دليل واضح على أن ذلك بمعنى الاستزادة لا بمعنى النفي؛ لأن قوله: «لا تزال» دليل على اتصال قول بعد قول» (١). [١١٦]
стр. 153
١٣ - التأسيس أولى من التأكيد
المراد بهذه القاعدة أن الكلام إذا دار بين التأسيس والتأكيد حُمِل على التأسيس.
ومن أمثلة هذه القاعدة قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧].
للعلماء في المراد بالحياة الطيبة قولان:
الأول: أنها في الدنيا.
الثاني: أنها في الآخرة، بدخول الجنة.
فإذا قيل بالقول الأول كأن تأسيساً، وإذا قيل بالثاني كان تكراراً؛ لأنه جاء بعده قوله تعالى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ ... أي: في الآخرة، وعلى هذا فالأول أرجح (١).
وفي قوله تعالى: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [النور: ٤١] للعلماء في ضمير الفاعل المحذوف في قوله: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ قولان:
الأول: أنه يرجع إلى المصلي والمسبح.
الثاني: أنه يرجع إلى الله سبحانه.
والأول أرجح بناء على هذه القاعدة؛ لأن القول الثاني يكون من باب التكرار؛ فيكون قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ مؤكداً للجملة السابقة (٢). [١١٧]
стр. 154
١٤ - الأصل في الضمير أن يعود إلى أقرب مذكور
المراد بهذه القاعدة أن الضمائر ـ ويلحق بها ما يناسب قاعدة الضمير من أسماء الإشارة وما شابهها ـ إذا احتمل عودها إلى أكثر من مذكور، فالأصل عودها إلى أقرب مذكور.
من أمثلة رجوع الضمير لأقرب مذكور قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ *سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ * لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ ... الآية [الرعد: ٩، ١١].
قال ابن جرير الطبري: «وأولى القولين في ذلك بالصواب، قول من قال: الهاء في قوله: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾ من ذكر (مَنْ) التي في قوله: ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾ وأن المعقبات من بين يديه، ومن خلفه، هي حرسه وجلاوزته، كما قال ذلك من ذكرنا قوله.
وإنما قلنا ذلك أولى القولين بالصواب؛ لأن قوله: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾ أقرب إلى قوله: ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾ منه إلى ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾؛ فهي لقربها منه أولى بأن تكون من ذكره» (١).
ومن أمثلة اسم الإشارة قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى﴾ [الأعلى: ١٨].
ذكر ابن عطية في مرجع اسم الإشارة ثلاثة أقوال، وهي:
стр. 155
١ - القرآن.
٢ - معاني السورة.
٣ - يرجع إلى الفلاح وإيثار الناس للدنيا.
ثم رجع الثالث بقوله: «وهذا هو الأرجح؛ لقرب المشار إليه» (١). [١١٨]
* * *
стр. 156
١٥ - الأصل توافق الضمائر في المرجع حذراً من التشتت (١)
المراد بهذه القاعدة أن الضمائر التي يحتمل رجوعها إلى مرجع واحد، ويحتمل توزيعها على أكثر من مرجع، فإن الأولى رجوعها إلى مرجع واحد؛ لأن في توزيعها على أكثر من مرجع تفكيكاً للنظم.
ومن أمثلة هذه القاعدة قوله تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ [الفتح: ٩]، اختلف العلماء في مرجع الضمائر في قوله: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ بعد إجماعهم على أن الضمير في ﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾ عائد إلى الله .
فقال بعض العلماء: مرجع الضمائر إلى الرسول ﷺ .
وقال آخرون: مرجعها إلى الله سبحانه.
وبناء على هذه القاعدة يكون الراجح القول الثاني، وقد اختاره الزمخشري بناء على هذه القاعدة (٢).
ومن أمثلة قوله تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّيءُ نَفْسِي﴾ [يوسف: ٥٣].
قيل: هو من كلام يوسف، وقيل: هو تمامٌ لكلام امرأة العزيز، وهذا هو الصواب، ومن أدلة ترجيح هذا القول ما قاله ابن القيم: «الصواب أنه من تمام كلامها، فإن الضمائر كلها في نسق واحد يدل عليه. وهو قول النسوة: ﴿مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ [يوسف: ٥١]، وقول امرأة العزيز: ﴿أَنَا رَاوَدْتُّهُ عَنْ
стр. 157
نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٥١]، فهذه خمس ضمائر بين بارز ومستتر، ثم اتصل بها قوله: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ [يوسف: ٥٢] فهذا هو المذكور أولاً بعينه، فلا شيء يفصل الكلام من نظمه، ويُضْمَرُ فيه قول لا دليل عليه» (١). [١١٩]
* * *
стр. 158
١٦ - الأصل عدم التقدير ولا يلجأ إليه إلا بحجة يجب الرجوع إليها تثبت هذا المحذوف (١)
المراد بهذه القاعدة أن الخطاب إذا كان يفهم من غير حاجة إلى تقدير مقدر فلا معنى لهذا التقدير.
ومن أمثلة هذه القاعدة قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاَفٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣].
للعلماء في هذه الأحكام قولان:
الأول: أن الإمام مخير بينها، فيفعل بالمحارب أحد هذه العقوبات.
الثاني: أن هناك مضمراً مقدراً، وهي على التفصيل، فإن قَتَل قُتِلَ، وإن قَتَلَ وأخَذَ المال قُتِلَ وصُلِبَ، وإن أخَذَ المال ولم يقتل تُقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإن أخافوا السبيل فقط، ينفوا من الأرض.
وبناء على هذه القاعدة فالأول أرجح؛ لأن الأصل عدم التقدير، وهذه التقديرات زيادة تحتاج إلى نص من كتاب أو سنة (٢).
ومن الأمثلة: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢].
قال أبو حيان: «وقد ركبوا وجوهاً من الإعراب في قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ والذي نختاره منها أن قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ جملة مستقلة من
стр. 159
مبتدأ وخبر؛ لأنه متى حمل الكلام على غير إضمار ولا افتقار كان أولى من أن يسلك به الإضمار والافتقار» (١).
ومن الأمثلة قوله تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّيءُ نَفْسِي﴾ [يوسف: ٥٣].
قيل: هو من قول يوسف، وقيل: من قول امرأة العزيز، والثاني هو الصواب، ومن [١٢٠] الأدلة المرجحة لذلك؛ أنه متصل بكلام المرأة، وهو قولها: ﴿... الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَمَا أُبَرِّيءُ نَفْسِي﴾ [يوسف: ٥١ - ٥٣]، ومن جعله من قوله فإنه يحتاج إلى إضمار قول لا دليل عليه في اللفظ بوجه ما. والقول في مثل هذا لا يحذف؛ لئلا يوقع في اللباس. فإن غايته: أن يحتمل الأمرين. فالكلام الأول أولى به قطعاً (٢). [١٢١]
* * *
стр. 160
كليات القرآن
المراد بكليات القرآن ما يطلقه بعض المفسرين على لفظ أو أسلوب بأنه يأتي في القرآن على معنى مطرد (١).
وهذه الإطلاقات الكُليّة تبيِّن مصطلحات القرآن في الألفاظ والأساليب، فيكون اللفظ الكلي مصطلحاً قرآنياً خاصّاً.
ولا تكون هذه الإطلاقات إلا بعد استقراءٍ للقرآن، وهذه الأحكام بعد الاستقراء إما أن تكون كلية لا تنخرم، وعليه فهي قاعدة مرجحة عند الاختلاف؛ لأن الاستقراء التام حجة (٢)، أو تكون منخرمة بأمثلة فيبيِّن المفسِّر هذه الأمثلة، وعلى هذا تكون الأحكام أغلبية، ويمكن الاستفادة منها في الترجيح ـ كما سيأتي ـ.
وقد كان لمفسري الصحابة والتابعين ثم من جاء بعدهم عنايةٌ بهذه الكليات، وكان أول من ذُكِر عنه أنه جمعها في كتاب الإمام اللغوي أحمد بن فارس (ت:٣٩٥هـ)، في كتابه الموسوم «بالأفراد» (٣)، وقد بقي من هذا الكتاب نقولات نقلها الزركشي في «البرهان في علوم القرآن» (٤)، والسيوطي في «الإتقان» (٥)، و «معترك الأقران» (٦)، وقد زاد السيوطي عليها شيئاً قليلاً.
стр. 161
وللراغب في «مفرداته» اهتمام بهذه الكليات، وقد جمعها في الفهرس محقق المفردات «صفوان داوودي» (١).
ولأبي البقاء في «كلياته» عناية بهذه الكليات، حيث ذكر تحت كل لفظة قرآنية كلياتها إن وجد (٢)، [١٢٢]
وقد خصَّها بمبحثٍ في مقدمة كتابه العلامة الطاهر بن عاشور وسماه: «عادات القرآن» (٣).
وإليك الآن سَوْقُ أمثلة لهذه الكليات كما ذُكِرت عن المفسرين.
أولاً: كليات الألفاظ:
١ - قال ابن عباس، وابن زيد: «كل شيء في القرآن رجز فهو عذاب» (٤).
٢ - قال مجاهد: «كل ظن في القرآن فهو علم» (٥).
٣ - قال سفيان بن عيينة: «ما سمَّى الله مطراً في القرآن إلا عذاباً» (٦).
٤ - قال ابن زيد: «التزكي في القرآن كله الإسلام» (٧).
٥ - قال مجاهد: «كل ما في القرآن: قُتِل الإنسان، أو فُعِل بالإنسان، فإنما عني به الكافر» (٨).
٦ - قال الفراء: «كَتَبَ في القرآن بمعنى: فرض» (٩).
стр. 162
٧ - قال ابن فارس: «ما في القرآن من ذكر البعل فهو الزوج؛ كقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] إلا حرفاً واحداً في الصافات: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلاً﴾ [الصافات: ١٢٥] فإنه أراد صنماً» (١).
٨ - قال الراغب: «التثويب في القرآن لم يجئ إلا في المكروه» (٢).
٩ - قال الراغب: «كل موضع مدح الله تعالى بفعل الصلاة أو حثَّ عليه ذُكِر بلفظ الإقامة» (٣). [١٢٣]
١٠ - قال الطاهر بن عاشور: «والنداء إلى الصلاة هو الأذان، وما عبر عنه في القرآن إلا النداء» (٤).
١١ - وقال: «وأريد بالكفار في قوله: «الكفار» المشركون، وهذا اصطلاح القرآن في إطلاق لفظ الكفار» (٥).
ومما عبِّر بأنه يكثر أو يغلب في القرآن قول الإمام الشنقيطي:
«ويكثر في القرآن ذكر إكرام أهل الجنة بكونهم مع نسائهم دون الامتنان عليهم بكونهم مع نظرائهم وأشباههم في الطاعة» (٦).
وقال: «ويكثر في القرآن إطلاق مادة الزكاة على الطهارة» (٧).
ثانياً: كليات الأسلوب:
١ - قال الشاطبي: «إذا ورد في القرآن الترغيب قارنه الترهيب في لواحقه أو سوابقه أو قرائنه، وبالعكس، وكذلك الترجية مع التخويف» (٨).
стр. 163
٢ - قال ابن القيم: «وهذه طريقة القرآن يقرن بين أسماء الرجاء وأسماء المخافة، كقوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾» (١) [المائدة: ٩٨].
٣ - وقال: «وهو سبحانه إذا ذكر الفلاح علَّقه بفعل المفلح؛ كقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾» (٢) [المؤمنون: ١، ٢].
٤ - قال الشنقيطي: «قوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الأحقاف: ٢] قد دلَّ استقراء القرآن العظيم على أن الله جل وعلا إذا ذكر تنزيله لكتابه أتبع ذلك ببعض أسمائه الحسنى [١٢٤] المتضمنة صفاته العليا» (٣).
٥ - قال الشاطبي: «كل حكاية وقعت في القرآن فلا يخلو أن يقع قبلها أو بعدها ـ وهو الأكثر ـ ردٌّ لها، أولاً؛ فإن وقع فلا إشكال في بطلان ذلك المحكي وكذبه، وإن لم يقع معها فذلك دليل على صحة المحكي وصدقه» (٤).
مثال الأول: قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١٦].
ومثال الثاني: قول العزيز ـ فيما حكاه الله عنه ـ: ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٨].
وقول الهدهد ـ فيما حكاه الله عنه ـ: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣].
٦ - قال ابن عطية: «سبيلُ الواجبات الإتيانُ بالمصدر مرفوعاً؛ كقوله: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨]. وسبيلُ المندوبات الإتيانُ به منصوباً؛ كقوله: ﴿فَضَرْبَ
стр. 164
الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤]؛ ولهذا اختلفوا: هل كانت الوصية للزوجات واجبة لاختلاف القراءة في قوله تعالى: ﴿وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٤٠] بالرفع والنصب؟
قال أبو حيان: والأصلُ في هذه التفرقة قوله تعالى: ﴿قَالُوا سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ﴾ [هود: ٦٩]؛ فإنَّ الأول مندوب، والثاني واجب؛ والنكتةُ في ذلك أنّ الجملة الاسمية أوْكد وأثبت من الفعلية» (١). [١٢٥]
* * *
стр. 165
توجيه القراءات وأثره في التفسير
من المعلوم أن القراءات قسمان: متواترة، وشاذة.
وقد دوَّن العلماء هذه القراءات المتواترة وحفظوا أسانيدها بحيث لا يمكن زيادة شيء على المتواتر أو النقص منه. وظهر علم يتعلق بهذه القراءات وهو: توجيه القراءات، ويسمى: علل القراءات، أو الاحتجاج للقراءات.
والمراد بهذا العلم: بيان وجه القراءة من حيث العربية، ومعرفة الفروق بين القراءات المختلفة. وليس يعني هذا أن القراءات محتاجة إلى توثيق، بل هي حجة، كما قال ابن جني: «والقرآن يُتخير له ولا يُتخير عليه» (١).
وقال الصفاقسي في «غيث النفع»: «القراءة لا تتبع العربية، بل العربية تتبع القراءة؛ لأنها مسموعة من أفصح العرب بإجماع، وهو نبينا ﷺ ، ومن أصحابه ومن بعدهم» (٢). والتوجيه يكون للأداء، وللإعراب، وللصرف، وللغة، وللمعنى.
والمراد هنا ما يتعلق بالمعنى؛ لأنه هو المؤثِّر في التفسير، حيث يختلف المعنى باختلاف القراءة. ومن الكتب التي اعتنت بتوجيه القراءات: [١٢٦]
١ - «الحجة في القراءات السبع»، لابن خالويه (ت:٣٧٠هـ).
٢ - «معاني القراءات»، لأبي منصور الأزهري (ت:٣٧٠هـ).
٣ - «الحجة للقراءات السبعة»، لأبي علي الفارسي (ت:٣٧٧هـ).
стр. 166
٤ - «المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات، والإيضاح عنها»، لأبي الفتح عثمان بن جني (ت:٣٩٢هـ).
٥ - «الكشف عن وجوه القراءات السبعة وعللها وحججها»، لمكي ابن أبي طالب (ت:٤٣٧هـ).
٦ - «حجة القراءات»، لأبي زرعة عبد الرحمن بن زنجلة (القرن الخامس).
ومن كتب المتأخرين:
١ - «طلائع البشر في توجيه القراءات العشر»، لمحمد الصادق القمحاوي.
٢ - «القراءات الشاذة وتوجيهها في لغة العرب»، لعبد الفتاح القاضي.
٣ - «المغني في توجيه القراءات العشر المتواترة»، لمحمد سالم محيسن.
وأما كتب التفسير، فالمطوَّلات لا تخلو من توجيه القراءات؛ كتفسير ابن جرير الطبري، وتفسير ابن عطية، والقرطبي، وأبي حيان، والرازي، والشنقيطي، والطاهر بن عاشور ... إلخ.
أنواع الاختلاف في القراءات: الاختلاف في القراءات ثلاثة أنواع:
الأول: اختلاف اللفظ والمعنى واحد.
ومثال هذه النوع: اختلافهم في قراءة «الصراط» فمنهم من قرأ بالصاد، ومنهم من قرأ بالسين.
وكذا اختلافهم في: «عليهمُ، عليهِم»، و «القُدُس، القُدْس» وغيرها. [١٢٧]
الثاني: اختلاف اللفظ والمعنى، مع جواز اجتماعهما في شيء واحد.
ومثال ذلك: اختلافهم في قراءة: «ملك» و «مالك» وقراءة «بظنين» و «بضنين»، ففي مثل هذه الحالة يثبت للشيء الواحد معنيان.
ففي قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] و «مالك يوم الدين» يكون وصف الله بأنه مالك وملك، وبين هذين اللفظين اختلاف في المعنى والمرجع واحد.
وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير: ٢٤] و «بظنين» يكون وصفُ رسولِ الله ﷺ بعدم البخل، وبنفي الاتهام عنه.
стр. 167
الثالث: اختلاف اللفظ والمعنى، مع امتناع اجتماعهما في شيء واحد، بل يتفقان من وجه آخر لا يقتضي التضاد. مثل قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ *وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر: ٢٥، ٢٦] فقرئ: «يعذِّب» و «يعذَّب» و «يوثِق» و «يوثَق»، ولكل قراءة توجيه يختلف عن الآخر.
ومثله ما يقرأ في لفظة: «يرجعون» و «ترجعون»، بالياء أو التاء، فالمعنى فيها يختلف (١). وهذا النوع يكون بمثابة التفسيرين ـ كما سيأتي ـ.
قواعد في القراءات:
١ - القراءتان في الآية ـ إذا ظهر تعارضهما ـ لهما حكم الآيتين، وصارت بمثابة اختلاف التنوع (٢).
ومثال هذا قوله تعالى: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج: ١٥] برفع المجيد وجرِّه. فبالرفع يكون: «المجيدُ» صفة لذو. وبالجرّ يكون: «المجيدِ» صفة للعرش، وعلى هذا، فهاتان القراءتان لهما حكم الآيتين.
وهذه القاعدة تأتي في النوع الثالث الذي سبق ذكره. [١٢٨]
٢ - القراءات إذا لم يظهر تعارضها وعادت إلى ذات واحدة فهي زيادة في الحكم لهذه الذات بمعنى هذه القراءات.
ومثال هذه: قوله تعالى: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف: ٨٦]. قرئت: ﴿حَمِئَةٍ﴾ و «حامية»، فمن قرأ: «حامية» فهي بمعنى: حارة، ومن قرأ: ﴿حَمِئَةٍ﴾ فهي من الحمأة: الطين المنتن المتغير اللون، قال ابن زنجلة: وهذا القول؛ أي: اختيار ﴿حَمِئَةٍ﴾ لا ينفي قول من قرأها: «حامية» إذ كان جائزاً أن تكون العين التي تغرب الشمس فيها حارة، وقد تكون حارة وذات حمأة وطينة سوداء، فتكون موصوفة بالحرارة وهي ذات حمأة (٣). وهذه القاعدة تأتي في النوع الثاني الذي سبق ذكره.
стр. 168
٣ - القراءات يبين بعضها بعضاً:
مثاله: قوله تعالى: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُّمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]. قرأ حمزة والكسائي وشعبة وعاصم: «عَقَدتم» بالتخفيف بلا ألف، وقرأ ابن ذكوان عن ابن عامر «عاقدتم» بألف بوزن فاعل. وقرأ الباقون: ﴿عَقَّدْتُّمُ﴾ بالتشديد من غير ألف.
والتضعيف والمفاعلة معناها مجرد الفعل، بدليل قراءة «عقدتم» بلا ألف ولا تضعيف، والقراءات يبين بعضها بعضاً (١).
• وأخيراً ـ لا يخفى عليك ـ أيها القارئ ما بين هذه القواعد من التداخل، وإنما فصلتها قصداً للتنويع، وإن كانت هي وما قبلها من باب واحد كذلك.
ولعله بعد هذا النقل يتبيَّن لك أن القراءات تثري التفسير وتزيده بالمعاني المختلفة التي قد لا تدل عليه قراءة واحدة. وإليك بعض الأمثلة التي تبين لك لطف هذا الباب وزينته من بعض كتب توجيه القراءات: [١٢٩]
• في قوله تعالى: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ [الأنعام: ٨٣] قرئ: «درجات» بالتنوين، و «درجاتِ» بالكسر على الإضافة.
فمن قرأ: ﴿دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ فالمرفوع هم أصحاب الدرجات.
ومن قرأ: «درجاتِ» فالمرفوع هي الدرجات.
قال مكي: «فالقراءتان متقاربتان؛ لأن من رُفعت درجاته فقد رُفع، ومن رُفع فقد رُفعت درجاته» (٢).
• وفي قوله تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩] قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب: «ننشرها» بالراء.
وقرأ الباقون: ﴿نُنْشِزُهَا﴾ بالزاي.
стр. 169
قال أبو منصور: من قرأ: ﴿نُنْشِزُهَا﴾ بالزاي فالمعنى: نجعلها بعد بلاها وهمودها ناشزة، تنشز بعضها إلى بعض؛ أي: ترتفع، مأخوذة من نشز، والنشز: ما ارتفع من الأرض. ومن قرأ: «ننشرها» بالراء فمعناه: نحييها، يقال: أنشر الله الموتى؛ أي: أحياهم فنشروا؛ أي: حَيَوا» (١).
• وفي قوله تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢].
قرئ: «بل عجبتُ» بالضم، وحجته: أنه من إخبار الله عن نفسه.
وقرئ: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ بالفتح، وحجته: أنه جعل التاء للنبي ﷺ (٢). [١٣٠]
* * *
стр. 170
المراجع
١ - «الإتقان في علوم القرآن»: جلال الدين السيوطي (٩١١هـ)، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، المكتبة العصرية، صيدا، بيروت، ١٤٠٧هـ.
٢ - «أحمد بن فارس، وريادته في البحث اللغوي»: هادي حسن حمودي، عالم الكتب، ط١، ١٤٠٧هـ.
٣ - «الإشارة إلى الإيجاز في بعض أنواع المجاز»: عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام (٦٦٠هـ)، المكتبة العلمية بالمدينة المنورة.
٤ - «أصول في التفسير»: الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين، دار ابن القيم، ط١، ١٤٠٩هـ.
٥ - «الأصول من علم الأصول»: محمد بن صالح بن عثيمين، مؤسسة الرسالة، مكتبة الرشد، ط٣، ١٤٠٦هـ.
٦ - «أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن»: محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي (١٣٩٣هـ)، ط. الرئاسة العامة لإدارة البحوث العلمية ... الرياض، ١٤٠٣هـ.
٧ - «إعراب القرآن»: أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل النحاس (٣٣٨هـ) تحقيق: زهير غازي زاهد، عالم الكتب، مكتبة النهضة العصرية ط٢، ١٤٠٥هـ.
٨ - «اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم»: أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية (٧٢٨هـ) تحقيق: د. ناصر بن عبد الكريم العقل، مكتبة الرشيد، الرياض، ط١، ١٤٠٤هـ.
٩ - «إنباه الرواة إلى أنباء النحاة»: الوزير جمال الدين أبو الحسن علي بن يوسف القفطي (٦٢٤هـ) تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار الفكر العربي، القاهرة، مؤسسة الكتاب الثقافية، بيروت ط١، ١٤٠٦هـ.
стр. 171
١٠ - «الإنصاف في التنبيه على المعاني والأسباب التي أوجبت الاختلاف بين المسلمين في آرائهم»: ابن السيد البطليوسي (٥٢١هـ) تحقيق: د. محمد رضوان الداية، دار الفكر ط٣، ١٤٠٧هـ.
١١ - «الإنصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال» (بحاشية الكشاف): ناصر الدين أحمد بن محمد بن المنير الإسكندري، دار المعرفة.
١٢ - «البحر المحيط»: محمد بن يوسف الشهير بأبي حيان الأندلسي، دار الفكر، ط٢، ١٤٠٣هـ.
١٣ - «البرهان في علوم القرآن»: بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعرفة.
١٤ - «التبيان في أقسام القرآن»: ابن قيم الجوزية، تحقيق: طه يوسف شاهين، دار الكتب العلمية، ١٤٠٢هـ.
١٥ - «التحرير والتنوير»: الطاهر ابن عاشور، الدار التونسية، ١٩٨٤م.
١٦ - «التسهيل لعلوم التنزيل»: محمد بن أحمد بن جزي الكلبي، دار الكتاب العربي ط٢، ١٣٩٣هـ.
١٧ - «تفسير آيات أشكلت»: مخطوط، شيخ الإسلام أحمد بن عبد السلام بن تيمية (٧٢٨هـ).
١٨ - «تفسير ابن أبي حاتم»: أبو محمد عبد الرحمن ابن أبي حاتم الرازي (٣٢٧هـ) تحقيق: د. أحمد عبد الله العماري الزهراين، الدار المدنية.
١٩ - «تفسير القرآن الكريم»: أبو الليث نصر بن محمد بن أحمد السمرقندي (٣٧٥هـ) تحقيق: د. عبد الرحيم أحمد الزقة، مطبعة الإرشاد، بغداد ط١، ١٤٠٥هـ.
٢٠ - «التفسير القيم للإمام ابن القيم»: جمع: محمد أويس الندوي تحقيق: محمد حامد الفقي، مكتبة السنة المحمدية.
٢١ - «التفسير الكبير»: تقي الدين أحمد بن عبد السلام بن تيمية (٧٢٨هـ)، عبد الرحمن عميرة دار الكتب العلمية، ١٤٠٨هـ.
٢٢ - «التمهيد في أصول الفقه»: محفوظ بن أحمد بن الحسن الكلوذاني، تحقيق: محمد بن علي بن إبراهيم، مركز البحث العلمي، جامعة أم القرى.
стр. 172
٢٣ - «تهذيب اللغة»: أبو منصور محمد بن أحمد الأزهري (٣٧٠هـ) تحقيق: أ. علي حسن هلالي، الدار المصرية للتأليف والترجمة.
٢٤ - «الجامع لأحكام القرآن»: أبو عبد محمد بن أحمد القرطبي (٦٧١هـ) تحقيق: أ. علي حسن هلالي، الهيئة المصرية العامة للكتاب ١٩٨٧م.
٢٥ - «جامع البيان عن تأويل القرآن»: أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (٣١٠هـ)، شركة البابي الحلبي، ط٣.
٢٦ - «جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على محمد خير الأنام»: أبو عبد الله محمد بن أبي بكر ابن القيم الجوزية (٧٥١هـ)، تحقيق: شعيب وعبد القادر الأرناؤوط، دار العروبة للنشر والتوزيع ط٢، ١٤٠٧هـ.
٢٧ - «الحجة في القراءات السبع»: حسين بن أحمد بن خالويه (٣٧٠هـ)، تحقيق: عبد العال سالم مكرم، دار الشروق، ط٢، ١٣٩٧هـ.
٢٨ - «حجة القراءات»: أبو زرعة عبد الرحمن بن محمد بن زنجلة، تحقيق: مؤسسة الرسالة، ط٤، ١٤٠٤هـ.
٢٩ - «دراسات في التفسير الموضوعي للقصص القرآني»: أحمد جمال العمري، مكتبة الخاندي، ١٤٠٦هـ.
٣٠ - «دراسات لأسلوب القرآن الكريم»: محمد عبد الخالق عضيمة، دار الحديث، ط١، ١٣٩٢هـ.
٣١ - «الدر المنثور في التفسير بالمأثور»:: عبد الرحمن جلال الدين السيوطي، دار الفكر، ط١، ١٤٠٣هـ.
٣٢ - «دقائق التفسير الجامع لتفسير ابن تيمية»: تحقيق: د. محمد السيد الجليند، مؤسسة علوم القرآن، دمشق، ط٢، ١٤٠٤هـ.
٣٣ - «روح المعاني»: أبو الفضل شهاب الدين محمود الألوسي (١٢٧٠هـ)، إدارة الطباعة المنيرية.
٣٤ - «روضة المحبين ونزهة المشتاقين»: شمس الدين ابن قيم الجوزية، دار الكتب العلمية، بيروت.
٣٥ - «زاد المسير في علم التفسير»: أبو الفرج جمال الدين عبد الرحمن بن علي الجوزي (٥٩٧هـ) تحقيق: محمد عبد الرحمن عبد الله، دار الفكر، ط١، ١٤٠٧هـ.
стр. 173
٣٦ - «السنّة»: محمد بن نصر المروزي، تحقيق: أبي محمد سالم بن أحمد السلفي، مؤسسة الكتب الثقافية، ط١، ١٤٠٨هـ.
٣٧ - «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة»: أبو القاسم هبة الله بن الحسن اللالكائي (٤١٨هـ) تحقيق: د. أحمد سعد حمدان، دار طيبة.
٣٨ - «شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل»: شمس الدين محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية (٧٥١هـ) دار الكتب العلمية، ط١، ١٤٠٧هـ.
٣٩ - «طبقات المفسرين»: الحافظ شمس الدين محمد الداودي (٩٤٥هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت.
٤٠ - «طبقات النحويين واللغويين»: أبو بكر محمد بن الحسن الزبيدي الأندلسي (٣٧٩هـ)، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، ط٢.
٤١ - «فتح الباري بشرح صحيح البخاري»: الحافظ ابن حجر العسقلاني (٨٥٢هـ)، محب الدين الخطيب وآخرون، دار الريان، القاهرة، ط١، ١٤٠٧هـ.
٤٢ - «فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية في علم التفسير»: محمد بن علي الشوكاني، مطبعة البابي الحلبي، ط٢، ١٣٨٣هـ.
٤٣ - «القاموس المحيط»: مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزآبادي (٨١٧هـ): تحقيق: مكتب تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة، مؤسسة الرسالة، ط٢، ١٤٠٧هـ.
٤٤ - «القطع والائتناف»: أبو جعفر النحاس، تحقيق: أحمد خطاب العمر، مطبعة العاني، بغداد، ط١، ١٣٩٨هـ.
٤٥ - «الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل»: أبو القاسم جار الله محمد بن عمر الزمخشري (٥٣٨هـ)، دار المعرفة، بيروت.
٤٦ - «الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها ووجوهها»: أبو محمد مكي بن أبي طالب القيسي (٤٣٧هـ)، تحقيق: د. محيي الدين رمضان، مؤسسة الرسالة، ط٣، ١٤٠٤هـ.
стр. 174
٤٧ - «الكليات»: أبو البقاء أيوب بن موسى الحسيني الكفوي (١٠٩٤هـ)، تحقيق: عدنان درويش، محمد المصري، مؤسسة الرسالة ط١، ١٤١٢هـ.
٤٨ - «القواعد الحسان لتفسير القرآن»: عبد الرحمن بن ناصر السعدي، مكتبة المعارف، ١٤٠٠هـ.
٤٩ - «مجاز القرآن»: أبو عبيدة معمر بن المثنى البصري (٢١٠هـ)، تحقيق: د. محمد فؤاد سزكين، مكتبة الخانجي، دار الفكر، ط٢، ١٣٩٠هـ.
٥٠ - «مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية»: جمع: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، تصوير الطبعة الأولى، ١٣٩٨هـ.
٥١ - «المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز»: أبو محمد عبد الحق بن عطية الأندلسي (٥٤١هـ)، تحقيق: عبد الله بن إبراهيم الأنصاري، السيد عبد العال إبراهيم، مؤسسة دار العلوم، ط١.
٥٢ - «مذكرة أصول الفقه»: محمد الأمين بن المختار الشنقيطي (١٣٩٣هـ)، دار القلم، بيروت.
٥٣ - «مشكل إعراب القرآن»: أبو محمد مكي بن أبي طالب القيسي (٤٣٧هـ)، تحقيق: د. حاتم صالح الضامن، مؤسسة الرسالة، ط٢، ١٤٠٥هـ.
٥٤ - «معاني القراءات»: أبو منصور محمد بن أحمد الأزهري (٣٠٧هـ)، تحقيق: د. عيد مصطفى درويش، د. عوض حمد التوزي، دار المعارف، ط١، ١٤١٢هـ.
٥٥ - «معاني القرآن الكريم»: أبو جعفر النحاس، تحقيق: محمد بن علي الصابوني، مركز إحياء التراث الإسلامي، جامعة أم القرى، ط١.
٥٦ - «معاني القرآن وإعرابه»: أبو إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج (٣١١هـ)، تحقيق: د. عبد الجليل عبده شلبي، عالم الكتب، ط١، ١٤٠٨هـ.
٥٧ - «معترك الأقران في إعجاز القرآن»: جلال الدين السيوطي، تحقيق: علي محمد البجاوي، دار الفكر العربي.
٥٨ - «معجم الأدباء»: ياقوت، دار الفكر، ١٤٠٠هـ.
٥٩ - «معجم مقاييس اللغة»: أبو الحسين أحمد بن فارس (٣٩٥هـ)، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، دار الكتب العلمية.
стр. 175
الفوائد (*):
١ - لا يزال احتمال اكتشاف موضوعات جديدة في هذه العلم [علوم القرآن] قائماً، ومن ذلك ظهور (علم التفسير والموضوعي)، و (علم مناهج المفسرين)، وغيرها. (١٧).
٢ - إن مما يعين في التحقيق، ويثري البحث، الرجوع إلى ما كتبه المتقدمون ممن نقل عنهم الزركشي والسيوطي؛ لأنهما في الغالب يلخَّصان مسائل الكتاب، وقد يكون فيما تركوا من مسائله علم يحتاج إليه في علوم القرآن. (١٩)
٣ - ومما يعين كذلك جرد مصنفات الحديث وكتب الآثار لتحصيل ما فيها من الأحاديث والآثار في موضوعات (علوم القرآن). (١٩)
٤ - يدور محور الدراسة في هذا العلم [أصول التفسير] بين أمرين: كيف فُسر القرآن؟ وكيف نفسِّر القرآن؟ (٢١).
٥ - في حديث عائشة ﵂، قالت: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الأَلْبَابِ﴾ [سورة آل عمران:٧] قالت: قال رسول الله ﷺ : ((فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم))، وجدت أنه أصل في أصول التفسير؛ لأنه يتضمن الفائدة الكبرى من أصول التفسير:
الأولى: معرفة القول الصواب وتمييزه عن غيره.
الثانية: معرفة القول الخطأ بأنه خطأ، وإلا لما أمكن الحذر منه.
وغاية أصول التفسير تمييز الصواب من الخطأ، والبرهان على ذلك بالعلم الصحيح. (٢٢ - ح).
стр. 176
٦ - ليس هناك تحديد دقيق لموضوعات هذا العلم [أصول التفسير]، وذلك لأن النظر إلى موضوع (أصول التفسير) يختلف من مؤلف إلى آخر. ٢٥
٧ - تعلم التفسير واجب على الأمة من حيث العموم، فلا يجوز أن تخلو الأمة من عالم بالتفسير يعلم الأمة معاني كلام ربها.
أما الأفراد فعلى كل منهم واجب منه، وهو ما يقيمون به فرائضهم، ويعرفون به ربهم. (٢٨)
٨ - اشتهر استعمال مصطلح "المقارن" في الدراسات المعاصرة، والصحيح لفظ (الموازن)، لأن المقارن من مادة (قرن) التي تعني القرن بين الشيئين، أي الربط بينهما، وما يقوم به من يعمل ما يسمى بالمقارنة إنما هو موازنة. (٣٢ - ح).
٩ - وقد اعتنى بهذا الطريق [تفسير القرآن بالقرآن] من السلف عبدالرحمن بن زيد بن أسلم ... وكان لابن كثير عناية بهذا الطريق في تفسيره. (٣٦).
١٠ - أفضل مؤلَّف موجود الآن في هذا النوع [تفسير القرآن بالقرآن] كتاب الإمام الشنقيطي (ت: ١٣٩٣ هـ) الذي أسماه "أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرأن". (٣٦).
١١ - الضحاك لم يأخذ التفسير عن أحد من الصحابة، وروايته عن ابن عباس منقطعة، قال في تهذيب الكمال (١٣/ ٢٩٥): "وقيل: لم يثبت له سماع من أحد من الصحابة". (٥١)
١٢ - إذا صح عن الصحابي أو التابعي قولان مختلفان في التفسير ولا يمكن الجميع بينهما فهما كالقولين، إلا إذا دل الدليل على أنه رجع عن أحدهما. (٥٥).
١٣ - يعد بعض الباحثين أبا عبيدة معمر بن المثنى والفراء والزجاج أئمة التفسير اللغوي، ولا ينظرون إلى تفاسير الصحابة والتابعين اللغوي، ويعدونها من التفسير بالأثر، وسبب هذا الخطأ اعتماد مصطلح المأثور. (٦٠)
١٤ - الرأي الذي عمل به الصحابة هو الرأي المحمود، وهو المبني على علم أو غلبة ظن.
أما الرأي المذموم فهو الذي وقع عليه نهي السلف، وشنعوا على صاحبه، وهو ما كان على جهل وهوى.
стр. 177
والذين حكوا الخلاف في الرأي لم يبينوا نوع الرأي الذي وقع عليه النهي، ولو فعلوا لما احتاجوا إلى جعل قولين في هذه المسألة ثم ترجيح بينهما. (٦٣)
١٥ - المؤلفات في أسباب الاختلاف في التفسير نادرة، وقد سرد بعض هذه الأسباب ابن جزي في مقدمة تفسيره، وقد أُلف في أسباب الاختلاف رسالة علمية بعنوان: اختلاف المفسرين: أسبابه وآثاره. (٨٣)
١٦ - لابن عطية والطاهر بن عاشور اهتمام بتحرير معنى اللفظة في لغة العرب. (٩٧)
١٧ - مما يجدر التنبيه عليه أن الإجماع عند بعضهم هو اتفاق الأكثر؛ كابن جرير، ولذا ينتبه لمذهب حاكي الإجماع في الإجماع. (٩٥)
١٨ - قد يَرِدُ عن السلف تفسير لبعض صفات الله بلازمها، فيظنُّ القارئ لها أن السلف يؤوَّلون صفات الله سبحانه، وهذا ليس بصواب؛ وذلك لأن الأصل عند السلف هو أن صفات الله على الحقيقة ولا يجوز التأويل، فإذا رأيت مثل هذا فاعلم أنهم لا يؤولون؛ لأنه لم يرد عن أحدهم أنه أنكر الصفة، وفرقٌ بين إنكار الصفة والتفسير باللازم. (١٠٢)
١٩ - ومع أهمية هذا الموضوع (قواعد الترجيح) فإنك قلًّ أن تجد له مبحثاً خاصاً في مقدمات المفسرين وغيرها، وقد أشار إليه العز بن عبدالسلام في كتابه الموسوم بـ (الإشارة إلى الإيجاز في بعض أنواع المجاز) ... وذكر المفسر محمد بن أحمد بن جزي الكلبي في مقدمة تفسيره اثني عشر وجهاً في الترجيح. (١١٩)
٢٠ - أما استعمال القواعد الترجيحية في ثنايا التفسير فقد حاز قصب السبق فيها شيخ المفسرين الإمام ابن جرير الطبري، وقد كان له في الترجيح بالقواعد طريقان:
...الأول: أن يذكر القاعدة الترجيحية بنصها عند ترجيحه لقول في التفسير.
...الثاني: أن لا ينص على القاعدة بعينها ولكن يرجح بها. (١١٩).
٢١ - الإجماع عند ابن جرير يعني اتفاق الأكثر. (١٢٠ - ح)
стр. 178
٢٢ - وهذه القواعد (قواعد الترجيح) تعتبر الأصل في الترجيح إلا إذا دل دليل على عدم استخدامها في هذا الموضع، فكل قاعدة يستثنى منها. (١٢١)
٢٣ - إنما يحمل كلام الله على الأغلب المعروف من لغة العرب، دون الأنكر المجهول أو الشاذ. (١٣٠)
٢٤ - كان لمفسري الصحابة والتابعين ثم من جاء بعدهم عنايةٌ بهذه الكليات [كليات القرآن]، وكان أول من ذُكر عنه أنه جمعها في كتاب الإمام اللغوي أحمد بن فارس، في كتابه الموسوم بالأفراد. (١٥٣)
стр. 179
٦٠ - «معرفة علوم الحديث»: الحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد الحافظ (٤٠٥هـ) تحقيق: السيد معظم حسين، دار الآفاق الجديد، بيروت، ط٤، ١٤٠٠هـ.
٦١ - «مفردات ألفاظ القرآن»: الراغب الأصفهاني، تحقيق: صفوان عدنان داودي، دار القلم ـ الدار الشامية، ط١، ١٤١٢هـ.
٦٢ - «مقدمة جامع التفاسير»: أبو القاسم الراغب الأصفهاني، تحقيق: د. أحمد حسن فرحات، دار الدعوة، ط١، ١٤٠٥هـ.
٦٣ - «مقدمة في أصول التفسير»: تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية (٧٢٨هـ)، تحقيق: د. عدنان زرزور، دار القرآن الكريم، ط٣، ١٣٩٩هـ.
٦٤ - «المكتفي في الوقف والابتداء»: أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني (٤٤٤هـ)، تحقيق: د. يوسف عبد الرحمن المرعشلي، مؤسسة الرسالة، ط١، ١٤٠٤هـ.
٦٥ - «الموافقات في أصول الأحكام»: أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي (٨٩٠هـ)، تحقيق: محيي الدين عبد الحميد، مكتبة محمد علي صبيح وأولاده.
٦٦ - الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم: أبو بكر بن العربي (٥٤٣هـ)، تحقيق: د. عبد الكبير العلوي المدغري، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ط١، ١٤٠٨هـ.
٦٧ - «النشر في القراءات العشر»: محمد بن محمد بن الجزري (٨٣٣هـ)، دار الفكر.
٦٨ - «النكت على كتاب ابن الصلاح»: الحافظ ابن حجر العسقلاني (٨٥٢هـ)، تحقيق: د. ربيع بن هادي عمير، دار الراية، الرياض، ط٢، ١٤٠٨هـ.
٦٩ - «النكت والعيون، تفسير الماوردي»: تحقيق: خضر بن محمد خضر، مطابع مقهوي، الكويت، ط١، ١٤٠٢هـ.
٧٠ - «نواسخ القرآن»: أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي (٥٩٧هـ)، تحقيق: محمد أشرف علي الملباري، المجلس العلمي بالجامعة الإسلامية، بالمدينة النبوية، ط١، ١٤٠٤هـ.
* * *