← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 13897

فصول في أصول التفسير

مساعد الطيار

Полный текст (179 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

احتاجه المتأخرون، الذين بعدت ألسنتهم عن لسان العرب فاحتاجوا إلى زيادة التفصيل لبيان المعنى، وللسلف في تفسيرهم طرق وتعابير يستعملونها عند تفسير القرآن. ويمكن استنباط هذه الطرق من جرد كتب التفسير التي تهتم بعبارة السلف وتعلق عليها. ودونكها مجملة، ثم يأتيك [٧٧] التفصيل مع المثال (١): ١ - التفسير بالمطابق ، أو ما وضع له اللفظ. ٢ - التفسير باللازم، ويدخل ضمنه التفسير بالنتيجة. ٣ - التفسير بجزء المعنى. ٤ - التفسير بالمثال. ٥ - التفسير بالقياس والاعتبار. ٦ - التفسير بالإشارة. تفصيل هذا بالأمثلة: ١ - التفسير بالمطابق، أو بما وضع له اللفظ: المراد به: ما وُضعَ له اللفظ في لغة العرب، فيعمد المفسر إلى تفسير اللفظة بما وضعت له في لغة العرب، وهذا هو التفسير المباشر للفظ. • وقد ذكر هذه الطريقة ونبَّه عليها إمام المفسرين، الطبري، فقال: «فَحَمَل تأويلَ الكلام على معناه دون البيان عن الكلمة بعينها؛ فإن أهل التأويل ربما فعلوا ذلك لعلل كثيرة تدعوهم إليها» (٢).

стр. 107

• وقال شيخ الإسلام: «فإن منهم ـ يقصد مفسري السلف ـ من يعبر عن الشيء بلازمه ونظيره، ومنهم من ينص على الشيء بعينه» (١). ومثاله تفسير قوله تعالى: ﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ٢]، قال قتادة، والضحاك: ﴿مَسْطُورٍ﴾: مكتوب (٢). وقوله تعالى: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ [الواقعة: ٥]؛ أي: فتتت. [٧٨] ورد ذلك عن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وإسماعيل السدي، وأبي صالح (٣). وكذا تفسيرهم للودود في مثل قوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج: ١٤] بأنه المحب لأوليائه (٤). ٢ - التفسير باللازم: • دلالة الالتزام هي أحد دلالات الألفاظ العقلية. والمراد بها أن المعنى المستفاد لم يدل عليه اللفظ مباشرة، ولكن يلزم منه هذا المعنى المستفاد عقلاً أو عرفاً؛ كالكتابة تستلزم كاتباً.

стр. 108

ومن أمثلته: تفسير الودود بالمحبوب من أوليائه. فالودود: أي الواد لأوليائه؛ كالغفور بمعنى: الغافر. فهذا تفسير بالمطابقة ـ كما مرَّ ـ ويلزم منه محبة أوليائه له، وهذا تفسير باللازم (١). ومن أمثلته ـ أيضاً ـ تفسيرهم قوله تعالى: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقعة: ٦٥] قيل: معناه تندمون، وهذا تفسير باللازم، وإنما الحقيقة تزيلون عنكم التفكُّه، وإذا زال التفكّه خَلَفَهُ ضِدُّه (٢). وفي قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾ الآية [الأعراف: ١٧٥، ١٧٦]. قال ابن القيم: «قال ابن عباس: لو شئنا لرفعناه بعلمه. وقالت طائفة: الضمير في قوله: ﴿لَرَفَعْنَاهُ﴾ عائد على الكفر، والمعنى: لو شئنا لرفعنا عنه الكفر بما معه من آياتنا، قال مجاهد وعطاء: لرفعناه عن الكفر بالإيمان وعصمناه. وهذا المعنى حق، والأول هو مراد الآية، وهذا من لوازم المراد. وقد تقدم أن السلف كثيراً ما ينبهون على لازم معنى الآية، فيظن الظان أن ذلك هو المراد منها» (٣). [٧٩] ومما يجدر التنبيه عليه هنا: أنه قد يَرِدُ عن السلف تفسير لبعض صفات الله بلازمها، فيظنُّ القارئ لها أن السلف يؤوِّلون صفات الله سبحانه، وهذا ليس بصواب، وذلك لأن الأصل عند السلف هو أن صفات الله على الحقيقة، ولا يجوز التأويل، فإذا رأيت مثل هذا فاعلم أنهم لا يؤوِّلون؛ لأنه

стр. 109

لم يرد عن أحدهم أنه أنكر الصفة، وفرق بين إنكار الصفة، والتفسير باللازم. أما ما تراه عند الخلف المتأخرين من تفسير الصفة بلازمها، فإنه تأويل لها، وذلك لأن مذهب هؤلاء هو التأويل، ولذا يعمدون إلى تفسيرها بلازم الصفة، قال السيوطي: «قال العلماء: كل صفة يستحيل حقيقتها على الله تفسَّر بلازمها» (١)، والعلماء الذين ينسب إليهم السيوطي هذا القول هم المتكلمون من الأشاعرة وغيرهم. فتأمل. ٣ - التفسير بجزء المعنى: المقصود به أن المفسِّر يذكر من المعنى الذي يحتمله اللفظ جزءاً منه، ليدل به على باقي المعنى. ومنه تفسير من فسَّر قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ [مريم: ٣١]، قال ابن القيم: «... مباركاً: معلماً للخير أينما كنت. وهذا جزء مسمى المبارك: فالمبارك: كثير الخير في نفسه، الذي يحصله لغيره تعليماً أو نصحاً، وإرادة واجتهاداً ...» (٢). ٤ - التفسير بالمثال: وقد مر ذكره في اختلاف التنوع (٣). ومن أمثلته قوله : ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، قيل: الحسنات الصلوات، وقيل: قول الرجل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. [٨٠]

стр. 110

قال ابن عطية: وهذا كله إنما هو على جهة المثال في الحسنات (١). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] قال زرٌّ: الغيب: القرآن. وقال عطاء: الغيب: القدر، قال الراغب: وقول زرٍّ بأن الغيب: هو القرآن، وقول عطاء: أنه القدر؛ تمثيل لبعض ما هو غيب، وليس ذلك بخلاف بينهم، بل كل أشار إلى الغيب بمثال (٢). ٥ - التفسير بالقياس والاعتبار: المراد به أن يُدخِل المفسر في حكم الآية شيئاً؛ لأنه مشبه للآية في العلة. ومن أمثلته: قوله تعالى: ﴿لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣]. فقد روي عن ابن عباس في معنى سكارى: أنه النعاس. وكذلك روي عن الضحاك أنه قال: لم يعنِ الخمر، وإنما عنى به سكر النوم (٣). قال شيخ الإسلام ـ معلقاً على قول الضحاك ـ: «وهذا إذا قيل: إن الآية دلت عليه بطريق الاعتبار؛ أي: القياس، أو شمول معنى اللفظ العام، وإلا فلا ريب أن سبب نزول الآية كان السكر من الخمر، واللفظ صريح في ذلك، والمعنى الآخر صحيح أيضاً» (٤). فصحَّحَ شيخ الإسلام دخول السكر من النوم أو النعاس في معنى الآية للمقايسة بينهما، والعلة هي عدم العلم بما يقول.

стр. 111

٦ - التفسير بالإشارة: التفسير بالإشارة له تعلق بما قبله، ولقد نبَّه شيخ الإسلام على ذلك فقال: «... تلك الإشارات هي من باب الاعتبار والقياس وإلحاق ما ليس بمنصوص بالمنصوص، مثل الاعتبار [٨١] والقياس الذي يستعمله الفقهاء في الأحكام» (١). وقال في موضع آخر: «وأما أرباب الإشارات الذين يثبتون ما دل عليه اللفظ، ويجعلون المعنى المشار إليه مفهوماً من جهة القياس والاعتبار، فحالهم كحال الفقهاء والعالمين بالقياس والاعتبار، وهذا حق إذا كان قياساً صحيحاً لا فاسداً، واعتباراً مستقيماً لا منحرفاً» (٢). وقد مضى ذكر شروط قبوله، ومن أمثلته تفسيرُ ابن عباس، وعمر بن الخطاب سورة النصر بأنها قرب أجل رسول الله ﷺ (٣). قال ابن حجر معلقاً على هذا التفسير: «وفيه جواز تأويل القرآن بما يُفهَمُ من الإشارات، وإنما يتمكن من ذلك من رسخت قدمه في العلم، ولهذا قال علي ﵁: أو فهماً يؤتيه الله رجلاً بالقرآن» (٤). [٨٢] * * *

стр. 112

أقسام التفسير ١ - باعتبار معرفة الناس له: وجه تعرفه العرب من كلامها. تفسير لا يعذر أحد بجهله. تفسير يعلمه العلماء. تفسير لا يعلمه إلا الله. ٢ - باعتبار طرق الوصول إليه: التفسير بالمأثور. التفسير بالرأي. ٣ - باعتبار أساليبه: التحليلي. الإجمالي. المقارن. الموضوعي. ٤ - باعتبار اتجاهات المفسرين فيه

стр. 113

توجيه أقوال السلف هذا الموضوع يعتبر شرحاً لفهم السلف للآية، وكيفية تفسيرهم لها، وكيف قالوا فيها بهذا القول أو ذاك، وذلك إما لغرابة القول، أو للطافته، أو لقوته. ولا يعني قَبول رأيهم في التفسير، ورفع منزلتهم في الاحتجاج والقبول أنه لا يقع فيهم الخطأ، بل الخطأ متوقع من آحادهم، فهذا مجاهد له آراء فسَّر بها القرآن، وهي مرفوضة؛ كتأويله مسخ بني إسرائيل قردة وخنازير (١)، وتأويله النظر في قوله تعالى: ﴿وَجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ *إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣] (٢)، وتأويله الميزان في قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [القارعة: ٦] (٣)، وغيرها. وهذه التأويلات الفردية منه لم تجعله يخرج من القبول، بل قال سفيان الثوري: «إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به»، وهو من أكبر تلامذة ابن عباس الذين تلقوا عنه التفسير مباشرة. وتجد في التفاسير ردّاً لأقوال قال بها بعض السلف، ولا يعني هذا عدم قَبول قولهم في غيرها، أو عدم احترام آرائهم ومنزلتهم. وهذا ابن القيم يرد في تفسير قوله تعالى: ﴿فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا﴾ [النازعات: ٤] قول من قال: «هي الملائكة تسبق الشياطين بالوحي إلى

стр. 114

الأنبياء» (١). وهذا القول مروي عن علي ومسروق، كما ذكره الماوردي (٢). ومع هذا الرد للخطأ، فقد تولى بعض المفسرين توجيه أقوال للسلف منبهاً على سبب قولهم بها. [٨٣] أمثلة لتوجيه أقوال السلف: ١ - في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [ق: ٢٢]. قال ابن زيد: هذا رسول الله ﷺ ، قال: لقد كنت في غفلة من هذا الأمر يا محمد، كنت مع القوم في جاهليتهم ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢]. قال الطبري: «وعلى هذا التأويل الذي قاله ابن زيد يجب أن يكون الكلام خطاباً من الله لرسوله ﷺ أنه كان في غفلة في الجاهلية من هذا الدين الذي بعثه به، فكشف عنه غطاءه الذي كان عليه في الجاهلية، فنفذ بصره بالإيمان وتَبَيَّنَهُ حتى تقرر ذلك عنده، فصار حادَّ البصر به» (٣). ٢ - في قوله تعالى: ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢]. قال الطبري: «وقد روي عن الضحاك أنه قال: معنى ذلك ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾: لسان الميزان. وأحسبه أراد بذلك أن معرفته وعلمه بما أسلف في الدنيا شاهد عدل عليه، فشبَّه بصره بذلك بلسان الميزان الذي يعدل به الحق في الوزن، ويعرف مبلغ الواجب لأهله عما زاد على ذلك أو نقص، فكذلك علم من وافى القيامة بما اكتسب في الدنيا شاهد عليه كلسان الميزان» (٤). ٣ - في قوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥].

стр. 115

قال أبو الليث: «ومعنى قول ابن عباس: ولا تمسكوا من الصدقة فتهلكوا؛ أي: لا تمسكوا عن النفقة والعون للضعفاء، فإنهم إذا تخلفوا عنكم غلب عليكم العدو، فتهلكوا. ومعنى آخر: ولا تمسكوا؛ فيرث منكم غيركم، فتهلكوا بحرمان منفعة أموالكم. ومعنى آخر: ولا تمسكوا؛ فيذهب عنكم الخلف في الدنيا والثواب في الآخرة» (١). [٨٤] ٤ - في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ *لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٤، ٢٥]. قال ابن عطية: «وقال عمر بن عبد العزيز ﵁: المحروم: الكلب. أراد ـ والله أعلم ـ أن يعطي مثالاً من الحيوان ذي الكبد الرطبة لما فيه من الأجر، حسب الحديث المأثور» (٢). ٥ - في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]. قال ابن القيم: «وفي تفسير علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ قال: الذين يقولون إن الله على كل شيء قدير. وهذا من فقه ابن عباس وعلمه بالتأويل ومعرفته بحقائق الأسماء والصفات، فإن أكثر أهل الكلام لا يوفون هذه الجملة حقها، ولو كانوا يقرون بها، فمنكرو القدر وخلق أفعال العباد لا يقرون بما على وجهها ومنكرو أفعال الرب القائمة به لا يقرون بها على وجهها، بل يصرحون أنه لا يقدر على فعل يقوم به، ومن لا يقر بأن الله سبحانه كل يوم هو في شأن يفعل ما يشاء لا يقر بأن الله على كل شيء قدير، ومن لا يقر بأن قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء ـ وأن سبحانه مقلب القلوب حقيقة، وأنه إن شاء أن يقيم القلب أقامه وإن شاء أن يزيغه أزاغه ـ لا يقر بأن الله على كل

стр. 116

شيء قدير، ومن لا يقر بأنه استوى على عرشه بعد أن خلق السموات والأرض، وأنه ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا يقول: من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له، وأنه نزل إلى الشجرة فكلم موسى كلمه منها، وأنه ينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة حين تخلو من سكانها، وأنه يجيء يوم القيامة فيفصل بين عباده، وأنه يتجلى لهم يضحك، وأنه يريهم نفسه المقدسة، وأنه يضع رجله على النار فيضيق بها أهلها، وينزوي بعضها إلى بعض .. إلى غير ذلك من شؤونه وأفعاله التي من لم يقر بها لم يقر بأنه على كل شيء قدير، فيا لها كلمة من حبر الأمة وترجمان القرآن» (١). ٦ - في قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ [البقرة: ٦٩]. علق ابن جرير على قول الحسن: ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ﴾: سوداء شديدة السواد. [٨٥] قال: قال أبو جعفر: وأحسب أن الذي قال في قوله: ﴿صَفْرَاءُ﴾ يعني به سوداء ذهب إلى قوله في نعت الإبل السود: هذه إبل صفر، وهذه ناقة صفراء: يعني بها سوداء، وإنما قيل ذلك في الإبل لأن سوادها يضرب إلى الصفرة، ومنه قول الشاعر: تِلْكَ خَيْلي مِنْها وتِلْكَ ركابي ... هُنَّ صُفْرٌ أولادُها كالزَّبيبِ يعني بقوله: هنّ صفر: هنّ سود، وذلك إن وصفت الإبل به، فليس مما توصف البقر (٢). [٨٦] * * *

стр. 117

قواعد التفسير القواعد هي: الأمور الكلية المنضبطة التي يستخدمها المفسر في تفسيره، ويكون استخدامه لها إما ابتداءً، ويبني عليها فائدة في التفسير، أو ترجيحاً بين الأقوال (١). ويمكن استنباط هذه القواعد من كتب التفسير، وكتب اللغة، والبلاغة، والأصول. وتنقسم هذه القواعد إلى قسمين: القواعد العامة ، والقواعد الترجيحية، وبينهما تداخل ظاهر عند التأمل. أولاً: القواعد العامة المراد بهذه القواعد: القواعد التي يمكن أن يعملها المفسر عندما يفسر آية من القرآن. ويبدو على بعض هذه القواعد أنها بمثابة الفوائد، ومنها ما يكون لغوياً، ومنها ما يكون أصوليّاً، ومنها ما يكون بلاغيّاً ... وسأذكر جملة منثورة من هذه القواعد من غير تبويب وترتيب، نظراً لقلة ما سأذكره منها، وما هي إلا أمثلة لهذه القواعد: ١ - قال ابن القيم: «المعهود من ألفاظ القرآن أنها تكون دالة على جملة معان» (٢). ٢ - قال الشنقيطي: «تقرَّر عند العلماء أن الآية إن كانت تحتمل معاني

стр. 118

كلها صحيح تعيَّن حملها على الجميع، كما حققه بأدلة الشيخ تقي الدين أبو العباس ابن تيمية في رسالته في علوم القرآن» (١). ٣ - ما أبهم في القرآن فلا فائدة في بحثه. قال الشنقيطي: «ففي القرآن العظيم أشياء كثيرة لم يبينها الله لنا ولا رسوله، ولم يثبت في بيانها شيء، والبحث عنها لا طائل تحته ولا فائدة فيه» (٢). [٨٧] ٤ - إذا عرف تفسير القرآن من جهة النبي ﷺ فلا حاجة إلى قول من بعده (٣). ٥ - قول الصحابة مقدم على غيرهم في التفسير، وإن كان ظاهر السياق لا يدل عليه؛ لأنهم أعلم بمعاني القرآن، والسبب الذي فيه نزل، وما أريد به. ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ [الأحقاف: ١٠]. قال مسروق: والله ما نزلت في عبد الله بن سلام، وما نزلت إلا بمكة، وما أسلم عبد الله إلا بالمدينة، ولكنها خصومة خاصم محمد ﷺ بها قومه، قال فنزلت: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ

стр. 119

وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ [الأحقاف: ١٠] قال: فالتوراة مثل القرآن، وموسى مثل محمد ﷺ فآمنوا بالتوراة وبرسولهم، وكفرتم به. وقال سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن سلام وابن عباس: الشاهد عبد الله بن سلام، وبه قال مجاهد، وقتادة، والضحاك، والحسن، وابن زيد. قال الطبري: «والصواب من القول في ذلك عندنا أن الذي قاله مسروق في تأويل ذلك أشبه بظاهر التنزيل؛ لأن قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ في سياق توبيخ الله ـ تعالى ذكره ـ مشركي قريش احتجاجاً عليهم لنبيه ﷺ ، وهذه الآية نظيرة سائر الآيات قبلها، ولم يجر لأهل الكتاب ولا لليهود قبل ذلك ذكر، فتوجه هذه الآية إلى أنها فيهم نزلت، ولا دلّ على انصراف الكلام عن قصص الذين تقدم الخبر عنهم معنى، غير أن الأخبار قد وردت عن جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ بأن ذلك عني به عبد الله بن سلام وعليه أكثر أهل التأويل، وهم كانوا أعلم بمعاني القرآن، والسبب التي نزل فيه، وما أريد به، فتأويل الكلام إذ كان ذلك كذلك، وشهد عبد الله بن سلام وهو الشاهد من بني إسرائيل على مثله، يعني على مثل القرآن، وهو التوراة، وذلك شهادته أن محمداً مكتوب في التوراة أنه نبيّ تجده اليهود مكتوباً عندهم في التوراة، كما هو مكتوب في القرآن أنه نبي» (١). [٨٨] ٦ - إعراب القرآن ينبغي أن يكون على أفصح الوجوه، ولا يفسر بمجرد الاحتمال النحوي الإعرابي الذي يحتمله تركيب الكلام، ويكون الكلام به له معنى ما. مثال: في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦]، ذكر ابن القيم قول من قال: إنه من باب حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه؛ كأنه قال: إن رحمة الله شيء قريب من المحسنين، ثم رد على هذا القول من وجوه وذكر أحدها، وهو: «أن الشيء أعم من المعلومات، فإنه يشمل الواجب والممكن، فليس في تقديره ولا في اللفظ به زيادة فائدة يكون الكلام بها فصيحاً بليغاً، فضلاً عن أن يكون بها في أعلى مراتب الفصاحة والبلاغة، فأي فصاحة وبلاغة في قول القائل في حائض وطامث وطالق: شيء حائض، وشيء طامث، وشيء طالق؟ وهو لو صرح بهذا لاستهجنه السامع. فكيف يقدر في الكلام مع أنه لا يتضمن فائدة أصلاً؟

стр. 120

إذ كونه شيئاً أمر معلوم عام لا يدل على مدح ولا ذم، ولا كمال ولا نقصان. وينبغي أن يتفطن ههنا لأمر لا بدّ منه، وهو أنه لا يجوز أن يحمل كلام الله ويفسر بمجرد الاحتمال النحوي الإعرابي الذي يحتمله تركيب الكلام، ويكون الكلام به له معنى ما، فإن هذا مقام غلط فيه أكثر المعربين للقرآن، فإنهم يفسرون الآية ويعربونها بما يحتمله تركيب تلك الجملة، ويفهم من ذلك التركيب أي معنى اتفق، وهذا غلط عظيم يقطع السامع بأن مراد القرآن غيره، وإن احتمل ذلك التركيب هذا المعنى في سياق آخر وكلام آخر، فإنه لا يلزم أن يحتمله القرآن، مثل قول بعضهم في قراءة من قرأ: ﴿وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] بالجر: إنه قسم. ومثل قول بعضهم في قوله تعالى: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ٢١٧] إن المسجد مجرور بالعطف على الضمير المجرور في به، ومثل قول بعضهم في قوله تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ﴾ [النساء: ١٦٢] إن ﴿المقيمين﴾ مجرور بواو القسم. ونظائر ذلك أضعاف أضعاف ما ذكرنا، وأوهى بكثير؛ بل للقرآن عرف خاص ومعان معهودة لا يناسبه تفسيره بغيرها، ولا يجوز تفسيره بغير عرفه والمعهود من معانيه، فإن نسبة معانيه إلى المعاني كنسبة ألفاظه إلى الألفاظ، بل أعظم، فكما أن ألفاظه ملوك الألفاظ وأجلها وأفصحها، ولها من الفصاحة أعلى مراتبها التي يعجز عنها قدر [٨٩] العالمين، فكذلك معانيه أجل المعاني وأعظمها وأفخمها، فلا يجوز تفسيره بغيرها من المعاني التي لا تليق به، بل غيرها أعظم منها وأجل وأفخم، فلا يجوز حمله على المعاني القاصرة بمجرد الاحتمال النحوي الإعرابي. فتدبر هذه القاعدة ولتكن منك على بالٍ، فإنك تنتفع بها في معرفة ضعف كثير من أقوال المفسرين وزيفها، وتقطع أنها ليست مراد المتكلم تعالى بكلامه.

стр. 121

وسنزيد هذا إن شاء الله تعالى بياناً وبسطاً في الكلام على أصول التفسير. فهذا أصل من أصوله» (١). مثال آخر: في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] قال أبو حيان: «وقد ركبوا وجوهاً من الإعراب في قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾». والذي نختاره منها أن قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ جملة مستقلة من مبتدأ وخبر؛ لأنه متى أمكن حمل الكلام على غير إضمار ولا افتقار كان أولى أن يسلك به الإضمار والافتقار؛ وهكذا تكون عادتنا في إعراب القرآن لا نسلك فيه إلا الحمل على أحسن الوجوه وأبعدها من التكلف وأسوغها في لسان العرب، ولسنا كمن جعل كلام الله تعالى كشعر امرئ القيس وشعر الأعشى يُحمِّله جميع ما يحتمله اللفظ من وجوه الاحتمالات، فكما أن كلام الله من أفصح كلام فكذلك ينبغي إعرابه أن يحمل على أفصح الوجوه، هذا على أنا إنما نذكر كثيراً مما ذكروه لينظر فيه، فربما يظهر لبعض المتأملين ترجيح شيء منه» (٢). قواعد في العموم: أـ حذف المتعلق يفيد العموم النسبي (٣)؛ أي: يفيد تعميم المعنى المناسب له، ويدخل في ذلك العموم ما كان سياق الكلام جاء من أجله، وهو فرد من أفراد هذا المعنى العام. ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]. [٩٠] فالمتعلق بالفعل «تتقون» محذوف، ويمكن تقدير عدة متعلقات؛ مثل: تتقون الله، تتقون النار، تتقون المحارم (٤).

стр. 122

ب ـ إذا دخلت (ال) على الأوصاف، وأسماء الأجناس، فإنها تفيد استغراق من يشمله هذا الوصف أو الاسم. مثال الوصف: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥]. يدخل في هذه الأوصاف كل ما تناوله معاني الإسلام، والإيمان، والقنوت، والصدق ... إلخ. مثال اسم الجنس: قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِّرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]. فيشمل البر جميع أنواع الخير، وتشمل التقوى كل ما يلزم اتقاؤه (١). جـ النكرة في سياق النفي، والنهي، والشرط، والاستفهام، تفيد العموم. مثال سياق النفي: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ [الانفطار: ١٩] يعم كل نفس، وكل شيء. مثال سياق النهي: قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] تشمل أي ند جعل الله. مثال سياق الشرط: قوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] تشمل أي نعمة عند العبد. مثال سياق الاستفهام: قوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [فاطر: ٣] تشمل أي خالق غير الله (٢). [٩١] د ـ المفرد المضاف يفيد العموم. ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]، وقوله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤] فإنها تشمل كل نعمة أنعمها الله على عبده.

стр. 123

ومن أمثلته: قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠]. فالأمر، يشمل كل أمر كوني قدري (١). هـ الفعل المضارع إذا جُزم أو نُفي بـ (لا) فإنه يفيد العموم. مثاله: قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]. قال الطاهر بن عاشور: «ووقوع فعل «تلقوا» في سياق النهي يقتضي عموم كل إلقاء باليد إلى التهلكة ...» (٢). وـ ومن صيغ العموم وألفاظه الواردة في القرآن ـ وهي كثيرة ـ: كل، وجميع، وأجمعون، وكافَّة، ومن وما الشرطية والاستفهامية، والموصولة والمصدرية، والجمع المضاف، واسم الجمع، كالقوم، والذي، والتي ... إلخ. فهذه الألفاظ إذا جاءت فإنها تدل على العموم، وذكر شواهدها يطول. إنَّ المشددة المكسورة تفيد التعليل: مثل قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١] والمعنى: اتقوا ربكم؛ لأن زلزلة الساعة شيء عظيم (٣). الفاء تفيد التعليل: مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. [٩٢] وقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]. ففي الأولى: لعلة كون المحيض أذى.

стр. 124

وفي الثانية: لعلة سرقتهما (١). الجملة الاسمية تدل على الثبوت (٢). الجملة الفعلية تدل على التجدد (٣). مثل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الأنفال: ٣]. قال الطاهر بن عاشور: «وجيء بالفعلين المضارعين في «يقيمون» و «ينفقون»، للدلالة على تكرار ذلك وتجدده» (٤). مجيء الفعل الماضي بصيغة المضارع لإفادة تصوير الحال الواقع عند حدوث الحدث. مثل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ [الحج: ٦٣]، قال الطاهر بن عاشور: «وإنما عبر عن مصير الأرض خضراء بصيغة «تصبح مخضرة» مع أن ذلك مفرع على فعل «أنزل من السماء ماءً» الذي هو بصيغة الماضي؛ لأنه قصد من المضارع استحضار تلك الصورة العجيبة الحسنة» (٥). فائدة اسم الموصول الدلالة على عِلِّية الحكم؛ أي: قرن الأمر بعلته. فمثلاً، قوله تعالى: ﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [سبأ: ٤٢] علة القول لهم هو أنهم ظلموا. وأخيراً؛ فهذه الأمثلة غيض من فيض، وبالمطالعة ستجد أكثر من هذه. [٩٣] ثانياً: القواعد الترجيحية المراد بالقواعد الترجيحية: القواعد التي نعملها عند الترجيح بين أقوال المفسرين. ويكون استعمال هذه القواعد في حالتين:

стр. 125

الأولى: ترجيح أحد الأقوال على غيره. الثانية: رد أحد الأقوال. متى يكون الترجيح ؟ التفسير المنقول إما أن يكون مجمعاً عليه، أولاً. فإن كان مجمعاً عليه؛ فلا حاجة إلى الترجيح. والإجماعات في التفسير كثيرة، وقد ذُكر بعضها في مبحث (الإجماع في التفسير)، ومنها: ١ - تفسير اليوم الموعود بيوم القيامة في قوله تعالى: ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾ [البروج: ٢] (١). ٢ - تفسير المغضوب عليهم باليهود، والضالين بالنصارى (٢). وإن كان مختلفاً فيه، فالاختلاف نوعان: الأول: اختلاف تضاد: مثل تفسير قوله تعالى: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ﴾ [الأنفال: ٦]. قيل: المجادل هم المسلمون، وقيل: هم الكفار. وفي مثل هذا النوع يعمل بقواعد الترجيح لبيان القول الصواب في الآية. الثاني: اختلاف تنوع: وقد سبق بيان أمثلته. وفي هذا النوع يعمل بقواعد الترجيح لبيان القول الأولى إن احتاج الأمر إلى ذلك وإن كانت الآية تحتمل المرجوح. [٩٤] طريقة المفسرين في عرض التفاسير المنقولة: لما كان الترجيح لا يأتي إلا في الاختلاف بنوعيه، فإن المفسرين لهم ثلاث طرق في حكاية هذا الاختلاف:

стр. 126

الأولى: حكاية الاختلاف دون بيان الراجح من الأقوال؛ كتفسير الماوردي وابن الجوزي. الثانية: حكاية الاختلاف مع بيان الراجح دون ذكر مستند الترجيح؛ كتفسير ابن عطية. الثالثة: حكاية الاختلاف مع بيان الراجح والقاعدة الترجيحية التي هي سبب الترجيح، كتفسير الطبري والشنقيطي. ومع أهمية هذا الموضوع، فإنك قلَّ أن تجد له مبحثاً خاصّاً في مقدمات المفسرين، وغيرها. وقد أشار إليه العز بن عبد السلام (ت:٦٦٠هـ) في كتابه الموسوم بـ (الإشارة إلى الإيجاز في بعض أنواع المجاز) حيث ذكر بعض القواعد الترجيحية دون ذكر أمثلة لها (١). وذكر المفسر محمد بن أحمد بن جزي الكلبي (ت:٧٤١هـ) في مقدمة تفسيره اثني عشر وجهاً في الترجيح (٢). أما استعمال القواعد الترجيحية في ثنايا التفسير فقد حاز قصب السبق فيها شيخ المفسرين الإمام ابن جرير الطبري، وقد كان له في الترجيح بالقواعد طريقان: الأول: أن يذكر القاعدة الترجيحية بنصها عند ترجيحه لقول في التفسير. الثاني: أن لا ينص على القاعدة بعينها ولكن يرجح بها؛ كقاعدة: «العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب» (٣)، فهو يرجح بناء على هذه القاعدة، ولا ينص عليها. [٩٥] ونظراً إلى كون الإمام ابن جرير هو أول من أعمل هذه القواعد في

стр. 127

تفسيره بكثرة واضحة جدّاً، فإني أرى أن أسرد لك عباراته في بعض القواعد: ١ - غير جائز ادعاء خصوص في آية عام ظاهرها إلا بحجة يجب التسليم لها (١)؛ أي: أن الخبر على عمومه حتى يأتي ما يخصصه (٢). ٢ - التأويل المجمع (٣) عليه أولى بتأويل القرآن (٤). ٣ - الكلمة إذا احتملت وجوهاً لم يكن لأحد صرف معناها إلى بعض وجوهها دون بعض إلا بحجة (٥). ٤ - إنما يوجه كلام كل متكلم إلى المعروف في الناس من مخارجه دون المجهول من معانيه (٦). ٥ - أولى التأويلات بالآية ما كان عليه من ظاهر التنزيل دلالة مما يصح مخرجه في المفهوم (٧). ٦ - غير جائز ترك الظاهر المفهوم من الكلام إلى باطن لا دلالة على صحته (٨). ٧ - إلحاق بعض الكلام ببعض إذا كان له وجه صحيح أولى من القول بتفرقه واعتراض جملة بينه وبينه (٩). [٩٦]

стр. 128

٨ - الذي هو أولى بكتاب الله أن يوجه إليه من اللغات الأفصح الأعرف من كلام العرب دون الأنكر الأجهل من منطقها (١). ٩ - غير جائز الاعتراض بالشاذ من القول على ما قد ثبت حجته بالنقل المستفيض (٢). ومن القواعد التي استعملها ولم ينص عليها: ١ - العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (٣). ٢ - الترجيح بدلالة السياق (٤). وبعد، فهذه بعض القواعد التي استعملها ابن جرير، وقد حاولت نقل عبارته وإن تكررت بعض القواعد، ولذا فإنك تستطيع أن تسبك هذه القواعد، وتضعها في جمل واضحة بعد جمعها وتنقيحها (٥). والمراد في هذا المبحث بيان بعض القواعد المرجحة التي يستفاد منها في ترجيح الأقوال، ولذا فيكفي في أمثلة هذه القواعد مطلق المثال دون التحقيق في صحته (٦). ثم إن المثال قد تتنازعه قاعدتان، ويصلح أن يكون مثالاً لهما. وقد يترجح قول بإعمال قاعدة، ويترجح آخر بإعمال قاعدة أخرى. وهذه القواعد تعتبر الأصل في الترجيح إلا إذا دل دليل على عدم استخدامها في هذا الموضع، فكل قاعدة يستثنى منها، فيقال: يكون الترجيح بالأغلب من لغة العرب، إلا إذا دلَّ الدليل على إرادة غيره ... وهكذا في بقية القواعد، فتنبه لهذه الملحوظات. [٩٧]

стр. 129

القواعد الترجيحية: ١ - ما يتعلق منها بالعموم في القرآن. ٢ - ما يتعلق منها بالسياق القرآني. ٣ - ما يتعلق منها برسم المصحف. ٤ - ما يتعلق منها بالأغلب من لغة العرب. ٥ - ما يتعلق منه بالمعاني الشرعية في القرآن. ٦ - ما يتعلق منها بتصريف اللفظ. ٧ - ما يتعلق منها بالتقديم والتأخير. ٨ - ما يتعلق منها بظاهر القرآن. ٩ - ما يتعلق منها بطريقة القرآن وعادته. ١٠ - ما يتعلق منها بإجماع الحجة أو قول الأكثر من الصحابة والتابعين. ١١ - ما يتعلق منها بالاستعمال العربي. ١٢ - ما يتعلق منها بالسنة النبوية. ١٣ - ما يتعلق منها بالتأسيس والتأكيد. ١٤ - ما يتعلق منها بعود الضمير إلى أقرب مذكور. ١٥ - ما يتعلق منها بتوافق الضمائر. ١٦ - ما يتعلق منها بالتقدير وعدمه. * * *

стр. 130

١ - ما يتعلق بالعموم في القرآن وفيه قاعدتان: أـ الخبر على عمومه حتى يأتي ما يخصصه: [٩٨] ب ـ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. شرح القاعدتين مع الأمثلة: أـ الخبر على عمومه حتى يأتي ما يخصصه: أخبار الله في القرآن تأتي في كثير من الأحيان عامة غير مخصَّصة، وقد يذكر بعض المفسرين أقوالاً هي في معناها مخصِّصة لهذا العموم، فيقال في مثل هذا: (الخبر على عمومه حتى يأتي ما يخصِّصه) (١). مثال: قوله تعالى: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ [البلد: ٣]. قيل: آدم وولده. وقيل: إبراهيم وولده. وقيل: عام في كل والد وما ولد. قال ابن جرير الطبري: «والصواب من القول في ذلك ما قاله الذين قالوا: إن الله أقسم بكل والد وولده؛ لأن الله عمَّ كل والد وما ولد. وغير جائز أن يخص ذلك إلا بحجة يجب التسليم لها من خبر، أو

стр. 131

عقل، ولا خبر بخصوص ذلك، ولا برهان يجب التسليم له بخصوص، فهو على عمومه كما عمَّه» (١). ب ـ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب: إذا قيل في آية: إنها نزلت في كذا، فهذا لا يعني أنها تُقصر على هذا السبب، بل المراد هنا الألفاظ، ولذا تعمَّم هذه الألفاظ وإن كان السبب خاصّاً (٢). [٩٩] مثال قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣]. قيل: نزلت في العاص بن وائل السهمي. وقيل: نزلت في عقبة بن أبي معيط. وقيل: نزلت في جماعة من قريش. قال ابن جرير الطبري: «وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذِكْرُه أخبر أن مبغض رسول الله ﷺ هو الأقل الأذل المنقطع عقبه، فذلك صفة كل من أبغضه من الناس، وإن كانت الآية نزلت في شخص بعينه» (٣). مثال: قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ ... [البقرة: ١٩]. قال الشنقيطي: «والآية التي نحن بصددها وإن كانت في المنافقين، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص الأسباب» (٤). [١٠٠] * * *

стр. 132

٢ - ما يتعلق بالسياق القرآني إن النظر في سياق الآية من حيث سباقها ولحاقها يعين على تعيين القول الراجح، وقد اهتم كثير من المفسرين بالسياق في ترجيح أحد الأقوال أو ردها لمخالفتها السياق، وقد يكون اللفظ عامّاً محتملاً لأكثر من معنى فيحدد بالسياق أحد هذه المعاني؛ لأنه أولى به وأقرب إليه، مع أن غيره من الأقوال محتمل. مثال: قوله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]. ففي تأويل: ﴿مَا كَتَبَ اللَّهُ﴾ قيل: هو الولد. وقيل: ليلة القدر. وقيل: ما أحله الله لكم ورخص لكم. قال ابن جرير الطبري: «والصواب من القول في تأويل ذلك عندي أن يقال: إن الله تعالى ذِكْرُه قال: ﴿وَابْتَغُوا﴾ يعني: اطلبوا ما كتب الله لكم، يعني الذي قضى الله تعالى لكم، وإنما يريد الله تعالى ذِكْرُه: اطلبوا الذي كتبت لكم في اللوح المحفوظ أنه يباح فيطلق لكم، وطلب الولد إن طلبه الرجل بجماعه المرأة مما كتب الله له في اللوح المحفوظ، وكذلك إن طلب ليلة القدر، فهو مما كتب الله له، وكذلك إن طلب ما أحل الله وأباحه، فهو مما كتبه في اللوح المحفوظ. وقد يدخل في قوله: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ جميع معاني الخير المطلوبة، غير أن أشبه المعاني بظاهر الآية قول من قال معناه: وابتغوا ما

стр. 133

كتب الله لكم من الولد لأنه عقيب قوله: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ بمعنى: جامعوهن، فلأن يكون قوله: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ بمعنى: وابتغوا ما كتب الله في مباشرتكم إياهن من الولد والنسل أشبه بالآية من غيره من التأويلات التي ليس على صحتها دلالة من ظاهر التنزيل، ولا خبر عن الرسول ﷺ » (١). فأنت ترى في هذا المثال أن الإمام ابن جرير قد ذكر احتمال العموم في قوله: «جميع [١٠١] معاني الخير المطلوبة» ثم خصَّ أحدهما بدلالة السياق فقال: «غير أن أشبه المعاني بظاهر الآية قول من قال معناه: وابتغوا ما كتب الله لكم من الولد لأنه عقيب قوله: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾». مثال: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ [عبس: ٢٠]، قيل في السبيل قولان: الأول: خروجه من بطن أمه. الثاني: طريق الحق والباطل، بيَّناه له وأعلمناه، وسهَّلنا له العمل به. قال ابن جرير الطبري: «وأولى التأويلين في ذلك عندي بالصواب قول من قال: ثم الطريق، وهو الخروج من بطن أمه يسره. وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالصواب؛ لأنه أشبههما بظاهر الآية، وذلك أن الخبر من الله قبلها وبعدها عن صفته خلقه، وتدبيره جسمه، وتصريفه إياه في الأحوال، فالأولى أن يكون أوسط ذلك نظير ما قبله وما بعده» (٢). ومن أمثلة رد أحد الأقوال بالسياق؛ أي: أن في السياق ما يدل على رد هذا القول. تفسير الحسن لقوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾ [المائدة: ٢٧] قال: هما رجلان من بني إسرائيل. ويرد عليه بسياق الآية في قوله: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ

стр. 134

كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ﴾ [المائدة: ٣١]، ففيها دليل على أن ذلك وقع أول الأمر قبل أن يعلم الناس دفن الموتى، أما في زمن بني إسرائيل فلا يخفى دفن الموتى على أحد (١). ولا يخفاك ما بين ترجيح أحد الأقوال بالسياق أو رد أحدهما من التلازم؛ فتنبه لذلك. [١٠٢] * * *

стр. 135

٣ - ما يتعلق برسم المصحف المراد أن رسم المصحف يرجح أحد الأقوال المذكورة في الآية، ويرد الآخر لمخالفته الرسم. مثال: قوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنْسَى﴾ [الأعلى: ٦]. قيل في (لا) قولان: الأول: أنها نافية. الثاني: أنها ناهية. ويترجح الأول؛ لأن رسم (تنسى) في المصحف بإثبات الألف المقصورة، والفعل المضارع إذا تقدمت عليه (لا) الناهية جزمته، فإذا جزم وفي نهايته حرف علة حُذِف، ولما كان حرف العلة هنا غير محذوف دل على أنّ (لا) هنا غير ناهية. قال القرطبي: «والأول هو المختار ـ أي: كونها نافية ـ؛ إن الاستثناء من النهي لا يكاد يكون إلا مؤقتاً، وأيضاً فإن الياء مثبتة في جميع المصاحف، وعليها القرَّاء» (١). ومن أمثلته: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣]. في الضمير (هم) في ﴿كَالُوهُمْ﴾ و ﴿وَزَنُوهُمْ﴾ قولان: الأول: أنه يعود على الناس، ويكون الضمير في موضع نصب. ويكون المعنى: إذا كال المطففون الناس، أو وزن المطففون للناس ..

стр. 136

الثاني: أنه يعود على واو الجماعة في كالوا ووزنوا، ويكون الضمير في موضع رفع مؤكد لواو الجماعة. ويكون المعنى: إذا كال المطففون هم، وإذا وزن المطففون هم. وقد رجح العلماء الأول؛ لأنه الموافق لرسم المصحف، والثاني مخالف له. قال الزجاج: «والاختيار أن تكون (هم) في موضع نصب، بمعنى كالوا لهم، ولو [١٠٣] كانت على معنى كالوا، ثم جاءت (هم) توكيداً لكان في المصحف ألف مثبتة قبل (هم)» (١). وقال السيوطي ـ في معرض تنبيهاته على (إعراب القرآن) ـ: أن يراعي الرسم. وضرب لهذه أمثلة، وفيها دلالة على أن الرسم يدلّ على خطأ بعض الأقوال المذكورة في الآية: قال السيوطي: «ومن ثمَّ خُطِّئ من قال في ﴿سَلْسَبِيلاً﴾ [الإنسان: ١٨]: إنها جملة أمرية؛ أي: سل طريقاً موصلة إليها؛ لأنها لو كانت كذلك لكتبت مفصولة. ومن قال في قوله: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه: ٦٣] إنها: إنَّ واسمها؛ أي: إنَّ القصة، و (ذان) مبتدأ خبره (لساحران)، والجملة خبر إن، وهو باطل برسم (إن) منفصلة و (هذان) متصلة. ومن قال في قوله: ﴿وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء: ١٨] إن اللام للابتداء، والذين مبتدأ، والجملة بعد خبر، وهو باطل؛ فإن الرسم (ولا). ومن قال في قوله: ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ [مريم: ٦٩]: إن (هم أشد) مبتدأ وخبره، و (أي)، مقطوعة الإضافة، وهو باطل برسم (أيهم) متصلة (٢). [١٠٤]

стр. 137

٤ - ما يتعلق بالأغلب من لغة العرب إنما يحمل كلام الله على الأغلب المعروف من لغة العرب، دون الأنكر المجهول أو الشاذ. وذلك أن يكون للكلمة في لغة العرب أكثر من معنى، فيختار المفسر المعروف الأغلب إلا أن يقع دليل على غير ذلك. مثال: قوله تعالى: ﴿لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلاَ شَرَابًا﴾ [النبأ: ٢٤]. قيل في البرد قولان: الأول: هو برد الهواء الذي يبرد جسم الإنسان. الثاني: النوم. قال ابن جرير معلقاً على القول الثاني: «والنوم وإن كان يبرد غليل العطش، فقيل له من أجل ذلك: البرد، فليس هو باسمه المعروف، وتأويل كتاب الله على الأغلب من معروف كلام العرب دون غيره» (١). وتابع النحاسُ أبا جعفر الطبري فقال: «وأصح هذه الأقوال القول الأول؛ لأن البرد ليس باسم من أسماء النوم، وإنما يحتال فيه فيقال للنوم: برد؛ لأنه يهدِّي العطش، والواجب أن يحمل تفسير كتاب الله جل وعز على الظاهر والمعروف من المعاني إلا أن يقع دليل على غير ذلك» (٢). [١٠٥] * * *

стр. 138

٥ - ما يتعلق بالمعنى الشرعي لما كان القرآن نازلاً بلغة العرب، فإنه قد وقع فيه من الألفاظ ما لها دلالات خاصة في الشرع لم تكن معروفة قبل عند العرب، وهذه الألفاظ هي مصطلحات وأسماء شرعية، وقد أُلِّف فيها كتب؛ ككتاب «الزينة في الكلمات الإسلامية» لحمدان الرازي (ت:٣٢٢هـ). ومن هذه الألفاظ الجنة والنار، الصلاة والزكاة، العمرة والحج، البعث والنشور، وغيرها من الكلمات التي صار لها مدلول خاص عند المسلم، فإذا سمع أحد هذه الألفاظ تبادر إلى ذهنه المعنى الشرعي لها. والمقصود هنا أنه إذا اختلف المعنى الشرعي والمعنى اللغوي فإن المقدَّم المعنى الشرعي؛ لأن القرآن نزل لبيان الشرع لا لبيان اللغة، إلا أن يكون هناك دليل يترجح به المعنى اللغوي، فيؤخذ به. مثال: قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] ففي قوله: ﴿وَلاَ تُصَلِّ﴾ احتمالان: الأول: الدعاء، وهذا هو المعنى اللغوي. الثاني: الوقوف على الميت للدعاء له بصفة مخصوصة. فيقدم هذا المعنى الشرعي؛ لأنه المقصود للمتكلم المعهود للمخاطب. ومما دل الدليل فيه على إرادة المعنى اللغوي مع احتمال الشرعي قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣].

стр. 139

فقوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ أي: ادع لهم، ويدل على ذلك ما رواه مسلم عن عبد الله بن أبي أوفى قال: «كان النبي ﷺ إذا أتي بصدقة قوم صلَّى عليهم، فأتاه أبي بصدقة فقال: «اللهم صلِّ على آل أبي أوفى»» (١). [١٠٦] * * *

стр. 140

٦ - ما يتعلق بتصريف اللفظة معرفة تصريف اللفظة وإرجاعها إلى أصلها يعين في بيان الراجح من الأقوال، ورد ما كان غير صواب. ولا شك أن الألفاظ تختلف معانيها باختلاف تصريفها وإن كانت من مادة واحدة مثل (قسط وأقسط). فقسط بمعنى جار، ولم يعدل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥]. وأقسط بمعنى عدل، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢]. مثال: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١]. ذكر الزمخشري معنى (بإمامهم): أي بمن ائتموا به من نبي أو مقدم في الدين أو كتاب ... ثم ذكر قولاً آخر قاله بعضهم، وهو: أن إمام جمع أمّ، ثم بدَّعه. وعلق ابن المنيِّر على هذا القول الغريب بقوله: «قال أحمد: ولقد استبدع بدعاً لفظاً ومعنىً فإن جمع الأم المعروف أمهات» (١). مثال: قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ [الكهف: ١٧]. قوله: ﴿تَقْرِضُهُمْ﴾ أصله من قرض بمعنى: قطع، والمعنى: تقطع لهم من ضوئها شيئاً.

стр. 141

وقيل: تعطيهم من ضوئها شيئاً ثم تزول سريعاً؛ كالقرض يُسْتَردُّ، وعلى هذا يكون أصل «تقرضهم» أقرض، ولو كان أصلها أقرض لكان الفعل مضموم التاء «تُقرضهم». ولما كان الفعل مفتوحاً دل على أنه من الأول. قال أبو حيان: «وقال أبو علي: معنى تقرضهم: تعطيهم من ضوئها شيئاً ثم تزول [١٠٧] سريعاً، كالقرض يُستردُّ، والمعنى عنده أن الشمس تميل بالغدوة، وتصيبهم بالعشي إصابة خفيفة انتهى. ولو كان من القرض الذي يعطى ثم يسترد لكان الفعل رباعياً، فكان يكون تُقرضهم بالتاء مضمومة، لكنه من القطع، وإنما التقدير تَقرض لهم؛ أي: تقطع لهم من ضوئها شيئاً» (١). [١٠٨] * * *

стр. 142

٧ - ما يتعلق بالتقديم والتأخير الأصل في الكلام تقديم ما حقه التقديم، وتأخير ما حقه التأخير، ولا يعدل عن هذا الأصل إلا بحجة يجب التسليم لها. قال أبو جعفر النحاس: «التقديم والتأخير إنما يكون إذا لم يجز غيرهما» (١). وقال أبو عمرو الداني: «التقديم والتأخير لا يصح إلا بتوقيف أو بدليل قاطع» (٢). وقال شيخ الإسلام: «والتقديم والتأخير على خلاف الأصل، فالأصل إقرار الكلام على نظمه وترتيبه لا تغيير ترتيبه، ثم إنما يجوز فيه التقديم والتأخير مع القرينة، أما مع اللبس فلا يجوز؛ لأنه يلتبس على المخاطب» (٣). مثال: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى *فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ [الأعلى: ٤، ٥]. الأحوى: شديد السواد، أو الأخضر الضارب إلى السواد من شدة الخضرة. والغثاء: الهشيم اليابس. وفي معنى الآية قولان: الأول: أن الله أخرج المرعى أخضر، ثم جعله من بعد الخضرة هشيماً متكسراً، مائلاً إلى السواد من القدم.

стр. 143

الثاني: أن الله أخرج المرعى أحوى؛ أي: أخضر شديد الخضرة، مائلاً بشدة خضرته إلى السواد، ثم جعله هشيماً متكسراً، ويكون على هذا القول (أحوى) مؤخراً حقه التقديم. قال ابن جرير الطبري معلقاً على هذا القول: «وهذا القول وإن كان غير مدفوع أن يكون ما اشتدت خضرته من النبات قد تسميه العرب أسود، غير صواب عندي، بخلاف تأويل أهل التأويل في أن الحرف إنما يحتال لمعناه المجرد بالتقديم والتأخير إذا لم يكن له وجه مفهوم إلا بتقديمه عن موضعه، أو تأخيره، فأمَّا وله في موضعه وجه صحيح فلا وجه لطلب الاحتيال لمعناه بالتقديم والتأخير» (١). [١٠٩] * * *

стр. 144

٨ - ما يتعلق بظاهر القرآن المراد من هذا أن ظاهر القرآن لا يجوز العدول عنه إلا بدليل يجب الرجوع إليه، أو كما قال الإمام ابن جرير: «غير جائز ترك الظاهر المفهوم من الكلام إلى باطن إلا بدليل» (١). مثال: قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]. قال ابن جرير: «يعني بقوله جل ثناءه: ﴿وَإِنَّهَا﴾ وإن الصلاة، فالهاء والألف في «إنها» عائدتان على الصلاة. وقد قال بعضهم: إن قوله: ﴿وَإِنَّهَا﴾ بمعنى إجابة محمد ﷺ ، ولم يَجْرِ ذلك بلفظ الإجابة ذكر، فتجعل الهاء والألف كناية عنه، وغير جائز ترك الظاهر المفهوم من الكلام إلى باطن لا دلالة على صحته» (٢). مثال: قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨]. روى الإمام ابن جرير عن السدي أنه قال: «يعنيان العرب». قال ابن جرير معلقاً على هذا القول: «وهذا قول يدل ظاهر الكتاب على خلافه؛ لأن ظاهره يدل على أنهما دعوا الله أن يجعل من ذريتهما أهل طاعته وولايته والمستجيبين لأمره، وقد كان من ولد إبراهيم العرب وغير العرب، والمستجيب له والخاضع له بالطاعة من الفريقين، فلا وجه لقول من قال: عنى إبراهيم بدعائه ذلك فريقاً من ولده بأعيانهم دون غيرهم إلا التحكم الذي لا يعجز عنه أحد» (٣). [١١٠]

стр. 145

مثال: قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]. قال الإمام الشنقيطي: «وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ﴾ جمع ميزان، وظاهر القرآن تعدد الموازين لكل شخص؛ لقوله: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [الأعراف: ٨]، وقوله: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ [الأعراف: ٩]، فظاهر القرآن يدل على أن للعامل الواحد موازين يوزن بكل واحد منها صنف من أعماله؛ كما قال الشاعر: ملك تقوم الحادثات لعدله ... فلكل حادثة ميزان والقاعدة المقررة في الأصول أن ظاهر القرآن لا يجوز العدول عنه إلا بدليل يجب الرجوع إليه» (١). [١١١] * * *
следующие страницы →