طرق التفسير
١ - تفسير القرآن بالقرآن:
أنواعه:
١ - بيان المجمل.
٢ - تقييد المطلق.
٣ - تخصيص العام.
٤ - تفسير المفهوم من آية بأخرى.
٥ - تفسير لفظة بلفظة.
٦ - تفسير معنى بمعنى.
٧ - تفسير أسلوب في آية بأسلوب في آية أخرى.
٢ - تفسير القرآن بالسنة:
أنواعه:
١ - أن يبتدأ النبي ﷺ الصحابة بالتفسير.
٢ - أن يشكل على الصحابة فهم أية فيفسرها لهم.
٣ - أن يذكر في كلامه ما يصلح أن يكون تفسيراً.
٤ - أن يتأول القرآن فيعمل به.
٣ - تفسير القرآن بأقوال الصحابة:
مصادر الصحابة في التفسير:
١ - القرآن الكريم.
٢ - السنة النبوية.
٣ - اللغة العربية.
٤ - أهل الكتاب.
٥ - الفهم والاجتهاد.
٤ - تفسير القرآن بأقوال التابعين:
مصادر التابعين في التفسير:
١ - القرآن الكريم.
٢ - السنة النبوية.
٣ - الصحابة.
٤ - اللغة العربية.
٥ - أهل الكتاب.
٦ - الفهم والاجتهاد.
٥ - تفسير القرآن باللغة
٦ - تفسير القرآن بالرأي والاجتهاد
стр. 72
التفسير بالمأثور
يعد بعض من كتب في علوم القرآن التفسير بالمأثور أنه تفسير القرآن بالقرآن، ثم بالسنة، ثم بأقوال الصحابة، ثم بأقوال التابعين، مع حكاية الخلاف في إدخال التابعين في التفسير المأثور، وهذا التقسيم للتفسير بالمأثور فيه نظر، ويحتاج إلى تحرير (١).
ومن الإشكالات الواردة على هذا المصطلح أن هؤلاء يذكرون قول العلماء في حكم تفسير التابعي وأنه لا يكون حجة، ثم يقولون في نهاية بحث التفسير بالمأثور: إنه يجب الأخذ به.
والمراد هنا أن لفظة مأثور غير دقيقة في إعطاء الوصف، فلو سألت: لم سمي تفسيراً بالمأثور؟
هل هو مجرد اصطلاح لا معنى له؟
أم يراد به ما أثر عمَّن سلف بدءاً بالرسول ﷺ وختماً بالتابعين؟
أما الاستفسار الأول، فالذي يظهر أنه غير وارد؛ لأنه لا بد أنه اصْطُلح عليه لمعنى.
أما الثاني، وهو الظاهر من اللفظة، فعليه اعتراضان:
الأول: أن تفسير القرآن بالقرآن لا نقل فيه، بل هو داخل ضمن تفسير من فسر به، فإن كان المفسِّر هو الرسول ﷺ ، فهو من التفسير النبوي.
وإن كان المفسر هو الصحابي، فهو من تفسير الصحابي.
стр. 73
وإن كان المفسر هو التابعي، فهو من تفسير التابعي.
ثم لاحظ أن تفسير الصحابي أو التابعي القرآن بالقرآن هو من التفسير بالرأي، وذلك لأن طريق الوصول إلى تفسير هذه الآية هو الرأي والاجتهاد.
ولا يلزم أن كل من فسر آية بآية أن تفسيره هذا يقبل، بل قد يكون مرجوحاً وبناء عليه فحكمه حكم تفسير الصحابي والتابعي، ولو كان يلزم قَبول قول كل من [٥٣] فسر آية بآية لما رُدَّ شيء من هذه الأقوال، وهذا مجاهد فسر قوله تعالى: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ [عبس: ٢٠] بقوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣] ومع ذلك رجح الطبري القول الآخر بأنه خروجه من بطن أمه (١)، ولو كان تفسير الآية بالآية من التابعي مُلزِماً لما عدل عنه الطبري، وهذا واضح عند أدنى تأمل.
الثاني: لم توقف النقل عند التابعين ولم يذكر من بعدهم، مع أن فيهم من الأئمة في التفسير مَنْ فيهم، وأقوالهم مدونة ومحفوظة، والطريق إليهم هو بالأثر؛ كالتابعين؟.
والذي يظهر لي أن ما يمكن أن يطلق عليه تفسير بالمأثور، ويجب الأخذ به، ثلاث أنواع:
الأول: ما روي عن رسول الله ﷺ من تفسيره القرآن.
الثاني: ما روي عن الصحابة مما له حكم المرفوع؛ كأسباب النزول والمغيبات.
الثالث: ما أجمع عليه الصحابة أو التابعون، وهذا يلحق بالمأثور، لوجوب الأخذ به؛ لأن الإجماع حجة.
وأما تفسير الصحابة فإن كان مجمعاً عليه، أو كان سبب نزول، أو إخباراً عن أمر غيبي فهو في حكم المرفوع ـ كما مرَّ ـ.
стр. 74
وإن كان غير ذلك، فهو من باب الاجتهاد والرأي، سواءً كان معتمده اللغة، أو غيرها من أدوات الاجتهاد في التفسير.
وتفسير التابعي يُلحقُ بالمأثور إذا كان مما أجمع عليه التابعون، وما عداه فهو تفسير بالرأي.
وقد سبق تفصيل لتفسير الصحابي والتابعي، فراجعه. [٥٤]
* * *
стр. 75
اختلاف السلف في التفسير
الاختلاف سنة في البشر، وكل شخص ينظر إلى المسألة من زاوية ويحكم عليها حسب نظره واجتهاده، ويمكن تقسيم الاختلاف الواقع في التفسير إلى قسمين (١):
الأول: اختلاف التنوع.
الثاني: اختلاف التضاد.
وقد وقع هذان القسمان في تفسير السلف، إلا أن الثاني قليل.
قال شيخ الإسلام مشيراً إلى اختلاف التضاد ـ بعد أن ساق اختلاف التنوع ـ: ومع هذا فلا بد من اختلاف محقق بينهم، كما يوجد مثل ذلك في الأحكام (٢).
وقد أشار إلى وجود اختلاف التنوع عند السلف: إسحاق، وسفيان بن عيينة، والحسن، نقل ذلك عنهم الإمام محمد بن نصر المروزي (ت:٢٩٤هـ).
قال الإمام محمد بن نصر: «وسمعت إسحاق يقول في قوله: ﴿وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] قد يمكن أن يكون تفسير الآية على أولي العلم، وعلى أمراء السرايا؛ لأن الآية الواحدة يفسرها العلماء على أوجه، وليس ذلك باختلاف.
стр. 76
وقد قال سفيان بن عيينة: ليس في تفسير القرآن اختلاف إذا صح القول في ذلك (١).
وقال: أيكون شيء أظهر خلافاً في الظاهر من الخُنَّس؟
قال عبد الله بن مسعود: هي بقر الوحش.
وقال علي: هي النجوم.
قال سفيان: وكلاهما واحد؛ لأن النجوم تخنس بالنهار، وتظهر بالليل، والوحشية [٥٥] إذا رأت إِنسيّاً خنست في الغيطان وغيرها، وإذا لم تر إِنسيّاً ظهرت.
قال سفيان: فكل خنس.
قال إسحاق: وتصديق ذلك ما جاء عن أصحاب رسول الله ﷺ في الماعون يعني أن بعضهم قال: الزكاة، وقال بعضهم: عارية المتاع.
قال: وقال عكرمة: الماعون أعلاه الزكاة، وعارية المتاع منه.
قال إسحاق: وجَهِل قوم هذه المعاني؛ فإذا لم توافق الكلمةُ الكلمةَ قالوا: هذا اختلاف.
وقد قال الحسن ـ وذكر عنده الاختلاف في نحو ما وصفنا ـ فقال: إنما أُتِيَ القوم من قبل العجمة» (٢).
وفصَّل شيخ الإسلام (ت:٧٢٨هـ) هذه المسألة أتم تفصيل في كتابه «مقدمة في أصول التفسير» (٣).
стр. 77
وذكر الشاطبي (ت:٧٩٠هـ) في «الموافقات» مبحثاً كاملاً في اختلاف التنوع، وجعله من قسم الخلاف الذي لا يعتد به (١).
قال الشاطبي: «من الخلاف ما لا يعتد به وهو ضربان:
أحدهما: ما كان من الأقوال خطأ مخالفاً لمقطوع به في الشريعة، وقد تقدم التنبيه عليه.
والثاني: ما كان ظاهره الخلاف وليس في الحقيقة كذلك، وأكثر ما يقع ذلك في [٥٦] تفسير الكتاب والسنة، فتجد المفسرين ينقلون عن السلف في معاني ألفاظ الكتاب أقوالاً مختلفة في الظاهر، فإذا اعتبرتها وجدتها تتلاقى على العبارة كالمعنى الواحد، والأقوال إذا أمكن اجتماعها والقول بجميعها من غير إخلال بمقصد القائل فلا يصح نقل الخلاف فيها عنه ..» (٢).
وللشيخ محمد بن صالح العثيمين تقسيم لاختلاف التنوع والتضاد، اعتمد فيه على اللفظ والمعنى، وهو ثلاثة أقسام:
стр. 78
الأول: اختلاف في اللفظ دون المعنى.
الثاني: اختلاف في اللفظ والمعنى، والآية تحتمل المعنيين لعدم التضاد بينهما، فتحمل الآية عليهما، وتفسر بهما.
الثالث: اختلاف في اللفظ والمعنى، والآية لا تحتمل المعنيين معاً للتضاد بينهما، فتحمل الآية على الأرجح منهما بدلالة السياق أو غيره (١).
* * *
стр. 79
تعريف اختلاف التنوع واختلاف التضاد
اختلاف التنوع: هو أن تحمل الآية على جميع ما قيل فيها إذا كانت معان صحيحة غير متعارضة.
ومنه ما يكون كل من القولين هو في معنى القول الآخر، ولكن العبارتين مختلفتان.
ومنه ما يكون المعنيان متغايرين، لكن لا يتنافيان، فهذا قول صحيح وهذا قول صحيح وإن لم يكن معنى أحدهما هو معنى الآخر (١).
واختلاف التضاد: «هما القولان المتنافيان بحيث لا يمكن القول بهما معاً، فإذا قيل بأحدهما لزم منه عدم القول بالآخر» (٢). [٥٧]
أنواع اختلاف التنوع:
ويظهر من تقسيم شيخ الإسلام الاختلاف في التنوع أنه أربعة أنواع:
١ - أن يعبر كل واحد من المفسرين عن المعنى المراد بعبارة غير عبارة صاحبه، تدل على معنى في المسمَّى غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمَّى.
٢ - أن يذكر كل مفسر من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل المثال (٣).
٣ - أن يكون اللفظ محتملاً لأمرين، إما لأنه مشترك في اللغة، وإما لأنه متواطئ.
стр. 80
٤ - أن يعبروا عن المعنى بألفاظ متقاربة .
وقد أشار الشاطبي إلى ثلاث منها، وضرب لها أمثلة.
توضيح هذه الأنواع بالأمثلة:
النوع الأول:
قال شيخ الإسلام: «أن يعبر كل واحد من المفسرين عن المعنى المراد بعبارة غير عبارة صاحبه، تدل على معنى في المسمى غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمى».
وقال الشاطبي: «أن يذكر في النقل أشياء تتفق في المعنى، بحيث ترجع إلى معنى واحد، فيكون التفسير فيها على قول واحد، ويوهم نقلها على اختلاف اللفظ أنه خلاف محقق».اهـ.
ويأتي هذا فيما يكون له أكثر من وصف دال عليه، وهذا وارد في اللغة؛ كالسيف، فهو المهند، والصارم ... إلخ.
فمن عبر عنه بالمهند نظر إلى وصفه بالهندية، ومن عبر عنه بالصارم نظر إلى عدم انثنائه وقوته، فالتعبيران وإن اختلفا فإنهما يدلان على ذات واحدة.
ومثّل له شيخ الإسلام باختلاف عبارة المفسرين في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] فقال بعضهم: القرآن؛ أي: اتباعه، وقال بعضهم: هو الإسلام. [٥٨]
قال شيخ الإسلام: «فهذان القولان متفقان؛ لأن دين الإسلام هو اتباع القرآن، ولكن كل منهما نبَّه على وصف غير وصف الآخر، كما أن لفظ «صراط» يشعر بوصف ثالث، وكذلك قول من قال: هو السنة والجماعة، وقول من قال: هو طريق العبودية، وقول من قال: هو طاعة الله ورسوله ﷺ ، وأمثال ذلك.
стр. 81
فهؤلاء كلهم أشاروا إلى ذات واحدة، لكن وصفها كل منهم بصفة من صفاتها» (١).اهـ.
ومثّل له الشاطبي بتفسيرهم للسلوى فقال: «كما قالوا في السلوى: إنه طائر يشبه السُّمَانَى، وقيل: طير حمر صفته كذا، وقيل: طير بالهند أكبر من العصفور».اهـ.
أقول: ومن هذا الباب توسع السلف في التفسير لشيء ذُكِر أحد أوصافه أو أحواله في الآية، فيتوسعون بذكر الأوصاف الأخرى المذكورة في آيات أخرى، وإن لم يدل عليها اللفظ مباشرة.
ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾ [الطور: ٩]، فالمور يدل على تردُّد (٢) ويكون بذهاب ومجيء سريع على جهة الاضطراب (٣).
وجاء في تفسير السلف: تدور السماء دوراً، مورها: تحريكها.
ومورها: استدارتها وتحريكها لأمر الله، ومورها: موج بعضها في بعض، ومورها: تشققها (٤).
قال ابن عطية: «وهذه كلها تفاسير بالمعنى؛ لأن السماء العالية يعتريها هذا كله» (٥).
ولعلك لاحظت أن في هذه الأقوال ما لا يدل عليه اللفظ مباشرة، لكن المفسر عبر [٥٩] عن شيء سيقع للسماء، وإن لم تدل عليه هذه اللفظة، كمن فسر المور بالتشقق.
ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَاسًا دِهَاقًا﴾ [النبأ: ٣٤]، فقد قيل في الدهاق: ثلاث عبارات:
стр. 82
الأولى: ممتلئة.
الثانية: متتابعة.
الثالثة: صافية (١)، والعبارة الأولى هي التي يدل عليها اللفظ مباشرة، وما بعدها أوصاف تابعة، لكن لا يدل عليها اللفظ مباشرة (٢).
النوع الثاني:
قال شيخ الإسلام: «أن يذكر كل مفسر من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل المثال» (٣).
وقال الشاطبي: «أن يُذكَر في التفسير عن النبي ﷺ في ذلك شيء، أو عن أحد من أصحابه أو غيرهم، ويكون ذلك المنقول بعض ما يشمله اللفظ، ثم يذكر غير ذلك القائل أشياء أخر مما يشمله اللفظ أيضاً، فينصُّهما المفسرون على نصهما، فيظن أنه خلاف. اهـ.
ومثاله قوله تعالى: ﴿لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨].
قيل في النعيم أقوال: منها الأمن والصحة والأكل والشرب.
وقيل: تخفيف الشرائع.
وقيل: الإدراك بحواس السمع والبصر (٤)، فهذا المذكور كله أمثلة للنعيم.
ومثّل له الشاطبي بالمنِّ فقال: «كما نقلوا في المنِّ أنه خبز رقاق، وقيل: زنجبيل [٦٠] وقيل: الترنجبين، وقيل: شراب مزجوه بالماء، فهذا كله
стр. 83
يشمله اللفظ، لأن الله منَّ به عليهم، ولذلك جاء في الحديث: «الكمأة من المنِّ الذي أنزل الله على بني إسرائيل»، فيكون المنُّ جملةَ نعمٍ ذكر الناس منها آحاداً».
ويدخل ضمن هذا النوع ما يذكره المفسرون من أسباب النزول، فهي كالمثال، فإذا قيل نزلت هذه الآية في كذا، وقيل غير ذلك من أسباب فإنها كالأمثلة تدخل في حكم الآية.
وهذان النوعان السابقان هما الغالبان على تفسير سلف الأمة، كما قال شيخ الإسلام (١).
النوع الثالث:
أن يكون اللفظ محتملاً لأمرين، إما لأنه مشترك في اللغة (٢)، أو لأنه متواطئ (٣).
ومن أمثلة المشترك اللغوي في القرآن: لفظ «قسورة» في قوله تعالى: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر: ٥١]. قيل: هو الرامي، وقيل: الأسد، وقيل: النبل.
стр. 84
ومن أحرفه الواردة في القرآن لفظ ﴿عَسْعَسَ﴾ في قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧]. قيل: ﴿عَسْعَسَ﴾ بمعنى أدبر، وقيل: أقبل.
أمثلة المتواطئ:
يشمل المتواطئ: الضمير الذي يحتمل عوده إلى شيئين، وأسماء الأجناس؛ كالفجر [٦١] والعصر، والأوصاف التي يشترك فيها أكثر من واحد؛ كالخنس والنازعات.
ومن أمثلة الضمير، قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاَقِيهِ﴾ [الانشقاق: ٦]، فالضمير في قوله: ﴿فَمُلاَقِيهِ﴾ يحتمل عوده إلى الكدح وإلى الرب.
ومن أمثلة أسماء الأجناس الخلاف الواقع في تفسير الفجر في قوله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ﴾ [الفجر: ١] قيل: عام في كل فجر، وقيل: أول فجر في ذي الحجة، وقيل: أول فجر من أيام السنة.
ومن أمثلة الأوصاف، لفظ الخنس: فقيل: هو بقر الوحش والظباء، وقيل: هو الكواكب والنجوم (١).
وفي هذا النوع يمكن أن تكون هذه الأقوال داخلة ضمن معاني الآية، فتحمل عليها جميعاً (٢)، ويمكن أن يكون أحدها راجحاً، فيكون هو المختار وما عداه فهو مرجوح.
النوع الرابع:
أن يعبِّر المفسرون عن المعنى بألفاظ متقاربة.
стр. 85
مثل قوله تعالى: ﴿أَنْ تُبْسَلَ﴾ [الأنعام: ٧٠] قيل: تحبس، وقيل: ترتهن.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨].
قال ابن عباس ومجاهد: نصب.
وقال ابن زيد: عناء.
وقال سفيان: سآمة. [٦٢]
* * *
стр. 86
أسباب الاختلاف في تفسير السلف
وجود الاختلاف من طبائع البشر التي لا تنفك عنهم، وهو من قدر الله فيهم.
ففي ألسنتهم اختلاف، وفي ألوانهم، وفي عقائدهم، وفي أفكارهم ... إلخ، والمقصود أن وقوع الاختلاف بين علماء الأمة ليس ذمّاً عليهم، إذ لا أحد من المجتمعات يسلم منه.
وقد وقع الاختلاف في التفسير كما وقع في الأحكام، ولهذا الاختلاف أسباب أوجبته، وعلل أوجدته، والأمر في الاختلاف في النص إذا كان معلوماً للمجتهدين يرجع إلى أحد شيئين:
الأول: اختلاف فهوم المجتهدين من العلماء.
الثاني: أن يكون النص محتملاً لأكثر من معنى.
إذاً فالخلاف منه ما يرجع إلى المجتهد، ومنه ما يرجع إلى النص.
والمؤلفات في أسباب الاختلاف في التفسير نادرة، وقد سرد بعض هذه الأسباب ابن جزي في مقدمة تفسيره، وقد أُلف في أسباب الاختلاف رسالة علمية بعنوان: «اختلاف المفسرين: أسبابه وآثاره» (١).
ويمكن الاستفادة في هذا الموضوع ممّا كتب في أسباب اختلاف العلماء من حيث العموم، ومن أهمها رسالة ابن السيد البطليوسي، التي سمَّاها: «الإنصاف في التنبيه على المعاني والأسباب التي أوجبت الاختلاف بين المسلمين في آرائهم».
стр. 87
وترجع أهميتها إلى أنه ذكر في بعض الأسباب آيات اختلف المفسرون فيها، وبين سبب اختلافهم.
و من أسباب الاختلاف بين مفسري السلف (١): [٦٣]
١ - الاشتراك:
وهو اللفظ الدال على أكثر من معنى في لغة العرب.
والمشترك قد يكون من أحرف التضاد، وقد لا يكون.
وإذا كان من أحرف التضاد فقد يجوز حمل الآية على المعنيين المتضادين، ويكونان بمثابة التفسيرين للآية، ويكون هذا إذا اختلف المحل.
وقد يمتنع حمل الآية عليهما معاً: ويلزم من القول بأحدهما نفي الآخر.
وإليك الأمثلة:
أـ من المشترك المتضاد الذي يجوز حمل الآية على معنييه المتضادين، ويكونان بمثابة التفسيرين للآية لفظ ﴿عَسْعَسَ﴾ في قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧]، فقد فسر لفظ (عسعس) بأنه أقبل، وفسر بأنه أدبر، وبالأول قال ابن عباس، وقتادة، وابن جبير؛ وبالثاني قال ابن عباس، وابن زيد (٢).
ومثل هذا يجوز حمل الآية على هذين المعنيين المتضادين، فيكون لفظ ﴿عَسْعَسَ﴾ دالاًّ على أن الإقسام مراد به أول الليل وآخره، فدل على هذين المعنيين بلفظة واحدة، ولو جاء بهما بلفظيهما لكان: (والليل إذا أقبل وأدبر).
стр. 88
ب ـ ومن المشترك المتضاد الذي يمتنع حمل الآية على معنييه، بل يلزم من القول بأحدهما نفي الآخر لفظة (قرء) في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فقد ورد في لغة العرب بمعنى: الطهر، وبمعنى: الحيض.
روي المعنى الأول عن زيد بن ثابت وابن عمر وعائشة والزهري. [٦٤]
وروي المعنى الثاني عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وأبي موسى، وعبادة بن الصامت، وأبي الدرداء، وعكرمة، والضحاك، وسفيان الثوري، والسدي (١).
وفي هذا المثال يمتنع حمل الآية على المعنيين معاً؛ لأن القول بأحدهما يستلزم نفي الآخر، فالمطلوب من المرأة أن تتربص؛ إما ثلاثة أطهار، وإمَّا ثلاث حيض.
جـ ومن المشترك الذي ليس من أحرف التضاد ـ وهو كثير ـ لفظ (العتيق) من قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، فقيل: العتيق بمعنى: القديم، وهو قول الحسن، وابن زيد.
وقيل: العتيق المعتق من الجبابرة، بمعنى: أنه محرر لا يملكه أحد، وبه قال مجاهد، وقتادة، وابن الزبير (٢)، وهذا مما يجوز حمل الآية على معنييه.
والاشتراك قد يكون في الأسماء؛ كقسورة: للأسد والرامي. والصريم: للنهار والليل. وقد يكون في الأفعال؛ كظن: للشك واليقين.
٢ - الاختلاف في مفسر الضمير ، وهو أنواع:
الأول: أن يكون في الآية ضمير يحتمل عوده إلى أكثر من مذكور.
ومثاله قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاَقِيهِ﴾ [الانشقاق: ٦].
стр. 89
قيل: تلاقي ربك.
وقيل: تلاقي عملك (١).
وكلاهما صحيح محتمل؛ لأن الإنسان سيلاقي ربه، وعمله.
ومثله قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ [العاديات: ٧] ففي مرجع هاء الكناية قولان:
القول الأول: أن مرجعها إلى الله، وبه قال ابن عباس، وابن جريج.
القول الثاني: أن مرجعها إلى الإنسان الكنود، روي هذا عن ابن عباس (٢). [٦٥]
الثاني: أن يكون في الآية ضميران، وكل واحد منهما يرجع إلى مرجع لا يرجع إليه الآخر، فيكون للآية أكثر من معنى، فينص كل واحد من المفسرين على أحد هذه المعاني.
مثاله: قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠].
ففي قوله: «يرفعه» ضميران، وكل واحد منهما يرجع إلى مرجع لا يرجع إليه الآخر:
الأول: الضمير الظاهر، وهو الهاء، وهو في محل نصب مفعول به، ويعود على الكلم الطيب، ويكون المعنى: والعمل الصالح يرفع الكلم الطيب.
الثاني: الضمير المستتر، وهو في محل رفع فاعل، يعود على الله سبحانه، ويكون المعنى: والعمل الصالح يرفعه الله، وبه قال قتادة، والسدي.
стр. 90
ويحتمل عوده كذلك إلى الكلم الطيب، ويكون المعنى: والعمل الصالح يرفعه الكلم الطيب، وبهذا يكون معاكساً للقول الأول، وبه قال الحسن، ويحيى بن سلام (١).
٣ - أن يكون في الجملة حذف:
ويحتمل في تقديره أكثر من معنى، فيذكر كل واحد أحد المعاني المحتملة.
ومثاله: قوله تعالى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧].
ففي متعلق «ترغبون» تقديران:
الأول: ترغبون في نكاحهن، وهذا قول عائشة وعبيدة. [٦٦]
الثاني: ترغبون عن نكاحهن، وهذا قول الحسن (٢).
ففي الأول: صارت الرغبة في زواجهن، وفي الثاني: صِرْنَ غير مرغوب فيهن.
ومثله: قوله تعالى: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣] قيل في مرجع علم قولان:
الأول: على علم من العبد بضلاله، وهذا قول مقاتل.
الثاني: على علم من الله بضلاله، وهذا قول ابن عباس (٣).
٤ - أن تحتمل اللفظة أكثر من تصريف في اللغة:
ويحمل كل واحد من المفسرين الآية على أحد التصريفات.
ومثاله: لفظة ﴿يُضَآرَّ﴾ في قوله تعالى: ﴿وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
стр. 91
فتصريف لفظة ﴿يُضَآرَّ﴾ تحتمل أن تكون (يُضارَر)، وتحتمل أن تكون (يضارِر) فعلى الاحتمال الأول يكون النهي واقعاً على أن يُضر بالكاتب أو الشهيد؛ أي: أن الضرر يقع على الكاتب والشهيد، وهذا قول ابن عباس، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة، والضحاك، والسدي، والربيع.
وعلى الاحتمال الثاني: يكون النهي واقعاً على أن يَضرَّ الكاتب والشهيد؛ أي: أن الضرر يقع من الكاتب والشهيد، وهذا قول طاوس، والحسن، وقتادة (١).
ومثله: قوله تعالى: ﴿لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
٥ - تنوع الاستعمال العربي للفظة في إرادة المعاني القريبة والمعاني البعيدة:
فيحمل بعضهم اللفظة على المعنى القريب الظاهر، ويحمله آخرون على المعنى البعيد، وهذا النوع قريب من المشترك.
ومثاله: قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤].
من المفسرين من فسر الثياب بالمعروف المتبادر، وروي هذا عن ابن عباس، وطاوس، [٦٧] وابن سيرين، وابن زيد.
ومنهم من فسر الثياب بالنفس، وهذا المعنى بعيد غير متبادر، وهو مروي عن مجاهد وقتادة (٢).
مثال آخر:
في قوله تعالى: ﴿وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ [هود: ٩١] في قصة شعيب، قيل في المراد بالرجم قولان:
стр. 92
الأول: لرجمناك بالحجارة.
الثاني: لرجمناك بالسب، والشتم.
والأول هو المعنى القريب المتبادر للذهن، قال ابن عطية: وهو الظاهر (١).
والثاني، وإن كان محتملاً إلا أنه أبعد من الأول.
٦ - أن يدور حكم الآية بين الإحكام والنسخ (٢):
فيحكم بعضهم بالنسخ، ويحكم الآخر بالإحكام.
ومثاله: قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١].
قيل: هي منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥].
وهذا مروي عن الحسن، وعكرمة، والزهري.
وقيل: هي محكمة لا نسخ فيها (٣).
ومثله: قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩].
قيل: هي منسوخة بآية الزكاة، وهذا مروي عن السدي؛ لأنه يرى أنه فرض نزل قبل الزكاة، فنسخ بالزكاة. [٦٨]
وقيل: هي محكمة، وهي في الصدقة العامة المندوب إليها، وهذا مروي عن ابن عباس، ومقاتل بن حيان (٤).
стр. 93
٧ - أن يدور حكم الآية بين العموم والخصوص (١):
ومثاله: قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١].
قيل: هذه الآية حكمها عام، ثم خصَّصها قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥]، هذا مروي عن عثمان، وحذيفة، وجابر، وابن عباس، وقتادة، وابن جبير.
وقيل: إنها ليست مخصَّصة، بل المشركات هنَّ عابدات الأوثان من العرب وغيرهم ممن ليس لهم كتاب، وهذا مروي عن قتادة، وسعيد بن جبير (٢).
٨ - أن يذكر الوصف المحتمل لأكثر من موصوف:
ولا يحدد موصوفه في الآية، فيحمل كل مفسر هذا الوصف على ما يحتمله من الموصوفات.
стр. 94
وهذا النوع قريب من الذي قبله، بل هو باب منه (١)، ومن أمثلته:
قوله تعالى: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا *وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾ [النازعات: ١، ٢].
قيل في هذه الأوصاف: هي للملائكة، وقيل: للأنجم، وقيل: للموت ... إلخ.
ومثله: ﴿وَالذَّارِيَاتِ﴾ [الذاريات: ١]، ومثله: ﴿... بِالْخُنَّسِ﴾ [التكوير: ١٥].
٩ - أن يكون في الآية حرف له قراءتان (٢):
فيفسر أحدهم إحدى القراءتين؛ ويفسر الآخر الأخرى، فيختلف التأويل.
ومثاله: قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير: ٢٤]، ففي قوله تعالى: (ضَنِينٍ) قراءتان:
الأولى: بالضاد، ويكون المعنى: «ما هو ببخيل».
الثانية: بالظاء، ويكون المعنى: «وما هم بمتهم».
стр. 95
هذه بعض أسباب الاختلاف التي ظهرت لي، ويمكن باستقراء اختلافاتهم في التفسير أن تظهر هناك أسباب أخرى (١). [٦٩]
* * *
стр. 96
اختلاف السلف في التفسير
أنواعه:
١ - اختلاف التنوع:
أنواعه:
١ - أن يعبر كل واحد من المفسرين بعبارة غير عبارة صاحبه تدل على معنى في المسمى غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمى.
٢ - أن يذكر المفسر من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل.
٣ - أن يكون اللفظ محتملًا لأمرين، إما بسبب الاشتراك وإما بسبب التواطؤ.
٤ - أن يعبروا عن المعنى بألفاظ متقاربة.
٢ - اختلاف التضاد
أسبابه:
١ - الاشتراك.
٢ - الاختلاف في مفسر الضمير.
٣ - أن يكون في الجملة حذف، ويحتمل في تقديره أكثر من معنى.
٤ - أن تحتمل اللفظة أكثر من تصريف في اللغة.
٥ - تنوع الاستعمال العربي للفظة.
٦ - أن يدور حكم الآية بين الأحكام والنسخ.
٧ - أن يدور حكم الآية بين العموم والخصوص.
٨ - أن يذكر الوصف المحتمل لأكثر من موصوف، ولا يحدد موصوفه في الآية.
٩ - أن يكون في الآية حرف له قراءتان لكل منهما تفسير مختلف.
стр. 97
الإجماع في التفسير
لئن كان الإجماع في الفقه حظي بعناية العلماء فألَّفوا فيه إفراداً، أو ضمَّنوه شيئاً من كتبهم، فإن الإجماع في التفسير لم تكن له هذه العناية (١).
وهذا لا يعني عدم اهتمام المفسرين بهذا الجانب، بل تجد منهم من يحكي الإجماع في معنى بعض الآيات، ولكن هذا لا زال مبثوثاً في تفاسيرهم، لم يستخرج بعد.
و الإجماع في عرف الأصوليين: اتفاق مجتهدي هذه الأمة بعد النبي ﷺ على حكم شرعي (٢).
والمراد به هنا: إجماع المفسرين ـ ممن يعتبر في التفسير قولهم ـ على معنى من المعاني في تفسير آية من كتاب الله.
والإجماع حجة، وهو الأصل الثالث من أصول الشريعة.
وتظهر فائدة جمع ما أجمع عليه المفسرون وأهميته فيما يلي:
١ - حمل كلام الله تعالى على لون من أصح ألوان التفسير، وأقواها ثبوتاً.
٢ - أن تعرف إجماعات المفسرين فلا يجترأ على مناقضتها (٣).
مسألة: كيف نصل إلى إجماعات المفسرين:
لمعرفة إجماعات المفسرين طريقان، وكلاهما يعتمد على الاستقراء:
الأول: أن ينص أحد المحققين على حكاية الإجماع؛ كابن جرير، وابن
стр. 98
عطية وغيرهما، وحكمهم على مسألة في التفسير بالإجماع يدل على استقرائهم لأقوال السالفين لهم [٧٠] ثم دور الباحث بعدهم التأكد من عدم وجود المخالف، وهذا لا يكون إلا بالاستقراء كذلك.
الثاني: أن تَستقرئ أقوال المفسرين وتَستنبِط الإجماع من أقوالهم إذا لم يكن بينهم خلاف في الآية.
مسألة: بين اختلاف التنوع والإجماع:
الإجماع في التفسير قد يكون إجماعاً على لفظ، أو إجماعاً على معنى.
وفي الأول: تتفق عبارات المفسرين على اللفظ، وهذا الذي يحكيه المفسرون في الإجماع.
ومثاله: قوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤].
قال ابن عطية: «أما بشرى الآخرة فهي الجنة قولاً واحداً» (١).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ [فصلت: ٤١].
قال ابن عطية: «والذِّكْر: القرآن بالإجماع» (٢).
أما في الثاني: فقد يكون المعنى واحداً، أو أكثر.
فإن كان المعنى واحداً، فقد تختلف عبارات المفسرين في بيان هذا المعنى، ويكون هذا في النوع الأول، والثاني، والرابع، من تقسيمات شيخ الإسلام، التي سبق ذكرها (٣).
وفي هذا يكون الاتفاق على المعنى، وإن اختلفت عبارات المفسرين فيه.
كالصراط المستقيم الذي سبق ذكره، فإن المعنى المراد به في كل ما قيل واحد، وهو (اتباع الدين)، ولكن العبارات اختلفت في بيان هذا المعنى، نظراً
стр. 99
لأن كل مفسر نظر إلى شيء في الصراط غير الشيء الذي نظر إليه الآخر، فعبَّر به عنه. [٧١]
ومما يوضح ذلك أسماء الله سبحانه، فلو قلت: العزيز: الله، والحكيم: الله، والغفور: الله؛ فإنك تجد أن العزيز، والحكيم، والغفور، اتفقت في عودها إلى ذات واحدة، ولكن التعبير عن هذه الذات بهذه الأسماء اختلف؛ لأن معنى العزيز غير معنى الحكيم، ومعنى الحكيم غير معنى الغفور.
ففي دلالتها على ذات الله اتفاق، وفي انفراد كل منها بمعنى خاص اختلاف.
وفي التفسير بالمثال يكون الاتفاق على المعنى العام، ثم تختلف العبارات بسبب ذكر أمثلة لهذا العام.
ومما يوضح ذلك، تفسير المحروم في قوله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩].
قال ابن عطية: «واختلف الناس في (المحروم) اختلافاً هو عندي تخليط من المتأخرين إذ المعنى واحد، وإنما عبَّر علماء السلف في ذلك العبارات على جهة المثلات، فجعلها المتأخرون أقوالاً»، ثم ذكر جملة من أقوالهم، ثم قال: «والمعنى الجامع لهذه الأقوال أنه الذي لا مال له لحرمان أصحابه» (١).
وفي تفسير المعنى بالألفاظ المتقاربة، يكون المعنى مجمعاً عليه، ولكن يختلف التعبير عنه، مثل تفسير الإبسال في قوله تعالى: ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الأنعام: ٧٠] قيل: تحبس، وقيل: ترتهن، وقيل: تُسْلَم.
أما في النوع الثالث: وهو المحتمل لأكثر من أمر مع صحة احتمال الآية له، فقد يذكرون كل ما تحتمله الآية، وقد يذكرون أحد ما تحتمله الآية، وفي كل يكون إجماعهم على ذلك المذكور.
стр. 100
والمفسرون الذين يحكون الإجماع لا ينصون على مثل هذا الاختلاف في الإجماع بل يذكرون الإجماع الصريح في اللفظ القرآني، كما سيأتي من أمثلة الإجماع. [٧٢]
مسألة:
إذا كانت الآية تحتمل أكثر من معنى، وأجمع السلف على بعض هذه المعاني المحتملة، فهل يجوز تفسير الآية بما فيها من الاحتمال الصحيح الذي لم يذكره السلف؟
قد سبق الجواب على هذه المسألة في التنبيهات على تفسير الصحابة والتابعين، وأنه إذا كانت المعاني صحيحة، وتحتملها الآية، جاز التفسير بها؛ لأنها لا تكون مناقضة لإجماعهم، ولا يلزم من عدم ذكرهم إياها عدم قبولهم لها (١).
تنبيهات حول الإجماع في التفسير:
١ - يحكي بعض المفسرين إجماعاً في اللفظ من الآية لا يتوقع فيه خلاف، وذلك لشدة ظهور المعنى؛ كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [الأنعام: ١٥٤]. قال الشنقيطي: «الكتاب: هو التوراة بالإجماع» (٢).
وفي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ [البقرة: ١٢٧] قال ابن عطية: «البيت: الكعبة بالإجماع» (٣).
٢ - يذكر المفسرون إجماعات غير داخلة في تأويل الآية وتفسيرها؛ كالإجماعات الفقهية، أو الإجماع على مسائل في علوم القرآن؛ كمكي السورة ومدنيها، وعدد الآي، وغيرها، وهذه غير داخلة في موضوع الإجماع في التفسير؛ لأن المراد الإجماع على تفسير ألفاظ الآية ومعانيها.
٣ - مما يجدر التنبيه عليه أن الإجماع عند بعضهم هو اتفاق الأكثر؛
стр. 101
كابن جرير، ولذا ينتبه لمذهب حاكي الإجماع في الإجماع.
مسرد بعض الإجماعات:
١ - في قوله تعالى: ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢]. [٧٣]
قال ابن أبي حاتم: «الريب: الشك، وليس في هذا الحرف اختلاف بين المفسرين» (١).
٢ - قوله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَامُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨]. قال ابن القيم: «الفحشاء: هو البخل إجماعاً» (٢).
٣ - في قوله تعالى: ﴿لاَ تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]. قال الماوردي: «يعني الرجعة في قول الجميع» (٣).
٤ - في قوله تعالى: ﴿أَزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ [النجم: ٥٧]. قال ابن عطية: «عبارة عن يوم القيامة بإجماع المفسرين» (٤).
٥ - في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٣]. قال الشنقيطي: «الخطاب له ﷺ إجماعاً» (٥). [٧٤]
* * *
стр. 102
الأصول التي يدور عليها التفسير
المراد هنا أن تفاسير الأمة تُخَرَّجُ من هذه الأصول، وقد ذكرها ابن القيم فقال: «وتفسير الناس يدور على ثلاثة أصول: تفسير على اللفظ، وهو الذي ينحو إليه المتأخرون، وتفسير على المعنى، وهو الذي يذكره السلف، وتفسير على الإشارة والقياس، وهو الذي ينحو إليه كثير من الصوفية وغيرهم» (١).
أولاً: التفسير على اللفظ:
التفسير على اللفظ هو: تفسير الكلمة بعينها؛ أي: بما يطابقها في اللغة، وقد يتوسعون في تحليل المدلولات اللفظية؛ كأصل الاشتقاق، ومعانيها في اللغة ... إلخ.
وقد اهتم بهذا النوع مَنْ كَتَبَ في معاني القرآن وغريبه.
ولابن عطية والطاهر بن عاشور اهتمام بتحرير معنى اللفظة في لغة العرب.
قال ابن عطية: «و ﴿تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقعة: ٦٥] قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: معناه: تعجبون.
وقال عكرمة: تلاومون.
وقال الحسن: معناه: تندمون.
وقال ابن زيد: تتفجعون.
стр. 103
وهذا كله تفسير لا يخص اللفظة، والذي يخص اللفظة هو: تطرحون الفكاهة عن أنفسكم، وهي المسرة والجزل، ورجل فَكِهٌ، إذا كان منبسط النفس غير مُكْتَرِثٍ بشيء ..» (١). [٧٥]
ثانياً: التفسير على المعنى:
في التفسير على المعنى لا يعمد المفسر إلى تفسير اللفظ مباشرة، بل ينتقل إلى ما وراء اللفظ، وهو أنواع:
الأول: التفسير بالجزء.
الثاني: التفسير بالمثال.
الثالث: التفسير باللازم أو النتيجة.
وهذه كلها تفاسير بالمعنى (٢)، وسيأتي تفصيلها في المبحث القادم.
ثالثاً: التفسير على الإشارة والقياس:
هذا النوع هو أقل الأنواع عند سلف الأمة، ولم يكثروا منه، وجاء عنهم فيه بعض التفاسير ـ كما سيأتي ـ ولهذا النوع شروط ذكرها ابن القيم، وهي:
١ - ألا يناقض معنى الآية.
٢ - أن يكون معنى صحيحاً في نفسه.
٣ - أن يكون في اللفظ إشعار به.
٤ - أن يكون بينه وبين معنى الآية ارتباط وتلازم.
فإذا اجتمعت هذه الأمور الأربعة كان استنباطاً حسناً (٣). [٧٦]
стр. 104
الأصول التي يدور عليها التفسير
١ - التفسير على اللفظ:
أنواعه:
١ - تفسير الكلمة بعينها.
٢ - تفسير الكلمة بما يطابقها في اللغة.
٢ - التفسير على المعنى:
أنواعه:
١ - التفسير بالجزء.
٢ - التفسير بالمثال.
٣ - التفسير باللازم أو النتيجة.
٣ - التفسير على الإشارة أو القياس:
شروطه:
١ - ألا يناقض معنى الآية.
٢ - أن يكون المعنى صحيحاً في نفسه.
٣ - أن يكون في اللفظ إشعار به.
٤ - أن يكون بينه وبين معنى الآية ارتباط وتلازم.
стр. 105
طريقة السلف في التفسير
طريقة السلف العامة في التفسير هي طريقة الإجمال وعدم التفصيل.
قال أبو جعفر النحاس ـ في كتابه «معاني القرآن» ـ في معرض نقله مذاهب السلف في الأحرف المقطعة: «وأبين هذه الأقوال قول مجاهد الأول: أنها فواتح للسور، وكذا قول من قال: هي تنبيه، وقول من قال: هي افتتاح كلام.
ولم يشرحوا ذلك بأكثر من هذا؛ لأنه ليس من مذاهب الأوائل، وإنما يأتي الكلام عنهم مجملاً، ثم يتأوله أهل النظر على ما يوجبه المعنى» (١).
وقال شيخ الإسلام في رسالته الموسومة بـ: «تفسير آيات أشكلت: حتى لا يوجد في طائفة من كتب التفسير فيها صواب بل لا يوجد فيها إلا قول خطأ» (٢).
قال في تفسير قوله تعالى: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ [القلم: ٦]:
«وقال الحسن: أيكم أولى بالشيطان، قال: فهم أولى بالشيطان من نبي الله ﷺ ، فبين الحسن المعنى المراد، وإن لم يتكلم على اللفظ؛ كعادة السلف باختصار الكلام مع البلاغة وفهم المعنى».
ويستفاد من قول هذين العالمين أن طريقة السلف العامة في التفسير هي طريقة الإجمال لا التفصيل، وذلك لأنهم لم يكونوا بحاجة إلى التفصيل كما
стр. 106
احتاجه المتأخرون، الذين بعدت ألسنتهم عن لسان العرب فاحتاجوا إلى زيادة التفصيل لبيان المعنى، وللسلف في تفسيرهم طرق وتعابير يستعملونها عند تفسير القرآن. ويمكن استنباط هذه الطرق من جرد كتب التفسير التي تهتم بعبارة السلف وتعلق عليها. ودونكها مجملة، ثم يأتيك [٧٧] التفصيل مع المثال (١):
١ - التفسير بالمطابق ، أو ما وضع له اللفظ.
٢ - التفسير باللازم، ويدخل ضمنه التفسير بالنتيجة.
٣ - التفسير بجزء المعنى.
٤ - التفسير بالمثال.
٥ - التفسير بالقياس والاعتبار.
٦ - التفسير بالإشارة.
تفصيل هذا بالأمثلة:
١ - التفسير بالمطابق، أو بما وضع له اللفظ:
المراد به: ما وُضعَ له اللفظ في لغة العرب، فيعمد المفسر إلى تفسير اللفظة بما وضعت له في لغة العرب، وهذا هو التفسير المباشر للفظ.
• وقد ذكر هذه الطريقة ونبَّه عليها إمام المفسرين، الطبري، فقال: «فَحَمَل تأويلَ الكلام على معناه دون البيان عن الكلمة بعينها؛ فإن أهل التأويل ربما فعلوا ذلك لعلل كثيرة تدعوهم إليها» (٢).
стр. 107
• وقال شيخ الإسلام: «فإن منهم ـ يقصد مفسري السلف ـ من يعبر عن الشيء بلازمه ونظيره، ومنهم من ينص على الشيء بعينه» (١).
ومثاله تفسير قوله تعالى: ﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ٢]، قال قتادة، والضحاك: ﴿مَسْطُورٍ﴾: مكتوب (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ [الواقعة: ٥]؛ أي: فتتت. [٧٨]
ورد ذلك عن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وإسماعيل السدي، وأبي صالح (٣).
وكذا تفسيرهم للودود في مثل قوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج: ١٤] بأنه المحب لأوليائه (٤).
٢ - التفسير باللازم:
• دلالة الالتزام هي أحد دلالات الألفاظ العقلية.
والمراد بها أن المعنى المستفاد لم يدل عليه اللفظ مباشرة، ولكن يلزم منه هذا المعنى المستفاد عقلاً أو عرفاً؛ كالكتابة تستلزم كاتباً.
стр. 108
ومن أمثلته:
تفسير الودود بالمحبوب من أوليائه.
فالودود: أي الواد لأوليائه؛ كالغفور بمعنى: الغافر. فهذا تفسير بالمطابقة ـ كما مرَّ ـ ويلزم منه محبة أوليائه له، وهذا تفسير باللازم (١).
ومن أمثلته ـ أيضاً ـ تفسيرهم قوله تعالى: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقعة: ٦٥] قيل: معناه تندمون، وهذا تفسير باللازم، وإنما الحقيقة تزيلون عنكم التفكُّه، وإذا زال التفكّه خَلَفَهُ ضِدُّه (٢).
وفي قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾ الآية [الأعراف: ١٧٥، ١٧٦].
قال ابن القيم: «قال ابن عباس: لو شئنا لرفعناه بعلمه.
وقالت طائفة: الضمير في قوله: ﴿لَرَفَعْنَاهُ﴾ عائد على الكفر، والمعنى: لو شئنا لرفعنا عنه الكفر بما معه من آياتنا، قال مجاهد وعطاء: لرفعناه عن الكفر بالإيمان وعصمناه. وهذا المعنى حق، والأول هو مراد الآية، وهذا من لوازم المراد. وقد تقدم أن السلف كثيراً ما ينبهون على لازم معنى الآية، فيظن الظان أن ذلك هو المراد منها» (٣). [٧٩]
ومما يجدر التنبيه عليه هنا: أنه قد يَرِدُ عن السلف تفسير لبعض صفات الله بلازمها، فيظنُّ القارئ لها أن السلف يؤوِّلون صفات الله سبحانه، وهذا ليس بصواب، وذلك لأن الأصل عند السلف هو أن صفات الله على الحقيقة، ولا يجوز التأويل، فإذا رأيت مثل هذا فاعلم أنهم لا يؤوِّلون؛ لأنه
стр. 109
لم يرد عن أحدهم أنه أنكر الصفة، وفرق بين إنكار الصفة، والتفسير باللازم.
أما ما تراه عند الخلف المتأخرين من تفسير الصفة بلازمها، فإنه تأويل لها، وذلك لأن مذهب هؤلاء هو التأويل، ولذا يعمدون إلى تفسيرها بلازم الصفة، قال السيوطي: «قال العلماء: كل صفة يستحيل حقيقتها على الله تفسَّر بلازمها» (١)، والعلماء الذين ينسب إليهم السيوطي هذا القول هم المتكلمون من الأشاعرة وغيرهم. فتأمل.
٣ - التفسير بجزء المعنى:
المقصود به أن المفسِّر يذكر من المعنى الذي يحتمله اللفظ جزءاً منه، ليدل به على باقي المعنى.
ومنه تفسير من فسَّر قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ [مريم: ٣١]، قال ابن القيم: «... مباركاً: معلماً للخير أينما كنت. وهذا جزء مسمى المبارك: فالمبارك: كثير الخير في نفسه، الذي يحصله لغيره تعليماً أو نصحاً، وإرادة واجتهاداً ...» (٢).
٤ - التفسير بالمثال:
وقد مر ذكره في اختلاف التنوع (٣).
ومن أمثلته قوله : ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، قيل: الحسنات الصلوات، وقيل: قول الرجل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. [٨٠]
стр. 110
قال ابن عطية: وهذا كله إنما هو على جهة المثال في الحسنات (١).
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] قال زرٌّ: الغيب: القرآن. وقال عطاء: الغيب: القدر، قال الراغب: وقول زرٍّ بأن الغيب: هو القرآن، وقول عطاء: أنه القدر؛ تمثيل لبعض ما هو غيب، وليس ذلك بخلاف بينهم، بل كل أشار إلى الغيب بمثال (٢).
٥ - التفسير بالقياس والاعتبار:
المراد به أن يُدخِل المفسر في حكم الآية شيئاً؛ لأنه مشبه للآية في العلة.
ومن أمثلته: قوله تعالى: ﴿لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣].
فقد روي عن ابن عباس في معنى سكارى: أنه النعاس.
وكذلك روي عن الضحاك أنه قال: لم يعنِ الخمر، وإنما عنى به سكر النوم (٣).
قال شيخ الإسلام ـ معلقاً على قول الضحاك ـ:
«وهذا إذا قيل: إن الآية دلت عليه بطريق الاعتبار؛ أي: القياس، أو شمول معنى اللفظ العام، وإلا فلا ريب أن سبب نزول الآية كان السكر من الخمر، واللفظ صريح في ذلك، والمعنى الآخر صحيح أيضاً» (٤).
فصحَّحَ شيخ الإسلام دخول السكر من النوم أو النعاس في معنى الآية للمقايسة بينهما، والعلة هي عدم العلم بما يقول.