شرح مقدمة في أصول التفسير
شرح مقدمة في أصول التفسير لابن تيمية
د. مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار
الأستاذ المساعد بكلية المعلمين بالرياض
стр. 2
-[عرض كتاب شرح مقدمة في أصول التفسير لابن تيمية]- (*)
د. مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار
الأستاذ المساعد بكلية المعلمين بالرياض
عرض: عمرو الشرقاوي
بدأ المؤلف بمقدمة ذكر فيها منهجه في شرح مقدمة أصول التفسير، لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وقال في بيان منهجه في شرح هذه المقدمة:
١ - جعلت في الحاشية التي أمام النصوص المشروحة رقم الفقرة من مقدمة شيخ الإسلام ليسهل على القارئ معرفة النص المشروح.
وقد يكون الشرح لأكثر من نصٍّ، فإني أذكر أرقامه على ما يتيسر لي، لأنَّ بعض النصوص المرقمة تنتظم في وحدة موضوعية كما هو الحال في آخر موضوعات هذه الرسالة، وهو تحرج بعض السلف في تفسير القرآن.
٢ - بيان الأمثلة التفسيرية للموضوعات التي طرحها الشيخ ﵀.
٣ - ذكر ما أجده من المواطن الأخرى من كتبه التي تكلم عنها فيما يخص موضوعات المقدمة التفسيرية، وقد جعلت بعضها ضمن الشرح، وبعضها الآخر في ملحق جعلته في نهاية هذا الشرح.
٤ - ذكر نماذج من التفاسير التي ذكرها، فيما يخصُّ نقده لها.
٥ - الإعراض عن تفصيل المسائل العلمية التي لا علاقة لها بالتفسير.
٦ - حرصت أن لا أخرج إلى إضافات على ما ذكره الشيخ رحمه الله تعالى؛ لئلا يطول الشرح، ويخرج عن الأفكار التي طرحها ﵀.
٧ - حرصت على أن أذكر بعض الكتب المعاصرة التي درست شيئًا من الموضوعات التي طرحها الشيخ رحمه الله تعالى، ولم أقصد الاستيعاب لما كتبه المعاصرون؛ لأن ذلك أمر غير ممكن.
وقدم الشارح بين يدي شرحه بمدخل إلى رسالة شيخ الإسلام، ذكر فيها أهم طبعات المقدمة، وعنوانها، ومتى كتب شيخ الإسلام المقدمة؟، ومن أفاد من المقدمة، والموضوعات التي طرقتها المقدمة.
стр. 3
ثم بين الشيخ المسائل الواقعة في مقدمة المؤلف، وخاصة بيان سبب تأليف هذه المقدمة، وقوله: «فإنَّ الكتب المصنفة في التفسير مشحونة بالغث والسمين، والباطل الواضح والحق المبين»، وقوله: الثاني: أن التفسير إما منقول وإما معقول.
ونبه أن تحديد المنقول والمعقول من التفسير قضية نسبية تختلف باختلاف العصر، وأن ضابط المنقول في عصر الصحابة يختلف عنه في عصر التابعين، وفي عصر التابعين يختلف عنه في عصر من بعدهم.
كما نبه أن من بلغ درجة الاجتهاد في التفسير في العصر الحاضر فإن له مجالين:
المجال الأول: هو أن يجتهد في الاختيار بين أقوال المفسرين السالفين دون أن يخرج عنها.
المجال الثاني: هو أن يأتي المفسر بمعنى جديد لم يذكره المتقدمون، وهذا يظهر جليًا فيما يسمى بالتفسير العلمي الذي يستعين بالعلوم التجريبية في معرفة معاني الآيات القرآنية.
ثم تعرض لموضوع البيان النبويِّ للقرآن، ونبه أنَّ شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يناقش أقوال أقوامٍ لا يرون تفسير الصحابة والتابعين، ويذهبون إلى تفسيرات شيوخهم من أهل البدع، فقد ذكر هذه الأفكار في كتبٍ يناقش فيها هؤلاء، ككتاب (بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة، والقرامطة والباطنية وأهل الإلحاد القائلين بالحلول والاتحاد)، وفي كلامه على المحكم والمتشابه.
وفي شرح اختلاف التنوع واختلاف التضاد في تفسير السلف، ذكر أن مراد الشيخ في هذا الفصل بيان نوع الاختلاف الذي وقع عند السلف، وذكر أنَّ غالب ما يصحُّ عنهم من الخلاف يرجع إلى اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد، وذكر في آخر هذا الفصل أنه لا بدَّ من وجود اختلاف محقق بينهم، وهو ما يُسمى بالتَّضاد، لكنه قليل بالنسبة لاختلاف التنوع.
وعرض لعدة مسائل:
المسألة الأولى: في تعريف اختلاف التنوع واختلاف التضاد.
المسألة الثانية: في نوعي الاختلاف اللذَين يكثران في تفسير سلف الأمة.
المسألة الثالثة: تنبيهات تتعلق بأسباب النُّزول.
стр. 4
وعرض لعدة قضايا مهمة في أسباب النزول يحسن مراجعتها.
كما تعرض لعدة قضايا علمية، وهي:
١ - الألفاظ المترادفة.
٢ - التضمين.
٣ - فائدة جمع أقوال السلف.
٤ - وقوع الاختلاف المحقق في تفسير السلف.
٥ - أسباب الاختلاف.
وفي شرح الاختلاف الواقع في كتب التفسير من جهة النقل ومن جهة الاستدلال، ذكر أن الاختلاف في التفسير على نوعين:
الأول: ما يرجع إلى النقل.
والثاني: ما يرجع إلى الاستدلال.
وقد طرح فيما يرجع إلى النقل الموضوعات الآتية:
١ - الإسرائيليات.
٢ - الإشارة إلى أسانيد التفسير، وغلبة المراسيل عليها، وحكمها.
٣ - الموضوعات في كتب التفسير، مع الإشارة إلى بعض الكتب التي فيها ضعف من هذه الجهة.
وتعرض لمسألة المراسيل في التفسير، وذكر أن هذه المسألة من نفائس هذه المقدمة التي يحسن بالمعتنين بالتفسير الاستفادة منها في حال دراسة أقوال مفسري السلف.
كما تعرض لنقد شيخ الإسلام لبعض المفسرين، وهم البغوي (ت:٥١٦)، والثعلبي (ت:٤٢٧) وتلميذه الواحدي (ت:٤٦٨).
وفي مسائل الاختلاف الواقع في كتب التفسير من جهة الاستدلال، تعرض إلى أن أكثر الخطأ في الاستدلال من جهتين لا توجدان في تفسير السلف:
أحدهما: قوم اعتقدوا معاني، ثم أرادوا حمل ألفاظ القرآن عليها، وكان نظرهم إلى المعنى أسبق.
والثانية: قوم فسَّروا القرآن بمجرد ما يسوغ أن يريده من كان من الناطقين بلغة العرب بكلامه، من غير نظر إلى المتكلم بالقرآن، والمنَزَّل عليه، والمخاطب به، وكان نظرهم إلى اللفظ أسبق.
كما أشار إلى جملة علوم العربية ومنْزلتها من التفسير.
стр. 5
كما تعرض لنقد بعض التفاسير المخالفة لمنهج السلف، وبيان المنهج العقدي العام لها.
ومن المسائل المهمة التي تعرض لها، قوله: ((وأما كيفية معرفة فساد أقوال هؤلاء فقد ذكر شيخ الإسلام طريقة ذلك، ورتبها على الآتي:
١ - معرفة القول الصواب الذي خالفه هؤلاء المبتدعة.
٢ - أن يتيقن أن قول السلف هو الحقُّ، وأن تفسير السلف يخالف تفسير المبتدعة.
٣ - أن يعرف أن تفسير المبتدعة مُحدثٌ مبتدع.
٤ - أن يعرف بالأدلة التي نصبها الله للحق فساد قولهم.
هذا خلاصة ما ذكره في هذه الفقرة، ويمكن أن يزاد عليه: معرفة الرأي المبتدع على وجهه وحقيقته، إذ كثيرٌ ممن يقرؤون التفسير لا يُحسنون معرفة المذاهب المخالفة، فيفوت عليهم شيء من أقوال المبتدعة، وتدخل عليهم وهم لا يشعرون.)).
وفي شرح أحسن طرق تفسير القرآن، لاحظ على هذه الطرق أمور:
الأول: أنها دائرة بين الأثر والرأي.
الثاني: أن هذا التقسيم الذي ذكره شيخ الإسلام إنما هو تقسيم فنيٌّ، وليس المراد أن المفسر يتدرَّج في التفسير على هذه الطرق، فالذي يخوض غمار التفسير يعلم أنَّ هذه الطرق ستكون مختلطة، ولا يوجد تفسير مرتَّب على هذا الترتيب، حتى التفسير الذي كتبه شيخ الإسلام.
الثالث: أنَّ هذه الطرق من حيث الجملة هي التي يجب الرجوع إليها عند التفسير، لكن أفراد هذه الطرق لها أحكامٌ خاصَّةٌ بحيث إنه لا يمكن القول بأنه يجب الأخذ بهذه الطرق جملة وتفصيلاً، بل في الأمر تفصيلات سيأتي في محلها من هذه الطرق.
الرابع: إن تمايز المفسرين عمومًا هو في مدى اعتمادهم على هذه الطرق، ولا يكاد أن يخلو منها كتاب في التفسير؛ إما نصًّا وإما إشارة.
ثم تعرض لهذه الطرق بالشرح، وهي:
١ - تفسير القرآن بالقرآن.
٢ - تفسير القرآن بالسنة.
٣ - تفسير القرآن بأقوال الصحابة.
٤ - تفسير القرآن بأقوال التابعين.
وبعد أن أنهى شيخ الإسلام الحديث عن أحسن طرق التفسير ذكر عددًا من القضايا المتعلقة بالتفسير بالرأي، وهي:
١ - حكم التفسير بالرأي المجرد.
٢ - الأحاديث الناهية عن ذلك.
٣ - تحرج جماعة من السلف عن تفسير ما لا علم لهم به، والمقصود بتحرج هؤلاء.
стр. 6
ثمَّ ختم الرسالة بحديث ابن عباس في تقسيم التفسير.
وقد تعرض لها الشارح بالتفصيل، والبيان.
وختم الشارح شرحه بإيراد الملاحق العلمية، وهي: نقولٌ من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية.
وخُتم الشرح بعدة فهارس علمية.
ويمتاز الشرح بعدة مميزات، من أهمها:
١ - حسن التصوير لمسائل المقدمة.
٢ - جودة إقامة الدليل عليها.
٣ - كثرة الأمثلة الموضحة للمقصود.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 7
مقدمة الطبعة الثانية
شكر واعتذار
الحمد لله الذي أنعم عليَّ بنعمِهِ الكثيرة، والصلاة والسلام على رسوله الكريم الذي كان سببًا في هداية الخلق، وعلى آله وصحبه الذين نقلوا لنا العلم، وعلى من تبع طريقهم إلى يوم الدين.
أما بعد:
فقد منَّ اللهُ عليَّ بنفاذ طبعة الكتاب الأولى في زمن وجيز، حتى دعت الحاجة إلى إعادة طباعته، فأعددته للطباعة مرة أخرى بعد أن استدركت بعض الأخطاء المطبعية، وأعدت ترتيبه من جديد؛ إذ جعلت كل فصل من فصول مقدمة شيخ الإسلام قبل شرحه، بخلاف الطبعة الأولى التي جعلت فيها جميع المقدمة في مكان واحد، ثم أتبعتها بشرح الفصول فصلاً فصلاً.
ولقد كان هذا التغيير بسبب ما جاءني من طلب من اطَّلع على شرح هذه المقدمة بأن يتلو كلَّ فصل من فصول مقدمة الشيخ شرحُه، فأجبتُ الطالبين لذلك، لما رأيت من حسن هذا الصنيع الذي غاب عني أول الأمر؛ لذا أعتذر من القراء الكرام الذين اقتنوا الطبعة الأولى.
وكما أشكر كل من قدَّم لي نصيحة أو مشورة أو تصحيحًا أثناء إعداد الكتاب لطبعته الثانية، وأخص بالذكر أخي الدكتور عبد الرحمن بن معاضة الشهري الذي كان أول من قرأ الكتاب في طبعته الأولى، وأرشدني إلى تصويب بعض الأخطاء فيها، كما قام بالتعريف بهذا الشرح في (ملتقى أهل
стр. 8
التفسير/ www.tafsir.net) على الشبكة العنكبوتية، فجزاه الله عني أفضل الجزاء.
وإني لأسأل الله لي ولجميع من أفادني في هذا الكتاب أو استفاد منه التوفيق والسداد، والرضا والقبول من رب العباد.
د. مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار كلية المعلمين بالرياض attyyar@hotmail.com ص. ب/٤٣٠٥٨ الرياض/١١٥٦١
стр. 9
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي يسَّر لي إتمام هذا الشرح على ما كان، وأصلي وأسلم على رسوله خير الأكوان، وأثنِّي بالصلاة على الآل الكرام، ثمَّ على الصَّحْبِ العظام، ثمَّ على التابعين إلى يوم القيام.
أحمدك ربي على نعمك الوفيرة، وآلائك العظيمة، أحمدك على تيسير كل عسير، وعلى تبليغي ما كنت إليه أصبو وأسير، أحمدك حمد عاجزٍ عن الثناء عليك بما أنت أهله، فلك الحمد مثل ما أقول، وفوق ما أقول، فلك الحمد أولاً وآخرًا.
أما بعد:
فهذا شرح ـ قد منَّ الله به عليَّ ـ لرسالة شيخ الإسلام التي أجاب فيها بعض أصحابه الذين سألوه أن يكتب لهم (مقدمة تتضمن قواعد كلية، تعين على فهم القرآن ومعرفة تفسيره ومعانيه، والتمييز في منقول ذلك ومعقوله بين الحق وأنواع الأباطيل، والتنبيه على الدليل الفاصل بين الأقاويل)، وهي التي سُمِّيت ـ فيما اشتهر ـ بمقدمة في أصول التفسير.
ولقد وفَّقني الله لقراءة هذه المقدمة مراتٍ كثيرة، كما وفَّقني لشرحها كذلك.
ولقد حرصت على سماع بعض شروحها الموجودة اليوم لبعض العلماء (١)، فرأيت أنَّ هذه المقدمة بحاجة إلى أمورٍ لم أرها في شروحهم
стр. 10
النافعة، فاستعنت الله على ذلك، وبدأت في كتابة هذا الشرح الذي أسأل الله أن يلقى القبول الحسن.
ولقد عمدتُ في المقدمة وشرحها إلى الأمور الآتية:
أولاً: ما يتعلق بالمقدمة:
١ - مراجعة مخطوطة دار الكتب القومية بمصر (١).
٢ - تقسيم المقدمة إلى فِقَرٍ مرقَّمة، وقد جعلتها أمام كلِّ فقرة.
٣ - وضع عناوين جانبية للموضوعات التي طرحها الشيخ في رسالته.
٤ - التعليق على نصِّ المقدمة بما يحتاجه النصُّ، وتوضيح ما غمض من عبارات هذه المقدِّمة.
ثانيًا: ما يتعلق بشرح هذه المقدمة:
١ - جعلت في الحاشية التي أمام النصوص المشروحة رقم الفقرة من مقدمة شيخ الإسلام ليسهل على القارئ معرفة النص المشروح.
وقد يكون الشرح لأكثر من نصٍّ، فإني أذكر أرقامه على ما يتيسر لي،
стр. 11
لأنَّ بعض النصوص المرقمة تنتظم في وحدة موضوعية كما هو الحال في آخر موضوعات هذه الرسالة، وهو تحرج بعض السلف في تفسير القرآن.
٢ - بيان الأمثلة التفسيرية للموضوعات التي طرحها الشيخ ﵀.
٣ - ذكر ما أجده من المواطن الأخرى من كتبه التي تكلم عنها فيما يخص موضوعات المقدمة التفسيرية، وقد جعلت بعضها ضمن الشرح، وبعضها الآخر في ملحق جعلته في نهاية هذا الشرح.
٤ - ذكر نماذج من التفاسير التي ذكرها، فيما يخصُّ نقده لها.
٥ - الإعراض عن تفصيل المسائل العلمية التي لا علاقة لها بالتفسير.
٦ - حرصت أن لا أخرج إلى إضافات على ما ذكره الشيخ رحمه الله تعالى؛ لئلا يطول الشرح، ويخرج عن الأفكار التي طرحها ﵀.
٧ - حرصت على أن أذكر بعض الكتب المعاصرة التي درست شيئًا من الموضوعات التي طرحها الشيخ رحمه الله تعالى، ولم أقصد الاستيعاب لما كتبه المعاصرون؛ لأن ذلك أمر غير ممكن (١).
وأخيرًا ..
إنني لأشكر الله شكرًا كثيرًا على ما أتمَّ عليَّ من هذا الشرح، ثمَّ أشكر الإخوة الكرام الذين أعانوني في عملي هذا، وأخصُّ منهم أخي الكريم سامي بن محمد بن جاد الله الذي أفادني في قراءته هذا الشرح، كما أشكر الأخ الفاضل علي بن أحمد بامرعي الذي تفضَّل بفهرسة هذا الشرح فهرسة فنية كاملة، والأخ سالم العماري الذي أهداني صورة لمخطوطة
стр. 12
رسالة شيخ الإسلام، فأسأل الله أن يجعل ما قدمته وقدَّموه في ميزان حسناتنا يوم أن نلقاه، وأن يغفر لنا خطايانا، وأن يشمل بعفوه والدينا ومشايخنا وأهلينا وإخواننا، إنه كريم مجيب.
كتبه د. مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار كلية المعلمين بالرياض
attayyar@hotmail.com
ص. ب/٤٣٠٥٨ الرياض/١١٥٦١
стр. 13
مدخل إلى رسالة شيخ الإسلام
стр. 14
أهم طبعات المقدمة:
لهذه المقدمة عدَّة طبعات، وأفضلها التي حققها الدكتور عدنان زرزور، وقد قدَّم لها بمقدمة حسنة في التعريف بها.
وقد سبقها (١) ولحقها طبعات، لكنها ليست بمستواها من حيث العناية بالنَّص، ولا بالإخراج الفني لها.
عنوان هذه المقدمة:
تسمَّى هذه الرسالة (مقدمة في أصول التفسير)، وهذا العنوان ليس من صنع شيخ الإسلام، بل هو من صنع القاضي الحنبلي بدمشق (محمد جميل الشطي)، الذي نشر الرسالة عام ١٣٥٥ (٢).
وقد قال شيخ الإسلام في مقدمة رسالته: «فقد سألني بعض الإخوان أن أكتب له مقدمةً تتضمَّنُ قواعدَ كليةً تُعينُ على فَهْمِ القرآنِ، ومعرفةِ تفسيرِه ومعانيه، والتمييزِ ـ في منقولِ ذلك ومعقولِه ـ بين الحقِّ وأنواعِ الأباطيلِ، والتنبيه على الدليلِ الفاصلِ بين الأقاويلِ» (٣).
стр. 15
متى كتب شيخ الإسلام المقدمة ؟
لا يظهر من هذه الرسالة متى كتبها شيخ الإسلام؟
وقد ذكر ابن القيم (ت:٧٥١) في مدارج السالكين ما يمكن أن يفيد عن وقتها، قال: «وبعثَ إليَّ في آخر عمره قاعدةً في التفسير بخطِّه ...» (١). وقد تكون هذه القاعدة التي أرسلها لتلميذه هي هذه الرسالة.
وواضحٌ فيها أنه كتبها بعد قراءة واسعة في كتب التفسير، وهذا ظاهر من عدد التفاسير التي ذكرها، ومن طريقته في معالجة الموضوعات التي طرحها.
وشيخ الإسلام من المفسرين المحررين، وقد كان واسع الاطلاع على تفاسير السلف والخلف، وكان ذا حافظةٍ فذَّة، ونفسٍ ناقدةٍ لما تقرأ، وقد مكَّنه ذلك من القدرة على تحرير التفسير، فلم يكن ناقلاً، بل كان ناقدًا مرجِّحًا.
قال تلميذه ابن عبد الهادي: «قال الشيخ أبو عبد الله بن رشيق ـ وكان من أخص أصحاب شيخنا، وأكثرهم كتابة لكلامه، وحرصًا على جمعه ـ: كتب الشيخ ﵀ نقول السلف مجردةً عن الاستدلال على جميع القرآن (٢)، وكتب في أوله قطعة كبيرة بالاستدلال، ورأيت له سورًا وآيات يفسرها، ويقول في بعضها: كَتَبْتُهُ للتَّذَكُّرِ، ونحو ذلك.
ثم لما حُبِسَ في آخر عمره كَتَبْتُ له أن يكتبَ على جميع القرآن تفسيرًا مرتَّبًا على السُّور، فكتب يقول: إن القرآن فيه ما هو بَيِّنٌ بنفسه (٣)،
стр. 16
وفيه ما قد بيَّنه المفسرون في غير كتاب، ولكن بعض الآيات أشكلَ تفسيرُها على جماعة من العلماء، فربما يطالع الإنسان عليها عِدَّةَ كُتُبٍ ولا يتبيَّنُ له تفسيرُها، وربما كتب المصنِّفُ الواحدُ في آية تفسيرًا ويفسِّرُ غيرَها بنظيره، فقصدت تفسير تلك الآيات بالدليل، لأنه أهمُّ من غيره، وإذا تبيَّن معنى آية تبيَّن معاني نظائرِها.
وقال: قد فتح الله عليَّ في هذه المرَّةِ من معاني القرآن، ومن أصول العلم بأشياء كان كثير من العلماء يتمنونها، ونَدِمْتُ على تضييع أكثر أوقاتي في غير معاني القرآن، أو نحو هذا» (١).
من أفاد من المقدمة:
جُلُّ من كتب في مسائل هذا العلم بعد شيخ الإسلام ابن تيمية؛ عالةٌ على هذه الرسالة الفريدة في بابها. وعلى وجازتها؛ فإنه قد استفاد منها كثيرٌ ممن جاء بعد شيخ الإسلام، ومنهم:
١ - تلميذه ابن كثيرٍ (ت:٧٧٤) الذي ذكر جزءًا من موضوعات المقدمة في مقدمة تفسيره (٢)، ولم يُشر فيها إلى أنه ينقل من هذه الرسالة، كما هي عادة بعض العلماء في نقولاتهم.
٢ - الزركشي (ت:٧٩٤) في كتابه البرهان في علوم القرآن (٣).
٣ - السيوطي (ت:٩١١) في الإتقان في علوم القرآن (٤).
٤ - القاسمي (ت:١٣٣٢) في مقدمة تفسيره محاسن التأويل (٥).
стр. 17
وهناك غيرهم من اللاحقين والمعاصرين.
الموضوعات التي طرقتها المقدمة:
وتنقسم أفكار هذه الرسالة إلى:
* بيان الرسول ﷺ معاني القرآن وألفاظه للصحابة.
* اختلاف التنوع والتضاد في تفسير السلف.
* سبب الاختلاف من جهة المنقول ومن جهة الاستدلال.
* أحسن طرق التفسير.
* التفسير بالرأي (١).
مع طرحه لبعض المسائل العلمية المتعلقة بالتفسير وكتب التفسير أثناء هذه الموضوعات.
стр. 18
مقدمة المؤلف
стр. 19
قال شيخ الإسلام: بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر وأعن برحمتك
(١) الحمد لله، نستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ﷺ تسليمًا.
(٢) أما بعد: فقد سألني بعض الإخوان أن أكتب له مقدمة تتضمن قواعد كلية، تعين على فهم القرآن ومعرفة تفسيره ومعانيه، والتمييز في منقول ذلك ومعقوله بين الحق وأنواع الأباطيل، والتنبيه على الدليل الفاصل بين الأقاويل؛ فإنَّ الكتب المصنفة في التفسير مشحونة بالغث والسمين، والباطل الواضح والحق المبين (١).
(٣) والعلم إما نقل مصدق عن معصوم، وإما قول عليه دليل معلوم، وما سوى هذا فإما مزيف مردود، وإما موقوف لا يعلم أنه بهرج ولا منقود (٢).
стр. 20
(٤) وحاجة الأمة ماسَّة إلى فهم القرآن الذي هو حبل الله المتين، والذكر الحكيم، والصراط المستقيم، الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسن، ولا يَخْلَقُ عن كثرة الترديد، ولا تنقضي عجائبه، ولا يشبع منه العلماء، من قال به صدق، ومن عمل به أُجِرَ، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم، ومن تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله (١).
قال تعالى: ﴿يَاتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى﴾ ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى *قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا *قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٣ ـ ١٢٦].
стр. 21
وقال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥ ـ ١٦].
وقال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ ﴿اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١، ٢].
وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقَيمٍ *صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلاَ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٢، ٥٣].
(٥) وقد كتبت هذه المقدمة مختصرة بحسب تيسير الله تعالى من إملاء الفؤاد (١)، والله الهادي إلى سبيل الرشاد.
стр. 22
شرح مقدمة المؤلف
стр. 23
-[مسائل مقدمة المؤلف]-
أولاً: ابتدأ المؤلف ببيان سبب تأليف هذه المقدمة ، وهو: أن بعض الإخوان سأله أن يبين له قواعد كلية تعينه على أمرين، هما:
١ - فهم القرآن ومعرفة تفسيره ومعانيه.
٢ - معرفة الدليل الفاصل بين الحق والباطل من الأقوال التي قيلت في التفسير.
ثانيًا: أشار المؤلف إلى أمرين متعلقين بالتفسير:
الأول: قوله: «فإنَّ الكتب المصنفة في التفسير مشحونة بالغث والسمين، والباطل الواضح والحق المبين».
والكتب المصنفة عنده على نوعين:
النوع الأول: الكتب التي تنقل أقوال السلف (أي: الصحابة والتابعين وأتباع التابعين) صِرْفَة (أي: غير مخلوطة بآراء المتأخرين)، وهذه يوجد فيها شيءٌ من الغثِّ من جهة النقل؛ كالمنقول عن بني إسرائيل.
النوع الثاني: كتب المتأخرين، ويوجد فيها الغثُّ من جهتين:
الجهة الأولى: جهة النقل؛ كالآثار الموضوعة في فضائل السور.
الجهة الثانية: جهة الرأي الفاسد، وهذا كثير في تفاسير المتأخرين.
وقد أشار إلى شيء من هذا عند حديثه عن النوع الثاني من مستندي الاستدلال، قال: «وأما النوع الثاني من مستندي الاختلاف وهو ما يعلم بالاستدلال لا بالنقل، فهذا أكثر ما فيه الخطأ من جهتين ـ حدثتا بعد تفسير
стр. 24
الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان؛ فإن التفاسير التي يذكر فيها كلام هؤلاء صرفًا لا يكاد يوجد فيها شيء من هاتين الجهتين مثل تفسير عبد الرزاق، ووكيع، وعبد بن حميد، وعبد الرحمن بن إبراهيم دحيم، ومثل تفسير الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، وبَقِي بن مخلد، وأبي بكر بن المنذر، وسفيان بن عيينة، وسنيد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبي سعيد الأشج، وأبي عبد الله بن ماجه، وابن مردويه ...».
الثاني: أن التفسير إما منقول وإما معقول ، وقد ذكر هذه الجزئية وشرحها في فصل خاصٍّ، قال: «... منه ما مستنده النقل فقط، ومنه ما يعلم بغير ذلك؛ إذ العلم إما نقل مصدق وإما استدلال محقق، والمنقول إما عن المعصوم وإما عن غير المعصوم، والمقصود بأن جنس المنقول سواء كان عن المعصوم أو غير المعصوم ـ وهذا هو النوع الأول ـ منه ما يمكن معرفة الصحيح منه والضعيف، ومنه ما لا يمكن معرفة ذلك فيه.
وهذا القسم الثاني من المنقول ـ وهو ما لا طريق لنا إلى الجزم بالصدق منه ـ عامته مما لا فائدة فيه، فالكلام فيه من فضول الكلام، وأما ما يحتاج المسلمون إلى معرفته، فإن الله نصب على الحق فيه دليلاً».
ويَحْسُنُ أن يعلم أن تحديد المنقول والمعقول من التفسير قضية نسبية تختلف باختلاف العصر ، فقد يكون معقولاً في عصر ما هو منقول في عصر آخر، فإذا نظرت في عصر الصحابة فإن كل ما يروونه عن النبي ﷺ من الأخبار المغيبة ـ بما فيها أخبار بني إسرائيل ـ وما يروونه من أسباب النُّزول = كل ذلك يعد منقولاً بالنسبة لهم، فيدخل في التفسير المنقول.
أما ما قالوه بآرائهم سواء اتفقوا فيه أو اختلفوا، كاختلافهم في المراد بلفظ (القرء) هل هو الطهر أم الحيض؟ والمراد بالعاديات هل هي الإبل أم الخيل؟ ونحو ذلك مما كان مستنده الرأي المحمود = فإنه يدخل في باب التفسير المعقول، وجُلُّ تفسير مفسري الصحابة من هذا القسم.
стр. 25
وإذا نظرت في طبقة التابعين فإن المنقول بالنسبة لهم يشمل كل ما رواه الصحابة عن النبي ﷺ من الأخبار الغيبية والإسرائيليات، وما ذكروه من أسباب النُّزول، ويضاف إلى ذلك ما قاله الصحابة بآرائهم فإنه يعد أيضًا منقولاً بالنسبة للتابعين، وإن كان في أصله يعود إلى التفسير بالمعقول.
وإذا نزلت إلى طبقة أتباع التابعين فإن كل المنقولات التي ذُكِرَتْ للتابعين تُعَدُّ تفسيرًا منقولاً عندهم، ويضاف إليها ما نقلوه من معقول التابعين في التفسير.
ومعنى هذا: أن ضابط المنقول في عصر الصحابة يختلف عنه في عصر التابعين، وفي عصر التابعين يختلف عنه في عصر من بعدهم.
ويمكن القول أن دائرة المنقول تضيق بتقدم الزمان، وتتسع بتأخره.
فإذا رجعت ـ مثلاً ـ إلى كتاب زاد المسير في علم التفسير، لابن الجوزي (ت:٥٩٧)، فالأقوال التي ينقلها المصنف هي بالنسبة لك منقولة، لأنه لا يمكن أن تعرفها إلا عن طريق النقل.
وبناءً على ما تقدم فإن من بلغ درجة الاجتهاد في التفسير في العصر الحاضر فإن له مجالين:
المجال الأول: هو أن يجتهد في الاختيار بين أقوال المفسرين السالفين دون أن يخرج عنها.
مثال ذلك: للمفسرين قولان في معنى قوله تعالى: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ [العاديات: ١]:
أحدهما: أنها الإبل.
والثاني: أنها الخيل.
فيُرَجِّح المجتهد المعاصر ـ مثلاً ـ أن المراد بالعاديات: الخيل؛ بدليل قوله تعالى: ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ [العاديات: ٢]؛ لأن الخيل هي التي
стр. 26
يظهر فيها إيراء النار، بسبب الضرب الشديد على الحصى.
فهذا ترجيح مستنده العقل، وهو يدخل في باب التفسير بالرأي، وإن كان المُرَجَّح هو من التفسير المنقول.
فإذا نُظِرَ إلى نفس الأقوال المحكية في التفسير فهي بالنسبة للمجتهد المعاصر من التفسير المنقول، وإذا نظرنا إلى الترجيح بينها فهو من التفسير المعقول.
المجال الثاني: هو أن يأتي المفسر بمعنى جديد لم يذكره المتقدمون، وهذا يظهر جليًا فيما يسمى بالتفسير العلمي الذي يستعين بالعلوم التجريبية في معرفة معاني الآيات القرآنية.
ومثال ذلك ـ وهو مثال للدراسة وليس للتقرير ـ: أن المفسرين ذكروا في قوله تعالى: ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠] قولين عن السلف:
أحدهما: أن دحاها بمعنى بسطها.
والثاني: أن (دحاها) يفسرها ما بعدها، فيكون معناها: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ [النازعات: ٣١] وما بعدها.
ولم ينقل عن السلف غير هذين القولين في تفسير الآية.
وأما في هذا العصر فتجد أنه ظهر رأي جديد يقول بأن الدَّحْوَ هنا بمعنى التكوير والاستدارة، فتكون لفظة (دحاها) بمعنى كوَّرها، يعني جعلها كالكُرَةِ، وهذا رأي جديد لم يقل به المتقدمون من المفسرين (١).
ثالثًا: أن التفسير إما أن يكون منقولاً عن معصوم وهذا هو التفسير
стр. 27
النبوي، وإما أن لا يكون كذلك، ويدخل فيه أقوال جميع المفسرين باختلاف عصورهم، وإن كان لتفسير السلف ميزة على تفسير غيرهم، لاعتبارات يأتي بيانها إن شاء الله تعالى.
فأما الأول ـ وهو التفسير النبوي ـ: فهذا إذا ثبت نقلاً كان حجة بلا ريب.
وأما الثاني ـ وهو ما عدا التفسير النبوي ـ: فلا يكون حجة حتى يقوم عليه دليل معلوم (١).
رابعًا: في ضوء ما سبق يكون التفسير بالرأي منقسمًا إلى قسمين:
القسم الأول: الرأي الصحيح وهو نوعان:
أحدهما: أن يتخير من أقوال السابقين.
والثاني: أن يأتي بمعنى صحيح تحتمله الآية ولا يناقض قول السلف.
القسم الثاني: الرأي الباطل، وهو الذي يكون عن جهل أو عن هوى.
خامسًا: أن الأمة بحاجة إلى أن تفهم القرآن، وهذا بالنسبة لعامة الأمة، ف تعلم تفسير القرآن من فروض الكفايات التي لا يجوز أن تخلو الأمة من قائم بها، فإذا قام بالتفسير من يكفي فلا يجب على الفرد أن يتعلم منه إلا ما يقيم به دينه.
وهذه الحاجة الماسة لا تختصُّ بجيل دون جيل، وإن كان الجيل الذي نعيشه اليوم قد ظهرت فيه انحرافات علمية كثيرةٌ، ودعوات مشككة بتراث المفسرين السابقين، وهجوم ينحو إلى تضعيف بعض فهم السابقين لكتاب الله بأي شكل من أشكال كتابة هذه الدعوات المتهجِّمة، فصارت الحاجة ـ اليوم ـ ملحَّة إلى تفهيم كلام الله سبحانه على الوجه الصحيح، وضبط
стр. 28
الأصول التي يهتدي بها طلاب العلم لمعرفة الصحيح من التفسير من الأباطيل.
ومن هنا فإن من المستحسن لطلاب علم التفسير أن يسيروا على قواعد واضحة ثابتة يرجعون إليها حال الاختلاف، وهذه القواعد العلمية في التفسير مبثوثة في كتب أهل العلم، وقد جُمِع شيءٌ منها في رسائل علمية، ولا زالت الحاجة قائمة إلى جمع ما بقي منها مما يتعلق بأصول هذا العلم.
стр. 29
بيان النبي ﷺ معاني القرآن لأصحابه ﵃
стр. 30
فصل
(٦) يجب أن يعلم أن النبي ﷺ بيَّن لأصحابه معاني القرآن كما بيّن لهم ألفاظه، فقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] يتناول هذا وهذا.
(٧) وقد قال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرؤوننا القرآن ـ كعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما ـ أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا.
(٨) ولهذا كانوا يبقون مدة في حفظ السورة، وقال أنس: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جلَّ في أعيننا. وأقام ابن عمر على حفظ البقرة عدة سنين، قيل: ثمان سنين. ذكره مالك (١).
وذلك أن الله تعالى قال: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: ٢٩]، وقال: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: ٨٢، محمد: ٢٤]، وقال: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [المؤمنون: ٦٨]، وتدبر الكلام بدون فهم معانيه لا يمكن.
وكذلك قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢] وعقل الكلام متضمن لفهمه.
(٩) ومن المعلوم أن كل كلام فالمقصود منه فهم معانيه دون مجرد ألفاظه، فالقرآن أولى بذلك.
стр. 31
(١٠) وأيضًا، فالعادة تمنع أن يقرأ قوم كتابًا في فن من العلم ـ كالطب والحساب ـ ولا يستشرحوه، فكيف بكلام الله الذي هو عصمتهم، وبه نجاتهم وسعادتهم، وقيام دينهم ودنياهم؟!
(١١) ولهذا كان النِّزاع بين الصحابة في تفسير القرآن قليلاً جدًا، وهو وإن كان في التابعين أكثر منه في الصحابة فهو قليل بالنسبة إلى ما بعدهم، وكلما كان العصر أشرف كان الاجتماع والائتلاف والعلم والبيان فيه أكثر (١).
(١٢) ومن التابعين من تلقى جميع التفسير عن الصحابة، كما قال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس أوقفه عند كل آية منه وأسأله عنها، ولهذا قال الثوري: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به، ولهذا يعتمد على تفسيره الشافعي والبخاري وغيرهما من أهل العلم وكذلك الإمام أحمد وغيره ممن صنف في التفسير يكرر الطرق عن مجاهد أكثر من غيره.
(١٣) والمقصود أن التابعين تلقوا التفسير عن الصحابة كما تلقوا عنهم علم السنة، وإن كانوا قد يتكلمون في بعض ذلك بالاستنباط، والاستدلال، كما يتكلمون في بعض السنن بالاستنباط والاستدلال.
стр. 32
شرح بيان النبي ﷺ معاني القرآن لأصحابه ﵃
стр. 33
-[المسائل التي طرحها شيخ الإسلام في بيان النبي ﷺ للقرآن]-
طرح شيخ الإسلام في هذا الفصل خمسة مواضيع رئيسة:
الأول: موضوع البيان النبويِّ للقرآن.
الثاني: اهتمام الصحابة بتعلُّم معاني القرآن.
الثالث: قلَّة النِّزاع بين الصحابة في التفسير.
الرابع: أنَّ من التابعين من تلقى جميع التفسير عن الصحابة.
الخامس: أن التابعين قد يتكلمون في التفسير بالاستنباط والاستدلال.
стр. 34
أولاً: موضوع البيان النبويِّ للقرآن:
ذكر شيخ الإسلام في هذا المبحث أن النبي ﷺ قد بيَّن للصحابة معاني القرآن كما بيَّن لهم ألفاظه، واستدلَّ لذلك بأربعة أدلة:
الأول: قوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وهو يشمل بيان الألفاظ وبيان المعاني.
الثاني: الآثار الواردة في تعلُّم الصحابة لمعاني القرآن.
الثالث: الآيات الحاثَّة على عقلِ القرآن وتدبره.
الرابع: العادة الجارية بين الناس فيمن أراد أن يتعلم علمًا، فإنه يستشرح كتابًا في هذا العلم.
ويُعبِّر بعض المعاصرين عن هذه المسألة بسؤال، وهو: هل فسَّر النبي ﷺ القرآن كله، أم فسَّر بعضَه ؟ (١).
والذي يُفهم من كلام شيخ الإسلام هنا أنه فسَّره كلَّه، وقد طرق هذا الموضوع في غير هذا الموضع، وأورد فيه مثل ما أورده هنا، وهذا يعني أنَّ هذه القضية قضية محسومة عنده (٢).
ومن أمثلة ما ورد عنه في هذه القضية:
стр. 35
قال ـ في معرض حديثه عن المتشابه، وبيان أن السلف تكلموا في جميع معاني القرآن ـ: «... ثَّم إنَّ الصحابة نقلوا عن النبي ﷺ أنهم كانوا يتعلمون منه التفسير مع التلاوة، ولم يذكر أحد منهم قط أنه امتنع عن تفسير آية.
قال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا ـ عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما ـ أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل ...» (١).
قال في بغية المرتاد (ص:٣٣٠ ـ ٣٣٢) في معرض ردِّه على أبي حامد الغزالي قوله في كتاب جواهر القرآن عن التفسير الباطن: «إن كنت لا تقوى على احتمال ما يقرع سمعك من هذا النمط ما لم تُسند التفسير للصحابة، فإنَّ التقليد غالب عليك» ـ: «... وأما التفسير الثابت عن الصحابة والتابعين، فذلك إنما قَبِلُوه لأنهم قد علموا أن الصحابة بلَّغوا عن النبي لفظ القرآن ومعانيه جميعًا كما ثبت ذلك عنهم، مع أن هذا مما يعلم بالضرورة من عادتهم، فإن الرجل لو صنف كتاب علمٍ في طبٍ أو حسابٍ أو غيرِ ذلك وحفظه تلامذته ـ لكان يُعْلَمُ بالاضطرارِ أنَّ هِمَمَهم تشوَّق إلى فهم كلامه ومعرفة مراده، وإن بمجرد حفظ الحروف لا تكتفي به القلوب، فكيف بكتاب الله الذي أمر ببيانه لهم، وهو عصمتهم، وهداهم، وبه فَرَقَ الله بين الحق والباطل والهدى والضلال والرشاد والغي، وقد أمرهم بالإيمان بما أخبر به فيه والعمل بما فيه، وهم يتلقونه شيئًا بعد شيء؛ كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً﴾ [الفرقان: ٣٢]، وقال تعالى: ﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً﴾ [الإسراء: ١٠٦]، وهل يتوهم عاقل أنهم كانوا إنما يأخذون منه مجرد حروفه، وهم لا يفقهون ما يتلوه عليهم، ولا ما يقرؤونه،
стр. 36
ولا تشتاق نفوسهم إلى فهم هذا القول، ولا يسألونه عن ذلك، ولا يبتدئ هو بيانه لهم؟! هذا مما يعلم بطلانه أعظم مما يعلم بطلان كتمانهم ما تتوفر الهمم والدواعي على نقله.
و من زعم أنه لم يبين لهم معاني القرآن، أو أنه بيَّنها، وكتموها عن التابعين ، فهو بمنْزلة من زعم أنه بيّن لهم النص على عليٍّ وشيئًا آخر من الشرائع والواجبات، وأنهم كتموا ذلك، أو أنه لم يبين لهم معنى الصلاة والزكاة والصيام والحج ونحو ذلك مما يزعم القرامطة أنَّ له باطنًا يخالف الظاهر؛ كما يقولون إن الصلاة معرفة أسرارهم والصيام كتمان أسرارهم والحج زيارة شيوخهم وهو نظير قولهم أن أبا بكر وعمر كانا منافقين، قصدهما إهلاك الرسول، وأن أبا لهب أقامهما لذلك وأنهما يدا أبي لهب وهو المراد في زعمهم بقوله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١]، وقولهم: إن الإشراك الذي قال الله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] هو إشراك أبي بكر وعلي في الولاية وأن الله أمره بإخلاص الولاية لعلي دون أبي بكر وقال: لئن أشركت بينهما ليحبطن عملك ونحو ذلك من تفسير القرامطة.
فقولنا بتفسير الصحابة والتابعين لعلمنا بأنهم بلغوا عن الرسول ﷺ ما لم يصل إلينا إلا بطريقهم ، وأنهم علموا معنى ما أنزل الله على رسوله ﷺ تلقيًا عن الرسول، فيمتنع أن نكون نحن مصيبين في فهم القرآن، وهم مخطئون، وهذا يعلم بطلانه ضرورة عادةً وشرعًا» (١).
وقال: «... أحدها: أن العادة المطردة التي جبل الله عليها بني آدم توجب اعتناءهم بالقرآن المنزَل عليهم لفظًا ومعنًى، بل أن يكون اعتناؤهم بالمعنى أوكد، فإنه قد علم أنه من قرأ كتابًا في الطب أو الحساب أو النحو
стр. 37
أو الفقه أو غير ذلك؛ فإنه لا بد أن يكون راغبًا في فهمه وتصور معانيه، فكيف بمن قرؤوا كتاب الله تعالى المنزل إليهم، الذي به هداهم الله، وبه عرفهم الحق والباطل، والخير والشر، والهدى والضلال، والرشاد والغي، فمن المعلوم أن رغبتهم في فهمه وتصور معانيه أعظم الرغبات، بل إذا سمع المتعلم من العالم حديثًا فإنه يرغب في فهمه، فكيف بمن يسمعون كلام الله من المبلغ عنه؟! بل ومن المعلوم أن رغبة الرسول ﷺ في تعريفهم معاني القرآن أعظم من رغبته في تعريفهم حروفه، فإن معرفة الحروف بدون المعاني لا تحصل المقصود إذ (١) اللفظ إنما يراد للمعنى» (٢).
والملاحظ هنا أنَّ شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يناقش أقوال أقوامٍ لا يرون تفسير الصحابة والتابعين، ويذهبون إلى تفسيرات شيوخهم من أهل البدع، فقد ذكر هذه الأفكار في كتبٍ يناقش فيها هؤلاء، ككتاب (بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة، والقرامطة والباطنية وأهل الإلحاد القائلين بالحلول والاتحاد)، وفي كلامه على المحكم والمتشابه.
كما طرح تلميذه ابن القيم (ت:٧٥١) هذه الأفكار حينما كان يناقش من لا يرى الاحتجاج بالأحاديث النبوية على شيء من صفات الله العلية، ومما قاله في هذا المجال: «... فهذه الأحاديث تقرر نصوص القرآن، وتكشف معانيها كشفًا مفصلاً، وتقرب المراد، وتدفع عنه الاحتمالات، وتفسر المجمل منه، وتبينه وتوضحه لتقوم حجة الله به، ويعلم أن الرسول بيَّن ما أنزل إليه من ربه، وأنه بلغ ألفاظه ومعانيه بلاغًا مبينًا حصل به العلم اليقيني، بلاغًا أقام الحجة، وقطع المعذرة، وأوجب العلم، وبيَّنه أحسن البيان وأوضحه.
стр. 38
ولهذا كان أئمة السلف وأتباعهم يذكرون الآيات في هذا الباب، ثمَّ يتبعونها بالأحاديث الموافقة لها، كما فعل البخاري ومن قبله ومن بعده من المصنفين في السنة، فإن الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه وغيرهما يحتجون على صحة ما تضمنته أحاديث النُّزول والرؤية والتكليم والوجه، واليدين والإتيان والمجيء بما في القرآن، ويثبتون اتفاق دلالة القرآن والسنة عليها، وأنهما من مشكاة واحدة، ولا ينكر ذلك من له أدنى معرفة وإيمان، وإنما يحسن الاستدلال على معاني القرآن بما رواه الثقات عن الرسول ﷺ ورثة الأنبياء، ثم يتبعون ذلك بما قاله الصحابة والتابعون أئمة الهدى.
وهل يخفى على ذي عقل سليم أن تفسير القرآن بهذا الطريق خير مما هو مأخوذ عن أئمة الضلال وشيوخ التجهم والاعتزال كالمريسي والجبائي والنظام والعلاف وأضرابهم من أهل التفريق والاختلاف الذين أحدثوا في الإسلام ضلالات وبدعًا، وفرقوا دينهم وكانوا شيعًا، وتقطعوا أمرهم بينهم كل حزب بما لديهم فرحون.
فإذا لم يجز تفسير القرآن وإثبات ما دل عليه، وحصول العلم اليقين بسنن رسول الله ﷺ الصحيحة الثابتة، وكلام الصحابة وتابعيهم، أفيجوز أن يرجع في معاني القرآن إلى تحريفات جهم وشيعته، وتأويلات العلاف النظام والجبائي والمريسي وعبد الجبار وأتباعهم من كل أعمى أعجمي القلب واللسان، بعيدٍ عن السنة والقرآن، ومغمورٍ عند أهل العلم والإيمان ...» (١).
ولما كان الأمر هنا في مناقشة أهل البدع الذين ضلوا الطريق جاء هذا التبيين منهما رحمهما الله على هذا الوجه، لكن ما في المقدمة تبين لأناس لم يُشابوا بهذه العقائد الفاسدة، فهل فسَّر النبي ﷺ جميع القرآن؟
كان من الأولَى الحديث المفصل عن هذا في الطريق الثاني من طرق
стр. 39
التفسير، ولكن ما دام الشيخ ذكر أصل هذه المسألة هنا، فلا بأس من تفصيلها هنا، فأقول ـ والله المستعان ـ:
يمكن القول بأن البيان النبوي للقرآن على قسمين:
الأول: ما جاء من تفسير نبوي صريح لآية من الآيات، والمنقول عنه ﷺ من هذا النوع قليلٌ جدًّا إذا ما قيس بعدد الآيات المفسَّرةِ إلى عدد آيات القرآن (١).
ومن أمثلة هذا النوع تفسيره لقوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، أنَّ المغضوبَ عليهم اليهودُ، والضالين النصارى (٢).
ومن حمل البيان النبوي على هذا النوع، قال: إنَّ التفسير الوارد عن النبي ﷺ قليلٌ، وهذا صحيح.
الثاني: عموم سنة الرسول ﷺ القولية والفعلية والتقريرية، فإنَّ السنة شارحة للقرآن ومبينة له ، ولا يخفى أنَّ البيان قد يكون لحكم شرعي، وقد يكون لخبر غيبي، وقد يكون لغير ذلك.
قال شيخ الإسلام (ت:٧٢٨): «وقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، وأوَّلُ النِّزاعِ النِّزاعُ في معاني القرآن، فإنْ لم يكنِ الرسول ﷺ عالمًا بمعانيه امتنع الرجوع إليه.
وقد اتفق الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر أئمة الدين أنَّ السنة
стр. 40
تفسِّر القرآن، وتبينه، وتدل عليه، وتعبر عن مُجْمَلِهِ، وأنها تفسر مجمل القرآن من الأمر والخبر» (١).
وقد ذكر الشاطبي قريبًا من هذا في الموافقات، فقال ـ وهو يتحدث عن علاقة السنة بالقرآن ـ: «إن السنة إنما جاءت مبينة للكتاب شارحة لمعانيه، ولذلك قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]. وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧]، وذلك التبليغ من وجهين: تبليغ الرسالة، وهو الكتاب، وبيان معانيه، وكذلك فعل ﷺ ، فأنت إذا تأملت موارد السنة وجدتها بيانًا للكتاب، هذا هو الأمر العام فيها ... فكتاب الله تعالى هو أصل الأصول، والغاية التي تنتهي إليها أنظار النظار، ومدارك أهل الاجتهاد، وليس وراءه مرمى، لأنه كلام الله القديم (٢)، وأن إلى ربك المنتهى، وقد قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩]، وقال: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]» (٣).
وهذا مما لا يكاد يخفى على مسلم؛ لأن في القرآن ما لا يُعلم تفسيره إلا من جهة النبي ﷺ ، كما نص على ذلك الطبري (ت:٣١٠)، وهو يتحدث عن الوجوه التي يؤخذ من قِبَلها تأويل القرآن، قال: «... والوجه الثاني: ما خص الله بعلم تأويله نبيه ﷺ دون سائر أمته، وهو ما فيه مما بعباده إلى علم تأويله الحاجة، فلا سبيل لهم إلى علم ذلك إلا ببيان الرسول ﷺ لهم تأويله» (٤).
وإذا جَعلتَ عموم السنة مفسرة للقرآن تبيَّنَ لك أنَّ التفسير الذي يرجع إلى السُّنَّةِ ـ بهذا المفهوم ـ كثيرٌ.