ولا تشتاق نفوسهم إلى فهم هذا القول، ولا يسألونه عن ذلك، ولا يبتدئ هو بيانه لهم؟! هذا مما يعلم بطلانه أعظم مما يعلم بطلان كتمانهم ما تتوفر الهمم والدواعي على نقله.
و من زعم أنه لم يبين لهم معاني القرآن، أو أنه بيَّنها، وكتموها عن التابعين ، فهو بمنْزلة من زعم أنه بيّن لهم النص على عليٍّ وشيئًا آخر من الشرائع والواجبات، وأنهم كتموا ذلك، أو أنه لم يبين لهم معنى الصلاة والزكاة والصيام والحج ونحو ذلك مما يزعم القرامطة أنَّ له باطنًا يخالف الظاهر؛ كما يقولون إن الصلاة معرفة أسرارهم والصيام كتمان أسرارهم والحج زيارة شيوخهم وهو نظير قولهم أن أبا بكر وعمر كانا منافقين، قصدهما إهلاك الرسول، وأن أبا لهب أقامهما لذلك وأنهما يدا أبي لهب وهو المراد في زعمهم بقوله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١]، وقولهم: إن الإشراك الذي قال الله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] هو إشراك أبي بكر وعلي في الولاية وأن الله أمره بإخلاص الولاية لعلي دون أبي بكر وقال: لئن أشركت بينهما ليحبطن عملك ونحو ذلك من تفسير القرامطة.
فقولنا بتفسير الصحابة والتابعين لعلمنا بأنهم بلغوا عن الرسول ﷺ ما لم يصل إلينا إلا بطريقهم ، وأنهم علموا معنى ما أنزل الله على رسوله ﷺ تلقيًا عن الرسول، فيمتنع أن نكون نحن مصيبين في فهم القرآن، وهم مخطئون، وهذا يعلم بطلانه ضرورة عادةً وشرعًا» (١).
وقال: «... أحدها: أن العادة المطردة التي جبل الله عليها بني آدم توجب اعتناءهم بالقرآن المنزَل عليهم لفظًا ومعنًى، بل أن يكون اعتناؤهم بالمعنى أوكد، فإنه قد علم أنه من قرأ كتابًا في الطب أو الحساب أو النحو
стр. 37
أو الفقه أو غير ذلك؛ فإنه لا بد أن يكون راغبًا في فهمه وتصور معانيه، فكيف بمن قرؤوا كتاب الله تعالى المنزل إليهم، الذي به هداهم الله، وبه عرفهم الحق والباطل، والخير والشر، والهدى والضلال، والرشاد والغي، فمن المعلوم أن رغبتهم في فهمه وتصور معانيه أعظم الرغبات، بل إذا سمع المتعلم من العالم حديثًا فإنه يرغب في فهمه، فكيف بمن يسمعون كلام الله من المبلغ عنه؟! بل ومن المعلوم أن رغبة الرسول ﷺ في تعريفهم معاني القرآن أعظم من رغبته في تعريفهم حروفه، فإن معرفة الحروف بدون المعاني لا تحصل المقصود إذ (١) اللفظ إنما يراد للمعنى» (٢).
والملاحظ هنا أنَّ شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يناقش أقوال أقوامٍ لا يرون تفسير الصحابة والتابعين، ويذهبون إلى تفسيرات شيوخهم من أهل البدع، فقد ذكر هذه الأفكار في كتبٍ يناقش فيها هؤلاء، ككتاب (بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة، والقرامطة والباطنية وأهل الإلحاد القائلين بالحلول والاتحاد)، وفي كلامه على المحكم والمتشابه.
كما طرح تلميذه ابن القيم (ت:٧٥١) هذه الأفكار حينما كان يناقش من لا يرى الاحتجاج بالأحاديث النبوية على شيء من صفات الله العلية، ومما قاله في هذا المجال: «... فهذه الأحاديث تقرر نصوص القرآن، وتكشف معانيها كشفًا مفصلاً، وتقرب المراد، وتدفع عنه الاحتمالات، وتفسر المجمل منه، وتبينه وتوضحه لتقوم حجة الله به، ويعلم أن الرسول بيَّن ما أنزل إليه من ربه، وأنه بلغ ألفاظه ومعانيه بلاغًا مبينًا حصل به العلم اليقيني، بلاغًا أقام الحجة، وقطع المعذرة، وأوجب العلم، وبيَّنه أحسن البيان وأوضحه.
стр. 38
ولهذا كان أئمة السلف وأتباعهم يذكرون الآيات في هذا الباب، ثمَّ يتبعونها بالأحاديث الموافقة لها، كما فعل البخاري ومن قبله ومن بعده من المصنفين في السنة، فإن الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه وغيرهما يحتجون على صحة ما تضمنته أحاديث النُّزول والرؤية والتكليم والوجه، واليدين والإتيان والمجيء بما في القرآن، ويثبتون اتفاق دلالة القرآن والسنة عليها، وأنهما من مشكاة واحدة، ولا ينكر ذلك من له أدنى معرفة وإيمان، وإنما يحسن الاستدلال على معاني القرآن بما رواه الثقات عن الرسول ﷺ ورثة الأنبياء، ثم يتبعون ذلك بما قاله الصحابة والتابعون أئمة الهدى.
وهل يخفى على ذي عقل سليم أن تفسير القرآن بهذا الطريق خير مما هو مأخوذ عن أئمة الضلال وشيوخ التجهم والاعتزال كالمريسي والجبائي والنظام والعلاف وأضرابهم من أهل التفريق والاختلاف الذين أحدثوا في الإسلام ضلالات وبدعًا، وفرقوا دينهم وكانوا شيعًا، وتقطعوا أمرهم بينهم كل حزب بما لديهم فرحون.
فإذا لم يجز تفسير القرآن وإثبات ما دل عليه، وحصول العلم اليقين بسنن رسول الله ﷺ الصحيحة الثابتة، وكلام الصحابة وتابعيهم، أفيجوز أن يرجع في معاني القرآن إلى تحريفات جهم وشيعته، وتأويلات العلاف النظام والجبائي والمريسي وعبد الجبار وأتباعهم من كل أعمى أعجمي القلب واللسان، بعيدٍ عن السنة والقرآن، ومغمورٍ عند أهل العلم والإيمان ...» (١).
ولما كان الأمر هنا في مناقشة أهل البدع الذين ضلوا الطريق جاء هذا التبيين منهما رحمهما الله على هذا الوجه، لكن ما في المقدمة تبين لأناس لم يُشابوا بهذه العقائد الفاسدة، فهل فسَّر النبي ﷺ جميع القرآن؟
كان من الأولَى الحديث المفصل عن هذا في الطريق الثاني من طرق
стр. 39
التفسير، ولكن ما دام الشيخ ذكر أصل هذه المسألة هنا، فلا بأس من تفصيلها هنا، فأقول ـ والله المستعان ـ:
يمكن القول بأن البيان النبوي للقرآن على قسمين:
الأول: ما جاء من تفسير نبوي صريح لآية من الآيات، والمنقول عنه ﷺ من هذا النوع قليلٌ جدًّا إذا ما قيس بعدد الآيات المفسَّرةِ إلى عدد آيات القرآن (١).
ومن أمثلة هذا النوع تفسيره لقوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، أنَّ المغضوبَ عليهم اليهودُ، والضالين النصارى (٢).
ومن حمل البيان النبوي على هذا النوع، قال: إنَّ التفسير الوارد عن النبي ﷺ قليلٌ، وهذا صحيح.
الثاني: عموم سنة الرسول ﷺ القولية والفعلية والتقريرية، فإنَّ السنة شارحة للقرآن ومبينة له ، ولا يخفى أنَّ البيان قد يكون لحكم شرعي، وقد يكون لخبر غيبي، وقد يكون لغير ذلك.
قال شيخ الإسلام (ت:٧٢٨): «وقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، وأوَّلُ النِّزاعِ النِّزاعُ في معاني القرآن، فإنْ لم يكنِ الرسول ﷺ عالمًا بمعانيه امتنع الرجوع إليه.
وقد اتفق الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر أئمة الدين أنَّ السنة
стр. 40
تفسِّر القرآن، وتبينه، وتدل عليه، وتعبر عن مُجْمَلِهِ، وأنها تفسر مجمل القرآن من الأمر والخبر» (١).
وقد ذكر الشاطبي قريبًا من هذا في الموافقات، فقال ـ وهو يتحدث عن علاقة السنة بالقرآن ـ: «إن السنة إنما جاءت مبينة للكتاب شارحة لمعانيه، ولذلك قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]. وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧]، وذلك التبليغ من وجهين: تبليغ الرسالة، وهو الكتاب، وبيان معانيه، وكذلك فعل ﷺ ، فأنت إذا تأملت موارد السنة وجدتها بيانًا للكتاب، هذا هو الأمر العام فيها ... فكتاب الله تعالى هو أصل الأصول، والغاية التي تنتهي إليها أنظار النظار، ومدارك أهل الاجتهاد، وليس وراءه مرمى، لأنه كلام الله القديم (٢)، وأن إلى ربك المنتهى، وقد قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩]، وقال: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]» (٣).
وهذا مما لا يكاد يخفى على مسلم؛ لأن في القرآن ما لا يُعلم تفسيره إلا من جهة النبي ﷺ ، كما نص على ذلك الطبري (ت:٣١٠)، وهو يتحدث عن الوجوه التي يؤخذ من قِبَلها تأويل القرآن، قال: «... والوجه الثاني: ما خص الله بعلم تأويله نبيه ﷺ دون سائر أمته، وهو ما فيه مما بعباده إلى علم تأويله الحاجة، فلا سبيل لهم إلى علم ذلك إلا ببيان الرسول ﷺ لهم تأويله» (٤).
وإذا جَعلتَ عموم السنة مفسرة للقرآن تبيَّنَ لك أنَّ التفسير الذي يرجع إلى السُّنَّةِ ـ بهذا المفهوم ـ كثيرٌ.
стр. 41
لكن لا يعني هذا أنَّ الرسول ﷺ فسَّر كلَّ لفظةٍ في القرآنِ؛ لأنَّ في القرآن ما هو بيِّنُ المعنى، فلا يحتاج إلى بيان، وفيه ما هو بلغة القومِ، فلم يحتاجوا بمعرفتهم لغتهم إلى أن يسألوا عنه رسول الله ﷺ ، لكن إذا استشكلوا شيئًا من القرآن سألوا رسول الله ﷺ ، وهذا ظاهر في سؤالات الصحابة للرسول ﷺ عن معاني بعض الآيات، ومن ذلك:
حديثُ ابن مسعودٍ (ت:٣٥)، قال: «لما نزلت ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] قلنا: يا رسولَ الله، وأيُّنا لم يظلمْ نفسَه؟
قال: ليسَ كما تقولونَ. لم يلبِسُوا إيمانَهم بظلمٍ: بشركٍ، ألم تسمعوا إلى قولِ لقمانَ لابِنه: ﴿يَابُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]» (١).
إنَّ هذا الحديث يَدُلُّ على أن الصَّحابةَ ﵁ كانوا يجتهدونَ في فَهمِ القرآنِ الذي نزلَ بلغتِهم على ما يفهمونَه منها، فإنْ أشكلَ عليهم منه شيءٌ سألوا رسولَ اللهِ ﷺ ، وهذا ظاهرٌ من هذا الحديثِ؛ لأنَّهم جعلوا معنى الظُّلمِ عامًا على ما يعرفونه من لغتِهم، فأرشدَهم النَّبيُ ﷺ إلى المعنى المرادِ به في الآيةِ، ونبَّهَهم إلى أن المعنى اللُّغويَّ الذي فسَّروا به الآيةَ غيرُ مرادٍ، ولم ينهَهم ﷺ عنْ أنْ يفسِّروا القرآنَ بلغتِهم، ولو كان هذا المَسْلَكُ خَطأً لنبَّهَهُم عليه.
وهذا الحديث يشير إلى أنَّ المدارسة الواردة في الآثار السابقة كانت تتمُّ بين الصحابة، وأنهم كانوا يرجعون للرسول ﷺ فيما يحتاجون إليه.
ومما يدلُّ على أنهم لم يتلقَّوا بيان جميع الألفاظ ما وقع بينَ
стр. 42
الصَّحابةِ ﵃ منْ خِلافٍ مُحَقَّقٍ في تفسير بعضِ الألفاظِ القرآنيَّة التي لها أكثرُ من دَلاَلَةٍ لغويَّةٍ، فحملَها بعضُهُم على معنى، وحمَلَهَا الآخرُون على معنًى آخرَ.
وهذا يَدُلُّ على أنَّهم لم يتلقوا من النَّبيِّ ﷺ بيانًا نبويًّا في هذه اللَّفظةِ، ولو كان عند أحدٍ منه بيانٌ لما وَقَعَ مثلُ هذا الاختلافِ.
ومنْ أشهرِ الأمثلةِ التي يمكن أن يُمثَّلَ بها: اختلافُهم في لفظِ «القُرْءِ» في قولِهِ تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فقد وَرَدَ في معنى القُرْءِ قولانِ، كلاهما مُعْتَمِدٌ على اللُّغةِ، وهما:
الأول: الحَيضُ، وبه قال عمرُ بن الخطَّابِ (ت:٢٣)، وأُبَيُّ بنُ كعبٍ (ت:٣٠)، وعبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ (ت:٣٢)، وعليُّ بن أبي طالبٍ (ت:٤٠)، وأبو موسى الأشعريِّ (ت:٤٣)، وابنُ عبَّاسٍ (ت:٦٨) ﵃.
الثاني: الطُّهرُ، وبه قالَ زيدُ بن ثابتٍ (ت:٥٥)، وعائشةُ بنتُ أبي بكرٍ الصديقِ (ت:٥٨)، ومعاويةُ بنُ أبي سفيان (ت:٦٠)، وعبدُ الله بنُ عمرَ (ت:٧٤) (١) ﵃.
ولو كان عند هؤلاء الصَّحابةِ الكرامِ ﵃ خبرٌ عن الرَّسولِ ﷺ في تفسيرِ هذه اللَّفظةِ لنقلُوه، ولمَّا لم يكنْ عندَهُم، اجتهدوا في بيانِ المرادِ معتمدينَ في ذلك على لغتِهم.
ومن يقرأ في التفسير المأثور عن الصحابة يظهر له ذلك بما للصحابة من توقف في بعض معنى الآي، وما لهم من نصوص صريحة في الاجتهاد؛ كاجتهاد أبي بكر في تفسير الكلالة، وما وقع من اجتهاد ابن عباس (ت:٦٨) في تفسير العاديات، ثمَّ رجوعه إلى قولِ علي (ت:٤٠) ﵃ أجمعين، وغير ذلك من الدلائل التي لا تخفى، والله أعلم.
стр. 43
ويبقى أن تعلم أنَّ شيخ الإسلام (ت:٧٢٨) يريد أن يحتجَّ على أولئك المبتدعة في أنَّ القرآن قد عُلمَ تفسيره من جهة الصحابة والتابعين، وينتج من ذلك:
* أنه لا يوجد في القرآن ما لا يُعلم معناه ، فلا يقع متشابهٌ كليٌّ في هذا القسم الذي يتعلق بالمعنى، إذ كله معلوم مفسَّرٌ، ومنه معاني الأسماء والصفات التي كان النِّزاع فيها مشهورًا بين المتأخرين.
ولا شكَّ أنَّ عدم ورود تفسيرات جزئية لهذه المسائل التي بحثها المتأخرون لا يعني أنَّ السلف كانوا يفوضونها؛ لأنَّ التفويض لم يرد عنهم البتة، كما لم يرد عنهم إنكار معنى صفة من الصفات ولا اسم من الأسماء، ولهذا لا مدخل لهم في كون النبي ﷺ لم يفسر جميع القرآن، فهم يُلزمون بأن يثبتوا بالنقل أنَّ السلف فوَّضوا المعاني أو أنكروا معانيها كما يفعل المتأخرون، والموضوع في هذا طويل، والمراد التنبيه على أنَّه لا حجة لهؤلاء في تفسيراتهم المبتدعة بكون الرسول ﷺ لم يفسر جميع القرآن، والله أعلم.
* أنه لا يوجد في القرآن ما خفِيَ علمه على الصحابة ، وظهر لمن بعدهم بلا علمٍ ولا دليل ولا حجة يقوم عليها ذلك التفسير؛ كتفسيرات الرافضة والقرامطة وغيرهم من الغلاة الذين يزعمون أنَّ عندهم من تفسيره ما لا يُعلمَ إلا من جهتهم.
وليس ردُّ هذه التفسيرات لكونها لم ترد عن السلف فقط، بل لأنها باطلة في ذاتها، قال شيخ الإسلام (ت:٧٢٨): «وقوله [يعني: الغزالي]: إن كنت لا تَقْوَى على احتمال ما يَقْرَعُ سمعَك من هذا النمط ما لم تُسند التفسير للصحابة، فإن التقليد غالب عليك.
يقال له: إنما لم أحتمل هذا النمط لأني أعلم بالاضطرار أنه باطل، وأن الله لم يُرِدْهُ، فَرَدِّي للقَرْمَطَةِ في السمعيات كَرَدِّي للسفسطة في العقليات،
стр. 44
وذلك كَرَدِّي لكل قول أعلم بالاضطرار أنه كذب وباطل. ولو نقل مثل هذا النمط عن أحد من الصحابة والتابعين، لعلمت أنه كذب عليهم، ولهذا تجد القرامطة ينقلون هذا عن علي ﵁، ويدَّعون أنَّ هذا العلم الباطن المخالف، لما علم من الظاهر مأخوذ عنه، ثم لم يستفيدوا بهذا النقل عن علي ﵁ عند المسلمين إلا زيادة كذب وخزي، فإن المسلمين يعلمون بالاضطرار أن عليًّا لا يقول مثل هذا، وأهل العلم منهم قد علموا بالنقول الصحيحة الثابتة عن علي ما يبين كذب هذا، ويبين أن من ادعى على علي أنه كان عنده عن النبي ﷺ علم خصَّه به فقد كذب، كما هو مبسوط في غير هذا الموضع» (١).
* أنه لا يوجد في تفسير القرآن ما أخفاه الرسول ﷺ عن الصحابة ﵃ ، ولا ما أخفاه على بعضهم وعلَّمه غيرهم عن قصدٍ، ولا ما علَّمه بعض الصحابة واستأثروا بعلمه فلم يُعلِّموه، ولا ما خصُّوا به بعض التابعين عن قصدٍ، حتى يصل إلى بعض الناس دون غيرهم، فكلُّ هذا مما يخالف ما هو معلوم من نقل الآثار بالضرورة، ويعرف كل من قرأ في آثار السلف عمومًا أنه لا يوجد مثل هذه العلوم الخاصة التي يزعمها بعض الرافضة أو الصوفية أو الباطنية.
ولا شكَّ أن كلام شيخ الإسلام من حيث وجود بيان لجميع القرآن عن رسول الله ﷺ بجميع ألفاظه وجُمَلِهِ فيه إشكالٌ ، ويلزم منه أنَّ الصحابة الذين فسّروا القرآن كانوا يفسرونه بتفسير النبي ﷺ ولا ينسبونه إليه، أو أن يكون شيء كثير منه لم يصل إلينا، وهذا من المسائل المشكلة، لو ثبت.
والذي تدلُّ عليه الآثارُ ما يأتي:
١ - أنَّ النبي ﷺ كان له تفسيرات مباشرة لبعض آيات القرآن.
стр. 45
٢ - أنَّ عموم سنته ﷺ شارحة للقرآن.
٣ - أنَّ أصول الدين من المعاملات والشرعيات والاعتقادات قد بيَّنها الرسول ﷺ للصحابة بيانًا واضحًا لا لبس فيه، واختلافهم في بعض أفرادها لا يدلُّ على أنه لم يبينها لهم.
وهذا يسدُّ المدخل على المبتدعة الذين ناقشهم شيخ الإسلام، وعليه يُحمل كلامه في بيان الرسول ﷺ ، والله أعلم.
٤ - أنَّ الصحابة كان لهم اجتهاد في بيان القرآن وتفسيره، ولم يقع خلافهم في أصول المسائل السابقة، وإنما وقع في جزئيات، بل ما وقع الخلاف فيه من جهة دلالة بعض الآيات على مسائل في الاعتقاد نادرٌ جدًّا، وهو يرجع إلى صحَّةِ دلالة الآية على المسألة العقدية، لا على ثبوت المسألة العقدية عندهم؛ كالاختلاف في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢]، فقد ورد عن ابن عباس وأصحابه أنها القيامة تكشف عن هول وكرب عظيم، وورد عن أبي سعيد الخدري وغيره أنَّ الساق هنا هي ساق الرب سبحانه بدليل حديث الرسول ﷺ : «يكشف ربنا عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياءً وسمعة، فيذهب ليسجد، فيعود ظهره طَبَقًا واحدًا» (١).
ومما يجب أن يعلم ويعتقد أنه لا يوجد في تفسيرات الصحابة، ولا التابعين وأتباعهم قول بالرأي المذموم الذي يكون عن جهل أو هوى، كما حصل فيمن جاء بعدهم من المتأخرين، بل كانوا يجتهدون على علمٍ، ولا يعني هذا أن يكون كل اجتهادهم صحيحًا، بل حالها كحال الاجتهاد في الفرعيات، لكن قولهم مقدم، وهو أولى من قول غيرهم من المتأخرين، وهذا الأصل مما لا يُتصوَّر أن يُنازِع فيه طالب علم يعرف عِلْمَ السلف وعلم الخلف.
стр. 46
وعموم اختلافهم في التفسير يرجع إلى اختلاف التنوع، كما أشار إليه شيخ الإسلام في أكثر من موطن، والله أعلم.
بيان ما تدل عليه الآثار من أن النبي ﷺ بيّن لهم ما يحتاجون إليه:
* إذا أوردتَ أثر أبي عبد الرحمن السلمي الذي ذكره شيخ الإسلام، وفيه دلالة على أنَّ الصحابة كانوا يتدارسون القرآن؛ قال: «حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن ـ كعثمان وعبد الله بن مسعود وغيرهما ـ: أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا».
وأضفتَ إليه أثر ابن عمر، وهو قوله: «لقد عشنا برهة من دهرنا وإن أحدنا ليؤتى الإيمان قبل القرآن وتنْزل السورة على محمد، فنتعلم حلالها وحرامها، وما ينبغي أن يوقف عنده منها؛ كما تتعلمون أنتم القرآن اليوم، ولقد رأينا اليوم رجالاً يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يدري ما آمره ولا زاجره، ولا ما ينبغي أن يوقف عنده منه» (١).
واستحضرتَ أثر ابن مسعود (ت:٣٥)، الذي يدُّل على أنهم كانوا إذا أشكل عليهم شيء من القرآن سألوا عنه رسول الله ﷺ ، قال عبد الله بن مسعود (ت:٣٥): «لما نزلت هذه الآية ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ شق ذلك على أصحاب رسول الله، قالوا: أيُّنَا لم يلبس إيمانه بظلم؟ فقال رسول الله: إنه ليس بذاك، ألا تسمعون إلى قول لقمان لابنه: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾؟».
واستحضرتَ أثر ابن عباس (ت:٦٨) في أقسام التفسير، الذي استشهد به شيخ الإسلام (ت:٧٢٨) في أكثر من موطن، قال ابن عباس (ت:٦٨): «التفسير
стр. 47
على أربعة وجوه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله تعالى ذكره» (١).
وإذا علمت أنَّ النبي ﷺ كان يبتدئ أصحابه بالتعليم في أحيان كثيرة = ظهر لك أنَّ المدارسة التي بينهم في العلم قد تكون مع الرسول ﷺ ، وقد تكون فيما بينهم، فإذا أشكل عليهم شيء من العلم سألوا رسول الله ﷺ ، وإن كان كثير من العلم يبتدئهم به الرسول ﷺ دون سؤال منهم.
وإنَّ النتيجة التي يمكن أن تخلص إليها من جملة هذه الآثار: أنَّ النبي ﷺ بيّن لهم من المعاني ما احتاجوا إليه، بدلالة قوله ﷺ : «تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك؛ كتاب الله وسنتي» (٢).
وكان من أعظم ما يدخل في البيان أصول الدين والشرائع والمعاملات، وأنَّ الخلاف الوارد في التفسيرِ كان في أمورٍ قابلة للاجتهاد، والأمر فيها واسع، وهي ترجع إلى احتمال الآية للمعنى المذكور من عدمه.
ثانيًا: اهتمام الصحابة بتعلُّم معاني القرآن (٣):
طرح شيخ الإسلام في هذه المسألة دليل النقل ودليل العقل:
أما دليل النقل، فما رواه أبو عبد الرحمن السُّلمي، قال: «حدثنا الذين
стр. 48
كانوا يقرئوننا: عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما، أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل»، وأثر ابن عمر في تعلُّمه سورة البقرة في ثمان سنين.
ويمكن أن يضاف إلى دليل النقل ما ورد عن ابن عمر، وهو قوله: «لقد عشنا برهة من دهرنا، وإن أحدنا ليؤتى الإيمان قبل القرآن وتنْزل السورة على محمد، فنتعلم حلالها وحرامها، وما ينبغي أن يوقف عنده منها؛ كما تتعلمون أنتم القرآن اليوم، ولقد رأينا اليوم رجالاً يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يدري ما آمره ولا زاجره، ولا ما ينبغي أن يوقف عنده منه» (١).
وكذا ما ورد عنهم من الأسئلة التفسيرية التي يستوضحون فيها عن ما يشكل عليهم في معنى آية من الآيات، ومن ذلك ما ورد عن مسروق قال: إنا سألنا عبد الله عن هذه الآية ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ فقال: أما إنا قد سألنا عن ذلك رسول الله ﷺ فقال: «أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل ...» (٢).
ومنها ما ورد عن مسروق قال: قال عبد الله ـ يعني: ابن مسعود ـ: «والذي لا إله غيره ما نزلت آية من كتاب الله؛ إلا وأنا أعلم فيمن نزلت، وأين نزلت، ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله مني تناله المطايا لأتيته».
стр. 49
وما ورد عن الأعمش أيضًا، عن أبي وائل، عن ابن مسعود قال: «كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن» (١).
وما ورد عن أبي الطفيل قال: «شهدت عليًّا يخطب، وهو يقول: سلوني، فوالله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم.
وسلوني عن كتاب الله، فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم أبليل نزلت، أم بنهار، أم في سهل، أم في جبل» (٢).
ومنها ما رواه الطبري (ت:٣١٠)، قال: «حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة: ٢٠٦، ٢٠٧]؛ قال: كان عمر بن الخطاب ﵁ إذا صلى السُّبحة وفرغ دخل مربدًا له، فأرسل إلى فتيان قد قرءوا القرآن؛ منهم ابن عباس وابن أخي عيينة.
قال: فيأتون فيقرءون القرآن ويتدارسونه، فإذا كانت القائلة انصرف.
قال: فمروا بهذه الآية: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ﴾ ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة: ٢٠٦، ٢٠٧]، قال ابن زيد: وهؤلاء المجاهدون في سبيل الله.
فقال ابن عباس لبعض من كان إلى جنبه: اقتتل الرجلان.
فسمع عمر ما قال، فقال: وأي شيء قلت؟
قال: لا شيء، يا أمير المؤمنين.
قال: ماذا قلت؟ اقتتل الرجلان!
стр. 50
قال: فلما رأى ذلك ابن عباس، قال: أرى ههنا من إذا أمر بتقوى الله أخذته العزة بالإثم، وأرى من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله، يقوم هذا فيأمر هذا بتقوى الله، فإذا لم يقبل، وأخذته العزة بالإثم، قال هذا: وأنا أشتري نفسي، فقاتله، فاقتتل الرجلان.
فقال عمر: لله بلادك يابن عباس» (١).
وهذه الآثار وغيرها تدلُّ على حرص الصحابة على تعلُّمِ كتاب الله، ومعرفة معانيه، ومدارسته والعمل بما فيه.
وأما دليل العقل، فما جرت به العادة من حرص الطلاب على تعلُّم كتابٍ في العلم الذين يريدون أن يتعلموه، وقد قال في غير هذه المقدمة: «أن العادة المطردة التي جبل الله عليها بني آدم = توجب اعتناءهم بالقرآن المنَزَّل عليهم لفظًا ومعنًى، بل أن يكون اعتناؤهم بالمعنى أوكد. فإنه قد عُلِمَ أنه من قرأ كتابًا في الطبِّ أو الحساب أو النحو أو الفقه أو غير ذلك فإنه لا بد أن يكون راغبًا في فَهْمِهِ وتصوُّرِ معانيه، فكيف بمن قرؤوا كتاب الله تعالى؛ المَنزل إليهم؛ الذي به هداهم الله، وبه عرَّفهم الحق والباطل، والخير والشر، والهدى والضلال، والرشاد والغيَّ.
فمن المعلوم أن رغبتهم في فهمه وتصور معانيه أعظم الرغبات، بل إذا سَمِعَ المتعلم من العالم حديثًا، فإنه يَرْغَبُ في فَهْمِهِ، فكيف بمن يسمعون كلام الله من المبلغ عنه؟!
بل، ومن المعلوم أن رغبة الرسول ﷺ في تعريفهم معاني القرآن أعظم من رغبته في تعريفهم حروفه، فإن معرفة الحروف بدون المعاني لا تُحَصِّلُ
стр. 51
المقصود، إذ اللفظ إنما يراد للمعنى» (١).
ثالثًا: قِلَّةُ النِّزاع بين الصحابة في التفسير:
المراد بالنِّزاع هنا مطلق الاختلاف، وليس النِّزاع المذموم، وقد وقع بين الصحابة اختلاف في الآيات، لكنه في أغلبه اختلاف تنوع كما سيذكر شيخ الإسلام لاحقًا، ولا شكَّ أنَّ من اطَّلع على المنقول عنهم في التفسير فإنه سيظهر له ما قرَّره شيخ الإسلام هنا من أنَّ اختلافهم في التفسير كان قليلاً، وكان أقل من اختلاف من جاء بعدهم.
ومن الملاحظ أنَّ شيخ الإسلام جعل هذا الكلام، وهو قلة النِّزاع نتيجةً لما سبق أن طرحه في مسألة البيان النبوي للقرآن، فقد صدَّر هذه المسألة بقوله: «ولهذا كان النِّزاع بين الصحابة في تفسير القرآن قليلاً جدًّا ...».
وكأنه يقول: إنَّ اتِّحاد مصدر التَّلقي عندهم ـ وهو أخذهم التفسير عن الرسول ﷺ جعل النِّزاع في التفسير قليلاً بينهم.
ذِكْرُ أمثلة للاختلاف الوارد عن الصحابة ﵃:
١ - في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ [العاديات: ١].
قال علي وابن مسعود: هي الإبل.
وقال ابن عباس: هي الخيل.
٢ - في قوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٧].
قال علي وابن عمر: الزكاة.
وقال ابن مسعود وابن عباس: عارية المتاع من الدلو والقِدْرِ ونحو ذلك.
стр. 52
رابعًا: أنَّ من التابعين من تلقّى جميع التفسير من الصحابة:
هذه المسألة التي يذكرها شيخ الإسلام واضحة؛ لأن علم التفسير كان عِلْمًا قائمًا بذاته منذ عهد الصحابة، وكان هذا العلم مما تلقَّاه التابعون عن الصحابة كما تلقَّوا عنهم علم القراءة والحديث والفقه والسلوك.
وكان بعضهم أبرز من بعض في تلقيه وفي تفسيره، وكان من أبرزهم على الإطلاق إمام التابعين مجاهد بن جبر (ت:١٠٤) الذي تلقى التفسير عن ابن عباس (ت:٦٨)، كما تلقَّاه عنه عكرمة مولاه (ت:١٠٥)، وأبو الجوزاء أوس بن عبد الله الرَّبعي (ت:٨٣) الذي قال: «جاورت ابن عباس ثنتي عشرة سنة في داره، وما من القرآن آية إلا وقد سألته عنها» (١).
وكان ابن عباس (ت:٦٨) من أخصِّ الصحابة في علم التفسير، بفضل دعوة الرسول ﷺ له، حيث قال ﷺ : «اللهم فقهه في الدين، وعلّمه التأويل» (٢).
وكان ابن مسعود (ت:٣٥) معلم الكوفة من كبار مفسري الصحابة، وقد تلقَّاه عنه تلاميذه في الكوفة، وكذا تلقَّاه عن علماء الصحابة في المدينة بعض التابعين؛ كزيد بن أسلم ومحمد بن كعب القرظي.
وهذا معروف في تاريخ التفسير، وسيأتي إشارة شيخ الإسلام لبعض مفسري السلف في حديث لاحق من هذه المقدمة.
خامسًا: أن التابعين قد يتكلمون في التفسير بالاستنباط والاستدلال:
هذه المسألة من المسائل الواضحة في التفسير، ومن قرأ في تفسير
стр. 53
التابعين ظهر له ذلك جليًا، لذا تجد للتابعين أقوالاً تخالف قول الصحابة ولا تعارضه أو تناقضه، بل كان بعضهم مفسِّرًا والصحابة متوافرون؛ كأبي العالية (ت:٩٣) وسعيد بن جبير (ت:٩٤)، وغيرهما.
وسيأتي في فصل (أحسن طرق التفسير) كلام شيخ الإسلام عن تفسير التابعين.
стр. 54
اختلاف التنوع واختلاف التضاد في تفسير السلف
стр. 55
فصل
(١٤) الخلاف بين السلف في التفسير قليل، وخلافهم في الأحكام أكثر من خلافهم في التفسير، وغالب ما يصح عنهم من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد (١)، وذلك صنفان:
(١٥) أحدهما: أن يُعبِّر كل واحد منهم عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه، تدل على معنى في المسمى غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمى، بمنْزلة الأسماء المتكافئة التي بين المترادفة والمتباينة (٢)، كما
стр. 56
قيل في اسم السيف: الصارم والمهند، وذلك مثل أسماء الله الحسنى، وأسماء رسوله ﷺ وأسماء القرآن، فإن أسماء الله كلها تدل على
стр. 57
مسمى واحد، فليس دعاؤه باسم من أسمائه الحسنى مضادًا لدعائه باسم آخر؛ بل الأمر كما قال تعالى: ﴿قُلْ ادْعُوا اللَّهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَانَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠].
(١٦) وكل اسم من أسمائه يدل على الذات المسماة، وعلى الصفة التي تضمنها الاسم، كالعليم يدل على الذات والعلم، والقدير يدل على الذات والقدرة، والرحيم يدل على الذات والرحمة، ومن أنكر دلالة أسمائه على صفاته ممن يدعي الظاهر، فقوله من جنس قول غلاة الباطنية القرامطة الذين يقولون: لا يقال: هو حي، ولا ليس بحي؛ بل ينفون عنه النقيضين، فإن أولئك القرامطة الباطنية لا ينكرون اسمًا هو علم محض كالمضمرات، وإنما ينكرون ما في أسمائه الحسنى من صفات الإثبات، فمن وافقهم على مقصودهم كان مع دعواه الغلو في الظاهر موافقًا لغلاة الباطنية في ذلك، وليس هذا موضع بسط ذلك (١).
وإنما المقصود أن كل اسم من أسمائه يدل على ذاته، وعلى ما في الاسم من صفاته، ويدل أيضًا على الصفة التي في الاسم الآخر بطريق اللزوم.
(١٧) وكذلك أسماء النبي ﷺ ؛ مثل: محمد، وأحمد، والماحي، والحاشر، والعاقب.
(١٨) وكذلك أسماء القرآن؛ مثل: القرآن، والفرقان، والهدى، والشفاء، والبيان، والكتاب، وأمثال ذلك.
стр. 58
(١٩) فإذا كان مقصود السائل تعيين المسمى = عبَّرنا عنه بأي اسم كان إذا عُرِفَ مسمى هذا الاسم، وقد يكون الاسم عَلَمًا، وقد يكون صفة كمن يسأل عن قوله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ [طه: ١٢٤] ما ذِكْرُه؟ فيقال له: هو القرآن مثلاً، أو هو ما أنزله من الكتب. فإن الذِّكْرَ مصدرٌ، والمصدر تارة يضاف إلى الفاعل وتارة إلى المفعول.
فإذا قيل: ذِكْرُ الله بالمعنى الثاني كان ما يذكر به مثل قول العبد: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.
وإذا قيل بالمعنى الأول كان ما يذكره هو، وهو كلامه، وهذا هو المراد في قوله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ [طه: ١٢٤]؛ لأنه قال قبل ذلك: ﴿فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣]، وهُدَاه هو ما أنزله من الذِّكْرِ، وقال بعد ذلك: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا﴾ [طه: ١٢٥، ١٢٦].
(٢٠) والمقصود أن يعرف أن الذِّكْر هو كلامه المُنزل، أو هو ذِكْر العبد له، فسواء قيل: ذكري: كتابي، أو كلامي، أو هداي، أو نحو ذلك = كان المسمى واحدًا.
(٢١) وإن كان مقصود السائل معرفة ما في الاسم من الصفة المختصة به، فلا بدَّ من قدر زائد على تعيين المسمى؛ مثل أن يسأل عن القدوس السلام المؤمن، وقد عَلِمَ أنه الله؛ لكن مراده ما معنى كونه قدوسًا سلامًا مؤمنًا ونحو ذلك.
(٢٢) إذا عُرف هذا، فالسلف كثيرًا ما يعبّرون عن المسمى بعبارة تدل على عينه، وإن كان فيها من الصفة ما ليس في الاسم الآخر؛ كمن يقول: أحمد هو الحاشر والماحي والعاقب. والقدوس هو الغفور والرحيم؛ أي أن المسمَّى واحد، لا أن هذه الصفة هي هذه الصفة،
стр. 59
ومعلوم أن هذا ليس اختلاف تضاد كما يظنه بعض الناس.
(٢٣) مثال ذلك تفسيرهم (للصراط المستقيم):
فقال بعضهم: هو القرآن؛ أي: اتباعه؛ لقول النبي ﷺ في حديث علي الذي رواه الترمذي، ورواه أبو نعيم من طرق متعددة: «هو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم».
وقال بعضهم: هو الإسلام؛ لقوله ﷺ في حديث النواس بن سمعان الذي رواه الترمذي وغيره: «ضرب الله مثلاً صراطًا مستقيمًا وعلى جنبتي الصراط سوران، وفي السورين أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة وداعٍ يدعو من فوق الصراط، وداعٍ يدعو على رأس الصراط، قال: فالصراط المستقيم هو الإسلام، والسوران حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله، والداعي على رأس الصراط كتاب الله، والداعي فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مؤمن»، فهذان القولان متفقان، لأن دين الإسلام هو اتباع القرآن، ولكن كل منهما نبَّه على وصف غير الوصف الآخر.
(٢٤) كما أن لفظ «صراط» يُشْعِرُ بوصف ثالث، وكذلك قول من قال: هو السنة والجماعة، وقول من قال: هو طريق العبودية، وقول من قال: هو طاعة الله ورسوله ﷺ ، وأمثال ذلك.
فهؤلاء كلهم أشاروا إلى ذات واحدة، لكن وصفها كل منهم بصفة من صفاتها.
(٢٥) الصنف الثاني: أن يذكر كل منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل وتنبيه المستمع على النوع، لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه، مثل سائل أعجمي سأل عن مسمى لفظ الخبز، فأُرِيَ رغيفًا وقيل له: هذا. فالإشارة إلى نوع هذا لا إلى هذا الرغيف وحده.
стр. 60
(٢٦) مثال ذلك ما نقل في قوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: ٣٢]. فمعلوم أن الظالم لنفسه يتناول المضيعَ للواجباتِ، والمنتهكَ للمحرماتِ.
والمقتصد يتناول فاعل الواجبات، وتارك المحرمات.
والسابق يدخل فيه من سبق فتقرَّب بالحسنات مع الواجبات.
فالمقتصدون هم أصحاب اليمين، والسابقون السابقون أولئك المقربون.
(٢٧) ثم إن كلاً منهم يذكر هذا في نوع من أنواع الطاعات، كقول القائل: السابق: الذي يصلي في أول الوقت، والمقتصد: الذي يصلي في أثنائه، والظالم لنفسه: الذي يؤخر العصر إلى الاصفرار.
أو يقول: السابق والمقتصد والظالم قد ذكرهم في آخر سورة البقرة، فإنه ذكر المحسن بالصدقة، والظالم بأكل الربا، والعادل بالبيع (١).
والناس في الأموال إما محسن، وإما عدلٌ، وإما ظالم، فالسابق المحسن بأداء المستحبَّات مع الواجبات، والظالم آكل الربا أو مانع الزكاة، والمقتصد الذي يؤدي الزكاة المفروضة، ولا يأكل الربا، وأمثال هذه الأقاويل.
стр. 61
(٢٨) فكل قول فيه ذِكْرُ نوعٍ دخل في الآية ذُكِرَ لتعريف المستمع بتناول الآية له، وتنبيهه به على نظيره؛ فإن التعريف بالمثال قد يسهل أكثر من التعريف بالحدِّ المطابق (١). والعقل السليم يتفطن للنوع، كما يتفطن إذا أشير له إلى رغيف، فقيل له: هذا هو الخبز.
(٢٩) وقد يجيء كثيرًا من هذا الباب قولهم: هذه الآية نزلت في كذا، لا سيما إن كان المذكور شخصًا؛ كأسباب النُّزول المذكورة في التفسير؛ كقولهم: إن آية الظهار نزلت في امرأة ثابت بن قيس بن شماس (٢)، وإن آية اللعان نزلت في عويمر العجلاني أو هلال بن
стр. 62
أمية (١)، وإن آية الكلالة نزلت في جابر بن عبد الله، وإن قوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] نزلت في بني قريظة والنضير، وإن قوله: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يُوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: ١٦] نزلت في بدر، وإن قوله: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [المائدة: ١٠٦] نزلت في قضية تميم الداري وعدي بن بداء، وقول أبي أيوب: إن قوله: ﴿وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] نزلت فينا معشر الأنصار ... الحديث، ونظائر هذا كثير مما يذكرون أنه نزل في قوم من المشركين بمكة، أو في قوم من أهل الكتاب اليهود والنصارى، أو في قوم من المؤمنين.
(٣٠) فالذين قالوا ذلك لم يقصدوا أن حكم الآية مختصٌّ بأولئك الأعيان دون غيرهم، فإن هذا لا يقوله مسلم ولا عاقل على الإطلاق.
(٣١) والناس، وإن تنازعوا في اللفظ العام الوارد على سبب؛ هل يختص بسببه أم لا؟ فلم يقل أحد من علماء المسلمين: إن عمومات الكتاب والسنة تختص بالشخص المعين، وإنما غاية ما يقال: إنها تختص بنوع ذلك الشخص فيعم ما يشبهه، ولا يكون العموم فيها
стр. 63
بحسب اللفظ (١).
(٣٢) والآية التي لها سبب معين: إن كانت أمرًا أو نهيًا، فهي متناولة لذلك الشخص ولغيره ممن كان بمنْزلته، وإن كانت خبرًا بمدحٍ أو ذَمٍّ، فهي متناولة لذلك الشخص وغيره ممن كان بمنزلته.
(٣٣) و معرفة سبب النُّزول يُعينُ على فهم الآية ، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب، ولهذا كان أصحُّ قولَي الفقهاءِ أنه إذا لم يُعرف ما نواه الحالفُ رُجِعَ إلى سبب يمينه وما هيّجها وأثارها.
(٣٤) وقولهم: «نزلت هذه الآية في كذا»؛ يراد به تارة أنه سبب النُّزول، ويراد به تارة أن ذلك داخل في الآية، وإن لم يكن السبب؛ كما تقول: عنى بهذه الآية كذا.
(٣٥) وقد تنازع العلماء في قول الصاحب: «نزلت هذه الآية في كذا»، هل يجري مجرى المسند، كما يذكر السبب الذي أنزلت لأجله، أو يجري مجرى التفسير منه الذي ليس بمسند؟
فالبخاري يُدخلُه في المسند، وغيره لا يُدخلُه في المسند، وأكثر المساند على هذا الاصطلاح؛ كمسند أحمد وغيره، بخلاف ما إذا ذكر سببًا نزلت عقِبَه، فإنهم كلهم يدخلون مثل هذا في المسند.
(٣٦) وإذا عرف هذا، فقول أحدهم: «نزلت في كذا» لا ينافي قول الآخر: «نزلت في كذا»؛ إذا كان اللفظ يتناولهما؛ كما ذكرناه في التفسير بالمثال.
(٣٧) وإذا ذكر أحدهم لها سببًا نزلت لأجله وذكر الآخر سببًا؛ فقد يمكن صدقُهما: بأن تكون نزلت عَقِبَ تلك الأسباب، أو تكون نزلت مرتين مرة لهذا السبب ومرة لهذا السبب.
стр. 64
(٣٨) وهذان الصنفان اللذان ذكرناهما في تنوع التفسير: تارة لتنوع الأسماء والصفات، وتارة لذكر بعض أنواع المسمى وأقسامه؛ كالتمثيلات = هما الغالب في تفسير سلف الأمة الذي يُظَنُّ أنه مختلف.
(٣٩) ومن التنازع الموجود عنهم ما يكون اللفظ فيه محتملاً للأمرين: إما لكونه مُشتَركًا في اللفظ؛ كلفظ «قسورة» الذي يراد به الرامي، ويراد به الأسد. ولفظ «عسعس» الذي يراد به إقبال الليل وإدباره.
(٤٠) وإما لكونه متواطئًا في الأصل، لكن المراد به أحد النوعين، أو أحد الشيئين؛ كالضمائر في قوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى *فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٨، ٩]، وكلفظ: «الفجر، والشفع والوتر، وليال عشر» (١)، وما أشبه ذلك.
(٤١) فمثل هذا؛ قد يجوز أن يراد به كل المعاني التي قالها السلف، وقد لا يجوز ذلك.
فالأول: إما لكون الآية نزلت مرتين، فأريد بها هذا تارة، وهذا تارة.
وإما لكون اللفظ المُشتَرك يجوز أن يراد به معنياه، إذ قد جوَّز ذلك أكثر الفقهاء: المالكية، والشافعية، والحنبلية، وكثير من أهل الكلام.
стр. 65
وإما لكون اللفظ متواطئًا، فيكون عامًّا إذا لم يكن لتخصيصه موجب، فهذا النَّوع إذا صحَّ فيه القولان كان من الصنف الثاني (١).
(٤٢) ومن الأقوال الموجودة عنهم ويجعلها بعض الناس اختلافًا = أن يعبِّروا عن المعاني بألفاظ متقاربةٍ لا مترادفة، فإن الترادف في اللغة قليل، وأما في ألفاظ القرآن: فإما نادر، وإما معدوم، وقَلَّ أن يُعبَّر عن لفظ واحد بلفظ واحد يؤدي جميع معناه، بل يكون فيه تقريبٌ لمعناه، وهذا من أسباب إعجاز القرآن (٢).
(٤٣) فإذا قال القائل: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾ [الطور: ٩]: إن المور الحركة؛ كان تقريبًا؛ إذ المور حركة خفيفة سريعةً.
وكذلك إذا قال: الوحي: الإعلام، أو قيل: ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٣، وغيرها]: أنزلنا إليك، أو قيل: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الإسراء: ٤]، أي: أعلمنا، وأمثال ذلك، فهذا كله تقريب لا تحقيق. فإن الوحي هو: إعلام سريع خفي، والقضاء إليهم أخص من الإعلام، فإن فيه إنزالاً إليهم وإيحاءً إليهم.
(٤٤) والعرب تُضمِّنُ الفعل معنى الفعل وتعديه تعديته، ومن هنا غلط من جعل بعض الحروف تقوم مقام بعض، كما يقولون في قوله: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ [ص: ٢٤]؛ (أي: مع نعاجه) (٣).
و ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢، الصف: ١٤]؛ أي: مع الله، ونحو ذلك.
стр. 66
(٤٥) والتحقيق ما قاله نحاةُ البصرةِ من التَّضمين، فسؤال النعجة يتضمن جمعها وضمها إلى نعاجه.
وكذلك قوله: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٧٣] ضُمِّن معنى: «يزيغونك ويصدونك».
وكذلك قوله: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الأنبياء: ٧٧] ضُمِّنَ معنى: «نجيناه وخلصناه».
وكذلك قوله: ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] ضُمِّن: يَرْوَى بها، ونظائره كثيرة.
(٤٦) ومن قال: ﴿لاَ رَيْبَ﴾: لا شكّ، فهذا تقريب، وإلا فالريب فيه اضطراب وحركة، كما قال: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»، وفي الحديث: أنه مر بظبي حاقف (١)، فقال: «لا يريبه أحد»، فكما أن اليقين ضُمِّن السكون والطمأنينة فالريب ضده (٢)، ولفظ الشك وإن قيل: إنه يستلزم هذا المعنى؛ لكن لفظه لا يدل عليه.
(٤٧) وكذلك إذا قيل: ذلك الكتاب: هذا القرآن، فهذا تقريب؛ لأن المشار إليه، وإن كان واحدًا، فالإشارة بجهة الحضور غير الإشارة بجهة البعد والغيبة، ولفظ الكتاب يتضمن من كونه مكتوبًا مضمومًا ما لا يتضمنه لفظ القرآن من كونه مقروءًا مُظْهَرًا باديًا، فهذه الفروق موجودة في القرآن.
(٤٨) فإذا قال أحدهم: ﴿أَنْ تُبْسَلَ﴾ [الأنعام: ٧٠]؛ أي: تُحبس.
стр. 67
وقال الآخر: تُرتهن، ونحو ذلك = لم يكن من اختلاف التضاد، وإن كان المحبوس قد يكون مرتهنًا، وقد لا يكون، إذ هذا تقريب للمعنى، كما تقدم.
(٤٩) وجمع عبارات السلف في مثل هذا نافع جدًا، فإن مجموع عباراتهم أدل على المقصود من عبارة أو عبارتين.
(٥٠) ومع هذا فلا بد من اختلاف محقق (١) بينهم، كما يوجد مثل ذلك في الأحكام (٢).
(٥١) ونحن نعلم أن عامة ما يضطر إليه عموم الناس من الاختلاف (٣) معلوم، بل متواتر عند العامة أو الخاصة، كما في عدد الصلوات ومقادير ركوعها، ومواقيتها، وفرائض الزكاة ونُصُبِها، وتعيين شهر رمضان، والطواف، والوقوف، ورمي الجمار، والمواقيت وغير ذلك.
стр. 68
(٥٢) ثم إن اختلاف الصحابة في الجد والإخوة، وفي المُشَرَّكَة، ونحو ذلك لا يوجب ريبًا في جمهور مسائل الفرائض (١)، بل فيما يحتاج إليه عامة الناس وهو عمود النسب من الآباء والأبناء، والكلالة من الإخوة والأخوات، ومن نسائهم كالأزواج، فإن الله أنزل في الفرائض ثلاث آيات مفصلة؛ ذكر في الأولى الأصول والفروع، وذكر في الثانية الحاشية التي ترث بالفرض؛ كالزوجين وولد الأم، وفي الثالثة الحاشية الوارثة بالتعصيب، وهم الإخوة لأبوين أو لأب. واجتماع الجد والإخوة نادر، ولهذا لم يقع في الإسلام إلاَّ بعد موت النبي ﷺ .
(٥٣) والاختلاف قد يكون لخفاء الدليل، والذهول عنه، وقد يكون لعدم سماعه، وقد يكون للغلط في فهم النص، وقد يكون لاعتقاد معارض راجح، فالمقصود هنا التعريف بمجمل الأمر دون تفاصيله.
стр. 69
شرح اختلاف التنوع واختلاف التضاد في تفسير السلف
стр. 70
-[مسائل الفصل الثاني]-
ذكر شيخ الإسلام في هذا الفصل معلومات جزئية كثيرة، ومراده في هذا الفصل بيان نوع الاختلاف الذي وقع عند السلف، وذكر أنَّ غالب ما يصحُّ عنهم من الخلاف يرجع إلى اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد (١)، وذكر في آخر هذا الفصل أنه لا بدَّ من وجود اختلاف محقق بينهم، وهو ما يُسمى بالتَّضاد، لكنه قليل بالنسبة لاختلاف التنوع، ويمكن أن يتبيَّن كلام شيخ الإسلام من خلال المسائل التالية:
المسألة الأولى: في تعريف اختلاف التنوع واختلاف التضاد:
إن الاختلاف على نوعين: اختلاف تضاد، واختلاف تنوع، وهذان النوعان موجودان في عدَّة أبواب من العلم، فمنه ما هو بعض الأقوال والأفعال الشرعية، والاختلاف الواقع في ذلك من باب التنوع؛ كالاختلاف في صفة الأذان والإقامة والاستفتاح والتشهدات وصلاة الخوف وتكبيرات العيد وتكبيرات الجنازة إلى غير ذلك مما شُرِعَ جميعُه، وإن كان قد يقال: إن بعض أنواعِه أفضلُ.
ومنه ما هو واقع في قراءات القرآن، وهذا من باب اختلاف التنوع أيضًا؛ كالاختلاف الواقع في قراءة «ملك يوم الدين»، وقراءة ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾.
ومنه ما هو واقع في الأحكام الشرعية من جهة اختلاف المجتهدين؛
стр. 71
كالاختلاف الواقع بين الصحابة في قول الرسول ﷺ : «لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة»، ففهم بعضهم أن المراد الاستعجال، فصلوا العصر في وقتها، وفهم آخرون الأمر على ظاهره، فأخّروا الصلاة حتى وصلوا بني قريظة، ومثله ما حدث من اختلافهم في تقطيع نخل بني النضير، وغيرها من الوقائع التي هي من هذا الجنس.
وكلُّ هذا قد ذكره في كتابه «اقتضاء الصراط المستقيم»، وذكر أمثلةً للاختلاف الذي يكون من التنوع والذي يكون من التضاد. لكن ليست هذه الأنواع العامة هي المرادة هنا، وإنما المراد الاختلاف الذي وقع من السلفِ في التفسير.
أما ما يتعلق بتعريف اختلاف التنوع والتضاد، فقد ذكر ﵀ جملة مما يدخل في اختلاف التنوع يمكن أن يُعرَّف بها، وهو كما يأتي:
أولاً: اختلاف التنوع:
اختلاف التنوع في التفسير نوعان:
الأول: ما يكون أحد القولين في معنى القول الآخر لكنِ العبارتان مختلفتان.
الثاني: ما يكون المعنيان غيرين (١)، لكن لا يتنافيان، فهذا قول صحيح، وذلك قول صحيح، وإن لم يكن معنى أحدهما هو معنى الآخر.
ثانيًا: اختلاف التضاد:
ذكر في ضابط اختلاف التضاد قوله: «فهو القولان المتنافيان»، وهذا يعني أنه الذي لا يمكن حمل الآيةِ عليهما معًا، فإذا قيل بأحد القولين انتفى القول الآخر (٢).
стр. 72
المسألة الثانية: في نوعي الاختلاف اللذَين يكثران في تفسير سلف الأمة:
قد ذكر شيخ الإسلام أن اختلاف التنوع صنفان:
الصنف الأول:
أن يعبر كل واحد منهم عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه، تدل على معنى في المسمَّى غير المعنى الآخر، مع اتِّحاد المسمَّى.
وقد ضرب أمثلة لتقريب هذا النوع، فذكر من ذلك جملة من أسماء السيف، فهو يسمى بالصارم والمهنَّد.
فإذا قيل: ما المهنَّد؟.
فالجواب: السيف.
وإذا قيل: ما الصارم؟.
فالجواب: السيف.
لكن في المهند معنى غير المعنى الذي في الصارم، فهما دلاَّ على ذاتٍ واحدةٍ وهي السيف، وانفرد كلٌّ منهما بمعنى (وصف) مستقلٍّ عن صاحبه.
فالسيف سُمِّي صارمًا نظرًا لقطعه للشيءِ، فهو يصرمه؛ أي: يقطعه.
وسُمِّي مهنَّدًا بالنَّظرِ إلى محلِّ صناعته، وهو بلاد الهند، أو إلى أنَّ حَدِيدَهُ من بلاد الهند.
ولا شكَّ أنَّ هذا المعنى الذي في الصارم غير المعنى الذي في المهنَّد، لكنهما لا يختلفان في دلالتهما على ذات واحدة، وهي السيف.
وهذا القدر كافٍ في شرح ما يتعلَّقُ بموضوع هذا الصِّنف من الاختلاف، وما بعد ذلك ففيه استطرادٌ ليس من هذا الباب، لذا قال في نهايته: «وليس هذا موضع بسط ذلك».
стр. 73
ثم ذكر ﵀ أنَّ التفسير يختلف باختلاف مقصود السائلِ ، ومقصوده لا يخرج عن احتمالين:
الأول: أن يريد تعيين المسمى دون النظرِ إلى الصِّفةِ التي يحتملها اللفظُ المفسَّرُ.
الثاني: أن يكون مقصودُ السائلِ معرفةَ الصفةِ المختصَّةِ بذلك الاسمِ، فيفسَّر له هذا المعنى بذاته؛ لأنه قد عَلِمَ المسمى بهذه الصفة فاحتاج إلى معرفة القدر الزائد في هذه الصفة.
ومن الأمثلة التي ضربها: أن يقع سؤال السائل عن قوله تعالى: ﴿الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٣]، فإن قلتَ: هو الله فهذا تعيين للمسمى بهذه الأوصاف.
وإن قُلتَ: القدُّوس: الطاهر من كل عيبٍ ونقصٍ، والسلام: السالم من الآفات التي تلحق البشر من نوم وموت وعجز وغيرها، فهذا تفسير للقدر الزائد على دلالتها على الذات في هذه الصفة.
فالله هو القدوس وهو السلام، لكن معنى القدوس غير معنى السلام.
ثم قال: «إذا عرف هذا فالسلف كثيرًا ما يعبرون عن المسمى بعبارة تدل على عينه وإن كان فيها من الصفة ما ليس في الاسم الآخر، كمن يقول:
أحمد: هو الحاشر والماحي والعاقب.
والقدوس: هو الغفور والرحيم؛ أي أن المسمَّى واحد لا أن هذه الصفة هي هذه الصفة، ومعلوم أن هذا ليس اختلاف تضاد كما يظنه بعض الناس».
فقولك: أحمد والماحي والحاشر والعاقب هو واحد من جهة تسمية النبي ﷺ بهذه الأسماء، لكن لكل واحدٍ منها معنى مستقل عن الآخر، فليس معنى أحمد (الموصوف بالحمد) كمعنى الحاشر (الذي يحشر الناس)
стр. 74
ولا كمعنى العاقب (الذي عقب الأنبياء)، ولا كمعنى الماحي (الذي محا ما قبله من الأديان).
أمثلة الصنف الأول:
المثال الأول:
مثال ذلك: تفسيرهم للصراط المستقيم، فقال بعضهم: هو القرآن؛ أي: اتِّباعَه ... وقال بعضهم: هو الإسلام ... فهذان القولان متفقان؛ لأنَّ دين الإسلام هو اتباع القرآن، ولكن كل منهما نبه على وصف غير الوصف الآخر كما أن لفظ صراط يشعر بوصف ثالث، وكذلك قول من قال: هو السنة والجماعة، وقول من قال: هو طريق العبودية، وقول من قال: هو طاعة الله ورسوله ﷺ ، وأمثال ذلك فهؤلاء كلهم أشاروا إلى ذات واحدة، لكن وصفها كل منهم بصفة من صفاتها.
فالذات الواحدةُ الصراط المستقيم، والأوصاف: اتباع القرآن، والإسلام، وطريق العبودية، والسنة والجماعة، وطاعة الله ورسوله، فكل وصف من هذه الأوصاف مغايرٌ للآخر من جهة ما يحمله من المعنى، لكنها كلَّها تدلُّ على ذات واحدةٍ، وهي الصراط المستقيم، فالصراط المستقيم هو الإسلام، والصراط المستقيم هو اتباع القرآن، وهكذا.
وهذا الاختلاف الذي نظَّر له شيخ الإسلام هنا يرجع إلى أكثر من قولٍ، وإن عاد إلى ذات واحدةٍ، وقد أشار إلى نوع آخر يرجع إلى أكثر من قولٍ، وهو ـ عند التحقيق ـ يرجع إلى أكثر من ذات، وذلك عند قوله: «ومن الاختلاف ما يكون محتملاً للأمرين ...»، وسيأتي شرحه.
المثال الثاني:
في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ
стр. 75
يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤]، ذكر ثلاثة معانٍ لتفسير لفظ «ذكري»، فقال: «... فسواءٌ قال: ذكري: كتابي، أو كلامي، أو هداي، أو نحو ذلك = كان المسمى واحدًا».
الصنف الثاني:
قال ﵀: «الصنف الثاني: أن يذكر كل منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل، وتنبيه المستمع على النوع، لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه، مثل سائل أعجمي سأل عن مسمى لفظ الخبز، فأُرِيَ رغيفًا، وقيل له: هذا، فالإشارة إلى نوع هذا لا إلى هذا الرغيف وحده».
وقد ضرب مثالاً لهذا الصنف بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر: ٣٢]. فالآية جاءت بأوصاف عامة تشمل المؤمنين، وهم على ثلاث مراتب:
الظالم لنفسه، وهو المضيع للواجبات والمنتهك للحرمات.
والمقتصد، وهو الفاعل للواجبات والتارك للمحرمات، دون أن يتقرب بالمندوبات بعد الواجبات.
والسابق، وهو الذي يتقرب بالحسنات المندوبات مع الواجبات.
وهذا عامٌّ يشمل جميع أنواع الطاعات وأنواع المنهيات، فمنهم من جعله في باب من أبواب الطاعات؛ كالصلاة والزكاة، وذكر وصفًا لما يقع من هذه الأصناف فيها.
ففي الصلاة مثلاً:
الظالم لنفسه: الذي يؤخر الصلاة إلى آخر وقتها.
والمقتصد: الذي يصليها أثناء وقتها.