← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 13899

شرح مقدمة في أصول التفسير لابن تيمية

مساعد الطيار

Полный текст (320 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

ومن جاء بعدهم فله أن يقول بقول الواحد منهم، لكن اختياره لأحد أقوالهم ليس حجة على القول الثاني، فيسقطه بسبب أنه اختار قول فلان منهم. وإذا لم يرد التفسير إلا عن الواحد منهم، فالأصل قبوله، ما لم يظهر عليه ما يوجب عدم ذلك، وقوله ـ في مثل هذا الحال ـ مقدَّمٌ على قول من بعده، وعلى هذا المنهج سار إمام المفسرين ابن جرير الطبري (ت:٣١٠) حيث يعتمد ـ في بعض الأحيان ـ على قول الواحد من التابعين، بل على قول الواحد من أتباع التابعين، إذا لم يكن في الآية إلا قول الواحد منهم. والاعتراض على رأيهم لا يخلو من حالين: الأولى: أن يكون الاعتراض اعتراضًا علميًّا مقنعًا، بحيث يكون مبنيًّا على أصول علميَّةٍ معتبرة، وهذا يجوز الاعتداد به عند الاختلاف، مع ملاحظة أنَّ بعض الاعتراضات ـ مع ما فيها من أسلوب علميٍّ معتبر ـ قد تقصُر عن فهم تفسير السلف، ويقع الاعتراض في غير محلِّه. الثانية: أن يكون الاعتراضُ مبنيًّا على مذهب غير معتبر، ورأي مخالفٍ لرأيهم، أو أن يكون عن عِلْمٍ ناقصٍ، وذلك ما يصدر من بعض المعاصرين الذين لم يدركوا مرامي كلام السلف، كما يقع لبعض من يتعاطون الإعجاز العلمي، فيقع منهم الاعتراض أو التثريب على السلف. وإذا كان الاعتراض ممن هذه صفته، فإنه لا يُقبل؛ لأنه لم تكتمل فيه الشروط العلمية للردِّ على الأقوال. مسألة في كيفية الترجيح بين أقوال التابعين: الترجيح بين أقوال المفسرين (١) أوسع من الترجيح بين أقوال التابعين،

стр. 282

وما ذكره شيخ الإسلام هنا عريٌّ عن الأمثلة، ويظهر أنَّ كون هذه الرسالة صدرت عن إملاء خلت في كثيرٍ من المواضع المهمة من الأمثلة، وقد ذكر في المرجع عند اختلاف التابعين، وأرجع الترجيح بين أقوالهم إلى أمور ثلاثة: الأمر الأول: لغة القرآن والسنة (٢)، ويدخل في هذا نوعان: الأول: الاستعمال القرآني؛ سواءً أكان أغلبيًّا، أم كان مطَّردًا، والمطَّردُ يكون مصطلحًا قرآنيًّا.

стр. 283

الثاني: المصطلح الشرعي، وهو الاستعمال الوارد للفظ في لغة الشارع، فيكون مبيِّنًا ومرجِّحًا، إذا وقع الاختلاف. الأمر الثاني: عموم لغة العرب: وفي هذا لا يعني أنَّ التابعين وأتباعهم قد يفسرون بغير ما يُعرف من لغة العرب، لكنَّ الأمر يمكن أن يُحمل على موضوعين في لغة العرب: الأول: أن يكون القول المذكور هو الاستعمال المشهور للفظة، فيقدَّم على غيره مما لا يتَّصِف بهذا مما يكون هو الأغرب أو الأقل في الاستعمال. الثاني: أن يكون الاشتقاق أليق بأحد الأقوال من غيره، فيقدَّم هذا القول على غيره مما يبعد عن اشتقاق اللفظ. الأمر الثالث: أقوال الصحابة: وهذا المرجِّح يفيد فيما يقع فيه الاختلاف من جهة مشاهدة النُّزول على وجه الخصوص (١)، فقول الصحابي في النزول مقدَّمٌ على قول غيره مطلقًا، إذ الشاهد الذي يرى ويروي أعلم بالحال من الغائب الذي يروي ولم يَرَ. أما إذا كان الأمر يرجع إلى الاجتهاد المعتمد على اللغة أو غيرها، فإنَّ عمل المفسرين على تقديم القول الصحيح، ولو كان في القول غير المختار صحابيٌّ، وهذا يظهر باستقراء منهج المفسرين المعتبرين أمثال ابن جرير الطبري (ت:٣١٠)، والنحاس (ت:٣٣٨)، وأبي المظفر السمعاني (ت:٤٨٩)، والبغوي (ت:٥١٦)، وابن عطية (ت:٥٤٢)، والقرطبي (ت:٦٦١)، وابن كثير (ت:٧٧١)، وغيرهم من المحققين (٢).

стр. 284

الرأي في التفسير: بعد أن أنهى شيخ الإسلام الحديث عن أحسن طرق التفسير ذكر عددًا من القضايا المتعلقة بالتفسير بالرأي (١)، وهي: ١ - حكم التفسير بالرأي المجرد. ٢ - الأحاديث الناهية عن ذلك. ٣ - تحرج جماعة من السلف عن تفسير ما لا علم لهم به، والمقصود بتحرج هؤلاء. ثمَّ ختم الرسالة بحديث ابن عباس في تقسيم التفسير. مسألة التفسير بمجرد الرأي، وموقف السلف من تفسير القرآن بالرأي: إنَّ التفسير بمجرد الرأي، دون أن يكون مستندًا على دليل علميٍّ صحيح، وأسلوبٍ علمي معتبر يُعتبرُ تفسيرًا بالرأي المذموم، وهو حرام، والأحاديث التي أوردها شيخ الإسلام من رواية الترمذي ـ مع أنها لا تصح؛ لضعفها ـ إلا أنَّ فيها من المعنى ما هو حقٌّ تشهد له نصوص أخرى، ومن

стр. 285

ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]، فجعل القول عليه بغير علم من المحرمات، والتفسير قول على الله، فإن كان بغير علم كان من المحرمات كما ورد في الآية. وهذا النوع من الرأي هو الذي نهى عنه السلف، وعليه تُحمل نصوصهم الواردة في النهي عن الرأي في التفسير، والله أعلم. أما ما ورد من تحرُّجهم من التفسير، فهم على قسمين: القسم الأول: من لم يقل في التفسير تحرُّجًا، وندرت عنه الرواية في ذلك؛ كعروة بن الزبير (ت:٩٣)، الذي قال عنه ابنه هشام (ت:١٤٦): «ما سمعت أبي يتأوَّل آية من كتاب الله قط». ويلاحظ أنَّ هذا المذهب لم يرد عن أحد الصحابة، ولم يُنقل أنَّ أحد أعلام الصحابة الكرام توقَّف عن عموم التفسير تحرُّجًا سوى الرواية التي أوردها الطبري عن جندب بن عبد الله البجلي (ت: بعد ٦٠)، فقد جاء في الرواية أن طلق بن حبيب سأله عن آية من القرآن، فقال له: «أُحرِّج عليك إن كنت مسلمًا لما قمتَ عني، أو قال: أن تجالسني» (١). وهذه الرواية قد تكون من أجل مسألة مشكلة، ولا يلزم منها أنه كان يمتنع عن عموم التفسير، وإن كان الأمران محتملين. القسم الثاني: من وردت عنه أقوال في التفسير، وورد عنه التوقف في بعض التفسيرات من باب التحرُّج؛ كسعيد بن المسيِّب. ويمكن ملاحظة أنَّ هؤلاء لم يكونوا يحرصون على الاجتهاد في التفسير، مع أنهم يملكون أدواته، وإنما كانوا يتكلمون في المعلوم من التفسير، وهو المنقول لهم عمَّن قبلهم من الصحابة أو بعض أقرانهم، لذا قد

стр. 286

ترد في بعض تفسيراتهم بعض الغرائب المتعلقة بأخبار بني إسرائيل لأجل هذا السبب، وهو أنهم ينقلون ما وردهم، ولا يجتهدون اجتهادًا خاصًّا. والتوقف في الاجتهاد في بعض الآيات ورد عن القليل من الصحابة ممن تعرضوا للتفسير؛ كما هو الوارد عن أبي بكر وعمر ﵄ في التوقف في تفسير الأبِّ من قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: ٣١]. وقد ظهر التحرُّجُ بنوعيه في طبقة التابعين: الأولى: بعض علماء أهل المدينة، قال عبيد الله بن عمر: «لقد أدركت فقهاء المدينة، وإنهم ليغلظون القول في التفسير؛ منهم: سالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد، وسعيد بن المسيب، ونافع» (١). الثانية: بعض علماء أهل الكوفة، قال عنهم إبراهيم النخعي: «كان أصحابنا يتقون التفسير ويهابونه» (٢)، ويقصد بأصحابه: علماء الكوفة من التابعين. وهذا هو ظاهر الآثار ـ التي نقلها شيخ الإسلام وغيره ـ عن المتحرِّجين من التفسير، أما علماء التفسير من أهل مكة وأهل البصرة وبعض أهل المدينة، فكان لهم قدم السبق في الاجتهاد في التفسير. وهذا التحرُّجُ لا يعني أنهم لا يفهمون معاني القرآن، وإنما هو مذهب خاصٌّ بمن توقَّف عن التفسير، ولم يرَ أن يكون من المفسِّرين تورُّعًا منه، مع قيام غيره به، فكأنَّه قد كُفيَ ذلك الأمر. مسألة في تَحرُّج أبي بكر من القول بالرأي في الأبِّ، وقوله به في الكلالة: قد يقول قائل: لم توقَّف الصِّديق في تفسير لفظ الأبِّ من قوله تعالى:

стр. 287

﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: ٣١]، فقال: «أي أرض تقلني، وأي سماءٍ تُظلني إذا قلت في القرآن برأيي، أو بما لا أعلم؟» (١)، وقال برأيه في الكلالة في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً﴾ [النساء: ١٢]، فقد روى الشعبي (ت:١٠٣) عنه قال: «إني قد رأيت في الكلالة رأيًا، فإن يكن صوابًا فمن الله وحده لا شريك له، وإن يكن خطأً فمني ومن الشيطان، والله منه بريء ...» (٢)؟. فالجواب: ١ - أنَّ جهل معنى «الأبِّ» كمفردة لا يؤثر على فهم المعنى العامِّ للآية، فهو ظاهر أنه نبات، لكنَّ تحديد نوعه عنده غير ظاهرٍ، بخلاف الكلالة التي يتأثر بعدم معرفتها معرفة حكم الله. ٢ - أنَّ أبا بكر كان عالم الأمة ومسؤولها الأول، والكلالة تحتاج إلى اجتهاد لبيان حكم الله في هذه المسألة العملية، فكان قوله بها مما لا بدَّ منه، بخلاف معنى «الأبِّ» الذي لو جُهِلَ معناه لم يكن له مثل هذا الأثر. أثر ابن عباس في تقسيم التفسير: أورد شيخ الإسلام أثر ابن عباس (ت:٦٨) في تقسيم التفسير، وختم به الكتاب، وفيه الدلالة على أنَّ العلماء يقولون بما يعلمون من التفسير، ويسكتون عما لا يعلمون، فما كان غير معلومٍ لم يقولوا به، ويدخل في ذلك ما لا يعلمه إلا الله، كما يدخل فيه ما يجهلونه مما يعلمه غيرهم،

стр. 288

وهذا هو المتشابه النسبي الذي إن خَفِيَ على بعضهم فإنه لا يلزم خفاؤه عن الجميع بخلاف الذي لا يعلمه إلا الله فإنه يخفى على جميع الناس (١).

стр. 289

الملاحق العلمية: نقولٌ من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية

стр. 290

الملحق الأول ويشتمل على ثلاث مسائل: الأول: مسألة البيان النبوي للقرآن. الثانية: مسألة اختلاف التنوع. الثالثة: مسألة أسباب النُّزول. جاء في «مجموع الفتاوى» (٥:١٥٣ ـ ١٦٣) ما نصه: «سئل شيخ الإسلام فريد الزمان بحر العلوم تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية ﵀ عن رجلين تباحثا في «مسألة الإثبات للصفات، والجزم بإثبات العلو على العرش». فقال أحدهما: لا يجب على أحد معرفة هذا، ولا البحث عنه: بل يكره له، كما قال الإمام مالك للسائل: وما أراك إلا رجل سوء. وإنما يجب عليه أن يعرف ويعتقد أن الله تعالى واحد في ملكه، وهو رب كل شيء وخالقه ومليكه؛ بل ومن تكلم في شيء من هذا فهو مجسم حشوي. فهل هذا القائل لهذا الكلام مصيب أم مخطئ؟ فإذا كان مخطئًا فما الدليل على أنه يجب على الناس أن يعتقدوا إثبات الصفات والعلو على العرش ـ الذي هو أعلى المخلوقات ـ ويعرفوه؟ وما معنى التجسيم والحشو؟ أفتونا وابسطوا القول بسطًا شافيًا يزيل الشبهات في هذا مثابين مأجورين إن شاء الله تعالى.

стр. 291

فأجاب: الحمد لله رب العالمين. يجب على الخلق الإقرار بما جاء به النبي ﷺ ، فما جاء به القرآن العزيز أو السنة المعلومة وجب على الخلق الإقرار به جملة، وتفصيلاً عند العلم بالتفصيل؛ فلا يكون الرجل مؤمنًا حتى يقر بما جاء به النبي ﷺ ، وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله. فمن شهد أنه رسول الله شهد أنه صادق فيما يخبر به عن الله تعالى، فإن هذا حقيقة الشهادة بالرسالة؛ إذ الكاذب ليس برسول فيما يكذبه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ *لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ *ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤ ـ ٤٦]. وبالجملة، فهذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام؛ لا يحتاج إلى تقريره هنا، وهو الإقرار بما جاء به النبي ﷺ ، وهو ما جاء به من القرآن والسنة؛ كما قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤]. وقال تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ١٥١]. وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٣١]. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤]. وقال تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩].

стр. 292

ومما جاء به الرسول: رِضَاهُ عن السابقين الأولين، وعن من اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ كما قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]. ومما جاء به الرسول: إخباره بأنه تعالى قد أكمل الدين بقوله سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً﴾ [المائدة: ٣]. ومما جاء به الرسول: أمر الله له بالبلاغ المبين كما قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٥٤]، وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]. ومعلوم أنه قد بلغ الرسالة كما أمر ولم يكتم منها شيئًا، فإن كتمان ما أنزل الله إليه يناقض موجب الرسالة؛ كما أن الكذب يناقض موجب الرسالة. ومن المعلوم من دين المسلمين أنه معصوم من الكتمان لشيء من الرسالة، كما أنه معصوم من الكذب فيها، والأمة تشهد له بأنه بلّغ الرسالة كما أمره الله، وبيّن ما أنزل إليه من ربه، وقد أخبر الله بأنه قد أكمل الدين؛ وإنما كمل بما بلغه؛ إذ الدين لم يعرف إلا بتبليغه، فعلم أنه بلغ جميع الدين الذي شرعه الله لعباده كما قال ﷺ : «تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك». وقال: «ما تركت من شيء يقربكم إلى الجنة إلا وقد حدثتكم به، وما من شيء يبعدكم عن النار إلا وقد حدثتكم به». وقال أبو ذر: لقد توفي رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علمًا.

стр. 293

إذا تبين هذا: فقد وجب على كل مسلم تصديقه فيما أخبر به عن الله تعالى: من «أسماء الله وصفاته» مما جاء في القرآن وفي السنة الثابتة عنه، كما كان عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان؛ الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه. فإن هؤلاء هم الذين تلقوا عنه القرآن والسنة، وكانوا يتلقون عنه ما في ذلك من العلم والعمل، كما قال أبو عبد الرحمن السلمي: لقد حدثنا الذين كانوا يقرؤوننا القرآن، كعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما، أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا. وقد قام عبد الله بن عمر ـ وهو من أصاغر الصحابة ـ في تعلم البقرة ثماني سنين، وإنما ذلك لأجل الفهم والمعرفة، وهذا معلوم من وجوه: أحدها: أن العادة المطردة التي جبل الله عليها بني آدم توجب اعتناءهم بالقرآن ـ المنزل عليهم ـ لفظًا ومعنى، بل أن يكون اعتناؤهم بالمعنى أوكد، فإنه قد علم أنه من قرأ كتابًا في الطب أو الحساب، أو النحو أو الفقه أو غير ذلك، فإنه لا بد أن يكون راغبًا في فهمه، وتصور معانيه، فكيف بمن قرؤوا كتاب الله تعالى المنزل إليهم، الذي به هداهم الله، وبه عرّفهم الحق والباطل، والخير والشر، والهدى والضلال، والرشاد والغي؟! فمن المعلوم أن رغبتهم في فهمه وتصور معانيه أعظم الرغبات، بل إذا سمع المتعلم من العالم حديثًا فإنه يرغب في فهمه؛ فكيف بمن يسمعون كلام الله من المبلغ عنه، بل ومن المعلوم أن رغبة الرسول ﷺ في تعريفهم معاني القرآن أعظم من رغبته في تعريفهم حروفه، فإن معرفة الحروف بدون المعاني لا تحصّل المقصود؛ إذ اللفظ إنما يراد للمعنى. الوجه الثاني: أن الله قد حضهم على تدبره وتعقله واتباعه في غير موضع، كما قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: ٢٩]،

стр. 294

وقال تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَاتِ آبَاءَهُمْ الأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٦٨]، وقال تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]. فإذا كان قد حض الكفار والمنافقين على تدبره: علم أن معانيه مما يمكن الكفار والمنافقين فهمها ومعرفتها، فكيف لا يكون ذلك ممكنًا للمؤمنين؟ وهذا يبين أن معانيه كانت معروفة بينة لهم. الوجه الثالث: أنه قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ٣]، فبيّن أنه أنزله عربيًا لأن يعقلوا، والعقل لا يكون إلا مع العلم بمعانيه. الوجه الرابع: أنه ذم من لا يفهمه فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ [الإسراء: ٤٥، ٤٦]، وقال تعالى: ﴿فَمَالِ هَؤُلاَءِ الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨]، فلو كان المؤمنون لا يفقهونه أيضًا لكانوا مشاركين للكفار والمنافقين فيما ذمهم الله تعالى به. الوجه الخامس: أنه ذم من لم يكن حظه من السماع إلا سماع الصوت دون فهم المعنى واتباعه، فقال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١]، وقال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٦]، وأمثال ذلك.

стр. 295

وهؤلاء المنافقون سمعوا صوت الرسول ﷺ ولم يفهموا وقالوا: ماذا قال آنفًا؟ أي الساعة، وهذا كلام من لم يفقه قوله، فقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٦]، وأمثال ذلك. فمن جعل السابقين الأولين ـ من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان ـ غير عالمين بمعاني القرآن؛ جعلهم بمنْزلة الكفار والمنافقين فيما ذمهم الله تعالى عليه. الوجه السادس: أن الصحابة ﵃ فسروا للتابعين القرآن، كما قال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس من أوله إلى آخره، أقف عند كل آية منه وأسأله عنها، ولهذا قال سفيان الثوري: «إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به». وكان ابن مسعود يقول: «لو أعلم أحدًا أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل لأتيته». وكل واحد من أصحاب ابن مسعود وابن عباس نقل عنه من التفسير ما لا يحصيه إلا الله. والنقول بذلك عن الصحابة والتابعين ثابتة معروفة عند أهل العلم بها. فإن قال قائل: قد اختلفوا في تفسير القرآن اختلافًا كثيرًا، ولو كان ذلك معلومًا عندهم عن الرسول ﷺ لم يختلفوا فيه. فيقال: الاختلاف الثابت عن الصحابة، بل وعن أئمة التابعين في القرآن أكثره لا يخرج عن وجوه: أحدها: أن يعبر كل منهم عن معنى الاسم بعبارة غير عبارة صاحبه، فالمسمى واحد، وكل اسم يدل على معنى لا يدل عليه الاسم الآخر، مع أن كلاهما حق؛ بمنْزلة تسمية الله تعالى بأسمائه الحسنى، وتسمية الرسول ﷺ بأسمائه، وتسمية القرآن العزيز بأسمائه، فقال تعالى: ﴿قُلْ ادْعُوا اللَّهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَانَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠].

стр. 296

فإذا قيل: الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام، فهي كلها أسماء لمسمى واحد ، وإن كان كل اسم يدل على نعت لله تعالى لا يدل عليه الاسم الآخر. ومثال هذا التفسير كلام العلماء في تفسير (الصراط المستقيم) فهذا يقول: هو الإسلام، وهذا يقول: هو القرآن؛ أي: اتباع القرآن، وهذا يقول: السنة والجماعة، وهذا يقول: طريق العبودية، وهذا يقول: طاعة الله ورسوله. ومعلوم أن الصراط يوصف بهذه الصفات كلها، ويسمى بهذه الأسماء كلها ولكن كل واحد منهم دل المخاطب على النعت الذي به يعرف الصراط، وينتفع بمعرفة ذلك النعت. الوجه الثاني: أن يذكر كل منهم من تفسير الاسم بعض أنواعه أو أعيانه على سبيل التمثيل للمخاطب، لا على سبيل الحصر والإحاطة، كما لو سأل أعجمي عن معنى لفظ الخبر، فأُرِيَ رغيفًا، وقيل: هذا هو، فذاك مثال للخبز وإشارة إلى جنسه؛ لا إلى ذلك الرغيف خاصة. ومن هذا ما جاء عنهم في قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: ٣٢]. فالقول الجامع: أن الظالم لنفسه: هو المفرط بترك مأمور أو فعل محظور. والمقتصد: القائم بأداء الواجبات وترك المحرمات. والسابق بالخيرات: بمنْزلة المقرب الذي يتقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض حتى يحبه الحق. ثم إن كلاً منهم يذكر نوعًا من هذا. فإذا قال القائل: الظالم: المؤخر للصلاة عن وقتها.

стр. 297

والمقتصد: المصلي لها في وقتها. والسابق: المصلي لها في أول وقتها حيث يكون التقديم أفضل. وقال آخر: الظالم لنفسه: هو البخيل الذي لا يصل رحمه ولا يؤدي زكاة ماله. والمقتصد: القائم بما يجب عليه من الزكاة وصلة الرحم وقرى الضيف والإعطاء في النائبة. والسابق: الفاعل المستحب بعد الواجب كما فعل (الصديق الأكبر) حين جاء بماله كله، ولم يكن مع هذا يأخذ من أحد شيئًا. وقال آخر: الظالم لنفسه: الذي يصوم عن الطعام، لا عن الآثام. والمقتصد: الذي يصوم عن الطعام والآثام. والسابق: الذي يصوم عن كل ما لا يقربه إلى الله تعالى، وأمثال ذلك = لم تكن هذه الأقوال متنافية، بل كلٌّ ذكر نوعًا مما تناولته الآية. الوجه الثالث: أن يذكر أحدهم لنُزول الآية سببًا، ويذكر الآخر سببًا آخر لا ينافي الأول، ومن الممكن نزولها لأجل السببين جميعًا، أو نزولها مرتين: مرة لهذا، ومرة لهذا. وأما ما صح عن السلف أنهم اختلفوا فيه اختلاف تناقض، فهذا قليل بالنسبة إلى ما لم يختلفوا فيه، كما أن تنازعهم في بعض مسائل السنة، كبعض مسائل الصلاة والزكاة والصيام والحج والفرائض والطلاق، ونحو ذلك = لا يمنع أن يكون أصل هذه السنن مأخوذًا عن النبي ﷺ ؛ وجملها منقولة عنه بالتواتر. وقد تبين أن الله تعالى أنزل عليه الكتاب والحكمة؛ وأمر أزواج نبيه ﷺ أن يذكرن ما يتلى في بيوتهن من آيات الله والحكمة.

стр. 298

وقد قال غير واحد من السلف: إن «الحكمة» هي السنة؛ وقد قال ﷺ : «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه». فما ثبت عنه من السنة فعلينا اتباعه؛ سواء قيل: إنه في القرآن، ولم نفهمه نحن، أو قيل: ليس في القرآن؛ كما أن ما اتفق عليه السابقون الأولون والذين اتبعوهم بإحسان؛ فعلينا أن نتبعهم فيه؛ سواء قيل: إنه كان منصوصًا في السنة ولم يبلغنا ذلك، أو قيل: إنه مما استنبطوه واستخرجوه باجتهادهم من الكتاب والسنة».

стр. 299

الملحق الثاني كلام ابن القيم (ت:٧٥١) في مسألة البيان النبوي للقرآن: قال في مختصر الصواعق لابن القيم (ص: ٤٥٧ ـ ٤٦٣) ما نصه: «... فأما المقام الأول، فبيانه من وجوه: أحدها: أن النبي ﷺ بيَّن لأصحابه القرآن: لفظَه ومعناه، فبلغ معانيه كما بلغ ألفاظه. ولا يحصل البيان والبلاغ المقصود إلا بذلك، قال تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وقال: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٨]، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤]، وقال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الدخان: ٥٨]، وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ [فصلت: ٣]؛ أي: بيِّنت وأزيل عنها الإجمال، فلو كانت آياته مجملة لم تكن قد فُصِّلت، وقال تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٥٤]، وهذا يتضمن بلاغ المعنى، وأنه في أعلى درجات البيان. فمن قال: إنه لم يبلغ معاني كلامه وكلام ربه بلاغًا مبينًا، بل بلغهم ألفاظه، وأحالهم في فهم معانيه على ما يذكره هؤلاء، لم يكن قد شهد له بالبلاغ، وهذا هو حقيقة قولهم حتى أن منهم من يصرح به ويقول: إنَّ المصلحة كانت في كتمان معاني هذه الألفاظ، وعدم تبليغها للأمة، إما لمصلحة الجمهور، ولكونهم لا يفهمون المعاني إلا في قوالب الحسيات وضرب الأمثال، وإما لينال الكادحون ثواب كدحهم في استنباط معانيه واستخراج تأويلها من وحشي اللغات وغرائب الأشعار، ويغوصون بأفكارهم الدقيقة على صرفها عن حقائقها ما أمكنهم.

стр. 300

وأما أهل العلم والإيمان فيشهدون له بما شهد الله به وشهدت به ملائكته وخيار القرون أنه بلّغ البلاغ المبين القاطع للعذر المقيم للحجة الموجب للعلم واليقين لفظًا ومعنى والجزم بتبليغه معاني القرآن والسنة كالجزم بتبليغه الألفاظ، بل أعظم من ذلك؛ لأن ألفاظ القرآن والسنة إنما يحفظها خواص أمته. وأما المعاني التي بلّغها فإنه يشترك في العلم بها العامة والخاصة. ولما كان بالمجمع الأعظم الذي لم يجمع لأحد مثله قبله ولا بعده، في اليوم الأعظم في المكان الأعظم؛ قال لهم: «أنتم مسؤولون عني؛ فما أنتم قائلون؟» قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، ورفع أصبعه الكريمة إلى السماء رافعًا لها إلى من هو فوقها وفوق كل شيء قائلًا: اللهم اشهد، فكأنا شهدنا تلك الأصبع الكريمة وهي مرفوعة إلى الله، وذلك اللسان الكريم وهو يقول: «اللهم اشهد»، ونشهد أنه بلّغ البلاغ المبين، وأدَّى رسالة ربه كما أُمر، ونصح أمته غاية النصيحة، وكشف لهم طرائق الهدى، وأوضح لهم معالم الدين وتركهم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، فلا يحتاج مع كشفه وبيانه إلى تنطع المتنطعين، فالحمد لله الذي أغنانا بوحيه ورسوله عن تكلفات المتكلفين. قال أبو عبد الرحمن السلمي ـ أحد أكابر التابعين الذين أخذوا القرآن ومعانيه عن مثل عبد الله بن مسعود وعثمان بن عفان وتلك الطبقة ـ: «حدّثنا الذين كانوا يقرؤوننا القرآن من أصحاب النبي ﷺ عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، فتعلمنا القرآن والعلم والعمل». فالصحابة أخذوا عن رسول الله ﷺ ألفاظ القرآن ومعانيه، بل كانت عنايتهم بأخذ المعاني أعظم من عنايتهم بالألفاظ، يأخذون المعاني أولاً، ثم يأخذون الألفاظ ليضبطوا بها المعاني حتى لا تشذ عنهم.

стр. 301

قال حبيب بن عبد الله البجلي وعبد الله بن عمر: «تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن، فازددنا إيمانًا»، فإذا كان الصحابة تلقَّوا عن نبيهم ﷺ معاني القرآن كما تلقوا عنه ألفاظه؛ لم يحتاجوا بعد ذلك إلى لغة أحد، فنقل معاني القرآن عنهم كنقل ألفاظه سواء؛ ولا يقدح في ذلك تنازع بعضهم في بعض معانيه، كما وقع من تنازعهم في بعض حروفه، وتنازعهم في بعض السنة؛ لخفاء ذلك على بعضهم، فإنه ليس كل فرد منهم تلقَّى من نفس الرسول ﷺ بلا واسطة ـ جميع القرآن والسنة، بل كان بعضهم يأخذ عن بعض، ويشهد بعضهم في غيبة بعض، وينسى هذا بعض ما حفظه صاحبه. قال البراء بن عازب: «ليس كل ما نحدثكم سمعناه من رسول الله ﷺ ، ولكن كان لا يكذب بعضنا بعضًا». الوجه الثاني: أن الله سبحانه أنزل على نبيه الحكمة كما أنزل عليه القرآن وامتن بذلك على المؤمنين، والحكمة هي السنة؛ كما قال غير واحد من السلف، وهو كما قالوا، فإن الله تعالى قال: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤]، فنوَّع المتلو إلى نوعين آيات وهي القرآن، وحكمة وهي السنة، والمراد بالسنة ما أخذ عن رسول الله ﷺ سوى القرآن كما قال ﷺ : «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا إنه مثل القرآن وأكثر». وقال الأوزاعي عن حسان بن عطية: «كان جبرائيل ينْزل بالقرآن والسنة ويعلمه إياها كما يعلمه القرآن». فهذه الأخبار التي زعم هؤلاء أنه لا يستفاد منها علم نزل بها جبرائيل من عند الله كما نزل بالقرآن، وقال إسماعيل بن عبد الله: «ينبغي لها أن تحفظ عن رسول الله ﷺ فإنها بمنزلة القرآن». الوجه الثالث: أن الرجل لو قرأ بعض مصنفات الناس في النحو والطب أو غيرهما أو قصيدة من الشعر، كان من أحرص الناس على فهم

стр. 302

معنى ذلك وكان من أثقل الأمور عليه قراءة كلام لا يفهمه؛ فإذا كان السابقون يعلمون أن هذا كتاب الله وكلامه الذي أنزل إليهم وهداهم به وأمرهم باتباعه، فكيف لا يكونون أحرص الناس على فهمه ومعرفة معناه من جهة العادة العامة والعادة الخاصة، ولم يكن للصحابة كتاب يدرسونه وكلام محفوظ يتفقهون فيه إلا القرآن وما سمعوه من نبيهم ﷺ ، ولم يكونوا إذا جلسوا يتذاكرون إلا في ذلك. قال البخاري: «كان الصحابة إذا جلسوا يتذاكرون كتاب ربهم وسنة نبيهم، ولم يكن بينهم رأي ولا قياس»، ولم يكن الأمر بينهم كما هو في المتأخرين: قوم يقرؤون القرآن ولا يفهمونه، وآخرون يتفقهون في كلام غيرهم ويدرسونه، وآخرون يشتغلون في علوم أخر وصنعة اصطلاحية، بل كان القرآن عندهم هو العلم الذي يعتنون به حفظًا وفهمًا وعملاً وتفقهًا، وكانوا أحرص الناس على ذلك ورسول الله ﷺ بين أظهرهم، وهو يعلم تأويله ويبلغهم إياه كما يبلغهم لفظه، فمن الممتنع أن لا تتحرك نفوسهم لمعرفته، ومن الممتنع أن لا يعلمهم إياه، وهم أحرص على كل سبب ينال به العلم والهدى، وهو أحرص الناس على تعليمهم وهدايتهم، بل كان أحرص الناس على هداية الكفار ...».

стр. 303

الملحق الثالث كلام آخر لابن القيم (ت:٧٥١) في مسألة البيان النبوي للقرآن: قال ابن القيم في الصواعق المرسلة (٢:٦٣٦ ـ ٦٣٩): «وكذلك عامة ألفاظ القرآن نعلم قطعًا مراد الله ورسوله منها، كما نعلم قطعًا أن الرسول بلغها عن الله، فغالب معاني القرآن معلوم أنها مراد الله خبرًا كانت أو طلبًا، بل العلم بمراد الله من كلامه أوضح وأظهر من العلم بمراد كل متكلم من كلامه، لكمال علم المتكلم، وكمال بيانه، وكمال هداه وإرشاده، وكمال تيسيره للقرآن، حفظًا وفهمًا عملاً وتلاوة، فكما بلّغ الرسول ألفاظ القرآن للأمة، بلّغهم معانيه، بل كانت عنايته بتبليغ معانيه أعظم من مجرد تبليغ ألفاظه، ولهذا وصل العلم بمعانيه، إلى من لم يصل إليه حفظ ألفاظه، والنقل لتلك المعاني أشد تواترًا وأقوى اضطرارًا، فإن حفظ المعنى أيسر من حفظ اللفظ، وكثير من الناس يعرف صورة المعنى ويحفظها، ولا يحفظ اللفظ، والذين نقلوا الدين عنه، علموا مراده قطعًا لما تلا عليهم من تلك الألفاظ. ومعلوم أن المقتضى التام لفهم الكلام الذي بلغهم إياه قائم وهم قادرون على فهمه وهو قادر على إفهامهم، وإذا حصل المقتضى التام لزم وجوده مقتضاه. وبالجملة فالأدلة السمعية اللفظية قد تكون مبنية على مقدمتين يقينيتين: إحداهما: أن الناقلين إلينا فهموا مراد المتكلم. والثانية: أنهم نقلوا إلينا ذلك المراد كما نقلوا اللفظ الدال عليه. وكلا المقدمتين معلومة بالاضطرار، فإن الذين خاطبهم النبي ﷺ باسم

стр. 304

الصلاة والزكاة والصوم والحج والوضوء والغسل وغيرها من ألفاظ القرآن في سائر الأنواع من الأعمال والأعيان والأزمنة والأمكنة وغيرها = يعلم بالاضطرار، أنهم فهموا مراده من تلك الألفاظ التي خاطبهم بها أعظم من حفظهم لها، وهذا مما جرت به العادة في كل من خاطب قومًا بخطبة أو دارسهم علمًا، أو بلّغهم رسالة، وإن حرصه وحرصهم على معرفة مراده أعظم من حرصهم على مجرد حفظ ألفاظه. ولهذا يضبط الناس من معاني المتكلم، أكثر مما يضبطونه من لفظه، فإن المقتضى لضبط المعنى أقوى من المقتضى لحفظ اللفظ لأنه هو المقصود واللفظ وسيلة إليه وإن كانا مقصودين، فالمعنى أعظم المقصودين، والقدرة عليه أقوى فاجتمع عليه قوة الداعي، وقوة القدرة، وشدة الحاجة. فإذا كانوا قد نقلوا الألفاظ التي قالها الرسول مبلغًا لها عن الله، وألفاظه التي تكلم بها يقينًا، فكذلك نقلهم لمعانيها، فهم سمعوها يقينًا، وفهموها يقينًا ووصل إلينا لفظها يقينًا، ومعانيها يقينًا، وهذه الطريقة إذا تدبرها العاقل علم أنها قاطعة، وأن الطاعن في حصول العلم بمعاني القرآن شر من الطاعن في حصول العلم بألفاظه، ولهذا كان الطعن في نقل بعض ألفاظه من فعل الرافضة. وأما الطعن في حصول العلم بمعانيه، فإنه من فعل الباطنية الملاحدة، فإنهم سلموا بأن الصحابة نقلوا الألفاظ التي قالها الرسول، وأن القرآن منقول عنه، لكن ادعوا أن لها معاني تخالف المعاني التي يعلمها المسلمون، وتلك هي باطن القرآن وتأويله. وقول القائل: الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين = دهليز إلى مذهب هؤلاء ومرقاة إليه، لكن الفرق بينهما أنه يقول: لا أعلم مراد المتكلم بها، وهم يقولون: مراده هذه التأويلات الباطنة ...».

стр. 305

الملحق الرابع أنواع اختلاف التنوع في تفسير السلف: قال شيخ الإسلام كما في الفتاوى (١٣:٣٨١ ـ ٣٨٤) في سؤال جاء فيه: «سئل ﵀ عن قوله ﷺ : «من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار» فاختلاف المفسرين في آية واحدة إن كان بالرأي فكيف النجاة؟ وإن لم يكن بالرأي فكيف وقع الاختلاف، والحق لا يكون في طرفي نقيض. أفتونا؟ فأجاب رحمه الله تعالى: ينبغي أن يعلم أنَّ الاختلاف الواقع من المفسرين وغيرهم على وجهين: أحدهما: ليس فيه تضاد وتناقض؛ بل يمكن أن يكون كل منهما حقًا، وإنما هو اختلاف تنوع أو اختلاف في الصفات أو العبارات، وعامَّة الاختلاف الثابت عن مفسري السلف من الصحابة والتابعين هو من هذا الباب، فإن الله سبحانه إذا ذَكَرَ في القرآن اسمًا مثل قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]، فكلٌّ من المفسرين يُعَبِّرُ عن الصراط المستقيم بعبارة يدل بها على بعض صفاته، وكلُّ ذلكَ حقٌّ، بمنْزلة ما يسمى الله ورسوله وكتابه بأسماء كل اسم منها يدل على صفة من صفاته، فيقول بعضهم: الصراط المستقيم كتاب الله، أو اتباع كتاب الله. ويقول الآخر: الصراط المستقيم هو الإسلام أو دين الإسلام. ويقول الآخر: الصراط المستقيم هو السنة والجماعة. ويقول الآخر: (الصراط المستقيم) طريق العبودية، أو طريق الخوف والرجاء والحب، وامتثال المأمور واجتناب المحظور، أو متابعة الكتاب

стр. 306

والسنة، أو العمل بطاعة الله أو نحو هذه الأسماء والعبارات. ومعلوم أن المسمى هو واحد وإن تنوَّعت صفاته وتعددت أسماؤه وعباراته، كما إذا قيل: محمد هو أحمد، وهو الحاشر، وهو الماحي، وهو العاقب، وهو خاتم المرسلين، وهو نبي الرحمة، وهو نبي الملحمة. وكذلك إذا قيل: القرآن هو الفرقان، والنور، والشفاء، والذكر الحكيم، والكتاب الذي أحكمت آياته ثم فصلت. وكذلك أسماء الله الحسنى ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣]، وهو ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى *وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى *وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى *فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ [الأعلى: ٢ ـ ٥]، ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَانُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ ... ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِىءُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر: ٢٢ ـ ٢٤]، وأمثال ذلك. فهو سبحانه واحد صمد، وأسماؤه الحسنى تدل كلها على ذاته، ويدل هذا من صفاته على ما لا يدل عليه الآخر، فهي متفقة في الدلالة على الذات متنوعة في الدلالة على الصفات؛ فالاسم يدل على الذات والصفة المعينة بالمطابقة، ويدل على أحدهما بطريق التضمن، وكل اسم يدل على الصفة التي دل عليها بالالتزام؛ لأنه يدلُّ على الذات المتكنى بها جميع الصفات، فكثير من التفسير والترجمة تكون من هذا الوجه. ومنه قسم آخر، وهو أن يذكر المفسِّر والمترجِم معنى اللفظ على سبيل التعيين والتمثيل، لا على سبيل الحدِّ والحصر؛ مثل أن يقول قائل من العجم: ما معنى الخبز؟ فيشار له إلى رغيف، وليس المقصود عينه، وإنما الإشارة إلى تعيين هذا الشخص. وهذا كما إذا سألوا عن قوله: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: ٣٢]، أو عن قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقُوْا وَالَّذِينَ

стр. 307

هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨]، أو عن ﴿الصَّالِحِينَ﴾ أو ﴿الظَّالِمِينَ﴾ ونحو ذلك من الأسماء العامَّة الجامعة = التي قد يتعسَّر أو يتعذَّر على المستمع أو المتكلم ضبط مجموع معناه؛ إذ لا يكون محتاجًا إلى ذلك، فيذكر له من أنواعه وأشخاصه ما يحصل به غرضه، وقد يستدل به على نظائره. فإن الظالم لنفسه: هو تارك المأمور فاعل المحظور، والمقتصد هو فاعل الواجب وتارك المحرم، والسابق هو فاعل الواجب والمستحب وتارك المحرم والمكروه. فيقول المجيب بحسب حاجة السائل: الظالم: الذي يفوت الصلاة والذي لا يسبغ الوضوء، أو الذي لا يتم الأركان ونحو ذلك. والمقتصد: الذي يصلي في الوقت كما أمر. والسابق بالخيرات: الذي يصلي الصلاة بواجباتها ومستحباتها، ويأتي بالنوافل المستحبة معها، وكذلك يقول مثل هذا في الزكاة والصوم والحج وسائر الواجبات. وقد رُوِيَ عن ابن عباس ﵄ أنه قال: التفسير على أربعة أوجه: تفسير تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يتعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله فمن ادَّعَى علمَه فهو كاذب».

стр. 308

الملحق الخامس في طرق معرفة الكذب في المنقول: قال شيخ الإسلام في منهاج السنة النبوية (١:٤٣٧): «فصل في الطرق التي يُعلم بها كذب المنقول. منها: أن يُروى خلاف ما عُلم بالتواتر والاستفاضة؛ مثل أن نعلم أن مسيلمة الكذَّاب ادَّعى النبوة، واتَّبعه طوائف كثيرة من بني حنيفة، فكانوا مرتدين لإيمانهم بهذا المتنبئ الكذاب، وأن أبا لؤلؤة قاتل عمر كان مجوسيًا كافرًا، وأن الهرمزان كان مجوسيًا أسلم، وأن أبا بكر كان يصلِّي بالناس مدة مرض الرسول ﷺ ، ويخلفه في الإمامة بالناس لمرضه، وأن أبا بكر وعمر دفنا في حجرة عائشة مع النبي ﷺ . ومثل ما يعلم من غزوات النبي ﷺ التي كان فيها القتال ـ كبدر، وأُحد، ثم الخندق، ثم خيبر، ثم فتح مكة، ثم غزوة الطائف ـ والتي لم يكن فيها قتال؛ كغزوة تبوك وغيرها. وما نزل من القرآن في الغزوات؛ كنزول الأنفال بسبب بدر، ونزول آخر آل عمران بسبب أُحد، ونزول أولها بسبب نصارى نجران، ونزول سورة الحشر بسبب بني النضير، ونزول الأحزاب بسبب الخندق، ونزول سورة الفتح بسبب صلح الحديبية، ونزول براءة بسبب غزوة تبوك، وغيرها، وأمثال ذلك. فإذا روي في الغزوات وما يتعلق بها ما يُعلم أنه خلاف الواقع = عُلم أنه كذب؛ مثل ما يروي هذا الرافضي ـ وأمثاله من الرافضة وغيرهم ـ من الأكاذيب الباطلة والظاهرة في الغزوات؛ كما تقدّم التنبيه عليه.

стр. 309

ومثل أن يُعلم نزول القرآن في أي وقت كان، كما يُعلم أن سورة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنفال وبراءة نزلت بعد الهجرة في المدينة، وأن الأنعام والأعراف ويونس وهود ويوسف والكهف وطه ومريم و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ﴾ وغير ذلك نزلت قبل الهجرة بمكة، وأن المعراج كان بمكة، وأن الصُفَّة كانت بالمدينة. وأن أهل الصفة كانوا من جملة الصحابة الذين لم يقاتلوا النبي ﷺ ، ولم يكونوا ناسًا معينين، بل كانت الصفة منْزلاً ينْزل بها من لا أهل له من الغرباء القادمين، وممن دخل فيهم: سعد بن أبي وقاص وأبو هريرة وغيرهما من صالحي المؤمنين. وكالعُرَنيِّين الذين ارتدُّوا عن الإسلام، فبعث النبي ﷺ في آثارهم، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسَمَل أعينهم، وألقاهم في الحرّة يستسقون، فلا يسقون، وأمثال ذلك من الأمور المعلومة. فإذا روى الجاهل نقيض ذلك عُلم أنه كذب. ومن الطرق التي يُعلم بها الكذب أن ينفرد الواحد والاثنان بما يُعلم أنه لو كان واقعًا لتوفرت الهمم والدواعي على نقله، فإنه من المعلوم أنه لو أخبر الواحد ببلدٍ عظيم بقدر بغداد والشام وبغداد والعراق لعلمنا كذبه في ذلك، لأنه لو كان موجودًا لأخبر به الناس. وكذلك لو أخبرنا بأنه تولَّى رجل بين عمر وعثمان، أو تولَّى بين عثمان وعلي. أو أخبرنا بأن النبي ﷺ كان يؤذَّن له في العيد، أو في صلاة الكسوف أو الاستسقاء. أو أنه كان يُقام بمدينته يوم الجمعة أكثر من جمعة واحدة. أو يُصلَّى يوم العيد أكثر من عيد واحد.

стр. 310

أو أنه كان يصلي العيد بمنى يوم العيد. أو أن أهل مكة كانوا يتمون الصلاة بعرفة ومزدلفة ومنى خلفه. أو أنه كان يجمع الصلاتين بمنى كما كان يقصر. أو أنه فرض صوم شهر آخر غير رمضان. أو أنه فرض صلاة سادسة وقت الضحى أو نصف الليل. أو أنه فرض حج بيت آخر غير الكعبة. أو أن القرآن عارضه طائفة من العرب، أو غيرهم بكلام يشابهه، ونحو هذه الأمور = لكنَّا نعلم كذب هذا الكاذب. فإنا نعلم انتفاء هذه الأمور بانتفاء لازمها، فإن هذه لو كانت مما يتوفر الهمم والدواعي على نقلها عامة لبني آدم، وخاصة لأمتنا شرعًا، فإذا لم ينقلها أحد من أهل العلم، فضلاً عن أن تتواتر، عُلم أنها كذب. ومن هذا الباب نقل النص على خلافة عليٍّ، فإنَّا نعلم أنه كذب من طرق كثيرة؛ فإن هذا النص لم ينقله أحد [من أهل العلم] بإسناد صحيح، فضلاً عن أن يكون متواترًا، ولا نُقل أن أحدًا ذكره على عهد الخلفاء، مع تنازع الناس في الخلافة وتشاورهم فيها يوم السقيفة، وحين موت عمر، وحين جُعل الأمر شورى بينهم في ستة، ثم لما قُتل عثمان واختلف الناس على عليّ، فمن المعلوم أن مثل هذا النص لو كان كما تقوله الرافضة من أنه نص عَلَى عليٍّ نصًّا جليًّا قاطعًا للعذر علمه المسلمون = لكان من المعلوم بالضرورة أنه لا بد أن ينقله الناس نقل مثله، وأنه لا بد أن يذكره الكثير من الناس ـ بل أكثرهم ـ في مثل هذه المواطن التي تتوفر الهمم على ذكره فيها غاية التوفر، فانتفاء ما يُعلم أنه لازم يقتضي انتفاء ما يعلم أنه ملزوم، ونظائر ذلك كثيرة. ففي الجملة؛ الكذب هو نقيض الصدق، وأحد النقيضين يُعلم انتفاؤه،

стр. 311

تارة بثبوت نقيضه، وتارة بما يدل على انتفائه بخصوصه. والكلام مع الشيعة أكثره مبني على النقل، فمن كان خبيرًا بما وقع، وبالأخبار الصادقة التي توجب العلم اليقيني علم انتفاء ما يناقض ذلك يقينًا، ولهذا ليس في أهل العلم بالأحاديث النبوية [إلا] ما يوجب العلم بفضل الشيخين وصحة إمامتهما، وكذب ما تدَّعيه الرافضة. ثم كل من كان أعلم بالرسول وأحواله، كان أعلم ببطلان مذهب الزيدية وغيرهم، ممن يدَّعي نصًّا خفيًّا، وأن عليًّا كان أفضل من الثلاثة، أو يتوقف في التفضيل؛ فإن هؤلاء إنما وقعوا بالجهل المركَّب أو البسيط؛ لضعف علمهم بما علمه أهل العلم بالأحاديث والآثار».

стр. 312

الملحق السادس في كتب التفسير: «سئل شيخ الإسلام ـ كما في الفتاوى (١٣:٣٨٥ ـ ٣٨٨) ـ عن جندي نسخ بيده صحيح مسلم والبخاري والقرآن، وهو ناوٍ كتابة الحديث والقرآن العظيم، وإن سمع بورق أو أقلام اشترى بألف درهم، وقال: أنا إن شاء الله أكتب في جميع هذا الورق أحاديث الرسول والقرآن، ويؤمل آمالاً بعيدة، فهل يأثم أو لا؟ وأي التفاسير أقرب إلى الكتاب والسنة؟ الزمخشري؟ أم القرطبي؟ أم البغوي؟ أو غير هؤلاء؟ فأجاب: الحمد لله، ليس عليه إثم فيما ينويه ويفعله من كتابة العلوم الشرعية، فإن كتابة القرآن والأحاديث الصحيحة والتفاسير الموجودة الثابتة من أعظم القربات والطاعات. وأما التفاسير التي في أيدي الناس، فأصحها تفسير محمد بن جرير الطبري، فإنه يذكر مقالات السلف بالأسانيد الثابتة (١)، وليس فيه بدعة، ولا ينقل عن المتهمين، كمقاتل بن بكير (٢)، والكلبي. والتفاسير غير المأثورة (٣)، بالأسانيد كثيرة؛ كتفسير عبد الرزاق،

стр. 313

وعبد بن حميد، ووكيع، وابن أبي قتيبة (١)، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه. وأما التفاسير الثلاثة المسؤول عنها فأسلمها من البدعة والأحاديث الضعيفة البغوي، لكنه مختصر من تفسير الثعلبي، وحذف منه الأحاديث الموضوعة، والبدع التي فيه، وحذف أشياء غير ذلك. وأما الواحدي، فإنه تلميذ الثعلبي، وهو أخبر منه بالعربية؛ لكن الثعلبي فيه سلامة من البدع، وإن ذكرها تقليدًا لغيره. وتفسيره وتفسير الواحدي (البسيط، والوسيط، والوجيز) فيها فوائد جليلة، وفيها غث كثير من المنقولات الباطلة وغيرها. وأما الزمخشري، فتفسيره محشوٌّ بالبدعة، وعلى طريقة المعتزلة من إنكار الصفات والرؤية والقول بخلق القرآن، وأنكر أن الله مريد للكائنات وخالق لأفعال العباد، وغير ذلك من أصول المعتزلة. وأصولهم خمسة يسمونها التوحيد، والعدل، والمنْزلة بين المنْزلتين، وإنفاذ الوعيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. لكن معنى التوحيد عندهم يتضمن نفي الصفات، ولهذا سمى ابن التومرت أصحابه الموحدين، وهذا إنما هو إلحاد في أسماء الله وآياته. ومعنى العدل عندهم يتضمن التكذيب بالقدر، وهو خلق أفعال العباد وإرادة الكائنات والقدرة على شيء، ومنهم من ينكر تقدم العلم والكتاب؛ لكن هذا قول أئمتهم، وهؤلاء منصب الزمخشري (؟)، فإن مذهبه مذهب المغيرة بن علي وأبي هاشم وأتباعهم، ومذهب أبي الحسين. والمعتزلة الذين على طريقته نوعان: مسايخية وخشبية.

стр. 314

وأما المنْزلة بين المنزلتين، فهي عندهم أن الفاسق لا يسمى مؤمنًا بوجه من الوجوه، كما لا يسمى كافرًا، فنَزلوه بين منْزلتين. وإنفاذ الوعيد عندهم معناه أن فساق الملة مخلدون في النار، لا يخرجون منها بشفاعة، ولا غير ذلك؛ كما تقوله الخوارج. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يتضمن عندهم جواز الخروج على الأئمة، وقتالهم بالسيف. وهذه الأصول حشا [بها] كتابه بعبارة لا يهتدي أكثر الناس إليها، ولا لمقاصده فيها، مع ما فيه من الأحاديث الموضوعة، ومن قلة النقل عن الصحابة والتابعين. وتفسير القرطبي خير منه بكثير، وأقرب إلى طريقة أهل الكتاب والسنة، وأبعد عن البدع، وإن كان كل من هذه الكتب لا بد أن يشتمل على ما ينقد؛ لكن يجب العدل بينها، وإعطاء كل ذي حق حقه. وتفسير ابن عطية خير من تفسير الزمخشري، وأصح نقلاً وبحثًا، وأبعد عن البدع، وإن اشتمل على بعضها، بل هو خير منه بكثير؛ بل لعله أرجح هذه التفاسير؛ لكن تفسير ابن جرير أصح من هذه كلها. وثَمَّ تفاسير أُخَر كثيرة جدًا، كتفسير ابن الجوزي، والماوردي».

стр. 315

الملحق السابع أمثلة تفسيرية مما لا ينقضي منها عجب العالم: قال شيخ الإسلام ـ كما في الفتاوى (١٣:٢٣٥ ـ ٢٣٩) ـ: «فصل: وأما إذا أريد بالعلم الباطن العلم الذي يبطن عن أكثر الناس، أو عن بعضهم، فهذا على نوعين: أحدهما: باطن يخالف العلم الظاهر. والثاني: لا يخالفه. فأما الأول فباطل: فمن ادعى علمًا باطنًا أو علمًا بباطن وذلك يخالف العلم الظاهر كان مخطئًا، إما ملحدًا زنديقًا وإما جاهلاً ضالاً. وأما الثاني فهو بمنْزلة الكلام في العلم الظاهر قد يكون حقًا، وقد يكون باطلاً فإن الباطن إذا لم يخالف الظاهر لم يعلم بطلانه من جهة مخالفته للظاهر المعلوم، فإن عُلِمَ أنه حقٌّ قُبِلَ، وإن عُلِمَ أنه باطل رُدَّ وإلا أمسك عنه، وأما الباطن المخالف للظاهر المعلوم فمثل ما يدعيه الباطنية القرامطة من الإسماعيلية والنصيرية وأمثالهم، ممن وافقهم من الفلاسفة وغلاة المتصوفة والمتكلمين. وشرُّ هؤلاء القرامطة، فإنهم يدَّعون أن للقرآن والإسلام باطنًا يخالف الظاهر؛ فيقولون: «الصلاة» المأمور بها ليست هذه الصلاة، أو هذه الصلاة إنما يؤمر بها العامة، وأما الخاصة فالصلاة في حقهم معرفة أسرارنا، و «الصيام» كتمان أسرارنا، و «الحج» السفر إلى زيارة شيوخنا المقدَّسين، ويقولون: إن «الجنة» للخاصة: هي التمتع في الدنيا باللذات، و «النار» هي التزام الشرائع والدخول تحت أثقالها. ويقولون: إن «الدابة» التي يخرجها الله للناس هي العالم الناطق بالعلم

стр. 316

في كل وقت، وإن «إسرافيل» الذي ينفخ في الصور هو العالِم الذي ينفخ بعلمه في القلوب حتى تحيا، و «جبريل» هو العقل الفعال الذي تفيض عنه الموجودات، و «القلم» هو العقل الأول الذي تزعم الفلاسفة أنه المبدع الأول، وأن الكواكب والقمر والشمس التي رآها إبراهيم هي النفس والعقل وواجب الوجود، وأن الأنهار الأربعة التي رآها النبي ﷺ ليلة المعراج هي العناصر الأربعة، وأن الأنبياء التي رآها في السماء هي الكواكب. فآدم هو القمر، ويوسف هو الزهرة، وإدريس هو الشمس، وأمثال هذه الأمور. وقد دخل في كثير من أقوال هؤلاء كثير من المتكلمين والمتصوفين؛ لكن أولئك القرامطة ظاهرهم الرفض وباطنهم الكفر المحض، وعامة الصوفية والمتكلمين ليسوا رافضة يفسقون الصحابة ولا يكفرونهم؛ لكن فيهم من هو كالزيدية الذين يفضلون عليًا على أبي بكر، وفيهم من يفضل عليًا في العلم الباطن كطريقة الحربي وأمثاله، ويدَّعون أن عليًا كان أعلم بالباطن، وأن هذا العلم أفضل من جهته، وأبو بكر كان أعلم بالظاهر. وهؤلاء عكس محققي الصوفية وأئمتهم، فإنهم متفقون على أن أعلم الخلق بالعلم الباطن هو أبو بكر الصديق، وقد اتفق أهل السنة والجماعة على أن أبا بكر أعلم الأمة بالباطن والظاهر، وحكى الإجماع على ذلك غير واحد. وهؤلاء الباطنية قد يفسرون: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢] أنه علي، ويفسرون قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١] بأنهما أبو بكر وعمر، وقوله: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٢] أنهم طلحة والزبير، والشجرة الملعونة في القرآن بأنها بنو أمية. وأما باطنية الصوفية فيقولون في قوله تعالى: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ [طه: ٢٤، النازعات: ١٧] إنه القلب، و ﴿إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] إنها النفس، ويقول أولئك: هي عائشة، ويفسرون هم والفلاسفة تكليم موسى بما يفيض عليه من العقل الفعال أو غيره، ويجعلون (خلع النعلين) ترك الدنيا

стр. 317

والآخرة، ويفسرون (الشجرة) التي كلم منها موسى و (الوادي المقدس) ونحو ذلك بأحوال تعرض للقلب عند حصول المعارف له، وممن سلك ذلك صاحب «مشكاة الأنوار» وأمثاله، وهي مما أعظم المسلمون إنكاره عليه، وقالوا: أمرضه «الشفاء»، وقالوا: دخل في بطون الفلاسفة، ثم أراد أن يخرج فما قدر، ومن الناس من يطعن في هذه الكتب، ويقول: إنها مكذوبة عليه، وآخرون يقولون: بل رجع عنها، وهذا أقرب الأقوال؛ فإنه قد صرح بكفر الفلاسفة في مسائل، وتضليلهم في مسائل أكثر منها، وصرح بأن طريقتهم لا توصل إلى المطلوب. وباطنية الفلاسفة يفسرون الملائكة والشياطين بقوى النفس، وما وعد الناس به في الآخرة بأمثال مضروبة لتفهيم ما يقوم بالنفس بعد الموت من اللذة والألم، لا بإثبات حقائق منفصلة يتنعم بها ويتألم بها، وقد وقع في هذا الباب في كلام كثير من متأخري الصوفية، ما لم يوجد مثله من أئمتهم ومتقدميهم، كما في كلام كثير من متأخري أهل الكلام والنظر من ذلك ما لا يوجد عن أئمتهم ومتقدميهم. وهؤلاء المتأخرون ـ مع ضلالهم وجهلهم ـ يدَّعون أنهم أعلم وأعرف من سلف الأمة ومتقدميها، حتى آل الأمر بهم إلى أن جعلوا الوجود واحدًا، كما فعل ابن عربي صاحب الفصوص وأمثاله فإنهم دخلوا من هذا الباب حتى خرجوا من كل عقل ودين، وهم يدعون مع ذلك أن الشيوخ المتقدمين: كالجنيد بن محمد، وسهل بن عبد الله التستري، وإبراهيم الخواص، وغيرهم ماتوا وما عرفوا التوحيد، وينكرون على الجنيد وأمثاله إذا ميزوا بين الرب والعبد كقوله: «التوحيد» إفراد الحدوث عن القدم، ولعمري إن توحيدهم الذي جعلوا فيه وجود المخلوق وجود الخالق هو من أعظم الإلحاد الذي أنكره المشايخ المهتدون، وهم عرفوا أنه باطل فأنكروه وحذروا الناس منه، وأمروهم بالتمييز بين الرب والعبد، والخالق والمخلوق،

стр. 318

والقديم والمحدث، وأن التوحيد أن يعلم مباينة الرب لمخلوقاته وامتيازه عنها، وأنه ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته. ثم إنهم يدعون أنهم أعلم بالله من المرسلين، وأن الرسل إنما تستفيد معرفة الله من مشكاتهم، ويفسرون القرآن بما يوافق باطنهم الباطل، كقوله: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ﴾ [نوح: ٢٥]، فهي التي خطت بهم فغرقوا في بحار العلم بالله، وقولهم: إن العذاب مشتق من العذوبة ...».

стр. 319

فهرس المصادر والمراجع من مصادر الشرح ومراجعه: ١ - أمالي الشريف المرتضى (غرر الفوائد ودرر القلائد)، لعلي بن الحسين الموسوي، المعروف بالشريف المرتضى، نشر مكتبة البابي الحلبي، ط١، ١٣٧٣. ٢ - التبيان في تفسير القرآن لأبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي، تحقيق أحمد حبيب العاملي، نشر دار إحياء التراث العربي. ٣ - الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، للخطيب البغدادي، تحقيق الدكتور محمود الطحان، نشر مكتبة المعارف. ٤ - الرد على مسائل الإباضية لأحمد بن يحيى الزيدي، تحقيق: إمام سيد حنفي. ٥ - الفتاوى الحديثية، لأحمد بن حجر الهيتمي، نشر مطبعة البابي الحلبي، ط٣. ٦ - الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، للزمخشري، نشر دار المعرفة ببيروت. ٧ - الكشف والبيان في تفسير القرآن، لأبي إسحاق أحمد بن محمد الثعلبي، تحقيق أبي محمد بن عاشور. ٨ - المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، لأبي محمد بن عطية، تحقيق: عبد العال السيد إبراهيم، طبعة قطر، ط١، ١٣٩٨. ٩ - المستدرك على الصحيحين، للحاكم، نشر دار الكتاب العربي. ١٠ - الموافقات، لأبي إسحاق الشاطبي، تحقيق: مشهور حسن آل سلمان، نشر مكتبة ابن عفان. ١١ - بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية أهل الإلحاد من القائلين بالحلول والاتحاد، لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق: موسى الدويش، نشر مكتبة العلوم والحكم بالمدينة النبوية، ط١، ١٤٠٨. ١٢ - تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، تحقيق: سامي السلامة، نشر مكتبة طيبة. ١٣ - تفسير سورة النور، حققه: محمود إبراهيم زايد، عبد المعطي قلعجي، نشر دار الوعي، حلب.

стр. 320

١٤ - تلخيص كتاب الاستغناء (المعروف بالرد على البكري)، تحقيق: أبي عبد الرحمن محمد بن علي عجال، نشر مكتبة الغرباء الأثرية. ١٥ - جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري. ١٦ - جمهرة اللغة، لابن دريد، تحقيق: رمزي منير بعلبكي، نشر دار العلم للملايين، ط١، ١٩٧٨. ١٧ - حقائق التفسير، لأبي عبد الرحمن السلمي، تحقيق: سيد عمران، نشر دار الكتب العلمية ١٨ - دقائق التفسير الجامع لتفسير الإمام ابن تيمية، تحقيق: محمد السيد الجليند، نشر مؤسسة علوم القرآن، ط٢، ١٤٠٤. ١٩ - سنن أبي داود. ٢٠ - سنن الترمذي، تحقيق: أحمد شاكر، نشر دار إحياء التراث العربي ببيروت. ٢١ - صحيح البخاري. ٢٢ - صحيح مسلم. ٢٣ - فتح الباري، لابن حجر العسقلاني، طبعة دار الريان للتراث بالقاهرة، ط١، ١٤٠٧. ٢٤ - مجاز القرآن، لأبي عبيدة، تحقيق: فؤاد سزكين، نشر مؤسسة الرسالة، ط٢، ١٤٠١. ٢٥ - مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، جمع عبد الرحمن بن قاسم، ط١، ١٣٩٨. ٢٦ - محاسن التأويل للقاسمي، وقف على طبعة محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر، بيروت، ط٢، ١٣٩٨. ٢٧ - مختصر الصواعق المرسلة، لابن القيم، اختصره محمد بن الموصلي، نشر دار الندوة الجديدة ببيروت، ١٤٠٥. ٢٨ - مقدمة في أصول التفسير، لابن تيمية، تحقيق: عدنان زرزور، نشر دار القرآن الكريم. ٢٩ - مقدمة في أصول التفسير، لابن تيمية، تحقيق: زمرلي. ٣٠ - منهاج السنة النبوية، لابن تيمية، تحقيق: محمد رشاد سالم، نشر جامعة الإمام.