(١١٦) ولكن هذه الأحاديث الإسرائيلية تذكر للاستشهاد لا للاعتقاد فإنها على ثلاثة أقسام:
أحدها: ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق فذاك صحيح.
والثاني: ما علمنا كذبه بما عندنا مما يخالفه.
والثالث: ما هو مسكوت عنه لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل، فلا نؤمن به، ولا نكذبه، وتجوز حكايته لما تقدم.
(١١٧) وغالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني، ولهذا يختلف علماء أهل الكتاب في مثل هذا كثيرًا، ويأتي عن المفسرين خلاف بسبب ذلك، كما يذكرون في مثل هذا أسماء أصحاب الكهف، ولون كلبهم، وعدَّتِهم، وعصا موسى من أي الشجر كانت؟ وأسماء الطيور التي أحياها الله لإبراهيم، وتعيين البعض الذي ضرب به القتيل من البقرة، ونوع الشجرة التي كلم الله منها موسى، إلى غير ذلك مما أبهمه الله في القرآن مما لا فائدة في تعيينه تعود على المكلفين في دنياهم ولا دينهم.
(١١٨) ولكن نقل الخلاف عنهم في ذلك جائز، كما قال تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاَثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَاءً ظَاهِرًا وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٢].
فقد اشتملت هذه الآية الكريمة على الأدب في هذا المقام، وتعليم ما ينبغي في مثل هذا، فإنه تعالى أخبر عنهم بثلاثة أقوال، ضعَّف القولين الأولين، وسكت عن الثالث، فدل على صحته، إذ لو كان باطلاً لردَّه كما ردهما، ثم أرشد إلى أن الاطلاع على عدتهم لا
стр. 247
طائل تحته، فيقال في مثل هذا: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾، فإنه ما يعلم بذلك إلا قليل من الناس ممن أطلعه الله عليه؛ فلهذا قال: ﴿فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَاءً ظَاهِرًا﴾؛ أي: لا تُجهد نفسك فيما لا طائل تحته، ولا تسألهم عن ذلك، فإنهم لا يعلمون من ذلك إلا رجم الغيب.
فهذا أحسن ما يكون في حكاية الخلاف: أن تستوعب الأقوال في ذلك المقام، وأن يُنبَّه على الصحيح منها، ويبطل الباطل، وتذكر فائدة الخلاف وثمرته؛ لئلا يطول النِّزاع والخلاف فيما لا فائدة تحته، فيُشتغل به عن الأهم، فأما من حكى خلافًا في مسألة ولم يستوعب أقوال الناس فيها فهو ناقص؛ إذ قد يكون الصواب في الذي تركه، أو يحكي الخلاف ويطلقه، ولا ينبه على الصحيح من الأقوال، فهو ناقص أيضًا، فإن صحَّح غير الصحيح عامدًا فقد تعمد الكذب، أو جاهلاً فقد أخطأ.
(١١٩) كذلك من نصب الخلاف فيما لا فائدة تحته، أو حكى أقوالاً متعددةً لفظًا ويرجع حاصلها إلى قول أو قولين معنًى، فقد ضيَّع الزمان، وتكثَّر بما ليس بصحيح، فهو كلابس ثوبي زور، والله الموفق للصواب.
стр. 248
فصل
(١٢٠) إذا لم تجد التفسير في القرآن ولا في السنة، ولا وجدته عن الصحابة، فقد رجع كثير من الأئمة في ذلك إلى أقوال التابعين؛ كمجاهد بن جبر، فإنه كان آية في التفسير؛ كما قال محمد بن إسحاق: حدثنا أبان بن صالح، عن مجاهد قال: عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات، من فاتحته إلى خاتمته، أوقفه عند كل آية منه وأسأله عنها.
(١٢١) وبه (١) إلى الترمذي، قال: حدثنا الحسين بن مهدي البصري، حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: ما في القرآن آية إلا وقد سمعت فيها شيئًا.
وبه إليه قال: حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان بن عيينة، عن الأعمش، قال: قال مجاهد: لو كنتُ قرأت قراءة ابن مسعود لم أحتج أن أسأل ابن عباس عن كثير من القرآن مما سألت.
(١٢٢) وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب قال: حدثنا طلق بن غنام، عن عثمان المكي، عن ابن أبي مليكة قال: رأيت مجاهدًا سأل
стр. 249
ابن عباس عن تفسير القرآن ومعه ألواحه، قال: فيقول له ابن عباس: اكتب حتى سأله عن التفسير كله، ولهذا كان سفيان الثوري يقول: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به.
(١٢٣) وكسعيد بن جبير (١)، وعكرمة مولى ابن عباس، وعطاء بن أبي رباح. والحسن البصري، ومسروق بن الأجدع، وسعيد بن المسيب، وأبي العالية، والربيع بن أنس، وقتادة، والضحاك بن مزاحم، وغيرهم من التابعين وتابعيهم ومن بعدهم.
(١٢٤) فتذكر (٢) أقوالهم في الآية فيقع في عباراتهم تباين في الألفاظ يحسبها من لا علم عنده اختلافًا فيحكيها أقوالاً وليس كذلك، فإن منهم من يعبر عن الشيء بلازمه أو نظيره، ومنهم من ينص على الشيء بعينه، والكل بمعنى واحد في كثير من الأماكن، فليتفطن اللبيب لذلك، والله الهادي.
(١٢٥) وقال شعبة بن الحجاج وغيره: أقوال التابعين في الفروع ليست حجة فكيف تكون حجة في التفسير؟ يعني أنها لا تكون حجة على غيرهم ممن خالفهم، وهذا صحيح، أما إذا أجمعوا على الشيء فلا يُرتاب في كونه حجة، فإن اختلفوا فلا يكون قول
стр. 250
بعضهم حجة على بعض، ولا على من بعدهم، ويرجع في ذلك إلى لغة القرآن، أو السنة، أو عموم لغة العرب، أو أقوال الصحابة في ذلك.
(١٢٦) فأما تفسير القرآن بمجرد الرأي فحرام (١).
(١٢٧) حدثنا مؤمل (٢)، حدثنا سفيان، حدثنا عبد الأعلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : «من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار».
حدثنا وكيع (٣) حدثنا سفيان، عن عبد الأعلى الثعلبي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار».
وبه إلى الترمذي قال: حدثنا عبد بن حميد، حدثني حسان بن هلال، قال: حدثنا سهيل أخو حزم القطعي، قال: حدثنا أبو عمران الجوني، عن جندب، قال: قال رسول الله ﷺ : «من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ».
стр. 251
(١٢٨) قال الترمذي: هذا حديث غريب، وقد تكلم بعض أهل الحديث في سهيل بن أبي حزم.
وهكذا رُوِيَ عن بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم أنهم شدَّدوا في أن يُفسَّر القرآن بغير علم، وأما الذي رُوي عن مجاهد وقتادة وغيرهما من أهل العلم أنهم فسروا القرآن؛ فليس الظن بهم أنهم قالوا في القرآن، أو فسروه بغير علم، أو من قبل أنفسهم.
(١٢٩) وقد رُوِيَ عنهم ما يدل على ما قلنا أنهم لم يقولوا من قِبَل أنفسهم بغير علم (١)، فمن قال في القرآن برأيه فقد تكلف ما لا علم له به، وسلك غير ما أُمِرَ به، فلو أنه أصاب المعنى في نفس الأمر لكان قد أخطأ؛ لأنه لم يأت الأمر من بابه، كمن حكم بين الناس على جهل، فهو في النار، وإن وافق حُكْمُه الصوابَ في نفس الأمر، لكن يكون أخفَّ جرمًا ممن أخطأ، والله أعلم.
(١٣٠) وهكذا سمى الله تعالى القَذَفَةَ كاذبين، فقال: ﴿فَإِذْ لَمْ يَاتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣] فالقاذف كاذب (٢)، ولو كان قد قذف من زنى في نفس الأمر؛ لأنه أخبر بما لا يحل له الإخبار به، وتكلَّف ما لا علم له به، والله أعلم.
(١٣١) ولهذا تحرَّج جماعة من السلف عن تفسير ما لا علم لهم به، كما روى شعبة، عن سليمان، عن عبد الله بن مرة، عن أبي معمر، قال: قال أبو بكر الصديق: «أيُّ أرض تُقِلُّنِي، وأيُّ سماء تُظِلُّنِي إذا قلت في كتاب الله ما لم أعلم؟!».
стр. 252
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: حدثنا محمود بن يزيد، عن العوام بن حوشب، عن إبراهيم التيمي أن أبا بكر الصديق سئل عن قوله: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: ٣١] فقال: «أيُّ سماء تُظِلُّنِي، وأيُّ أرض تُقِلُّنِي إن أنا قلتُ في كتاب الله ما لا أعلم؟». منقطع (١).
(١٣٢) وقال أبو عبيد أيضًا: حدثنا يزيد عن حميد، عن أنس: أن عمر بن الخطاب قرأ على المنبر: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: ٣١] فقال: هذه الفاكهة قد عرفناها، فما الأبُّ؟ ثم رجع إلى نفسه فقال: إن هذا لهو التكلف يا عمر.
وقال عبد بن حميد: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن ثابت عن أنس، قال: كنا عند عمر بن الخطاب ـ وفي ظهر قميصه أربع رقاع ـ فقرأ: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: ٣١] فقال: ما الأبُّ؟ ثم قال: إن هذا لهو التكلف، فما عليك أن لا تدريه؟!.
(١٣٣) وهذا كله محمول على أنهما ﵄ إنما أرادا استكشاف علم كيفية الأب (٢)، وإلا فكونه نبتًا من الأرض ظاهر لا يُجهل؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا *وَعِنَبًا وَقَضْبًا *وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً *وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ [عبس: ٢٧ ـ ٣٠]
(١٣٤) وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة: أن ابن عباس سئل عن آية ـ لو سئل عنها بعضكم لقال فيها ـ فأبى أن يقول فيها. إسناد صحيح.
стр. 253
(١٣٥) وقال أبو عبيد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، قال: سأل رجل ابن عباس عن: يوم كان مقداره ألف سنة؟.
فقال له ابن عباس: فما يوم كان مقداره خمسين ألف سنة؟.
فقال الرجل: إنما سألتك لتحدثني!.
فقال ابن عباس: هما يومان ذكرهما الله في كتابه، الله أعلم بهما.
فكَرِهَ أن يقول في كتاب الله ما لا يعلم.
(١٣٦) وقال ابن جرير: حدثني يعقوب ـ يعني: ابن إبراهيم ـ، حدثنا ابن عُلَيَّة، عن مهدي بن ميمون، عن الوليد بن مسلم، قال: جاء طلق بن حبيب إلى جندب بن عبد الله فسأله عن آية من القرآن، فقال: أُحرِّج عليك إن كنت مسلمًا لما قُمْتَ عنِّي، أو قال: أن تجالسني.
(١٣٧) وقال مالك: عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب أنه كان إذا سئل عن تفسير آية من القرآن قال: إنا لا نقول في القرآن شيئًا.
وقال الليث: عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب أنه كان لا يتكلم إلا في المعلوم من القرآن.
وقال شعبة: عن عمرو بن مرة، قال: سأل رجل سعيد بن المسيب عن آية من القرآن، فقال: لا تسألني عن القرآن، وسل من يزعم أنه لا يخفى عليه منه شيء؛ يعني: عكرمة.
وقال ابن شوذب: حدثني زيد بن أبي يزيد قال: كنا نسأل سعيد بن المسيب عن الحلال والحرام ـ وكان أعلم الناس ـ، فإذا
стр. 254
سألناه عن تفسير آية من القرآن سكت كأن لم يسمع.
(١٣٨) وقال ابن جرير: حدثني أحمد بن عبدة الضبي، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا عبيد الله بن عمر، قال: لقد أدركت فقهاء المدينة وإنهم ليعظمون القول في التفسير؛ منهم: سالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد، وسعيد بن المسيب، ونافع.
(١٣٩) وقال أبو عبيد: حدثنا عبد الله بن صالح عن الليث، عن هشام بن عروة، قال: ما سمعت أبي تأوَّل آية من كتاب الله قط.
(١٤٠) وقال أيوب وابن عون وهشام الدستوائي: عن محمد بن سيرين، قال: سألت عَبِيدة السَّلْمَاني عن آية من القرآن، فقال: ذهب الذين كانوا يعلمون فيما أنزل من القرآن، فاتق الله وعليك بالسداد.
(١٤١) وقال أبو عبيد: حدثنا معاذ، عن ابن عون، عن عبيد الله بن مسلم بن يسار، عن أبيه، قال: إذا حدَّثت عن الله فقف حتى تنظر ما قبله وما بعده.
(١٤٢) حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: كان أصحابنا يتقون التفسير ويهابونه.
(١٤٣) وقال شعبة: عن عبد الله بن أبي السفر، قال: قال الشعبي: والله ما من آية إلا وقد سألت عنها، ولكنها الرواية عن الله.
(١٤٤) وقال أبو عبيد: حدثنا هشيم، أنبأنا عمر بن أبي زائدة، عن الشعبي، عن مسروق قال: اتقوا التفسير فإنما هو الرواية عن الله.
(١٤٥) فهذه الآثار الصحيحة وما شاكلها عن أئمة السلف محمولة على تحرجهم عن الكلام في التفسير بما لا علم لهم به، فأما من تكلم بما يعلم من ذلك لغةً وشرعًا فلا حرج عليه؛ ولهذا رُوِيَ
стр. 255
عن هؤلاء وغيرهم أقوالٌ في التفسير، ولا منافاة؛ لأنهم تكلموا فيما علموه، وسكتوا عما جهلوه، وهذا هو الواجب على كل أحد، فإنه كما يجب السكوت عما لا علم له به، فكذلك يجب القول فيما سئل عنه مما يعلمه؛ لقوله تعالى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، ولِمَا جاء في الحديث المروي من طرق: «من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار».
(١٤٦) وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا مؤمل، حدثنا سفيان، عن أبي الزناد قال: قال ابن عباس: التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله. والله أعلم.
стр. 256
شرح أحسن طرق تفسير القرآن
стр. 257
-[طرق التفسير
]-إذا تأملت طرق التفسير وجدتها هي المصادر التي يرجع إليها المفسر عند تفسيره لكلام الله ، وقد نصَّ شيخ الإسلام على بعضها وأشار إلى غيرها، فقد ذكر القرآن والسنة وأقوال السلف من الصحابة والتابعين، وأشار إلى مرويات بني إسرائيل، وإلى اللغة، وهذه هي جمهور مصادر التفسير وطرقه عند غالب المفسرين، وهي المهيع الذي سارت عليه غالب من كتب في التفسير سواءً نصَّ على اعتماده عليها أو لم ينصَّ.
ويلاحظ على هذه الطرق أمور:
الأول: أنها دائرة بين الأثر والرأي (١)، وسيأتي تفصيل ذلك في محله من كل طريق.
الثاني: أن هذا التقسيم الذي ذكره شيخ الإسلام إنما هو تقسيم فنيٌّ، وليس المراد أن المفسر يتدرَّج في التفسير على هذه الطرق، فالذي يخوض غمار التفسير يعلم أنَّ هذه الطرق ستكون مختلطة، ولا يوجد تفسير مرتَّب على هذا الترتيب، حتى التفسير الذي كتبه شيخ الإسلام.
الثالث: أنَّ هذه الطرق من حيث الجملة هي التي يجب الرجوع إليها عند التفسير، لكن أفراد هذه الطرق لها أحكامٌ خاصَّةٌ بحيث إنه لا يمكن القول بأنه يجب الأخذ بهذه الطرق جملة وتفصيلاً، بل في الأمر تفصيلات سيأتي في محلها من هذه الطرق.
стр. 258
الرابع: إن تمايز المفسرين عمومًا هو في مدى اعتمادهم على هذه الطرق، ولا يكاد أن يخلو منها كتاب في التفسير؛ إما نصًّا وإما إشارة.
وبعد هذا أستعرضُ ما طرحه شيخ الإسلام، وأضيف إليه بعض التنبيهات.
стр. 259
تفسير القرآن بالقرآن (١):
قال شيخ الإسلام: «إن أصح الطرق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن، فما أجمل في مكان فإنه قد فسر في موضع آخر، وما اختصر في مكان فقد بسط في موضع آخر».
نص الشيخ هنا على أنَّ طريق تفسير القرآن بالقرآن هي أصحُّ الطرقِ، وهذا حقٌّ لا مرية فيه، لكن يلاحظ في تفسير القرآن بالقرآن أمور:
الأمر الأول: أن يكون تفسير القرآن بالقرآن لا يتنازع فيه اثنان لوضوحه واستبانته، وأوضح أمثلته ما يكون على طريقة السؤال والجواب، أو على طريقة ذكر الموصوف ثم إتباعه بأوصافه.
ومن أمثلة طريقة السؤال والجواب قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ *وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ *النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ [الطارق: ١ ـ ٣]. فتفسير الطارق لا محالة هو النجم الثاقب، والخلاف في المراد بالنجم الثاقب لا يُخرجه عن كونه هو الطارق.
стр. 260
ومن أمثلة طريقة ذكر الموصوف وإتباعه بأوصافه قوله تعالى: ﴿أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ *الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٢، ٦٣]. فتفسير أولياء الله بأنهم الذين آمنوا وكانوا يتقون من تفسير القرآن بالقرآن.
وكثيرٌ من هذا النوع يأتي متواليًا كما في هذه الآيات، ويمكن أن يكون غير متوالٍ، مثل تفسير: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] بقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩].
ومثل قوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١]، حيث فُسِّر (ما يُتلى) بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، وقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٥].
وهذا يدخل في باب الإجمال الذي ذكره شيخ الإسلام بقوله: «فما أُجمِل في مكان، فإنه قد فُسِّر في موضع آخر».
الأمر الثاني: أن يكون تفسير القرآن بالقرآن مما يغمض ولا يدركه كل أحدٍ كتفسير التزويج في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧] بقوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاَثَةً﴾ [الواقعة: ٧]، وقوله: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢].
أو تفسير قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٠]، بقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ *وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ [الطارق: ١١ ـ ١٢].
стр. 261
وهذا الغموض مدعاة لوجود الاختلاف في تفسير المعنى الذي فُسِّر بالآية الأخرى، وهذا النوع يدخله الاجتهاد، فالمفسر هو الذي يرى أن هذه الآية تفسير هذه الآية، كما يلاحظ وجود واسطة بين الآيتين لتكون هذه الآية مفسرة لتلك الآية، ففي آية الرتق والفتق وقع ما يأتي:
١ - فُسِّر الرتق بعدم إنزال المطر من السماء، وعدم الإنبات من الأرض، وفُسِّر الفتق بإنزال المطر من السماء، وإخراج النبات من الأرض.
٢ - جُعِل هذا المعنى للرتق والفتق هو مدلول الرجع والصدع في آيتي سورة الطارق، وهذا يعني أنه لا يُتوصَّل إلى تفسير آية بآية إلا بالاجتهاد المبني على تفسير المدلولين في الآية، وإظهار توافقهما في المعنى.
ولو أخذت بالأوجه الأخرى في تفسير الرتق والفتق، فإنه لا يمكنك حمل هذه الآية على آيتي سورة الطارق، لاختلاف المعنى بينهما على الأوجه الأخرى.
الأمر الثالث: أن تفسير القرآن بالقرآن لا يتقصر على أصحاب المنهج الحقِّ، بل تجد ذلك عند أهل البدع، حيث تراهم يحملون معنى آية على آية أخرى، وهذا هو عين تفسير القرآن بالقرآن، لكنه مبنيٌّ على منهجهم في الفهم، واجتهادهم في البيان المبني على معتقدهم.
وعمل هؤلاء يدلُّك بوضوح على دخول الاجتهاد والرأي في تفسير القرآن بالقرآن، وأنه لا يلزم الأخذ بكل ما قيل فيه إنه تفسير قرآن بقرآن، وإلا للزم أخذ أقوال المبتدعة المبنية على هذا الطريق.
والأمثلة على عمل المبتدعة بهذا الطريق كثيرة جدًّا، ولو أقام باحث بحثًا على هذا الموضوع لخرج بكمٍّ وفير من الأمثلة في هذا الباب، ومن ذلك أنَّ أحمد بن يحيى الزيدي المعتزلي (ت:٣٢٥) (١) قال في «رسالة الرد
стр. 262
على مسائل الإباضية»: «واعلم يا أبا محمد (١) ـ حفظك الله ـ أن هؤلاء القوم إنما أرادوا بذلك تعنيتنا، وأن يدروا ما عندنا من المعرفة باللغة، والذي نذهب إليه ونحبه في التفسير في أن تكون الحجة منا في التفسير بشواهد من كتاب الله على كتاب الله، ولا بدَّ مع ذلك من الاستشهاد باللغة والشعر ...» (٢).
ومن الأمثلة التي أوردها في كتابه قوله: «وسألت عن قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: ٣٤]، كأنهم يرون أن القول على أن الله يريد أن يمنعهم من الإيمان، ومما أمرني أن أدعوكم إليه من الحق!
وليس وجه الآية كما ظنَّت المجبرة، وإنما عنى نوح صلوات الله عليه: إن كان يريد عذابكم فلن ينفعكم، والعذاب فهو الغيُّ (٣)، ألا ترى أن الله سبحانه يقول: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاَةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩]؛ يقول: فسوف يلقون عذابًا ...» (٤).
فهذا التفسير الذي بين يديك ظاهره تفسير قرآن بقرآن، لكنه خطأ محضٌ، وتحريف ظاهر بسبب شبهة عقلية اعتزالية، وهي عدم جواز الإغواء
стр. 263
على الله سبحانه لأنه قبيح، والله لا يفعل القبيح، فَحَمَلَ معنى «يغويكم» على معنى العذاب، وهو ليس كذلك، بل هو بمعنى الإضلال، ثُمَّ استشهد لذلك بأحد أوجه تفسير قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩].
فتدبر كيف وصل إلى تفسير آية بآية أخرى، حيث ستجد أنه مرَّ برابط بينهما قبل ربطهما ببعضهما، حيث فسَّر الغواية والغي بالعذاب، فحمل الأولى على الأخرى، فهل يُقبل هذا التفسير على أنه تفسير قرآن بقرآن؟!
لا شكَّ أنه من التفسيرات غير الصحيحة، ومثل هذا لا يُقبل، ولا ينظر إلى كونه فسَّر آية بآية.
الأمر الرابع: رأيته أنه قد التبس على بعض الفضلاء التفريق بين كون تفسير القرآن بالقرآن مأثورًا أو رأيًا، وقد سمعت بعضهم يجعله مأثورًا مطلقًا، وعندي أنَّ هذا الفاضل لم يُفرِّق بين طريق وصول القرآن إلينا، وهو الأثر، وطريقة وصولنا إلى تفسير آية بآية، وهو الرأي والاجتهاد.
الأمر الخامس: أنه لا يلزم من ربط آية بآية أن يكون من قبيل تفسير القرآن بالقرآن، بل ربط الآيات ببعضها أوسع من تفسير القرآن بالقرآن، ومن جعل كل ربط بين آيتين من قبيل تفسير القرآن بالقرآن، فإنه قد وسَّع مبحث تفسير القرآن بالقرآن بما لا حدَّ له، فجمع الموضوعات في المعنى الواحد، وجمع النظائر القرآنية، وجمع ما يوهم الاختلاف، وجمع القصص في الموضوع الواحد = كل هذا يدخل في تفسير القرآن بالقرآن عند التوسع في الإطلاق.
أما لو جعلت ضابط الحاجة إلى البيان هو القيد في تفسير القرآن بالقرآن، فإنه سيخرج كثيرٌ من ربط الآيات ببعضها.
ومن البيان: تفسير لفظة غريبة بلفظة أشهر منها، وبيان المجمل، وتخصيص العامِّ، وتقييد المطلق وبيان الناسخ للآية المنسوخة، وكل ما كان فيه بيان آية بآية فهو من تفسير القرآن بالقرآن.
стр. 264
ومن تقييد المطلق تفسير قوله تعالى: ﴿وَالْمَلاَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥]، فقد أطلق الاستغفار لكل من في الأرض، ثم جاء تقييده بالذين آمنوا في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر: ٧]. فلو لم تحمل آية غافر على آية الشورى، لجعلت الاستغفار كائنًا للكفار، وإذا حملتها عليها أخرجت الكفار من دائرة الاستغفار، وبهذا يبين الأثر التفسيري في تقييد المطلق، وكذا في أشباهه من الخاص والبيان والناسخ.
ومن أمثلة بيان لفظة غريبة في آية ـ وهو قليل في تفسير القرآن ـ بالقرآن = بيانُ معنى لفظ (سجيل) في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾ [هود: ٨٢]، فهذا في عذاب قوم لوط ﵇، ولما ذكر هذا العذاب في موضع آخر قال: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ﴾ [الذاريات: ٣٣]، فدلَّ على أن السِّجيل هو الطين.
الأمر السادس: أنه لا يلزم أن يكون لكل آيةٍ آيةٌ أخرى تفسرها، وذلك أمر ظاهر، ولا يبعد أن يكون تفسير القرآن بالقرآن من أقلِّ المصادر؛ إذا اعتبرت أنَّ ضابط البيان ضابطٌ صحيح في مصطلح «تفسير القرآن بالقرآن».
وقد أشار إلى ذلك شيخ الإسلام بقوله: «والغرض أنك تطلب تفسير القرآن منه، فإن لم تجده فمن السنة»، وهذا يعني أنه قد لا يجد تفسيرًا من القرآن لكل آية من القرآن.
الأمر السابع: التفريق بين باب الاستدلال وباب التفسير، ففي الاستدلال يكون القرآن المصدر الأول من مصادر التشريع بلا خلاف بين المسلمين، ثمَّ يتلوه المصدر الثاني، وهو السنة النبوية.
وفي التفسير يكون القرآن كذلك المصدر الأول، وهو على قسمين:
стр. 265
الأول: أن يستخدم المفسر القرآن في بيان ما غمض منه في موضع، وذلك يدخل في حدِّ البيان الذي سبقت الإشارة إليه، ويغلب هذا المنهج على أبي الوفاء ثناء الله الهندي الأمر تسري (ت:١٣٦٧) (١) في كتابه «تفسير القرآن بكلام الرحمن» (٢).
وهذا القسم هو الذي أشار إليه شيخ الإسلام بقوله: «فما أجمل في مكان فإنه قد فسر في موضع آخر».
الثاني: أن يستخدم القرآن في بيان ضعف بعض الأقوال التفسيرية، أو تقوية بعض الأقوال التفسيرية أو الاستشهاد به استطرادًا للتفسير الذي يذكره المؤلف، أو جمع أماكن ورود اللفظ، أو جمع موارد القصة الواحدة، أو ذكر فائدة في الآية والاستدلال لها بالقرآن، أو غير ذلك من وجوه الاستفادة من القرآن في التفسير، وعلى هذا سار كثير ممن قصد تفسير القرآن بالقرآن؛ كابن كثيرٍ الدمشقي (ت:٧٧٤) في كتابه «تفسير القرآن العظيم»، والأمير الصنعاني (ت:١١٨٢) (٣) في كتابه «مفاتح الرضوان في تفسير الذكر بالآثار والقرآن»، ومحمد الأمين الشنقيطي (ت:١٣٩٣) في كتابه: «أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن»، وغيرهم.
стр. 266
وإليه تشير عبارة شيخ الإسلام في قوله: «وما اختصر في مكان فقد بسط في موضع آخر»، إذ كثيرٌ من ذلك المختصر يرجع إلى القصص دون غيره؛ كما هو الحال في قصة آدم وموسى وعيسى وغيرهم ممن تكررت قصصهم في القرآن.
ويمكن أن يمثل له بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥] حيث ذكر ربنا ﵎ ما كان من عملهم الذي عوقبوا عليه في قوله: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَاتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَاتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٣].
وأخيرًا، فإن موضوع تفسير القرآن بالقرآن لم يلق العناية اللائقة به حتى هذا الحين، وعندي أنَّ الموضوع مليءٌ بالأفكار، وهو بحاجة إلى دراسة دقيقة.
стр. 267
تفسير القرآن بالسنة (١):
لا خلاف في كون السنة المصدر الثاني في التشريع فضلاً عن التفسير (٢)، وسيكون الحديث هنا عن كونها مفسرة للقرآن، دون النظر إلى جانب الأحكام العملية وما يترتب عليها من مباحث هي من صلب أصول الفقه لا التفسير.
وقد نصَّ على كون السنة شارحةً للقرآن في كلامه، فقال: «فإنها شارحة للقرآن، وموضحة له». وهذا بالنظر إلى جمهور السنة بالنسبة للقرآن، ويدخل في ذلك السنة القولية والفعلية والتقريرية، وأغلب ذلك في الأحكام العملية من الجهة التفصيلية.
وهذا الذي يظهر فيه بيان السنة للقرآن، كما أشار إلى ذلك الطبري في مقدمة تفسيره في بيان وجوه التفسير، فقال: «... ونحن قائلون في البيان
стр. 268
عن وجوه مطالب تأويله: قال الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه لنبيه محمد ﷺ : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]، وقال أيضًا جلَّ ذكره: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٦٤]، وقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَاوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧].
فقد تبين ببيان الله ـ جل ذكره ـ أن مما أنزل الله من القرآن على نبيه ﷺ ما لا يُوصل إلى علم تأويله إلا ببيان الرسول ﷺ ، وذلك تأويل جميع ما فيه من وجوه أمره: واجبه وندبه وإرشاده، وصنوف نهيه، ووظائف حقوقه وحدوده، ومبالغ فرائضه ومقادير اللازم بعض خلقه لبعض، وما أشبه ذلك من أحكام آيهِ التي لم يُدرك علمها إلا ببيان رسول الله ﷺ لأمته. وهذا وجه لا يجوز لأحد القول فيه إلا ببيان رسول الله ﷺ له تأويله بنصٍّ منه عليه، أو بدلالةٍ قد نصبها دالَّةٍ أمته على تأويله» (١).
ولو أدرتَ النظر في أحوال الاستفادة من السنة في التفسير؛ لظهر لك ما يأتي:
الحال الأولى: أن يكون في سنته تفسير مباشر للقرآن، وذلك هو التفسير النبوي الذي يكون فيه القصد إلى بيان معنى لفظة أو جملة، أو بيان مجمل، أو بيان غيبي لا يظهر لهم كيفيته، وقد تكون منه ابتداءً، وقد تكون إثر سؤال أو استشكالٍ من الصحابة، ولكل نوع من هذه أمثلته.
ومن أمثلة تفسيراته:
стр. 269
١ - في قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس: ٣٨]، قال أبو ذر: «كنت مع النبي ﷺ في المسجد عند غروب الشمس، فقال: يا أبا ذر، أتدري أين تغيب الشمس؟
قلت: الله ورسوله أعلم.
قال: فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فذلك قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس: ٣٨]» (١).
٢ - في قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] قال عدي بن حاتم: «قلت: يا رسول الله، ما الخيط الأبيض من الأسود؟ أهما الخيطان؟ قال: إنك لعريض القفا إن أبصرت الخيطين، ثم قال: لا، بل هما سواد الليل، وبياض الفجر» (٢).
٣ - في قوله تعالى: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨]، قال ﷺ : «قيل لبني إسرائيل: ادخلوا الباب، وقولوا حِطَّة، فدخلوا يزحفون على أستاههم (٣)، فبدَّلوا، وقالوا: حطة، حبة في شعيرة» (٤).
وفي هذا النوع يكون المفسرون سواء في التفسير بهذا التفسير النبوي، ولا يتميز الصحابي إلا بلُقياه وسماعه، أما أن يحمل معنى الآية على تفسير النبي ﷺ فذلك ما يستوي معه غيره، وهذا يعني أن التفسير النبوي نقليٌّ أثريٌّ ليس لأحد فيه سوى النقل والوقوف عنده فلا يُتجاوز.
الحال الثانية: أن يكون في سنته ما يوضح القرآن وإن لم يكن من
стр. 270
التفسير المباشر، ولهذا صور متعددة؛ كأن يَرِدَ المعنى الذي في الآية في الحديث، أو أن تَرِدَ اللفظة التي في الآية في الحديث، وهي بيِّنة فيه، أو يَرِدَ في السنة تفاصيل أمر مجمل في القرآن، أو أن يَرِدَ فيها الإشارة إلى موضوع من موضوعات القرآن، وما إلى ذلك مما لا يكون القصد منه التفسير المباشر، بل يَرِدُ الحديث عاريًا من الآية.
ومن أمثلته:
١ - أن يَرِدَ في الحديث إشارة إلى المعنى الذي في الآية، ومن ذلك ما ذكره ابن كثير عند تفسير قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨١]، قال: «﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيّئَةً﴾؛ أي: عمل مثل أعمالكم، وكفر بمثل ما كفرتم به حتى يحيط به كفره، فما له من حسنة.
وفي رواية عن ابن عباس قال: الشرك. قال ابن أبي حاتم: ورُوي عن أبي وائل وأبي العالية ومجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والربيع بن أنس نحوه.
وقال الحسن أيضًا والسدي: السيئة: الكبيرة من الكبائر.
وقال ابن جريج عن مجاهد: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾، قال: بقلبه.
وقال أبو هريرة وأبو وائل وعطاء والحسن: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾، قالوا: أحاط به شركه.
وقال الأعمش عن أبي رزين عن الربيع بن خيثم: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾، قال: الذي يموت على خطاياه من قبل أن يتوب.
وعن السدي وأبي رزين نحوه، وقال أبو العالية ومجاهد والحسن في رواية عنهما وقتادة والربيع بن أنس: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ الموجبة الكبيرة.
стр. 271
وكل هذه الأقوال متقاربة في المعنى.
ويذكر ههنا الحديث الذي رواه الإمام أحمد حيث قال: حدثنا سليمان بن داود الطيالسي، حدثنا عمران القطان، عن قتادة، عن عبد ربه، عن أبي عياض، عن عبد الله بن مسعود ﵁: «أن رسول الله ﷺ قال: إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه.
وإن رسول الله ﷺ ضرب لهم مثلاً كمثل قوم نزلوا بأرض فلاة، فحضر صنيع القوم ـ يعني الطعام ـ، فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود، والرجل يجيء بالعود، حتى جمعوا سوادًا، وأججوا نارًا، فأنضجوا ما قذفوا فيها».
٢ - أن يرد في السنة زيادة تفصيل لأمر مجمل جاء في الآية؛ ما ذكره ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَجِيىءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر: ٢٣]، قال: «وقوله تعالى: ﴿وَجِيىءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر: ٢٣]، قال الإمام مسلم بن الحجاج في صحيحه: حدثنا عمر بن حفص بن غياث، حدثنا أبي، عن العلاء بن خالد الكاهلي، عن شقيق، عن عبد الله ـ هو ابن مسعود ـ قال: قال رسول الله ﷺ : يُؤتى بجهنم يومئذٍ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها» (١).
وهذا النوع مما يدخله الاجتهاد، وهو يتفاوت في الوضوح بالاستدلال بالسنة من مثال إلى غيره، فقد يكون بعضها واضحًا وضوحًا جليًّا بحيث لا يقع نزاع في أن هذا الحديث يصلح تفسيرًا للآية، وبعضها قد يغمضُ ويقع فيه النِّزاع.
والذي يؤكَّد عليه أنه يحسن أن لا يلتبس هذا النوع بالذي قبله، والفرق بينهما واضحٌ:
стр. 272
فالأول فيه قصد التفسير مباشرة من الرسول ﷺ ، وغالبًا ما تردُ الآية المنصوص على تفسيرها في حديثه ﷺ ، لذا لا يدخله الاجتهاد، بل هو نقليٌّ محض يلزم قبوله والأخذُ به.
والثاني يدخله الاجتهاد، فالمفسِّر هو الذي اجتهد في بيان أن هذا الحديث ـ الذي لم يرد من الرسول ﷺ على سبيل التفسير؛ لأنه لم يذكر آيةً يفسرها ـ مفسِّر وموضِّح لمعنىً في هذه الآية.
الحال الثالثة: أن يستفاد من سنته في التفسير بأنواع شتى من الاستفادات غير ما ذُكر من السابقات؛ كالاستشهاد بحديثٍ نبويٍّ على صحة تفسير من التفسيرات، أو أن يَرِدَ في الحديث لفظة واردة في القرآن وهي غير بيِّنة في الموضِعين، أو أن يستفاد من الحديث في ترجيح قول على قول، أو غير ذلك من وجوه الاستفادات، وهي كثيرة جدًّا.
١ - فمِنْ ورود اللفظة في الحديث والآية مع عدم وضوحها فيهما؛ ما أورد ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ *عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾ [المعارج: ٣٦، ٣٧]، فقد أورد عن جابر بن سمرة «أن رسول الله ﷺ خرج عليهم وهم حلق، فقال: ما لي أراكم عزين» (١).
فمعنى التَّفَرُّقِ يؤخذ من تعليق الصحابي «وهم حِلَق»، أما قوله ﷺ : «ما لي أراكم عزين» فلا يُبيِّن معنى لفظ عزين.
٢ - ومن ذلك: تفسير قوله تعالى: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ *كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٥، ١٦]، قيل: هم القراء من الصحابة، وقيل: هم الملائكة، قال ابن العربي المالكي (ت:٥٤٣): «لقد كان أصحاب محمد سفرة كرامًا بررة، ولكن ليسوا بمرادين بهذه الآية، ولا قاربوا المرادين بها، بل هي لفظة مخصوصة بالملائكة عند الإطلاق، ولا يشاركهم فيها سواهم، ولا يدخل معهم في متناولها غيرهم.
стр. 273
رُوِيَ في الصحيح عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: مثل الذي يقرأ القرآن، وهو حافظ له مع السفرة الكرام البررة، ومثل الذي يقرؤه، وهو يتعاهده، وهو عليه شديد، فله أجران» (١).
ولا إشكال في أنَّ هذا النوع من باب الاجتهاد، فعلى قدر معرفة المفسر بالأحاديث النبوية يكون ذكره لها في تفسيراته.
وهناك نوع يذكره بعض من تكلم في تفسير القرآن بالسنة، وهو غير داخلٍ فيه، وهو أن يكون في السنة حكم لم ينص عليه القرآن، وهذا لا علاقة له بتفسير القرآن بالسنة البتة، ومحلُّه كتب أصول الفقه التي تتحدث عن السنة مصدرًا من مصادر التشريع.
وهذا الطريق (تفسير القرآن بالسنة) يحتاج إلى دراسة علمية تُجلِّي كنوزه، وهو موضوع فيه طول وتفريعات كثيرة، ولم تفِ بها البحوث المعاصرة ـ فيما رأيت ـ والله أعلم.
стр. 274
تفسير القرآن بأقوال الصحابة:
بيَّن شيخ الإسلام في هذا الفصل بعض مسائل تتعلق بتفسير الصحابة (١)، ويمكن إجمالها فيما يأتي:
١ - سبب الرجوع إلى تفسير الصحابة.
٢ - من اشتهر بالتفسير من الصحابة.
٣ - الإسرائيليات في تفسير الصحابة، وهذا الموضوع قد تمَّ بسطه سابقًا (٢)، فلا حاجة لنقاش هذه المسألة هنا.
أولاً: سبب الرجوع إلى تفسير الصحابة:
ذكر في هذا الموضوع الأسباب باقتضابٍ شديد؛ لأنه لا يكاد يوجد خلاف بين علماء المسلمين في الرجوع إلى تفسير الصحابي، وبعض ما يُكتب من الخلاف نظريٌّ يخالفه واقع التطبيق.
ومَنزلة الصحابة في الإسلام مما استقرَّ عند المسلمين، ولا يخالف فيها إلا من في قلبه مرض، ولذا لم يُطل شيخ الإسلام في هذا الطريق ولا في الذي قبله، لأنها من أصول المسلمين، بخلاف اليوم الذي ظهر فيه من يستنكر هذه الأصول، ويطعن في الثوابت، أسأل الله العافية.
стр. 275
وقد أشار شيخ الإسلام إلى بعض أسباب الرجوع إلى تفسير الصحابي بقوله: «وحينئذٍ إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة، فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوه من القرآن، والأحوال التي اختصوا بها؛ ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح، والعمل الصالح»، هي:
١ - مشاهدة النُّزول، وتلك خصِّيصة لا يمكن أن تكون لغيرهم، والذي يحضر هذه التنزلات يدرك ما لا يدركه من لم يكن شاهدًا.
يقول الشاطبي ـ في حجية بيان الصحابة للقرآن ـ: «وأما الثاني: مباشرتهم للوقائع والنوازل، وتنْزيل الوحي بالكتاب والسنة، فهم أقعد في فهم القرائن الحالية، وأعرف بأسباب النُّزول، ويدركون ما لا يدركه غيرهم بسبب ذلك، والشاهد يرى ما لا يراه الغائب. فمتى جاء عنهم تقييد بعض المُطلَقات، أو تخصيص بعض العمومات، فالعمل عليه على الصواب، وهذا إن لم يُنقل عن أحدهم خلاف في المسألة، فإن خالف بعضهم فالمسألة اجتهادية» (١).
وهذه مسألة عقلية لا يدخلها إلا الجدل السفسطي، فلو افترضت ملكًا له مستشارون هم من خاصته، ألا يكونون أعلم بأحواله وبإشارته وبأوامره من غيرهم، فإذا كان الأمر كذلك، كان الرجوع إليهم لمعرفة أمور الملك مما يتحتَّم.
وكذا لو تُصُوِّر عالمٌ له طلابٌ اختصوا به، وتلقوا على يده العلم، ولازموه ملازمة طويلة، فكتب لهم في العلم كتابًا، فإنهم أدرى بأسرار هذا الكتاب من غيرهم، لما لهم من المشاهدة لحال شيخهم، ومعرفتهم بطريقته.
فإذا كان ذلك أمرًا عقليًّا بدهيًّا، فكيف يعترض معترض على صحة
стр. 276
الرجوع إلى تفسير الصحابة، أو يطعن طاعن في فهمهم لكتاب الله، ومعرفتهم به، مع ما عُرف عن بعضهم من الخلوص لهذا الكتاب والاعتناء به.
٢ - الأحوال التي اختصوا بها، وهذه الأحوال ـ كما ترى ـ مجملة، وهي تشتمل على حالين:
الأولى: الأحوال التي لا يشاركهم فيها غيرهم بسبب رؤيتهم للنبي ﷺ ، وهذه ترجع إلى موضع مشاهدة التَّنْزيل، ومعرفة أحوال النبي ﷺ ، فتشكَّل لهم بذلك أحوالٌ خاصَّةٌ لا يشاركهم فيها غيرهم، والشاهد يدرك من الأحوال ما لا يدركه الغائب، فإنَّ للمشاهدةِ أثرًا لا يدركه غير المشاهد، ويظهر هذا في طلاب العلم الذين يتلقون العلم في حِلَقِ العلم، فيأخذون عن الشيخ مباشرة، حيث يتأثرون به حتى قد يبلغ التأثر بطريقة كلامه وعرضه للدرس.
أما من يأخذه من طريق الكتب أو الأشرطة فإنه لا يدرك هذه المشاهدة التي اختص بها المشاهد.
الثانية: الأحوال المشتركة التي شاركهم فيها غيرهم ممن جاء بعدهم، لكن من بعدهم أقل شأنًا منهم.
ومعرفة هذه الأحوال يُرجع فيها إلى سيرة الصحابة الكرام، لمعرفة علومهم وآثارهم في العلم، فمن قرأ في علومهم ظهر له من هذه الأحوال الشيء الكثير.
٣ - الفهم التام والعلم الصحيح، وهذا ظاهر باستقراءِ علمِهم، وتتبعِ دقيقِ فهمِهم، وتلك أيضًا من آثار مشاهدة التنْزيل، ومعرفة أحوال النبي ﷺ ، ومعاشرته، والأخذ عنه مباشرة، مع ما لهم من العلم بلغتهم، والاستعداد الفطري للعلم والتعلم.
وموضوع تفسير الصحابة موضوع طويل، وهو يحتاج إلى عمل رسالة فيه، والمكتوب فيه لا يكفي، والله الموفق.
стр. 277
تفسير القرآن بأقوال التابعين (١):
طَرَقَ شيخ الإسلام في هذا الموضوع سبب الرجوع إلى تفسير التابعين، وهو رجوع كثيرٍ من الأئمة إلى تفسيرهم، وهذا ـ بلا شك ـ سبب أكيد، ويضاف إليه ثلاثة أمور:
١ - تلقيهم العلم على يد الصحابة الذين شاهدوا التنْزيل، وعرفوا أحوال من نزل فيه الخطاب، وتلقوا علمهم عن النبي ﷺ .
٢ - خلوهم من البدع والأهواء، فلم يكونوا شيعًا وأحزابًا، بل كانوا متفقين على أصول أهل السنة والجماعة التي أرساها الصحابة.
وقد نشأ عن ذلك سبب ثالث، وهو:
٣ - ائتلاف أقوالهم، وقلة الاختلاف في التفسير بالنسبة لمن جاء بعدهم، وهذا يرجع إلى ما سبق أن ذكره شيخ الإسلام بقوله: «ولهذا كان النِّزاع بين الصحابة في تفسير القرآن قليلٌ جدًا، وهو وإن كان في التابعين أكثر منه في الصحابة، فهو قليل بالنسبة لمن جاء بعدهم، وكلما كان العصر أشرف كان الاجتماع والائتلاف والعلم والبيان فيه أكثر».
٤ - عدم فساد ألسنتهم بالعجمة، فكانوا في وقت الاحتجاج اللغوي،
стр. 278
بل بعضهم كان من الحُجَجِ اللغوية التي يُرجع إلى قولهم في بيان كلام العرب.
طبقات مفسري السلف بعد الصحابة:
ذكر شيخ الإسلام عددًا من علماء التابعين من المفسرين، وهم ـ حسب ورودهم عنده ـ مجاهد بن جبر (ت:١٠٤)، وسعيد بن جبير (ت:٩٥)، وعكرمة (ت:١٠٥)، ومسروق بن الأجدع (ت:٦٣)، وسعيد بن المسيب (ت: بعد ٩٠)، وأبو العالية (ت:٩٣)، والربيع بن أنس (ت:١٣٩)، وقتادة (ت:١١٧)، والضحاك بن مزاحم (ت:١٠٥).
وبعد ذكره لهم ألحق بهم غيرهم من التابعين ممن لم يذكرهم، وأتباع التابعين، ومن بعد أتباع التابعين. والذي يرجع في التفسير المدوَّن عن السلف يجد أنَّ المنقول يقف عند طبقة أتباع التابعين على رأس المائتين تقريبًا، وأما من جاء بعدهم من أتباع أتباع التابعين، فإنه قد كان ناقلاً للتفسير، ولم يكن في عهدهم إلا أقوال مفردة لبعض العلماء، وهي معتمدة على أقوال هذه الطبقات الثلاث.
عبارات السلف في التفسير:
ذكر أن السلف قد يقع في عباراتهم في تفسير الآية تباين في الألفاظ يحسبها من لا علم عنده اختلافًا فيحكيها أقوالاً وليس كذلك، وذكر أنَّ تعبيراتهم قد تكون:
بالتعبير عن الشيء بلازمه، أو التعبير عنه بنظيره، ومنهم من ينص على الشيء بعينه.
واللازم نوعان:
الأول: أن يكون لازمًا للفظ من جهة المدلول اللغوي، ويدخل في ذلك التنبيه على جزء المعنى عندما يكون اللفظ مشتملاً على أجزاء من المعاني لا
стр. 279
يطلق عليه لأجل أحدها بل لوجودها كلها؛ كالإذن يستلزم العلم، إذ كيف يأذن بما لا يعلم، وليس الإذن مجرد العلم فقط، بل هو علمٌ مع إباحةٍ.
الثاني: لازم للمعنى المراد، وفي هذا يشترك مدلول اللفظ مع المعنى السياقي المراد فيتكون منها المعنى الجملي، ومن ذلك تفسير ابن جريج (ت:١٥٠) لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيْسَتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاَءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٤٩]، قال: «يسترقون نساءكم» (١). فتعبيره هذا تفسير بلازم المعنى السياقي، إذ هم يستبقونهنَّ أحياء ليكنَّ رقيقات حال كونهنَّ نساءً.
وهذا الاختلاف لا يكون اختلافًا محققًا، بل هو يرجع إلى معنى واحد في النهاية.
ويمكن أن يضاف إلى تعبيرات السلف ما سبق أن ذكره في اختلاف التنوع، فالتفسير بالمثال، وتفسير اللفظ بما يقارب معناه نوعان داخلان في طرق السلف في التعبير عن التفسير.
كما يضاف إليها ما ذكره في موطن آخر حيث ذكر طريقتين في تعبيرهم، وهي: أن يذكروا بعض صفات المفسَّر أو أن يذكروا بعض أنواعه، قال: «... ثم قول من قال من السلف: هادي السموات والأرض، لا يمنع أن يكون في نفسه نورًا، فإن عادة السلف في تفسيرهم أن يذكروا بعض صفات المفسَّر من الأسماء أو بعض أنواعه، ولا ينافي ذلك ثبوت بقية الصفات المسمى، بل قد يكونان متلازمين، ولا دخول لبقية الأنواع فيه، وهذا قررناه غير مرة في القواعد المتقدمة، ومن تدبره عَلم أن أكثر أقوال السلف في التفسير متفقة غير مختلفة» (٢).
стр. 280
وشيخ الإسلام لم يوضح مراده بهذه المصطلحات، ولا ذكر لها أمثلة توضِّحها، ويمكن إجمال هذه التعبيرات فيما يأتي:
١ - بالتعبير عن الشيء بلازمه.
٢ - أو التعبير عنه بنظيره.
يحتمل قوله بنظيره بما يشبهه من بعض الوجوه دون بعض، وإذا كان كذلك، فهو يدخل في رقم (٦) الآتي ذكره.
٣ - ومنهم من ينص على الشيء بعينه.
٤ - أن يذكروا بعض صفات المفسَّر من الأسماء.
٥ - أو بعض أنواعه.
وهذا وسابقه قد مرَّ في مثال تفسير اسم الله (النور).
٦ - تفسير اللفظ بما يقارب معناه.
٧ - التفسير بالمثال.
وهذان الأخيران قد سبقت أمثلتهما في اختلاف التنوع.
حجية قول التابعين في التفسير:
ذكر شيخ الإسلام قول شعبة بن الحجاج (ت:١٦٠) في قبول قول التابعين في التفسير، وشرحه بأنها لا تكون حجة حال الاختلاف، فإذا وقع خلاف بين مجاهد (ت:١٠٤)، وعكرمة (ت:١٠٥)، فلا يكون قول مجاهد حجة على قول عكرمة، لأنه مجاهد (ت:١٠٤)، ولا العكس.
وهذا التنظير ينطبق على تفسير الصحابة أيضًا، فليس اختيار القول لأنه قول ابن عباس (ت:٦٨) مع وجود المخالف له من الصحابة، وهكذا غيره من الصحابة.
لكن إذا اتفقوا على قول كان حجَّةً لأجل منْزلة الإجماع وحُجِّيته، كما لو أجمع الصحابة على قول.
стр. 281
ومن جاء بعدهم فله أن يقول بقول الواحد منهم، لكن اختياره لأحد أقوالهم ليس حجة على القول الثاني، فيسقطه بسبب أنه اختار قول فلان منهم.
وإذا لم يرد التفسير إلا عن الواحد منهم، فالأصل قبوله، ما لم يظهر عليه ما يوجب عدم ذلك، وقوله ـ في مثل هذا الحال ـ مقدَّمٌ على قول من بعده، وعلى هذا المنهج سار إمام المفسرين ابن جرير الطبري (ت:٣١٠) حيث يعتمد ـ في بعض الأحيان ـ على قول الواحد من التابعين، بل على قول الواحد من أتباع التابعين، إذا لم يكن في الآية إلا قول الواحد منهم.
والاعتراض على رأيهم لا يخلو من حالين:
الأولى: أن يكون الاعتراض اعتراضًا علميًّا مقنعًا، بحيث يكون مبنيًّا على أصول علميَّةٍ معتبرة، وهذا يجوز الاعتداد به عند الاختلاف، مع ملاحظة أنَّ بعض الاعتراضات ـ مع ما فيها من أسلوب علميٍّ معتبر ـ قد تقصُر عن فهم تفسير السلف، ويقع الاعتراض في غير محلِّه.
الثانية: أن يكون الاعتراضُ مبنيًّا على مذهب غير معتبر، ورأي مخالفٍ لرأيهم، أو أن يكون عن عِلْمٍ ناقصٍ، وذلك ما يصدر من بعض المعاصرين الذين لم يدركوا مرامي كلام السلف، كما يقع لبعض من يتعاطون الإعجاز العلمي، فيقع منهم الاعتراض أو التثريب على السلف.
وإذا كان الاعتراض ممن هذه صفته، فإنه لا يُقبل؛ لأنه لم تكتمل فيه الشروط العلمية للردِّ على الأقوال.
مسألة في كيفية الترجيح بين أقوال التابعين:
الترجيح بين أقوال المفسرين (١) أوسع من الترجيح بين أقوال التابعين،
стр. 282
وما ذكره شيخ الإسلام هنا عريٌّ عن الأمثلة، ويظهر أنَّ كون هذه الرسالة صدرت عن إملاء خلت في كثيرٍ من المواضع المهمة من الأمثلة، وقد ذكر في المرجع عند اختلاف التابعين، وأرجع الترجيح بين أقوالهم إلى أمور ثلاثة:
الأمر الأول: لغة القرآن والسنة (٢)، ويدخل في هذا نوعان:
الأول: الاستعمال القرآني؛ سواءً أكان أغلبيًّا، أم كان مطَّردًا، والمطَّردُ يكون مصطلحًا قرآنيًّا.
стр. 283
الثاني: المصطلح الشرعي، وهو الاستعمال الوارد للفظ في لغة الشارع، فيكون مبيِّنًا ومرجِّحًا، إذا وقع الاختلاف.
الأمر الثاني: عموم لغة العرب:
وفي هذا لا يعني أنَّ التابعين وأتباعهم قد يفسرون بغير ما يُعرف من لغة العرب، لكنَّ الأمر يمكن أن يُحمل على موضوعين في لغة العرب:
الأول: أن يكون القول المذكور هو الاستعمال المشهور للفظة، فيقدَّم على غيره مما لا يتَّصِف بهذا مما يكون هو الأغرب أو الأقل في الاستعمال.
الثاني: أن يكون الاشتقاق أليق بأحد الأقوال من غيره، فيقدَّم هذا القول على غيره مما يبعد عن اشتقاق اللفظ.
الأمر الثالث: أقوال الصحابة:
وهذا المرجِّح يفيد فيما يقع فيه الاختلاف من جهة مشاهدة النُّزول على وجه الخصوص (١)، فقول الصحابي في النزول مقدَّمٌ على قول غيره مطلقًا، إذ الشاهد الذي يرى ويروي أعلم بالحال من الغائب الذي يروي ولم يَرَ.
أما إذا كان الأمر يرجع إلى الاجتهاد المعتمد على اللغة أو غيرها، فإنَّ عمل المفسرين على تقديم القول الصحيح، ولو كان في القول غير المختار صحابيٌّ، وهذا يظهر باستقراء منهج المفسرين المعتبرين أمثال ابن جرير الطبري (ت:٣١٠)، والنحاس (ت:٣٣٨)، وأبي المظفر السمعاني (ت:٤٨٩)، والبغوي (ت:٥١٦)، وابن عطية (ت:٥٤٢)، والقرطبي (ت:٦٦١)، وابن كثير (ت:٧٧١)، وغيرهم من المحققين (٢).
стр. 284
الرأي في التفسير:
بعد أن أنهى شيخ الإسلام الحديث عن أحسن طرق التفسير ذكر عددًا من القضايا المتعلقة بالتفسير بالرأي (١)، وهي:
١ - حكم التفسير بالرأي المجرد.
٢ - الأحاديث الناهية عن ذلك.
٣ - تحرج جماعة من السلف عن تفسير ما لا علم لهم به، والمقصود بتحرج هؤلاء.
ثمَّ ختم الرسالة بحديث ابن عباس في تقسيم التفسير.
مسألة التفسير بمجرد الرأي، وموقف السلف من تفسير القرآن بالرأي:
إنَّ التفسير بمجرد الرأي، دون أن يكون مستندًا على دليل علميٍّ صحيح، وأسلوبٍ علمي معتبر يُعتبرُ تفسيرًا بالرأي المذموم، وهو حرام، والأحاديث التي أوردها شيخ الإسلام من رواية الترمذي ـ مع أنها لا تصح؛ لضعفها ـ إلا أنَّ فيها من المعنى ما هو حقٌّ تشهد له نصوص أخرى، ومن
стр. 285
ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]، فجعل القول عليه بغير علم من المحرمات، والتفسير قول على الله، فإن كان بغير علم كان من المحرمات كما ورد في الآية.
وهذا النوع من الرأي هو الذي نهى عنه السلف، وعليه تُحمل نصوصهم الواردة في النهي عن الرأي في التفسير، والله أعلم.
أما ما ورد من تحرُّجهم من التفسير، فهم على قسمين:
القسم الأول: من لم يقل في التفسير تحرُّجًا، وندرت عنه الرواية في ذلك؛ كعروة بن الزبير (ت:٩٣)، الذي قال عنه ابنه هشام (ت:١٤٦): «ما سمعت أبي يتأوَّل آية من كتاب الله قط».
ويلاحظ أنَّ هذا المذهب لم يرد عن أحد الصحابة، ولم يُنقل أنَّ أحد أعلام الصحابة الكرام توقَّف عن عموم التفسير تحرُّجًا سوى الرواية التي أوردها الطبري عن جندب بن عبد الله البجلي (ت: بعد ٦٠)، فقد جاء في الرواية أن طلق بن حبيب سأله عن آية من القرآن، فقال له: «أُحرِّج عليك إن كنت مسلمًا لما قمتَ عني، أو قال: أن تجالسني» (١).
وهذه الرواية قد تكون من أجل مسألة مشكلة، ولا يلزم منها أنه كان يمتنع عن عموم التفسير، وإن كان الأمران محتملين.
القسم الثاني: من وردت عنه أقوال في التفسير، وورد عنه التوقف في بعض التفسيرات من باب التحرُّج؛ كسعيد بن المسيِّب.
ويمكن ملاحظة أنَّ هؤلاء لم يكونوا يحرصون على الاجتهاد في التفسير، مع أنهم يملكون أدواته، وإنما كانوا يتكلمون في المعلوم من التفسير، وهو المنقول لهم عمَّن قبلهم من الصحابة أو بعض أقرانهم، لذا قد