كالاختلاف الواقع بين الصحابة في قول الرسول ﷺ : «لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة»، ففهم بعضهم أن المراد الاستعجال، فصلوا العصر في وقتها، وفهم آخرون الأمر على ظاهره، فأخّروا الصلاة حتى وصلوا بني قريظة، ومثله ما حدث من اختلافهم في تقطيع نخل بني النضير، وغيرها من الوقائع التي هي من هذا الجنس.
وكلُّ هذا قد ذكره في كتابه «اقتضاء الصراط المستقيم»، وذكر أمثلةً للاختلاف الذي يكون من التنوع والذي يكون من التضاد. لكن ليست هذه الأنواع العامة هي المرادة هنا، وإنما المراد الاختلاف الذي وقع من السلفِ في التفسير.
أما ما يتعلق بتعريف اختلاف التنوع والتضاد، فقد ذكر ﵀ جملة مما يدخل في اختلاف التنوع يمكن أن يُعرَّف بها، وهو كما يأتي:
أولاً: اختلاف التنوع:
اختلاف التنوع في التفسير نوعان:
الأول: ما يكون أحد القولين في معنى القول الآخر لكنِ العبارتان مختلفتان.
الثاني: ما يكون المعنيان غيرين (١)، لكن لا يتنافيان، فهذا قول صحيح، وذلك قول صحيح، وإن لم يكن معنى أحدهما هو معنى الآخر.
ثانيًا: اختلاف التضاد:
ذكر في ضابط اختلاف التضاد قوله: «فهو القولان المتنافيان»، وهذا يعني أنه الذي لا يمكن حمل الآيةِ عليهما معًا، فإذا قيل بأحد القولين انتفى القول الآخر (٢).
стр. 72
المسألة الثانية: في نوعي الاختلاف اللذَين يكثران في تفسير سلف الأمة:
قد ذكر شيخ الإسلام أن اختلاف التنوع صنفان:
الصنف الأول:
أن يعبر كل واحد منهم عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه، تدل على معنى في المسمَّى غير المعنى الآخر، مع اتِّحاد المسمَّى.
وقد ضرب أمثلة لتقريب هذا النوع، فذكر من ذلك جملة من أسماء السيف، فهو يسمى بالصارم والمهنَّد.
فإذا قيل: ما المهنَّد؟.
فالجواب: السيف.
وإذا قيل: ما الصارم؟.
فالجواب: السيف.
لكن في المهند معنى غير المعنى الذي في الصارم، فهما دلاَّ على ذاتٍ واحدةٍ وهي السيف، وانفرد كلٌّ منهما بمعنى (وصف) مستقلٍّ عن صاحبه.
فالسيف سُمِّي صارمًا نظرًا لقطعه للشيءِ، فهو يصرمه؛ أي: يقطعه.
وسُمِّي مهنَّدًا بالنَّظرِ إلى محلِّ صناعته، وهو بلاد الهند، أو إلى أنَّ حَدِيدَهُ من بلاد الهند.
ولا شكَّ أنَّ هذا المعنى الذي في الصارم غير المعنى الذي في المهنَّد، لكنهما لا يختلفان في دلالتهما على ذات واحدة، وهي السيف.
وهذا القدر كافٍ في شرح ما يتعلَّقُ بموضوع هذا الصِّنف من الاختلاف، وما بعد ذلك ففيه استطرادٌ ليس من هذا الباب، لذا قال في نهايته: «وليس هذا موضع بسط ذلك».
стр. 73
ثم ذكر ﵀ أنَّ التفسير يختلف باختلاف مقصود السائلِ ، ومقصوده لا يخرج عن احتمالين:
الأول: أن يريد تعيين المسمى دون النظرِ إلى الصِّفةِ التي يحتملها اللفظُ المفسَّرُ.
الثاني: أن يكون مقصودُ السائلِ معرفةَ الصفةِ المختصَّةِ بذلك الاسمِ، فيفسَّر له هذا المعنى بذاته؛ لأنه قد عَلِمَ المسمى بهذه الصفة فاحتاج إلى معرفة القدر الزائد في هذه الصفة.
ومن الأمثلة التي ضربها: أن يقع سؤال السائل عن قوله تعالى: ﴿الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٣]، فإن قلتَ: هو الله فهذا تعيين للمسمى بهذه الأوصاف.
وإن قُلتَ: القدُّوس: الطاهر من كل عيبٍ ونقصٍ، والسلام: السالم من الآفات التي تلحق البشر من نوم وموت وعجز وغيرها، فهذا تفسير للقدر الزائد على دلالتها على الذات في هذه الصفة.
فالله هو القدوس وهو السلام، لكن معنى القدوس غير معنى السلام.
ثم قال: «إذا عرف هذا فالسلف كثيرًا ما يعبرون عن المسمى بعبارة تدل على عينه وإن كان فيها من الصفة ما ليس في الاسم الآخر، كمن يقول:
أحمد: هو الحاشر والماحي والعاقب.
والقدوس: هو الغفور والرحيم؛ أي أن المسمَّى واحد لا أن هذه الصفة هي هذه الصفة، ومعلوم أن هذا ليس اختلاف تضاد كما يظنه بعض الناس».
فقولك: أحمد والماحي والحاشر والعاقب هو واحد من جهة تسمية النبي ﷺ بهذه الأسماء، لكن لكل واحدٍ منها معنى مستقل عن الآخر، فليس معنى أحمد (الموصوف بالحمد) كمعنى الحاشر (الذي يحشر الناس)
стр. 74
ولا كمعنى العاقب (الذي عقب الأنبياء)، ولا كمعنى الماحي (الذي محا ما قبله من الأديان).
أمثلة الصنف الأول:
المثال الأول:
مثال ذلك: تفسيرهم للصراط المستقيم، فقال بعضهم: هو القرآن؛ أي: اتِّباعَه ... وقال بعضهم: هو الإسلام ... فهذان القولان متفقان؛ لأنَّ دين الإسلام هو اتباع القرآن، ولكن كل منهما نبه على وصف غير الوصف الآخر كما أن لفظ صراط يشعر بوصف ثالث، وكذلك قول من قال: هو السنة والجماعة، وقول من قال: هو طريق العبودية، وقول من قال: هو طاعة الله ورسوله ﷺ ، وأمثال ذلك فهؤلاء كلهم أشاروا إلى ذات واحدة، لكن وصفها كل منهم بصفة من صفاتها.
فالذات الواحدةُ الصراط المستقيم، والأوصاف: اتباع القرآن، والإسلام، وطريق العبودية، والسنة والجماعة، وطاعة الله ورسوله، فكل وصف من هذه الأوصاف مغايرٌ للآخر من جهة ما يحمله من المعنى، لكنها كلَّها تدلُّ على ذات واحدةٍ، وهي الصراط المستقيم، فالصراط المستقيم هو الإسلام، والصراط المستقيم هو اتباع القرآن، وهكذا.
وهذا الاختلاف الذي نظَّر له شيخ الإسلام هنا يرجع إلى أكثر من قولٍ، وإن عاد إلى ذات واحدةٍ، وقد أشار إلى نوع آخر يرجع إلى أكثر من قولٍ، وهو ـ عند التحقيق ـ يرجع إلى أكثر من ذات، وذلك عند قوله: «ومن الاختلاف ما يكون محتملاً للأمرين ...»، وسيأتي شرحه.
المثال الثاني:
في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ
стр. 75
يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤]، ذكر ثلاثة معانٍ لتفسير لفظ «ذكري»، فقال: «... فسواءٌ قال: ذكري: كتابي، أو كلامي، أو هداي، أو نحو ذلك = كان المسمى واحدًا».
الصنف الثاني:
قال ﵀: «الصنف الثاني: أن يذكر كل منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل، وتنبيه المستمع على النوع، لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه، مثل سائل أعجمي سأل عن مسمى لفظ الخبز، فأُرِيَ رغيفًا، وقيل له: هذا، فالإشارة إلى نوع هذا لا إلى هذا الرغيف وحده».
وقد ضرب مثالاً لهذا الصنف بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر: ٣٢]. فالآية جاءت بأوصاف عامة تشمل المؤمنين، وهم على ثلاث مراتب:
الظالم لنفسه، وهو المضيع للواجبات والمنتهك للحرمات.
والمقتصد، وهو الفاعل للواجبات والتارك للمحرمات، دون أن يتقرب بالمندوبات بعد الواجبات.
والسابق، وهو الذي يتقرب بالحسنات المندوبات مع الواجبات.
وهذا عامٌّ يشمل جميع أنواع الطاعات وأنواع المنهيات، فمنهم من جعله في باب من أبواب الطاعات؛ كالصلاة والزكاة، وذكر وصفًا لما يقع من هذه الأصناف فيها.
ففي الصلاة مثلاً:
الظالم لنفسه: الذي يؤخر الصلاة إلى آخر وقتها.
والمقتصد: الذي يصليها أثناء وقتها.
стр. 76
والسابق: الذي يصليها أوَّل وقتها.
وإذا تأمَّلت هذا التفسير، وجدته مثالاً لما يشمله لفظ الظالم لنفسه والمقتصد والسابق بالخيرات.
ومن الأمثلة التي توضِّح هذا الصنف ـ أيضًا ـ ما وقع من الخلاف في تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨]، فقد ورد عن ابن مسعود ومجاهد والشعبي أنَّ النعيم الأمنُ والصِّحَّةُ.
وورد عن ابن عباس والحسن أنه السمع والبصر وصحة البدن.
وهذا الذي ذكروه مثالٌ للنعيمِ، وليس هو كلَّ النعيم، لذا ورد عنهم غير هذه الأقوال؛ كالمروي عن ابن عباس أنه الماء البارد في الليلة الصائفة، والماء الدافئ في الليلة الباردة.
ومنها ما ورد في قوله تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الحديد: ٢١]، قال ابن عطية (ت:٥٤٢): «وذكر بعضهم في تفسير هذه الآية أشياء هي على جهة المثال، فقال قوم من العلماء؛ منهم ابن مسعود ﵁: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾؛ معناها: كونوا في أول صف في القتال.
وقال آخرون؛ منهم أنس بن مالك ﵁: اشهدوا تكبيرة الإحرام مع الإمام.
وقال آخرون؛ منهم علي بن أبي طالب ﵁: معناه: كن أول داخل في المسجد، وآخر خارج منه، وهذا كله على جهة المثال» (١).
فائدةُ التفسير بالمثال:
نبَّه شيخ الإسلام هنا عن فائدة التفسير بالمثال فقال: «فكل قول فيه
стр. 77
ذكر نوع داخل في الآية ذكر لتعريف المستمع بتناول الآية له، وتنبيهه به على نظيره، فإن التعريف بالمثال قد يسهل أكثر من التعريف بالحد المطابق، والعقل السليم يتفطن للنوع، كما يتفطن إذا أشير له إلى رغيف فقيل له: هذا هو الخبز».
ومن هذا يمكن القول: إن التفسير بالمثال لا يفيد الحصرَ ، فلو عمد مفسِّرٌ متأخرٌ إلى بيان العموم في آية ذكر السلف فيها مثالات، أو أضاف مثالاً لم يقل به السلف والعموم يحتمله، فإنه يقبل.
ومن الأمثلة في ذلك ما ورد في تفسير ﴿ثُمَّ لآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٧]، قال ابن القيم (ت:٧٥٤): «وقوله: ﴿ثُمَّ لآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾، قال ابن عباس في رواية عطية عنه: من قِبَلِ الدنيا، وفي رواية علي عنه: أشككهم في آخرتهم.
وكذلك قال الحسن: من قبل الآخرة تكذيبًا بالبعث والجنة والنار.
وقال مجاهد: من بين أيديهم من حيث يبصرون.
﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾، قال ابن عباس: أرغبهم في دنياهم.
وقال الحسن: من قِبَلِ دنياهم؛ أزينها لهم وأشهيها لهم.
وعن ابن عباس رواية أخرى: من قِبَل الآخرة.
وقال أبو صالح: أُشكِّكهم في الآخرة، وأباعدها عليهم.
وقال مجاهد أيضًا: من حيث لا يبصرون.
﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾، قال ابن عباس: أشبّه عليهم أمر دينهم.
وقال أبو صالح: الحق أشككهم فيه.
стр. 78
وعن ابن عباس أيضًا: من قِبَلِ حسناتهم.
قال الحسن: من قبل الحسنات؛ أثبطهم عنها.
وقال أبو صالح أيضًا: من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم: أنفقه عليهم وأرغبهم فيه.
وقال الحسن: وعن شمائلهم: السيئات؛ يأمرهم بها، ويحثهم عليها، ويزينها في أعينهم.
وصح عن ابن عباس ﵁ أنه قال: ولم يقل: من فوقهم؛ لأنه علم أن الله من فوقهم.
قال الشعبي: فالله أنزل الرحمة عليهم من فوقهم.
وقال قتادة: أتاك الشيطان يا ابن آدم من كل وجه غير أنه لم يأتك من فوقك لم يستطع أن يحول بينك وبين رحمة الله ... وقال آخرون ـ منهم أبو إسحاق والزمخشري، واللفظ لأبي إسحاق ـ: ذكر هذه الوجوه للمبالغة في التوكيد؛ أي: لآتينهم من جميع الجهات، والحقيقة ـ والله أعلم ـ: أتصرف لهم في الإضلال من جميع جهاتهم.
وقال الزمخشري: ثم لآتينهم من الجهات الأربع التي يأتي منها العدو في الغالب، وهذا مَثَلٌ لوسوسته إليهم وتسويله ما أمكنه وقدر عليه؛ كقوله: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤]، وهذا يوافق ما حكيناه عن قتادة: أتاك من كل وجه غير أنه لم يأتك من فوقك.
وهذا القول أعم فائدة، ولا يناقض ما قال السلف، فإن ذلك على جهة التمثيل لا التعيين» (١).
стр. 79
المسألة الثالثة: تنبيهات تتعلق بأسباب النُّزول (١):
التنبيه الأول:
ذكر شيخ الإسلام تنبيهًا مهمًّا فيما يتعلَّق بأسباب النُّزول الصريحة وغير الصريحة، وأنها من باب المثال في التفسير، فقال: «وقد يجيء كثيرًا من هذا الباب قولهم: هذه الآية نزلت في كذا، لا سيما إن كان المذكور شخصًا؛ كأسباب النُّزول المذكورة في التفسير؛ كقولهم:
إن آية الظهار نزلت في امرأة أوس بن الصامت، وإن آية اللعان نزلت في عويمر العجلاني أو هلال بن أمية، وإن آية الكلالة نزلت في جابر بن عبد الله.
وإن قوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ نزلت في بني قريظة والنضير.
وإن قوله: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يُوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ نزلت في بدر.
وإن قوله: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ نزلت في قضية تميم الداري وعدي بن بدَّاء.
وقول أبي أيوب: إن قوله: ﴿وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ نزلت فينا معشر الأنصار ... الحديث.
ونظائر هذا كثير، مما يذكرون أنه نزل في قوم من المشركين بمكة، أو في قوم من أهل الكتاب: اليهود والنصارى، أو في قوم من المؤمنين فالذين
стр. 80
قالوا ذلك، لم يقصدوا أن حكم الآية مختص بأولئك الأعيان دون غيرهم، فإن هذا لا يقوله مسلم، ولا عاقل على الإطلاق».
وهذا التنبيه مهمٌّ جدًّا؛ لأنك تعتبر أسباب النُّزول ـ سواء أكانت صريحة أم غير صريحة ـ التي تفسَّر بها الآية من باب المثال، ثمَّ تنظر في أسباب النُّزول غير الصريحة صحة دخول ما ذكروه في معنى الآية؛ لأنَّ الأمر ـ في غير الصريحة ـ صار من باب التفسير بالرأي.
وإذا اعتبرت هذه الأسباب من باب المثال في التفسير فإنه لن يُشكلَ عليك تعدُّدُها؛ كالأسباب المذكورة في سبب نزول أول سورة الأنفال، ولا تعدد من نزلت فيه الآية؛ كالأسباب المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣].
وهذا يعني أنَّ ما يرد عن السلف في هذا الباب إذا اعتبرته من هذه الجهة فإنه يصح عندك بلا إشكال، وإن رُحْتَ تحقِّق على غير هذا السبيل فإنك ستردُّ بعض تفسيراتهم المرتبطة بالنُّزول بسبب عدم وضوح هذا السبيل من التفسير عندك، وحرصك على تعيين سبب واحدٍ من هذه الأسباب المذكورة.
وكذا قد يقع من بعض من يتعرض للتفسير؛ ردُّ بعض الأقوال التي تحتملها الآية بسبب عدم موافقتها لسبب النُّزول، مع أن الآية تحتملها إذا فسَّرتها على سبيل العموم، ومن ذلك ما ذكره ابن حجر العسقلاني (ت:٨٥٢) في شرحه لصحيح البخاري عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]. فقد أورد عن أسلم بن عمران قال: كنا بالقسطنطينية، فخرج صف عظيم من الروم، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم ثم رجع مقبلاً، فصاح الناس: سبحان الله، ألقى بيده إلى التهلكة. فقال أبو أيوب: أيها الناس، إنكم تؤولون هذه الآية على هذا التأويل، وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، إنا لما أعزَّ الله دينه، وكثر ناصروه، قلنا بيننا سِرًّا: إن
стр. 81
أموالنا قد ضاعت، فلو أنا أقمنا فيها، وأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله هذه الآية، فكانت التهلكة الإقامة التي أردناها ...
إلى أن قال ابن حجر: «وجاء عن البراء بن عازب في الآية تأويل آخر أخرجه ابن جرير وابن المنذر وغيرهما عنه بإسناد صحيح عن أبي إسحاق، قال: قلت للبراء: أرأيت قول الله : ﴿وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ هو الرجل يحمل على الكتيبة فيها ألف؟ قال: لا، ولكنه الرجل يذنب، فيُلْقِي بيده، فيقول: لا توبة لي».
ثمَّ قال ابن حجر (ت:٨٥٢): «والأول أظهر؛ لتصدير الآية بذكر النفقة، فهو المعتمد في نزولها، وأما قصرها عليه ففيه نظر؛ لأن العبرة بعموم اللفظ» (١).
التنبيه الثاني:
ذكر شيخ الإسلام بعد ذلك موضوعًا مهمًّا في التفسير بسبب النُّزول، وهو قوله: «والناس وإن تنازعوا في اللفظ العام الوارد على سبب هل يختص بسببه أم لا؟ فلم يقل أحد من علماء المسلمين: إن عمومات الكتاب والسنة تختص بالشخص المعين، وإنما غاية ما يقال: إنها تختص بنوع ذلك الشخص، فَيَعُم ما يشبهه، ولا يكون العموم فيها بحسب اللفظ.
والآية التي لها سبب معين إن كانت أمرًا ونهيًا فهي متناولة لذلك الشخص ولغيره ممن كان بمنزلته، وإذا كانت خبرًا بمدح أو ذم فهي متناولة لذلك الشخص وغيره ممن كان بمنْزلته أيضًا».
وقد ذكر هذا الموضوع في موطن آخر من كتبه، فقال: «والآيات التي أنزلها الله على محمد ﷺ فيها خطاب لجميع الخلق من الإنس والجن، إذ كانت رسالته عامة للثقلين، وإن كان من أسباب نزول الآيات ما كان موجودًا في العرب فليس شيء من الآيات مختصًا بالسبب المعين الذي نزل فيه باتفاق المسلمين، وإنما تنازعوا هل يختص بنوع السبب المسؤول عنه؟
стр. 82
وأما بعين السبب فلم يقل أحد من المسلمين أن آيات الطلاق أو الظهار أو اللعان أو حد السرقة والمحاربين وغير ذلك = يختص بالشخص المعين الذي كان سبب نزول الآية.
وهذا الذي يسميه بعض الناس تنقيح المناط، وهو أن يكون الرسول ﷺ حكم في معين وقد علم أن الحكم لا يختص به، فيريد أن ينقح مناط الحكم، ليعلم النوع الذي حكم فيه، كما أنه لما أمر الأعرابي الذي واقع امرأته في رمضان بالكفارة، وقد علم أن الحكم لا يختص به، وعلم أن كونه أعرابيًا أو عربيًا أو الموطوءة زوجته لا أثر له، فلو وطئ المسلم العجمي سريته كان الحكم كذلك» (١).
وهذا المقطع فيه مسائل:
المسألة الأولى:
أنَّ الآية لا تختصُّ بالشخصِ المعيَّنِ دون غيرِه ، ومما يدل على ذلك ما رواه البخاري في صحيحه عن ابن مسعود أن رجلاً أصاب من امرأة قبلة، فأتى النبي ﷺ فأخبره، فأنزل الله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]. فقال الرجل: يا رسول الله، ألي هذا؟ قال: «لجميع أمتي كلهم» (٢).
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَاسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦] روى البخاري عن عبد الله بن معقل قال: جلست إلى كعب بن عجرة ﵁، فسألته عن الفدية، فقال: نزلت فيَّ خاصة، وهي لكم عامة، حُملت إلى رسول الله ﷺ والقمل يتناثر على وجهي، فقال: «ما كنت أرى الوجع بلغ
стр. 83
بك ما أرى! ـ أو ما كنت أرى الجهد بلغ بك ما أرى! ـ تَجِدُ شاةً؟ فقلت: لا، فقال: فصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع» (١).
وروى البخاري أيضًا عن أنس ﵁ قال: «غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر، فقال: يا رسول الله، غبت عن أول قتال قاتلت المشركين، لئن الله أشهدني قتال المشركين ليرينَّ الله ما أصنع، فلما كان يوم أُحد وانكشف المسلمون، قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء ـ يعني أصحابه ـ، وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء ـ يعني المشركين ـ، ثم تقدّم فاستقبله سعد بن معاذ، فقال: يا سعد بن معاذ، الجنة ورب النضر، إني أجد ريحها من دون أُحد. قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع. قال أنس: فوجدنا به بضعًا وثمانين ضربة بالسيف، أو طعنه برمح، أو رمية بسهم، ووجدناه قد قتل وقد مثل به المشركون، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه. قال أنس: كنا نرى ـ أو نظن ـ أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] إلى آخر الآية» (٢).
المسألة الثانية:
دخول ما يشبه حال ذلك الشخص في معنى الآية الواردة على سبب من طريقين:
الأول: أن يكون من باب تعميم اللفظ، فيكون السبب المذكور مثالاً لهذا اللفظ العامِّ.
الثاني: أن يكون دخوله من باب القياس، وهو معنى قول شيخ الإسلام: «وإنما غاية ما يقال: إنها تختص بنوع ذلك الشخص، فتعم ما
стр. 84
يشبهه، ولا يكون العموم فيها بحسب اللفظ»، يعني أن يكون بحسب القياس.
ونتيجة الطريقين أنَّ الآية لا تختصُّ بشخص معيَّنٍ مطلقًا.
لكن يحسن ملاحظة أن دخول غير السبب من باب تعميم اللفظ أقوى من دخوله من باب القياس .
مثال ذلك:
قال تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى *الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى *وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ [الليل: ١٧ ـ ١٩].
قال ابن كثير (ت:٧٧٤): «وقد ذكر غير واحد من المفسرين أن هذه الآيات نزلت في أبي بكر الصديق ﵁، حتى أن بعضهم حكى الإجماع من المفسرين على ذلك».
فلو ذهبت إلى عموم اللفظ هنا، فإنك ستُدخل غير أبي بكر ﵁ في مسمى الأتقى، ولا تجعله في هذا المقام خاصًّا بأبي بكر ﵁.
ولو ذهبت إلى أنَّ لفظ الأتقى هنا خاصٌّ بأبي بكر ﵁، وأنت ترى غيره سيدخل معه لكن ليس من باب تعميم اللفظ، بل من باب القياس، أي أنك قايست عمله بعمل الأتقى أبي بكر، فدخل معه في هذا السياق.
والفرق بين المذهبين ما يأتي:
المذهب الأول: يذهب إلى أن عموم من اتصف بالتقوى فإنه يدخل في هذه الآية، ولو اتصف بمعانٍ أخرى من معاني التقوى؛ أي غير النفقة التي ذُكِرت في الآيات.
المذهب الثاني: يقيس من فَعَلَ مثل فِعْلِ أبي بكر الصديق ﵁ في الصدقة، ولا يُعدِّي الآية عن النفقة، فهي تعم ما يشبهه في هذا الفعل من جهة القياس فحسب.
стр. 85
ونتيجة هذين المذهبين الذهاب إلى التعميم، لكنه يختلف في إطلاق التعميم، فالقول بالعموم اللفظي أشمل من القول بالقياس؛ لأنه يُدخل جميع صور التقوى في معنى الآية، أما العموم من جهة القياس، فلا يدخل إلا الصورة التي نزلت لها الآية، وهي النفقة.
قال ابن كثير (ت:٧٧٤) ـ معلقًا على القول بنُزولها في أبي بكر ـ: «ولا شك أنه داخل فيها، وأنه أولى الأمة بعمومها، فإن لفظها لفظ العموم، وقوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى *الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى *وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ [الليل: ١٧ ـ ١٩]، ولكنه مقدم الأمة وسابق في جميع هذه الأوصاف وسائر الأوصاف الحميدة، فإنه كان صِدِّيقًا تقيًا كريمًا جوادًا بذَّالاً لأمواله في طاعة مولاه ونصرة رسوله ﷺ ، فكم من دراهم ودنانير بذلها ابتغاء وجه ربه الكريم، ولم يكن لأحد من الناس عنده مِنَّةٌ يحتاج إلى أن يكافئه بها، ولكن كان فضله وإحسانه على السادات والرؤساء من سائر القبائل، ولهذا قال له عروة بن مسعود ـ وهو سيد ثقيف ـ يوم صلح الحديبية: أما والله لولا يد لك عندي لم أجزك بها لأجبتك ـ وكان الصِّدِّيق قد أغلظ له في المقالة ـ، فإذا كان هذا حاله مع سادات العرب ورؤساء القبائل، فكيف بمن عداهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى *إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى *وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل: ١٩ ـ ٢١] ...» (١).
مسألة في أثر معرفة سبب النُّزول:
قال شيخ الإسلام: «ومعرفة سبب النُّزول يعين على فهم الآية فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب، ولهذا كان أصح قولي الفقهاء أنه إذا
стр. 86
لم يعرف ما نواه الحالف رجع إلى سبب يمينه وما هيّجها وأثارها».
وما ذكره شيخ الإسلام هنا ذكره الشاطبي (ت:٧٩٠) في الموافقات، وذكر له أمثلة، ومما قاله الشاطبي (ت:٧٩٠): «معرفة أسباب التنْزيل لازمة لمن أراد علم القرآن، والدليل على ذلك أمران:
أحدهما: أن علم المعاني والبيان الذي يعرف به إعجاز نظم القرآن، فضلاً عن معرفة مقاصد كلام العرب = إنما مداره على معرفة مقتضيات الأحوال: حال الخطاب من جهة نفس الخطاب، أو المخاطِب، أو المخاطَب، أو الجميع؛ إذ الكلام الواحد يختلف فهمه بحسب حالين، وبحسب مخاطبين، وبحسب غير ذلك؛ كالاستفهام، لفظه واحد، ويدخله معان أُخَرْ من تقرير وتوبيخ وغير ذلك، وكالأمر، يدخله معنى الإباحة والتهديد والتعجيز وأشباهها، ولا يدل على معناها المراد إلا الأمور الخارجة، وعمدتها مقتضيات الأحوال، وليس كل حال ينقل، ولا كل قرينة تقترن بنفس الكلام المنقول، وإذا فات نقل بعض القرائن الدالة = فات فَهْم الكلامِ جملةً، أو فَهْمُ شيءٍ منه، ومعرفة الأسباب رافعةٌ لكل مشكل في هذا النمط، فهي من المهمات في فهم الكتاب بلا بُدٍّ، ومعنى معرفة السبب هو معنى معرفة مقتضى الحال، وينشأ عن هذا الوجهِ:
الوجهُ الثاني: وهو أن الجهلَ بأسباب التنْزيل مُوقِعٌ في الشبه والإشكالات، ومُوردٌ للنصوص الظاهرة مورد الإجمال حتى يقع الاختلاف، وذلك مظنة وقوع النِّزاع» (١).
والمراد بسبب النُّزول هنا السببُ الصريح، ولا إشكال في أنَّ معرفته تُعِين على فهم الآية، هذا هو الأصلُ، لكن قد ترد بعض الآيات التي لها
стр. 87
سبب صريحٌ، ويكون معناها معروفًا بدونه، وهذه الآيات لا تكون حجة في عدم الحاجة إلى سبب النُّزول، ومن أمثلة تلك الأسباب التي تكون الآيات واضحة بدونها ما روي من سبب نزول أول سورة الممتحنة، وهو قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [الممتحنة: ١].
فقد ورد في سببها ما حصل من حاطب بن أبي بلتعة وإرساله الخطاب لقريش يعلمهم بغزو الرسول ﷺ لهم، والآية واضحة، ولو لم يُعلَم هذا السبب، لكن ليست كل آية لها سبب تكون بهذه المثابة، لذا قد يقع الغلط في تفسير الآية بسبب جهل سبب النُّزول، ومن أمثلة ذلك:
ما وقع لعروة بن الزبير (ت:٩٤) في فهمه لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ١٥٨]، قال هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: «قلت لعائشة زوج النبي وأنا يومئذٍ حديث السن: أرأيت قول الله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، فما أرى على أحد شيئًا أن لا يطوف بهما.
فقالت عائشة: كلا لو كانت كما تقول كانت (فلا جناح عليه ألا يطوَّف بهما) إنما أنزلت هذه الآية في الأنصار كانوا يهلّون لمناة وكانت مناة حذو قديد، وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله عن ذلك فأنزل الله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾» (١).
стр. 88
وهذا الأثر يدلُّ على أنَّه لما خفي على عروة بن الزبير (ت:٩٤) سبب نزول الآية وحملها على المتبادر له من ظاهرها، ظهر له أنَّ من لم يسع بين الصفا والمروة فلا إثم عليه ولا حرج، لكن لما بيَّنت له خالته الصِّدِّيقة عائشة ﵂ (ت:٥٨) سبب نزول الآية زال هذا الاحتمال المذكور.
فإذا كان خفاءُ بعض أسباب النُّزول على بعض أعلام هذا الجيل قد أورث الخطأ في فهم بعض الآيات الواردات على سبب، فما بالك بمن جاء بعدهم ممن يجهل آثارهم فيفسر القرآن بما يعرف من اللغة، أو برأي مجردٍ عن المصادر الموثوقة.
مسألة في قولهم: نزلت هذه الآية في كذا:
تحتمل هذه الصيغة من حكاية سبب النُّزول أحد أمرين:
الأول: أن تدلَّ على سبب النُّزول المباشر.
الثاني: أن يراد بها الاستدلال على الحكم بالآية، وأن هذا الحكم مما يدخل في معناها.
ولا يمكن أن يُعلم المراد بأحدهما إلا بالقرائن.
ومن أمثلة دلالة صيغة (نزلت في) على النُّزول المباشر:
١ - عن أبي ذر ﵁ (ت:٣٢) قال: «نزلت ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] في ستة من قريش: علي وحمزة وعبيدة بن الحارث وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة» (١).
وفي روايةٍ عن قيس بن عُباد (ت: بعد ٨٠)، قال: «سمعت أبا ذر يُقسم قَسَمًا إن هذه الآية: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] نزلت في
стр. 89
الذين برزوا يوم بدر حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث وعتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة» (١).
وقال علي ﵁ (ت:٤٠): «فينا نزلت هذه الآية: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾» (٢).
وهاتان الروايتان الصحيحتان عن هذين الصحابيين تدلاَّن على أن هذه الصيغة مستخدمة في سبب النُّزول الصريحة، فقَسَمُ الصحابي أبي ذرٍّ (ت:٣٢)، وحكاية عليِّ (ت:٤٠) صاحب الحَدَثِ: «فينا نزلت» قرينة قوية في أن هذه الصيغة في هذين الأثرين دالة على سبب النُّزول المباشر.
٢ - عن ابن عباس (ت:٦٨) أنه قال: «نزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي السهمي إذ بعثه رسول الله ﷺ في السرية» (٣).
وقد ورد تفصيل قصته عن علي بن أبي طالب ﵁ (ت:٤٠)، قال: «بعث رسول الله ﷺ سرية، واستعمل عليهم رجلاً من الأنصار، فلما خرجوا، وَجَدَ عليهم في شيء.
قال: فقال لهم: أليس قد أمركم رسول الله ﷺ أن تطيعوني؟
قالوا: بلى.
قال: فاجمعوا لي حطبًا، ثم دعا بنار فأضرمها فيه، ثم قال: عزمت عليكم لتدخُلنَّها.
قال: فقال لهم شاب منهم: إنما فررتم إلى رسول الله ﷺ من النار، فلا تعجلوا حتى تلقوا رسول الله ﷺ ، فإن أمركم أن تدخلوها، فادخلوها.
стр. 90
قال: فرجعوا إلى رسول الله ﷺ ، فأخبروه.
فقال لهم: لو دخلتموها ما خرجتم منها أبدًا، إنما الطاعة في المعروف» (١).
وهذا الأنصاري المبهم في هذه الرواية هو عبد الله بن حذافة السهمي (ت: في خلافة عثمان)، وكان رجلاً فيه دُعابة.
وفيه هو وأصحابه نزلت هذه الآيات، فكان من أمرهم أن رجعوا إلى رسول الله ﷺ ، فأخبرهم بقاعدة تنفيذ أوامر القادة وأمراء السرايا.
ومن أمثلة استخدام صيغة (نزلت في) في الاستدلال وإدخال ما فيها من الحكم في معنى الآية:
١ - عن عائشة ﵂ (ت:٥٨) قالت: «نزلت هذه الآية ﴿وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] في الدعاء» (٢).
وفي الآية قول آخر، وهو أن الأمر بالمخافتة في الصلاة لا الدعاء بدلالة قوله: ﴿بِصَلاَتِكَ﴾، وهي الصلاة المعروفة المشروعة، لكن لا يمتنع أن يدخل الدعاء في هذا الأمر، خصوصًا أن سياق الآيات في الدعاء، قال تعالى: ﴿قُلْ ادْعُوا اللَّهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَانَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء: ١١٠].
٢ - وعن عائشة (ت:٥٨) قالت: «ما أرى هذه الآية نزلت إلا في المؤذنين ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣]» (٣).
وهذا الذي قالته عائشة ﵂ (ت:٥٨) قول صحيح من جهة المعنى، لكن
стр. 91
لا يلزم أن يكون هو سبب النُّزول المباشر؛ لأنه ليس هناك حدث معين كي تنْزل الآية بسببه، والآية مكية، وفرض الأذان كان في المدينة مما يُبعِد أن تكون هذه الآية نزلت بسبب المؤذنين، وإن كانوا يدخلون في عمومها، والله أعلم.
وقد جعل بعض العلماء صيغة (نزلت في) من قبيل التفسير المسند؛ أي: المرفوع إلى النبي ﷺ ؛ كالإمام البخاري (ت:٢٥٦) الذي يروي مثل هذه الصيغة بالإسناد، ولو لم تكن مرفوعة لاكتفى بتعليقها كما يعلِّق جملةً من التفسير المروي عن الصحابة والتابعين وتابعيهم. وأما كتب المسانيد فكما قال شيخ الإسلام (ت:٧٢٨)، فهي لا تروي ما يأتي بهذه الصيغة إلا نادرًا.
أمثلة لصيغة (نزلت في) عند البخاري:
١ - قال البخاري: «باب قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١].
قال ابن عباس: الأنفال: المغانم.
قال قتادة: ريحكم: الحرب.
يقال: نافلة: عطية.
حدثني محمد بن عبد الرحيم، حدثنا سعيد بن سليمان أخبرنا هشيم، أخبرنا أبو بشر عن سعيد بن جبير، قال: قلت لابن عباس: سورة الأنفال؟ قال: نزلت في بدر» (١).
فإيراد هذه الرواية عن ابن عباس (ت:٦٨) بالسند دليل على دخول مثل هذه الرواية في شرطه، وهو من رواية المرفوعات، بخلاف تفسير ابن عباس للأنفال حيث علَّق الرواية ولم يُسندها.
стр. 92
٢ - قال: «حدثنا إسحاق أخبرنا النضر حدثنا شعبة عن سليمان قال: سمعت أبا وائل عن حذيفة: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، قال: نزلت في النَّفقة» (١).
٣ - «حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة عن علقمة بن مرثد عن سعد بن عبيدة عن البراء بن عازب ﵁ عن النبي ﷺ قال: إذا أُقعِد المؤمن في قبره أُتِيَ، ثم شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧].
حدثنا محمد بن بشار حدثنا غندر حدثنا شعبة بهذا وزاد: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [إبراهيم: ٢٧]: نزلت في عذاب القبر» (٢).
٤ - «حدثنا عبدان أخبرنا أبي عن شعبة عن منصور عن سعيد بن جبير قال: أمرني عبد الرحمن بن أبزى أن أسأل ابن عباس عن هاتين الآيتين ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣]، فسألته، فقال: لم ينسخها شيء. وعن ﴿وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨]، قال: نزلت في أهل الشرك» (٣).
والذي يدل على ذلك أنه روى تفسيرًا كثيرًا عن ابن عباس (ت:٦٨) وعلَّقه، ومن ذلك قوله: «باب قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]، قال ابن عباس: ﴿لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾: إلا عليها حافظ» (٤).
وهذه الصيغة (نزلت في)، مع ورودها عند البخاري (ت:٢٥٦) إلا أنها
стр. 93
قليلة بالنسبة إلى صيغة «فنَزلت»، وصيغة «فأنزل الله»، وهذه الصيغة الأخيرة هي الأكثر عنده من بين هذه الصيغ.
أما الصيغة الثانية، وهو ذكر السبب المباشر للآية، وغالبًا ما يذكر السبب، ثُمَّ يُتْبِعُهُ «فنَزلت» أو «فأنزل الله»، فكل هؤلاء يدخلها في المسند؛ لأنها مرفوعة إلى عهد النبي ﷺ .
وقد أبان الحاكم (ت:٤٠٥) أنَّ ورودَ أسبابِ النُّزولِ الصَّريحةِ عن الصَّحابةِ الكرامِ لها حكمُ الرَّفعِ، وذكر ذلك في كتابه معرفة علوم الحديث، فقال: «... فأمَّا الموقوفُ على الصَّحابةِ، فإنَّه قلَّ ما يخفى على أهل العلم ....
ومن الموقوف الذي يُستدلُّ به على أحاديث كثيرة: ما حدَّثناه أحمد بن كاملٍ القاضي، ثنا يزيد بن الهيثم، ثنا محمد بن جعفر الفيدي، ثم ابن فضيل، عن أبي سنان، عن عبد الله بن أبي الهذيل، عن أبي هريرة ﵁ في قول الله : ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٩]، قال: تلقاهم جهنَّمُ يوم القيامة، فتلفحُهم لفحةً، فلا تترك لحمًا على عظمٍ إلاَّ وضعت على العراقيب.
قال: وأشباه هذا من الموقوفات تُعَدُّ في تفسيرِ الصَّحابةِ.
فأمَّا ما نقول في تفسير الصَّحابيِّ: مسندٌ، فإنَّما نقولُه في غيرِ هذا النَّوعِ (١)، فإنَّه كما أخبرناه أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصَّفَّار، حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، حدثني مالك بن أنس، عن محمد بن المنكدر، عن جابرٍ قال: كانت اليهود تقول: من أتى امرأته من دبرها في قُبُلِها، جاء الولدُ أحول، فأنزل الله : ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣].
стр. 94
قال الحاكم: هذا الحديث وأشباهُه، مسندةٌ عن آخرها، وليست بموقوفة، فإنَّ الصَّحابيَّ الَّذي شَهِدَ الوحي والتَّنْزيلَ، فأخبر عن آيةٍ من القرآنِ: إنها نزلت في كذا وكذا، فإنَّه حديثٌ مسندٌ» (١).
ومن أمثلتها من صحيح البخاري (ت:٢٥٦):
١ - حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان عن ابن المنكدر سمعت جابرًا قال: «كانت اليهود تقول: إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول، فنزلت: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَاتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]» (٢).
٢ - حدثنا إبراهيم بن موسى أخبرنا هشام عن ابن جريج قال: أخبرني هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: «أن رجلاً كانت له يتيمة، فنكحها، وكان لها عِذْقٌ، وكان يمسكها عليه، ولم يكن لها من نفسه شيء، فنَزلت فيه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٣]، أحسبه قال: كانت شريكته في ذلك العِذْقِ وفي ماله» (٣).
ومن أمثلتها في صحيح مسلم:
١ - باب في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء: ٥٧].
قال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الله بن إدريس،
стр. 95
عن الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي معمر، عن عبد الله في قوله : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء: ٥٧] «﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾، قال: كان نفر من الجن أسلموا، وكانوا يُعبدون، فبقي الذين كانوا يَعبدون على عبادتهم، وقد أسلم النفر من الجن».
حدثني أبو بكر بن نافع العبدي، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي معمر، عن عبد الله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء: ٥٧] قال: «كان نفر من الإنس يعبدون نفرًا من الجن، فأسلم النفر من الجن، واستمسك الإنس بعبادتهم، فنزلت: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء: ٥٧]» (١).
٢ - وقال: وحدثني زهير بن حرب، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا ثابت عن أنس: أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوهن في البيوت، فسأل أصحابُ النبيِّ ﷺ النبيَّ ﷺ ، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيْضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فقال رسول الله ﷺ : «اصنعوا كل شيء إلا النكاح» (٢).
ورود صيغة «فأنزل الله» «فنَزلت» في غير سبب النُّزول المباشر:
هاتان الصيغتان، وإن كان يغلب ورودهما في سبب النُّزول المباشر إلا أنه قد يرد في الأثر ما يُخرجهما عن كونهما سبب نزول مباشر، ومن ذلك:
ما أسنده مسلم، قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم جميعًا عن جرير؛ قال عثمان: حدثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل قال: قال عبد الله: «قال رجل: يا رسول الله، أيُّ الذنب أكبر عند الله؟ قال: أن تدعوَ للهِ ندًّا وهو خلقك.
стр. 96
قال: ثُمَّ أيّ؟.
قال: أن تقتل ولدك مخافة أن يَطْعَمَ معك.
قال: ثُمَّ أي؟.
قال: أن تزاني حليلة جارك، فأنزل الله تصديقها: ﴿وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨]» (١).
فقوله هنا: «فأنزل الله» ليس المراد بها سبب النُّزول؛ بدلالة قوله: «تصديقها»، فهو ـ بلا ريب ـ لا يريد سبب النُّزول، وذلك ظاهر واضح، لكن المراد هنا التنبيه على أن هذه الصيغة ليست ملازمةً للسببية، والله أعلم.
الاحتمالات الواردة على نزول الآية إذا ورد فيها أكثر من سبب:
ذكر شيخ الإسلام احتمالين:
الاحتمال الأول: أن تكون الآية نزلت عقب هذه الأسباب، فيكون أكثرُ من حدث سببًا لنُزول الآية ، ومثال ذلك:
١ - الأسباب الواردة في قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَاتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣].
فقد أخرج البخاري حديث جابر بن عبد الله، قال: «كانت اليهود تقول: إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول، فنَزلت: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَاتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]» (٢).
وأخرج أبو داود حديث ابن عباس، قال: «إن ابن عمر ـ والله يغفر
стр. 97
له ـ أوهم، إنما كان هذا الحي من الأنصار ـ وهم أهل وثن ـ مع هذا الحي من يهود ـ وهم أهل كتاب ـ وكانوا يرون لهم فضلاً عليهم في العلم، فكانوا يقتدون بكثير من فعلهم، وكان من أمر أهل الكتاب أن لا يأتوا النساء إلا على حرف، وذلك أستر ما تكون المرأة، فكان هذا الحي من الأنصار قد أخذوا بذلك من فعلهم، وكان هذا الحي من قريش يشرحون النساء شرحًا منكرًا، ويتلذذون منهن مقبلات ومدبرات ومستلقيات.
فلما قدم المهاجرون المدينة تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار، فذهب يصنع بها ذلك، فأنكرته عليه، وقالت: إنما كنا نؤتى على حرف، فاصنع ذلك وإلا فاجتنبني. حتى شَرَى أمرهما فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فأنزل الله : ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَاتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾؛ أي: مقبلات ومدبرات ومستلقيات يعني بذلك موضع الولد» (١).
ولا مانع من أن يكون الحديث الذي ذكره ابن عباس قد صار، وذُكر بعده زعم اليهود الذي ذكره جابر، فنَزلت الآية لأجل هذين الشأنين المتعلقَين بطريقة نكاح اليهود وزعمهم فيه.
٢ - الأسباب الواردة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بَعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧].
أورد البخاري بسنده عن شقيق عن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ : «من حلف على يمين وهو فيها فاجر ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان.
قال: فقال الأشعث: فيَّ والله كان ذلك. كان بيني وبين رجل من
стр. 98
اليهود (١) أرض فجحدني، فقدمته إلى النبي ﷺ ، فقال لي رسول الله ﷺ : «ألك بينة؟».
قلت: لا.
قال: فقال لليهودي: احلف.
قال: قلت: يا رسول الله إذًا يحلف ويذهب بمالي، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بَعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ إلى آخر الآية» (٢).
وأورد البخاري (ت:٢٥٦) كذلك بسنده عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ أن رجلاً أقام سلعة ـ وهو في السوق ـ فحلف بالله: «لقد أُعطي بها ما لم يعط؛ ليوقع فيها رجلاً من المسلمين، فنَزلت ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بَعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً﴾» (٣).
ولا مانع من أن تكون الآية قد نزلت بشأن هذين الحدثين، فهي تصدق عليهما بلا ريب، وليس هناك ما يرجح أحدهما على الآخر، حتى لو كان في القصة الأولى صاحب الخبر؛ إذ لا يمتنع أن تكون حصلت تلك قبلها بقليل، ثمَّ حصلت قصته فنَزلت الآية بشأنهما أو العكس.
الاحتمال الثاني: أن تكون الآية نزلت مرتين، مرة لهذا السبب، ومرة لذلك السبب الآخر .
وهذا الاحتمال فيه ضعْفٌ، فهو لم يرد عن السلف، وإنما هو تخريج عقلي لورود الآثار بأكثر من سبب للآية الواحدة.
ودعوى نزول الآية مرتين له ما يبرِّره في بعض الآثار، خصوصًا إذا
стр. 99
كانت الآية مكية، وحُكِي لها سبب نزول مدنيٍّ، فقد تكون نزلت أول مرة عامَّة، ثمَّ نزلت مرة أخرى لسبب معيَّنٍ؛ كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأحقاف: ١٠].
فقد ورد أن الشاهد هو عبد الله بن سلام، وسورة الأحقاف مكية، وفي مثل هذا المثال تقع الاحتمالات الآتية:
١ - أن تكون نزلت مرة عامةً، ثمَّ نزلت مرة أخرى خاصَّة لبيان دخول ابن سلام فيها، وهذا الاحتمال العقلي مجرد افتراض يحتاج إلى أثر يؤكده، وذلك ما لا وجود له.
٢ - أن تكون الآية مدنيةً، وتكون نزلت بالفعل في عبد الله بن سلام، لكنها وُضِعت في سورة مكيَّةٍ لشيءٍ من مناسبتها بموضوع الآيات المكية.
وهذا الاحتمال أقرب إلى القبول من الاحتمال الأول، وله في ذاته شواهد، وهو وضع آيات مدنية في سور مكية.
٣ - أن تكون الآية مكية، ولم يقع حكمها إلا في المدينة، وهذا احتمال عقليٌّ آخر، لكن هذا التخريج يخرج بالآية عن أن تكون في باب أسباب النُّزول؛ لأنَّ أسباب النُّزول تقع قبل الآية لا بعدها.
٤ - أن يكون الرسول ﷺ قرأها، فحسب من رواها أنها نزلت بشأن ذلك السبب، والفرق بين ذلك وسابقه أن الاحتمال السابق يقول بأن الشاهد المراد بالآية عبد الله بن سلام، ولم يتبين ذلك إلا بعد وقوع حادثته.
أما في الرابع فتكون الآية عامَّة، وتكون قراءة النبي ﷺ لها بعد حادث عبد الله بن سلام استشهادًا منه لصورة من الصور التي تدخل في عموم الآية.
стр. 100
أما كون بعض الآيات تنْزل في مكة لحدثٍ يقع في المدينة، فقد ورد ذلك، ومن أمثلته:
في قوله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]، ورد عن عمر ما يدل على أنها آية مكية، وهي في سورة مكية.
قال الطبري: «حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا ابن ثور عن معمر عن أيوب قال: لا أعلمه إلا عن عكرمة أن عمر قال لما نزلت: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ﴾ [القمر: ٤٥] جعلت أقول: أي جمع يهزم؟
فلما كان يوم بدر رأيت النبي ﷺ يثب في الدرع ويقول: سيهزم الجمع ويولون الدبر» (١).
ثم أورد رواية عن ابن عباس تفيد أنها نزلت بعد بدر، قال: «حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا عبد الأعلى، قال: حدثنا داود، عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]، قال: كان ذلك يوم بدر، قال: قالوا: نحن جميع منتصر.
قال: فنَزلت هذه الآية» (٢).
وظاهرٌ هنا أن رواية عمر هي المقدَّمة، والرواية الثانية إن صحَّت عن ابن عباس، فلعله توهَّم أنها سبب النُّزول لِمَا سَمِعَ من أنَّ النبي ﷺ قرأ هذه الآيات.
ولا يقال: إن الصحابة كانوا يعلمون القرآن ونزوله، فإن علمهم بجميعه من حيث جملتهم كائنٌ، لكن ليس كلهم يعلم عن نزوله وأحواله،
стр. 101
بل من كان منهم مختصًّا به قليل؛ كعبد الله بن مسعود، وعلي بن أبي طالب ﵄، حيث ورد عنهما النص بعلمهما الخاص بذلك.
وقد ختم كلامه عن هذين النوعين بقوله: «وهذان الصنفان اللذان ذكرناهما في تنوع التفسير: تارة لتنوع الأسماء والصفات، وتارة لذكر بعض أنواع المسمى وأقسامه، كالتمثيلات هما الغالب في تفسير سلف الأمة الذي يظن أنه مختلف».
وهذا الذي قاله شيخ الإسلام دالٌّ على تمام استقراء لتفسير السلف، وهذا لا يخالف ما سيذكره من وجود نوعين آخرين، وهما كثيران أيضًا.
ومن قرأ في تفسير السلف يظهر له كثرة اختلاف التنوع الذي يعود إلى التمثيل للعام.
كما أن الاختلاف الذي يعود إلى أمرين ـ الذين سيأتي الحديث عنهما ـ فيه تداخل مع النوع الأول، وسيأتي التنبيه عليه لاحقًا، إن شاء الله.
стр. 102
نوعان آخران من اختلاف التنوع
بعد حديثه عن أسباب النُّزول ذكر نوعين من الاختلاف:
النوع الأول: ما يكون اللفظ فيه محتملاً للأمرين: إما لكونه مشتركًا في اللفظ، وإما لكونه متواطئًا.
أولاً: المشترك اللغوي:
المشترك في اللفظ هو المشترك اللغوي (١)، وهو ما اتَّحد لفظه واختلف معناه؛ كالعين تطلق على العين الباصرة وعلى عين الماء.
ومثَّل للمشترك في اللغة بلفظِ قسورة من قوله تعالى: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر: ٥١]، ولفظ عسعس من قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧].
فلفظ قسورة قد فُسِّر بأنه الأسد، ورد ذلك عن أبي هريرة (ت:٥٩)، وابن عباس (ت:٦٨) (٢)، وزيد بن أسلم (ت:١٣٦)، وابنه عبد الرحمن (ت:١٨٢).
стр. 103
وفسِّر بأنهم رجال القنص، وعبَّر عنه شيخ الإسلام بالرامي، وقد ورد هذا التفسير عن ابن عباس (ت:٦٨) (١)، وسعيد بن جبير (ت:٩٤)، وورد غير ذلك في التفسير (٢).
وإذا تأمَّلت هذين القولين وجدتهما يرجعان إلى ذاتين متغايرتين، لا إلى ذات واحدة، فالقسورة بمعنى الأسد مخالفٌ في اللفظ والوصف للقسورة بمعنى رجال القنص؛ أي: الرماة.
وأما تفسير لفظ عسعس من قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧]، فقد قيل فيه: عسعس: أدبر، ورد ذلك عن علي بن أبي طالب (ت:٤٠)، وابن عباس (ت:٦٨)، والضحاك (ت:١٠٥)، وقتادة (ت:١١٧)، وابن زيد (ت:١٨٢).
وقيل: عسعس: أقبل، ورد ذلك عن مجاهد (ت:١٠٤)، والحسن (ت:١١٠)، وعطية العوفي (ت:١١١) (٣).
وهذا يجوز أن يرجع إلى ذات واحدةٍ، وهي الليل، لكن يختلف الوصف فيها، بسبب كون الحرف من أحرف التضاد في اللغة، فيكون الإقسام بإدبار الليل وإقباله، وهما جهتان متغايرتان في الوصف.
ثانيًا: المتواطئ:
المتواطئ مصطلح منطقي، وهو نسبة وجود معنى كلي في أفراده وجودًا متوافقًا غير متفاوت؛ كالإنسانية لزيد وعمرو، فهي تدلُّ على أعيان متعددة بمعنى واحد مشترك بينها، وهي متساوية فيه.
ومثَّل للمتواطئ بنوعين:
стр. 104
النوع الأول من المتواطئ:
الضمير الذي يحتمل رجوعه إلى أكثر من ذات، وذلك في مثل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى *فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٨ ـ ٩].
وقد ورد في تفسير الضمير قولان:
الأول: أنه يرجع إلى الربِّ سبحانه، قال ابن عباس (ت:٦٨): «دنا ربه فتدلَّى» (١).
الثاني: أنه يرجع إلى جبريل ﵇، وهو قول الجمهور، منهم: الحسن (ت:١١٠)، وقتادة (ت:١١٧) والربيع (ت:١٣٩)، والمعنى: دنا جبريل وتدلَّى (٢).
والنسبة إلى الضمير لا تختلف من ذات إلى ذات، فإذا قلت: هو محمد، وهو أحمد، وهو بكر، لا تختلف دلالة الضمير في ذاتها بسبب اختلاف هذه الذوات، فكلها تشترك اشتراكًا متساويًا في دلالة الضمير عليها، والله أعلم.
والآيات التي وقع فيها الاختلاف بسبب مفسر الضمير كثيرة، منها ما ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ [الفتح: ٩].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ *وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ [العاديات: ٦ ـ ٧].
стр. 105
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاَقِيهِ﴾ [الانشقاق: ٦].
وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]. وغيرها كثير.
النوع الثاني من المتواطئ:
الأوصاف التي حُذِفَ موصوفها؛ كقوله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ *وَلَيَالٍ عَشْرٍ *وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر: ١ ـ ٣].
وقد ورد عن السلف أقوال في الفجر، منها ما أورده السيوطي في الدر المنثور:
الفجر: أول الغداة؛ أي: الصبح، وقد ورد عن ابن عباس (ت:٦٨)، وعكرمة (ت:١٠٥).
الفجر: فجر يوم مزدلفة، وقد ورد عن عكرمة (ت:١٠٥).
الفجر: فجر يوم النحر، وقد ورد عن مجاهد (ت:١٠٤).
الفجر: فجر أول المحرم من السنة، وقد ورد عن ابن عباس (ت:٦٨).
وقد ورد غير ذلك من الأقوال، وهذه الأقوال التي ذكرت، وإن اختلفت في تحديد الفجر، فإنَّ نسبتها إلى مسمى الفجر واحدة لا تختلف، ففجر أول يوم من السنة، أو فجر يوم مزدلفة، أو فجر يوم النحر، أو كل فجر لا تختلف في فجريتها عن بعضها البعض.
وكذا ما ورد من الأقوال في تفسير (الشفع والوتر)، فكل الأقوال التي ذكروها لا تختلف في نسبتها إلى الشفعية أو الوترية، فالصلوات مثلاً: منها شفع ومنها وتر، والخلق شفع، والرب وتر، ويوم عرفة وتر ويوم النحر شفع، وهكذا غيرها من الأقوال، فنسبتها إلى ما ذكرتُ لا تختلف، وهذا هو معنى المتواطئ.
стр. 106
ويدخل في هذا كثير من الأوصاف التي لم يُذكر لها موصوف، فوقع الاختلاف في تحديده بسبب عدمِ ذكرِه، واحتمالِ الوصف لأكثر من واحد، كلفظ النازعات وما بعدها، ولفظ الخنّس وما بعدها، وغيرها.
ثُمَّ نبَّه على نتيجة هذا الاحتمال في التفسيرات الواردة عن السلف، وجعل هذه الاحتمالات لا تخرج عن أمرين:
الأول: أنَّ مثل هذه الاحتمالات قد لا يجوز أن يراد به كل المعاني التي قالتها السلف، بل يكون المراد أحدها.
وهذا يعني أن تحديد أحد هذه المحتملات يحتاج إلى ترجيح، والترجيح يحتاج إلى علمٍ بطرق الترجيح وقواعده (١)، وهو علم مستقل من علم أصول التفسير.
الثاني: أن مثل هذه الاحتمالات قد يجوز أن يراد به كل المعاني التي قالتها السلف، وذكر لذلك عللاً:
الأولى: إما لكون الآية نزلت مرتين فأريد بها هذا تارة وهذا تارة.
وقد سبقت الإشارة إلى مسألة نزول الآية مرتين، وأنها لا دليل من الآثار عليها سوى الاحتمال العقلي.
الثانية: وإما لكون اللفظ المشترك يجوز أن يراد به معنياه؛ إذ قد جَوَّز ذلك أكثر الفقهاء المالكية والشافعية والحنبلية وكثير من أهل الكلام.
الثالثة: وإما لكون اللفظ متواطئًا، فيكون عامًا إذا لم يكن لتخصيصه موجب.
أقول: وأكثر ما يقع موجب التخصيص في تنازع الضمير، والأمثلة التي
стр. 107
سبق ذكرها تدلُّ على أن المرادَ أحد هذه الأقوال المذكورة، كالاختلاف الوارد في الذي دنا في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ [النجم: ٨].
ثمَّ قال: «فهذا النوع إذا صح فيه القولان كان من الصنف الثاني».
أقول: وفي عود هذه العبارة احتمالان:
الأول: تحتمل أن تعود إلى المشترك والمتواطئ الذي ساق الحديث عنه من أول قوله: «ومن التنازع الموجود عنهم ما يكون اللفظ فيه محتملاً لأمرين ...»، ولا يكون ذلك إلاَّ بالنظر إلى تعميم الوصف في المشترك والمتواطئ، دون النظر إلى ما يترجح منها.
ومثال المشترك اللغوي، ما وقع من الخلاف في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦]. فقد قيل فيه أقوالٌ:
الأول: المسجور، الموقد المحميُّ، وهو قول عليٍّ (ت:٤٠) وشِمْرُ بن عطية، ومجاهد (ت:١٠٤)، وابن زيد (ت:١٨٢).
الثاني: المسجور: المملوء، وهو قول قتادة (ت:١١٧).
الثالث: المسجور: الذي ذهب ماؤه، حكاه الطبري (ت:٣١٠) عن ابن عباس (ت:٦٨) من طريق عطية العوفي (ت:١١١).
الرابع: المسجور: المحبوس، وهو قول ابن عباس (ت:٦٨) من طريق علي بن أبي طلحة (ت:١٤٣) (١).
فإذا نظرت إلى صحة إطلاق هذا اللفظ (السَّجر) على هذه المعاني (المختلفة) جعلته من هذا الباب شبيهًا بالعام الذي له أفراد، فهذا لفظٌ مشتركٌ له أكثر من معنى، وذاك لفظٌ عامٌ له أكثر من فردٍ.
الثاني: تحتمل أن تعود إلى المتواطئ دون المشترك؛ لأنه قال: «وإما
стр. 108
لكون اللفظ متواطئًا، فيكون عامًا إذا لم يكن لتخصيصه موجب، فهذا النوع إذا صحَّ فيه القولان كان من الصنف الثاني».
ويكون بالنظر إلى تعميم اللفظ المتواطئ على محتملاته، دون النظرِ إلى صحة احتمال الآيةِ لما قيل فيها من هذه الأقوال. ويصحُّ ذلك بلا إشكالٍ في المتواطئ الذي هو من قبيل الأوصاف التي حذف موصوفها؛ كالفجر والشفع والوتر والمرسلات والنازعات وغيرها، فكل الخلاف الوارد على هذه الشاكلة من الألفاظ يجوز أن يقال فيها بتعميم الوصف، فيدخل فيها كل موصوف مناسبٍ لها، ومثال ذلك ما ورد في تفسير النازعات، فقد أورد الطبري فيها أقوالاً وهي:
١ - الملائكة التي تجذب روح الكافر من أقاصي بدنه، ورد ذلك عن ابن مسعود (ت:٣٢)، وابن عباس (ت:٦٨)، ومسروق (ت: نحو ٦٣)، وسعيد بن جبير (ت:٩٥).
٢ - الموت ينْزع النفوس، وهو قول مجاهد (ت:١٠٤).
٣ - النجوم تنْزع من أفق إلى أفق، وهو قول الحسن (ت:١١٠)، وقتادة (ت:١١٧).
٤ - القسي تنْزع بالسهم، وهو قول عطاء (ت:١١٤).
٥ - النفس حين تنْزع، وهو قول السدي (ت:١٢٨).
ثمَّ قال: «والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله تعالى ذكره أقسم بالنازعات غرقًا، ولم يخصص نازعة دون نازعة، فكل نازعة غرقًا فداخلة في قَسَمِه، مَلَكًا كان أو موتًا، أو نجمًا، أو قوسًا، أو غيرَ ذلك، والمعنى: والنازعات إغراقًا كما يغرق النازع في القوس» (١).
стр. 109
وأما المتواطئ الذي من قبيل مفسر الضمير، ففي احتمال مشابهتهِ اللفظَ العامَّ إشكالٌ؛ لأن الضمير ـ في كثير من الأحيان ـ يراد به ذاتٌ واحدة لا غير، ففي قوله: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٤] المنادي إما جبريل، وإما عيسى، ولا يُتصوَّر جواز إرادتهما معًا حتى يقال بمشابهته للعموم.
تنبيه:
يلاحظ أنَّ الاختلاف العائد إلى المشترك اللغوي، وإلى المتواطئ الذي هو من قبيل الأوصاف فيه شبه بالنوع الأول الذي يعود إلى تنوع الأسماء والصفات، فالتغاير بين الأقوال هو الجامع بينهما، واحتمال عودهما إلى ذات واحدة حاصل بطريق التأويل، وإليك المثال الموضح لذلك:
في تفسير الصراط المستقيم بالإسلام أو القرآن هناك تغاير في الأوصاف بين الإسلام والقرآن، واتفاق في عودها إلى مراد واحد وهو الصراط المستقيم.
وكذا في النازعات، ففي تفسيره بالملائكة أو النجوم تغاير، وهما يعودان إلى معنى واحد وهو النَّزعُ، فإذا ذهبت إلى هذا التأويل ظهر لك أنَّ هذا الاختلاف الذي يعود إلى ما يكون اللفظ فيه محتملاً للأمرين من باب التفصيل في النوعين الأولين.
النوع الثاني من الاختلاف الموجود عنهم ويجعله بعض الناس اختلافًا: أن يُعبِّروا عن المعنى بألفاظ متقاربة:
ومن الأمثلة التي ذكرها تفسير لفظ «تبسل» من قوله تعالى: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ﴾ [الأنعام: ٧٠].
стр. 110
وقد أورد فيها معنيين: تحبس، وترتهن.
وهذان اللفظان متقاربان في المعنى، وإن كان لكل واحدٍ منهما معناه الخاصُّ به، وتفسير لفظ تبسل بهما من باب تقريب المعنى فحسب.
قال ابن عطية (ت:٥٤٢): «ومعناه: تُسْلَم، قاله الحسن وعكرمة، وقال قتادة: تُحبس وتُرتهن، وقال ابن عباس ﵄: تُفضح، وقال الكلبي وابن زيد: تجزى.
وهذه كلها متقاربة المعنى ...» (١).
ومن أمثلة التعبير عن المعنى بألفاظ متقاربة ما يأتي:
١ - ورد في تفسير لفظ اتسق من قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾ [الانشقاق: ١٨] عدة أقوال:
الأول: إذا استوى، ورد ذلك عن ابن عباسٍ (ت:٦٨) (٢)، وسعيد بن جبير (ت:٩٤)، ومجاهد (ت:١٠٤)، وعكرمة (ت:١٠٥)، والضحاك (ت:١٠٥)، وقتادة (ت:١١٧).
الثاني: إذا اجتمع وامتلأ، عن الحسن (ت:١١٠).
الثالث: لثلاث عشرة ـ أي: صار مستديرًا ـ عن سعيد بن جبير (ت:٩٤)، ومجاهد (ت:١٠٤).
الرابع: إذا استدار، عن قتادة (ت:١١٧).
وهذه الأقوال متقاربة المعنى، فاستوى واجتمع واستدار وامتلأ كلها تعبير عن صيرورة القمر بدرًا، وهي التي تبدأ بليلة الثالث عشر كما ذكر مجاهد في تفسيره.