Полный текст (373 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
السورة مكية بلا خلاف، وهي السادسة عشرة في ترتيب النزول، على المشهور. نزلت بعد تالكوثر. ولا يخطيء الحس فيها سيطرة جو الوعيد والإنذار، يعمد فيه البيان القرآني إلى الإيجاز الحاسم مع التأكيد الجازم، تقوية للردع وبلاغاً للوعيد.
وقد ربطها بعض المفسرين - كالنيسابورى - بسورة القارعة، لكن التكاثر نزلت قبل القارعة بثلاث عشرة سورة، فلا وجه لربطهما، إلا أن يكون ملحوظاً في ترتيب وضعهما في المصحف، تشابه الجو الإنذاري المسيطر على السورتين كلتيهما. ولا تنفردان بذلك بل تشاركها فيه سور وآيات كثيرة، وبخاصة تلك التي عرضت لمواقف في البعث والحشر، وأنذرت بيقين الحساب والجزاء.
* * *
والسورة تبدأ بهذه الجملة الخبرية القصيرة:
﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ .
لكن "الرازي" أخرجها من الإخبار إلى الاستفهام بمعنى التوبيخ والتقريع. والخبرية هنا أوقع في الزجر وأبلغ في الوعيد، بما تشهد به على أن إلهاء التكاثر إياهم زاقع قد كان فعلاً، وليس المقام مقام استفهام، وإنما هو مقام بيان لما وراء هذا التكاثر العقيم الخاسر الذي ألهى وشغلهم عن التفكير في المصير.
واللهو لغة، ما يلهى الإنسان. ولعل أصل استعماله في اللهوة وهي ما يلقيه الطاحن في غم الرحى بيده ويشغلها به فلا تدور على هواء.
ولا يترادف اللهو والمشغلة في القرآن الكريم، بل يأتي الشغل بالمجدى وغير المجدى, أما اللهو فلا يكون إلا بغير المجدى. وهو ما التفت إليه "الراغب" حين فسر الإلهاء في سورة التكاثر. بالإشتغال عما هو أهم. وعند "الرازي" أنه الإنصراف إلى ما يدعو إليه الهوى.
وقال أبو هلال العسكري في (الفروق اللغوية) : "اللهو لعب، واللعب قد يكون ليس بلهو".
стр. 177
وصنيع القرآن يؤذن بأن اللهو أيضاً قد يكون ليس بلعب.
فقد عطف اللهو على اللعب، أو العمس، في آيات:
الأنعام ٣٢: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ ومعها آيات.
الأنعام ٧٠، محمد ٣٦، والحديد ٢٠ والأعراف ٥١.
العنكبوت ٦٤: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ .
ودقة الاستعمال القرآني تستبعد في مثل هذا المقام، أن يكون فيه ما يعد من عطف التفسير، وإنما اللهو مشغله بغير المجدي، تكون بلعب وغير لعب من صنوف الملاهي الشاغلة:
كشخص: ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ .
عبس ١٠.
أو أموال وأولاد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ المنافقون ٩.
أو تجارة وبيع: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ النور ٣٧.
أو أمل: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ الحجر ٣.
أو حديث: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ لقمان ٦.
والمتعين في ىية التكاثر، أن الإلهاء فيها بالتكاثر. وهو لغة: تفاعل من الكثرة نقيض القلة، ونماء العدد، وإليه ذهب الراغب فقال في (المفردات) : "القلة والكثرة يستعملان في الكمية كالأعداد، كما أن العظم والصغر للأجسام".
ويكنى بالقلة عن الذلة، كما يكنى بالكثرة عن العزة:
إنما العزة للكاثر.
ومنه قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ الأعراف ٨٦.
стр. 178
والتكاثر ورد في القرآن مرتين: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ وأية الحديد ٢٠:
﴿واعلموا إنما اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ .
وفسر التكاثر في الآيتين بأنه المبالغة بالكثرة، وجعل "الرازي" التفاخر والتكاثر شيئاً واحداً، وهو ما لا يوافق نسق آية الحديد، إذ عطف التكاثر على التفاخر.
وحمل هذا العطف على التكرار، مضيع لبهاء الآية ودقه نسقها. والعربية استعملت. كاثره المال واستكثره إياه إذا أراد لنفسه منه كثيراً وإن كان المال قليلاً. وبهذا المعنى يفسر التكاثر في آية الحديد، وأنه التكالب على حطام الدنيا ومحاولة الاستئثار به، وهذا شيء غير المباهاة والتفاخر، بل هو درجة من درجات الشر في الدنيا بعد اللعب العابث واللهو الشاغل والزينة الزائفة والمباعاة الكاذبة: هو تزيد وتكالب على حطام الدنيا والاستكثار منه والاستئثار به - وهو قول ذكره النيسابورى في تفسير الآية - وإن يكن جمهرة المفسرين أكثر ميلاً إلى عد التكاثر هنا مباهاة وتفاخراً، متأثرين في ذلك بما روى في أسباب النزول.
فالإمام الطبري ذهب إلى "أنها المباهاة بكثرة المال والعدد.... وعن قتادة أنه قال: كانوا يقولون: نحن أكثر بني فلان ونحن أعد من بني فلان".
وفي (البحر المحيط) أنها نزلت في اليهود.
وفي قول: إنه التكاثر بالأموات منهم.
وهم في هذا، يأخذون من التكاثر معنى المفاعلة، مع أن اللغة استعملت تفاعل، في المفاعلة وغير المفاعلة، فقيل: كاثر الماء واستكثره، إذا أراد أن يستأثر لنفسه بكثير منه وإن كان الماء قليلاً، كما قيل: تمارض إذا ادعى المرض، وتكاره الأمر إذا تكلفه على كره منه، وتهافت إذا ظهر ضعفه ...
والآية لم تحدد لنا موضوع التكاثر، فليس من السهل أن نخصه بالمال على
стр. 179
ما ذهب الراغب، أو نقصره على العدد كما قال الرازي، أو الموتى كما في النيسابورى. كما لا وجه لاحتمال أن يكون التكاثر هنا على على الاستغراق والتعميم، وهو ما دعل مفسرين إلى أن ينبهوا إلى قصره على ما هو مذموم، كأنما أشفقوا أن يفهم أن التكاثر فيما هو خير وطاعة وحق، داخل في عموم اللفظ في سياق الوعيد:
والاستئناس بآية الحديد، يكون التكاثر هنا في الأموال والأولاد، وهو ما يبدو أن الطبري والزمخشري اطمأناإليه. ونضيف: إن إسناد "ألهاكم" إلى التكاثر، يغنى عن كل تأويل، بصريح النص على أنه التكاثر فبما يلهى.
والخطاب هنا عام لكل من ألهاهم التكاثر والتكالب على زينة الدنيا من مال وولد، مهما تكن خصوصية السبب الذي قيل إن الآية نزلت فيه.
* * *
﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ .
في: حتى، هنا معنى الغاية، فغاية التكاثر إلى زيادرة المقابر، وليس وراء هذا التكالب إلا المقابر، يأتي بها القرآن كهذا إثر التكاثر فيبلغ الترويع منتهاه بقصر المسافة بينهما، والانتقال السريع بل المباغت، من التكاثر إلى المقابر ...
ولم يستعمل القرآن الزيارة إلا في آية التكاثر، وإنما ورد من المادة: تزاور بمعنى تزور في آية الكهف ١٧:
﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ .
والزور اي الباطل والميل عن الحق، في آيات:
الفرقان ٤: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ .
الفرقان ٧٢: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ .
الحج ٣٠: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ .
стр. 180
المجادلة ٢: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ .
وذلك كل ما في القرآن من المادة.
والدلالة الحسية لها في اللغة، الميل والاعوجاج: في الزور، وهو عوج في الزور. والأزور: الناظر بمؤخر عينيه أو الذي يميل على شق إذا اشتد في السير. ومن هذا الصل الحسي، جاءت استعمالات المادة كلها في الميل، فقيل: زار القوم زيارة إذا مال إليهم وعاج بهم. وقيل للخيال يرى في النوم زوراً إما من الزيارة. أو لأنه وهو ولا حقيقة. والزو: الميل عن الحق والصواب، ومنه الدلالة الإسلامية على الباطل والضلال، ميلا عن الهدى.
وللمفسرين في ﴿زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ أقوال ثلاثة:
إن الزيارة بمعناها الحقيقي، حين ذهب المتكاثرون إلى القبور يعدون موتاهم.
أو هي مجاز، أريد به ذكر الموتى عند المفاخرة. وقد استبعده "أبو حيان" وقال: "هذا تعبير ينبو عنه لفظ: زرتم".
والقولان يوجه إليهما ما قالوه في سبب النزول، وهو أن بني سهم وبني عبد مناف تفاخروا أيهم أكثر عدداً، فكثرهم بنو عبد مناف. فقالت بنو سهم: إن البغي أهلكنا في الجاهلية، فعادونا بالأحياء والأموات. ففعلوا، فكثرتهم بنو سهم.
العربية، ومنه قول الأخطل:.ذاق الضماد أو يزور القبرا. ومعه، من شواهد الكشاف:
والقول الثالث، إن الزيارة هنا معناها الموت، وهو استعمال مألوف في العربية، ومنه قول جرير:
زار القبور أبو مالك فأصبح ألأم زوراها
وقد اختاره الإمام الطبري في تفسير آية التكاثر، وأخذ به غير قليل من المفسرين بعد.
стр. 181
واستعمال الزيارة بهذا المعنى، صريح الإيحاء بأن الإقامة في القبر ليست إقامة دائمة، وإنما نحن فيها زائرون، والزائر غير مقيم، وسوف تنتهي الزيارة حتماً إلى بعث وحساب وجزاء. وهذا الإيحاء ينفرد به لفظ ﴿زُرْتُمُ﴾ دون غيره، فلا يمكن أن يؤديه لفظ آخر، كأن يقال صرتم، أو رجعتم أو انتهيتم، أو أبتم وألتم، وليس القبر المصير والمرجع والمآب والمال. كما لا يقال: سكنتم في المقابر، أو أقمتم بها، إلى غير ذلك من ألفاظ تشرك كلها في الدلالة على ضجعة القبر، ولكن يعوزها سر التعبير الدال على أنها زيارة، اي إقامة مؤقتة، يعقبها بعث ونشور.
وليس بعجيب أن يفوت هذا السر البياني مفسرين كان جهدهم أن يجمعوا كل ما يمكن أن تحتمله الدلالات المعجمية لزيارة المقابر، وشتى المرويات في تأويلها.
حتى الذين فسروا الزيارة بالموت هنا. لم يلتفتوا إلى سره البياني. وهو ما لم يفت أعرابياً سمع ألاية فقال: "بعث القوم للقيامة ورب الكعبة، فإن الزائر منصرف لا مقيم" وروى كذلك هن "عمر بن عبد العزيز" نحو من قول الأعرابي.
والعجيب أن "أبا حيان" لم تستوقفه هذه اللمحة الثاقبة من كلمة قالها أعرابي حسس لغته فطرة وسليقة، بل مر أبو حيان بها سريعاً كأن لم يعنه منها شيء، ليأتي بقول من قال في تفسير الاية: "إنه تأنيب على الإكثار من زيارة القبور تكثراً بمن سلف وإشادة بذكره، وكان الرسول ﷺ نهى عن زيارة القبور ثم قال: فزوروها، أمر إباحة للاتعاظ لا لمعنى المباهاة والتفاخر".
* * *
ولفظ "المقابر" لم يأت في غير آية التكاثر، على حين جاءت "القبور" خمس مرات، كما جاء القبر، مفرداً، في آية التوبة ٨٤:
стр. 182
﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ .
وقد تجد الصنعة البلاغية في استعمال المقابر هنا مجرد ملاءمة صوتية للتكاثر، وقد يحس أهل البلاغة، ونحس معهم فيها، نسق الإيقاع بهذه الفاصلة، فهل تكون "المقابر" في آية التكاثر لرعاية الفواصل فحسب؟
المقابر جمع مقبرة، وهي مجتمع القبور..... واستعمالها هنا يقتضيه معنوياً، أنه اللفظ الملائم للتكاثر، الدال على مصير ما يتكالب عليه المتكاثرون من متاع دنيوي فان...... هناك مجتمع القبور ومحتشد الرمم ومساكن الموتى على اختلاف أعمارهم وطبقاتهم ودرجاتهم وأزمنتهم. وهذه الدلالة ممن السعة والعموم والشمول، لا يمكن أن يقوم بها لفظ "القبور" بما هي جمع لقبر. فبقدر ما بين قبر ومقبرة من تفاوت، يتجلى إيثار البيان القرآني "المقابر" على القبور، حين يتحدث عن غاية ما يتكاثر به المتكاثرون، وحين يلفت إلى مصير هذه الحشود من ناس يلهيهم تكاثرهم عن الاعتبار بتلكم المقابر التي هي مجتمع الموتى ومزار الراحلين الفانين.....
فتأويل المقابر بالقبور، لسي إلا أثراص مفردات القرآن تناولا لفظياً معجمياً، مجرداً عن إيحاء سياقه وسره البياني، معزولاً عن الاستعمال القرآني الذي لم يجئ بالمقابر هنا لمجرد المشاكلة اللفظية والرنين الصوتي، وإنما هي الملاءمة المعنوية أيضاً بين التكاثر والمقابر بما فيهما من سعة وشمول وعموم، وهو هو الإعجاز البياني يوجز رحلة الدنيا وعبرة الموت ونذر المصير، في أربع كلمات فحسب، تفجأ اللاهين في نشوة الدنيا، بصدمة ﴿زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ ليس بينها وبين ﴿لْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ إلا "حتى"، أداة غاية.
* * *
ثو يتوالى الزجر سراعاً:
﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ .
واضح هنا أن الخطاب لمن الهالهم التكاثر، وأن التكرار مبالغة في الزجر
стр. 183
وتأكيد للوعيد والنذير، وهو ما اطمأن إليه الطبري والزمخشري وأبو حيان وغيرهم، ولكنهم أضافوا إلى هذا، أقوالاً أخرى، في توجيه الخطاب في الآيتين:
ففي (تفسير الطبري) عن الضحاك: أن الآية الأولى للكفار فهي وعيد، وان الثانية للمؤمنين فهي وعد!
وفي (البحر المحيط) هذه الرواية عن الضحاك، وأخرى عن "علي" كرم الله وجهه: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ في القبر: ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ في البعث.
ومثله في تفسير النيسابورى.
وأورد "الرازي" أربعة وجوه في التكرير: أنه للتوكيد، وأنه وعيد للكفار ووعد للمؤمنين، وأن الأول عند الموت والثاني في سؤال القبر، وأن إحدى الآيتين لعذاب القبر والأهرى لعذاب القيامة.
وليس النص القرآني في وضوح بيانه بمسئول عن هذا الخلاف، ولا هو بحيث يوجه إلى تفسير الآية الواحدة بالنقيضين، فيستوى خطاب الكفار والمؤمنين، وأسلوب العد والوعيد في البيان المعجز!
ولكي تسلم القاعدة، في إفادة حرف "ثم" للتراخي، قيل إن الآية الأولى عند الموت، والثانية في سؤال القبر. أو إن الأولى لعذاب القبر، والأخرى لعذاب القيامة "وتبقى ثم على بابها من المهلة في الزمان".
ونقول هنا ما قاله الومخشري، إن ثم في هذا السياق "ليست علة موضعها عند النحاة، وإنما جئ بها مبالغة في الإنذار، كما تقول للمنصوح: أقول لك ثم أقول لك: لا تفعل هذا".
وجو الوعيد هو المسيطر على السورة كلها.
ويأبى البيان القرآني أن يستوى فيه أسلوب الوعيد والوعد، فما الخطاب
стр. 184
في الآيتين كلتيهما، إلا للذين ألهلهم التكاثر، ما التكرير إلا مبالغة في ردعهم وزجرهم وإنذارهم.
ويلفتنا هنا أيضاً. أنه قال "تعلمون" ولم يقل: تعرفون. والعلم إدراك الشيء بحقيقته كعبارة "الراغب" في مفرداته، والعربية قد استعملت المادة حسياً فيما هو ظاهر واضح لا لبسفيه. فالعلمة والعلم شق ظاهر في الشفة العليا، وعلمه وسمه، والعلامة: السمة، والعلامة أيضاً، والعلم: الفصل بين الأرضين، وشيء منصوب في الطريق يهتدي به. والعلم: الجبل الطويل، والراية، ما يعقد على الرمح.
ومن هذا الوضوح المميو في العلامة والعلم، استعمل العلم فيما يعرف معرفة واضحة قوية، فقيل: علم الشيء، إذا أدركه، وهو عالم به إذا انكشف له حقيقته.
وفي الاستعمال القرآني للملدة، نرى الله تعالى يوصف بالعالم ولا يوصف بالعارف، والعليم من أسمائه الحسنى، ويسند إليه العلم ولا تسند إليه المعرفة. ويختص الله سبحانه وتعلى بما يكون خفياً، وغيباً، ومضمراً، فهو يعلم ما يسرون ويعلم ما في الأرحام، وما تحمل كل أنثى، ما في أنفسكم، وما في قلوبكم، وذات الصدور، ويعلم ما في السماوات والأرض، وما في البر والبحر، ويعلم سركم وجهركم، ويعلم سرهم ونجواهم، ويعلم السر وأخفى، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ويعلم ما توسوس به نفسك، علام الغيوب، وعنده علم الساعة، وعلم الكتاب.
وحين يسند العلم إلى البشر فهو العلم الكسبي عندما يكون على وجه التأكد واليقين، أو في النذير بيوم لا ريب فيه.
وتأتي ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ، في نظائر لآية التكاثر، مثل، آيات: الحجر (٣، ٩٦) والفرقان (١٢) والعنكبوت (٦٦) والصافات (١٧٠) والزخرف (٨٩) ، وفي أكثرها بهذا الإنذار بيوم يأتي، تنكشف لهم حقيقة ما خفى عنهم وما أنكروه أو ارتابوا فيه.
стр. 185
وهم هما قد الهاهم التكاثر فناسب هذا الإلهاء أن ينذرهم بما بعده من تلقف المقابر لكل ما يتكاثرون به، وأن يردعهم بمصير لابد آت، يعلمون فيه حقيقة ما طالما ألهاهم عنه التكاثر: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ ق٢٢.
ولا حاجة بنا إلى الوقوف لنسأل عما سوف يعلمونه، على نحو ما فعل الطبري والزمخشري والرازي، والآيات التالية تعفينا من تأويل، وتغنينا عن تحديد ما سوف يعلمون:
* * *
﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ .
هو علم اليقين، حين لا مجال لشك فيه أو ارتياب، ولا موضع لغفلة ولهو بما طالما تكاثروا فيه.
واليقين لغة: إزاحة الشك، وقد يقن الأمر، كفرح، وأيقنه وأيقن به وتيقنه واستيقنه واستيقن به: علمه وتحققه.
ويبدو أن جمهرة المفسرين متفقون على أن معنى علم اليقين في آية التكاثر "هو علم يقين، أضف إلى الصفة، نحو: ولدار الآخرة" - الرازي، النيسابورى، أبو حيان.
وإنما اختلفوا في تحديد المقصود باليقين: فقيل هو الموت، ونظيره عندهم قوله تعالى:
﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ . الحجر ٩٩.
وقيل هو البعث، يزول به كل شك.
والطبير يختار البعث، على حين سكت الرازي وأبو حيان فلم يرجحا قولا على آخر.
والخلاف ليس بذي بال، فالأمر بينهما قريب. على أنا لا نطمئن إلى
стр. 186
تفسير اليقين هنا، ولا في آية الحجر التي نظروا بها: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ بالموت أو البعث. فما يستوي التأويل: كلا لو تعلمو علم الموت، أو علم القيامة. وعطاء الآية: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ من قوة ونذير واليقين في القرآن التحقق وإزاحة الشك، والإدراك الواثق الذي لا يلتبس بوهم أو ظن أو تخمين أو ارتياب، يطرد هذا ي كل المواضع التي وردت فيها المادة فعلاً أو اسماً، على اختلاف الصيغ.
﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ النمل ١٤
﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ المدثر ٣١
﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ النساء ١٥٧
﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ الجاثية ٣٢
﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ النمل ٢٢
ويجئ اليقين في القرآن مضافاً إليه علم، وعين، وحق، كما يجئ الاستيقان مع نفي الإرتياب، أو مقابلاً للظن، مما لايدع مجالاً لتفسير اليقين بغير التحقق والإدراك الواثق، وإزاحة كل شك أو لسب أو إرتياب.
* * *
ثم إن الاية متلوة بقوله تعالى:
﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾
وهو ما يجلو مفهوم "علم اليقين" بما لا يغني عن أي تأويل، فهذا بيان لما سوف يعلمون يقيناً. وإضافة عين إلى اليقين في الآية الثانية، تأكيد وتجسيم وترسيخ: فالأصل الحسي للعين أنها الباصرة، ولأهميتها بين الجوارح، يكتفي بها أحياناً في الدلالة على الشخص فيقال: ما بالدار من عين، أي أحد. كما استعملت في موضع العناية والإهتمام في مثل قوله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ أي بحيث
стр. 187
نراك ونرعاك. ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ أي بكلاءتى وحفظى. كما استعمل ما يقر العين، فيما هو للإنسان موضع غبطة ورضى وارتياح:
﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ القصص ١٣
﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ . الفرقان ٧٤
و"الراغب: في مفرداته، يوجه كل ما استعير له لفظ العين، لمعنىموجود في الأصل الذي هو الجارحة.
واستعمال العين في أسلوب التأكيد، له أصل من مدلولولها الحسي، فأنت تقول: لقيته عياناً، أي معاينة لا شك فيها، ورأيته رأى العين، أي حقيقة ويقيناً لا على سبيل الوهم أو المجاز:
﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ آل عمران ١٣
وهذا الملحظ من الرؤية المتيقنة، في قولهم: رأيته رأى العين، هو الذي استعملت به "عين" للتأكيد. فيقال جاء هو عينه. فإذا أضيفت عين وهذا شأنها في اليقينالحسي - إلى لفظ اليقين. مع فعل الرؤية مؤكداً: ﴿تَرُونَ﴾ : فذاك أقصى ما يبلغه البيان من تأكيد اليقين وترسيخه. ففي احتمال أي شبهة للشك أو الظن أو الإرتياب. إذ يجتمع هنا. ما للرؤية من إدراك حسي، إلى ما للفظ "عين" من دلالة التأكيد والبصر، وما لصريح لفظ "اليقين" من ثقة وإزاحة لكل شك، فضلاً عن التوكيد اللفظي في ﴿لَتَرَوُنَّ﴾ باللام ونون التوكيد الثقيلة، ثم بالتكرار!
إنها كلمات أربع قصار. جمعت كل ما تعرف العربية من ادوات التوكيد وآساليبه اللفظية والمعنوية: اللام والنون والتكرار، والرؤية والعين، واليقين، فبلغت من ذلك ما لا تبلغه الصفحات المطولات، دون أن نحس في إيجازها المعجز، جهد الحشد وضغط الإمتلاء.
هو إذن اليقين الذي لا سبيل فيه، يتحقق برؤية الجحيم رأى العين حيث لا سبيل إلى اتهام البصر واللياذ باحتمال الوهم فيه.
стр. 188
والصلة بين الآيات المحكمات:
﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾
جلية واضحة، فلسوف يعلمون اليقين حق علمه، حين يون الجحيم عين اليقين. والنسق القرآني لا يسمح بأن نفصل بين هذه الآيات، فنقطع ما بين ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ وبين ألاية بعدها ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ .
لكن المفسرون - فيما قرات أجمعوا على أن هذا القطع واجب! وقروا أن ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ منفصلة عن ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ هذا مع تقريرهم أن كل آية منهما لا يمكن أن تستقل بمعناها: فالأولى شرط يحتاج إلى جواب والثانية جواب يحتاج إلى شرط أوقسم.
ولتسوية الصنعة الإعرابية، مع فصل الجملتين، راحوا يتأولون في الموضعين كليهما، ويتكلفون تتمة مفترضة لكل من الآيتين:
ففي الأولى قالوا: إن جواب الشرط يدل عليه ما قبله، فيكون التقدير: لو تعلمون على اليقين لما ألهاكم لاتكاثر عن طاعة الله ربكم، ولسارعتم إلى عبادته والانتهاء إلى أمره، أو لفعلتم ما لا يوصف ودفعكم إلى السعي فيما تصلح به ظواهركم وتخلص به لله سرائركم وتتحد به في تأييد الحق هممكم.
وفي الثانية، قالوا: "لترون الجحيم، جواب لقسم محذوف، والقسم لتوكيد الوعيد" (الزمخشري والرازي) .
وتسأل: فيم كل هذا العناء؟ وما الذي منع ارتباط الجملتين عندهم، بحيث تكون الثانية تتمة للأولى متعلقة بها وجوباً للشرط فيها؟ النجاة قروا أن "لو" حرف امتناع لامتناع، أي أن جوابها لامتناع الشرط، فلو أننا جعلنا ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ جواباص للو، لاقتضى ذلك تحقق رؤية الجحيم مع لو، وهذا محال في حكم الصنعة!
стр. 189
قال النيسابورى: "اتفقوا على أن جواب لو محذوف، لأن قوله: "ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ : أمر واقع قطعاً، فلو كان ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ جواباً للشرط، كانت الرؤية أمراً مشكوكاً فيه، فيلزم المخالفة بين المعطوفات يعني: عطف ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ على ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ - أو الشك فيما هو واقع قطعاً، كلاهما غير سديد".
وقال الرازي: "اتفقوا على أن جواب لو محذوف، وأنه ليس قوله: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ حواب له، إذ لو كان جواباً لوجب ألا تحصل الرؤية، وذلك باطل".
وهكذا تتدخل الصنعة النحوية في نسق البيان الأعلى، وتقطع ما بين الآيتين، ثم تحوج إلى تأول تتمة مفترضة لكل منهما، مع أن المعنى يقوى بلا ريب، لو وصلنا بين الآيتين، إذ تكون رؤية الجحيم عين اليقين القاضية على كل شك، المحققة لعلم اليقين لا ريب فيه.
فهل تأبى العربية حقاً، ربط الآيتين، بمقتضى ما قرره جمهور النحاة من امتناع جواب لو، لامتناع شرطه؟
"لو" تأتي في العربية على خمسة أوجه، بينها إبن هشام في (المغنى) ونقل في الشرطية منها اختلافهم في الامتناع بها، ومنه قولهم:
(أنها تفيد امتناع الشرط وامتناع الجواب جميعاً. وهذا هو القول الجاري على ألسنة المعربين، ونص عليه جماعة من النحويين. وهو باطل بمواضع كثيرة.... ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ ) .... إلى أن قال بعد استيفاء بيان بطلانه:
(وقد اتضح أن أفسد تفسيرا لـ: لو، قول من قال: حرف امتناع لامتناع ... ) .
* * *
وأضيف إليه من الشواهد القرآنية، آيات:
الشعراء ٣٠: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ
стр. 190
مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ معها آيو الزحرف ٢٤
النساء ٩: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ ... ﴾
الأنعام ٣٠: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ .
ومعها أيات: الأنعام ٢٧، ٩٣، والأنفال ٥٠.
وقد أرى أن هذا الأسلوب، أقوى من الجملة الخبرية، في تأكيد الجواب وعدم احتماله أي شك، متى زال المانع.
والبيان القرآني المعجز يهدي إلى هذا الملحظ الذي غاب عمن قيدهم جمود المصطلح النحوي، فطبقوه صنعة شكلية، بعيداً عن ذوق العربية: فحين يقول تعالى: في آية التكاثر:
﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ .
لا وجه إطلاقاً لاحتمال الشك في رؤية الجحيم، لو علموت علم اليقين، وسيعلمونه حتماً حين يرون الجحيم عينن اليقين، وعندئذ يزول المانع، ويتحقق بزواله جواب الشرط.
والقرآن الكريم جاء بشرط "لو" هنا في مجال اليقين" ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ بعد أن قرر على وجه التأكيد والجزم والحسم أنهم سوف يعلمون. وإذ تقرر - بما لا يحتمل أي شك - أنهم سوف يعلمون علم اليقين، فقد لزم أن نقول إن امتناع شرط "لو" سيزول حتماً باليقين الذي قررت الآية أنهم سوف يعلمونه يقيناً لا ريب فيه، ويومئذ يتحقق الجواب، الذي ما منعه إلا أنهم لم يعلموا - حين ألهاهم التكاثر - علم اليقين.
стр. 191
وإيثار هذا الأسلوب في تأكيد رؤية الجحيم والسؤال فيها عن النعيم، وهو فيما أرى مناط البلاغة في هذا الأسلوب. إذ إن جواب لو إنما يمتنع لامتناع شرطه، أما حين يتحقق الشرط يقيناً فليس إلى شك في تحقيق الجواب من سبيل. وقد سبق آية ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ التأكيد الجازم بأنهم سوف يعلمون ثم كلا سوف يعلمون، فلم يبق شك في أن جهلهم بعلم اليقين زائل لا محالة، وعندئذ يتحقق جواب الشرط على وجه اليقين، عين اليقين.
فالربط بين الآيتين، ليس لاتقاء تمزيق السياق والإخلال بالنسق فحسب، ولكنه يحقق جواب (لو) تلقائياً، بزوال امتناع شرطها حين يعلمون، وسف يعلمون علم اليقين.
من عجيب أن المفسرين لكي يخلصوا رؤية الجحيم من الامتناع أو احتمال الشك الموهوم، أكدوا امتناع شرط (لو) في: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ مع أن الله تعالى يقول: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ .
فلم يلتفتوا إلى أن احتمال الشك في تحقيق شرط لو، وأنهم سوف يعلمون علم اليقين، هو الباطل عين الباطل!
* * *
وتختم السورة بالآية:
﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾
فيبلغ الوعيد ذروته، ويصل به إلى غاية منتهاه.
وقد اختلف المفسرون في هذا السؤال عن النعيم:
ممن يكون؟ ولمن يكو؟ وأين يكون؟
في قول: إن السؤأل يكون من الملائكة، وقيل: إن السؤال من الله.
والقرآن سكت عن ذكر السائل، تركيزاً للإهتمام في السؤال نفسه ففيم هذا الإختلاف فيمن يكون السائل، مع أن صنيع القرآن صريح في الصرف عنه عمداً؟
стр. 192
وقالوا: إن السؤال يومئذ للكفار، وقيل: بل هو للبشر كافة: المؤمنون منهم والكفار "النيسابورى وأبو حيان" وسكت الزمخشري فلم يتعرض هنا لتحديد المسئول، لكنه - في تفسير النعيم - اعتبر أن السؤال للإنسان، على الإطلاق.
لكن كيف يمكن إدخال المؤمنين مع الكفار في سؤال واحد؟
الجواب عند المفسرين حاضر: "فالمؤمن يسأل إكرام وتشريف، والكافر يسأل سؤال توبيخ وتقريع" - البحر المحيط.
هكذا يجتمع الإكرام والتشريف، والتوبيخ والتقريع، بلفظ واحد وفي جو واحد وسياق واحد!
وتوجيههم للآية بجعل السؤال فيها للإنسان بعامة: الكافر والمؤمن، يعزل الآية عن الجو العام الحافل بالوعيد والنذير، ويتناولها مقتطعة من السياق في صريح دلالته على أن السؤال هنا نذير، والخطاب فيه لمن ألهاهم التكاثر.
وللمفسرين في: أين يكون هذا السؤال عن النعيم؟ أقوال:
منها: أن السؤال في موقف الحساب. فلما رد عليهم بأن هذا ليس السياق: "لأنه تعالى أخبر أن هذا السؤال متأخر عن رؤية جهنم، وموقف الحساب متقدم على مشاهدتها" أجاب الرازي:
"المراد: ثم أخبركم أنكم تسألون يوم القيامة.... وهو كقوله: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ..... ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ والإيمان متقدم على كل شيء".
ومنها: أن السؤال يكون إذا دخلوا النار. واستأنسوا بآية الملك: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ .
وآية التكاثر فيما ترى تحدد وقت السؤال بيومئذ، أي يوم ترونها اليقين، وهذا التحديد الصريح يعفينا من الوقوف عندما اختلفوا فيه.
* * *
стр. 193
واختلفوا كذلك في النعيم الذي يسألون عنه يومئذ، وقد كثرت تأويلاتهم فيه حتى بلغ ما عده "الرازي" منها تسعة وجوه: وتتفاوت هذه النعم المسئول عنها، فأدناها النعلان، وأعلاها رسول الله ﷺ ! وبينهما يأتي: تخفيف الشرائع، وتيسير القرآن، والطعام والشراب والمسكن، وصحة الأبدان والأسماع والأبصار، والظل البارد، والفراغ والأمن والدعة، ولذة النوم، والحالة الحسنة، واعتدال الخلقة.
وهكذا لم يتركوا شيئاً يمكن أن يقال في تأويل النعمة إلا جاءوا به، وجاءوا له بشاهد من القرآن أو الحديث أو خبر مأثور: من ذلك مثلاً، أن تأويل النعيم برسول الله، يؤيده عندهم قوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا﴾ .
وفي تأويله بالماء والطعام، ذكروا آية الأعراف: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ .
وفي تآويله بالظل والنعلين رووا حديثاً عن "أنس" أنه "لما نزلت الآية قام محتاج فقال: هل على من النعمة شيء؟ قال: الظل والنعلان والماء البارد".
وفي تأويله بالشبع والرى، رووا عن رسول الله ﷺ ، أنه "خرج ذات ليلة إلى المسجد فلم يلبث أن جاء أبو بكر، فقال ﷺ : ما أخرجك يا أبا بكر؟ فقال الجوع. قال: والله ما أخرجني إلا الذي أخرجك. ثم دخل عمر فقال مثل ذلك. فقال النبي ﵊: قوموا بنا إلى منزل أبي الهيثم. ففعلوا، وأكلوا هناك خبزاً من شعير ولحماً، وشربوا ماء عذباً. فقال ﷺ : هذا من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة".
* * *
والنعيم قد يحتمل لغة، كل هذا الذي قالوه، فهو في معاجمها:
стр. 194
الخفض والدعة، والمال، واليد البيضاء والروضة الناعمة..... كما يحتمل: الدين، والهدى، والظل والصحة والنوم....
لكن هل يحتمل البيان العالى، كل هذه المعاني المتفاوتة في موضع واحد؟
وهل يسبغ الذوق المصفى، أن تفسر الكلمة بالنعلين، كما تفسر بالرسول ﷺ ؟
"الإمام الطبري" يميل إلى تخصيصه بنعيم الدنيا، قال: "ثم ليسالنكم الله عن النعيم الذي كنتم فيه في الدنيا، ماذا عملتم فيه، ومن أين وصلتم إليه، وفيم أصبتموه".
واختار "الرزي" إطلاق اللفظ على جميع النعم، قال: والأولى أنه يجب حمله على جميع النعم، وأن تكون الألف واللام فيه للاستغراق.
وخصه "الزمخشري" بنعيم "من عكف على استيفاء اللذات ولم يعض إلا لياكل ويشرب ويقطع أوقاته باللهو والطرب...... فأما من تمتع بنعمة الله وأرزاقه التي لم يخلقها إلا لعباده، وتقوى بها على دراسة العلم والقيام بالعمل، وكان ناهضاً بالشكر، فهو من ذاك بمعزل".
وقال "الراغب": والنعيم النعمة الكثيرة.
وأمام هذا الاختلاف، بل أمام ذلك التفاوت بين تأويل النعيم بالنعلين أو الظل مرة، وجميع النعم على الاستغراق، نلوذ بالقرآن الكريم لنحتكم إليه فيما اختلفوا فيه.
والقرآن استعمل النعمة، والأنعم، والنعماء، والنعيم بملحظ من الدلالة لم يتخلف قط.
فالنعمة تستعمل فيما أنعم الله به على هباده من خير أو هداية في الدنيا.
وقد جاءت بهذا المعنى ٤٩ مرة، مضافة إليه ، أو إلى ضميره
стр. 195
جل شأنه، أو هي نعمة منه ﷻ . وجاءت مرة واحدة في حديث موسى لفرعون بآية الشعراء ٢٢: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ وهي أيضاً نعمة في الدنيا لا الآخرة.
وكذلك جاء الجمع منها: نعم، وأنعم فيما ينعم الله به على عباده في الدنيا:
﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ﴾ (لقمان ٢٠) - ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ (النحل ١١٢) ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (النحل ١٢١)
ونعماء أيضاً، جاءت خاصة بالدنيا في آية هود ١٠:
﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ .
وكما اطرد مجئ نعمة ونعم وأنعم ونعماء، في نعم الدنيا، اطرد كذلك كجئ "نعيم" خاصاً بالآخرة، في كل الآيات التي ورد فيها لفظ نعيم بالقرآن الكريم، على وجه الاستقراء.
التوبة ٢١: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ .
الطور ١٧: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾ .
الواقعة ٨٩: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ .
المعارج ٣٨: ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ .
الانفطار ١٣: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ .
المطففين ٢٢: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ .
стр. 196
الإنسان ٢٠: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ بياناً لقوله تعالى: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً ... ﴾ .
المائدة ٦٥: ﴿وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾
يونس ٩: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ .
الحج ٥٦: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ .
الصافات ٤٣: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١) فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ .
الواقعة ١٢: ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ .
لقمان ٨: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾ .
الشعراء ٨٥: ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ .
القلم ٣٤: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ .
ثم آية التكاثر.
وأما هذه الدلالة القرآنية لكلمة "النعيم" خاصة بنعيم الآخرة، في كل المواضع التي ذكر فيها النعيم في القرآن، لا مناص لنا من النزول على حكمت القرآن هنا، فلسنا مخيرين في تأويل لفظ النعيم بما يحتمله لغة أو مجازاً، وهذا القرآن أمامنا لم يستعمل النعيم قط في نعمة من نعم الدنيا، وإنما هو فيه دائماً، نعيم الآخرة.
ولكت هذا المعنى المتعين، هو الوحيد الذي لم يذكره المفسرون - فيما قرأت - وهم يعدون كل ما يمكت أن يقال في تفسير النعيم، ويذكرون فيه ذلك الحشد المختلط. إلا نعيم الآخرة في دلالته الإسلامية بالقرآن الذي يجب أن نحتكم إليه في توجيه آية التكاثر.
فعلى هدى القرآن الذي خص صيغة "النعيم" وحده بالآخرة، دون نعمة
стр. 197
ونعماء وأنعم ونعم، ولا نملك إلا أن نفهم أن السؤال في آية التكاثر، إنما هو عن نعيم الآخرة....
وسر البيان فيه، أن هؤلاء الذين ألهالهم التكاثر في الأموال والأولاد وغيرهما من أعراض الدنيا الزائلة، وحسبوها النعيم الذي ما بعده نعيم، وضغلوا بها عن التزود لآخرتهم، سيسألون يوم يرون الجحيم عين اليقين، عن النعيم الحق ما هو؟ ويومئذ يدركون يقيناً حقيقة النعيم الذي ألهاهم عنه التكاثر والتكالب على نعم مآلها احتشاد في المقابر ثم بعث وحساب!
سر البيانهنا، أن الموقف في الآخر هو موقف العلم اليقين، والإدراك المتحقق الذي لا مجال فيك لشك وإرتياب، وإذ كان نعيم الجنة هو النعيم الحق، كان السؤال في موقف الحق عن النعيم الحق، لا عن الأعراض الزائلة، من صحة ومال وظل وماء ومأكل ومسكن، وثياب ونعال.... فما شيء من هذا كله إلا "نعمة" دنيا وعطية مستردة، وإنما يسألون يوم يعلمو علم اليقين، ويرون الجحيم عين اليقين، عن النعيم الحق الذي أضاعوه، والخير الباقي الذي ألهاهمعنه التكاثر في العرض الزائل والحطام الفاني.
والإنذار بهذا السؤال عن النعيم، يتسق على أكمل وجه، مع الوعيد المسيطر على السورة كلها، وبه تتلاءم آياتها وتترابط في نسق معجز، لا موضع فيه لحلل الصنعة واضطراب النظم وتفاوت جو الأداء وتغير روح الموقف، مما أقحمته تأويلات يفوتها إدراك أسرار التعبير في المعجزة الخالدة.
﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ .
صدق الله العظيم
стр. 198
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
التفسير البياني الجزء الثاني
المؤلف: الدكتورة / عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطيء)
دار النشر: دار المعارف - القاهرة
الطبعة السابعة
عدد الأجزاء: ٢
стр. 199
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
مضت خمس سنوات على ظهور الجزء الأول من هذا التفسير البياني، نفدت خلالها ثلاث طبعات منه، وظهرت منه طبعة أخرى مسروقة في بيروت، قبل أن يتاح لي تقديم هذا الجزء الثاني الذي طال انتظاره.
وعلى مدى تلك السنوات، تابعت العكوف على تدبر البيان القرآني والإنقطاع لخدمة كتابنا الأكبر، فكنت كلما اجتليت باهر أسراره البيانية، ألفيت من الصعب أن أقدمها على النحو الذي يفي بخلالها، وتهيبت أن أودي بالمألوف من تعبيرنا، أسراراً من البيان المعجز تدق وتشف، حتى لتجل عن الوصف وتبدو كلماتنا حيالها عاجزة صماء! فإن أكن جرؤت على تقديم هذا الجزء الجديد من التفسير البياني بعد طول تهيب ومعاناة، فليشفع لي أن حذدت له كل طاقتي وجهدي، وأن الأمر فيه يتجاوز كل طاقة وجهد.
* * *
والمنهج المتبع هنا، هو الذي خضعت له فيما قدمت من قبل، بضوابطه الصارمة التي تأخذنا باستقراء اللفظ القرآني في كل مواضع وروده، للوصوص إلى دلالته، وعرض الظاهرة الأسلوبية على كل نظائرها في الكتاب المحكم، وتدبر سياقها الخاص في الآية والسورة، ثم سياقها العام في المصحف كله، التماساً لسرها البياني.
وإذ نضع معاجم العربية وكتب التفسير في خدمة هذا المنهج، فإننا نحاول أن ندرك حسن العربية للألفاظ التي نتدبرها من النص القرآني، عن طريق لمح الدلالة المشتركة في شتى وجوه استعمالها لكل لفظ، وواضح أنه لا سبيل إلى دراسة أي نص في لغة﴾ ﴾
стр. 200
ما، دون فقه لألفاظه في لغته. ثم يكون للنص بعد ذلك أن يحدد لكل لفظ دلالته الخاصة، من شتى الدلالات المعجمية، أو يضيف إليها ملحظاً ينفرد به،
والقول بدلالة خاصة للكلمة القرآنية، لا يعني تخطئة سائر الدلالات المعجمية، كما أن إيثار القرآن لصيغة بعينها، لا يعني تخطئه سواها من الصيغ في فصحى العربية. بل يعني أننا نقدر أن لهذا القرآن معجمه الخاص بيانه المعجز، فنقول إن هذه الصيغة أو الدلالة قرآنية، ثم لا يعترض علينا بأن العربية تعرف صيغاً ودلالات أخرى للكلمة.
* * *
والأمر كذلك فيما يهدى إليه الاستقراء من وجوه بيانية وظواهر أسلوبية، تقدمها منه دون أن نخشى فيها مخالفة لبعض قواعد النحويين وأحكام البلاغيين. لأن الأصل أن تعرض قواعدهم وأحكامهم على البيان الأعلى، لا أن نعرض القرآن عليها ونخضعه لها. ويبدو أننا في حاجة ماسة إلى إعادة النظر في قواعد النحو المدرسية وأحكام الصنعة البلاغية، في ضوء ما هدى ويهدي إليه التدبر الإستقرائي لكتاب العربية الأكبر. في بيانه المعجز.
كما ننتفع بجهود المفسرين حين نعرض أقوالهم على القرآن الكريم، فنقبل منها ما يحتمله نصاً وسياقاً. ثم يكون إيرادنا للأقوال الأخرى التي لا يقبلها النص، لفتاً إلى وجه الشطط فيها أو التكلف والإعتساف، وتنبيهاً إلى ما ينبغي من حذر وحرص، لاتقاء التورط في مقحم التأويلات المذهبية والمدسوسات الإسرائيلية.
* * *
وأرانى في حاجة إلى تقرير مسألتين في المنهج:
أولاهما: أن المرويات في أسباب النزول موضع اعتبار في فهم الظروف التي لابست نزول الآية. مع تقدير أن الصحابة الذين عاصروا نزولها ورويت عنهم أقوال
стр. 201
فيها، وربطها كل منهم لما وهم أو فهم أنه السبب في نزولها. وهذا هو معنى قول علماء القرآن: إن المرويات في أسباب النزول يكثر فيها الوهم.
ونقدر معه أن السببية فيها ليست بمعنى العلية التي لولاها ما نزلت الآية. وأن العبرة في كل حال، بعموم اللفظ المفهوم من صريح نصها، إلا أن يتعين الاعتبار بخصوص السبب الذي نزلت فيه بدليل من صريح النص أو بقرينة بينة.
والأخرى: أن ترتيب النزول موضع اعتبار كذلك، لفهم السياق العام لما نتدبر من آيات القرآن ودلالات ألفاظه وخصائص بيانه في المصحف كله ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ .
* * *
وبعد وقبل، فإن القضية الكبرى في هذا التفسير، وكل تفسير، هي أنه لا يعني بحال ما، تقديم كلمة يمكن أن تقوم مقام الكلمة القرآنية في سياقها، على وجه المماثلة والترداف، فيهيهات لبشر أن يأتي بآية من مثل هذا القرآن.
التفسير ليس إلا محاولة للفهم على وجه الشرح والتقريب، بالكلمات المفسرة، لا على انها والكلمات القرآنية سواء. ولعل هذا مما حمل المفسرين على الإطالة في الشرح والتكثر في وجوه التأويل للكلمة أو الآية القرآنية، من حيث يتعذر علينا جميعاً الإتيان بكلمة أخرى مماثلة لها، في موضعها من البيان المعجز.
ولست بحيث أجهل أن المدى الذي بلغته في محاولتي، محدود بطاقتي وجهدي.
ويظل المجال مفتوحاً لعطاء أبنائي الصفوة، طلاب الدراسات القرآنية العليا الذين أحظى بصحبتهم في أعرق الجامعات الإسلامية، ويظل مفتوحاً بعدنا لجهد أجيال من العلماء تتاقب على تدبر كتابنا الأكبر فتدرك منه ما فاتنا أن ندركه، وتستشرف لآفاق قصرت محاولتنا عن مدادها.
ويبقى من أسراره ما يفوت ظاقة البشر:
﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ . صدق الله العظيم.
المغرب
شوال ١٣٩٧ هـ
أكتوبر ١٩٧٧ م
стр. 202
سورة العلق
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥) كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨) كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩) ﴾
صدق الله العظيم
стр. 203
المشهور في اسمها: "سورة العلق" ويذكرها بعض المفسرين، كالطبري باسم "سورة اقرأ" أو "اقرأ باسم ربك" وجاء بها "الرازي" في تفسيره الكبير باسم "سورة القلم" زهذا الاسم يلتبس بالسورة بعدها: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ واسمها في تفسير الرازي "سورة ن".
* * *
والمشهور كذلك أنه أمل سورة نزلت من الوحي. ولم يشر "ابن إسحاق" في (السيرة النبوية) إلي خلاف في لذك. ومثله "الطبري" في تفسيره. وفيهما الحديث عن "السيدة عائشة أم المؤمنين" قالت: "كان أول ما ابتدئ به رسول الله ﷺ من الوحي، الرؤيا الصادقة، كانت تجئ مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء فكان بغار حراء يتحنث فيه الليالي ذوات العدد قبل أن يرجع إلى أهله، ثم يرجع إلى أهله فيتزود لمثلها. حتى فجأه الحق فأتاه فقال: يا محمد أنت رسول الله..... ثم قال: اقرأ. قال الرسول ﷺ : فغطني ثلاث مرات حتى بلغ مني الجهد، فقال: اقرأ قلت: ماذا أقرأ؟ فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ فقرأتها، ثم انتهى وانصرف عني فكأنما كتبت في قلبي كتاباً. فخرجت حتى إذا كنت في وسط من الجبل سمعت صوتاً من السماء يقول: "يا محمد، أنت رسول الله وأنا جبريل". فرفعت رأسي إلى السماء أنظر، ما أتقدم وما أتأخر، فمازلت واقفاً حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي فبلغوا أعلى مكة ورجعوا إليها وأنا واقف في مكاني ذلك، ثم انصرف عني. وانصرفت راجعاً إلى أهلي حتى أتيت خديجة، فقالت: يا أبا القاسم أين كنت، فوالله لقد بعثت رسلي في طلبك حتى بلغوا مكة ورجعوا لي؟ ثد حدثتها بالذي رأيت فقالت: أبشر يا ابن عم واثبت، فوالله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتؤدي الأمانة وتحمل الكل وتقرى الضيف وتعين على نوائب الحق.
стр. 204
ثم انطلقت بي إلى ورقة بن نوفل بن أسد، قال: أسمع من ابن أخيك، فسألني وأخبرته خبري، فقال: والذي نفسي بيده إنك لنبي هذه الأمة، ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء موسى، ولتكذبنه، ولتؤذينه ولتخرجنه ولتقاتلنه! ليتني أكون حياً حتى يخرجك قومك. قلت: أو مخرجني هم؟ قال: نعم، إنه لم يجئ رجل قط بما جئت به إلا عودى، ولئن أدركني يومك لأنصرنك نصراً مؤزراً....
ثم كان أول ما نزل علي من القرآن بعد اقرأ: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ......﴾ .
* * *
ولكن هناك قولاً - في الكشاف وتفسير الرازي - أن الفاتحة كانت أول سورة نزلت من الوحي، وبعدها نزلت سورة العلق.
وفي قوله آخر نقله الرازي، أن الذي نزل من السورة أول الوحي، آياتها الخمس الأولى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ إلي قوله تعالى: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ . ثم نزلت البقية بعد أن أبلغ المصطفى رسالته، وتصدى له من تصدى من طواغيت قريش بالتكذيب، وأمر النبي ﷺ بضم هذه الآيات إلى أول السورة. لأن تأليف الآيات إنما كان بأمر الله تعالى.
وجاء في البحر المحيط:
"هذه السورة مكية، وصدرها أول ما نزل من القرآن، وذلك في غار حراء على ما ثبت في صحيح البخاري وغيره، وقول جابر: أول ما نزل المدثر، وقول أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل: أول ما نزل الفاتحة، لا يصح".
وسياق الآيات قد يرجح هذا القول بأن صدر سورة العلق، أول ما نزل من
стр. 205
القرآن، ثم لا يبدو مخالفاً لما في تفسير الطبري والسيرة النبوية، حيث يقف الحديث فيهما عن اول ما نزل من الوحي، عند الآية الخامسة: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ .
* * *
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ .
من عجب أن تكون كلمة ﴿اقْرَأْ﴾ أول ما استهل به الوحي إلى النبي الأمي المبعوث في الأميين رسولاً منهم، وأن يكون "الكتاب" معجزة هذا النبي المصطفى لختام رسالات الدين منذ أربعة عشر قرناً من الزمان، والعصر عصر بداوة، والبيئة وثنية جافية لا عهد لها بمظاهر الحضارة المادية والفكرية التي ازدهرت في بيئات أخرى كوادي النيل، ووادي الرافدين....
ونحتاج هنا في هذه السورة المبكرة من أول الوحي، إلى تمثل ما كان لها من وقع في نفوس الذين تلاها فيهم المصطفى ﵇، مستأنسين بما كانت البيئة العربية في عصر النبوة تفهمه وتدركه، بعيداً عما أضيف إلى هذا الفهم من محدث التأويلات التي أضافتها عصور متأخرة.
واللافت أن الإمام الطبري لم يجد حاجة إلى تأويل آية: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ لوضوح معناها. فليست القراءة بحيث تحتمل التأويل بغير المألوف من دلالتها على التلاوة. والعربية كانت تستعملها في التلاوة من نص مكتوب أو غير مكتوب.
كما عرفت الرب بدلالته على المالك والمعبود.
وإذ كانت الكلمة وحياً إلهياً، فباسم ربه الذي خلق، أمر المصطفى أن يقرأ. وقد كان لقبائل العرب الوثنية أربابها من أوثان وأصنام، ومحمد كان قبل المبعث في حيرة من أمره وأمر قومه، يراهم على سفه وضلال، وينكر عبادتهم لأرباب صنعوها بأيديهم من خشب وحجر وطين، ثم نسوا أنهم صانعوها وكدسوها في ساحة البيت العتيق، وعطفوا عليها عابدين.
وطال به التأمل التماساً لما يهديه من حيرته، وقد صد عما يعبده قومه من أوثان صماء بلهاء، ولم يجد ما يطمئن إليه لدى من عرفت الجزيرة من عصابات يهود التي
стр. 206
طرأت على شمال الحجاز فأنشبت مخالبها في الأرض الطيبة، ونسيت "موسى" وربه، واتخذت من الذهب وثنها المعبود.
والنصارى - في الشام ونجران - قد مزقتهم التفرقة المذهبية، فبعضهم لبعض عدو، وكل طائفة ترمى الأخرى بالكفر والضلال....
ومن بعيد كان لهب النار يسطع من معابد المجوس، وقد أحاط بها القوم طائفين عابدين!
وفي تلك الظلمة الغاشية، كانت كلمة الوحي ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ للأمي المختلى في حراء، توجيهاً وهداية إلى الحق الذيى طال التماسه إياه، وإذاناً بانتهاء حيرته التي طالما أجهدته في تأملاته، وانبثاقاً لنور فجر جديد ينسخ ظلمات ليل ادلهم وطال.
* * *
وقد يجدي أن ننقل عن الفخر الرازي أن في قوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ إشعاراً بأن كل قراءة القرآن يجب أن تبدأ باسم الله. لكنا نتوقف حيال ما ذكره من أن في قوله تعالى: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ بدلاً من: باسم الله، أن الرب من صفات الفعل والله من أسماء الذات.... فالأمر هنا يستوجب العبادة بصفات الفعل....
وأن في كلمة ربك ﴿ما يزيل فزع الرسول من الوحي. فكأنه قال: ربك هو الذي رباك فكيف يفزعك؟ فأقاد هذا الحرف معنيين في أحدهما: ربيتك فلزمك القضاء فلا تتكاسل. والثاني: قد ربيتك حين كنت علقاً فكيف أضيعك بعد أن صرت خلقاً نفسياً موحداً عارفاً بي؟ ".
وإنما حسبنا أن نلمح ما في ﴿رَبِّكَ﴾ من صلة بحال المصطفى وقومه قبل المبعث، وطول حيرته التماساً للهدى والحة، وطول خلوته المتأملة في ملكوت السموات والأرض. وهذا هو نور الكلمة يشرق فيهديه إلى ربه الذي خلق، الجدير بالعبادة دون هذه الأرباب المخلوقة التي عبدتها الوثنية العربية.
ولا وجه عندنا لما تعلق به بعض المفسرين من تأول مفعول لـ ﴿خَلَقَ﴾ في الآية الأولى, بل ندعها على إطلاقها الذي يفيد معنى العموم, ثم تتولى الآية بعدها
стр. 207
تخصيص هذا العام، باللفت إلى خلق الإنسان، من حيث كان الوحي القرآني لهداية هذا الإنسان، دون غيره من الكائنات.
كما لا نجد حاجة إلى الوقوف عندما قدره بعضهم - فيما نقل الرازي - من أن "في قوله تعالى: الذي خلق، من التمهيد لاعتراف عباد الأوثان به، ما ليس في قوله: الذي لا شريك له. لأنه لم بدأهم بهذه المواجهة لأبوا أن يقبلوا ذلك منه، فقدم تعالى في ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ مقدمة تلجئهم إلى الاعتراف به، فكأنه قال: واذكر لهم أنهم هم الذين خلقوا من العلقمة فلا يمكنهم إنكاره، ثم قل: ولابد للفعل من فاعل، فلا يمكنهم أن يضيفوا الخلق إلى الوثن لعلمهم بأنهم نحتوه. فبهذا التدريج يقرون بأني المستحق للثناء".
وسياق الآيات صريح في أنه تقرير لربوبية الخالق. وتخصيص خلق الإنسان بالذكر دون سائر المخلوقات، لأن الإنسان هو المختص بالقراءة والعلم، المنفرد بتبعية التكليف، المخاطب بكل ما سوف ينزل به الوحي من كلمات اللله.
* * *
﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ .
من السلف من تأويله على أن المقصود به إيناس الرسول ﵊ إلى ربه الذي دعاه ورباه مذ كان علقاً. وآخرون منهم تأولوه على قصد التدرج بعباد الأوثان إلى الإقرار بخالفتهم. وعلى ما نقلنا من كلام الفخر الرازي.
وقال الزمخشري إن في الآية تفخيماً لخلق الإنسان ودلالة على عجيب فطرته. وقد نقله الرازي، ثم أضاف إليه، في تأويل ﴿عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ : كون الإنسان من علقة وهي أخس الأشياء، ثم صيرورته عالماً والعلم أشرف المراتب، فكأنه تعالى يقول: انتقلت من أخس المراتب إلى أعلى المراتب، فلابد لك من مدبر مقدر ينقلك من تلك الحالة الخسيسة إلى هذه الحالة الشريفة.
стр. 208
ولفت "أبو حيان" إلى أن ذكر ﴿رَبَّكُ﴾ في الآية الأولى، إيناس للمصطفى وتعيين لربه، لا رب غيره. ثم جاء بصفة الخالق، وهو المنشئ للعالم، لما كانت العرب تسمى الأصنام أرباباً، فأتى بالصفة التي لا يمكن شركة الأصنام فيها.
وكل هذا مما يمكن أن يقال.
وليس هو، على أي حال، بأبعد مما ابتدعه محدثون اتجهوا بهذه الآية إلى مجال البحث في علم الأجنة، والتمسوا المراجع الأجنبية لعلماء الفسيولوجيا والبيولوجيا، لفهم آية نزلت على النبي الأمي في قوم أميين لم يسمعوا قط، ولا سمع عصرهم، بعلم الأجنة. وغير متصور أن يكون القرآن الكريم قدم لهم من آيات ربوبية الخالق وقدرته، ما لا سبيل لأحد منهم إلى تصوره، فضلاً عن فهمه وإدراكه.
وإنما فهموا من العلق ما تعرفه لغتهم وبيئتهم وعصرهم، والعربية قد استعملت العلق مادياً في كل ما يعلق وينشب: كالدم، والمحور الذي تعلق عليه البكرة، وعلقت النرآة حملت، ومعنوياً في العلاقة تنشب بين لثنين حباً أوبغضاً، وفي الصلة تربط بينهما.
ولم يكونوا في حاجة إلى درس في علم الأجنة أو مراجعة كتاب في المكتبة الأمريكية التي ظهرت بعدهم بقرون، ليفهموا آية خلق هذا الإنسان من علق في أرحام الأمهات، وهم الذين ألفوا استعمال: علقت المرآة، بمعنى حملت.
واستعمال العلق هنا، جمع علقة، إيذان بما ذهبت إليه من إطلاق في عموم لفظ الإنسان.
ولا يشير السياق إلى أن القصد من ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ توجيه المصطفى ومن يؤمنون برسالته إلى النظر في علم الأجنة، وإنما هي آية الله في هذا الإنسان، خلقه من علق، وخصه بالعلم، واحتمل أمانة التكليف، فازدهاه الغرور وأطغاه الشعور بوهم الاستغناء عن خالقه، فنسى أن إليه، سبحانه، الرجعى والمصير.....
стр. 209
وهذه هي قصة الإنسان، من المبدأ إلى المنتهى، تلفت إليه سورة الوحي الأولى، بإيجاز، توطئة لما سوف يتتابع من آيات الوحي التي تزيد كل هذه الملامح المجملة تفصيلاً وبياناً.
فهذا الإنسان الذي خلق الله من علق، وعلمه ما لم يكن يعلم، وإليه رجعاع، هو الإنسان الذي نزلت في خلقه آياته تعالى، على ترتيب النزول:
﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾
(سورة عبس)
﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾
(سورة الطارق)
﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾
(سورة يس)
﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾
(سورة الكهف)
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾
(سورة الحج)
﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾
(سورة الإنسان)
وما من آية فيها، يؤذن سياقها بتوجيه إلى النظر في علم الأجنة وعلم الأحياء والتشريح، وإنما تأتي جميعاً في الاستدلال لقدرة الذي خلق الإنسان من علق، أو
стр. 210
من نطفة أو من تراب، على النشأة الأخرى التي هي مدار الثواب والعقاب، ومناط ما يوجه إليه كتاب الإسلام من تكليف وبشرى ووعيد.
* * *
﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ .
ذهب بعض المفسرين، فيما نقل الفخر الرازي، إلى أن ﴿اقْرَأْ﴾ في الآية الأولى تعني: "اقرأ لنفسك، وهي في هذه الآية بمعنى التبليغ، أو أن الأولى للتعلم، والثانية للتعليم، أو أن الأولى: اقرأ في صلاتك، والثانية: اقرأ خارج صلاتك".
وهي أقوال متقاربة، وإن كان الأولى لأخذ السياق على ظاهره، بما يفيد من تأكيد الأمر الإلهي للمصطفى بالقراءة. وإذ كان لا يدري ماذا يقرأ، فقد تولى الوحي بيانه، فليقرأ باسم ربه الذي خلق.... وليقرأ وربه الأكرم.
والكرم في العربية نقيض اللؤم، ودلالته على العزة مألوفة في استمعال لكرام الناس. والإكرتم ضد الإهانة والإذلال.
ومن الكرم بمعنى العزة، جاء الكريم في القرآن وصفاً لذي الجلالة أو اماً من أسمائه الحسنى، ووصفاً لعرشه:
﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ .
﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ .
كما جاء وصفاً لرسول، وملك، وكتاب، وقرآن كريم، ووعد المتقون برزق، وأجر، ومدخل ومقام كريم.
وجاء الكرتم، جمع كريم، وصفاً لملائكة بررة، كاتبين. وللمؤمنين في سياق اليسرى.
وفي سياق الوعيد والسخرية، جاءت آية الدخان في الأثيم:
﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ - ٤٩.
وفي التكريم والإكرام، نقيضاً للتحقير والإذلال، جاءت صيغة مكرمة وصفاً لصحف الوحي، والمكرمون وصفاً للملائكة، ولضيف إبراهيم منهم، ولأهل الجنة.
стр. 211
وجاء الفعل في تكريم الله وإكرامه للمتقين، وقوبل بالإهانة في آية الحج.
﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ - ١٨.
أما أفعل التفضيل، فجاء مرة مضافاً إلى ضمير المخاطبين في آية الحجرات: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ - ١٣.
وانفردت آية العلق بصيغة ﴿الْأَكْرَمُ﴾ معرفة بـ: ال، بما يفيد اختصاصه تعالى بهذه الرتبة العليا على عموم إطلاقها.
دون تعلق بتأويل أكرميته تعالى، وقد تأولها الزمخشري بأنه: "الذي له الكمال زيادة كرمه على كل كرم، ينعم على عباده النعم التي لا تحصى، ويحلم عنهم فلا يعالجهم بعقوبة مع كفرهم وجحودهم لنعمه، ويقبل توبتهم ويتجاوز عنهم بعد اقتراف العظائم، فمالكرمه غاية ولا أمد".
وساق الفخر الرازي في أكرميته تعالى وجوهاً أربعة:
* أنه تعالى لا يحلن وقت جناية الإنسان فحسب، بل يزيد إحسانه بعد الجناية.
ونظر له الشاعر:
متى زدت تقصيراً تزد لي تفضيلاً كأنى بالتقصير أستوجب الفضلا
* أنك كريم يا محمد، لكن ربك الأكرم.
* أنه تعالى له الابتداء في كل كرم وإحسان، وكرمه غير مشوب بتقصير.
* يحتمل أن يكون فيهخ حث على القراءة أو على الإخلاص، بمعنى: فهو يجازيك بكل حرف مما تقرأ عشراً. أو بمعنى: تجرد لدعوة الخلق ولا تخف أحداً، فأنا أكرم من أن آمرك بهذا التكليف الشافي ثم لا أنصرك.
ونلاحظ عليهم أن في كل ما تأولوه، تقييداً لصيغة الأكرم، ينقلها إلى المفاضلة بين كريم وأكرم منه. والحق أن البيان القرآني حين قيد أفعل التفضيل في آية الحجرات بإضافتها إلى ضمير المخاطبين، جعل أكرميتهم محدودة بنطاق الناس الذين خاطبهم في
стр. 212
الآية. واستأثر سبحانه بصيغة ﴿الْأَكْرَمُ﴾ على الإطىق ونظيره الأعلى في آيتى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ ، ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ .
لافتاً إلى حس العربية الأصيل حين تأتي بأفعل التفضيل معرفاً بأل، وغير مميز، فتفيد من العموم والإطلاق ما لا تفيده الصيغة نفسها من المفاضلة مقيدة بمضاف إليه لا تتجاوزه أو مميزة بوجه تفاضل لا تعدوه.
* * *
﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ .
العلم إدراك الشيء على حقيقته، ونقيضه الجهل.
وقد سبق استقراء آيات العلم في القرآن الكريم، في تفسير آية ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ من سورة التكاثر.
والقلك أداة الكتابة، ومنه آية القلم: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ .
فسره الطبري في آية العلق، فقال: "علم الإنسان الخط بالقلم ولم يكن يعلمه".
وكذلك فسره الزمخشري بعلم الكتابة، واستطرد فذكر ما لهذا العلم من "المنافع العظيمة التي لا يحيط بها إلا هو، وما دونت العلوم ولا قيدت الحكم ولا ضبطت أخبار الأولين ومقالاتهم ولا كتب الله المنزلة إلا بالكتابة، ولولا هي لما استقامت أمور الدين والدنيا". ونقله أبو حيان في "البحر المحيط".
وقريب منه ما ذكره الفخر الرازي في شرف القلم وحكمة خلقه. وعقد "ابن قيم الجوزية" في تفسيره لسورة القلم فصلاً مسبهاً في شرف القلم وفوائده، ثم ذيله بفصل طريف في منازل الأقلام على تفاوت رتبتها من الشرف، فجعلها اثنى عشر نوعاً:
стр. 213
أولها: وأعلاها وأجلها قدراً قلم القدر السابق الذي كتب الله به مقادير الخلائق.
ثانيها: قلم الوحي يكتب به وحي الله تعالى إللا سرله وأنبيائه.
ثالثها: قلم الفقهاء والمفتين. ويتلوه على الترتيب التنازلي: قلم طب الأبدان، وقلم التوقيع عن الملوك والساسة، وقلم الحساب تضبط به الأموال، وقلم الحكم تثبت به الحقوق وتنفذ القضايا، وقلم الشهادة تحفظ به الحقوق وتصان عن الإضاعة، وقلم تعبير الرؤيا ووحي المنام، وفقلم التأريخ، وقلم اللغة يشرح معاني الأفاظها ونحوها وتصريفها وأسرار تراكيبها، ثم القلم الجامع وهو قلم الرد على المبطلين.
وأضاف الفر الرازي إلى تأويل الآية، أن فيها إشارة إلى الأدلة السمعية والأحكام المكتوبة التي لا سبيل إلى معرفتها إلا بالسمع، بعد أن أشرات آية: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ إلى الجلالة العقلية على كمال القدرة والحكمة والعلم. فكأنها إشارة إلى معرفة الربوبية، والتعليم بالقلم إشارة إلى النبوة.
ومثله النيسابورى في (تفسير غرائب القرآن) .
وحيث لا مجال للإشاريات في منهجنا، نطمئن إلى أن الآية لفتت إلى سر القلم، من حيث هو أداة الكتابة التي يدون بها العلم ويحفظ وينتقل على امتداد الزمان والمكان وتتابع الأجيال. ويتسع المقام لكل ما عده المفسرون من شرف القلم وفوائد الكتابة، على أن يظل للبيان القرلآني دلالته في لفت النبي الأمي والعرب الأميين إلى جلال القلم، آية من أيات الخالق الذي خلق الإنسان من علق، وعلمه ما لم يكن يعلم. بما تعني من اختصاص الإنسان دون سائر الكائنات بالقلم وكسب العلم. وهذا من الخصائص الإنسانية التي يضيف إليها الوحي من بعد ذلك ما يجلوها ويزيدها بياناً، إذ يجعل العلم مناط تكريم آدم، الإنسان الأول، وحقه في الخلافة في الأرض، ويسوق الآيات ويضرب الأمثال للذين يعلمون، ويقصر خشيته تعالى على العلماء.....
* * *
стр. 214
ومن المفسرين من قدر في الآية علمه الله، قيل: هو" إدريس، وقيل آدم لأنه أول من كتب بالقلم".
والنص لا يحتمل مثل هذا التحديد والتقييد، بل هو الإنسان، اسماً لعموم الجنس على إطلاقه، علمه الله ما لم يعلم.
ولا داعي إلى أن نسأل عما علم الإنسان، بل حسبنا أنه تعالى علمه ما لم يعلم، فيتسع الإطلاق لكل ما كسب الإنسان ويكسب من العلم، وهو الذي استأثر بشرف العلم الكسبي واختص به دون غيره من الكائنات.
دون تقييد بما روى عن "ابن عباس" من أنه قرأ الآية: "علم الخط بالقلم" على وجه التفسير كما رجح أبو حيان.
* * *
ويمضي البيان القرآني، في الردع المحذر مما يتعرض له الإنسان من غرور بعلمه ومكانه بين المحلوقات:
﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾
الطغيان تجاوز الحد، وأكثر ما يستعمل في جبروت العتاة المستبدين. والاستغناء ضد الاحتياج. وقد سبق استقراء آيات الطغيان والغنى في القرآن الكريم، في تفسير آيتى:
﴿ااذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ من سورة النازعات.
﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ من سورة الضحى.
وكلا: للزجر والردع.
لكن من المفسرين من تأولها بمعنى "حقاً" لأنه ليس قبلها ولا بعدها شيء يتوجه إليه الردع.
стр. 215
وهذا من عجيب تأويلاتهم، فالكلمة متلوة مباشرة بطغيان الإنسان، والآيات بعدها حافلة بما يتوجه إليه الردع والنذير.
وليس الطغيان عن استغراق في حب المال والجاه كما تأوله بعض المفسرين، ولكنه بصريح النص، عن وهم الإنسان الاستغناء عن خالقه، إذ تأخذه العزة بالإثم، ويفتنه ما اختص به من شرف العلم الكسبي فيغتر ويطغى، متجاوزاً قدره وموضعه ﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ عن خالقه.
وينسى أن مصيره إلى الخالق.
* * *
﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ .
والرجع في العربية: العود والرد. ورجع الصوت تردده، والمراجعة المعاودة. والمعجميون يضعون الرجعى مع الرجع والمرجع والرجعان، مصارد للفعل رجع.
وأكثر المفسرين على أن الرجعى هنا بمعنى الرجوع. قال أبو حيان: "الرجعى أي الرجوع، مصدر على وزن فعلى، الألف فيه للتأنيث".
وأحسن أن صيغة الرجعى ليس ملحوظاً فيها المصدرية ولا التأنيث، بقدر ما يلحظ فيه إطلاق الرجوع إلى غايته القصوى.
ولم تأت صيغة الرجعى في القرآن الكريم إلا في هذه الآية، ردعاً للإنسان المغتر عن طغيانه، ونذيراً له بأن إلى ربك غاية مصيره ونهاية رجعاه.
وبعد آية العلق ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ تتالت الآيات المحكمات فيها نزل بعدها من الوحي، منبهة ومنذرة بالمصير إلى الله سبحانه: إليه يرجع الأمر كله، وإليه مرجعكم ومرجعهم، وإليه تُرجَعون ويُرجَعون.
وفي سياق النذير جاءت آية الصافات بالجحيم مرجعاً للظالمين:
﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ ٦٨.
وجاءت آية الفجر في سياق البشرى للنفس المطمئنة:
следующие страницы →