← Тафсир

Тафсир · id 1389

التفسير البياني للقرآن الكريم

عائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ

Полный текст (373 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وجاء الفعل في تكريم الله وإكرامه للمتقين، وقوبل بالإهانة في آية الحج. ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ - ١٨. أما أفعل التفضيل، فجاء مرة مضافاً إلى ضمير المخاطبين في آية الحجرات: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ - ١٣. وانفردت آية العلق بصيغة ﴿الْأَكْرَمُ﴾ معرفة بـ: ال، بما يفيد اختصاصه تعالى بهذه الرتبة العليا على عموم إطلاقها. دون تعلق بتأويل أكرميته تعالى، وقد تأولها الزمخشري بأنه: "الذي له الكمال زيادة كرمه على كل كرم، ينعم على عباده النعم التي لا تحصى، ويحلم عنهم فلا يعالجهم بعقوبة مع كفرهم وجحودهم لنعمه، ويقبل توبتهم ويتجاوز عنهم بعد اقتراف العظائم، فمالكرمه غاية ولا أمد". وساق الفخر الرازي في أكرميته تعالى وجوهاً أربعة: * أنه تعالى لا يحلن وقت جناية الإنسان فحسب، بل يزيد إحسانه بعد الجناية. ونظر له الشاعر: متى زدت تقصيراً تزد لي تفضيلاً كأنى بالتقصير أستوجب الفضلا * أنك كريم يا محمد، لكن ربك الأكرم. * أنه تعالى له الابتداء في كل كرم وإحسان، وكرمه غير مشوب بتقصير. * يحتمل أن يكون فيهخ حث على القراءة أو على الإخلاص، بمعنى: فهو يجازيك بكل حرف مما تقرأ عشراً. أو بمعنى: تجرد لدعوة الخلق ولا تخف أحداً، فأنا أكرم من أن آمرك بهذا التكليف الشافي ثم لا أنصرك. ونلاحظ عليهم أن في كل ما تأولوه، تقييداً لصيغة الأكرم، ينقلها إلى المفاضلة بين كريم وأكرم منه. والحق أن البيان القرآني حين قيد أفعل التفضيل في آية الحجرات بإضافتها إلى ضمير المخاطبين، جعل أكرميتهم محدودة بنطاق الناس الذين خاطبهم في

стр. 212

الآية. واستأثر سبحانه بصيغة ﴿الْأَكْرَمُ﴾ على الإطىق ونظيره الأعلى في آيتى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ ، ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ . لافتاً إلى حس العربية الأصيل حين تأتي بأفعل التفضيل معرفاً بأل، وغير مميز، فتفيد من العموم والإطلاق ما لا تفيده الصيغة نفسها من المفاضلة مقيدة بمضاف إليه لا تتجاوزه أو مميزة بوجه تفاضل لا تعدوه. * * * ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ . العلم إدراك الشيء على حقيقته، ونقيضه الجهل. وقد سبق استقراء آيات العلم في القرآن الكريم، في تفسير آية ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ من سورة التكاثر. والقلك أداة الكتابة، ومنه آية القلم: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ . فسره الطبري في آية العلق، فقال: "علم الإنسان الخط بالقلم ولم يكن يعلمه". وكذلك فسره الزمخشري بعلم الكتابة، واستطرد فذكر ما لهذا العلم من "المنافع العظيمة التي لا يحيط بها إلا هو، وما دونت العلوم ولا قيدت الحكم ولا ضبطت أخبار الأولين ومقالاتهم ولا كتب الله المنزلة إلا بالكتابة، ولولا هي لما استقامت أمور الدين والدنيا". ونقله أبو حيان في "البحر المحيط". وقريب منه ما ذكره الفخر الرازي في شرف القلم وحكمة خلقه. وعقد "ابن قيم الجوزية" في تفسيره لسورة القلم فصلاً مسبهاً في شرف القلم وفوائده، ثم ذيله بفصل طريف في منازل الأقلام على تفاوت رتبتها من الشرف، فجعلها اثنى عشر نوعاً:

стр. 213

أولها: وأعلاها وأجلها قدراً قلم القدر السابق الذي كتب الله به مقادير الخلائق. ثانيها: قلم الوحي يكتب به وحي الله تعالى إللا سرله وأنبيائه. ثالثها: قلم الفقهاء والمفتين. ويتلوه على الترتيب التنازلي: قلم طب الأبدان، وقلم التوقيع عن الملوك والساسة، وقلم الحساب تضبط به الأموال، وقلم الحكم تثبت به الحقوق وتنفذ القضايا، وقلم الشهادة تحفظ به الحقوق وتصان عن الإضاعة، وقلم تعبير الرؤيا ووحي المنام، وفقلم التأريخ، وقلم اللغة يشرح معاني الأفاظها ونحوها وتصريفها وأسرار تراكيبها، ثم القلم الجامع وهو قلم الرد على المبطلين. وأضاف الفر الرازي إلى تأويل الآية، أن فيها إشارة إلى الأدلة السمعية والأحكام المكتوبة التي لا سبيل إلى معرفتها إلا بالسمع، بعد أن أشرات آية: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ إلى الجلالة العقلية على كمال القدرة والحكمة والعلم. فكأنها إشارة إلى معرفة الربوبية، والتعليم بالقلم إشارة إلى النبوة. ومثله النيسابورى في (تفسير غرائب القرآن) . وحيث لا مجال للإشاريات في منهجنا، نطمئن إلى أن الآية لفتت إلى سر القلم، من حيث هو أداة الكتابة التي يدون بها العلم ويحفظ وينتقل على امتداد الزمان والمكان وتتابع الأجيال. ويتسع المقام لكل ما عده المفسرون من شرف القلم وفوائد الكتابة، على أن يظل للبيان القرلآني دلالته في لفت النبي الأمي والعرب الأميين إلى جلال القلم، آية من أيات الخالق الذي خلق الإنسان من علق، وعلمه ما لم يكن يعلم. بما تعني من اختصاص الإنسان دون سائر الكائنات بالقلم وكسب العلم. وهذا من الخصائص الإنسانية التي يضيف إليها الوحي من بعد ذلك ما يجلوها ويزيدها بياناً، إذ يجعل العلم مناط تكريم آدم، الإنسان الأول، وحقه في الخلافة في الأرض، ويسوق الآيات ويضرب الأمثال للذين يعلمون، ويقصر خشيته تعالى على العلماء..... * * *

стр. 214

ومن المفسرين من قدر في الآية علمه الله، قيل: هو" إدريس، وقيل آدم لأنه أول من كتب بالقلم". والنص لا يحتمل مثل هذا التحديد والتقييد، بل هو الإنسان، اسماً لعموم الجنس على إطلاقه، علمه الله ما لم يعلم. ولا داعي إلى أن نسأل عما علم الإنسان، بل حسبنا أنه تعالى علمه ما لم يعلم، فيتسع الإطلاق لكل ما كسب الإنسان ويكسب من العلم، وهو الذي استأثر بشرف العلم الكسبي واختص به دون غيره من الكائنات. دون تقييد بما روى عن "ابن عباس" من أنه قرأ الآية: "علم الخط بالقلم" على وجه التفسير كما رجح أبو حيان. * * * ويمضي البيان القرآني، في الردع المحذر مما يتعرض له الإنسان من غرور بعلمه ومكانه بين المحلوقات: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ الطغيان تجاوز الحد، وأكثر ما يستعمل في جبروت العتاة المستبدين. والاستغناء ضد الاحتياج. وقد سبق استقراء آيات الطغيان والغنى في القرآن الكريم، في تفسير آيتى: ﴿ااذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ من سورة النازعات. ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ من سورة الضحى. وكلا: للزجر والردع. لكن من المفسرين من تأولها بمعنى "حقاً" لأنه ليس قبلها ولا بعدها شيء يتوجه إليه الردع.

стр. 215

وهذا من عجيب تأويلاتهم، فالكلمة متلوة مباشرة بطغيان الإنسان، والآيات بعدها حافلة بما يتوجه إليه الردع والنذير. وليس الطغيان عن استغراق في حب المال والجاه كما تأوله بعض المفسرين، ولكنه بصريح النص، عن وهم الإنسان الاستغناء عن خالقه، إذ تأخذه العزة بالإثم، ويفتنه ما اختص به من شرف العلم الكسبي فيغتر ويطغى، متجاوزاً قدره وموضعه ﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ عن خالقه. وينسى أن مصيره إلى الخالق. * * * ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ . والرجع في العربية: العود والرد. ورجع الصوت تردده، والمراجعة المعاودة. والمعجميون يضعون الرجعى مع الرجع والمرجع والرجعان، مصارد للفعل رجع. وأكثر المفسرين على أن الرجعى هنا بمعنى الرجوع. قال أبو حيان: "الرجعى أي الرجوع، مصدر على وزن فعلى، الألف فيه للتأنيث". وأحسن أن صيغة الرجعى ليس ملحوظاً فيها المصدرية ولا التأنيث، بقدر ما يلحظ فيه إطلاق الرجوع إلى غايته القصوى. ولم تأت صيغة الرجعى في القرآن الكريم إلا في هذه الآية، ردعاً للإنسان المغتر عن طغيانه، ونذيراً له بأن إلى ربك غاية مصيره ونهاية رجعاه. وبعد آية العلق ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ تتالت الآيات المحكمات فيها نزل بعدها من الوحي، منبهة ومنذرة بالمصير إلى الله سبحانه: إليه يرجع الأمر كله، وإليه مرجعكم ومرجعهم، وإليه تُرجَعون ويُرجَعون. وفي سياق النذير جاءت آية الصافات بالجحيم مرجعاً للظالمين: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ ٦٨. وجاءت آية الفجر في سياق البشرى للنفس المطمئنة:

стр. 216

﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ ويلحظ مع ما تؤذن به ضيغة الرجعى من دلالة على غاية المرجع وآخر المصير، ارتباطهما بخلق الإنسان من علق، إيذاناً بأن إليه تعالى المبتدأ والمنتهى. ومثله آية الليل: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾ وتقديم ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ﴾ . ﴿وَإِنَّ لَنَا﴾ صريح الدلالة على القصر والاختصاص: إلى ربك، لا إلى غيره، إن لنا، لا لغيرنا. * * * ويتتابع النذير في سورة العلق: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ . وجمهرة المفسرين على ان هذه الآيات، إلى آخر السورة، نزلت في "أبي جهل ابن هشام" كان ينهي محمداً ﷺ عب عبادة الله. وفي قول عن الحسن البصري: هو أمية بن خلف، كان ينهي سلمان - الفارسي - عن الصلاة. ونقل "الطبري" أن أبا جها قال: واللات والعزى لئن رأيت محمداً يصلي عند الكعبة، لأتينه حتى أطأ على عنقه ولأعفرن وجهه في التراب. قيل فأتى أبو جهل رسول الله وهو يصلي ليطأ على رقبته فما لبث أن رجع عنه ونكص على عقبيه وقال: إن بيني وبينه خندقاً من نار. ونقله الزمخشري في الكشاف. والنيسابورى في تفسير غرائب القرآن، دون أن يعرضوا لما يرد على هذا، من المشهور في أن سورة العلق هي أول ما نزل من الوحي، ولم يكن المصطفى ﷺ قد بدأ في تبليغ رسالة ربه، ومن ثم لم يكن ووجه بالإيذاء والتهديد. من طواغيت الوثنية. لكن الفخر الرازي لم يفته أن يقف عند هذا، وقد بدا له فيه وجهان: الأول: أن الآيات الخمس الأولى من السورة هي التي نزلت في أول الوحي، ثم

стр. 217

نزلت البقية في أبي جهل بن هشام، وأمر الرسول ﷺ بضمها إلى أول السورة. والوجه الثاني: أن تحمل الآيات على عموم لفظها في الظاهر، وهو أن الإنسان، جملة الإنسان، خلقه الله من علق وأنعم عليه، فإذا به يطغى ويتجاوز الحد في المعاضي وينسى أن إلى ربك الرجعى، فينهى عن عبادة الله، وكان أولى به، وقد أنعم عليه خالقه، أن يكون على الهدى ويأمر بالتقوى. وكلا الوجهين جائز. فسياق الآيات في السورة، يشعر بأنها نزلت بعد أن أبلغ المصطفى رسالة ربه وجهر بعبادته وصلاته فووجه بالتكذيب، ثم لا تمنع خصوصية السبب في نزول هذه الآيات، من حملها على عموم اللفظ كما قرر الأصوليون. * * * والنحاه من المفسرين، وقفوا طويلاً عند "أرايت" التي تكررت هنا ثلاثة مرات في آيات متتاليات، دون أن يصرح فيها بالمفعول الثاني للفعل "رأى" على ما تقتضي الصنعة الإعرابية. وقد ذهب الزمخشري في (الكشاف) إلى أن الجملة الشرطية في ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ في موضع المفعول الثاني لـ ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ وعلى هذا التأويل، قرر أن ﴿أَرَأَيْتَ﴾ زائدة قبل الشرط: إن كذب. أما جواب الشرط فيؤخذ من الآية بعده: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ وعلى هذا التأويل الذي تبدو فيه ﴿أَرَأَيْتَ﴾ في الجملة الشرطية مقحمة على السياق، تمت للزمخشري تسوية الصنعة بمفعول ثان، ثم تركنا نواجه مجئ جواب الشرط استفهامياً طلبياً غير مقترن بالفاء، خلافاً لقواعدهم! وقد رفض "أبو حيان" مذهب الزمخشري، دون أن يتخلص هو أيضاً من أغلال الصنعة النحوية، فلم يلتفت إلى ما في قوله الزمخشري بزيادة ﴿أَرَأَيْتَ﴾ في جملة الشرط من تكلف ينبو به السياق ويتمزق، بل شغلته قواعد الصنعه، فذكر أن المفعول الثاني لـ ﴿أَرَأَيْتَ﴾ لا يكون إلا جملة استفهامية، وهو كثير في القرآن الكريم. ثم قال: "فتخرج هذه الآية على هذا القانون".

стр. 218

وكذلك رفض مذهب الزمخشري في جعل ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ جواباً لشرط ﴿إِنْ كَذَّبَ﴾ محتكماً في رفضه إلى القاعدة النحوية التي تقرر اقتران جواب الشرط بالفاء، قال: "وأما تجويز الزمخشري وقوع الاستفهام جواباً بغير فاء، فلا أعلم أحداً أجازه. بل نصوا على وجوب الفاء في كل ما اقتضى طلباً بوجه ما، ولا يجوز حذفها إلا في ضرورة شعرية". ونحتكم إلى البيان القرآني فيما اختلفوا فيه، فتلقانا ظاهرة أسلوبية لافتة إلى أن القرآن قلما يتعلق بذكر مفعول ثان، في الأسلوب الاستفهامي بـ ﴿أَرَأَيْتَ﴾ خطاباص للمفرد، أو ﴿أَرَأَيْتَم﴾ خطاباً للجمع. وإنما يستغنى عن هذا المفعول، بتقرير يلفت إلى موضع العبرة والنذير، كما في آيات: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ . (الماعون) ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ (مريم ٧٧، ٧٨) ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ (الفرقان ٤٣) ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (الجاثية ٢٣) ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى (٣٤) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى (٣٥) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (النجم ٣٣ - ٣٨) وكلها آيات مكيات. ةة

стр. 219

ومثلها السؤال التقريري، خطاباً للجمع، في آيات الواقعة: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ ؟ ﴿أفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ ؟ َ ﴿أفرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٧٠) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾ ؟ ومعها آيات: يونس ٥٩، الشعراء ٧٥، فاطر ٤٠، الزمر ٣٨، النجم ١٩، الأحقاف ٤. هي إذن ظاهرة أسلوبية، كان ينبغي أن تلفت إلى وجه في البيان العربي يستغنى عن المفعول الثاني لـ "رأى" حين تقترن بهمزة الاستفهام في الخطاب، فلانشغل بالتماس هذا المفعول الثاني خضوعاً للصنعة النحوية، بل أولى منه أن نتدبر سر هذه الظاهرة الأسلوبية التي لا تتخلف في آيات العلق: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ ؟ فلفتت إلى ما هو جدير بالرؤية والبصر والتدبر، وأغنت عما تعلق به النجاة من مفعول ثان مقدر أو غير مقدر، يختلفون عليه. والأمر كذلك في جواب شرط ﴿إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ إذا كانت قواعدهم تحتم ذكره أو تقديره، ثم نواجه بما يخالف قاعدة نحوية أخرى تقضى باقتران الجواب الطبي بالفاء. فإن البيان القرآني جدير بأن يلفتنا إلى وجه التجاوز عن ذكر جواب الشرط في مثل هذا الأسلوب، لتكون آية ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ هو موضع العبرة والبصر والتنبيه، بما يغني عن التعلق بجواب محذوف أو مقدر. ومثله في القرآن الكريم، آيات الآنعام: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٤٠.

стр. 220

﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (٤٦) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ ٤٦، ٤٧. والقصص: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ ٧١، ٧٢. ومثلها آيات: هود ٢٨، فصلت ٥٢، يونس ٥٠. والاستفهام فيها في موضع حواب الشرط، غير مقترن بالفاء. وننظر مع كل هذه الآيات، آية هود ٨٨: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ . فيهدينا تدبر هذه الظاهرة الأسلوبية إلى أن البيان القرآني يستغنى فيها عما تأوله النحاة، بالسؤال اللافت إلى ما هو موضع بصر وعبرة. وبه أفهم "الراغب" في (المفردات) : "رأى إذا عدى إلى مفعولين اقتضى معنى العلم. ويجرى ﴿أَرَأَيْتَ﴾ مجرى: أخبرني - ونقل عدداً من آياتها ثم قال: - كل ذلك فيه معنى التنبية". وإنما أطلت الوقت هنا، قصداً إلى التنبيه إلى ما يلقانا في ظواهر أسلوبية في القرآن الكريم، لم تأت على المقرر من قواعد النحاة وأحكام البلاغيين المدرسيين، فيشغلنا عن البيان العالى، تسوية الصنعة النحوية أو البلاغية، بالتأويل فيه والتقدير....... * * * ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ .

стр. 221

السفع لغة اللطم والجذب بشدة: سفع الطائر فريسته لطمها بجناحيه، وسفع الفارس بناصية فرسه: جذبها بقوة وعنف. قال عمرو بن معد يكرب، ﵁: قوه إذا كثر الصياح رأيتهم من بين ملجم مهره أو سافع وكثر استعمال السفع في لفح السموم تلطم وجه الملفوح، والسوافع لوافح السموم، ومنه سفع اللهب. وقيل في المجاز: سفع بناصيته، بمعنى اجتذبها بعنف قصد الإذلال والعقاب، مع ملحظ من اقتدار السافع وقوته وغلبته. والناصية قصاصة الشعر في مقدمة الرأس. ويستغنى بالناصية مجازاً عن الوجه وكل ما هو مقدم، فيقال لأشراف القوم: نواصيهم. ولم يأت السفع في القرآن الكريم إلا في آية العلق. أما الناصية فجاءت مرة في آية هود، ٥٦، بمعنى التمكن والاقتدار والتحكم: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ . وجاءت بصيغة الجمع في آية الرحمن ٤١: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ . وفيها مع ملحظ التمكن والتسلط والاقتدار، دلالة الهوان والإذلال والعقاب للمأخوذ بنواصيهم. ويقوى هذه الدلالة في آية العلق، مجئُ السفع بالناصية، بفعله المؤكد مسنداً إلى الله سبحانه، وذلك أقصى الترهيب والوعيد لذلك المغتر المفتون الذي ينهى عبداً إذا صلى. والسفع بالناصية فيها، يحمل على الجذب إلى النار، وعلى لفح السعير. ووصف الناصية بكاذبة خاطئة، يفهم الكذب والخطأ في سياقهما، بدلالتها الإسلامية الخاصة على الكفر والضلال، وهي الدلالة الغالبة في الاستعمال القرآني. والنادي في العربية: مجتمع القوم، كالندى والمنتدى. والنداء: الصوت الداعي إلى التجمع، ونتادوا: نادى بعضهم بعضاً.

стр. 222

والندوة الجماعة والقوم يحضرون الندى. وقد تطلق الندوة مجازاً على ما يدور بينهم في النادى من حديث. ومنه دار الندوة بمكة، كانت مجتمع قريش تقضى فيها جليل أمورها وتتحادث في هام شئونها. كما يطلق النادى ويراد به القوم المجتمعون فيه. على وجه المجاز الرسل لعلاقة المحلية، في المصطلح البلاغي. وأكثر ما تجئ المادة في القرآن الكريم في النداء مصدراً وفعلاً، ماضياً ومضارعاً. وجاء التنادي في آية القلم ٢١: ﴿فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ﴾ . وسمى يوم الجمع يوم التنادى في آية غافر ٣٢: ﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ . وجاء النادى بمعنى مجتمع القوم، في آية العنكبوت ٢٩، خطاباً لقوم لوط: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ . وبصيغة الندى في آية مريم ٧٣: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ . * * * وقد ربط المفسرون آية العلق بما قالوه في سبب نزولها، فذكورا أن أبا جهل بن هشان حين توعد المصطفى ﵊ أن يطأ عنقه إذا رآه يصلى في الكعبة، رد عليه المصطفى منذراً بعقاب من ربه. فقال أبو جهل: أيتوعدني محمد ووالله ما بالوادي أعظم نادياً منى؟ وعلى العموم، من شأن الإنسان المغتر بجاهه وقوته، في مثل هذا المجتمع، أن يمضي على غلوائه سادراً في الضلال، معتزاً بقومه، مدلاً ما له في عشيرته من حمى ومنعه.

стр. 223

وواضح أن النادى أطلق في الآية، مراداً به الجمع الذين يدعوهم هذا الضال المغرور، وهو مظنه أن يؤازروه وينصروه. لكن ماذا عسى أن يملكوت جميعاً له تجاه الزبانية يدعوها الخالق القاهر، لتعذيب هذا المفتون؟ ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ . وقد اختلف اللغويون في لفظ الزبانية، فقيل إنه جمع لا واحد له. وقال أبو عبيدة: واحده زبنية، وقال الكسائي، واحده زبنى، وكأنه نسب إلى الزبن، كالإنسي نسبة إلى الأنس. وقال الأخفش. واحد الزبانية زابن، اسم فاعل من زبن، بمعنى اشتد بطشه، ومنه قول الشاعر: ومستعجب مما يرى من أناتنا ولو زينته الحرب لم يترمرم وقول "عتبة بن أبي سفيان، وإلى مصر لمعاوية": "وقد زبنتنا الحرب وزبناها....". وأيا ما كان أصل الكلمة، فالعربية قد أطلقت الزبانية على مردة الإنس والجن. وفي المادة: زبانيا العقرب أي قرناها، وفيهما السم الزعاف. ونقلت الزبانية إلى المصطلح الديني علماً على الملائكة والموكلين بعذاب الخاطئين في جهنم. وبه تفهم آية العلق، في الزبانية يدعوها الخالق ويكل إليها أمر تعذيب هذا الضال المغتر بجاهه وقوته، المدل بناديه. ولم تحدد الآية صنيع الزبانية، بل تركته على إطلاقه الرهيب، يذهب فيه التصور كل مذهب. * * * ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ . قال المفسرون إن هاء الضمير في ﴿لَا تُطِعْهُ﴾ لأبي جهل بن هشام. وظاهر السياق عود الضمير على الذي ﴿كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ وكذلك الضماءر في الآيتين قبلها: ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ ، ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ .

стр. 224

والسجود في العربية الخضوع، ومنه في القرآن الكريم: سجود الملائكة لآدم بأمر الله، وآية يوسف: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ ١٠٠. وكثر استعماله في العبادة من قديم، وفيما يتلو علينا القرآن من نبأ إبراهيم والبيت العتيق: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (البقرة ١٢٥، ومعها آية الحج ٢٦) ثم في غشية الوثنية الجاهلية، كان العرب يسجدون لأرباربهم خضوعاً وترباً وزلفى، حتى نسخ الإسلام بنوره ظلام الوثنية وأبطل السجود لغير الخالق، وأخذ السجود دلالته الإصطلاحية على السجدة في الصلاة يتدرج فيها العابد من الوقوف بين يدي الله إلى الركوع، ثم يكون السجود غاية الخشوع. ولعل تسمية دور العبادة الإسلامية بالمساجد، ملحوظ فيما ما في السجود من غاية الخشوع. وأختص البيت العتيق باسم المسجد الحرام، إذ كان أول بيت عُبد فيه الله، وقد جاء بهذا الاسم في خمس عشرةة آية من القرآن الكريم..... ومعه المسجد الأقصى في آية الإسراء. وتخصيص السجود بالذكر في آية العلق، يقبل تأويله بالسجود في الصلاة كما ذهب بعض المفسرين، مع احتفاظه بدلالته الأصلية على غاية الخشوع، استئناساً بما في القرآن الكريم من آيات تخص السجود بالذكر في وصف عباد الله القانتين: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ (الفتح ٢٩) ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ (الزمر ٩) ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ (الإسراء ١٠٧) ﴿........... إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ (مريم ٥٨)

стр. 225

﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ (الفرقان ٦٤) ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (السجدة ١٥) ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ (الشعراء ٢١٩) ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ (آل عمران ١١٣) ومعها آيات: (الأعراف ٢٠٦، الشعراء ٤٦، النحل ٤٩، النجم ٦٢) وأمر الرسول بالسجود في آية العلق، نظيره ما في آيات: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ (الحجر ٩٨) ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ (النجم ٦٢) ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ (الإنسان ٢٦) ويأتي الأقتراب قرين السجود في ختام الآية: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ . ولا نطمئن إلى تفسير الأقتراب هنا بالتقرب كما ذهب "أبو حيان"، بل نؤثر أن تحتفظ الكلمة بدلالتها على الدنو والقربى من الله تعالى، وإن أقرب ما يكون العبد إلى ربه وهو ساجد. * * * وإذ يأخذ الأقتراب من الله مكانه ختاماً للآية، وليس بعد القربى من الخالق غاية يطمح إليها العابد الساجد. يأخذ سجود المصطفى هنا، موضعه المهيب خضوعاً لجلال الخالق، فيصدع خيلاء المفتونين وكبرياء المزهوين، ويكبح غرور الإنسان الذي خلقه الله من علق، وعلمه بالقلم ما لم يعلم، فأطغاه وهم الاستغناء عن خالقه، سبحانه له الآخرة والأولى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ . صدق الله العظيم

стр. 226

سورة القلم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧) فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩) وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣) أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦) إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠) فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (٢٢) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (٢٥) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (٢٨) قَالُوا سُبْحَانَ

стр. 227

رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (٣٠) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (٣١) عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (٣٢) كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣) إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٣٤) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ (٣٨) أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ (٣٩) سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ (٤٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٤١) يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (٤٣) فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥) أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٦) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤٧) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨) لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٥٠) وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٥٢) ﴾ صدق الله العظيم

стр. 228

السورة مكية مبكرة، إلا آيات (١٧: ٣٣، ٤٨: ٥٠) فمدنية. والمشهور أنها نزلت بعد العلق، فتكون ثانية السور في ترتيب النزول بعد "اقرأ" أول الحوى. وهو الذي ذهب إليه أكثر الأئمة بنص عبارة "ابن حجر" فيما نقل السيوطى. وقال "البرهان الجعبرى" في منظومته (تقريب المأمول في ترتيب النزول) : اقرأ، ونون، مزمل، مدثر والحمد، تبت، كورت، الأعلى علا ومهما يكن الخلاف في ترتيب نزول القلم، فهي من أوائل السور المكية المبكرة التي تهدينا إلى الجو العام في منزل الوحي، أول المبعث. * * * وذكر بعضهم في أسباب نزولها أنها أو معظمها "في الوليد بن المغيرة المخزومي وأبى جهل بن هشام المخزومي. ومناسبتها لما قبلها أنه فيما قبلها ذكر أشياء من أحوال السعداء والأشقياء، وذكر قدرته الباهرة وعلمه الواسع وأنه تعالى لو شاء لخسف بهم الأرض أو لأرسل عليهم حاصباً. وكان ما أخبر تعالى به هو ما يلقنه رسول الله ﷺ بالوحي، وكان الكفار ينسبونه مرة إلى الشعر ومرة إلى السحر ومرة إلى الجنون، فبدأ هذه السورة ببراءته مما كانوا ينسبونه إليه من الجنون، وتعظيم أجره على صبره على أذاهم، والثناء على خلقه العظيم". قولهم: مناسبتها لما قبلها، يعنون سورة "الملك" التي وضعت قبلها في ترتيب المصحف. وفيه التفات إلى نسق هذا الترتيب، ولا يفوتنا معه أن سورة الملك نزلت متأخرة، فهي السابعة والسبعون في ترتيب النزول على المشهور، بينها وبين سورة القلم، على أي قول في ترتيب نزولها، أكثر من سبعين سورة!

стр. 229

وكونها نزلت في الوليد أو أبي جهل لا يقتضي الإعتبار بخصوص السبب، حيث لا قرينة تصرف إليه عموم لفظ الآية، وأسباب النزول لا تعدو أن تكون قرائن مما حول النص، تعين على فهم الظروف التي نزلت فيها السورة أو الآية. على ما سبق بيانه في تفسير سورة الضحى. * * * ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ . وتبدأ السورة بحرف (ن) يكتب هكذا حرفاً واحداً. ورسمها في المصحف الإمام على هذا، يجعلنا نستبعد ابتداء ما نقل الإمام الطبري من اختلاف أهل التأويل فيه: قيل هو النون أي الحوت واحد النينان، أو هو لوح من نور، أو اسم للدواة.... ويمنعه أن هذا النون يرسم ثلاثة أحرف "نون" وليس حرفاً واحداً (ن) . وهذا الاستبعاد يعفينا من الوقوف عندما ما روى عن "ابن عباس ومجاهد" في هذا الحوت الذي عليه الأرضون، تحت الأرض السابعة! وإن الله سبحانه خلقه قبل السموات والأرض، فلما دحيت الأرض اضطرت الحوت فمادت الأرض فأثبت بالجبال!. كما يعفينا من العقد اللغوية والنحوية والصرفية في إعراب نون، اسماً للدواة، وقد صرح الزمخشري بأنه لا يدري - ولا أدري معه - "أهو وضع لغوي أم شرعي؟ وهل اسم جنس، أو علم لنون يمنع من الصرف؟ ". وفي قول آخر إن (ن) اسم للسورة. وليس فذ هذا القول ما يغني، لأن السورة على هذا القول إنما سميت بهذا الحرف في أولها، كما سميت سورتا (ص، ق) بالحرفين لإي أولهما. ويبدو أن الراغب الأصفهاني، اختار أن تكون (ن) الحرف المعروق من حروف الهجاء، وهو ما نطمئن إليه، فتكون سورة القلم هي أول سورة نزلت مفتتحة بحرف

стр. 230

من هذه الحروف المقطعة بفواتح السور، وبعدها نزلت ثمان وعشرون سورة مفتتحة بهذه الحروف، منها ست وعشرون سورة مكية، وثلاث سور من أوائل العهد المدني: البقرة وآل عمران، والرعد. ومجموع حروفها بغير المكرر منها أربعة حرفاً، هي نصف حروف معجمنا. وقد اختلف المفسرون في تأويلها، وأنقل بإيجاز من أقوالهم فيها: * إنخا إشارات إلى صفاته تعالى أو أسمائه، وأصحاب هذا القول لا يكادون يجمعون على دلالات الحروف فيه، ففي الكاف مثلاً، قيل، أو كريم، أو كبير. وفي حرف (ق) قيل: قادر أو قاهر. وفي حرف (ن) قيل: ناصر، أو نور..... * وقيل هي علامات وضعها كتاب الوحي. ويمنعه أن تدخل هذه العلامات، وهي من قول البشر، في آيات القرآن بعد البسملة. * وقيل هي من حساب الجمل. وهذا من إسرائيليات "حيى بن أخطب اليهودي" فتقول الراوية إن أخاه أبا ياسر مر في رجال من يهود برسول الله ﷺ وهو يتلو فاتحة سورة البقرة "الم" فأخبر حيى بن أخطب بذلك، فمشى إلى المصطفى ﵊، فقال: "لقد بعث الله قبلك أنبياء ما نعلمه بين لنبي منهم ما ملكه وما أجل أمته غيرك: الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون، فهذه إحدى وسبعون سنة. أفندخل في دين نبي إنما مدة ملكه وأجل أمته إحدى وسبعون سنة؟ ثم سأل: هل مع هذا غيره؟ أجاب ﵊: نعم، المص. فعدها اليهودي بحساب الجمل فإذا هي إحدى وستون ومائة سنة، ثم عد "المر" فإذا هي إحدى وسبعون ومائتا سنة "وانصرف بقومه للنبي ﵊: لقد لبس علينا أمرك حتى ما ندري أقليلاً ما أعطيت أم كثيراً". * وقيل هي بمثابة تنبيهات لما يكون بعدها من الحديث، وأكثر ما يكون بعدها ذكر القرآن الكريم. وقد فصل "الفخر الرازي" هذا الوجه، وكذلك "ابن قيم

стр. 231

الجوزية" في (التبيان) واستوفاه "ابن كثير" في تفسيره على وجه الاستقراء. * وقيل إنها من المتشابهات التي استأثر الله بعلمها. وقريب منه ما روى عن الشعبي أنه سئل عن فواتح السور: إن لكل كتاب سراً وإن سر هذا القرآن فواتح السور. * واختار ابن القيم أن يكون في افتتاح السور بها، تنبيه على شرف الحروف وعظم قدرها وجلالتها، إذ هي مبانى كلامه تعالى وكتبه التي أنزلها على رسله، وأقدر عباده على التكلم بها، وهذا من أعظم نعمه عليهم كما هو من أعظم آياته. وهذا الوجه قريب إلى مجال دراستنا البيانية، وأقرب منه قول من قالوا إن هذه الحروف "ذكرت لتدل على أن القرآن مؤلف من مثل حروفهم.... ليدل القوم الذين نزل القرآن بلغتهم أنه بالحروف التي يعرفوها فيكون ذلك تعريفاً لهم ودلالة على عجزهم أن يأتوا بمثله". وقد عرضت للموضوع بمزيد تفصيل وتدبر، في كتاب (الإعجاز البياني للقرآن) . * * * ومجيء الحرف (ن) في (سورة القلم) المكية المبكرة، فيه لفت واضح إلى سر الحرف في البيان المعجز. وفي السورة جدل من المشركين في نبوة المصطفى ﵊، وجحد لمعجزته، وقول بأنها من أساطير الأولين. فكأن هذه تمهيد للمعاجزة التي تتحداهم أن يأتوا بمثله، واستدراجهم إلى أن تلزمهم الحجة، بأن يعرضوه على ما عرفوا من أساطير الأولين. وإن كلماته لمن الحروف التي عرفوها في عربيتهم، لغة الكتاب العربي المبين....

стр. 232

وقد كانت كلمة الوحي الأولى "اقرأ" لافته إلى آية الله الكبرى، في الإنسان الذي خلقه سبحانه من علق، وعلم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم. وبعدها نزلت سورة القلم مبتدأة بحرف (ن) لافته إلى سر الحرف الذي هو مناط القراءة والعلم والبيان، تنطق به منفرداً منقطعاً فلا يعطي أي معنى أو دلالة، بل لا يكاد يخرج عن مجرد صوت، ثم يأخذ الحرف موضعه من الكلمة في البيان، فيتجلى سره الأكبر. * * * ﴿وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ . قال الإمام الطبري إن القلم معروف "غير أن الذي أقسم به ربنا من الأقلام، القلم الذي خلقه تعالى فأمره بكتابه ما هو كائن إلى يوم القيامة". وأطال "ابن قيم الجوزية" في شرح فوائد القلم وبيان عظمته، قال: "فأقسم بالكتاب - ن - وبالقلم الذي هو إحدى آياته وأول مخلوقاته الذي جرى به قدره وشرعه وكتب به الوحي وقيد به الدين واثبت به الشريعة وحفظ بها العلم وقامت مصالح العباد في المعاش والمعاد". ثم عقد فصلاً في مراتب الأقلام فجعلها اثنى عشر قلماً، أعلاها وأجلها قدراً قلم القدر السابق. وقد أقسم به إعظاماً له. ويوجه هذا إلى تأويلهم ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ بأن الضمير في الفعل للحفظة من الملائكة الذين يكتبون بأمر الله أقدار الخلائق وأعمالهم في اللوح المحفوظ. وفيه قول آخر، هو أنه القلم المألوف المعتاد الذي يسطر به الناس كتاباتهم ووجه إعظامه بالقسم، أن الله تعالى هو ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ . والذي نطمئن إليه - والله أعلم - هو أن تكون الواو هنا قد خرجت عن معناها

стр. 233

الأول في القسم للتعظيم، لملحظ بياني، هو اللفت إلى ما عهدوا من أمر القلم والكتابة واعتمادها على سر الخوف، توطئةً إيضاحية للرد على جدل المشركين في كلمات الله تعالى. والأقرب عندنا أن يكون الضمير في ﴿يَسْطُرُونَ﴾ لمن كانوا ينقلون من العرب أساطير القدماء ويحلولون أن يشبهوا القرآن الكريم بها، إذ نلمح في إيثار ﴿يَسْطُرُونَ﴾ على: يكتبون: ما يتجه بها قوله تعالى في الآية بعدها من سورة القلم: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ . ونظيره ما في الآيات: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (الفرقان٥) ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (الأنعام ٢٥) ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (الأنفال ٣١) ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (النمل ٦٨) وآيات (النحل ٢٤، الأحقاف ١٧، المطففين ١٣) . هم إذن، كانوا على علم باساطير الأولين، وفيهم من كان يكتتبها ويتلو منها تحديداً للمصطفى ﵊، على ما روى "ابن إسحاق" في (السيرة النبوية) . وهذه هي آيات الكتاب المعجز معروضة عليهم بلغتهم وحروفهم، فليقابلوها على ما لديهم مما كانوا يسطرون. * * * والرسول ﵊ في أول عهدده بالوحي، كان في أشد الحاجة إلى ما يثبت فؤاده ويذهب عنه قلق النفس وشواغل البال. وكتب الحديث والسيرة،

стр. 234

تصف حالته النفسية حين آب من غار في ليلة القدر، مرتعداً بادى الحيرة والقلق، وأفضى إلى زوجه السيدة خديجة بما رأى وما سمع فقالت ﵂: أبشر يا ابن العم واثبت فوالله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتؤدى الأمانة وتصل الرحم وتصدق الحديث.... كما نقلت كتب الحديث والسيرة وطبقات الصحابة، ما كان من تلقي "ورقة بن نوفل" لخبر الوحي الأول، وقوله للمصطفى عليه الصلاو والسلام: والذي نفسي بيده إنك لنبي هذه الأمة، ولتكذبنه، ولتؤذينه، ولتقاتلنه ولتخرجنه!. وفي ضوء ما تواتر كم أخبار عن حالة المصطفى ﵊ أول عهده بالوحي: وما واجه من تكذي المشركين وحيرتهم فيما يصفونه به، نتلو الآيات: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ . فندرك عمق أثرها في تثبيت المصطفى وتقوية فؤاده، وتهيئته لما هو بسيل أن يحتمل من أعباء التبليغ لرسالته، والصبر على ما يلقى من عنت المكذبين الضالين، وسفة الوثنية القرشية العاتية. وجمهرة المفسرين على أن جملة ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ اعتراضية، كما تقول لصاحبك: أنت بحمد الله فاضل. وهذا أقرب ممن تأولوه: ما أنت بمحنون والنعمة بربك. ذكره "أبو حيان" في (البحر) وقال إنه تفسير معنى لا تفسير إعراب. وفيه تكلف لا يسيغه حس العربية المرهف الذي يجلوه البيان القرآني في ذورة نقائه. وإنما يفهم في بساطة ويسر، بالمألوف كم بيان العربية في مثل: قولك: ما أنت بفضل الله بشقي. وقد سبق استقراء ما في القرآن من لفظ نعمة، مادة وصيغة، في تفسير آية التكاثر: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ وهدى الاستقراء إلى أن القرآن يستعمل النعمة

стр. 235

لنعم الدنيا، ويخص صيغة النعيم بدلالة إسلامية على نعيم الآخرة. ونقف هنا عند هذه الباء في خبر ما: ﴿بِمَجْنُونٍ﴾ وقد جرى النحاة والمفسرون على القول بأنها زائدة، فهي تعمل في لفظ الخبر، ويبقى الحكم الإعرابي على أصله، يمنع من ظهور حركته، اشتغال المحل بكسرة حرف الجر الزائد. وباستقراء ما في القرآن الكريم من خبر ليس وما، يلقانا اطراد وقوع هذه الباء المقول بزيادتها، في خبرهما المفرد غير المؤول. لم تتخلف إلا في بضع آيات لها سياقها الخاص الذي يوجه إلى الاستغناء عن الباء. ولا يهون القول بأن الباء حرف جر زائد، إذ مقتضى القول بزيادتها إمكان الاستغناء عنها، وهو ما لا يؤنس إليه البيان القرآني. والنحويون من المفسرين، يذهبون إلى أن الباء زائدة لتأكيد النفي. ونقول إن الآية لا تؤخذ بمعزل عن نظائرها، والذي نطمئن إليه، في هدى التدبر لما استقرأنا من هذا الأسلوب في القرآن، هو أن الباء تأتي في خبر المنفي بما أو ليس، فتجعله جحداً وإنكاراً: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ . ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ ﴿فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ﴾ ﴿وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا﴾ ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ﴾

стр. 236

﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ ﴿قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ فإذا جاءت الباء في خبر المنفي بأسلوب الاستفهام: أليس.... ألست؟ لم تكن لتأكيد النفي، بل تخرجه بيانياً من النفي، إلى تقرير ملزم وإثبات مؤكد، وفي هذا الأسلوب، تلزم الخبر الباء المقول بزيادتها، باستقراء كل آياتها: ﴿أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾ ؟ ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ ؟ ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ ؟ ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ ؟ ﴿أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ ؟ ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾ ؟ ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ ؟ ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ ؟ ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ ؟ وفي آية القلم، تأتي الباء في خبر المنفي بما، فتصير به إلى إنكار بات: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ . * * * ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ . الأجر في أصل الوضع اللغوي، الجزاء المادي على عمل أو منفعة، ومن الإيجاز والاستئجار في المعاملات. وينتقل إلى الجزاء المعنوي، فيخص بصيغة الأجر دون الأجرة التي يغلب استعمالها في المعاملات. ثم جاء الأجر في المصطلح الديني، بمعنى الثواب، ملحوظاً فيه ما يعود من جزاء العمل. زمن الاستعمال القرآني للأجر بمعناه الأول، الأجور في مهور النساء:

стр. 237

﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ وآيتا القصص في ابنتى شعيب وموسى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦) قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ ومن استعماله القرآني بدلالة مجازية أو اصطلاحية: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ ﴿أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ وآية القلم: ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ ومن معاني المن في العربية، ما يوزن به. والمنون الموزون، ومنه جاءت المنة بمعنى النعمة ذات القيمة والوزن. ومن على فلان أنعم عليه. قال الراغب في (المفردات) : وذلك لا يكون على الحقيقة إلا من الله . وبملحظ من الوزن، جاء الممنون بمعنى المحسوب المعدود: من على فلان، حسب عليه ما قدم إليه من خير أو منفعة، وذلك مستقبح بين الناس، ومنه القول المأثور: "المنةُ تهدم الصنيعة" لأنها تقطع الشكر وتنقص النعمة. وذهب "الراغب" إلى أن المنون. بمعنى المنية، جاءت من كونها تنقص العدد وتقطع المدد. والاستقراء القرآني للمادة، يرجع ما ذهب إليه الراغب من أن المن لا يكون في الحقيقة إلا من الله، إذ يأتي المن مسنداً إليه تعالى، في سياق التفضل والتذكير بنعمه على خلقه. كالذي في آيات: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ (آل عمران ١٦٤) ﴿أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ (يوسف ٩٠)

стр. 238

﴿لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا﴾ (القصص ٨٢) ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ (الطور ٢٧) ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١١٤) وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ (الصافات ١١٤) ومعها آيات: الأنعام ٥٣، النساء ٩٤، طه ٣٧، القصص ٥، إبراهيم ١١. أما حين يأتي المن في القرآن مسنداً إلى المخلوقين، فالسياق على وجه النهي أو النفي، كالذي في آيات: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ (المدثر ٦) ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (الحجرات ١٧) ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ....﴾ (البقرة ٢٦٢) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ (البقرة ٢٦٤) إلا أن يكون في نص السياق قرينة صارفة لمن البشر عن وجهه المذموم، كالذي في آية "محمد" في قتال الذين كفروا: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ والمن فيها بمعى: إطلاق بغير فدية. وآية (ص) في سليمان: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ٣٩. وفي تفسير ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ بآية القلم، قال "الراغب": إنه غير مثطوع ولا منقوص. ومثله "ابن القيم" في (التبيان) : غير مقطوع بل هو دائم مستمر. ومما فسره به "الزمخشري": "غير ممنون به عليك لأنه ثواب تستوجبه على عملك، وليس بتفضل ابتداء،

стр. 239

وإنما تمن الفواضل لا الأجور على الأعمال". أنكره "أبو حيان" ورأى فيه "دسيسة اعتزال". وكذلك أنكره "ابن المنير الإسكندري"، فقال في (الانتصاف) : "..... ما كان النبي ﷺ يرضى من الزمخشري بتفسير الآية هكذا، وهو ﷺ بقول: لا يدخل أحد منكم الجنة بعمله. قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، حتى أن يتغمدني الله بفضل منه ورحمة.... لقد بلغ الزمخشري سوء الأدب إلى حد يوجب الحد، وحاصل قوله أن الله لا منة له على أحد ولا فضل في دخول الجنة لأنه قام بواجب عليه. نعوذ بالله من الجراءة عليه". ونحتكم إلى القرآن الكريم، فيهدينا تدبر ما نقلنا من ىيات المن، إلى أن الله تعالى أن يمن على عباده تفضلاً وتذكيراُ بنعمه، وإنما يكره المن من البشر، حين يكون على وجه التعالي والمحاسبة. ولآية القلم نظائر في آيات: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ (فصلت ٨) (ومعها آيتا: التين ٦، والانشقاق ٢٥) . وبها نستأنس في فهم آية القلم، فنطمئن إلى تفسيره بأنه أجر غير معدود ولا مشوب بما ينغضه. وليس على الوجه الذي ذهب إليه "الزمخشري". فالله يمن على نبيه المصطفى وعلى عباده، تفضلاً وإنعاماً. وتنكير "أجر" يفيد الإطلاق، والتعميم غير المقيد بتعريف يخصصه. * * * وفي تفسير آية: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ . نقل "الإمام الطبري" قول من فهموها بحديث السيدة عائشة ﵂، أنها سئلت عن خلق الرسول ﷺ فقالت: كان خلقه القرآن. وقد يرد عليه أن الآية مكية مبكرة من أوائل الوحي، ولم يكن قد نزل من القرآن الكريم ما تعرف به القيم الخلقية القرآنية.....

стр. 240

وفسرها بعضهم بالدين: وإنك لعلى دين عظيم، وهو الإسلام. وليس في القرآن كله، ما يؤنس إلى استعمال بمعنى الدين. وإنما تؤكد الآية، ما علم الله من خلق نبيه المصطفى، وقد كان منذ صباه معروفاً في قومه بسموالخلق، كما كان في شبابه فتى قريش أمانة وصدقاً ونبلاً وعفة، أو كما قال عمه أبو طالب في خطبة زواج محمد من خديجة بنت خويلد: "أما بعد فإن محمداً ممن لا يوازن به فتى من قريش إلا رجح به شرفاً ونبلاً وفضلاً وعقلاً". وقالت أم المؤمنين الأولى، رضى الله عنها، في ليلة القدر: "الله يرعانا يا أبا القاسم، أبشر يا ابن عم واثبت.... والله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتص الرحم وتؤجي الأمانة وتصدق الحديث وتحمل الكل وتقرى الضيف وتعين على نوائب الحق". ومعهاما تواتر به الخبر من لقب الأمين الذي أطلقته قريش على محمد بن عبد الله قبل المبعث. وهذه آية القلم، من أوائل الوحي: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ . شهادة إلهية بعظمة خلق المصطفى ﵊، تتوج ما كان معروفاً من مكارم أخلاقه، وتمنحه القوة على مواجهة المكذبين الطاغين. * * * ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ . أصل الاستعمال اللغوي في البصر، للعين الباصرة، ومنه في القرآن الكريم مثل آيات: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ (النحل ٧٧) ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ (البقرة ٢٠) ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ (النور ٣٠)

стр. 241

﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ (النور ٣١) ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ (القيامة ٧) ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ (الأحزاب ١٠) ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ (النور ٤٣) ثم قيل للإدراك الثاقب: بصر، بملحظ من قوة التحقيق ونفاذ النظر. واختصت القوة المدركة بلفظ البصيرة، فلا يكاد يقال للحاسة بصيرة، ويقال لذي البصيرة بصير، ولا يقال في الحاسة إلا مبصر. ومن الأسماء الحسنى البصير، وليس المبصر من أسمائه تعالى أو صفاته. وأكثر ما في القرآن من البصر، هو من معنى البصيرة، كالذي في آيات: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (آل عمران ١٣) ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ (ق ٢٢) ﴿فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا﴾ (الأنعام ١٠٤) ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا﴾ (الأعراف ١٧٩) ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ (الأعراف ١٩٨) ﴿أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ﴾ (يونس ٤٣) ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (النمل ١٣) ويبدو ان استعمال البصر في رؤية العين، ملحوظ فيه غالباً، التميز ونفاذ النظر، بشاهد من آيات: ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ ؟ (الأنبياء ٣) ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ ؟ (الزخرف ٥١) ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ ؟ (الطور ١٥) ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ ؟ (يس ٩) ونطمئن إلى أن البصر في آية القلم، بمعنى النظر الثاقب المميز والمعرفة

стр. 242

المدركة، وزمن الفعل فيه منقول إلى المستقبل القريب بحرف السين: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ . ولا اشق على القارئ بنقل الخلاف بين النحويين في توجيه آية ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ وإعرابها. وقد لخصه "ابن قيم الجوزية" بإيجاز واف، نراه يغني هنا، قال: "وقد اختلف في تقدير قوله ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ فقال أبو عثمان المازني: هو كلام مستأنف، والمفتون عنده مصدر، أي بأيكم الفتنة. والاستفهام عن أمر دائر بين اثنين قد علم انتقاؤه عن أحدهما قطعاً، فتعين حصوله للآخر. والجمهور على خلاف هذا التقدير، والآية عندهم متصلة بما قبلها، ثم لهم فيه أربعة أوجه: أحدها، أن الباء زائدة، والمعنى: أيكم المفتون، وزيدت في المبتدأ كما زيدت في قولك: بحسبك أن تفعل. قاله أبو عبيد. الثاني: أن المفتون بمعنى الفتنة، أي: ستبصر ويبصرون بأيكم الفتنة. والباء على هذا ليست بزائدة. قاله الأخفش. الثالث: أن المفتون مفعول على بابه، ولكن هنا مضاف محذوف تقديره بأيكم فتون المفتون. وليست الباء زائدة. قاله الأخفش أيضاً. الرابع: أن الباء بمعنى في، والتقدير: في أي فريق منكم النوع المفتون. والباء على هذا، ظرفية". ونقول مع ابن القيم: "وهذه الأقوال كلها تكلف ظاهر لا حاجة إلى شيء منه و ﴿سَتُبْصِرُ﴾ مضمن معنى تشعر وتعلم، فعدى بالباء.... وإذا دعاك اللفظ إلى المعنى من قريب فلا تجب من دعاك إليه من مكان بعيد". والعربية تستعمل الفتنة حسياً في إذابة الذهب والفضة وصهر المعدن بالنار. ومن معاني الفتنة في المعجم: الفن، والحال، والإبتلاء، والإعجاب بالشيء، والضلال والكفر، والإيقاع بين الناس. وهي تحتمل في الآية، أن يكون المفتون من الإبتلاء بالضلال والبغي. ولعلها تحتمل كذلك ما قاله بعض المفسرين من معنى الجنون. وإن يكن حمل الفتنة على

стр. 243

الضلال أقرب إلى حس البيان، كما أنه أقرب إلى سياق الآية بعده: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ . وقد سبق استقراء الاستعمال القرآني للهدى والضلال، في تفسير آية الضحى ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ . وأصلهما في الضلال عن الطريق أو الإهتداء إليع، حسياً ومعنوياً. ثم نقلا إلى الدلالة الإسلامية على الكفر والإيمان، وهذا هو معناهما الظاهر في آية القلم، مع ارتباطهما بأصل المعنى الأول، بلفظ السبيل، ترشيحاً للاستعارة على المصطلح البلاغي. وقال الطبري: "وهذا من معاريض الكلام، وإنما معنى الكلام: إن ربك يا محمد هو أعلم بك وأنك المهتدي، وبقومك من كفار قريش وأنهم الضالون عن سبيل الحق". وهذا أقرب من قول الزمخشري: "هو أعلم بالعقلاء وهم المهتدون، أو يكون وعيداً ووعداً بجزاء الفريقين". والآية أمسكت عن ذكر مفضول * أعلم * وهذا يطلقه من قيد المفاضلة بين عالم وأعلم، دون حاجة إلى تأويل مفضولٍ تقديره عند بعضهم: أعلم منكم، أو أعلم من سواه. . . * * * ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ . التكذيب هنا، بآيات الله ونبوة رسوله ﵊. والإدهان: اللين والتساهل والمداراة, والمداهنة التحايل واللاينة والمداجاة. وترجع استعمالات المادة وصيغها في الأصل اللغوي إلى الدهن، يتخذ للتليين والتطرية. والدهان الصبغة. والدهين، المكان الزلق كأنه دهن بالدهن.

стр. 244

وفي القرآن من هذا المعنى الأول، آيتان: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ (المؤمنون ٢٠) ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ (الرحمن ٣٧) وبملحظ من التطرية والتلين جاءت الدلالة للإدهان، في اللين والتساهل، وشاع استعمال المداهنة في المداجاة والملاطفة عن غش وخداع، أو عن تساهل وتفريط. وفي القرآن من هذه الدلالة امجازية، آيتان: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ (الواقعة ٨١) وآية القلم: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ . قيل في تفسيرها: ودوا لو ترخص لهم فيرخصون لك. أو: ودوا لو تلين في دينك فيلينون في دينهم. وقيل: ودوا لو تركن إلى آلهتهم وتترك ما أنت عليه من الحق فيمالئونك. وقد نقلها الطبري ثم قال: "وأولاهما بالصواب عندي قول من قال: معنى ذلك، ود هؤلاء المشركون لو تلين لهم يا محمد في دينك بإجابتك إياهم إلى الركون إلى آلهتهم، فيلينون لك في عبادتك إلهك". واستأنس له بآية الإسراء: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ.....﴾ ٧٤. فالإدهان مأخوذ من الدهن، شبه التليين في القول بتليين الدهن. وهو غير المداهنة، التي تحتمل الممالأة والمداجاة. وشغل نحاة ومفسرون بعقد الصنعة الإعرابية، عن لمح سر التعبير بـ "لو" التي تعطي حس التمني البعيد من المشركين أن يلين لهم المصطفى ﵊، فوقفوا طويلاً عند ثبوت النون في ﴿فَيُدْهِنُونَ﴾ والقاعدة عندهم أنها تحذف على

стр. 245

النصب في جواب التمني ﴿وَدُّوا لَوْ﴾ لتضمنه معنى ليت. قال الزمخشري: " عدل به عن ذلك إلى طريق آخر هو على تقدير خبر مبتدأ محذوف: فهم يدهنون. أو على المصدرية، المؤولة، بمعنى: ودوا إدهانك، فهم الآن يدهنون لطمعهم في إدهانك؟ " ثم أشار إلى قراءة في بعض المصاحف بحذف النون: "فيدهنوا" وتخريج القول عندهم على هذه القراءة، يكون على وجهين: انه جواب ﴿وَدُّوا﴾ لتضمنه معنى ليت، والوجه الآخر أنه على توهم أنه نطق بأن، أي: ودوا لو أن تدهن فيدهنوا. وجمهور المصاحف على إثبات النون كما صرح أبو حيان في (البحر) وإنما جر إلى كل هذه الوجوه من التأول والتقدير، أنهم عرضوا الآية القرآنية على قواعدهم النحوية، ثم راحوا يلتمسون الحيل لتسوية الصنعة الإعرابية. وقد قلت وأقول: ما يجوز أن يعرض البيان الأعلى على قواعد النحاة، وإنه الأصل والحجة. ومن ثم تبقى الآية على وجهها، وتكون الفاء في: فيدهنون حرف عطف، فتثبت النون رفعاً بالعطن على ﴿تُدْهِنُ﴾ والفاء العاطفة لا تفقد ملحظ السببية. * * * ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣) أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ . في تفسيرنا لآية ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ هدى الاستقراء إلى أن الكتاب المحكم لم يستعمل مادة (حلف) بمختلف صيغها، إلا في الحنث باليمين. وخلاف: صيغة مبالغة من حالف. وقلما تستعمل العربية في بيانها اسم الفاعل من حلف، فكأن عدولها إلى حلاف، إيذان بأن من يحنث في يمينه يدأب على الحنث فلا يتورع من الإكثار من الحلف، عادة وطبعاً.

стр. 246

وهماز: صيغة مبالغة من الهامز. نقل الإمام الطبري من أقوالهم في تأويلها: * أنه الذي يهمز الناس ويضربهم بيده، لا باللسان. * وقيل هو المغتاب يطعن في أعراض الناس بما يكرهون. وقال الزمخشري في الكشاف: هماز، عياب طعان، وعن الحسن: يلوى شدقيه في أقفية الناس. ويأتي في تفسيرنا لسورة الهمزة، بعد، استقراء كامل لمواضع استعمال القرآن للهمز واللمز، وتدبر لسياق الآيات فيهما. وهو يهدى إلى أن الهمز الطعن والتجريح في الغيبة، أما اللمز فيكون مواجهة صريحة. والنميمة: الإيقاع بين الناس قصد الفتنة والتوريش بينهم بما يلقى العداوة والبغضاء. وأصل النم في العربية: وسواس همس الكلام وأثر الريح في التراب. ومنه جاءت النمنمة لنقش الكتابة وزخرفتها. وأحسبه نقل إلى دلالته المجازية على الإيقاع والتوريش والفتنة، بملحظ من اعتماد النميمة عادة، على زخرف القول والوسوسة به همساً، للإيقاع. وبهذا الحس الأصيل للنميمة، نفهم ﴿مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ في الآية، دون تقييد لنميم بمن ينقل حديث الناس بعضهم إلى بعض، أو المشي بينهم بالكذب كما نقل "الإمام الطبري" في تفسيره. بل نؤثر إطلاقه، كي يدخل فيه كل سعي بين الناس بالشر: بكذب القول أو صدقة، بنقل حديث بعضهم إلى بعض، أو إهاجة أحقاد بينهم وإيقاظ فتنة نائمة..... ومناع للخير: مبالغة من مانع. وظاهر السياق أن المراد بالخير عمومه المطلق نقيضاً للشر، دون تحديد له بمنع المال الذي ألفت العربية أن تعبر عنه بالشح. والخير كما يكون ببذل الما، يكون بالتراحم والدعوة إلى عمل صالح، والتواصي بالحق، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر..... وفي تفسير آية الضحى ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ - بالجزء الأول - تدبر لآيات الخير في القرآن الكريم، هدى إلى أنه قلما يستعمله بمعناه المادي في بذل

стр. 247

المال، ونعم الدنيا، إلا بقرينة من صريح السياق مالإنفاق والوصية، في آيتى: ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (البقرة ٢١٥) ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة ١٨٠) وإنما يغلب الاتجاه به إلى نقيض الشر، كالذي في آيات: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ (البقرة ٢٦٣) ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران ١٠٤) ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ﴿آل عمران ١١٠) ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ (البينة ٧) ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (البقرة ٢٦٩) ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ﴾ (الأنبياء ٧٣) والعتل: الجلف الجافي الغليظ، ومن الاستعمال الحسي للمادة في اللغة: العتلة، واحدة العتل: حديدة كأنها رأس فأس، والهراوة الغليظة، والناقة لا تلقح. وعتله: جره عنيفاً. وبملحظ من الغلظة في الاستعمال الحسي، جاءت دلالة العتل على الجافي الغليظ. وفي القرآن الكريم من المادة آيتا: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ (الدخان ٤٧) ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ (القلم ١٣) نفهمهما بالدلالة اللغوية على الغلظة والخشونة، مع ما في اللفظ نفسه من حس الجفوة.

стр. 248

ثم يعيطيهما السياق القرآني ملحظاً من رهبة الزجر في قسوة الأخذ بآية الدخان، ومن الضعة والخسة واللؤم، في عتل زنيم، بآية القلم، بعد وصفه بأنه: ﴿حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾ . أما ﴿زَنِيمٍ﴾ فلم تأت مادة ولا صيغة، إلا في آية القلم. ومن معانيها في اللغة: اللئيم المعروف بلؤمه وشره. ومنه قيل للدعي المستلحق بقوم ليس منهم، زنيم. وربما كان فيه أيضاً ملحظ من لالة الزنمة، وهي شيء يقطع من أذن البعير فيترك معلقاً. قاله "الراغب". وقد فسرها ابن عباس، في مسائل ابن الأزرق، بولد الزنا، واستشهد له بقول الشاعر: *زنيم تداعاه الرجال زيادة* ونقل فيه "الطبري" معنى الفاحش اللئيم، والملصق بالقوم وليس منهم، واستشهد له بقول حسان: *وأنت زنيم نيط في آل هاشم* وقول آخر: زنيم ليس يعرف من أبوه بغى الأم ذو حسب زنيم وخصه قوم، منهم الزمخشري في (الكشاف) "بالوليد بن المغيرة المخزومي، كان دعياً في قريش، ادعاه أبوه بعد ثماني عشرة سنة" مع كلام طويل في الزنا وخبث النطفة. ونقله "أبو حيان" ومعه: أن الوليد كان له ستة أصابع في يده. فكأنها الزنمة. ثم علق قائلاً: "والذي يظهر أن هذه الأوصاف ليست لمعين، وإنما تصدق على عامة من يتصف بها". ونضيف: إن لفظ ﴿كُلَّ﴾ في صدر هذه الأوصاف: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ

стр. 249

مَهِينٍ﴾ يخرج بها من الخصوص إلى العموم المستفاد صراحة من ﴿كُلَّ﴾ . وتفسيره بالفاحش اللئيم، أولى من تفسيره بولد الزنا: فالقرآن الكريم في محقه للزنا، إنما يقصر اللعنة على الزاني والزانية، لا على أولادهما. والعربية حين استعملت الزنين لولد الزنا، لحظت فيه معنى لؤم الأصل وخبث المنبت. ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ . واضح أن فتنة المال وجاه العدد، كانا مدعاة الشر والأثرة والغلظة والبغي. لكن من المفسرين من ربط الآية بالخطاب في صدر الآيات قبلها ﴿وَلَا تُطِعْ﴾ قالوا: "كأنه نهاه أن يطيعه من أجل أنه ذو مال وبنين". وإليه ذهب الزمخشري فتأوله: ولا تطعه مع هذه المثالب، لأن كان ذا مال وبنين. وهذا تأول بعيد ينبو عنه الحس، فما كان ﷺ ، في عظمة خلقه وكرم سجاياه وشرف نبوته، مظنه أن يطيع ﴿كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ من أجل أنه ذو مال وبنين! وإنما النهي عن طاعة المكذبين وكل حلاف لئيم، فيما يعرضون من مساومات، والحنث في الإيمان دأبهم وعادتهم، وتحذير المصطفى ﵊، من أن يؤخذ بما قد يبدون من إدهان، احتيالاً على الموقف الصعب، وقصد الفتنة والشر، مستظهرين بما لهم من مال وبنين. * * * ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ . جحداً لنبوة المصطفى ﵊، وتكذيباً بآيات الله تعالى، وإمعاناً في البغي والإثم والتجبر والضلال. ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ . الآية على وجه الوعيد بالإذلال والإهانة والتحقير، صدعاً لكبرياء المغتر بماله وبنيه. والسمة العلامة، والوسم علامة يعرف بها الموسوم. ولعل أصل استعماله اللغوي

стр. 250

من الوسم وهو أثر الكي، والاسم علامة مميزة لتعريف الأشخاص. وفي المصطلح النحوي، يأتي الاسم قسيم الفعل والحرف. وأكثر ما تدور المادة على العلامة المميزة، حسياً معنوياً. والخرطوم الأنف أو مقدمه. وشاع استعماله في الحيوان، الفيل، واستعمال الأنف للإنسان. وإذ كان الأنف أبرز ما في الوجه، نقل إلى الدلالة المجازية على الرفعة والتكريم، أو الخسة والتحقير، فقالوا الأنوف والأنف، من الأنفة بمعنى العزة والكبرياء. وكنوا عن المترفع بمثل قولهم: ـشم الأنف، وأنفه في السماء. كما كنوا عن الإذلال بمثل قولهم: أنفه راغم، وأنفه في التراب. وفي القرآن الكريم، استعمل الأنف للإنسان على أصل معناه اللغوي في القصاص بآية المائدة ٤٥: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ . والعدول عن الأنف إلى الخرطوم في آية القلم، فيه ملحظ التحقير والهبوط بآدمية ذلك المفتون الشرير الجافي اللئيم، إلى دمنية البهائم والدواب. ومن هذا، يبدو ضعف ما قيل في تأويله، بأن معناه: سنسود وجهه أو نضرب بالسيف على أنفه - وأيدوا هذا التأويل بما حل بالوليد بن المغيرة يوم دبر! - أو نسم على أنفه بسمة يعرف بها كفره وانحطاط قدره! نقل هذه التأويلات "الإمام الطبري" بعد أن ذكر اختلاف أهل التأويل فيه: حقيقة هو أم مجاز؟ وإذا كان حقيقة فهل هو في الدنيا أو في الآخرة؟. ورد الخرطوم إلى الأنف، يضيع به سر البيان في تحقير المغرور الخبيث، والهبوط بآدميته إلى البهيمية. أما ما نقلوا عن "النضر بن شميل" من أنه تأوله في معنى "سنحده على شرب الخمر"، ففيه شطط وبعد كما ذكر "أبو حيان". ووجه الشطط فيه أن حد الخمر لم يكن قد شرع بعد لتؤدى الآية معناها من الزجر
следующие страницы →