← Тафсир

Тафсир · id 1389

التفسير البياني للقرآن الكريم

عائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ

Полный текст (373 стр.). Показаны 351–373 · переход к 356.

стр. 351

ومعها آية (التوبة ٧٩) في اللمز في الصدقات أيضاً. وهذا هو كل ما في القرآن الكريم من مادتي الهمز واللمز. * * * ولا خلاف، أعلمه، بين اللغويين والمفسرين، في أن مثل صيغة همزة ولمزة، تستعمل فيمن يكثر منه فعلها حتى كأن ذلك عادة منه قد ضرى بها. . . ولكنهم لم يتفقوا على الدلالة، فمنهم من لا يفرق بين الهمزة واللمزة. ومنهم من يجعل الهمز للتحقير والعيب في الغيبة، أو التعريض بالإشارة والكلام المبهم، أما اللمز فهو التحقير والهزء صراحةً ومواجهةً. ومنهم من عكس الوضع، فجعل اللمز في الغيبة، والهمز في المواجهة والحضور. ونحتكم إلى القرآن الكريم فيجلو لنا الفرق بين اللفظين في الدلالة، حين يستعمل الهمز لوسوسة الشيطان (المؤمنون) والنميمة (القلم) . وفيهما الخفاء والغيبة. أما اللمز فيستعمله مع التنابز بالألقاب (الحجرات) وفي الاعتراض على تقسيم الصدقات (التوبة) . ولا يكون ذلك إلا مواجهةً. وهذه التفرقة تؤكد أصالة الاستعمال اللغوي الذي فرقت فيه العربية بين المادتين: فاستعملت اللمز في الضرب والطعن. واستعملت الهمز حسياً في الهمزة للنقرة والمكان المنخسف، والمهماز حديدة في مؤخر خف الذي يروض الفرس، والمهامز مقارع النخاسين ينخسون بها الدواب والرقيق. ولا يكون النخس في العربية إلى في مؤخر الدابة أو جنبها دون وجهها وصدرها. وبهذا كله نستأنس في فهم الآية، فلا نذهب مع الشيخ محمد عبده إلى "أن الهمز

стр. 352

يكون بالعين والشدق واليد، حركات إلى التحقير والهزء، واللمز يكون باللسان". وإنما نطمئن إلى أن الهمزة هو الذي يدأب على تحقير الناس والإيغال في تجريحهم من خلف ظهورهم، واللمزة الذي يدأب على مواجتهم بكلمة السوء تحقيراً لهم وغضاً من شأنهم. * * * ويصل القرآن الكريم، الكلام عن كل همزة لمزة: ﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾ . قرأ "ابن عامر، وحمزة، والكسائي": ﴿جَمَّعَ﴾ بتشديد الميم. والباقون بفتحها. وأما ﴿وَعَدَّدَهُ﴾ فلا خلاف بينهم فيه، وهم مجمعون على قراءته بالتشديد إلا ما روى عن قراءة فيها بتخفيف الدال، بإسناد غير ثابت. قال الإمام الطبري: "وهذه قراءة لا أستجيز القراءة بها، لخلافها قراءة الأمصار وخروجها عما عليه الحجة مجمعة ذلك". وعلى قراءة الجمهور: قال الإمام الطبري في تفسير الجمع: "جمع مالاً وحفظه وأحصى عدده ولم ينفقه في سبيل الله ولم يؤد حق الله فيه". وفرق الفخر الرازي بين القراءتين، فقال: "إن جمع بالتشديد يفيد أنه جمعه من ههنا وههنا، وأنه لم يجمعه في يوم واحد ولا في يومين ولا في شهر ولا في شهرين. وأما جمع بالتخفيف فلا يفيد ذلك...... وقوله تعالى: وعدده، فيه وجوه: أنه مأخوذ من العدة وهي الذخيرة لحوادث الدهر، أو هو من العد والإحصاء. أو - على القراءة بالتخفيف - جمع المال وضبط

стр. 353

عدده، أو هو من قولهم: فلان ذو عدد". والجمع في اللغة ضد التفرق، مع ملحظ من التفاوت بين أفراده: يطلق اسماً على المجموع وعلى الجماعة من الناس أو غيرهم. وجماع الناس أخلاطهم من قبائل شتى. والمجتمع ما اجتمع من الرمال من هنا ومن هناك. والجمع صنف من التمر أو النخل خرج من النوى لا يعرف اسمه. ويأتي الجمع مصدراً، بمعنى لم الشتات المتفرق أفراداً. والإجماع اتفاق الجماعة على رأي أو عمل، وتجمعوا اجتمعوا من ومن هناك. وفي النصطلح الديني سميت صلاة الجماعة، وصلاة الجماعة باجتماع الناص على اختلافهم للصلاة، كما سمى اليوم الآخر يوم الجمع، يجمع الناس على اختلاف أجناسهم وأممهم وطبقاتهم وعقائدهم. ويلحظ في الاستعمال القرآني للمادة، أنها تجئ أكثر ليوم القيامة: في نحو أربعين موضعاً. ومن الفعل الثلاثي، جاء جمع، وجميع، وجامع، ومجموع ومجموعون، ومجمع. ولم يأت الفعل "جمع" بتضعيف الميم، في المصدر أو أي مشتق من مشتقاته. وجاء الفعل ثلاثياً ثماني عشرة مرة، لا نخطئ فيها حس العربية الأصيل للمادة، في الدلالة على لم الشتات المتفرق المختلط. منها ثلاث عشرة مرة، الفعل فيها مسند إلى الله سبحانه، ولو شاء لجمع الناس على الهدى ولم يتفرقوا في الدين، وهو تعالى قادر على أن يجمع عظام الإنسان المفتتة بالبلى، وهو يجمع الناس على اختلافهم ليةم الفصل، يوم الجمع ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ والمرات الخمس الأخرى في رحمة ربك ﴿خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ بآيات (آل عمران ١٥٧، ويونس ٥٨، والزخرف٣٢) على ما يفيده الإطلاق من الجمع اللم، وآية (آل عمران ١٧٣) في ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ بما

стр. 354

يفيد الجمع من الحشد لشتى الجند والسلاح. ولا يتختلف الملحظ في آية المحارم ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ وإنما يحل الجمع حين تفترق الدماء وتختلف الأرحام والأصلاب. فملحظ الحشد مع الإختلاط، هو ما يعطيه هذا الاستقراء عن قرب، وبه نفهم آية الهمزة في جمع مال مختلط، والتلهي بتعديده احصاءً وتكاثراً وأثرة، ومعها آية المعارج: ﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦) تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾ ١٨. وإذن فهي فتنة المال ووثنيته، وما تدفع إليه من أثرة وتجبر وخيلاء. وإزدراء للناس وتحقيرهم والغض من شأنهم خفية وعلانية، من وراء ظهورهم وفي وجوههم، من حيث لا يعلمون أو يعلمون. * * * ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ والعربية تستعمل الحساب والمحاسبة حسياً في العد والإحصاء ﴿وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ . كما تستعمله معنوياً في التقدير والتدبير، وفي المسئولية والمؤاخذة، والحسيب الرقيب المحاسب. ومنه نقل إلى المصطلح الديني في محاسبة الإنسان على عمله "يوم احساب" وأكثر ما يجئ الفعل الرباعي، بهذه الدلالة، مسناً إلى الله تعالى. أما الثلاثي، فالعربية تفرق في مضارعه بين المادي والمعنوي: فيغلب كسر السين للحساب بمعنى العد، وفتحها في معنى التقدير أو التدبير. وخص الحسب بما يعد من مفاخر الآباء. وفي القرآن الكريم: جاء الفعل الثلاثي ثلاث مرة، يؤذن سياقها أنها بمعنى التقدير عن ظن وتصور، كالذي في آيات: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ (النمل ٤٤)

стр. 355

ومعها آيتا (الكهف ٩ والإنسان ١٩) ويكثر مجيئه بأسلوب الاستفهام الإنكاري، فيعطيه السياق دلالة ضلال الوهم، والخطأ في التقدير، مثل آيات: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ ؟ (العنكبوت ٢) ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ ؟ (الجاثية ٢١) ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ﴾ (محمد ٢٩) ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ (المؤمنون ١١٥) ومعها آيات: (العنكبوت ٤، البقرة ٢١٤، آل عمران ١٤٢، التوبة ١٦) ويتأيد ملحظ استعماله في غير العد الحسابي، بمجئ الفعل المضارع مفتوح السين في آياته الإحدى والثلاثين، في سياق النهي أو التحذير من خطأ التقدير على الظن أو التوهم. والفعل فيخا جميعاً مسند إلى المخلوقين. ويأذن لنا هذا الإستقراء، في حمل "يَحْسب" في آية الهمزة، على التوهم الذي يخطئ حقيقة التقدير، في حسابه أن ماله أخلده. والخلد في العربية البقاء والدوام، استعملته حسياً في الخوالد وهي الجبال الرواسي الثوابت والحجارة والصخور لطول بقائها. ومنه قيل المخلد للرجل الذي أسن دون أن يشيب. والخلود البقاء الدائم، ضد الفناء. والقرآن الكريم يستعمل الخلود بملحظ لا يتخلف، فهم فيه دائماً في سياق الحديث عن الآخرة، إما خلوداً في الجنة والنعيم ودار الخلد، أو خلوداً في العذاب والنار. وحين يستعمله في الدنيا، فعلى وجه النفي والإنكار أن يكون فيها خلود وإنما هي دار فناء. ترى ذلك واضحاً في مثل آيات: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ (الأنبياء ٣٤) ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾ (الأنبياء ٨)

стр. 356

﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ (الشعراء ١٢٩) ومعها آية الهمزة في ﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ فيضله الوهم ضلالاً بعيداً، ويعيمه عن حقيقة الدنيا الفانية التي يتهالك على حطامها. * * * ﴿كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾ . مع الردع والزجر بـ: كلا، يأتي هذا النبذ في الحطمة. والنبذ في العربية الطرح لما هو هين وحقير، والمنبوذ ولد الزنى، واللقيط الملقى في الطريق. وقبر منبوذ بعيد منعزل. والنبيذة الناقة لا تؤكل من فرط سقمها وهزالها، والأنباذ الأوباش. والانتباذ التنحي والانسحاب إلى مكان مهجور، ومنه في القرآن آيتا مريم ﴿إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ ، ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾ . والنبذ في الحرب أن يخرج أحد الفريقين إلى حيث انتحى الآخر وانتبذ، ومنه آية الأنفال ٥٨: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ وكل ما في القرآن من النبذ، غير آيتى مريم والأنفال، هو من الطرح والنفي، عن هوان بامنبوذ على النابذ. ﴿لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ (القلم ٤٩) (والصافات ١٤٥) ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ (القصص ٤٠) (والذاريات ٤٠) ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ (البقرة ١٠٠) وبكل ما في لفظ النبذ من دلالة على الهوان والضياع، يأتي الفعل في الهمزة، مؤكداً باللام والنون المذددة، وعيداً لعابد المال الذي يحتقر الناس ويزدريهم، ويدأب على تجريحهم همزاً ولمزاً. وقد فسرها الإمام "الطبري" بالقذف.

стр. 357

ولمح "الفخر الرازي" ما في النبذ من إهانة. والإهانة أصلية في دلالة النبذ لغة، والبيان القرآني يجلوها على هذا النحو الباهر حين يزجر بها ذلك المتفاخر المتعالي المغرور بماله يحسب لأنه أخلده، وإنما ينتظره خلود آخر مهين أليم، منبوذاً في الحطمة. وأصل الحطم في العربية: التهشيم مع اختصاص بما هو يابس كالعظام، وقيل الحطوم للأسد يحطم كل شيء ويهشمه، وللريح تقوض البناء. والحاطوم والحطمة السنة المشئومة. ورجل حطم يلتهم كل شيء ولا يشبع. وراع حطمة وحطم، كأنه يحطم الماشية عن سوقها، لعنفه. وهذا الملحظ الأصيل من التهشيم مع العنف والقسوة، لا تخطئه في الاستعمال القرآني للمادة، في المواضع الستة التي جاءت فيها: وبصيغة الفعل المضارع في آية النمل ١٨: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ . ولنا أنت نتصور وطأة الحطم من سليمان وجنوده، للنمل مع ضآلة جرمه ووهن قواه. وثلاث مرات بصيغة حطام في آيتى (الزمر ٢١، والحديد ٢٠) للرزع المصفر اليبيس المهشم، تمثيلاً لحطام الدنيا ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ ومعهما آية الواقعة ٦٥. ومرتان بصيغة حطمة التي انفردت بها آيتا الهمزة. قالوا في تفسيرها: هي اسم من اسماء النار، وهي الدركة الثانية من ردكاتها. وفي الطبري عن "مقاتل": تحطم العظام وتأكل اللحم حتى تهجم على القلوب. ورووا فيه حديثاً: "إن الملك ليأخذ الكافر فيكسره على صلبه كما توضع الخشبة على الركبة فتكسر. ثم يرمى به إلى النار". وأخذه الزمخشري في (الكشاف) من معنى النار تحطم كل ما يلقى فيها كالرجل الأكول الحطمة.

стр. 358

والقرآن يغنينا عن تأويل بما تولى من بيان الحطمة في الآيات بعدها، وتبدأ بالسؤال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ﴾ . والدراية أخص من المعرفة. والخاصة البيانية لهذا الأسلوب: ما أدراك، استعماله فيما يجاوز دراية المسئول: إما لجلال الأمر وعظمة كآيتى: القدر ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ ، والعقبة ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾ . وإما لكونه من الغيب المتعلق بالصبر في اليوم الآخر، يتجاوز دراية البشر ويعييهم إدراكه وتمثله، كآيات: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾ (المدثر ٢٧) ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ (الحاقة ١ - ٣) ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ ، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ﴾ (القارعة ٣، ١٠) ﴿لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾ (الرسلات ١٤) ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ (الإنفطار ١٧، ١٨) ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾ ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾ (المطففين ٨، ١٨) وفي كل آية من هذه الآيات، يعقب على السؤال المثير ﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾ ؟ ببيان مناط العلو أو الرهبة والهول، فلنا إذن أن نلتمس مثل ذلك فيما تلا آية: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ﴾ من بيان لها في الآيات بعدها: * * * ﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ . وباستقراء الاستعمال اتلقرآني للنار، نلحظ غلبة مجيئها لنار الجحيم في الآخرة، حيث وردت فيها نحو مائة وعشرين مرة، في مقابل خمس وعشرين مرة للنار في

стр. 359

الدنيا، إما على الحقيقة في النار المعروفة المعهودة، وإما على المجاز في مثل نار الحرب (المائدة ٦٤) ومع كثرة استعمال النار في القرآن لنار الجحيم، لم تأت مضافة إلى الله تعالى إلا في "الهمزة" فشهد ذلك بفداحة النكر لفتنة المال وما تغرى به من تكبر وبغى، وعدوان وضلال. والإيقاد الإشعال، وأصله في العربية للنار إلا أت يستعمل مجازاً في الفتنة والحرب والضغينة وما أشبهها. وقد جاءت مادة (قد) في القرآن الكريم إحدى عشرة مرة، اثنتان منها على المجاز في آية النور: ﴿كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ ٣٥. وبآية (المائدة) في اليهود: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ ٦٤. وخمس مرات للنار المعروفة، إيقاداً ووقوداً واستيقادا: (يس ٨٠، الرعد ١٧، القصص ٣٨، البروج ٥، البقرة ١٧) . وأربع مرات لنار الجحيم ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ بآيات: (البقرة ٢٤، وآل عمران ١٠، والتحريم ٦) . و ﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ﴾ في آية الهمزة. والمار لا تكون إلا موقدة، فوصفها بالموقدة في مقام النذير، تأكيد للوعيد وإرهاب بهوله. وليس من الضرورى أن نتأول إطلاع نار الله الموقدة على الأفئدة، بأنها: "تعلوها وتقلبها وتشتمل عليها" كما ذهب الزمخشري وأذه الشيخ محمد عبده، ولا بأنها "تأكل اللحوم حتى تهجم على القلوب" كما نقل الطبري. وأولى من هذا الهجوم والأكل، أن نامح أسرار التعبير في هذا البيان القرآني، فنتدبر موضع الأفئدة هنا، ولا نقول إنها جاءت مكان القلوب لمجرد ملحظ لفظي في رعاية الفاصلة، بل لأن القلب قد يطلق في العربية على العضو العضلي المعروف من أعضاء الجسم، أما الفؤاد فلا يطلق إلا على المعنوي من وضع الشعور والعواطف

стр. 360

والعقيدة والأهواء. وبهذا المعنى جاء الفؤاد في القرآن مفرداً وجمعاً، ست عشرة مرة، ليس فيها ما يحمل على الجارحة، كآيات: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ (هود ١٢٠) ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ (الفرقان ٣٢) ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ (النجم ١١) ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ (القصص ١٠) ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ (إبراهيم ٣٧) ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ (الأنعام ١١٣) ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ (إبراهيم ٤٣) والزمخشري التفت إلى أن الأفئدة مواطن الكفر والعقائد الفاسدة، كما قال الشيخ محمد عبده إنها موضع الوجدان والشعور. وبقى أن نلتفت إلى أن هذه المعنويات هي الغالبة كذلك على استعمال القرآن للفظ قلب وقلوب. إذ يأتي اللفظ مع الإطمئنان والسكينة والرحمة والتآلف والخشوع والوجل والفقه والطهر. كما يأتي مع الارتياب واللهو والتقلب والرعب والوجل والخوف والاشمئزاز والقسوة والتكبر والجبروت، والزيغ والمرض والإثم والغفلة والعمى..... وكلها مما لا مجال له في القلب بدلالته العضوية التي تعرفها له العربية في مألوف الاستعمال ومنه في القرآن آية الأحزاب: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ . وإذن يكون إيثار الأفئدة هنا لا لنسق الفاصلة فحسب، ولكنه كذلك لتخليض الأفئدة من حس العضوية التي تدخل على دلالة لفظ القلوب في المألوف من لغة العرب، إذ نستعمل القلب بمعناه العضوي، ولا نستعمل الفؤاد بهذا المعنى قط. وإسناد الإطلاع إلى نار الله الموقدة، فيه تشخيص لهولها وتقرير لفاعليتها، على نحو ما شخص القرآن الكريم هذا الهول بتقرير فاعلية النار، في آيات أخرى، تأتي النار فيها:

стр. 361

مبصرة منفعلة: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ (الفرقان ١٢) ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ﴾ . ناطقة داعية: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ (الملك ٧، ٨) ﴿تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾ (المعارج ١٧) بل أعطاها كذلك صفة الولاية على المفتونين المغرورين والكفار الجاحدين: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (الحديد ١٥) * * * ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ . نلمح من سر البيان فيها، أنها ﴿عَلَيْهِمْ﴾ بما تفيد من الإطباق الملاصق المباشر. ولا تقوم مقامها "فوقهم" مثلاً، لاحتمال أن تكون الفوقية غير ملاصقة ولا مطبقة ملابسة. والعربية استعملت الوصيد للبيت الحصين يتخذ للمال من حجارة فب الجبال. واستوصد في الجبل: اتخذ فيه حظيرة من حجارة. والعمد: حمع عمود، وأصل استعماله فيما يقوم عليه الخباء، وعمد الحائط دعمه. وسبق استقراء مادته في ذات العماد من آية الفجر. والمد: الجذب للبسط، وطراف ممدد مشدود بالأطناب. ومد بصره إلى الشيء طمح إليه. والمد فيضان الماء نقيض انحساره في الجزر. فسره الزمخشري بقوله: فتوصد عليهم الأبواب وتمدد على الأبواب العمد استيثاقاً في استيثاق، ونظيره قول الشاعر: تحن إلى أجيال مكة ناقتى ومن دونها أبواب صنعاء موصده

стр. 362

ونؤثر أن نستأنس في فهم الآية، بالحس اللغوي الأصيل للإيصاد، بمعنى الإغلاق المحكم، وباستعمال القرآن الكريم للمادة، في آياتها الثلاث: الوصيد في آية الكهف ١٨: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ . ومؤصدة في ختام سورة البلد: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩) عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ . والآية مسبوقة ببيان لغرور المال وفتنته، يضل الإنسان ضلالاً بعيداً: ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا (٦) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ ؟ وفي آية البلد من إيصاد النار وإطباقها المباشر، مقل ما في ختام سورة الهمزة: ﴿عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ . نذيراً كذلك ووعيداً بويل ﴿لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ . صدق الله العظيم

стр. 363

سورة الماعون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧) ﴾ صدق الله العظيم

стр. 364

السورة مكية مبكرة، نزلت بعد التكاثر. وترتيبها في النزول السابعة عشرة، على المشهور. وجاءت باسم سورة "أرأيت" في جامع البيان للطبري والكشاف للزمخشري والتفسير الكبير للفخر الرازي. * * * وقراءة الجمهور: أرأيتَ. وقرأ بعضهم "أريتَ" بحذف الهمزة من رأى، قال في الكشاف: "وليس بالاختيار، لأن حذفها مختص بالمضارع، ولم يصح عن العرب ريْتَ، ولكن الذي سهل من أمرها وقوع حرف الاستفهلم في أول الكلام، ونحوه: صاح هل ريت أو سمعت براع رد في الضرع ما قرى في العلاب وقالوا في أسباب النزول، إنها نزلت في: أبي سفيان، أو العاص بن وائل السهمي، أو الوليد بن المغيرة، أو أبي جهل، وقال ابن عباس: "نزلت في منافق جمع بين البخل والمراءاة". والعبرة على كل حال بعموم اللفظ. * * * وتستهل السورة بهذا الاستفهام المثير" ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ ؟ والأصل في الاستفهام أن يكون من سائل يطلب الفهم ويستفسر عما يجهل، أما حين يكون المستفهم على علم بما يستفهم عنه، فإن الاستفهام يخرج بذلك عن أصل معناه في الوضع اللغوي، إلى المجاز البلاغي. وفيما أحصى البلاغيون من أغراض يخرج بها الاستفهام عن معناه الأصلي، لا أجد ما يجلو السر البياني لمثل هذا الاستفهام القرآني: ﴿أَرَأَيْتَ﴾ ؟ وعند "الراغب" أن "أرأيت، يجرى مجرى: أخبرني" وأن كل ما في القرآن من

стр. 365

هذا الأسلوب "فيه معنى التنبيه"، قال الفخر الرازي فيه: "إن الغرض منه المبالغة في التعجب" وذهب الشيخ محمد عبده إلى "أن المقصود به التنبيه إلى خفى مجهول". وأميل إلى القول بأن سره البياني فس الاستفهام عما يبدو للناس واضحاً غير خفي، ويحسبونه معلوماً غير مجهول، إذ ليس التكذيب بالدين مظنه خفاء، والناس يحسبونه أنه يكفي المرء تصديق بالدين لأن ينطق الشهادتين ويؤدي العبادات المفروضة من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً. ومن ثم يأتي الاستفهام عما يحسبه الناس مستغنياً عن كل بيان، فيثير أقصى اليقظة والانتباه، ويرهف الدهشة والترقب انتظاراً لجواب غير متوقع، وتطلعاً إلى معرفة ماذا يكون التكذيب بالدين غير الذي يعلمون منه بالضرورة؟ * * * والدين في العربية: الطاعة والخضوع. وسمى العبد مديناً لأن العبودية أخضعته. والديان: القهار، والقاضي، والحاكم. وشاع استعماله في الملة بعامة، وفي الإسلام بوجه خاص، وهو المعنى الغالب في الاستعمال القرآني. ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ . ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينً﴾ . ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ . وسمى اليوم الآخر "يوم الدين" أربع عشرة مرة. وفي آية ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ فسر الدين بأنه ثواب الله وعقابه (الطبري) واختار الزمخشري كذلك أن يكون بمعنى الجزاء. والأولى عند الرازي أن يكون بمعنى الإسلام. وهي أقوال متقاربة، وإن يكن حمله على الدين بمعنى العقيدة والإسلام، أقوى

стр. 366

عندنا، والله أعلم، من حمله على الحساب والجزاء، لأن التكذيب بهما لا يكون إلا عن تكذيب بالدين. * * * والكذب: نقيض الصدق. استعملته العربية ف الناقة الكذوب يظن أنها حامل ثم تخلف الظن، وفي البرق يوهم أن وراءه مطراً ثم لا يكون مطر، كما استعملته في خداع الحس، فقيل كذبت العين أو الأذن إذا أخطأت حقيقة ما تبصر أو ما تسمع. ومنه جاء الحلم الكاذب والرجاء الكاذب، وكل ما أخلف الظن والتقدير. وقيل مذبته نفسه إذا منته الأماني وخيلت إليه من الآمال مالاً لا يكاد يكون. وكذب بالأمر. أنكره ولم يصدقه. وبهذا الحس الأصيل من سوء التقدير وإنكار الحق، يأتي التكذيب في القرآن الكريم أكثر ما يأتي في التكذيب بالله وآياته ورسله. وهو التكذيب بالحق والصدق. ومنه التكذيب بالنذر، وبالساعة، وبلقاء الله والآخرة. وبيوم الفصل، وبجهنم والعذاب. وكثر في القرآن الوعيد والإنذار بعاقبة المكذبين، ووصفوا بأنهم الضالون، والمجرمون، والكافرون، والغافلون. كما أسند إليهم: الأفتراء، والظلم، والإثم، والإعتداء، والمعصية، والخسران، وإتباع الأهواء. وجاء التكذيب بالدين في آيات: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ (الانفطار ٩) ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ (التين ٧) ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ (الماعون ١) وتتولى الآيات بعدها بيان المستفهم عنه من هذا التكذيب بالدين: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ . والدع الدفع العنيف مع قسوة وجفاء. ولم يستعمله القرآن الكريم إلا في آيتين، إحداهما للمعاملة في الدنيا وقد خص به اليتيم في آية الماعون. والأخرى في دع المكذبين إلى النار يوم الدين بآية الطور:

стр. 367

﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (١٢) يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ ١٣. وهذا يكفي لمح الحس القرآني للدع، بما فيه من قسوة وغلظة وجفاء. واليتيم الصبي فقد أباه. وقد سبق استقراء آياته في الضحى ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ ولحظنا اقتران اليتيم في هذه الآيات، بالمسكين والأسير (الإنسان، والبلد) ، والضال والعائل (الضحى) وجاء اليتامى مع المساكين وابن السبيل في خمس آيات، ومع الرقاب للأرقاء في آيتى (البقرة ١٧٧، النساء ٣٦) . فشهد ذلك بحساسية بالغة الرقة لمكان اليتيم في مجتمع غير متراحم ولا متكافل، مما اقتضى أن يقرر كتاب الإسلام حق اليتيم في المجتمع الإسلامي الصالح، وأن يجعله تالياً لحق الله والرسول وذوي القربي في آيات (الأنفال ٤١، الحشر ٧) ومعهما (البقرة ١٧٧، ٢١٥) وتالياً لعبادة الله والإحسان بالوالدين وبذي القربي في آيتى (البقرة ٨٣، النساء ٣٦) . وفي (سورة الفجر) الوعيد الرهيب لمن لا يكرمون اليتيم. وهنا في آية (الماعون) يبلغ بالقرآن أن يعد دع اليتيم تكذيباً بالدين: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ . والعربية تستعمل الحض في الحث وبعث الحمية، نقلا من الحث الشديد على السير. وقد نقلنا في آية الفجر: ﴿وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ قول الراغب الأصفهاني في (المفردات) إن الحث يكون بسير، بخلاف الحض. والذي نطمئن إليه من حس العربية، هو مألوف استعمالها للحض في الحمل على ما يكره، ولعل أصل الاستعمال اللغوي من الحضض وهو داء يشفي بعصارة الصبر، أو هو عصارة من أخلاط كريهة كانوا يتداوون بها. وحضوض: اسم جبل في البحر كانت العرب تنفى إليه خلعاءها. والقرآن الكريم لم يستعمل الحض في آياته الثلاث، إلا في سياقالإنكار لعدم التواصي برعاية المسكين وإطعامه مع اقتران هذا الإنكار بالكفر بالله والتكذيب بالدين:

стр. 368

آية الحاقة ٣٤: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾ . الغسلين، طعام من لا يحض على طعام المسكين، فسر بأنه ما يسيل من جلود أهل النار. وآية الفجر ١٨: ﴿كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا﴾ . وفي آية الماعون، تجئ آية: ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ في بيان الذي يكذب بالدين. أوجز "الطبريط ففسرها بأنه الذي لا يحث غيره على إطعام المحتاج إلى الطعام. وقال الزمخشري: "ولا يبعث أهله على بذل طعلن المسكين. جعل علم التكذيب بالجزاء منع المعروف والإقدام على إيذاء الضعيف. يعني أنه لو آمن بالجزاء وأيقن بالوعيد لخشى الله تعالى وعقابه ولم يقدم على ذلك". وأضاف إليه الرازي احتمال أن يكون المعنى: ولا يحض نفسه على طعام المسكين. ونرى أن تفسير الحض بالحث، لا يعطي ملحظ الحمل على ما يكره عادة، كما يفوته لمح خصوصية الاستعمال القرآني للحض في الإنكار لعدم التحاض على طعام المسكين. وتقسسد الآية بعدم حض الأهل، لا يعين عليه النص لفظاً وسياقاً، وإنما هو إنكار لموقف من ينكصون عن احتمال التبعة فلا يؤدون حق الجماعةفي الدعوة إلى الخير والتواصي بالمرحمة، وفي حسابهم أنه يكفي الإنسان تصديقاً بالدين، أن يؤدي فروض عبادته، وأن خطيئات غيره لا يقع عليه منها إثم السكوت على منكر. وتأويل الحض بأنه لا يحض نفسه، غير قريب. فضلاً عن كونه يخرج بالآية عن سياقها القرآني في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وللفخر الرازي ملحظ دقيق في إضافة طعام إلى المسكين، يجدى على ما نفرغ له

стр. 369

من دراسة بيانية. قال: "وإضافة طعام إلى المسكين تدل على أن ذلك حق المسكين. فكأنه - المكذب بالدين - منع المسكين مما هو حقه، وذلك يدل على نهاية بخله وقساوة قلبه وخساسة طبعه". * * * ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ سبق الحديث عن لفظ "ويل" واستقراء الاستعمال القرآني له، في تفسير آية الهمزة: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾ . والسهو لغة: النسيان والغفلة. ولم يستعمله القرآن الكريم إلا في آيتين: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ (١١) يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ (الذاريات ١١) وآية الماعون، والسهو فيها عن الصلاة، وليس في الصلاة. ومن ثم نستبعد ابتداء قول من تأولوا السهو في الآية بأنه سهو في الصلاة وليس السهو فيها بخطيئة ولا منكر، وكل مؤمن عرضه لأن يسهو في صلاته، وينجبر مثل هذا السهو في الصلاة بسجود السهو والنوافل على ما هو مقرر في باب سجود السهو من أحكام الفقه. فما يكون السهو عن الصلاة؟ اختلف أهل التأويل فيه، وقد أورد الإمام الطبري من أقوالهم في المقصود بهذا السهو: أنه تأخير الصلاة، لا يصلونها إلا بعد خروجها عنه وقتها. أنه الترك للصلاة لا على نية القضاء. وعن ابن عباس: هم المنافقون كانوا يراءون بصلاتهم إذا حضروا ويتركونها إذا غابوا. أو هو التهاون بها والتغافل عنها، ولا يبالى أحدهم صلى أم لم يصل. وأولى الأقوال عند الطبري بالصواب: "أنهم ساهون لا هون يتغافلون عنها. وفي

стр. 370

اللهو عنها والتشاغل بغيرها تضييعها أحياناً وتضييع وقتها أحياناً أخرى. فصح بذلك قول من قال: عنى بذلك ترك وقتها، وقول من قال: عنى تركها". وأضاف "الزمخشري" إلى هذين الوجهين وجهاً ثالثاً: "أو لا يصلونها كما صلاها رسول الله ﷺ والسلف، ولكن ينقرونها نقراً من غير خشوع وإخبات، ولا اجتناب لما يكره فيها من العبث باللحية والثياب وكثرة التثاؤب والالتفات، لا يدرى الواحد منهم كم أنصرف، ولا ما قرأ من السور". ووقف "الرازي" عند تأويل السهو عن الصلاة بتركها، فأثار فيه مسألتين: "أن يقال إن الله تعالى أثبت لهم الصلاة بقوله ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ وأيضاً فالسهو عن الصلاة بمعنى الترك، لا يكون نفاقاً ولا كفر، فيعود الإشكال.... ثم قال: "ويمكن أن يجاب عن الاعتراض الأول بأنه تعالى حكم عليهم بكونهم مصلين نظراً إلى الصورة، وبأنهم نسوا الصلاة نظراً إلى المعنى كما قال: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ويجاب عن الاعتراض الثاني بأن النسيان عن الصلاة هو أن يبقى ناسياً لذكر الله". * * * ولا نفهم الآبة بمعزل عن الآية التالية لها وقد ارتبطت بها ارتباط الصلة بالموصول: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ . والمراءاة في العربية أن يظهر الإنسلن خلاف ما يبطن. ووجه المفاعلة فيها أنه يرى الناس من ظاهر أمره ما يرونه موضع ثناء. وهي قريبة من النفاق، وإن شاع في المجال الديني تخصيص النفاق بمن يكتم الكفر ويظهر الإسلام. وإطلاق الرياء عاماً في التظاهر بالإيمان وبالصلاح والبر، وإضمار نقيضها. وهو ما يؤنس إليه استعمال القرآن الكريم للرياء والمراءاة في الآيات الخمس: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ

стр. 371

النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (البقرة ٢٦٤) ومعها آيتا: (النساء ٣٨، ١٤٢) ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (الأنفال ٤٧) وآية الماعون في ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ . ومن معاني الماعون في معاجم اللغة: الماء والمطر، وكل ما يستعار للمنفعة عند الحاجة من فأس وقدر وإناء، ومنه شاع استعماله في الإناء. وقد يطلق الماعون أيضاً على الزكاة، بملحظ من إعطاء حق المال المفروض، على قلته، لمن يحتاج إليه ولا يجوز إمساكه عنه. ولم يأت الماعون في القرآن الكريم إلا في هذه الآية. في قول إنه الزكاة، اختراه الزمخشري. على أن أكثر المفسرين فيما نقل الفخر الرازي، تأولوه بأنه ما يتعاوره الناس في العادة، كالفأس والدلو والمقدحة، والملح والماء والنار. وعند الرازي أنها سميت ما عوناً لقلة شأنها، كما سميت الزكاة ماعوناً لأنه يؤخذ من المال ربع العشر وهو قليل من كثير. ونبه الزمخشري إلى أن منع هذه الأشياء التي يتعاورها الناس "قد يكون محظوراً في الشريعة إذا استعيرت عن اضطرار، وقبيحاً في الموءة في غير حال الضرورة". على حين يرى الرازي "أن البخل بهذه الأشياء القليلة يكون في غاية الدناءة. ومن الفضائل أن يستكثر الرجل في منزله مما يحتاج إليه الجيران فيعيرهم إياه، ولا يقتصر من ذلك على الواجب". ونقول من الإمام الطبري: "إنهم يمنعون الناس ما يتعاورونه بينهم، ويمنعون أهل الحاجة والمسكنة ما أوجب الله لهم في أموالهم من حقوق، لأن كل ذلك من المنافع التي ينتفع بها الناس بعضهم من بعض".﴾ ﴾

стр. 372

وقد احترز عدد من المفسرين في تأويل: ﴿يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ من أن تتجه المراءاة إلى إظهار العمل الصالح إذا كان فريضة "لأن الفرائض شعائر الإسلام وتاركها مستحق للعن، فيجل نفي التهمة بالإظهار وإنما المكروه المراءاة بإظهار ما هو تطوع ونافلة" واحترزوا في هذا أيضاً بألا يكون القصد من إظهاره أن يقتدي به. وأرى السياق في غنى عن مثل هذا الاحتراز، إذ ليس في إظهار فرائض العبادات، ولا في موضع القدوة، مظنة مراءاة توعد بويل. * * * ونفرغ بعد هذا لتدبر البيان القرآني لآيات الماعون، فنرى النذير بويل ﴿لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ قد أثبت أنهم فعلاً يؤدون الصلاة، ولكنهم ساهون عن صلاتهم غافلون عن كونها قياماً بين يدى الخالق، يكبح غرور الإنسان ويأخذه بالخشوع والتواضع أمام جلال خالقه وعظمته وقدرته، ويرهف نفسه اللوامة، فلا يطيق دع يتيم محتاج إلى العطف والرحمة، أو السكوت على مسكين يضام ويمنع حقه في طعامه. وصلاة الذي يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين، لا يمكن أن تقام عن قلب خاشع وضمير مؤمن، وإنما هي مراءاة وتظاهر بالعبادة والتدين والتقوى، قصداً إلى جلب منفعة أو دفع أذى. وحين لا تؤدى الصلاة غايتها من النهي عن الفحشاء والمنكر، فإنها تعود بذلط طقوساً شكلية وحركات آلية مجردة عن معناها وحكمتها. والإسلام يرفض هذه الآلية في شعائر الدين، ويتجه بالعبادات إلى أن تكون تهذيباً للنفس ورياضة للضمير وهداية إلى خير الفرد والجماعة. والذي في آية البر: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ﴾ ﴾

стр. 373

الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (البقرة ١٧٧) وفي آية الحج: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ ٣٧. هو ما في آية الماعون، في المصلين الذين يؤدون الصلاة أداء شكلياً وطقوساً وحركات آلية يراءون بها، غافلين عن حكمة إقامتها، ساهين عما تنهي عنه من الفحشاء والمنكر. * * * ويمثل ذلك الهدى القرآني، يروض الإسلام بشريتنا على احتما المسئولية العامة، ويرتقي بالإنسان إلى حيث لا يكتفي بالواجب الفردي وأداء العبادات، بل يعد دع اليتيم وعدم الحض على طعام المسكين تكذيباً بالدين. وليس وراء ذلك مطمح للإنسانية في التزام تبعة وجودها واحتمال أمانة الحق العام في التكافل والتراحم، والدعوة إلى الخير والتواصي بالحق والمرحمة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ صدق الله العظيم تمَّ الكتاب بحمد الله وتوفيقه والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.