← Тафсир

Тафсир · id 1389

التفسير البياني للقرآن الكريم

عائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ

Полный текст (373 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

المجازى، وهو في صنعة البلاغيين لعلاقة الزمان أي وقت السرى. لكنه في الفن القولي أعمق نفاذاً من ذلك الملحظ القريب المتبادر الذي تكتفي به الصنعة، إذ فيه تجسيم لليل وتشخيص وفاعلية، بحيث يتمثل كائناً حياً يسرى. وفيه كذلك إلباس للحدث بزمانه، فالليل نفسه يسرى كما يسرى فيه كل كل سار بليل. وقد جاءت المادة في القرآن الكريم ثماني مرات كلها في سرى الليل، باستثناء آية مريم: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ ٢٤. والمرات السبع في سرى الليل، كلها أفعال: مرة للماضي في آية الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ . وخمس مرات فعل أمر للوطٍ وموسى، ﵉ بآيات: هو ٨١، الحجر ٦٥، طه ٧٧، الشعراء ٥٢، الدخان ٢٣. وآية الفجر: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ على إسناد السرى إلى الليل نفسه مجازاً. في (تفسير الطبري) عن مقاتل: هي ليلة المزدلفة والساري هو الحج. وهذا، فيما نرى، تخصيص قد يمنعه عموم اللفظ. وفسره أبو حيان: إذا يمضى، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ ومثله النيسابورى في الغرائب. وفسره ابن القيم في التبيان، بالإقبال أو بالإدبار. ويبعده المفهوم من معنى السرى، يمتد من أول الليل إلى آخره، على وجه الاستغراق الذي يستوعب مداه. وتأوله الشيخ محمد عبده بالظلمة! قال: "أقسم تعالى بالليل مراداً منه الظلمة، وكثيراً كا يطلق اسم الليل وتراد ظلمته". ويمنعه أن الليل في آيات القسم به، لم يأت قط على إطلاقه، بل قيد هنا بـ: إذا يسرى، كما قيد في غير سورة الفجر، بـ: أذا سجى، وإذا يغشى، وإذا عسعس، وإذا أدبر..... وغير متصور أن يكون المراد منها جميعاً الظلمة، دون نظر إلى القيد في كل آية. ثم توسع الشيخ في تأول وجه الإعظام والتفخيم لهذه الظلمة المقسم بها فقال: "ولما كان ظلام الليل واختلاط قطعة عظيمة منه بضوء القمر في الليلة الواحدة،

стр. 317

مقصوداً إلى تفخيم أمره بالقسم، خص الليالي التي يظهر فيها ضوء القمر مع تغلب الظلام فيها بعشر فقط، وإلا فقد يكون ظلام في أكثر من عشر من الشهر لكن زمنه قليل لا يليق ذكره بمقام التفخيم! وفي الفجر تفريجه كربه الليل من جهة، وتنبيه العامل إلى استقبال عمله من جهة أخرى، وفي ليالي القمر واستمالتها الأنفس للسمر وتيسير السير في السفر، ثم في قصر بقاء القمر وانتظار هجوم الظلمة وابتغاء الغنيمة (؟) مع الاستعداد للسكون عندما يرخى الليل ستاره، في كل ذلك رغبات للنفس ورهبات، وللهواجس غدوات وروحات، وللأماني فيه دبيب ووثبات، فهو جدير بأن يقسم به". ولا يخفي ما في هذا التأويل من بعد التكلف وعسر الملحظ، وإلا فالعشر الوسطى من الشهر القمري أسنى وأبهى وأقوى استمالة للسمر! وإذا كانت قلة الظلام مما لا يليق ذكره بمقام التفخيم، فكيف يليق معهذكر الفجر تفخيماً له بما يخفف من كربة الظلام وما ينسخ من آية الليل! وفي أقسام القرآن قسم بالصبح إذا تنفس، وبالضحى وبالنهار إذا تجلى، كما فيها قسم بالليل إذا سجى وإذا عسعس، وإذا وقب، وإذا يغشى، وإذا أدبر!؟ ونعود فنقول إن مثل هذا القسم بالواو في القرآن الكريم ظاهرة أسلوبية عدل فيها البيان القرآني بالقسم عن أصل استعماله الأول للتعظيم، لملحظ بلاغي هو اللفت بالواو إلى واقع حسي مدرك لا مجال للمهاراة فيه، توطئة للإقناع بما هو موضع جدل أو ارتياب، من المعوويات والغيبيات غير المدركة. وقد سبق بيان لهذه الظاهرة فيما تناولنا من سور الضحى والعاديات والنازعات في الجزء الأول، ثم في سورتى العصر والليل هنا. ونعرض ملحظنا فيها على آيات القسم بالواو في مستهل سورة الفجر، فنراها جميعاً لافتة لفتاً قوياً إلى صور مدركة من التقابل في الأضواء، ما بين نور الفجر وسرى الليل، وفي العدد، أياً كان المعدود، من شفع ووتر. توطئة بيانية لما يتلو من آيات محكمات فيها تقابل بين الإبتلاء بالقوة وبالغنى والنعمة

стр. 318

أو بالفقر والحرمان، وما يظن معهما من إكرام أو إهانة، ثم التقابل في المصير ما بين عذاب الطاغين المغرورين، ونعيم النفس المطمئنة. دون أن نتجشم عناء التأويل بما يفخم كل مقسم به ويعظمه، أو نخلط بين التفخيم والتعظيم والتشريف، والحكمة الإلهية في كل ما خلق الخالق، لا فيما أقسم به بالواو فحسب. وبمثل هذا الأسلوب يبلغ البيان القرآني غايته من الإقناع والإلزام بالحجة. وعلى نحو ما يجلو معاني من الهدى والضلال، والإيمان والكفر، والحق والباطل، بحسيات مدركة من النور والظلمة، يجلو في سورة الفجر، بالضوء والظلمة في درجات متفاوتة، مغاني من الحق والباطل: فالفجر إذ ينبثق نوره فينسخ ظلمة الليل، والهلال إذ يبزغ وليداً إثر المحاق ويمضى رويداً في دحر الظلام، والليل إذ يسرى ما بين بدء الظلمة ومطلع الفجر، كل هذا بيان لافت إلى صراع الحق والباطل، وإلى انبثاق نور الهدى بعد أن غشيت ظلمة ليل طال، ضلت فيه أمم وطغى وأفسدوا في الأرض، مثلما نشهد في الواقع المحسوس مسرى اللسل ما بين إدبار النهار ومطلع الفجر. والقسم بالشفع والوتر في هذه الصورة البيانية، لافت إلى أن التقابل في آيات الفجر وليال عشر والليل إذا يسر، هو موضع التنبه والالتفات. ومن ثم لا نحمل هذه الآيات "ما لم تدل عليه بخبر ولا عقل" كما قال الإمام الطبري، ولا نخبط في متاهات التأويل التي "اضطرب فيها المفسرون"، كما قال الفخر الرازي، وأكثروا حتى كادوا يستوعبون أجناس ما يقع في الشفع والوتر وليال عشر: "وذلك قليل الطائل جدير بالتلهي عنه" بنص عبارة الزمخشري. * * * وشغل المفسرون بالبحس عن جواب القسم فاضطربوا فيه كمثل ما اضطربوا في الفجر وليال عشر والشفع والوتر. فالزمخشري يذهب إلى أن الجواب محذوف تقديره: لتُعَذَّبنَّ، بدلالة قوله تعالى بعد آيات القسم: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ .

стр. 319

ونرى السياق أولى بالعظة والإعتبار. والفخر الرازي، يرى أن الجواب هو: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ وما بينه وبين القسم معترض. وابن القيم يفهم الجواب متضمناً، قال: "فلما تضمن القسم ما جاء بع إبراهيم ومحمد ﷺ (؟) كان في ذلك ما دل على المقسم به". وقال أوب حيان في البحر: "والذي يظهر أن الجواب محذوف يدل عليه ما قبله من آخر سورة الغاشية وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ . وهو بنصه، ما في تفسير الشيخ محمد عبده. وفي هذا الربط بين سورتى الفجر والغاشية وهو جر إليه أن سورة الغاشية تأتي قبل سورة الفجر مباشرة في ترتيب المصحف. ولكنها في ترتيب النزول متأخرة عنها، فالغاشية نزلت في أواخر العهد المكي، وترتيبها في النزول الثامنة والستون، فبينها وبن الفجر ثمان وخمسون سورة، على المشهور في ترتيب النزول. ونفهم أن يكون ترتيب السور في المصحف لملحظ ذي شأن، لكنا لا نتصور ارتباط قسم بالفجر وليال عشر، بجواب عنه في سورة الغاشية، وكأن القسم ظل معلقاً بغير جواب، حتى نزلت به سورة الغاشية بعد ثمان وخمسين سورة! ونطمئن إلى أن آيات القسم في سورة الفجر قد تم بها المقصود من اللفت إلى المقسم به، بما يغنى عن تأول جواب محذوف أو غر محذوف، وقد تمت آيات القسم بهذا السؤال الصادع: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ . فلم يعد السياق في حاجة إلى تكملة أو جواب. والحجْر: العقل.

стр. 320

ولعل أصل استعماله الحسي لغوياً في الحَجَر. أتخذ لصلابته حاجزاً فيما يراد منعه وحجزه، ومنه الحاجز: يمنع مسيل الماء إلى الوداي، والحجرة مكان يسور بالجدران ليحجز عن غير أهله، والمحجز: ما أحاط بالعين، والحمى لا يرعاه غير صاحبه. والحِجْرُ: الثوب، بملحظ من إمكان ثنية لحفظ الأشياء وحملها. وبمثل هذه الدلالة، يأتي الحجر في الحفظ المعنوي، فيقال: تربى في حجر فلان، اي في حفظه ورعايته، وسمى العقل حجراً بملحظ من حجزه صاحبه عما لا ينبغي ولا يليق. ومن الحجر على من لا حجر له يحجزه ويضبط أمره، لسفه أو جنون. وفي القرآن الكريم: جاءت المادة على أصل معناها اللغوي في الحجر بآيتى (البقرة ٦٠، والأعراف ١٦٠) : ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾ خطاباً لموسى ﵇. وفي الحجارة، عشر مرات، إما على أصل استعمالها اللغوي، وإما على وجه التشبيه والمجاز، في آيات: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (البقرة ٢٤ والتحريم ٩) ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ.....﴾ (البقرة ٧٤) ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا.....﴾ (الإسراء ٥٠) ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ.....﴾ (هود ٨٢) ومعها (الفيل ٤، والأنفال ٣٢، والحجر ٧٤، والذاريات ٢٣) . وجاءت مرة في (الحجرات) بمعنى الغرف والبيوت، ومرة في الحجور بآية النساء ٢٣: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ......﴾ وسميت ديار ثمود حجراً، لما كان الظن من مناعة مبانيها. وجاء الحجر في المحتجز لأصحابه من أنعام ومرعى بآية الأنعام ١٣٨: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ.....﴾ وبمعنى الحاجز المانع والحد الفاصل ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ في آيتى (الأنفال ٢٢، ٥٣)

стр. 321

وكلها ملحوظ فيها الدلالة الأصلية للمادة، على الحجز والضبط والمنع. وكذلك جاء حجز في آية الفجر بمعنى العقل، لا لمجرد رعاية الفاصلة بل اقتضاه معها ملحظ معنوي من السياق، في الحجز يحجز صاحبه عن السفه والضلال، ويمنع من الغي والطغيان، ويميز بين النور والظلام. وبهذا فسره جمهور المفسرين. وأضاف ابن القيم في التبيان: "يحجز صاحبه عن الغفلة وإتباع الهوى ويحمله على إتباع الرسل". أما وجه الاستفهام في الآية، فذهب الفخر الرازي إلى أن المراد منه التأكيد وقال الشيخ محمد عبده إنه "للتقرير وتفخيم أمر المقسم به". والتأكيد والتقرير، طلاهما، ممت تكتفي به الصنعة البلاغية، ونؤثر أن نحمل الاستفهام على وجه الإلتزام بالمسئولية، حين يضع ذات الحجر في موقف المسئول عما ينبغي أن يكون له من رقابة عقله وضبط نهاه، حجر عما لا يليق بذي حجر من سفه وغرور وعتو وطغيان وضلال. * * * ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (٩) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ . وفي الايات لكل ي حجر عبرة.... وقد أكثر المفسرون في الكلام عن عاد إرم ذات العماد، وثمود الذين جابوا الصخر بالواد، وفرعون ذي الأوتاد، بما لم تتجه عناية القرآن إلى شيء مما ذكروه. واختلفوا اختلافاً بعيداً. ففي عاد إرم ذات العماد: قيل إن عاداً، هو ابن إرم بن عوص بن سام بن نوح، أو إن إرم هو جد عاد لا لأبوه، ثم صار عاد للقبيلة: قالقدامى منهم هم عاد الأولى، والمتأخرون هم عاد الأخيرة. وفي رواية أخرى بالطبري: إن إرم ذات العماد اسم بلدة.

стр. 322

ثم لم يتفق اصحاب التأويل على بلدة إرم: قال الجمهور - فيما نقل أبو حيان بالبحر - إنما مدينة عظيمة كانت لهم باليمن. وقيل إنها الإسكندرية، أو دمشق، أو ديار ثمود في حضرموت بين الرمال المسماة بالأحقاف، كما حدد النيسابورى في (الغرائب) وقريب منه متا في تفسير جزء عم للشيخ محمد عبده. وقيل إن الإرم: العلم، يعني بعاد، اهل الأعلام ذات العمار - ذكره الزمخشري في الكشاف. والأشبه بالصواب عند الإمام الطبري، أن تكون إرم ذات العماذ اسم قبيلة من عاد "ولذلك جاءت القراءة ﴿عَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ بترك إضافة عاد إليها، ولوكانت اسم بلدة أو اسم جد لعاد، لجاءت القراءة بالإضافة". وكان "ابن الزبير" يقرأ: "بعادِ إرمٍ" على الإضافة والكسر. وقراءة الجمهور بتنوين عادٍ، فيها عند أبي حيان والرازي وجهان: إن جعلنا إرم اسم قبيلة، كان عطف بيان، وإن جعلناه اسم البلدة أو اإعلام، كان التقدير بعاد إرم، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، كما في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ . وفي ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ قالوا إنها تعني أهل القوة والمنعة، وقيل إنها قد تعني أهل الأعمدة والخيام حلا وترحالاً. وقيل كذلك إنها القصور المشيدة والأبراج. وذكر مفسرون أنها مدينة بناها شداد لما سمع بذكر الجنة - نقله أبو حيان. وتأولوا "التي لم يخلق مثلها في البلاد": إما بطول الأجسام، ثم أبعدوا فحددوا هذا الطول بين اثنى عشر ذراعاً في السماء، كما نقل الطبري، وأربعمائة ذراع كما في الكشاف وتفسير الرازي! وإما بعظم مدينة بناها شداد بن عاد، وذكروا حكاية خلاصتها أنه كان لعاد ابنان: شداد وشديد، ملكا وقهرا زماناً ثم مات شديد وخلص الأمر لشداد فملك الدنيا ودانت له ملوكها، فسمع بذكر الجنة فبدا له أن يبني مثلها، فبنى مدينة إرم في بعض صحارى عدن، وقد استغرق بناؤها ثلثمائة سنة من آخر عمر شداد - والحكاية

стр. 323

تقول إن عمره كان تسعمائة سنة! - فلم ير قط مثلها: كانت قصورها من الذهب والفضة وأساطينها من الزبرجد والياقوت، وفيها أصناف الأشجار والأنهار. فلما تم بناؤها سار إليها "شداد" بأهل مملكته فلما كانوا منها على مسيرة يوم وليلة، بعث الله فيهمة صيحة من السماء فهلكوا. وقيل إنه يكد يضع إحدى قدميه في إرم حتى فاضت روحه. وكذلك تعددت أقوالهم في ﴿ثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ . قيل معناه خرقوا الصخر ونحتوه بيوتاً، وقد كانت ثمود أول من نحت الجبال والصخور والرخام، وبنوا ألفاً وسبعمائة مدينة كلها من الحجارة فيما نقل الفخر الرازي. وقيل معناه قطعوا الوادي. وقيل: إنهم شقوا الصخر واتخذوه وادياً يخزنون فيه الماء لمنافعهم "ولا يفعل ذلك إلا أهل القوة والفهم من الأمم" كعبارة الشيخ محمد عبده. ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ﴾ تأولوه على عدة وجوه: فهو كناية عن كثرة جند فرعون، بكثرة مضاربهم التي كانوا يضربونها إذا نزلوا. أو هو ذو الملك والرجال. أو هي أوتاد لفرعون كان يشدها ليعذب الناس بشدهم عليها حتى يموتوا وعن أبي هريرة أن فرعون وتد لامرأته أربعة أوتاد وحعل على صدرها رحى وأستقبل بها عين الشمس، فرفعت رأسها إلى السماء وقالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ ألاية، ففرج الله عن بيتها في الجنة فرأته! وقول ثالث: إن الأوتاد تعني ملاعب كانت تقام مشدودة بالأوتاد، يلعبون تحتها وفرعون مطل عليهم. وأولاها بالصواب عند الإمام الطبير، قول من قال: عنى بها الأوتاد من خشب

стр. 324

أو حديد لأن ذلك هو المعروف من معاني الأوتاد، ووصف فرعون بذلك إما لأنه كان يعذب الناس بها، أو لأنه كان يلعب له تحتها. والزمخشري يختار تأويلها إما بكثرة جنود فرعون ومضاربهم، أو التعذيب بالأوتاد كما فعل بماشطة بنته، وبآسية زوجته! والرازي يرى "أن الكلام يحتمل كل هذه الوجوه". وذهب الشيخ محمد عبده إلى أن "أظهر أقوالهم فيها ملاءمة للحقيقة، أن الأوتاد المباني العظيمة الثابتة". ثم أضاف متاولاً: "وما أجمل التعبير عما ترك المصريون من الأبنية الباقية بالأوتاد، فإنها هي الأهرام، ومنظرها في عين الرائي منظر الوتد الضخم المغروز في الأرض، بل أن شكل هياكلهم العظيمة شكل الأوتاد المقلوبة.... وهذه هي الأوتاد التي يصح نسبتها إلى فرعون على أنها معهودة للمخاطبين"! * * * وفي منهجنا أن كل هذه التأويلات تحمل القرآن الكريم ما ليس من بيانه وطبيعته، وقد بدا منه العمد الواضح إلى طي هذه التفصيلات الجزئية، اكتفاء بما يلفت إلى موضع العبرة لذي حجر، في مصاير هؤلاء الطغاة. وأكثر ما قالوه في الأطوال والأحجام والأسماء والأرقام ومواد البناء، من الإسرائيليات المقحمة على كتاب الإسلام نصاً وسياقاً. ولكي نتقي التورط فيها، نحتكم إليه في كل هذه الأقوال التي أكثروا منها واختلفوا فيها، فإذا أردنا مزيد بيان لآيات الفجر، فإنما نلتمسه من القرآن الكريم: "عاد" من العرب البائدة، وقد وردت في القرآن أربعاً وعشرين مرة، ليس فيها إشارة إلى نسب عاد أو تصريح باسم أبيه وجده أو ولديه شديد وشداد، أو بيان لأطوال أجسام أو تحديد لأعمار. وإنما يأتي ذكر "عاد" دائماً، لفتاً إلى ما كان من تكذيبها لنبيها هود ﵇، وطغيانها في الأرض، وما سلط الله عليها من العذاب، وحق عليها من عقاب. فعاد في القرآن هم ﴿قَوْمِ هُودٍ﴾

стр. 325

كان منزلهم ﴿بِالْأَحْقَافِ﴾ بعث الله فيهم أخاهم هوداً رسولاً ونذيراً: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (الأحقاف ٢١ ومعها هود ٥٠) فكذبوه ﴿قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (هود ٥٣) وكذبزا المرسلين (الشعراء ١٢٣، ص ١٢، ق ١٣، القمر ١٨، الحج ٤٢) . وكفروا بالله، وجحدوا آياته، وعصوا واستكبروا في الأرض بغير الحق (هود ٥٩، ٦٠، ق ١٣) فأرسل عليهم الريح العقيم (الذاريات) وأهلكوا بريح صرصر عاتية (الحاقة ٦) : ﴿رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ (الأحقاف ٢٥) فكانوا عبرة لمن اعتبر: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ ﴿أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ . و"العماد" تنفرد بصيغتها، لا تتكرر، في القرآن الكريم. وجاءت صيغة عمد، جمع عمود، ثلاث مرات: اثنتين في السموات خلقها الله ورفعها بغير عمد ترونها (الرعد ٢، لقمان ١٠) والثالثة في وعيد كل همزة لمزة، الذي جمع مالاً وعدده، بالحطمة ﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ . والعمود لغة: ما به قوام الشيء، مادياً كعمود الظهر وعمود الخباء، ويجمع على أعمدة جمع قلة، وعلى عَمَد وعُمُد بالتحريك فيهما، وعماد وتختص بالأبنية الرفيعة إلا أن تجئ على وجه المجاز والكناية. فبملحظ التقوية جاء عماد القوم لمن يعتمدون عليه، فهو مقصدهم وسندهم. والعمد بمعنى القصد القوي الواضح.

стр. 326

ولم يرد لفظ "إرم" في القرآن إلا في هذه الآية من سورة الفجر. وهو في القاموس واحد الآرام بمعنى الأعلام، وذكر المفسرون أن إرم اسم قبيلة عاد أو هي بلدتهم. ونص ألاية يقبل تفسير إرم باسم القبيلة أو البلدة، دون تزيد بتفصيلات أمسك القرآن عن ذكرها. كما يكتفي في عاد القبيلة بأنها قوم هود من العرب البائدة، ومن البلدى بأنها مسكنهم بالأحقاف، ولا وجه لقول بأنها دمشق أو الإسكندرية ... كما لا وجه لتحديد زمنها التاريخي، أو أعمار أهلها وأطوالهم، بل نكتفي في زمنها، بما في القرآن الكريم من أنها جاءت بعد قوم نوح، بصريح آيات: (التوبة ٧٠، إبراهيم ٩، الحج ٤٢، غافر ٣١، ص ١٢) . وأقرب ما يفهم من ذات العماد أنها ذات القوة والمنازل العالية، على مألوف البيان العربي في رفيع العماد، دون إقحام لعدد المباني أو مواد بنائها أو اسم بانيها، إلى آخر هذه الجزئيات التي لم يتعلق القرآن بها، وليس شيء منها بموضع عبرة، ومن ثم نستغنى في فهم النص، بهذا اللفت البليغ الموجز إلى ما مكن الله من أسباب القوة، لعاد التي لم يخلق مثلها في البلاد. ونؤثر أن يكون الضمير في ﴿مِثْلِهَا﴾ عائد على ذات العماد، إذ هي أقرب مذكور. ولا مانع من أن يكون عود الضمير على ﴿عَادٍ﴾ بمعنى القبيلة أو على إرم، كما ذهب بعض المفسرون. والوجه متقاربة مع اتصال السياق. ثم لا ضرورة لتحديد وجه المماثلة بما قالوه من العظم أو البطش والأيد، بل الأولى أن يبقى على ظاهرة من الإطلاق. * * * وثمود من العرب البائدة كذلك. وزمنهم التاريخي تالٍ لعاد قوم هود، كالمفهوم من سياق آيات (إبراهيم ٩، الفرقان ٣٨، العنكبوت ٣٨، غافر ٣١، النجم ٥١، الحج ٤٢، التوبة ٧٠) . ونكتفي بما ذكره القرآن عنها، باستقراء الآيات التي جاءت في ثمود وعددها ست وعشرون آية، كلها في سياق العبرة بعاقبة الكفر والطغيان.

стр. 327

وجوهر قصتهم فيما نتلو من آيات الكتاب المحكم أنهم قوم صالح ﵇، بعثة الله فيهم داعياً إلى عبادة الله وحده، ما لهم من إله غيره (الأعراف ٧٣، هود ٦١، النمل ٤٥) . فكذبوه وعقروا الناقة التي نهاهم عن ذبحها (الشمس ١٤، هود ٦٥، ص ١٣) ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ (فصلت ١٧) ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ (الحاقة ٥) ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ (الذاريات ٤٤، فصلت ١٣) ﴿صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (فصلت ١٧) ونجى الله صالحاً والذين أمنوا معه برحمة منه ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ (هود ٦٨) والجوب في العربية: القطع. ومن الاستعمالات الحسية فيه: الجوب درع يقطع للمرأة. والجوبة الحفرة، وفجوة بين البيوت، أو بين أرضين، ومنه جاب الوادي بمعنى قطعه وعبره، وجواب آفاق. ومن القطع جاء النفاذ والحسم، فاستعمل في الجواب عن السؤال. وقد ذهب "الراغب" إلى أنه جاء "من قطع الفجوة بين فم المجيب إلى أذن السامع". والأولى عندنا أن يكون قطعاً مجازياً، لما فيه من مظنة النفاذ إلى السامع وحسم ما يسأل عنه. وفي القرآن الكريم، جاءت المادة في الجواب أربع عشرة مرة، وبمعنى الاستجابة ثمانيا وعشرين مرة، ولم تأت في الجوب إلا في آية الفجر. ولا نرى حملها على غير معناها من القطع والنفاذ، دلالة على ما أتيح لثمود من قوة ومنعه إذ قطعوا الصخر بالوادى، وقد كانت لهم فيه ديارهم ومساكنهم المشيدة المأهولة قبل أن تأخذهم الصيحة ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ .

стр. 328

ونستأنس لفهمه ياستقراء "الوادي" في القرآن، وقد كان لعاد أوديتها بالأحقاف: ٣٧. ولذرية إبراهيم مسكنهم بواد غير زرع: (إبراهيم ٣٧) وسميت مساكن النما وادياً في قصة سليمان: (النمل ١٨) ويتخصص الوادي بالتعريف والوصف في "الوادي المقدس" حيث تجلى الله لموسى ﵇: (طه ١٢، القصص ٣٠، النازعات ١٦) * * * وكذلك الأمر في ﴿فِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ﴾ . نقتصر فيه على ما يلفت إليه سياق الآية مما كان لفرعون من قوة وجبروت. مستأنسين في فهمها بآية (ص ١٢) : ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ﴾ ولم تأت الأوتاد، معرفة، إلا في هاتين الآيتين، وصفاً لفرعون ذي الأوتاد. وجاءت نكرة في آية النبأ بياناً لرسوخ الجبال وصلابتها: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ . وفرعون - وإن كان لقباً لملوك مصر القديمة - يأتي في القرآن غالباً، خاصاً بفرعون موسى. ولا يتعلق البيان القرآني بتفصيلات جزئية من اسم فرعون أو زمنه أو تاريخه، وإنما تتجه العناية إلى ما هو مناط عبرة من جوهر القصة: لقد تهيأ لفرعون من ملك مصر وخيرات أرضها الطيبة ما لم يتح مثله لملك غيره، وآتاه الله ملأه من فضله، زينة وأموالاً (يونس ٨٨) . فعلاً وتجبر واسرف (القصص ٤، يونس ٨٣) وأخذته العزة بالإثم فطغى (طه ٢٤، ٤٣، والنازعات ١٧) وتطاول فأمر "هامان" أن يبني له صرحاً لعله يبلغ أسباب السماء (غافر ٣٦، والقصص ٣٨) . وحين دعاه موسى إلى عبادة رب العالمين، قال ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ؟ ونادى في قومه: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ ؟ (الزخرف ٥١)

стр. 329

﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ (القصص ٣٨) ﴿فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾ (المزمل ١٦) ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ (الأعراف ١٣٠) ﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ (الأعراف ١٣٧) وكل هذه الآيات في فرعون موسى. وشاع مع ذلك، إطلاق فرعون على كل طاغية، حملاً على فرعون موسى. وسواء أخذنا "فرعون" في آية الفجر على أنه فرعون موسى، أو طاغية مثله من الفراعين، ففيما قص علينا القرآن من نبأ عاد وثمود وفرعون ذي الأوتاد، ما يغنى عن مزيد تفصيل لم يشأ البيان القرآني أن يعرض له. ولا وجه لافتراض أن يكون المصطفى ﵊ أو قومه الأميون الذين نزل فيهم القرآن عصر المبعث، قد علموا من تفصيل أنباء الأولين أكثر مما تزل به القرآن، ونخن نتلو ما عقب به على أنباء قوم نوح وعاد وثمود ومدين، في سورة هود: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ٤٩. فمن أين جاءت كل هاتيك التفصيلات والحكايات التي حشيت بها كتب التفسير، ولا علم للرسول ﵊ وقومه إلا بما نزل به القرآن، إلا أن تكون من الإسرائيليات التي أقحمها نفر من يهود، على فهمنا لكتاب ديننا، وأضافوا إلى ما جاء في التوارة منها، مرويات أسطورية لا يقبلها عقل ولا يعرفها تاريخ؟ * * * ويتجه البيان القرآني، بما لفت إليه مما فعل ربك بعاد وثمود وفرعوم، إلى مناط العبرة وجوهر الموقف، اتجاهاً صريحاً مباشراً: ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ . وفي الذي تقدم من تدبر لآياتهم في الفجر، مع الاستئناس بما جاء فيهم في القرآن الكريم، ما يغني عن طول وقوف عندما تأوله المفسرون في تحديد أنواع فساد أولئك

стр. 330

الطغاة ومعاصيهم وما نزل بهم من نقم. والطغيان تجاوز الحد، وأصل استعماله في الماء يطغى فيغرق، ومنه في القرآن الكريم في الطوفان (آية الحاقة ١١: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ . ثم شاع استعماله في كل ما جاوز الحد من جبروت العتاة، وقد سبق تدبره في تفسير آية النازعات خطاباً لموسى ﵇: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ . وللغويين والمفسرين في إعراب جملة ﴿الَّذِينَ طَغَوْا﴾ ثلاثة أوجه: النصب على الاختصاص بالذم. والرفع على تقدير مبتدأ محذوف: هم الذين طغوا. والجر على الوصف. والأوجه الثلاثة تقبلها قواعد الصنعة الإعرابية، لكن البيان الأعلى لا يراها متماثلة، بل لابد أن يكون وجه واحد منها أقوى في المعنى. ونرى ربطه بالصلة على وجه الإتباع لما قبله، أولى من الاختصاص، ومن الخبرية التي تحتاج إلى تقدير مبتدأ محذوف يفصل الجملة عما قبلها بابتداء مستأنف. وأصل الصب في اللغة إراقة الماء ونحوه مع تدفق: تصبب الماء وأنصب في الوادي أنحدر. ويطلق على ما يبقى منه: صبة وصبابة، ومن ثم تستعمل في بقية الشيء المادي والمعنوي. وجاء الصب في القرآن، فعلاً ومصدراً، خمس مرات: اثنتان منها على الأصل اللغوي في الماء بآية (عبس) ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ ومرتان في صب الحميم وعذابه بالجحيم في آيتى (الدخان ٤٨، والحج ١٩) وصب سوط عذاب في آية الفجر. والسوط أداة الضرب المعروفة، وإذ غلب استعماله في التعذيب، صار الضرب بالسوط مثلاً لأليم العذاب. أخذه بعض اللغويين من: ساط يسوط بمعنى خلط. قال الليث: "ساطه إذا خلطه بالسوط، ومنه قول الشاعر: أحارث إنا لو تساط دماؤنا تزايلن حتى ما يمس دم دما".

стр. 331

ولا حاجة إليه، مع ما شاع من استعمال السوط في الأداة المعروفة للضرب والجلد والتعذيب. والأصل في السوط أن يضرب به، لكن البيان القرآني عدل عن الأصل إلى صب ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ فوصل بالتعذيب والعقاب إلى أقصى المدى، بما يعني الصب من تدفق وغمر، مع إسناده إلى "ربك" الخالق الجبار. ثم كانت إضافة سوط إلى عذاب مع التنكير، إطلاقاً له في الترويع، يذهب فيه التصور كل مذهب. وهذا أولى من تأويل "ابن القيم" في تنكير سوط عذاب: "ونكره إما للتعظيم، وإما لأن يسيراً من عذاب استأصلهم ولم يكن معه بقاء ولا ثبات". * * * ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ . الرصد المراقبة، والمرصد والمرصاد الطريق أو المكان يرصد منه. وقد يغلب استعمال الأول قياسياً مفتوح الميم والصاد، في المصدر الميمي واسم المكان، ويكثر استعمال المرصاد في الترصد والمراقبة الشديدة. وفي القرآن الكريم، جاءت المادة ست مرات كلها في المراقبة الشديدة التي لا تفلت شيئاً مما يرصد بالسمع أو بالبصر، منها آيتا الجن: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ ٩. ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ ٢٧. وىيتا التوبة في رصد العدو وإرصاده: ﴿وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ ٥. ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ ١٠٧. والمرصاد بآيتى النبأ والفجر، في سياق النذير بالعذاب للطغاة: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآبًا﴾ .

стр. 332

﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ . نستأنس بهما معاً في لمح الملحظ القرآني في استعمال هذه الرقابة على الطغاة بالمرصاد، دون أن نخوض في الخلاف: هل الآية في العصاة والكافرين أو في عامة الناس، المؤمنين والكافرين؟. إذ المقام أولى بالطاغين. كما لا مجال عندنا لمثل ما تأولوه في هذه الآية، من قناطر ثلاث على جهنم: "قنطرة عليها الأمانة إذا مروا بها تقول: يارب هذا أمين،، وهذا خائن. وقنطرة عليها الرحم تقول: يارب هذا واصل وهذا قاطع. وقنطرة عليها الرب". فالآية لن تتعلق بذكر قناطر، ثلاث أو أقل أو أكثر، والنص صريح على أن "ربك" هو الذي بالمرصاد للذين طغوا في البلاد، لا تخفي عليه سبحانه منهم خافية، ولا يفلت شيء من رقابته تعالى وعلمه. * * * وكما ارتبط هذا البيان لمصير الطغاة بالآية قبله ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ يرتبط الآيات بعده، على وجه العظة والإعتبار، في الإنسان المبتلى بالنعمة أو بالحرمان: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ . والابتلاء الإمتحان، يكون بالنعمة والخير كما يكون بالحرمان والشر: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ (الأنبياء ٣٥) والإكرام العطاء والتشريف للمكرم، وهو من المكرم جود وفضل. والإهانة الإذلال. والقدر في اللغة المقدار لا يتجاوز حقه. يقال قدرت الثوب إذا جاء على مقداره

стр. 333

لا يزيد. والقدر والتقدير قياس الشيء على قدره، مادياً ومعنوياً. ومنه في القرآن الكريم آيات: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (الأنعام ٩١ والزمر ٨٧ والحج ٧٤) ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ (سبأ ١١) ومنه جاء القدر في القضاء والحكم، والقدرة في الطاقة المكافئة لاحتمال العبء، والتقدير إحكام وزن الأمور وضبط مقاييسها. و"القدير، والقادر" من أسماء الله الحسنى، وهو تعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ . ﴿وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ ، ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ ، ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ . ومن ملحظ القدرة واإحكام جاء القدر بمعنى المكانة الجليلة السامية. ومنه "ليلة القدر". وبملحظ من عدم التجاوز في التقدير، جاء القدر مقابل البسط والتوسع، ومنه في القرآن الكريم: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ . ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ (في آيات: سبأ ٣٦، ٣٩، الرعد ٢٦، الإسراء ٣٠، الوم ٣٧، الزمر ٥٢، الشورة ١٢) . والقدر فيها مقابل للبسط. وجاء مقابلاً للسعة في النفقة بآية الطلاق ٧: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ وبهذا المعنى نفهم آية الفجر: ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ بمعنى أعطاه بقدر على غير بسط وسعة. والإنسان في الآية، لعموم الإنسان على الإطلاق، وإن خصه بعض المفسرين

стр. 334

بنفر قيل إن الآية نزلت فيهم: عتبة بن أبي ربيعة وأبو حذيفة بن المغيرة في رواية عن "ابن عباس" أو أبي بن خلف فيما روع عن "الكلبي ومقاتل". وقد جهد المفسرون في تأويل وجه الإنكار في قول المنعم عليه: ﴿رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ . وفيه إقرار بالنعمة، وقول من قدر الله عليه رزقه: ﴿رَبِّي أَهَانَنِ﴾ وفيه إقرار بأن الله هو الذي يبسط الرزق ويقدر. تأوله بعضهم بأن الإكرام والإهانة لا يكونان في الدنيا، وإنما العبرة بما ينال الإنسان في الآخرة. وقريب منه القول بأن الإكرام إنما يكون بالطاعة، والإهانة تكون بالعصيان. وهذا التأويل هو ما اختاره الإمام الطبري، ومثله في (البحر المحيط) . وقيل إن الإنسان لا يدري حقيقة النعم والنقم، فقد يكون ما يبدو نعمة وبالاً على صاحبه، ما يبدو نقمة خيراً له، إذ يجول الإنغماس في النعم دون العكوف على الطاعات، كما قد يؤدي الحرمان إلى الزهد والتعبد. أو أن النعمة تجعل فراق الدنيا صعباً قاسياً، والحرمان يجعل الحياة هينة وفراقها بالموت غير صعب. أو ربما كانت كثرة النعم سبباً للتعرض للقتل والنهب والوقوع في أنواع العذاب، وكلن الحرمان سبباً للسلامة والأمن وراحة البال. وقيل بل أنكر سبحانه أن يكون حمد الإنسان على نعمه تعالى دون فقره، وشكواه الفاقة. وكان ينبغي أن يحمد خالقه على الأمرين جميعاً. ونحلص من هذه التأويلات إلى تدبر البيان القرآني. فنرى السياق صريحاً في أن الأمر في الإكرام والنعمة وفي التضييق في الرزق، إنما هو إبتلاء يمتحن به الإنسان ليعرف مدى صبره على فتنة النعم وبلاء الحرمان، ولتنكشف حقيقته في أداء حق النهمة والصبر على الضيق. ووجه الزجر والإنكار، أن يتوهم المنعم أن الله. أكرمه ونعمه إلا لأنه أهل

стр. 335

لذاك، وأن يظن المبتلى بالتضييق أن هذا لهوان أمره على ربه تعالى. كلا، ليس الأمر في الحالين على ما تصوره هذا الإنسان، فالله إنما يبلوه بالشر والخير فتنة. وذلك ما انتهى إليه ابن القيم بقوله: "وأخبر تعالى أن توسعته على من وسع عليه وإن كان إكرامأ له في الدنيا فليس ذلك إكراماً على الحقيقة ولا يدل على أنه كريم عنده من أهل محبته، وأن تقتيره على من قتر عليه لا يدل على إهانته له وسقوط منزلته عنده، بل يوسع ويقتر ابتلاءً وامتحاناً. فيبتلى بالنعم كما يبتلى بالمصائب". وبعد سورة الفجر، نزلت آيات محكمات في مثل هذل الإبتلاء، وأكثر ما يكون بالنعم والمال يمتحن الإنسان فيكشف عن خيريته وإيثاره أو غروره وأثرته، وبالفقر والحرمان يبلو تعففه وصبره أو ذلته وقنوطه. وبالجهاد يكشف عن ثباته وصدق إيمانه أضعفه وتخاذله، كآيتى القتال (محمد) : ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ - ٤. ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ ٣١. ومن الإبتلاء جاء البلاء في المصائب ومواقف الشدة امتحاناً لطاقة الإنسان ومعدنه، كالذي في آيات: (الأعراف ١٤١، إبراهيم ٦، البقرة ٤٩) . والإبتلاء في سورة الفجر، إنما هو بالنعمة من حيث هي ذريعة ترف وفساد في الأرض، وبالإكرام من حيث هو منظة غرور وأثره واستكبار وتعال على الناس وعدوان على حقوقهم بدعوى الأهلية للتشريف والإكرام من الله. وكذلك الإبتلاء بالحرمان والضيق في الرزق، من حيث هما مظنه الشغف بالدنيا واشتهاء ما لم يتح للمحروم من ملاذها، والإحساس بهوانه على ربه الذي قسم الرزق، يبسطه سبحانه على من يشاء ويقدر.... * * * ﴿كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (١٨)

стр. 336

وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ . التراث ما يقتنى بالميراث. وأصل اللم في اللغة، جمع الشتيت والمشعت. واللمة الجماعة تأتي من جهات شتى. وألم بهم جاء من غير وجه متوقع، ومنه استعمل في المصائب الملمات. واللمم خبال يلم بالعقل، والملموم المجنون. واستعمل اللمم في صغار الذنوب، مما لا يظن أنها تدخل في الحساب. وكونهم يأكلون التراث أكلاً لماً، فيه ملحظ من مادية الأكل ومذاق طعمه، فيمن يتهالكون على انتهاب التراث وجمعه دون نظر إلى وجهه ومصدره. والعرب تقول لملمت ما على الخوان، إذا أكلته كله فأتيت عليه. وقد تأوله المفسرون بأنه: "الاعتداء على الميراث. يأكل الإنسان فيه نصيبه ونصيب غيره، وكانوا لا يورثون النساء والصغار، فيأكلون نصيبهم يقولون: لا يأخذ الميراث إلا من يقاتل ويحمي الحوزة". وقيل: كانوا يأكلون ما جمعه الميت من أموال الظلمة والبطالين، وهو عالم بذلك. وأخذه "الراغب" من: لممت الشيء جمعته ولممت شعثه. وأولى منه ما اختره "الإمام الطبري" وهو أكل الميراث لا يسأل عن وجهه ولا يدري أحلال هو أم حرام، إرضاء لشهوة حب المال. وبهذا البيان المحكم، ترتبط الآيات التي لفتت ذا حجر إلى مصير الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد، بفتنة المال وشر الفردية التي لا يعنيها إلا التكالب على حطام الدنيا في أثرة خاسرة تهين اليتيم ولا تخض على التكافل الإجتماعي، وأكل التراث أكلاً لما لا يميز بين طيب منه وخبيث، بين حلال وحرام، وحب المال حباً جماً يعطل الضمير ويعشى البصيرة ويحجر القلب.

стр. 337

وإن في ذلك لعبرة لكل ذي حجر. * * * ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣) يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ . الدك لغة الهدم، وتسوية ما ارتفع من الأرض كالجبال والمباني، بما انخفض كالخور والقيعان والوديان. والذكاء الناقة لا سنام لها. وك البئر طمها ودفنها. وباستثناء آية الأعراف ١٤٣ التي جاء فيها للجبل حين تجلى الله سبحانه: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ . يأتي الذك يوم القيامة، من أحداث الساعة وأهوال البعث والحشر: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ (الحاقة ١٤، ومعها الكهف ٩٨) وكذلك الدك في آية الفجر، للأرض دكا دكا، يوم القيامة. وقد نقل الطبير من الأقوال في تفسيرها: دكت، رجت وزلزلت وحركت تحريكاً بعد تحريك. وقال الزمخشري: دكا بعد دك، كرر عليها الدك حتى عادت هباء منثوراً. وكأنهم حملوا تكرار الدك، على المرة بعد المرة. والأقرب أن يكون من التأكيد. وأحداث قيام الساعة لا تقتصر في القرآن الكريم على دك الأرض، فلعل إيثاره بالذكر هنا - والله أعلم - أن الأرض هي مكان ما يحشده المتكالبون على الجدنيا من زخرف ومتاع، ومن يشيدونه عليها من المباني ذات العماد والأوتاد. وبناء الفعل للمجهول، يتسق مع الظاهرة الأسلوبية التي يطرد فيها صرف النظر عن الفاعل، في أحداث الساعة. * * *

стр. 338

والصف مصدر يصف، وواحد الصفوف. ومن استعمالاته الحسية في اللغة: الصفيف ما صف في الشمس أو على النار لينضج. وتصافوا في القتال انتظموا صفوفاً. وصف الطائر جناحيه بسطهما، والمصفوف ما نسق وصف. ومنه في القرآن الكريم: صافات: للطير تبسط أجنحتها بآيات: (الصافات ١، الملك ١٩، النور ٤١) الصافون: جمع صاف. بآية (الصافات ١٦٥) صواف: في الشعائر من البدن. بآية (الحج ٣٦) مصفوفة: وصفاً لسرر الجنة ونمارقها: (الطور ٢٠، الغاشية ١٥) وجاءت صيغة "صف" سبع مرات، كلها منصوبة على الحال، فيما نرجح. منها آيتا _طه والصف) في الحشد والتجمع: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ . ٦٤ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ ٤. وآية الكهف ٤٨ في الكافرين، يوم القيامة: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾ . وآيتا النبأ والفجر: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ ٣٨. ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ . بمعنى الجمع المنسق. وقد وقف المفسرون هنا عند ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ وكأنهم كانوا في حاجة إلى التصريح بأنه "ليس مجئ نقله، والحركة عليه محال لأنها تكون من جسم والجسم يستحيل أن يكون أزلياً". ومن ثم تألوه على أوجه:

стр. 339

أنه على حذف مضاف أقيم المضاف إليه مقامه، وتقديره: جاءت أمر ربك، أو جاء قهر ربك. وعند الزمخشري "أنه تمثيل لظهور آيات اقتداره تعالى وسلطانه، بحال الملك إذا حضر بنفسه وظهر بحضوره من آثار الهيبة والسياسة ما لا يظهر إلا بحضور عساكره ووزرائه وخواصه". وهو تأويل ينبو عنه الحس، إذ لا وجه لتمثيل مهابة الله تعالى والملك، بحال ملوك الدنيا "فلا تظهر هيبتهم إلا بحضور عساكرهم ووزرائهم"! كما لا مجال لتمثيل ذلك الموقف المهيب في الآخرة، بمواكب الملوك في الدنيا. وبعدي كذلك، قول من تأولوا "ربك" في الآية: "ولعل ملكاً هو أعظم الملائكة، هو مرب للنبي ﷺ ، المراد من قوله تعالى ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ . وتأباه الآية نصاً وسياقاً، كما يجفوه حس البيان العربي لا يرى في مجئ الله إلا تجلياً مهيباً يوم يقوم الناس لرب العالمين. * * * ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ . قال الأصوليون فيها: معلوم أن جهنم لا تنفك عن مكانها، فالمراد: وبرزت. ثم ما أكثر ما جاء به المفسرون بعد ذلك من عجيب التأويلات والمرويات عن غيب لم يشر إليه القرآن من قريب أو بعيد! تأوله جماعه، قالوا: "جيء بجهنم مزمومة بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها حتى تنصب عن يسار العرش فتشرد شردة لو تركت لأحرقت أهل الجمع". ومثله غرابة وبعداً، ما نقله الإمام الطبري من قول الضحاك بن مزاحم: "إذا كان يوم القيامة أمر الله السماء فنزل من فيها من الملائكة وأحاطوا بالأرض ومن عليها وصفوا صفاً. ثم ينزل الملك الأعلى، على مجنبته اليسرى جهنم، فإذا رآها أهل الأرض ندوا فلا يأتون قطراً من أقطارها إلا وجدوا سبعة صفوف من الملائكة، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه. فذلك قول الله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمٍ

стр. 340

التَّنَادِ﴾ ، ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ ، ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ . وعن "ابن عباس": "إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد الأديم وزيد في سعتها فيجئ الله والأمم جثى صفوفاً، وينادى مناد: "ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، ليقم الحمادون لله على كل حال فيقومون فيسرحون...." وعن "ابن كعب القرظي" يرفعه إلى أبي هريرة عن رسول الله ﷺ : "توقفون موقفاً واحداً يوم القيامة مقدار سبعين عاماً لا ينظر إليكم ولا يقضى بينكم. قد حصر عليكم فتبكون حتى ينقطع الدمع ثم تدمعون دماً.... فتضجون ثم تقولون: من يشفع لنا إلى ربنا فيقضي بيننا؟ ويأتي أبوهم آدم فيأبى، ثم يأتون الأنبياء نبياً نبياً كلما جاءوا نبياً أبى، حتى يأتوني فإذا جاءوني خرجت حتى آتى الفحص قدام العرش فأخر ساجداً فلا أزال ساجداً حتى يبعث الله إلى ملكاً فيأخذ بعضدي فيرفعني فأقول: يارب وعدتني الشفاعة، شفعني في خلقك فاقض بينهم. فأنصرف حتى أقف بين الناس فبينا نحن وقوف سمعنا حساً من السماء شديداً فهالنا، فنزل أهل السماء يمثلى من في الأرض من الجن والإنس، حتى إذا دنوا من الأرض أشرقت بنورهم وأخذوا مصافهم.....". ويعفينا الدرس البياني للقرآن الكريم، من تعقب هذه المرويات والنظر في أسانيدها ورواتها عند أئمة النقاد وأصحاب الصحاح. حسبنا أن نقول إن مجئ جهنم هنا، هو على وجه التشخيص والتجسيم والفاعلية، وهذه ظاهرة بيانية مطردة في أحداث اليوم الآخر، عرضنا لها بمزيد تفصيل في تفسير "سورة الزلزلة". وكما عرضت جهنم ﴿يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا﴾ في آية الكهف، ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى﴾ في آية النازعات، ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾ في آية الشعراء، ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا﴾ في آية النبأ. جيء بجهنم هنا، تجسيماً للهول الأكبر بالتشخيص والإبراز. * * *

стр. 341

﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣) يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ . وجه القول هنا على التحسر كما حمله الزمخشري في (الكشاف) وإن استطرد فتأوله، على مذهب الإعتزال: "بأن فيه دليلاً على أن الاختيار كان في أيديهم ومعلقاً بقصدهم وإرادتهم. وأنهم لم يكونوا محجوزين عن الطاعات مجبورين على المعاصي وإلا فما معنى التحسر؟ ". وندع الخوض في مشكلة الجبر والاختيار، ونقبل توجيه القول في الآية على التحسر. وفي التحسر معنى الندم والإقرار بأن ما فات هيهات أن يعود. ثم نخلص للملاحظ البيانية، فنقول: أنى للبعد، وليت للتمني في البعيد والمستحيل، والإنسان يخصصه السياق بمن تصدق عليه الآيات التي سبقت من سورة الفجر. يتمنى هذا الإنسان، الذي غرته الدنيا وغره بالله الغرور، يوم تقوم القيامة ويتحقق ما طالما استبعده أو نسيه، لو أن له كرة فيقدم لحياته من صالح الأعمال ما يتقى به هذا العذاب الأكبر. واستغنى البيان القرآني عن تحديد "حياتي" فاختلف المفسرون بين أن يكون المراد بها حياتي الآخرة، أو وقت حياتي الأولى في الدنيا، أو في القرالذي كنت أكذب به؟. والأولى أن تحمل على الحياة الأخرى الباقية، فما كانت الدنيا سوى رحلة عابرة لحياة فانية، لا يبقى منها سوى ما يتزود به الإنسان لأخراه، حين لا يجدى تحسر على ما ضاع، أو تمن لاستدراك ما فات، وقد قضى الأمر وفات الأوان. * * * ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ قراءة الجمهور بكسر الذال والثاء في الفعلين، على البناء للمعلوم، وهي التي

стр. 342

أجمع عليها قراء الأمصار الأئمة، عدا "الكسائي" فإنه قرأهما بالفتح، على البناء للمجهول، اعتلالا منه بخبر روى عن الرسول ﷺ أنه قرأة كذلك. وقال "الطبري" فيه: إنه واهي الإسناد. وإسناد فعل التعذيب والإيثاق إلى الله تعالى، يبلغ به الترويع منتهاه، في موقف الحساب والجزاء والعقاب، بعد أن قامت القيامة ووقعت الواقعة. وقد جاء التعذيب في القرآن الكريم إحدى وأربعين مرة، كلها مسندة إلى الله سبحانة باستثناء آيات: في وعيد سليمان للهدهد: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ (النمل ٢١) وفي ذي القرنين: ﴿قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (٨٦) قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا﴾ (الكهف ٨٦، ٨٧) وفي قراءة آية الفجر بالفتح، على البناء للمجهول، قيل احتجاجاً لها: "كيف يجوز الكسر ولا معذب يومئذ إلا الله؟ " وهو قول فيه أثر الصنعة البلاغية التي تبنى للمجهول للعلم بالفاعل، ويفوتها استقراء آيات الكتاب المحكم الذي لم يأت فيه فعل العذاب إلا مبنياً للمعلوم: "عذب، عذبنا، نعذب، يعذب" مع الإسناد إلى الله سبحانه، سواء أكان العذاب في الدنيا أم في الآخرة، في المرات التي قاربت أربعين موضعاً. ويأتي وصف عذاب الآخرة في القرآن الكريم، بأنه أشد العذاب، والعذاب الأكبر، وهو عذاب مهين، أليم، عظيم، مقيم، نكر، عذاب النار وعذاب الحريق. وقيل إن الضمير في "عذابه" بآية الفجر، عائد على "أبي بن خلف خلف، نزلت فيه الآية".

стр. 343

واللفظ، في سياق آيات الفجر، يعم كل إنسان نكص عن تكاليف إنسانيته وتخلى عن أداء حق الله والجماعة، فهو ممن لا يكرمون اليتيم ولا يحاضون على طعام المسكين، ويأكلون التراث أكلاً لما، ويحبون المال حباً جماً. وتأوله بعض المفسرين بأنه لا يعذب أحد في الدنيا عذاب الله للكافر، فسحبوه إلى الماضي بلفظ الدنيا. وهو قول واهٍ تضعفه الظرفية للمستقبل في "يومئذ" كما لحظ أبو حيان في البحر المحيط. وقيل إن المعنى: يومئذ لا يكل الله سبحانه عذابه ولا وثاقه إلى أحد سواه، لأن الأمر يومئذ لله وحده. وهو ما اختاره أبو حيان. والنص يحتمله، وإن يكن في غنى عن تقييد وتأويل، فهو العذاب الذي لا يماثله عذاب!. * * * وبعد هذا الوعيد الرهيب، تأتي خاتمة سورة الفجر فتبقى على الإنسانية ثقتها في إمكان اتقاء ذلك المصير الخاسر والعذاب الأكبر، وتفسح لها مجال الأمل في خير مصير: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ . قرأ الجمهور بتاء التأنيث في النداء. وفي قراءة "زيد بن علي": "يأيها النفس" قال أبو حيان: "ولا أعلم أحداً ذكر أنها تنذكر من المنادى المؤنث، إلا صاحب البديع. وهذه القراءة ذاهدة بذلك". ثم التمس لها أبو حيان وجهاً من القياس، وهو أن "أيها، لا تثنى ولا تجمع في نداء المثنى والجمع، فكذلك لم تؤنث في نداء المؤنث". وقد فات أبا حيان هذه المقايسة أن نداء المثنى والجمع بـ "أيها" يطرد في نداء المذكر. وأما مثنى المؤنث وجمعه، فإن تاء التأنيث قلما تنفك عن ندائها مثنى أو

стр. 344

جمعاً: أيتها. وإثبات التاء في ندائهما بـ: أيتها، مع بقائها على الإفراد، أقرب إلى أن يكون وجهاً للقياس في تأنيث "أيتها" لنداء المؤنثة، من حيث بقيت التاء في نداء مثناها وجمعها، وأداة النداء فيهما على الإفراد. ولا خلاف عند المفسرين في أن اطمئنان النفس هو أمنها وسكينتها. لكنهم اختلفوا بعد ذلك في تأويل وجه الاطمئنان في الآية. قيل: المطمئنة التي لا يتفزها خوف ولا حزن. وقيل: إنها لا تصير أمارة بالسوء (الراغب) . وقيل: المطمئنة إلى الحق التي سكنها ثلج اليقين فلا يخالجها شك. أو هي التي اطمأنت إلى لقاء ربها، وإلى وعده أهل الإيمان من الكرامة في الآخرة. أو هي المصدقة المؤمنة بأن الله ربها، المسلمة لأمره فيما هو فاعل بها (الطبري) . كما اختلفوا في تحديد وقت الطمأنينة: هل تحصل للمؤمن عند الموت، وقت خروج نفسه وسماعه البشرى برضى ربه عنه؟ أو تكون الطمأنينة عند البعث ويوم الجمع؟ أو عند دخول الجنة لا محالة؟ كذلك اختلفوا في توجيه الخطاب في صدر الآية بالنداء: "إما أن يكون كلاماً من الله إكراماً للمؤمن كما كلم الله موسى ﵇، وإما أن يكون الكلام على لسان ملك". وهي وجوه محتملة والأولى الإطلاق ليعمها دون قيد أو تحديد. وحسبنا أن نتدبر موضع العبرة وأسرار البيان: الفعل "اطمأن" في العربية من أفعال القلوب، بمعنى أنه لا يكون إلا من القلب وفيه، حين تنتفى هواجس الحيرة والشك والقلق والخوف.

стр. 345

وكذلك تأتي الطمأنينة في القرآن الكريم، سكينة معنوية، عن راحة البال وهدوء النفس والقلب. وقد جاء الفعل منها في القرآن الكريم ثماني مرات، خمس منها بصريح الإسناد إلى القلوب في سياق البشرى بنصر المؤمنين: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾ (آل عمران ١٢٦) (الأنفال ١٠) وفيما نجد القلوب من راحة الإيمان: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد ٢٨) ومعها آية البقرة ٢٦٠، فيما التمس إبراهيم من راحة القلب واطمئنانه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ . واقترنت الطمأنينة بالأمن في آية (النحل ١١٢) وعدم الخوف من العدو في الحرب (النساء ١٠٣) . وهي في آية الفجر صفة للنفس، إيذاناً صريحاً بأن العبرة في الطمأنينة بسكينة النفس. وهذا يعفينا من التعرض لما أثار الكلاميون والفلاسفة والمجسمة من جدل حول هذه النفس المطمئنة، مما فصله الفخر الرازي في تفسيره. فهل تكون طمأنينة للجسم إذا أعوزتها راحة النفس واطمئنان القلب؟ إن الأمر هنا لا يخرج عن مألوف حس العربية الأصيل في كل الأفعال التي تعرف بأفعال القلوب، كالخشوع والثقة والإيمان واليقين. وكما اقترنت طمأنينة القلب بالبشرى في آيتى آل عمران والأنفال، وبحسن المآب في آية الرعد، وبالأمن من الخوف في آيتى النحل والنساء، جاءت النفس المطمئنة هنا مقترنة بالرضى، في سياق البشرى بحسن المآب، بعد كل الذي سبق من آيات الاعتبار بمصير الطغاة ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ

стр. 346

عَذَابٍ﴾ ومن نذير ووعيد لمن أغواهم حب المال وفتنتهم النعمة وأعمتهم الأثرة فضلوا ضلالاً بعيداً. * * * وفي قوله تعالى: ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ . نقل الإمام الطبير من تأويلهم لها: قيل: إنه أمر لنفس المؤمن في جسد صاحبها. وتأولوا ﴿رَبِّكِ﴾ بمعنى صاحبك! وقال آخرون: إن الأمر بالرجوع يكون عند الموت، ثم ﴿ادْخُلِي جَنَّتِي﴾ يوم القيامة. فباعدوا بين المعطوفين بالواو، وجعلوا أحدهما عند الموت، والآخر عند نهاية المصير في الجنة! واختلفوا كذلك في تأويل ﴿عِبَادِي﴾ . قيل إنه بمعنى عبادي الصالحين، أو فادخلي في طاعتي، أو في حزبي. واختار الإمام الطبري أن تكون بمعنى: فادخلي في عبادي الصالحين. والمقام مستغنٍ عن وصفهم بالصالحين، إذ لا تكون النفس المطمئنة الموعودة بدخول الجنة، إلا من عباد الله الصالحين، ونظيره في القرآن الكريم آيتا الزمر ١٧: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ والزخرف ٦٨: ﴿يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ . ورضى النفس المؤمنة في رضى الله، فهي راضية مرضية. * * * وأقول هنا، ما قلت في سورتى التكاثر والبلد، ثم في سورة العصر: هذه سورة مبكرة من العهد المكي الذي اتجهت فيه عناية القرآن الكريم إلى تقرير أصول الدعوة، توجه إلى تحرير البشرية من أوضاع فاسدة، وتقرر مسئولية الإنسان عنها، فتصل في رياضته إلى المدى الذي يصير فيه أداء حق الجماعة ديناً وعقيدة، وتكون طمأنينة النفس هي الزاد الذي يتزود به الإنسان لمصيره.

стр. 347

وكل نفس ذائقة الموت. فأي عزاء يمكن أن يجده الإنسان المؤمن إذ يواجه هذا القضاء المحتوم الذي لا مفر منه ولا مهرب، إلا أن يتلو آيات الفجر: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ . صدق الله العظيم

стр. 348

سورة الهمزة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩) ﴾ صدق الله العظيم

стр. 349

السورة مكية. والمشهور في ترتيب نزولها أنها الثانية والثلاثون. * * * قيل نزلت في "الأخنس بن شريق" كان يلمز الناس ويغتابهم وخاصة رسول الله ﷺ . وقيل نزلت في "الوليد بن المغيرة المخزومي" كان يغتاب المصطفى ﵊ من ورائه، ويطعن عليه في وجهه. وقال محمد بن إسحاق في السيرة النبوية: "مازلنا نسمع أن هذه السورة نتزلت في أبي بن خلف". وأياً من كان الذي نزلت فيه السورة، فالنذير عام لكل همزة لمزة. وهذا هو الصواب عند الإمام الطبري. وقال الزمخشري في (الكشاف) ويجوز أن يكون السبب خاصاً والوعيد عاماً ليتناول كل من باشر ذلك القبيح. * * * ويل: كلمة عذاب وسخط. ويكثر استعمالها مع هاء الندبة في التفجع عند الكوارث. وتأولها بعض المفسرين في آية الهمزة، بأنها "واد في جهنم يسيل من صديد أهل النار وقيحهم". ونستقرئ مواضع الاستعمال في القرآن الكريم للكلمة، فنجدها في أربعين موضعاً. منها ثلاث عشرة مرة، معرفة بالإضافة، في موقف التحسر والتفجع والندبة، بآيات: (القلم ٣١، هود ٧٢، الفرقان ٢٨، الكهف ٤٩، الأحقاف ١٨، طه ٦١، القصص ٨٠، الأنبياء ١٤، ٤٦، ٩٧، يس ٥٢، الصافات ٢٠، المائدة ٣١) .

стр. 350

وباقي الآيات الأربعين، في سياق النذير من الله سبحانه. وباستثناء آية الأنبياء: ﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ معرفة بأل، جاءت "ويل" نكرة، بمثل الأسلوب في آية الهمزة. والنذير في كل آياتها من الله سبحانه، بويل، للكافرين، والمشركين، والمكذبين، والظالمين، والمطففين، والمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون، والذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله، والقاسية قلوبهم، وكل أفاك أثيم، وكل همزة لمزة. والوعيد فيها بويل: من مشهد يوم عظيم، ومن النار، وعذاب أليم، ومن يوم الدين، ويومهم الذي يوعدون، والنبذ في الحطمة. وفي هذا الاستقراء ما يكفي إدراكا لما للفظ ويلٍ من رهبة، وما يثير من خوف ورعب، دون أن نحتاج فيه إلى تأويلٍ بوادٍ في جهنم يسيل قيحاً، أحسبه من الإسرائيليات التي أدخل فيها اليهود عناصر من وصفهم لجهنم. * * * ولم تأت "هُمزَة" بهذه الصيغة في القرآن الكريم إلا هنا، وإن جاء من مادتها صيغتان أخريان: هماز: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾ (القلم ١١) وهمزات: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ (المؤمنون ٩٧) * * * كذلك لم تأت صيغة "لُمَزَة" في القرآن كله إلا في آية الهمزة، وجاء الفعل مضارعاً في ثلاث آيات: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ (الحجرات ١١) ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ (التوبة ٥٨)

стр. 351

ومعها آية (التوبة ٧٩) في اللمز في الصدقات أيضاً. وهذا هو كل ما في القرآن الكريم من مادتي الهمز واللمز. * * * ولا خلاف، أعلمه، بين اللغويين والمفسرين، في أن مثل صيغة همزة ولمزة، تستعمل فيمن يكثر منه فعلها حتى كأن ذلك عادة منه قد ضرى بها. . . ولكنهم لم يتفقوا على الدلالة، فمنهم من لا يفرق بين الهمزة واللمزة. ومنهم من يجعل الهمز للتحقير والعيب في الغيبة، أو التعريض بالإشارة والكلام المبهم، أما اللمز فهو التحقير والهزء صراحةً ومواجهةً. ومنهم من عكس الوضع، فجعل اللمز في الغيبة، والهمز في المواجهة والحضور. ونحتكم إلى القرآن الكريم فيجلو لنا الفرق بين اللفظين في الدلالة، حين يستعمل الهمز لوسوسة الشيطان (المؤمنون) والنميمة (القلم) . وفيهما الخفاء والغيبة. أما اللمز فيستعمله مع التنابز بالألقاب (الحجرات) وفي الاعتراض على تقسيم الصدقات (التوبة) . ولا يكون ذلك إلا مواجهةً. وهذه التفرقة تؤكد أصالة الاستعمال اللغوي الذي فرقت فيه العربية بين المادتين: فاستعملت اللمز في الضرب والطعن. واستعملت الهمز حسياً في الهمزة للنقرة والمكان المنخسف، والمهماز حديدة في مؤخر خف الذي يروض الفرس، والمهامز مقارع النخاسين ينخسون بها الدواب والرقيق. ولا يكون النخس في العربية إلى في مؤخر الدابة أو جنبها دون وجهها وصدرها. وبهذا كله نستأنس في فهم الآية، فلا نذهب مع الشيخ محمد عبده إلى "أن الهمز

стр. 352

يكون بالعين والشدق واليد، حركات إلى التحقير والهزء، واللمز يكون باللسان". وإنما نطمئن إلى أن الهمزة هو الذي يدأب على تحقير الناس والإيغال في تجريحهم من خلف ظهورهم، واللمزة الذي يدأب على مواجتهم بكلمة السوء تحقيراً لهم وغضاً من شأنهم. * * * ويصل القرآن الكريم، الكلام عن كل همزة لمزة: ﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾ . قرأ "ابن عامر، وحمزة، والكسائي": ﴿جَمَّعَ﴾ بتشديد الميم. والباقون بفتحها. وأما ﴿وَعَدَّدَهُ﴾ فلا خلاف بينهم فيه، وهم مجمعون على قراءته بالتشديد إلا ما روى عن قراءة فيها بتخفيف الدال، بإسناد غير ثابت. قال الإمام الطبري: "وهذه قراءة لا أستجيز القراءة بها، لخلافها قراءة الأمصار وخروجها عما عليه الحجة مجمعة ذلك". وعلى قراءة الجمهور: قال الإمام الطبري في تفسير الجمع: "جمع مالاً وحفظه وأحصى عدده ولم ينفقه في سبيل الله ولم يؤد حق الله فيه". وفرق الفخر الرازي بين القراءتين، فقال: "إن جمع بالتشديد يفيد أنه جمعه من ههنا وههنا، وأنه لم يجمعه في يوم واحد ولا في يومين ولا في شهر ولا في شهرين. وأما جمع بالتخفيف فلا يفيد ذلك...... وقوله تعالى: وعدده، فيه وجوه: أنه مأخوذ من العدة وهي الذخيرة لحوادث الدهر، أو هو من العد والإحصاء. أو - على القراءة بالتخفيف - جمع المال وضبط

стр. 353

عدده، أو هو من قولهم: فلان ذو عدد". والجمع في اللغة ضد التفرق، مع ملحظ من التفاوت بين أفراده: يطلق اسماً على المجموع وعلى الجماعة من الناس أو غيرهم. وجماع الناس أخلاطهم من قبائل شتى. والمجتمع ما اجتمع من الرمال من هنا ومن هناك. والجمع صنف من التمر أو النخل خرج من النوى لا يعرف اسمه. ويأتي الجمع مصدراً، بمعنى لم الشتات المتفرق أفراداً. والإجماع اتفاق الجماعة على رأي أو عمل، وتجمعوا اجتمعوا من ومن هناك. وفي النصطلح الديني سميت صلاة الجماعة، وصلاة الجماعة باجتماع الناص على اختلافهم للصلاة، كما سمى اليوم الآخر يوم الجمع، يجمع الناس على اختلاف أجناسهم وأممهم وطبقاتهم وعقائدهم. ويلحظ في الاستعمال القرآني للمادة، أنها تجئ أكثر ليوم القيامة: في نحو أربعين موضعاً. ومن الفعل الثلاثي، جاء جمع، وجميع، وجامع، ومجموع ومجموعون، ومجمع. ولم يأت الفعل "جمع" بتضعيف الميم، في المصدر أو أي مشتق من مشتقاته. وجاء الفعل ثلاثياً ثماني عشرة مرة، لا نخطئ فيها حس العربية الأصيل للمادة، في الدلالة على لم الشتات المتفرق المختلط. منها ثلاث عشرة مرة، الفعل فيها مسند إلى الله سبحانه، ولو شاء لجمع الناس على الهدى ولم يتفرقوا في الدين، وهو تعالى قادر على أن يجمع عظام الإنسان المفتتة بالبلى، وهو يجمع الناس على اختلافهم ليةم الفصل، يوم الجمع ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ والمرات الخمس الأخرى في رحمة ربك ﴿خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ بآيات (آل عمران ١٥٧، ويونس ٥٨، والزخرف٣٢) على ما يفيده الإطلاق من الجمع اللم، وآية (آل عمران ١٧٣) في ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ بما

стр. 354

يفيد الجمع من الحشد لشتى الجند والسلاح. ولا يتختلف الملحظ في آية المحارم ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ وإنما يحل الجمع حين تفترق الدماء وتختلف الأرحام والأصلاب. فملحظ الحشد مع الإختلاط، هو ما يعطيه هذا الاستقراء عن قرب، وبه نفهم آية الهمزة في جمع مال مختلط، والتلهي بتعديده احصاءً وتكاثراً وأثرة، ومعها آية المعارج: ﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦) تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾ ١٨. وإذن فهي فتنة المال ووثنيته، وما تدفع إليه من أثرة وتجبر وخيلاء. وإزدراء للناس وتحقيرهم والغض من شأنهم خفية وعلانية، من وراء ظهورهم وفي وجوههم، من حيث لا يعلمون أو يعلمون. * * * ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ والعربية تستعمل الحساب والمحاسبة حسياً في العد والإحصاء ﴿وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ . كما تستعمله معنوياً في التقدير والتدبير، وفي المسئولية والمؤاخذة، والحسيب الرقيب المحاسب. ومنه نقل إلى المصطلح الديني في محاسبة الإنسان على عمله "يوم احساب" وأكثر ما يجئ الفعل الرباعي، بهذه الدلالة، مسناً إلى الله تعالى. أما الثلاثي، فالعربية تفرق في مضارعه بين المادي والمعنوي: فيغلب كسر السين للحساب بمعنى العد، وفتحها في معنى التقدير أو التدبير. وخص الحسب بما يعد من مفاخر الآباء. وفي القرآن الكريم: جاء الفعل الثلاثي ثلاث مرة، يؤذن سياقها أنها بمعنى التقدير عن ظن وتصور، كالذي في آيات: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ (النمل ٤٤)

стр. 355

ومعها آيتا (الكهف ٩ والإنسان ١٩) ويكثر مجيئه بأسلوب الاستفهام الإنكاري، فيعطيه السياق دلالة ضلال الوهم، والخطأ في التقدير، مثل آيات: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ ؟ (العنكبوت ٢) ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ ؟ (الجاثية ٢١) ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ﴾ (محمد ٢٩) ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ (المؤمنون ١١٥) ومعها آيات: (العنكبوت ٤، البقرة ٢١٤، آل عمران ١٤٢، التوبة ١٦) ويتأيد ملحظ استعماله في غير العد الحسابي، بمجئ الفعل المضارع مفتوح السين في آياته الإحدى والثلاثين، في سياق النهي أو التحذير من خطأ التقدير على الظن أو التوهم. والفعل فيخا جميعاً مسند إلى المخلوقين. ويأذن لنا هذا الإستقراء، في حمل "يَحْسب" في آية الهمزة، على التوهم الذي يخطئ حقيقة التقدير، في حسابه أن ماله أخلده. والخلد في العربية البقاء والدوام، استعملته حسياً في الخوالد وهي الجبال الرواسي الثوابت والحجارة والصخور لطول بقائها. ومنه قيل المخلد للرجل الذي أسن دون أن يشيب. والخلود البقاء الدائم، ضد الفناء. والقرآن الكريم يستعمل الخلود بملحظ لا يتخلف، فهم فيه دائماً في سياق الحديث عن الآخرة، إما خلوداً في الجنة والنعيم ودار الخلد، أو خلوداً في العذاب والنار. وحين يستعمله في الدنيا، فعلى وجه النفي والإنكار أن يكون فيها خلود وإنما هي دار فناء. ترى ذلك واضحاً في مثل آيات: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ (الأنبياء ٣٤) ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾ (الأنبياء ٨)
следующие страницы →