Полный текст (373 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
يوسف ٦٧: ﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ .
الطور ٤٦: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ .
المرسلات ٣١: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (٣٠) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ .
الغاشية ٧: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ .
النجم ٣٦: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ ومعها يس ٢٣ والتحريم.
الجاثية ١٩: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ .
عبس ٣٧: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ .
إبراهيم ٢١: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ؟ ومعها آية غافر ٤٧.
ولا يمكن أن يفسر الإغناء في أي موضع منها بالإثراء.
* * *
وجاء الغنى بمعنى الاستغناء، في مثل آيات:
التغابن ٦: ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ .
عبس ٥: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ .
العلق ٧: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ .
стр. 37
وفرق القرآن بين الغنى والمال، فقد يكون الغنى مع الفقر المالي كما في:
آية البقرة ٢٧٣: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ .
ونظيره نفى الغنى مع المال والثراء، في مثل آيات:
المسد ٢: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ .
الحاقة ٢٨: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ﴾ .
الليل ١١: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ .
الجاثية ١٠: ﴿وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا﴾ .
ومعها ىية الحجر ٨٤. وآيات آل عمران ١٠، ١١٦ والمجادلة ١٧: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ﴾ .
والغني، من أسماء الله الحسنى، ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ . وقد ورد في القرآن سبع عشرة مرة، وليس من أسمائه تعالى "الثري".
وأن يكن القرآن استعمل الغنى للمال في مثل آيات (النساء ٦، ١٣٠، ١٣٥ وآل عمران ١٨١ والتوبة ٩٣ والحشر ٧) فلسنا نعرف أن الرسول ﷺ قد أثرى بعد المبعث أو اقتنة مالاً، بل لا نعرف أن مستوى حياته قد تغير مادياً، بعد أن أفاء الله عليه ما أفاء من غنائم، فحمل الغني على الثراء المالي، ولا يعين عليخ ما نعلم من سيرة الرسول ﷺ من تعفف وتجمل مع فقر، ومن قناعة وزهد وتواضع في المأكل والمشرب والمسكن، بعد أن سعت إليه الدنيا. ولو كان غنى المال مما يعده الله من نعمه على رسوله في الدنيا، لكان هناك من كشركي قريش، أمثال أبي لهب وأبي سفيان، وأبي جهل بن هشام، من هم أولى بذاك، على ما نعلم ويعلم المفسرون مما قاسى المصطفى من فقر مالي، في صباه، ثم بعد المبعث في محنة الحصار يشعب أبي طالب، وعلى ما صحت به الأخبار من بساطة حياته ﷺ ، بعد أن أتم الله عليه بالنصر نعمته.
стр. 38
وإنما أغناه الله بالتعفف وسد الحاجة، فلم يذله فقر المال، كما لم يكسر اليتم نفسه، بل وقاه الله وقاية نفسية معنوية من آثار اليتم والفقر والضلال، وليست وقاية مادية ترد إليه آباه الذي مات قبل مولده، وتملأ خزانته بالمال، وتهييء له رغد العيش.
واليتم مظنة الضياع والقهر:
﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ .
والفقر مظنة الذل والعوز، وقد وجد الله محمداً يتيماً عائلاً، فأعفاه سبحانه، منذ كان، من تلك الآثار البغيضة، وسلم جوهرهُ من الآفات التي كان معرضاً لها بحكم يتمه وعيلته، وبذلك تم فيه الاستعداد النفسي لتلقي الرسالة الكبرى التي بعث بها لقي الناس من المذلة والهوان والضلال.
واستعمل القرىن في الآيات الثلاث، الفعل ﴿وَجَدَ﴾ وهو من أفعال القلوب ولم يقل مثلاً: أما كنت يتيماً، وكنت عائلاً، فسيطر الجو المعنوي النفسي على الموقف، وتهيأت للرسول الطمأنينة الوجدانية لتلقى الآيات الكريمة.
وفي حذف كاف الخطاب من: "فآوى، فهدى، فأغنى" قال مفسرون بالحذف لرعاية الفواصل. وهو ما لا نرى البيان العالى يتعلق به. وأولى منه قول من قالوا بالحذف لدلالة صريح السياق على المخاطب. ونضيف إليها فائدة الإطلاق، فتحتمل: فآواك وآوى برسالتك اليتامى والمستضعفين، فهداك وهدى بك أمتك، فأغناك وأغناها بك.
* * *
﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ .
قال المفسرون هنا في قهر اليتيم: لا تغلبه على ماله وحقه لضعف حاله.
وقال أبو حيان: إنه التسلط بما يؤذى، ومنع اليتيم حقه.
стр. 39
ونرى الإيحاء النفسي للكلمة القرآنية ﴿فَلَا تَقْهَرْ﴾ أعمق وأدق من أن يضبط بهذه التفسيرات المحدودة، فلا الظالم، ولا التسلط بما يؤذى، ولا منع الحق، ببالغ في التأثير ما يبلغه قوله تعالى: فلا تقهر. إذ يجوز أن يقع القهر، مع إنصاف اليتم، وإعطائه ماله، وعدم التسلط عليه بالأذى: لأن حساسية اليتم، بحيث تتأثر بالكلمة العابرة، واللفتة الجارحة عن غير قصد، والنبرة المؤلمة بلا تنبة، وإن لم يصحبها تسلط بالأذى أو غلبة على ماله وحقه.
والقهر في اللغة: الغلبة، وقد جاء من المادة في القرآن صيغة القهر (الأنعام ١٨، ٦١) وقاهرون (أعراف ١٢٧) والقهار (يوسف ٣٩، الرعد ١٦، ص ٦٥، الزمر ٤، إبراهيم ٤٨، غافر ١٦) .
وكل قاهر، وقهار، وفي القرآن الكريم، من صفات الله تعالى، مع إقتران القهار بالواحد، في الآيات الست التي وردت فيها: ﴿وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ .
وفي هذا ما يؤذن بأن المخلوق لا يحل له أن يتسلط بالقهر على مخلوق مثله، فكيف باليتيم المحتاج إلى الرعاية والعطف؟!
وجاء منه ﴿قَاهِرُونَ﴾ على لسان فرعون في آية الأعراف:
﴿قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ انتحالاً لصفة الربوبية ممن حشر فنادى ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ .
أما الفعل من القهر، فلم يأت في القرىن كله، في غير آية الضحى، خاصة باليتيم، وجاء دع اليتيم تكذيباً بالدين في آية الماعون:
﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ بما في الدع من قسوة الدفع والزجر.
وآية الفجر: ﴿كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾ .
* * *
وفي "السائل" قيل: هو المستجدي، وقيل هو طالب العلم (الزمخشري والنيسابورى) وصرح غبن القيم بأن ﴿آية الضحى تتناولهما معاً" يعني: سائل المعروف والصدقة، وطالب العلم.
стр. 40
واختار "الطبري" كل ذي حاجة.
واختار الشيخ محمد عبده: المستفهم عما لا يعلم، وهو عندنا أولى بالمقام، ويؤيده الاستئناس بالاستعمال القرآني لمادة ﴿سْأَلُ﴾ حيث ترد كثيراً في هذا المعنى، كما يرجحها سياق الآيات قبلها.
* * *
أما النعمة، فهي النبوة عند جمهرة المفسرين، وخصها قوم بالقرآن، واتجه بها الشيخ محمد عبده إلى الغنى بعد عيلة في نسق السورة، مقابلة لقوله تعالى" ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ .
قال: "وقد يقال إن المراد بالنعمة النبوة، ولكن سياق الآيات على أن هذه الآية مقابلة لقوله: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ فتكون النعمة بمعنى الغنى، ولو كانت بمعنى النبوة لكانت مقابلة لقوله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ ".
أما الزمخشري، فرد النعمة إلى ما سبق من إيواء، وهداية، وإغناء.
وعم بعضهم بها جميع النعم.
واالفظ - لغة - يحتمل هذا، ففي العربية من الاستعمالات الحسية للمادة: الناعمة الروضة، والتنعيمة شجرة ناعمة الورق، والنعم الإبل والشاء. ومن معاني النعمة: الفرح والمسرة، والإكرام، والحفض، والدعة، والرفاهة، والعطية، واليد البيضاء الصالحة.
وتتبع المادة في القرآن، لا يمنع - والله أعلم - شيئاً مما قاله المفسرون، وإن كنا نلمح لها في آية الضحى دلالة خاصة، يوحى بها السياق. وقد التفت "الزمخشري" - كما رأينا - إلى صلتها بما قبلها من إيواء وهدى وإغناء، وبقى ملحظ آخر، وهو ما تعلق بالنعمة: "فحدث" وفيه ما يوجه إلى دلالة خاصة للنعمة في هذه الآية.
قال المفسرون في التحديث بالنعمة: إنه شكرها وإشاعتها، واحتاط
стр. 41
جماعة - منهم الزمخشري والفخر الرازي وتابعهما الشيخ محمد عبده - فذكورا في التحدث بنعمة الله "أنه إنما يحسن حين لا يكون ذلك عن رياء أو تشبه بأهل السمعة".
وهو احتياط في غير موضعه، فماذا كان يظن به ﷺ أن يقول في التحدث بنعمة الله مما يشتبه بالرياء والسمعة؟ ومن أي السبل يمكن أن نتصور احتمال الرياء والتشبه بأهل السمعة، ممن اصطفاه الله تعالى خاتماً للنبين، وقال فيه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ؟
وحمل التحدث هنا على الشكر، إذا سمح به الاستعمال اللغوي، فإن السياق لا يعين عليه، وإنما التحدث هنا، هو صريح ما تعلق به مما يتصل بمهمة الرسول التي اصطُفى لها، وهو أن يبلغ رسالة ربه. ومن هنا نؤثر أن تكون النعمة هنا، مهما يكن من دلالاتها المعجمية اللغوية، هي الرسالة، أكبر النعم التي يؤثر بها نبي مرسل.
وقد التفت "الرازي" إلى ملحظ، يتصل بترتيب الآيات الثلاث الأخيرة في السورة، ولكن على غير الوجه الذي ذكره الشيخ محمد عبده فيما نقلنا له من قول.
ففي الآيات الثلاث، قدم الله النهي عن قهر اليتيم، ونهر السائل، على التحدث بنعمته تعالى، ويقول الرازي في ذلك "إن الله أخر حق نفسه وهو الشكر، وقدم حق اليتيم والسائل، لأنه غني وهما محتاجان، وتقديم حق المحتاج أولى"، كما لحظ اعتباراً آخر، وهو: "أنه تعالى وضع في حظهما الفعل، ورضى لنفسه بالقول" يعني التحدث بنعمته.
ولا بأس بالملحظين كليهما. وقد نرى في ترتيب الآيات، أنع تعالى، نبه رسوله الكريم إلى أن إصلاح الجماعة، يأنى في المنزلة الأولى من الإعتبار والتقدير، حين أجمل له في هذه الآيات الكريمة من مهمة رسالته: أن تدفع ذل الفاقدين، وقهر اليتامى، وحيرة السائلين، ففي رسالة إصلاح وهداية أمر النبي ﷺ بالتحدث بها وتبليغها "فهل عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ"؟
стр. 42
سورة الشرح
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨) ﴾ .
صدق الله العظيم
стр. 43
السورة مكية، نزلت بعد سورة الضحى، واقترنت بها في رواية تقول إن الضحى والشرح سورة واحدة لما يبدو من المناسبة في سياق تعدد النعم، بين قوله تعالى في سورة الضحى: ألم يجدك يتيماً فآوى. . . وقوله في الشرح: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ. . .
ورده "النيسابورى" قائلاً:
"وفيه ضعف، لأن القرآن كله في حكم كلام واحد. . . على أن الاستفهام في الضحى وارد بصيغة الغيبة، وفي الشرح بصيغة المتكلم، وهذا مما يوجب المباينة لا المناسبة".
ولم يشر الطبري والزمخشري والقرطبي إلى موضوع إقتران السورتين، كما لم يشر إليه علماء القراءات.
وقال الشيخ محمد عبده: "السورة مكية عند الجمهور، بل زعم بعضهمأنها تتمة لسورة الضحى، وعلى هذا تكون المنة بشرح الصدر، مبنية على عود الوحي والتبشير بما جاء في سورة الضحى".
قوله: إنما مكية عند الجمهور، يشعر بأن من المفسرين من ذهب إلى كونها مدنية، وقد قال "البقاعى" إنها مدنية بناء على "ما يفهم من التقرير بشرح الصدر وما بعده. وهذا إنما كان بعد ظهور القوة، وبعد أن فتح الله على المسلمين ما فتح عليهم، وأكمل لهم النعمة بغلبة حقهم على باطل خصومهم". ويرد على هذا، أن في كثير من السور المكية، ما يقرر قوة المسلمين، وغلبة حقهم على باطل خصومهم.
وجاءت السورة في بعض التفاسير مثل الطبري باسم "ألم نشرح" وفي تفاسير أخرى: سورة الإنشراح.
* * *
стр. 44
وأكثر المفسرين على أن الشرح هنا هو الفسحة والبسط والتوسعة، وهو قريب من الصل اللغوي للفظ الشرح، لكن المفسرين زادوه تفصيلاً ببيان ما كان من هذا الشرح، فقال الطبري: "إنه الشرح للهدى والإيمان بالله ومعرفة الحق. . . وجعلنا صدرك وعاء للحكمة".
وقال الومخشري: "شرحنا لك صدرك، فسحناه حتى وسع هموم النبوة، أو حنى احتمل المكاره التي يتعرض لك بها كفار قومك وغيرهم. أو فسحناه بما أودعناه من العلوم والحكم، وأزلنا عنه الضيق والحرج الذي يكون مع العمى والجهل".
وقال الشيخ محمد عبده: "وقد شرح الله صدر نبيه بإخراجه من تلك الحيرة التي كان يضيق لها صدره، بما كان يلاقيه في سبيله من جمود قومه وعنادهم".
وهي معان متقاربة ومقبولة، على أن من المفسرين، كالنيسابورى، من أضاف إليها معنى مادياً، فساق في تفسير الشرح أحتمال أن تكون فسحاً حقيقياً لا مجازياً - للصدر، "لما يروى من أن جبرائيل أتاه وشق صدره وأخرج قلبه وغسله وأنقاه من المعاصي، ثم ملأه علماً وإيماناً".
وجاء مثل هذا في "البحر المحيط" عن إبن عباس.
وكان ينبغي لمثل هذا التأويل، أن ينظر فيه إلى آيات شرح الصدر في القرآن، لنرى هل هي خاصة بنبينا ﵊، فتتعلق بالمروى في السيرة عن شق الملائكة صدره، أيام كان طفلاً ببادية بني سعد؟ أو أنها أقرب إلى الشرح المعنوي للإيمان والهدى؟
و"الراغب" اتجه إلى قريب من هذا، حين ضم آية الضحى إلى قوله تعالى: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ بسورة طه، وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ﴾ بآية الزمر ٢٢، وتمامها:
стр. 45
﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ .
ثم اطمأن بها إلى أن "شرح الصدر بسطه بنور إلهي وسكينة من جهة الله وروح منه".
وآية طه خاصة بموسى ﵇، وبعدها" ﴿وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ . وآية الزمر نزلت فيمن "شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه" ولا مجال لقول بشق الصدر وانتزاع القلب ثم غسله وتطهيره، مما ذكر النيسابورى وأبو حيان، عن إبن عباس، في تأويل آية الشرح.
وفي القرآن الكريم من آيات شرح الصدر. غي ما ذكره الراغب آيتا:
النحل ١٠٦: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (١٠٧) أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ .
الأنعام ١٢٥: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ .
والآيات الخمس مكية. والشرح فيها جميعاً للصدر.
وقد افترنت بالنور في آيتي الزمر والأنعام، وباليسر في آيتي طه والشرح، ومع اليسر في الأولى حل العقدة من اللسان، وفي الثانية رفع الوزر.
وقوبلت فب "آية النحل" بغفلة الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم،
стр. 46
وفي "الزمر" بقسوة القلب والضلال المبين، وفي "الأنعام" بضيق الصدر وحرجه ورجس الكفر......
وهذا التتبع، يزيدنا بعدا عن المعنى المادي لشرح الصجر، ويجعلنا أكثر طمأنينة إلى أنه هدى الإيمان ونور الحق وراحة اليقين والسلام النفسي.
وشرح الصدر للكفر، في سياق الوعيد بآية النحل، شاهد بأن الأمر فيه معنوي خالص......
* * *
وكونه طمأنينة نفس، وهدى إيمان، وارتياحاً إلى اليقين، يجعلنا نتردد في تفسير الصدر هنا بالجارحة كما ذهب النيسابورى، أو أنه "قوي الشهوة والهوى والغضب" ونحوها مما عده "الراغب"..... لنحتكم في هذا إلى اتلقرآن نفسه، حيث جاء لفظ ﴿صَدْرً﴾ بصيغة المفرد، عشر مرات، كلها بلا استثناء، إما مع الشرح في الآيات الخمس التي أشرنا إليها، وإما مع الضيق والحرج في آيات:
هود ١٢: ﴿وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ .
الأعراف ٢: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ .
الحجر ٩٧: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ .
خطاباً للرسول ﷺ .
ومعها آية الشعراء، حكاية عن موسى ﵇:
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ﴾ ١٢، ١٣.
واألأنعام ١٢٥: ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ .
وجاءت ﴿صُدُورِ﴾ جمعاً في آيات كثيرة، منها ما اقترن بالشفاء ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ التوبة ١٤، ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ يونس ٥٧.
стр. 47
أو وسوسة الشيطان في آية الناس:
﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ .
وبالغل في آيتي الأعراف ٤٣ والحجر ٤٧: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ .
والحصر، في آية النساء: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ ٩٠.
والرهبة، في آية الحشر: ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ﴾ ١٣.
وليس شيء من هذا كله، بالذي يجنح إلى معنى مادي كشق الصدر الذي هو جارحة. ولا مجال معه، لتزيد لا يحتمله صريح السياق، مما أفاض المفسرون في ذكره من علوم وحكمة.....، وهذه آيات القرآن جميعاً في الصدور، لا تأذن لنا في مثل هذا التزيد، وهي في سياق الإيمان والهدى ونور الله والشفاء، أو الضيق والحرج والعسر والطمس والضلال والغل......
* * *
وتكلم مفسرون عن الاستفهام في الآية. قال الزمخشري: "إنه استفهم عن انتقاء الشرح على وجه الإنكار، فأفاد إثبات الشرح وإيجابه، فكأنه قيل: شرحنا لك صدرك، ووضعنا عنك وزرك".
على ما بين تأويله، ونص الآيات المحكمات من تفاوت بعيد دقيق، يدرك الإعجاز البياني فيه ولا يوصف، وبحسبنا أن نضع عبارته في التأويل تجاه الآية، لندرك بعد ما بينهما.
وإذا لم يكن بد من توجيه الاستفهام في الآية، فهو على وجه التقرير كما قال أبو حيان، لا الإنكار كما ذهب الزمخشري.
والتفت بعضهم كذلك إلى نون المضارعة في "شرح" فذكروا أن "فائدة العدول من المتكلم إلى الجمع، إما تعظيم حال الشرح، وإما الإعلام بتوسط الملك جبريل في ذلك الفعل"!
стр. 48
وهو ما لا نقف عنده طويلاً، فلسي تحدث الله ﷻ عن ذاته بصيغة الجمع، بالأمر الذي يوقف عنده أو يتأول له وسيط ثان يسوى الصنعة اللغوية في العدول عن الواحد إلى الجمع في "نشرح" والشارح هنا هو الله ﷻ ، رب السموات والأرض وما بينهما، وإن أحدنا، معشر العباد، ليتحدث عن نفسه بصيغة الجمع فلا نتكلف وسيطاً ثانياً يسوغ هذا العدول من الواحد إلى الجمع!!
وقيل في ﴿لِكِ﴾ هنا، إنها زيادة يستقل المعنى بدونها!! وفائدة زيادتها "أنها لإيضاح بعد إبهام، كأنه قيل: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ ففيهم أن ثم مشروحاً، ثم قيل ﴿لِكِ﴾ فأوضح ما علم مبهماً.... وكذلك، في: ﴿لَكَ ذِكْرَكَ﴾ و ﴿عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ .
ومقتضى هذا التأويل، الوقف عند نشرح - ووضعنا، ورفعنا - لتأتي ﴿لِكِ﴾ بعدها فتوضح الإبهام. ولا نعلم أحداً من القراء قرأها بالوقف، بل الإجماع على قراءتها وصلاً. ثم إن الإيهام فيه - إن جاز القول به - يرتفع حتماً بقوله: ﴿صَدْرِكَ﴾ دون حاجة إلى ﴿لِكِ﴾ وكذلك يتضح الإبهام في الآيات بعدها بكاف الخطاب في ﴿وِزْرَكَ، ذِكْرَكَ﴾ .
و"النيسابورى" خانه التعبير، فتأول وضع ﴿لِكِ﴾ هنا بالإقحام، على ما لهذا اللفظ، في الحديث عن القرآن الكريم، من جفوة وغلظ، وعنده أن "فوائد إقحام، لك: الإجمال ثم التفصيل، وإرادة الاختصاص، أو كونه أهم".
والأمر أبسط وأوضح من أن نتعثر في تأويله، فمن مألوف البيان العربي أن يأتي بمثل هذا الأسلوب، لا عن زيادة أو إقحام، أو إرادة الإجمال ثم التفصيل، وإنما للتقرير وتأكيد الاختصاص وتقوية الإيصال. وأظن أن هذا هو ما لمحه الشيخ محمد عبده حين قال: "والإتيان بالجار والمجرور - لك، وعنك -
стр. 49
وتقديمه على المفعول في الآيات الثلاث، لزيادة التقرير والإسراع بالتبشير".
ومثل هذا مألوف في أساليب العربية تقول: أرح لي بالي، وأزل عني شكي وأسمع مني نصيحتي، فلا يقال إن "لي، وعنى، ومنى، مقحمة أو زائدة، وإنما هي ضرورة بيانية اقتضاها المقام.
ولنا أن نستأنس هنا بأسلوب القرآن في مثل آيات:
طه ٢٥: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ .
آل عمران ١٩٣: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ .
لنطمئن إلى أن ليس في الأمر زيادة لا إقحام!
* * *
﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾
الوضع الحطُّ والإلقاء والطرح زالإسقاط، وأكثر ما يستعمل فيما يثقل ويرهق. استعمل الوضع في الولادة، وليس أثقل من الحمل فيها، وقد جعله الزمخشري" من الاستعمالات المجازية للوضع في (أساس البلاغة) ومنه في القرآن الكريم آيات:
آل عمران ٣٦: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ .
الأحقاف ١٥: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ .
الطلاق ٤، ٦: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ......﴾
﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ .
فاطر ١١: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ . ومعها: آية فصلت ٤٧.
стр. 50
وهذا الملحظ. من وضع المرهق، ولا نخطئه في الاستعمال المجازى للمادة كذلك، في مثل قولهم: وضعت الحرب أوزارها، ووضع عنه الجناية، أسقطها....
وجاء الوضع مع الحرب في:
آية محمد ٤: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ .
والنساء ١٠٢: ﴿أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾ .
ومع الإصر والأغلال في آية الأعراف ١٥٧:
﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ .
ومع الوزر في آية الشرح.
فشهد هذا التتبع الاستقرائي، على أن الوضع ملحوظ فيه دائماً، التخفف من ثقل مرهق وحمل باهظ.
وأصل الوزر: الجبل، وسمى الملجأ وزراً ومنه آية القيامة:
﴿كَلَّا لَا وَزَرَ (١١) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾
والوزير: الموازر، لأنه يحمل العبء، ومنه في القرآن آيتا (طه ٢٩، والفرقان ٣٥)
في ﴿هَارُونَ﴾ وزيراً لموسى، عليهما تاسلام.
ونقل الوزر إلى العبء الثقيل:
المادي ومنه في القرآن آية (طه ٨٧) في بني إسرائيل الذين أضلهم السامري:
﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ .
وآية (محمد ٤) : ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ .
والمعنوي في الوزر الإثم، وجمعه أوزار كالذي في آيات: (الأنعام ٣١، ١٦٤، فاطر ١٨، الزمر ٧، النحل ٢٥، طه ١٠٠)
ومعها ﴿وَازِرَةٌ﴾ في آيات: (الأنعام ١٦٤، الإسراء ١٥، فاطر ١٨، الزمر ٧، النجم ٣٨)
والوضع للوزر في آية الشرح، يؤكد ثقل العبء، كما تؤكده الآية بعدها:
стр. 51
﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ .
والإنقاض في الاستعمال اللغوي والقرآني - كليهما - هو الحل والانتثار، والتمزق تحت ضغط ثقيل معاناة.
ذكر فيه أبو حيان قوله أهل اللغة: ﴿أنقض الحمل ظهر الناقة إذا سمعت له صريراً من شدة الحمل. وسمعت نقيض المرجل أي صريره".
ومثله في تفسير: النيسابورى" للآية.
وقول الشيخ محمد عبده: ﴿نقيض الظهر، الصوت الذي يحدث فيه لثقل الحما" قريب من قول الزمخشري: "هو صوت الانتقاض والانفكاك لثقله".
ورفض "الراغب" أن يكون الانتقاض هو الصوت، قال: "وحقيقة الانتقاض ليس الصوت، إنما هو الذي يحدث منه الصوت" يعني تحت الضغط والمعاناة.
ونؤثر أن يكون الإنقاض من الإثقال الذي يحل الظهر، كي نستبقى للكلمة دلالة الحل التي لا تنفك عن استعمال القرآن لها، مادياً في آية النحل ٩٢ ﴿كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا﴾ ومعنوياً في تقض العهد: (البقرة ٢٧، الأنفال ٥٦) ، أو الميثاق: (الرعد ٢٠، ٢٥ والنساء ١٥٠، المائدة ١٣) أو الإيمان (النحل ٩١) .
ويبقى تحديد هذا العبء الباهظ الذي يحل الظهر فمن الله على رسوله ﵊، بأن وضعه عنه. وقد ذهب المفسرون في تأويله مذاهب شتى، كقوله الراغب: "هو ما كنت فيه من إصر الجاهلية، وأعفيت منه بما خصصت به، عن تعاطي ما كان عليه قومك" وقال أبو حيان: "كناية عن عصمته من الذنوب وتطهيره من الأدناس، عبر عن ذلك بالحط على سبيل المبالغة في اتفاء ذلك" وفي الطبري: "ووضعنا عنك وزرك، أي وغفرنا لك ما سلف من ذنوبك، وحططنا عنك ثقل أيام الجاهلية التي كنت فيها، وحللنا عنك وقرك الذي أثقل ظهرك فأوهنه".
стр. 52
ونقل عن "قتادة": "كانت للنبي ذنوب قد أثقلته فغفرها تعالى له. وسمعت الضحاك يقول في آية ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ يعني الشرك الذي كان فيه" والأولى عندنا أن يقال: الشرك الذي كان فيه قومه.
وقيل: ما أثقل ظهره لما صدر عنه من بعض الصغائر قبل النبوة، ولما جهله من الأحكام والشرائع، أو لما كان تهالك عليه من إسلام أولى العناد..... وقيل المراد بالوزر أعباء الرسالة..... وقيل: الحيرة التي كان فيها قبل المبعث.
وصرح الشيخ محمد عبده بأن "الكلام على التمثيل، فإن ما كان يحمله ﵇ من ثقل الإهتمام بشأن قومه، وضيق المذاهب بين يديه قبل تواتر الوحي عليه بالإرشاد، لم يكن ثقلاً حسياً ينقض منه الظهر، ولكنه كان هماً نفسياً يفوق ألمه ألم ذلك الثقل الحسي الممثل به، فعبر عن الهم الذي تبخع له النفوس بالحمل الذي تقصم له الظهور".
وهو ما نستريح إليه، ونؤيده بما ذكرنا في تفسير آية الضحى: "وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ فالوزر في الآية هو من: ضلال الحيرة وعدم الاهتداء إلى سواء السبيل، حتى هداد الله ووضع عنه ذلك الوزر الذي بلغ من فداحة ثقله أن أنقض ظهره، لفرط ما كان يشعر به قبل المبعث من وطأة الحيرة، وصلال السبيل إلى الحق الذي تطمئن به نفسه.
* * *
﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ .
الرفع في اللغة الإعلاء، يكون حسياً مادياً كرفع البناء ورفع القواعد، ومنه في القرآن من الاستعمال الأول مثل: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ﴾ .
ثم يكون معنوياً مجازياً كارتفاع الدرجة والمنزلة.... مثل: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ .
стр. 53
أما الذكر فهو استحضار ما أحرز بالحفظ، وقال "الراغب" في المفردات: "الذكر ذكران: ذكر بالقلب، وذكر باللسان. وكل واحد منهما ضربان: ذكر عن نسيان، وذكر عن إدامة حفظ".
وفي تفسير الطبري: "يقول: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ فلا اذكر إلا ذكرت معي. وبنحو ذلك قال أهل التأويل. قتادة: رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا ينادى بها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله" - ومثله في (البحر المحيط لأبي حيان) .
وفصله "الومخشري": "قرن ذكر الرسول بذكر الله في كلمة الشهادة، والأذان، والإقامة، والتشهد، والخطب، وفي غير موضع من القرآن: والله ورسوله أحق أن يرضوه.... ومن يطع الله ورسوله...... وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول، وفي تسمية: رسول الله ونبي الله"، ثم أضاف: ﴿ذكره ﷺ في كتب الأولين، والأخذ على الأنبياء وأممهم العهد أن يؤمنوا به".
وهو بنصه ما في غرائب النيسابورى.
واختار الشيخ محمد عبده من هذا كله: "أن الله هداه إلى إنقاذ أمم كثيرة من رق الأوهام وفساد الأحلام، ورجع بهم إلى الفطرة السليمة.... هذا إلى ما فرض الله من الإقرار بنبوته والإعتراف برسالته بعد بلوغ دعونه، وجعلها شرطاً في دخول جنته".
واتلأقوال متقاربة، يمكن أن ترد جميعاً إلى ما رواه "الطبري" من أقوال أهل التأويل.
ونضيف إليها من الملاحظ البيانية للذكر المرفوع، أن كلمة الذكر تضاف، أكثر ما تضاف إلى اسمه تعالى ظاهراً: ذكر الله، ذكر ربك..... أو إلى ضميره جل شأنه: (ذكرى) وفي القرآن منها ستة مواضع، كلها لله ﷻ (الكهف ١٠، طه ١٤، ٤٢، ١٢٤، المؤمنون ١١، ص ٨) و (ذكرنا) مرتين كلتاهما لله تعالى: الكهف ٢٨، النجم ٢٩.
وجاء الذكر معرفاً بأل، بمعنى الوحي أو القرآن الكريم، في الحجر ٦، ٩، ص ٨، القمر ٢٥ فصلت ٤١، النحل ٤٤، الفرقان ١٨، يس ١١.
стр. 54
وهذا مما يضفى على كلمة الذكر جلالاً ورفعه، لكبرة ما تفترن بذات الجلالة، أو تضاف إلى ضميره جل شأنه، أو يقصد بها القرآن والوحر.
فإذا قال الله لعبده ورسوله: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ بلغ بهذا أقصى المدى من الإيناس والرفعة، لما يخف بلفظ الذكر من علو قدر.
وتسغى النبوة عن تحديد هذا الرفع للذكر بكذا وكيت مما عده أصحاب التأويل، فحسب محمد أن اصطفاه الله رسولاً، ليكون له من هذا الاصطفاء ما يجاوز كل مطمح لبش يتيم عائل، إبن امرأة من قريش تأكل القديد.
ولهذه البشرية التي قررها القرآن أصلاً من أصول العقيدة، حسابها في تقدير ما للنبوة هنا من رفعه ذكر وجلال قدر، وهي حسبنا، في فهم آية: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ على هدى ما رأينا من كثرة إقتران الذكر في القرآن بالله جل جلالة، واطراد استعماله - معرفاً بأل - علماً على القرآن الكريم والوحي المنزل.
* * *
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ .
في الفاء هنا، مع معنى الترتيب دلالة السببية، فهي تقرر مل يترتب على ما سبق بيانه من شرح الصدر ووضع الوزر ورفع الذكر. وهذا التقرير يأتي مؤكداً بإن، ثم يقوى التأكيد فيه بتكرار الجملة مرتين نفياُ للشك وتقوية للإيناس. والبلاغيون يعدون التكرار، من الإطناب الذي يزيد على المساواة، ويلفتنا من البيان القرآني، أن التكرار يأتي في قصار السور - ومنه القدر، والتكاثر، والكافرون، والناس - حيث لا مجال في مثلها لقول بالإطناب، ولا يكون التكرار إطناباً مع حاجة المقام إليه.
وسورة الشرح قد نزلت مباشرة بعد الضحى التي جاءت على فترة من الوحي، فالتكرار فيها يرسخ في نفس المصطفى الطمأنينة إلى رعاية ربه ، ويؤنسه ﷺ ، إلى ما يستقبل من أمره.
وسياق الآيات في الاستفهام التقريرى، وتقوية الإيصال بـ "لك، عنك"
стр. 55
يمهد لهذا التقرير الجازم الحاسم لكل شك، فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا.
ومن المفسرين، من التفت إلى استعمال "مع" هنا بدلاً من: بعد، أو ما أشبهها مما يفيد التفاوت الزمني. قال الزمخشري: "إن "مع" للصحبة، ومعنى اصطحاب اليسر والعسر أن الله أراد أن يصيبهم - يعني المؤمنين - بيسر بعد العسر الذي كانوا فيه بزمان قريب، فقرب اليسر حتى جعله كالمقارن للعسر، زيادة في التسلية وتقوية القلوب".
وهو ملحظ دقيق، وإن كان التعبير عنه قد أعوزته الدقة في موضعين: قوله: يصيبهم، في مقام البشرى، دون ضرورة بيانية تقتضيه، كما أن الآية تقوية للرسول بخاصة، لا للمؤمنين بوجه عام. والسياق قبلها وبعدها. يجعل هذا التخصيص أولى بالمقام.
وقوله: حتى جعل اليسر كالمقارن للعسر.
وقريب منه قول، النيسابروى: "جعل الزمان القريب كالمتصل والمقارن زيادة في التسلية وقوة الرجاء" والشيخ محمد عبده: "والتعبير بالمعية لتوثيق الأمل بأنه لابد منه، كأنه معه".
والأولى إسقاط كاف التشبيه، وفهم الآيتين على أن اليسر مقترن بالعسر إذ تفيد "مع" المصاحبة، لا التشبيه.
والتفتوا كذلك إلى تعريف العسر وتنكير اليسر في الآيتين كلتيهما. ورووا في ذلك حديثاً على النبي ﷺ : "لن يغلب عسر يسرين".
فسره الفراء والزجاج: "العسر مذكور بالألف واللام وليس هناك معهود سابق قينصرف إلى الحقيقة، فيكون المراد بالعسر في الموضعين شيئاً واحداً، وأما اليسر فإنه مذكور على سبيل التنكير، فكأن أحدهما غير الآخر....."
стр. 56
وفي البحر المحيط: "وقيل: مع كل عسر يسران، من حيث إن العسر معرف بالعهد، واليسر منكر، فالأول غير الثاني".
وزيفة "الجرجاني" قال: "من المعلوم أن القائل إذا قال إن مع الفارس سيفاً إن مع الفارس سيفاً، لم يلزم منه أن يكون هناك فارس واحد معه سيفان".
وتوسع النيسابورى في افتراض إحتمالات شتى: إذا كان المراد بالعسر الجنس لا العهد، لزم اتحاد العسر في الصورتين، وأما اليسر فمنكر، فإن حمل الكرلا الثاني على التكرار مثل ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ونحوه، وكان اليسران واحداً، وإن حمل على أنه جملة مستأنفة، لزم أن يكون اليسر الثاني غير الأول وإلا كان تكراراً والمفروض خلافه. وإن كان المراد بالعسر المعهود، فإن كان المعهود واحداً وكان الثاني تكراراً كان اليسران أيضاً واحداً، وإن كان مستأنفاً كانا أثنين وإلا لزم خلاف المفروض. وإن كان المعهود أثنين فالظاهر إختلاف اليسرين وإلا لزم أو حسن أن يعاد اليسر الثاني معرفاً بلام العهد فهو واحد، والكلام الثاني تكرير للأول لتقريره في النفوس، إلا أنه يحسن أن يجعل اليسر فيه مغايراً للأول لعدم لام العهد، ولعل هذا معنى الحديث، إن ثبت والله أعلم ورسوله، فإن لم تثبت صحة الحديث أمكن حمل الآية على جميعها، وإن ثبت صحته وجب حملها على وجه يلزم منه اتحاد العسر وإختلاف اليسر، وحينئذ يكون فيه قوة الرجاء ومزيد الاستظهار برحمة الله".
والذي في جمهرة التفاسير لا يكاد يخرج عن هذه الإحتمالات والإفتراضات التي تقصاها النيسابورى. وقد ذهبوا في تأويل اليسرين، بأنهما يسر العاجل، ويسر الآجل، قيل إنع ما تيسر لهم من الفتوح في أيام الرسول والخلفاء الراشدين، وقيل هو يسر الآخرة.
والأمر فيما نرى أوضح من أت نتكلف له هاتيك التأويلات المعقدة التي يغيب فيها وجه البيان لنصل آخر الأمر إلى أن يسرين لا يغلبهما العسر الواحد. أو أن الآية الثانية استئناف، "فيكون معناها أهم من سابقتها"!!
стр. 57
والذي نطمئن إليه، هو أن الآية الثانية تأكيد للأولى، لتقوية اليقين النفسي وترسيخ ما من الله به على عبده من شرح صدره ووضع وزره ورفع ذكره.
والراجح أن "ال" في العسر، للعهد لا للاستغراق، والمراد، والله أعلم، ما كان الرسول يشعر به من ضيق الصدر وثقل البء في مواجهة الوثنية العاتية الراسخة. أما تنكير يسر، فلكي ينفسح فيه مجال التصور والإطلاق فيحتمل ما قاله المفسرون وما لم يقولوه، إذ التحديد هنا بكذا أو كيت من مفهوم اليسر، ينافي البيان القرآني الذي آثر إطلاق "يسر" بغير قيد ولا حد.
والعسر أشد المشقة والمكابدة.
وقد استعملت العربية العسر مادياً حسياً في أشد الضيق: فالعسر الناقة لم ترض، وعسرت المرأة ولادها، وعسرت الغريم إذا طلبت منه الدين على عسرته. ويأتي في القرآن وصفاً لليوم الآخر في شدته على الكافرين في آيات:
القمر ٨: ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ .
المدثر ٩: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ .
الفرقان ٢٦: ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ .
كما استعمله في حالات الشدة البالغة والعنت القاسي في آيات:
الليل ١٠: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ .
الطلاق ٦: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ .
الطلاق ٧: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ .
التوبة ١١٧: ﴿وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ .
الكهف ٣: ﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ .
стр. 58
وفي إرهاق المدين حين يطالب بالدين وليس معه مال:
البقرة ٢٨٠: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ .
وكثيراً ما يأتي اليسر في القرآن نقيضاً للعسر كما في آيات (الطلاق ٧، البقرة ١٨٥، ٢٨٠، المدثر ٩، الليل ٧، ١٠) و "الراغب" فسر كلاً اللفظين بأن أحدهما نقيض الآخر، واللغويون أيضاً فسروا العسر بنقيض اليسر، والمعاسرة ضد المياسرة، والمعسور ضد الميسور، والعسرى نقيض اليسرى. كما أطلقت العربية اليسر على الغنى، فقالوا أيسر الرجل إذا أستغنى، كما قالوا تيسر الأمر إذا سها وتهيأ على راحة وبلا معاناة. ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ .
﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ .
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ .
﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ .
وهذا القدر يكفينا في فهم ما يوحي به لفظ العسر عن ضنك وضيق وعنت، وإدراك الوقع القوي العميق لكلمة "يسر" في هذا المقام، بما تحمل هذه الكلمة من معاني الإرتياح والسهولة والفرج، على الإطلاق.
* * *
﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾
الفراغ في اللغة هو الخلو بعد امتلاء. يكون مادياً حسياً مثل: فرغ الإناء أي خلا بعد إمتلاء، ويكون معنوياً مثل: فرغ البال أي خلا مما كان يشغله، ومنه الآيات:
القصص ١٠: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾
الأعراف ١٢٦: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ .
والبقرة ٢٥٠: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ .
стр. 59
وفرغ للأمر توفر له وأخلى نفسه من كل ما عداه. ومنه آية الرحمن:
﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ .
وإذا، ظرف لما يستقبل من الزمان. والفاء - فيها، وفي: فانصب - ملحوظ فيها إلى جانب المسببية، الترتيب الذي يأتي على التعاقب. فالفراغ متصل السبب بما سبقه من شرح الصدر ووضع الوزر ورفع الذكر. كما يتصل به من ناحية أخرى، ما بعده من نصب.
والنصب ملحوظ فيه معنى الجهد والتعب، والقيام أو الشخوص. وكلا المعنيين - التعب والشخوص - أصيل في المادة، يقال: هم ناصب، أي مرهق مجهد. والحرب مناصبة، أي مجاهدة وعداء. ونصب العلم: أقامة شاخصاً، ونصب حول الحوض نصائب. وهي حجارة تكون عضداً له. والأنصاب الحجارة الشاخصة، كانوا ينصبونها ويصبون عليها دماء الذبائح، واحدها نُصْبٌ ونُصُب. ونصبته للأمر حميلته عبئه، ومنه المنصب يحتمل المرء عبئه.....
ومعنى الشخوص والإقامة. أوضح في آية الغاشية ١٩:
﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ .
ومعنى التعب والجهد متعين في آيات:
الكهف ٦٢: ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ .
التوبة ١٢٠: ﴿لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ﴾ .
فاطر ٣٥: ﴿لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ .
ومعها: الحجر ٤٨.
والضمير في آيتي فاطر والحجر عائد على الجنة، حيث لا يمس المؤمنين فيها نصب ولا لغوب.
ويبدو من صنيع "الراغب" أنه يميل إلى تفسير آية الشرح. بأن النصب فيها من النصيب، أي القسم المنصوب الشاخص، قال: "والنصيب الحظ
стр. 60
المنصوب أي المعين، قال تعالى: أم لهم نصيب من الملك، نصيباً من الكتاب، فإذا فرغت فانصب."
"والراغب" يلتفت إلى ما في معنى النصب من الشخوص. ونؤثر أن نلتفت إلى ما فيه كذلك من معنى الجهد والتعب، مستأنسين بكل الآيات التي ورد فيها "النصب" حيث لا نخطئ فيها جميعاً معنى الجهد والتعب. وبالتعب فسرها النيسابورى والشيخ محمد عبده. وبالإجتهاد والمتابعة والمواصلى فسرها الزمخشري.
والآية لم تحدد مم يكون هذا الفراغ وفيم يكون النصب، إكتفاء بدلالة السياق، وجرياً على مألوف البيان القرآني في السكوت عن التحديد في مقام الإطلاق. لكن المفسرين، على عادتهم، أبوا إلا أن يحددوا متعلق الفراغ والنصب، وقد جاءوا بأقوال منها:
* إذا فرغت من صلاتك فانصب إلى ربك في الدعاء وقضاء حاجاتك.
* إذا فرغت من جهاد عدوك فانصب في عبادة ربك.
* إذا فرغت من أمر الدنيا فانص، أي فصل.
وقد سرد الطبري هذه الأقوال الثلاثة، ثم عقب عليها بقوله: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال إن الله تعالى أمر نبيه أن يجعل فراغه من كل ما كان مشتغلاً به من أمر دنياه وآخرته (؟) إلى النصب في عبادته. ولم يخصص بذلك حالاً من أحوال فراغه جون حال، فسواء كل أحوال فراغه من صلاة أو جهاد أو أمر دنيا كان به مشتغلاً، لعموم الشرط في ذلك، من غير خصوصحال فراغ دون حال أخرى"
واختار الزمخشري: "فإذا فرغت من عبادة فأتبعها أخرى" وهو ما في تفسير الشيخ محمد عبده، مع مزيد تفصيل وإطناب.
стр. 61
ويتعين أن نصل الآية ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ بسياق الآيات قبلها، بحكم وجود "الفاء" الرابطة للآية بما قبلها.
الآية مسبوقة بتأكيد اليقين بأن هذا العسر يصحبه يسر لا محالة، والله منجز وعده لا ريب، وسيعقب هذا ما يعقبه من فراغ البال من الحيرة والضيق والكرب والضنك، بعد إذ من الله على عبده بأن شرح له صدره ووضع عنه وزره الذي أنقض ظهره، ورفع له ذكره.
فإذا لم يكن بد من تحديد متعلق الفراغ، فلسنا بحيث نطمئن إلى شيء فيه، غير ما سبقت به الآيات المحكمات: وهو أنه سبحانه قد أفرغ بال رسولع مما كان يجهده من حيرة ويثقله من وزر ينقض الظهر...... هو فراغ اليسر بعد العسر، والراحة النفسية بعد الشدة والكرب، فلينصب المصطفى لتكاليف رسالته وأعباء منصبه، بلاغاً لرساله ربه، وجهاداً في سبيلها.
* * *
﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ .
الرغب الميل والإرادة، يقال رغبت في الشيء إذا أردته وملت إليه، ورغبت عنه إذا لم ترده وزهدت فيه.
وربما كانت "السعة" أصلاً في المادة، كما قال "الراغب". فالحوض الرغيب: الواسع، والسقاء الرغيب كذلك، وفرس رغيب العدو أي واسع الخطو في عدوه، والرغب والرغبى السعة في الإرادة، والرغبة والرغيبة العطاء الواسع الكثير. ومن ملحظ الميل إلى ما هو واسع ورحب، في الحوض وعدو الفرس والعطاء، أضيف إلى السعة معنى الميل والإرادة، فكانت الرغبة في الشيء الميل إليه وإرادته، والرغبة عنه الإنصراف عنه والزهد فيه. وقد تزداد الرغبة فتطلق على الشره، ومنه قولهم "الرغب شؤم" يعنون الشره.
وفي الاستعمال القرآني، تأتي الرغبة في السياق الديني في مثل آيات:
البقرة ١٣٠: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ .
مريم ٤٦: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ .
стр. 62
التوبة ٥٩: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ .
القلم ٣٢: ﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾
النساء ١٢٧: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ .
التوبة ١٢٠: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ .
وجاء الرغب مع الرهب في آية الأنبياء ٩٠:
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ .
وجاءت في غير السياق الديني، بمعنى الميل القوي.
والملحظ البياني في قوله تعالى: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ هو في تقديم ﴿وَإِلَى رَبِّكَ﴾ على الفعل أرغب، وهو أسلوب بلاغي يفيد القصر والتخصيص، والإمام الطبري يقول: ﴿أجعل رغبتك إلى ربك دون من سواه من خلقه إذا كان هؤلاء المشركون من قومك قد جعلوا رغبتهم في حاجاتهم إلى الآلهة والأنداد".
وقال النيسابورى: "وأرغب إلى ربك في إنجاز المأمول لا إلى غيره، يعطك خير الدارين". وقال الشيخمحمد عبده: "لا ترغب إلى أحد في استثمار أعمالك إلا إلى الله وحده".
والآية ربطت بما قبلها بواو العطف، فلزم أن يكون التخصيص في "وإلى ربك فأرغب" مرتبطاً بما قبله، متصلاً به.
ووصل الآية بما قبلها، هو الذي يطرد به النسق وتتم وحدة السياق في السورة كلها فتتعلق رغبة المصطفى بالله وحده، الذي أفرغ بال رسوله مما كان يشغله من ضيق الصدر، ووضع عنه الوزر الذي أنقض ظهره، وبشره بيسر قريب، على وجه الذي لا شك فيه.
стр. 63
سورة الزلزلة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨) ﴾
صدق الله العظيم
стр. 64
السورة في وصف اليوم الآخر.
وهي مدنية مبكرة، سادسة السور المدنية على المشهور في ترتيب النزول. وثمة قول بأنها مكية، عن مجاهد وإبن عباس، وعن الضحاك وعطاء.
ومعروف أن عناية القرآن الكريم أتجهت في العهد المكي إلى تقرير أصول الدعوة وفي العهد المدني إلى التشريع وبيان الأحكام.
ولا يعني هذا أن تخلو السور المكية من أحكام تشريع، ولا أن تخلو المدنية من أصول عامة للعقيدة، مثل سورة الزلزلة التي نستأنس لها بنظائرها من السور المكية في اليوم الآخر، مثل سور:
الذاريات، التكوير، الإنفطار، الإنشقاق، الغاشية، القارعة، التكاثر، العاديات، الفجر، النازعات، النبأ، المرسلات، القيامة، المعارج، الحاقة، الواقعة....
ومن الملاحظ البيانية العامة في هذه السور:
* أن آياتها قصار، وهذا القصر ملحوظ فيه القوة والجزم، بما يلقى في نفس السامع من جدية الموقف الحاسم وخطره، بحيث لا يحتمل الإطالة والتأني.....
* وفيها مع ذلك، ظاهرة التكرار. والتكرار مألوف في مواقف الإطناب والإطالة، لكنه حين يأتي في مواقف الإيجاز الحاسمة، يكون لافتاً ومثيراً، ففي سورة الزلزلة، على إيجازها وقسر آياتها، نجد التكرار في ثمانية مواضع. وذه ظاهرة أسلوبية في القرآن الكريم، يعمد لإيها إلى التكرار مع الإيجاز والقصر، ترسيخاً وتقريراً وإقناعاً. والدارسة النفسية قد انتهت بعد طول التجارب، إلى أن مثل هذا الأسلوب هو أقوى أساليب الترسيخ والإقناع، وأشدها إيحاء بالحسم والجد.
стр. 65
والألفاظ المختارة لموقف القيامة، بالغة الإثارة قوية الوقع إما بعنفها كالزلزلة، والرج، والدك، والنسف، والرجف، والمور، والصيحة والإنشقاق، والطامة، والغاشية، والواقعة، والبعثرة والانتثار.
وإما بدقتها، كمثال الذرة، والهباء المنبث، والعهن المنفوش، والفراش المبثوث، والسراب والدخان.....
* وظاهرة بيانية أخرى مطردة، قل أن نخطئها في أحداث اليوم الآخر، وهي أن القرآن الكريم يصرف الحدث عمداً عن محدثه، فلا يسنده إليه، وإنما يأتي به مبنياً للمجهول، أو مسنداً إلى غير فاعله، على المطاوعة أو المجاز:
﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ .
﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً....﴾
﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ .
﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (١٨) وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (١٩) وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا....﴾
﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨) وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (٩) وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ.....﴾
﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠) وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (١١) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ .
﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ .
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ .
стр. 66
﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ .
﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ .
﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ .
﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾ .
﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ .
﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾ .
وقد شغل أكثر المفسرين والبلاغيين بتأويل الفاعل، عن الالتفات إلى إطراد هذه الظاهرة الأسلوبية. في أحداث القيامة.
وفي منهجنا لا يجوز أن نتأول الفاعل، مع وضوح العمد في البيان القرآني إلى صرف النظر عنه، ولا أن نتعلق بما لم يشأ لنا الكتاب المحكم أن نتعلق به. وقد هدى تدبر هذه الظاهرة الأسلوبية، إلى أن البناء للمجهول تركيز للإهتمام بالحدث، بصرف النظر عن محدثه. وفي الإسناد المجازي أو المطاوعة، تقرير لوقوع الأحاث في طواعية تلقائية، إذ الكون مهيأ للقيامة على وجه التسخير، والأحداث تقع تلقائياً لا تحتاج إلى أمر أو فاعل.
* * *
﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ .
الزلزلة في اللغة، الحركة العنيفة والإضطراب الشديد: استعمل في الحسيات، فقيل" زلزل الإبل ساقها بعنف حتى يضطرب سيرها. وتزلزت الأرض، أهتزت وإرتجفت. ثم استعمل في الشدائد والأهوال. وربما كان الأصل فيه: زلت الصفاة، أي ملست حتى تنزل القدم عليها مضطربة.
стр. 67
وفي القرآن الكريم، وردت المادة، فعلاً ومصدراً ست مرات: ثلاثاً منها في وصف يوم الهول الأكبر، في آية الزلزلة، وآية الحج ١:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ .
وثلاثاً في وصغ موقف الشدة القاسية والذعر البالغ في هول الحرب بآيات:
الأحزاب ١١: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدً﴾ .
البقرة ٢١٤: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ .
وفي المرات الثلاث التي استعمل فيها الفعل، جاء ماضياً مبنياً للمجهول.
قال مفسرون: إن الفاعل حذف للعلم به، غير ملتفتين إلى أنها ظاهرة أسلوبية مطردة في أحداث اليوم الآخر، وقد شغلهم الصنعة البلاغية، عن الالتفات إلى ما في القرآن من أفعال لاتحصى، بنيت للمعلوم مسندة إلى الله تعالى، مع العلم بالفاعل يقيناً، فهو سبحانه خلق السموات والأرض، ونزل القرآن على عبده، يهدي من يشاء ويضل من يشاء، والله يروق من يشاء بغير حساب، ويعلم الغيب، والرحمن علم القرآن، خلق الإنسان علمه البيان..... مما يؤنس إلى أن العلم بالفاعل ليس هو السر البياني في بناء ﴿زُلْزِلَتِ﴾ للمجهول، وإنما هي كما قلنا آنفاً، ظاهرة أسلوبية تطرد في مثل هذا الموقف، تركيزاً للإهتمام في الحدث ذاته، وإيحاء بأن الأرض تزلزل عن طواعية، وإستجابة لتسخير تلقائي......
ومجيء الفعل ماضياً، تقرير لأنه حادث فعلاً. وقد صدر بإذا، فصرفته إلى المستقبل دون أن يفقد التعبير أثره الذي يوحى به استعمال الماضي، بدلاً من المستقبل الصريح. على أن المباغتة في ﴿إذا﴾ لها اثرها في هذا الموقف،
стр. 68
وهذه أيضاً ظاهرة أسلوبية، تسيطر على الحديث عن اليوم الآخر، الذي يأتي بغتة، إمعاناً في الترهيب، على ما سوف نفصله عند تفسير آية النازعات:
﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ .
وندع لغيرنا من المفسرين، أن يشتغلوا بتسوية الصنعة الإعرابية، فيلتمسوا عاملاً مضمراً في إذا، تقديره عند بعضهم: اذكر، وعند آخرين: تحشرون. أي: يوم تزلزل الأرض زلزالها تحشرون.
لأن سر البيان وراء كل هذا، ولأن مناط القوة في التعبير هو بغتة المفأجاة، وتأكيد الحدث، وصرف الذهن إليه، ولا شيء من ذلك يتعلق بما شغلوا به من تأول وتقدير.......
وقرأ الجمهور ﴿زِلْزَالَهَا﴾ بكسر الزاى وهي قراءة الأئمة السبعة، وفي قراءة بفتحها، والفرق بينهما أن المكسور مصدر، والمفتوح اسم، وليس في الأبنية - كما قالوا - فعلال بالفتح إلا في المضاعف.
والمصدرية أولى بالمقام، لما فيها من تأكيد يلائم السياق. ويؤيده تعين المصدرية في الآية الأخرى التي استعمل فيها القرآن هذه الصيغة، وهي آية
الأحزاب ١١: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ .
وإضافة الزلزال إلى ضمير الأرض، متسق مع التلقائية الملحوظة في هذه الآية وما بعدها من إخراج الأرض أثقالها وتحدثها أخبارها. وفيها أيضاً لفت إلى المعهود المعروف من الزلزلة. ولا بأس بما قاله الزمخشري هنا من أنه "زلزالها الشديد الذي ليس بعده زلزال" وقول أبي حيان: "وأضيف الزلزال إلى الأرض، إذا المعنى زلزالها الي تستحقه ويقتضيه جرمها وعظمها..... ولو لم يضف لصدق على كل قدر من الزلزال وإن قل، والفقر بين أكرمت زيداً كرامة وكرامته، واضح".
стр. 69
﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ .
جعل الأرض هنا فاعلة. وهي جماد، مضياً في تقرير مطاوعتها، وكونها مسخرة لمثل هذا. والسياق ملتئم مع الآية قبلها، من حيث تركيز الإهتمام على الحدث، دون شغل للسامع بمصدره أو محدثه.
وتكرار الأرض هنا مقصود، لترسيخ اليقين، والإقناع النفسي.
والأثقال جمع ثقل، وهو الحمل الشديد. واللغويون والمفسرون، متفقون على أن الثقل هنا نقيض الحفة ونص "الراغب" على أن أصل استعماله في الأجسام ثم في المعاني. فمن الأول: أثقلت المرأة فهي مثقل، ثقل حملها في بطنها. ومن الثاني: أثقله الهم والغرم والدين، والوزر.
وجاءت "الأثقال" في القرآن في ثلاث آيات: آية النحل ٧، والثقل فيها مادي، فيما تحمل الأنعام:
﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ .
وآية العنكبوت ١٣، والثقل فيها معنوي:
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٢) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ .
وآية الزلزلة: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ .
فما هذه الأثقال التي تخرجها الأرض إذا زلزلت زلزالها؟
ذهب الزمخشري في (الكشاف) إلى أن الأثقال هي ما في جوفها من الدفائن
стр. 70
والكنوز. ونص في (الأساس) على أن هذا من المجاز، جعل ما في جوفها من الجفائن أثقالاً لها.
وفي (البحر المحيط) مما قيل في الآية، أن أثقالها كنوزها وموتاها.
ثم رد هذا الكنوز تخرج وقت الدجال (!) لا يوم القيامة، أما الموتى فتخرج يوم القيامة: وأبعدوا في التأول، فجعلوا للزلزال في الآية وقتين: في أولهما أخرجت كنوزها، وفي الثاني أخرجت موتاها!
وأكتفى "الطبرسي" في تفسير الأثقال بالموتى.
وقال "الراغب": قيل كنوزها، وقيل ما تصمنته من أجساد البشر، عند الحشر والبعث.
ولا نقف عندما لم يتعلق القرآن بذكره، بل يلفتنا في إخراج الأثقال هنا ما توحى به من إندفاع للتخلص من الثقل الباهظ، فالمثقل يتلهف على التخفف من حمله، ويندفع فيلقيه حين يتاح له ذلك. والأرض إذ تخرج أثقالخا تفعل ذلك كالمدفوعة برغبة التخفف من هذا الذي يثقلها، عندما حان الأوان. ونستأنس في هذا الفهم بقوله تعالى في سورة الإنشقاق:
﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾ . هكذا بغير إنتظار أو تمهل..... وهل تمسك المثقل حملها حين يأتي أوانه؟ وهل يتردد ذو حمل ثقيل، في إلقائه والتخلي عنه إذا أتيح له ذلك؟
والتأويل بـ: وأخرجت الأرض ما في جوفها، يضيع به هذا الإيحاء المثير، اللافت إلى المعهود من لهفة ذي الحمل الثقيل على التخلي عما يئوده ويبهظه.
ويلفتنا أيضاً، إسناد الإخراج مجازاً إلى الأرض، مع ﴿زُلْزِلَتِ﴾ على البناء للمجهول، مضياً في تقرير تلقائية الحدث، كأنه في غير حاجة إلى محدث، وتركيزاً للإنتباه فيه.
* * *
стр. 71
﴿وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا﴾
السؤال واضح فيه معنى العجب والدهشة، والخوف والقلق والترقب. لكن من المفسرين - كما في الجلالين - من ذهب إلى أن الاستفهام إنكاري. وهو ما لانرى وجهاً له فإن الموقف لم يعد يحتمل الإنكار وقد قامت القيامة فعلاً، بعد أن سبقت بها النذر، وتتابعت بأنبائها رسالات الدين.
والإنسان هنا هو الإنسان، على الإطلاق، تروعه الزلزلة العنيفة وما أعقبها من لإخراج الأرض أثقالها، فيسأل في دهشة وتعجب: مالها!
لكن عدداً من المفسرين ذهبوا إلى أن ﴿الإنسان هنا هو الكافر، لأنه كان لا يؤمن بالبعث، فأما المؤمن فيقول: هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون".
جاء هذا التأويل في تفاسير (الكشاف، ومجمع البيان، والجلالين) وصرح "أبو حيان" في (البحر) بأن هذا هو مذهب الجمهور، ونص عبارته:
"والظاهر عموم الإنسان، وقيل: ذلك الكافر لأنه يرى ما لم يقع في ظنه قط ولا صدقه: والمؤمن - وإن كان مؤمناً بالبعث فإنه أستهول المرأى..... قال الجمهور: الإنسان هو الكافر، يرى ما لم يظن".
ولسنا نرى وجهاً لتخصيص الإنسان هنا بالكافر، فاللغة لا تعين على هذا التخصيص، والاستعمال القرآني للفظ الإنسان لا يؤيده. ثم هو تخصيص لا يقوى به المعنى، فلأن تكون رجة الزلزلة وهول الموقف، مما يروع الإنسان على الإطلاق، كافراً كان أو مؤمناً، أقوى من أن يقتصر الدهش والعجب على الكافر وحده.
ويؤنس إلى هذا الإطلاق والتعميم، قوله تعالى في وصف الزلزلة، في آية الحج:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ .
стр. 72
تذهل كل مرضعة، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس، عاكة الناس، لا الكفار وحدهم!
* * *
﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ .
أي يوم يحدث ذلك، تحدث الأرض أخبارها.
وسر التعبير بيومئذ هنا، أنه لفت قوي يستحضر معه السامع ما مضى من وصف اليوم، فلا يتابع ما بعد ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ منصرفاً عما قبلها، مستقلاً عنه.
وتحدث الأرض، مما وقف المفسرون عنده طويلاً: فالإمام الطبري يذهب إلى أن تحدث الأرض هنا تمثيل. أي أن حالها وما يقع فيها من الإنقلاب غير المعهود، يعلم السائل ويفهمه الخبر. وتابعه على ذلك جماعة منهم الزمخشري إذ يقول في الكشاف: "والتحدث مجاز عن إحداث الله تعالى فيها من الأحوال ما يقوم مقام التحديث باللسان". ومثله في تفسير الشيخ محمد عبده لسورة الزلزلة من جزء عم.
وذهب آخرون، إلى أن التحدث حقيقة لا مجاز، ففي (سنن إبن ماجه) : "تقول الأرض يوم القيامة: يارب هذا ما استودعتني". وعن إبن مسعود: "تحدث الأرض بقيام الساعة إذا قال اإنسان: مالها؟ فتخبر أن أمر الدنيا قد أنقضى، وأن أمر الآخرة قد أتى، فيكون ذلك جواباً لهم عن سؤالهم".
وقال "الطبرسي" في مجمع البيان:
"يجوز أن يكون الله تعالى أحدث الكلام فيها، ويجوز أن يقلبها حيواناً يقدر على النطق، ويجوز أن يظهر فيها ما يقوم مقام الكلام".
وجاء في الكشاف: "وقيل ينطقها الله على الحقيقة، وتخبر بما عمل عليها من خير وشر"
ويبدو أن هذا هو ما اطمأن إليه "أبو حيان"، بقوله في البحر المحيط:
"الظاهر أنه تحديث وكلام حقيقة، بأن يخلق فيها حياة وإدراكاً فتشبه
стр. 73
بما عمل عليها من صالح أو فاسد. وهو قول إبن مسعود والثوري وغيرهما..... ويشهد له ما جاء في "الترمذي" عنه ﷺ ، أنه قرأ هذه الآة ثم قال: "أتدرون ما أخبارها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. فقال: إن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها، تقول عمل كذا يوم كذا وكذا. هذه أخبارها" هذا حديث حسن صحيح غريب".
والبيان القرآني المعجز لا ينطق الجماد الأصم فحسب، بل يجرد منه كذلك شخصية حية، فاعلة ناطقة، مريدة مدركة:
﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ ؟ ق: ٣٠
﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦) تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى﴾ المعارج: ١٧
﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ الفرقان: ١٢
﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (٧) تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ الملك: ٧
والتفت المفسرون إلى ما تقتضيه الصنعة النحوية من تقدير مفعول ثان للفعل ﴿تُحَدّث﴾ الذي يتعدى إلى أثنين. وعند أبي حيان أن المحذوف أو لهما، أي تحدث الناس أخبارها.
ونرى القرآن قد بينه بما يغني عن اي تأويل:
﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ .
والإيحاء عند "الزمخشري" مجاز، كقوله تعالى: ﴿أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ .
وقال الطبرسي في مجمع البيان: "أوحى لها، أي ألهمها وعرفها بأن تحدث أخبارها".
* * *
стр. 74
وبمعنى الوسوسة، وفيها السر والخفاء، في آيتي الأنعام ١١٢، ١٢١:
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ .
وقال الشيخ محمد عبده: "الوحي هم الأمر الإلهي الخاص، قال لها: كوني خراباً، كما قال لها عند إيجادها: كوني أرضاً. فهذا أمر من الأوامر التكوينية التي هي تعلق القدرة الإلهية بما هو أثر لها".
وهي أقوال متقاربة ومقبولة وإن لم يكف تفسير الوحي بالأمر، أو القول، لتبين أثر اللفظ في المعنى، و"الراغب" كان أقرب إلى حس العربية وهدى القرآن حين قال: "الوحي الإشارة السريعة مع الخفاء، فإن كان الموحي إليه حياً فهو إلهام، وإن كان جماداً فهو تسخير".
فالعربية قد استعملت الوحي بمعنى السرعة، فقالت: الوحي الوحي، أي البدار البدار. ومن أمثالهم: الموت بالسيف أوحى، أي أسرع وأحسم.
ولحظ مع السرعة الخفاه، فقيل وحي إليه، أشار وكلمه سراً. ومن الخفاء والسرعة الملحوظين في المادة، جاء الوحي بمعنى الإلهام بملحظ من خفاء مصدره وسرعة حدوثه.
والقرآن استعمل الوحي في خفي الإلهام في:
آية الشورى ٥١: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ .
وآية القصص ٧: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ .
стр. 75
"وقيل الموحى إليه محذوف، أي أوحى إلى ملائكته المصرفين أن تفعل بالأرض تلك الأفعال، واللام في (لها) للسبب، أي من أجلها ومن حيث
﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾
وبمعنى التسخير في آية النحل ٦٨:
﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ .
على أن أكثر استعمال الوحي في القرآن، فيما يلقيه الله إلى أنبيائه.
وفي آية الزلزلة، ليس الوحي بمعنى الأمر، لأن الأمر يقتضي توجيه الحديث ويعوزه ما للوحي من دلالة السرعة والخفاء، وإنما الوحي يكفى منه إيداع القوة فيها، مما هو أنسب لجو التسخير والمطاوعة المسيطر على الموقف.
وعدى الفعل "أوحى" باللام، وهو ما لفت المفسرين واللغويين، لأن المشهور تعديتها بإلى.
ونرجع إلى القرآن الكريم، فنراه استعمل الفهل إحدى وسبعين مرة:
في مرتين منها، لم يصرح بالموحي إليه:
النجم ٤: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ .
الشورى ٥١: ﴿فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ .
وفي سبع وستين مرة، تعدى الفعل بـ: إلى.
ومرة واحدة تعدى بـ: في، بآية فصلت ١٢:
﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾
وفي آية الزلزلة وحدها تعدى الفعل باللام.
قال أبو حيان: وعدى أوحى باللام، وإن كان المشهور تعديتها بإلى، لمراعاة الفواصل.....
следующие страницы →