← Тафсир

Тафсир · id 1389

التفسير البياني للقرآن الكريم

عائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ

Полный текст (373 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

﴿وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا﴾ السؤال واضح فيه معنى العجب والدهشة، والخوف والقلق والترقب. لكن من المفسرين - كما في الجلالين - من ذهب إلى أن الاستفهام إنكاري. وهو ما لانرى وجهاً له فإن الموقف لم يعد يحتمل الإنكار وقد قامت القيامة فعلاً، بعد أن سبقت بها النذر، وتتابعت بأنبائها رسالات الدين. والإنسان هنا هو الإنسان، على الإطلاق، تروعه الزلزلة العنيفة وما أعقبها من لإخراج الأرض أثقالها، فيسأل في دهشة وتعجب: مالها! لكن عدداً من المفسرين ذهبوا إلى أن ﴿الإنسان هنا هو الكافر، لأنه كان لا يؤمن بالبعث، فأما المؤمن فيقول: هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون". جاء هذا التأويل في تفاسير (الكشاف، ومجمع البيان، والجلالين) وصرح "أبو حيان" في (البحر) بأن هذا هو مذهب الجمهور، ونص عبارته: "والظاهر عموم الإنسان، وقيل: ذلك الكافر لأنه يرى ما لم يقع في ظنه قط ولا صدقه: والمؤمن - وإن كان مؤمناً بالبعث فإنه أستهول المرأى..... قال الجمهور: الإنسان هو الكافر، يرى ما لم يظن". ولسنا نرى وجهاً لتخصيص الإنسان هنا بالكافر، فاللغة لا تعين على هذا التخصيص، والاستعمال القرآني للفظ الإنسان لا يؤيده. ثم هو تخصيص لا يقوى به المعنى، فلأن تكون رجة الزلزلة وهول الموقف، مما يروع الإنسان على الإطلاق، كافراً كان أو مؤمناً، أقوى من أن يقتصر الدهش والعجب على الكافر وحده. ويؤنس إلى هذا الإطلاق والتعميم، قوله تعالى في وصف الزلزلة، في آية الحج: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ .

стр. 72

تذهل كل مرضعة، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس، عاكة الناس، لا الكفار وحدهم! * * * ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ . أي يوم يحدث ذلك، تحدث الأرض أخبارها. وسر التعبير بيومئذ هنا، أنه لفت قوي يستحضر معه السامع ما مضى من وصف اليوم، فلا يتابع ما بعد ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ منصرفاً عما قبلها، مستقلاً عنه. وتحدث الأرض، مما وقف المفسرون عنده طويلاً: فالإمام الطبري يذهب إلى أن تحدث الأرض هنا تمثيل. أي أن حالها وما يقع فيها من الإنقلاب غير المعهود، يعلم السائل ويفهمه الخبر. وتابعه على ذلك جماعة منهم الزمخشري إذ يقول في الكشاف: "والتحدث مجاز عن إحداث الله تعالى فيها من الأحوال ما يقوم مقام التحديث باللسان". ومثله في تفسير الشيخ محمد عبده لسورة الزلزلة من جزء عم. وذهب آخرون، إلى أن التحدث حقيقة لا مجاز، ففي (سنن إبن ماجه) : "تقول الأرض يوم القيامة: يارب هذا ما استودعتني". وعن إبن مسعود: "تحدث الأرض بقيام الساعة إذا قال اإنسان: مالها؟ فتخبر أن أمر الدنيا قد أنقضى، وأن أمر الآخرة قد أتى، فيكون ذلك جواباً لهم عن سؤالهم". وقال "الطبرسي" في مجمع البيان: "يجوز أن يكون الله تعالى أحدث الكلام فيها، ويجوز أن يقلبها حيواناً يقدر على النطق، ويجوز أن يظهر فيها ما يقوم مقام الكلام". وجاء في الكشاف: "وقيل ينطقها الله على الحقيقة، وتخبر بما عمل عليها من خير وشر" ويبدو أن هذا هو ما اطمأن إليه "أبو حيان"، بقوله في البحر المحيط: "الظاهر أنه تحديث وكلام حقيقة، بأن يخلق فيها حياة وإدراكاً فتشبه

стр. 73

بما عمل عليها من صالح أو فاسد. وهو قول إبن مسعود والثوري وغيرهما..... ويشهد له ما جاء في "الترمذي" عنه ﷺ ، أنه قرأ هذه الآة ثم قال: "أتدرون ما أخبارها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. فقال: إن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها، تقول عمل كذا يوم كذا وكذا. هذه أخبارها" هذا حديث حسن صحيح غريب". والبيان القرآني المعجز لا ينطق الجماد الأصم فحسب، بل يجرد منه كذلك شخصية حية، فاعلة ناطقة، مريدة مدركة: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ ؟ ق: ٣٠ ﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦) تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى﴾ المعارج: ١٧ ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ الفرقان: ١٢ ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (٧) تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ الملك: ٧ والتفت المفسرون إلى ما تقتضيه الصنعة النحوية من تقدير مفعول ثان للفعل ﴿تُحَدّث﴾ الذي يتعدى إلى أثنين. وعند أبي حيان أن المحذوف أو لهما، أي تحدث الناس أخبارها. ونرى القرآن قد بينه بما يغني عن اي تأويل: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ . والإيحاء عند "الزمخشري" مجاز، كقوله تعالى: ﴿أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ . وقال الطبرسي في مجمع البيان: "أوحى لها، أي ألهمها وعرفها بأن تحدث أخبارها". * * *

стр. 74

وبمعنى الوسوسة، وفيها السر والخفاء، في آيتي الأنعام ١١٢، ١٢١: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ . وقال الشيخ محمد عبده: "الوحي هم الأمر الإلهي الخاص، قال لها: كوني خراباً، كما قال لها عند إيجادها: كوني أرضاً. فهذا أمر من الأوامر التكوينية التي هي تعلق القدرة الإلهية بما هو أثر لها". وهي أقوال متقاربة ومقبولة وإن لم يكف تفسير الوحي بالأمر، أو القول، لتبين أثر اللفظ في المعنى، و"الراغب" كان أقرب إلى حس العربية وهدى القرآن حين قال: "الوحي الإشارة السريعة مع الخفاء، فإن كان الموحي إليه حياً فهو إلهام، وإن كان جماداً فهو تسخير". فالعربية قد استعملت الوحي بمعنى السرعة، فقالت: الوحي الوحي، أي البدار البدار. ومن أمثالهم: الموت بالسيف أوحى، أي أسرع وأحسم. ولحظ مع السرعة الخفاه، فقيل وحي إليه، أشار وكلمه سراً. ومن الخفاء والسرعة الملحوظين في المادة، جاء الوحي بمعنى الإلهام بملحظ من خفاء مصدره وسرعة حدوثه. والقرآن استعمل الوحي في خفي الإلهام في: آية الشورى ٥١: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ . وآية القصص ٧: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ .

стр. 75

"وقيل الموحى إليه محذوف، أي أوحى إلى ملائكته المصرفين أن تفعل بالأرض تلك الأفعال، واللام في (لها) للسبب، أي من أجلها ومن حيث ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ وبمعنى التسخير في آية النحل ٦٨: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ . على أن أكثر استعمال الوحي في القرآن، فيما يلقيه الله إلى أنبيائه. وفي آية الزلزلة، ليس الوحي بمعنى الأمر، لأن الأمر يقتضي توجيه الحديث ويعوزه ما للوحي من دلالة السرعة والخفاء، وإنما الوحي يكفى منه إيداع القوة فيها، مما هو أنسب لجو التسخير والمطاوعة المسيطر على الموقف. وعدى الفعل "أوحى" باللام، وهو ما لفت المفسرين واللغويين، لأن المشهور تعديتها بإلى. ونرجع إلى القرآن الكريم، فنراه استعمل الفهل إحدى وسبعين مرة: في مرتين منها، لم يصرح بالموحي إليه: النجم ٤: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ . الشورى ٥١: ﴿فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ . وفي سبع وستين مرة، تعدى الفعل بـ: إلى. ومرة واحدة تعدى بـ: في، بآية فصلت ١٢: ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ وفي آية الزلزلة وحدها تعدى الفعل باللام. قال أبو حيان: وعدى أوحى باللام، وإن كان المشهور تعديتها بإلى، لمراعاة الفواصل.....

стр. 76

الأفعال فيها، وإذا كان الإيحاء إليها أحتمل أن يكون وحي إلهام، وأحتمل أن يكون برسول من الملائكة". أما "إبن هشام" النحوي فجاء بالآية شاهداً على أن اللام تأتي موافقة لإلى، كما تأتي موافقة لـ: على، وفي، وعند، وبعد، وعن، ومع، بشواهد على هذا كله من فصيح العربية. ونرجئ النظر فيما قالوا لنتدبر صنيع الفرآن، فيما استقرأنا من مواضع استعماله للفعل، فنرى أن الوحى به يتعدى إليه الفعل بنفسه. أما الموحي إليه، فيتعدى الفعل إليه بحرف إلى، إذا كان من الأحياء، باستقراء الآيات السبع والستين التي جاء الوحي فيها بإلى، ومنها آية النحل ٦٨: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا﴾ . أما الجماد فلا يتعدى الوحي إليه بحرف إلى، بل بحرف في: ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ . أو باللام، في آية الزلزلة: ﴿أَوْحَى لَهَا﴾ : ويلتمس تعيين دلالة الحرف، بالسياقين: ففي السماء ﴿أَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ أي بث فيها، ما به نظامها، فعدى الفعل بـ (في) الظرفية التي تدل على التمكين ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ . وفي الأرض، عدى الفعل باللام. وقد قال إبن هشام في المعنى: "إن اللام تقوم مقام إلى" واستشهد بآية الزلزلة.

стр. 77

وهو مذهب عامة النحاة، ويراه خاصة من فقهاء العربية مبطلاً لحقيقة اللغة: من حيث لا يمكن أن تؤدى وظيفتها في التعبير والبيان، إذا أختلطت الدلالات ولم يتميز حرف عن حرف. وما قالوه، في أن هذا لمراعاة الفواصل، غير مقبول هنا، أو حينما قالوه في القرآن، لأننا لا نسلم، بل لا نعرف أن هذا البيان المعجز، يؤثر كلمة على غيرها لمجرد ملحظ لفظي لا يقتضيه المعنى. ووالقول بأن "الموحي إليه محذوف، أي أوحي إلى ملائكته" معناه أن الموقف يحتاج إلى وساطة لإيصال الإيحاء إلى الأرض. وهو ما يأباه السياق الذي يقتضي عكس ذلك: فمع بناء "زلزلت الأرض" للمجهول، ومع قوة الفاعلية المستفادة صراحة من إسناد الإخراج والتحدث والزلزلة إلى الأرض، لا وجه لتقدير وساطة الملائكة، لإيصال الإيحاء إلى الأرض التي زلزلت زلزالها، وأخرجت أثقالها، وتحدث أخبارها. فالبيان يقوم على قوة هذه الفاعلية في تصوير هول الموقف الذي يدهش له الإنسان فيقول في عجب وقلق: مالها؟! فاقتضى أن يأتيه الجواب ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ تحدث به الأرض نفسها تلقائياً، فالإيحاء هنا للأرض مباشرة ليلائم إسناد التحدث إلى الأرض، وسر قوته في هذه التلقائية المباشرة على وجه التسخير. ومن هنا كان إيثار التعدية باللام، لما في معنى اللام من اختصاص، وإلصاق، وصيرورة، وتقوية الإيصال، وهي معان عرفها اللغويون أنفسهم فيها، وعدةها فيما عدوا من معانيها التي أحصاعا "إبن هشام" في (مغنى اللبيب) وإن لم يلتفتوا إليها هنا في البيان القرآني، بل قالوا إن اللام تقوم مقام إلى، بشاهد من آية الزلزلة: أَوْحَى لَهَا. * * * ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ يومئذ: كرة راجعة إلى ما قبل، يصل بها القرآن مشاهد الموقف، ويرد السامع إلى ما سبق من آيات، ويستعيد ما استقر في خاطره من نذر.

стр. 78

وأكثر المفسريمن على أن ﴿يَصْدُرُ النَّاسُ﴾ هنا بمعنى يخرجون من القبور "الزمخشري" ومنهم من يقول بأن معناها: ينصرفون من موقف الحساب، كما في (تفسير الجلالين، ومجمع البيان للطبرسي) . وتفسير يصدر بـ: يخرج أو ينصرف، يفوته إيحاء الكلمة في حس العربية التي استعملت الصدر مقابلا للورد، والعرب قد ألفوا استعماله كذلك، وجرت أمثالهم بأن الوارد يجب أن يعرف كيف يصدر، وإلا ضاع. قال شاعرهم: وأحرم الناس من لو مات من ظمأ لا يقرب الورد حتى يعرف الصدرا من ثم لا أجد ما يفسر به الصدر في آية الزلزلة، إلا نقيض الورد، لأن في ربطهما سر الدلالة الموحية بأن الحياة الدنيا ليست بدار مقام، وإنما هي رحلة نجتازها ولابد من تأميد طريق العودة والصدر. ولا يمكن أن يغني عن "يصدر" في هذا الموقف، أي لفظ آخر أو يقوم مقامه، إذ تتمثل لهم به الدنيا مورداً يجب أن يؤمنوا الصدر عنه. والقرآن قد استعمل اللفظ نفسه، بصريح مقابلته لورد الماء، في قصة موسى وابنى شعيب بآية القصص ٢٣: "وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ". وبهذه الآية نستأنس في فهم آية الزلزلة على أن الصدر مقابل الورد، وأبو جيان، قد صرح بأن "الصدر يكون عن ورد" وعقب على هذا بقول الجمهور: هو كون الناس في الأ ﴿ض مدفونين، والصدر قيامهم للعبث.

стр. 79

وكذلك حام "الراغب" حول ما فهمناه من معنى يصدر، حين جاء بها مقترنة بالصدر عن الماء، لكنه فسرها بعد ذلك بالانصراف فقال: "وإذا عدى صدر بعن، اقتضى الانصراف" تقول: صدرت الإبل عن الماء صدراً، وقال تعالى: "يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا". وقال الشيخ محمد عبده: صدر عن المدينة، أي سافر منها. ثم فسر "يَصْدُرُ النَّاسُ" بقوله: يذهب الناس. ولا نطمئن إلى شيء في تفسير الصدر إلا أنه مقابل الورد: يكون عن ماء كما في آية القصص، وعن الحياة الدنيا كما في آية الزلزلة ولم يستعمل القرآن الصدر إلا في هاتين الآيتين. وكونهم يصدرون "أشتاتاً" أي متفرقين، أدعى للحيرة والخوف والرهبة، إذ مع الجماعة يكون نوع من الأنس والإلف، لا يتاح مثله مع التشتت والتفرق، ولا سيما في موقف الهول الأكبر. وأشتات: جمع شت، والشت والشتات في اللغة التفرق والاختلاف. وقد وردت المادة في خمسة مواضع من القرآن. ثلاثة منها بصيغة شتى: طه ٥٣: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾ . الليل ٤: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ الحشر ١٤: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ . والمرتان الأخريان بصيغة أشتات، منصوبة على الحال: آية الزلزلة، والنور ٦١: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ .

стр. 80

ومعنى التفرق، المقابل للتجمع، واضح في الآيتين، أما شتى غالملحوظ فيها التنوع والاختلاف. وبالتفرق، فسر "الراغب" أشتاتاً في آية الزلزلة، وهو ما يعطيه اللفظ من قرب، وتؤيده آية النور، كما يؤيده أن القرآن استعمل في وصف الموقف نفسه، البعثرة والإنتشار، والبث: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ﴾ . ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ . ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ . ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ . ولكن كثيراً من الفسرين، ذكروا في تأويل أشتات أقوالاً بعيدة، لا يعين عليها الحس اللغوي للمادة، والاستعمال القرآني لأشتات، وما يؤنس إليه وصفه للخروج في الموقف نفسه بالبعثرة، كأن الناس جراد منتشر أو فراش مبثوث. فالومخشري يقول في الكشاف: "أشتاتاً: بيض الوجوه أو سود الوجوه فزعين. أو يصدرون عن الموقف أشتاتاً يتفرق بهم طريقاُ الجنة والنار". وأظنه ما يفهم من قول أبي حيان في (البحر المحيط) : "أشتاتاً، جمع شت، أي فرقاً". والطبرسي في (مجمع البيان) يذهب إلى أن أشتاتاً: "يرجع الناس عن موقف الحساب بعد العرض: أهل الإيمان على حدة، وأهل كل دين على حدة". والشيخ محمد عبده يفسره بأن الناس يذهبون "على اختلافهم، شقيهم وسعيدهم، محسنهم ومسيئهم". وما نرى هذه التأويلات، تعود على المعنى بشيء ذي بال، وإنما تقوي الإثارة والتلاهيب والردع، حين يكون من التشتت بمعنى التفرق والبعثرة والإنتشار، بما تقتضيه طبيعة الموقف من اضطراب، ولما يكون مع التشتت من فقدان الأنس

стр. 81

بالجماعة والتماس نوع من الأملن، ولو على سبيل الوهم. في الصحبة والتجمع. وهم يصدرون أشتاتاً ﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ . وفي قراءة: لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ، على البناء للمعلوم، ولكن الجمهور على قراءة الأئمة بالبناء للمجهول، وهي الظاهرة على السياق، تركز الإنتباه كله في الموقف: يصدر فيه الناس أشتاتاً، متقودين إلى الحشر. * * * ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ . المثقال ما يوزن به، وقد ورد اللفظ في القرآن ثماني مرات أضيف في اثنين منها إلى حبة من خردل: الأنبياء ٤٧: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ . لقمان ١٦: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ . والسياق في الآيتين يرجح، والله أعلم، أن المقصود بمثقال حبة من خردل هنا، ليس بخفة الوزن، وإنما ضآلة الحجم، وأنها في هذا الكون الواسع لا تغيب على علم الله، رغم كونها لضآلتها وهونها مظنة الخفاء. وفي المرات الست الأخرى، أضيف مثقال ذرة: يونس ٦١: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ سبأ ٣: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ

стр. 82

وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ . ومظنة الخفاء، لضآلة الحجم، أقرب فيهما كذلك إلى دلالة السياق. على حين تتعين دلالة ﴿مِثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾ على خفة الوزن في الآيات الأربع التالية: النساء ٤٠: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ . سبأ ٢٢: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ . وآيتي الزلزلة. ززاضح أن المقصود بالذرة فيهما خفة الوزن، وقد حاول محاولون أن يعينوا مقدار الذرة على وجه التحديد: ففي (لسان العرب) عن ثعلب: "إن مائة منها، وزن حبة شعير". وقال أبو حيان في (البحر) : إنها النملة الصغيرة، حمراء رقيقة. وفي (الكشاف) : "قيل هي النملة الصغيرة، وقيا: الذر ما يرى في شعاع الشمس من الهباء". ومثله في تفسير جزء عم للشيخ محمد عبده. الأقوال قربية، ولا شيء منها بموضع إنكار كالذي جاء به محدثون من بدع التفسير العصري، فذهبوا إلى أنه الذرة التي أكتشف العلم سرها في القرن العشرين!! وقد نرى أن تحديد المفسرين للذرة، ليس مراد القرآن ولا هو من مألوف بيانه والعربية قد عرفت الذر في كل ما يمثل الضآلة والصغر وخفة الوزن، تقول: ذررت الملح والدقيق والفتات، نشرته بأطراف الأصابع. والذر الهباء يرى في شعاع الشمس، وبولغ في وصف تناثر النمل الصغير المنبث فقيل: ذر. وفي (لسان العرب) نص صريح على أن "الذرة ليس لها وزن" لفرط صغرها وخفتها. ونؤثر أن نفهمها بحس العربية على هدى البيان القرآني، دون تكلف لتقدير الأوزان والأحجام والألوان. وما فهم العرب، الذين بعث فيهم رسول

стр. 83

منهم، قوله تعالى: ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ إلا أنه التناهي في الضآلة والخفة والصغر، حتى ليكون من الهباء الذي لا وزن له. وهو ما يلائم، مادياً وبياناً، جو الموقف ونسق السياق، من الزلزلة والإنفجار والتفتيت والتشتيت.... فهم يخرجون أثقالاً، ويصدرون أشتاتاً، ويرون أعمالهم مثقال ذرة من خير أو شر. * * * ونفرغ بعد هذا لعقدة الموقف في ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ يأيتي الزلزلة، وما ثار حوله من خلاف قديم بدأ بتساؤل المفسرين من الفرق وأصحاب الكلام: "للقائل أن يقول: إن حسنات الكافر محبطة بالكفر، وسيئات المؤمن معفوة بإجتناب الكبائر، فما معنى الجزاء بمثاقيل الذرة للخير والشر؟ ". ولكي يحلوا عقدة الموقف المفترض، عملوا إلى تأولات شتى، فقال "الزمخشري" - من المعتزلة - بتخصيص العامل في الآيتين، فالمعنى عنده: "فمن يعمل مثقال ذرة خيراً من فريق السعداء، ومن يعمل مثقال ذرة شراً من فريق الأشقياء". وقال أبو حيان، وهو ممن مالوا إلى الظاهرية: "والظاهر تخصيص العامل - في الخير - أي فمن يعمل مثقال ذرة من السعداء، لأن الكافر لا يرى خيراً في الآخرة، وتعميمه في آية ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ لأنه جاء بعد قوله: ﴿يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ وقال إبن عباس: هذه الأعمال في الآخرة، قيرى الخير كله من كان مؤمناً، والكافر لا يرى في الآخرة خيراً لأن خيره قد عجل له في دنياه. فالمؤمن تعجل له سيئاته الصغائر في دنياه، في المصائب والأمراض ونحوها، وما عمل من شر أو خير رآه". لكن "الطبرسي" - من الشيعة - في مجمع البيان، ذهب إلى أن "هذه الآية يستدل بها على بطلان الإحباك، فطاهرها يدل على أنه لا يفعل أحد شيئاً من طاعة أو معصية، إلا ويجازى علية".

стр. 84

وهو ما يبدو أن الشيخ محمد عبده أخذ به فقال: "قيل إنها نزلت لإزالة ما وقع في نفوس كثير من المؤمنين. من أن الخير القليل لا ينظر الله إليه ولا يجازى عليه، وكذلك الصغائر من الذنوب، فأزال شبهتهم وكشف عنهم وهمهم، وعرفهم أن لا شيء من عمل الإنسان يفوته، فالخير يجازى به مهما صغر، والشر يلقى جزاءه مهما نزر". لكن هذا كله لم يحسم الموقف، إذ يواجهه صريح الآيات المحكمات في مغفرة الله تعالى لمن يشاء من عباده: النساء ٤٨، ١١٦ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ . الزمر ٥٣: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ . مما أضطر بعضهم إلى القول بأن "المؤمن يرى عقوبته في الدنيا" أو قيد العقاب بمثقال ذرة، وعلى "ما يفعلون من شر إذا لم يكونوا تابوا عنه". وما كنا لنطيل الوقوف عند هذا الجدل الذي يبدو مما لا يتعلق به التفسير البياني، لولا أنه يصل بنا أخيراً إلى ما يؤيد دعوتنا الملحة إلى الدرس المنهجي لدلالات الأفاظ القرآنية، وتدبر أسراره البيانية. * * * فلنسأل بعد كل ما سمعناه من خلاف تأزم، ومن محاولات عسرة للخروج من المأزق المفترض: ما الذي أقحم قضية الإحباط ومسألة الحساب على آيتي الزلزلة، وليستا متعلقتين بجزاء أو عقاب؟ نص الآيتين، يغنينا عن كل ذاك العناء، والتدبر الدقيق لبيانه يعفينا من التكلف والتأول، ويريجنا من القيد والتخصيص والتعميم. فالذي في الآيتين أن من يعمل مثقال

стр. 85

ذرة خيراُ أو شراً ﴿يَرَهُ﴾ ولم يقل تعالى: ﴿يجز به أو يحاسب عليه": وفي الآية قبلهما: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ شاهد على أن الموقف متعلق برؤية الإنسان عمله محضراً في دقة "لايغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها". ثم يكون الحساب والجزاء بعد ذلك بعدل الله وفضله ورحمته، سبحانه: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .

стр. 86

سورة العاديات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (٢) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (٥) إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨) أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١) ﴾ صدق الله العظيم

стр. 87

السورة مكية، والمشهور أنها الرابعة عشرة في ترتيبالنزول، نزلت بعد سورة العصر. وموضوعها: اليوم الآخر. وتبدأ بعرض مشهد سريع لغارة عنيفة مفاجئة، تباعت القوم صبحاً فلا ينتبهون إليها وإلا وقد توسطت جمعهم فبعثرتهم وسط عاصفة من النقع المثار. وتأتي هذه الصورة العنيفة بعد واو القسم، لافتة إلى ما عهد القوم من مثل نلك الغارات المفاجئة المصبحة، وما تحدث من بعثرة وحيرة وإرتباك. ثم تأتي بعدها صورة أخرى لغيب غير مشهود، ولكنه واقع حتماً: البعث يفجأ على غير موعد، فإذا هم في حيرة وبعثرة وإرتباك، قد لفظتهم القبور لليوم الآخر مالفراش المبثوث، وإذا كا ما في صدورهم قد حصل، لم تفلت منه خافية مضمرة، مطوية في أعماق الصدر ومستكن الضمير. وفي كل كلمة، بل في كل حرف منها، سره البياني الباهر فيما قصد إليه القرآن من إحضار مشهد ليوم البعث شاخصاً مجسماً، وتأكيداً وقوعه، والإنذار بما ينتظر الإنسان فيه من حساب دقيق عسير. * * * ونبأ بالواو في: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ . الواو في أصل الاستعمال اللغوي للقسم، ويتجه به جمهور المفسرين إلى تعظيم ما يقسم به وتأكيده، وهذه الفكرة المسيطرة عليهم، تدفعهم - على ما رأينا ونرى - إلى ضروب من التأويلات، ولا نخلو من غرابة وإعتساف. وفي العاديات هنا قولان: فهي الخيل فيما ذهب كثير منهم، ولكي يستقيم لهم مفهوم بالقسم بها، تأولوها بخيول المسلمين في غزوة بدر، وهو قول روى عن إبن عباس، والحسن، وأخذ به جماعة من المفسرين. لكنهم رووا كذلك عن إبن عباس مل نصه: "كنت جالساً في الحجر، فجاء رجل فسألني عن العاديات ضبحاً، ففسرها بالخيل..... فذهب إلى "علي"

стр. 88

وهو تحت سقاية زمزم فسأله وذكر ماقلت، فقال: ادعه لي. فلما وقفت على رأسه قال: تفى الناس بما لا علم لك به؟ والله إن كانت لأول غزوة في الإسلام بدر، وما كان معنا إلا فرسان: فرس للزبير وفرس للمقداد. العاديات ضبخاً، الإبل من عرفة". يعني إبل الحاج تعدو من عرفة إلى المزدلفة، ثم إلى منى، وتثير الغبار عند وادي محسر. وكذلك فسر "عبد الله بن مسعو" إلى تفسيرها بالإبل، وتابعه على هذا عدد من المفسرين، ملتفتين إلى معنى الإعظام في كونها إبل الحاج. ورد أصحاب التأويل بالخيل بأن سياق الآيات بعده: فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا....... فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا يدل على أن العاديات هي الخيل، إذ لا يكون الإيراء، وهو قدح الشرر، إلا لسنابك الخيل. أما الخلف ففيه لين وإسترخاء (الجرجاني) . وأما القول بأنه لم يكن بمكة حين نزول الآية جهاد، ولا خيل للمسلمين تغزو، "فهذا لا يلزم، لأنه سبحانه أقسم بما يعرفونه من شأن الخيل". فكان رد أصحاب الإبل على هذا الإعتراض أن فصلوا الموريات عن العاديات، وفي هذا يقول إبن القيم: "ولما علم أصحاب الإبل أن أخفافها أبعد شيء من رْوى النار، تأولوا آية الموريات على وجوه بعيدة، فقال محمد بن كعب، القرظى: هم الحاج أوقدوا نيرانهم ليلة المزدلفة، وعلى هذا فيكون التقدير: فالجماعات الموريات. وهذا خلاف الظاهر، وإنما الموريات هي العاديات، وهي المغيرات". وأتجهت محاولة بعضهم في التأويل بالإبل، إلى أن يستعار لها ما هو للخيل أصلاً، فقال الزمخشري: "إن صح ما روى عن "علي" فقد أستعير الضبح للإبل، كما أستعير المشافر والحافر للإنسان، وما أشبه ذلك".

стр. 89

وهكذا يظل الخلاف دون أن ينحسم. فلكل قول رد، ولكل إعتراض جواب! وما نرى سببالً لهذا كله إلا سيطرة فكرة تعظيم المقسم به على هؤلاء وأولئك، فالذين قالوا: هي الخيل، قصروها على خيل الغزاه ليظهر وجه التعظيم في القسم بها. والذين قالوا: هي الإبل، قصروها على إبل الحاج تنطلق من عرفة إلى المزدلفة ثم إلى منى، للغرض نفسه. والقلة التي ذهبت إلى أن العاديات هي الخيل بعامة، لم تتخل عن فكرة التعظيم، وجهد المحاولة لبيانها وتقريرها. فإبن القيم يصرح بأنه لا يلزم حتماً أن نخص العاديات بخيل الغزاة وإن كانت أشرف أنواع الخيل "فالقسم إنما وقع بما تضمنه شأن هذه العاديات من خلق هذا الحيوان الذي هو من أكرم البهيم واشرفه، وهو الذي يحصل به العز والظفر..... فذكرهم تعالى بنعمته عليهم في خلق هذا الحيوان الذي ينتصرون به على أعدائهم ويدركون به ثأرهم". أخذه "الشيخ محمد عبده" فتوسع في بيان هذا الوجه لتعظيم الخيل، أقسم الله بها "لينوه بشأنها، ويعلى من قدرها في نفوس المؤمنين أهل العمل والجد، ليعونا بقنيتها وتدريبها على الكر والفر، وليحملهم أنفسهم على العناية بالفروسية والتدرب على ركوب الخيل والإغارة بها، ليكون كل واحد منهم مستعداً في أي وقت كان لأن يكون جزءاً من قومه الأمة إذا اضطرات إلى صد عدو. وكان في هذه الآيات القاراعات، وأشباه لها، وفيما ورد من الأحاديث التي لا تكاد تحصر، وما يحمل كل فرد من رجال المسلمين على أن يكون في مقدمة فرسان الأرض مهارة في ركوب الخيل، ويبعث القادرين منهم على قنية الخيل على التنافس في عقائلها، وأن يكون فيب السباق عندهم يسبق بقية الفنون إتقاناً.....". وقد مضى القول، في تفسير سورة الضحى، بأن القسم بالواو هنا أقرب إلى أن يكون قد خرج عن أصل معناه في الوضع اللغوي، لملحظ بياني بلاغي.

стр. 90

ولو خلينا فكرة التعظيم بالقسم جانباً، لبدا لنا بوضوح أن جو السورة لا يوحى - من قريب أو بعيد - بشيء من بيان عظمة الخيل وفوائدها، والحث على التسابق إلى قنيتها، والإغراء بفن السباق....وإنما هو مشهد مثير، لغارة مفاجئة تصبح القوم بغتة على غير إنتظار. وموقف المباغتة، يلائمه قصر الآيات بما فيه من حسم، وسرعة الإنتقال، وتلاحق الأحداث ما بين العدو، وإيراء القدح، وإثارة النفع، إلى توسط الجمع، فما إن تعدو الخيل ضبحاً، موريات قدحاً، مغيرات صبحاً، حتى تكون قد توسطت الجمع في النقع المثار. ولفظ "العاديات" لم يرد في القرآن بهذه الصيغة إلا هنا، والأصل اللغوي للعدو هو البعد والتجاوز، ومنه العدوة للمكان المتباعد، والعدو الوثب. واستعمال العدو في الجري الشديد، ملحوظ فيه البعد والوثب وتجاوز المألوف من الجري، كما أن استعماله في العداوة، ملحوظ فيه التباعد والجفاء، واستعماله في العدوان والبغي، ملحوظ فيه تجاوز الحق كذلك. وقد يقال للفرسان عادية، لكن الضبح يعين أن المقصود بها هنا الخيل لا الفرسان، لما أشرنا إليه من إختصاص الخيل بالضبح، وهو صوت أنفاسها حين تعدو سريعاً. وأختلفوا في التوجيه الإعرابي لنصب "ضبحاً": فهو مصدر على تقدير "والخيل تضبح ضبحاً" أو هو حال على تقدير "والعاديات ضابحة" لكنهم لم يبينوا أثر كل من المصدرية أو الحالية على المعنى. ولعل المصدريو هنا أولى، لما فيها من معنى الإطلاق المحض..... وعطف الموريات قدحاً على العاديات ضبحاً، بالفاء وفيها ملحظ السببية، لأن الإيراء أثر للعدو الشديد ينقدح به الشرر من حوافر الخيل. ولم ترد مادة قدح في القرآن إلا في هذه الآية، أما الإيراء فجاء فعلاً مضارعاً، على أصل معناه في إيراء النار، بآية الواقعة ٧١:

стр. 91

﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ . وبآية الواقعة هذه، أستشهد الذين قالوا إن العاديات هي إبل الحاج، ففسروا الموريات بأنها جماعات الحجيج إذ يوقدون نيرانهم ليلة المزدلفة، وهو ما وصفه "إبن القيم" بالتأول على وجه بعيد، وقال فيه: "وهذا خلاف الظاهر، وإنما الموريات هي العاديات". والعطف بالفاء، فيه مع ملحظ من السببية، ترتيب دون تراخ أو تمهل وإبطاء، ما بين عدوها ضبحاً وإغارتها صبحاً. ويلحظ هنا أن العربية تخص الإغارة بالخيل، ولو لم يذكر لفظ الخيل فتقول: أغار على القوم دفع عليهم الخيل، وأغار الفرس: أشتد عدوه في الغارة. فاستعمال المغيرات للخيل هنا، يتأيد بمألوف الحس اللغوي لهذا اللفظ تخص به الخيل. أما تخصيص الإغارة بوت الصبح فلم يفت المفسرين إدراك ما فيه من دلالة على المفأجاة: قال في التبيان: "والعدو لم يأخذوا أهبتهم، بل هم في غرتهم وغفلتهم". ومثله في تفسير الشيخ محمد عبده. وملحظ المباغتة في الصبح، أوضح من أن يحتاج إلى بيان، اللهم إلا أن نذكر هنا أن اللغة أستعملت يوم الصبح بمعنى يوم الغارة، وأن القرآن الكريم استعمل الصباح والإصباح والصبح في موقف المباغتة والإنذار، فث مثل آيات: الصافات ١٧٧: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ . الحجر ٦٦: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ . الحجر ٨٣: ﴿وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (٨٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣) فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ .

стр. 92

القمر ٣٨: ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨) فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ . الأعراف ٧٨: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ . هو ٨١: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ ؟ وأنظر معها آيات: الكهف ٤١، ٤٢، القلم ٢١، الأعراف ٩١، هود ٦٧، ٩٤، العنكبوت ٣٧، الأحقاف ٢٥. * * * ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ . بالفاء أيضاً، ربطت آية: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ بالمغيرات صبحاً، دلالة على الترتيب مع التعاقب الملائم تسرعة الموقف وتلاحق الأحداث. وللزمخشري هنا وقفتان: الأولى عند الفعل ﴿أَثَرْنَ﴾ علام عطف، ولم يسبقه فعل في الآيات قبله؟ والأخرى عند مرجع الضمير في ﴿بِهِ﴾ قال في ﴿أَثَرْنَ﴾ إنه معطوف على الفعل الذي وضع اسم الفاعل موضعه، لأن المعنى: واللآتي عدون، فأورين، فأثرن. ومثله أو قريب منه، ما في تفسير الشيخ محمد عبده. أما الضمير في ﴿بِهِ﴾ فأرجعه الزمخشري إنما إلى الصبح، أي أثرن بذلك الوقت نقعاً. ومثله أيضاً ما في تفسير جزء عم. وإما أن يكون عود الضمير على المفهوم مما سبق، أي فأثرن بالإغارة والقدح والعدو..... وهذا عندي أولى.... * * * ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ والعطف بالفاء هنا، ملائم لجو الموقف الذي تسيطر عليه الأخذة المباغتة، والسرعة الخاطفة، فمراحل الإغارة تتم جميعاً في تدافع سريع لا تراخى فيه،

стр. 93

وتتعاقب واحدة في إثر أخرى في حسم قاطع، إذ ليس بين العدو الذي هو مرحلة الإبتداء، وإقتحام الجمع الذي هو ذروة الإغارة، إلا ما بين هذه الآيات القصار المتتابعة في تلاحق وترابط. وهي مع قصرها وسرعتها، تكشف بجلاء عن عنف الإغارة ووقع المفاجأة. والبيان القرآني وحده، هو الذي يستطيع أن يصور أعنف إغارة، بكل مراحلها، في كلمات معدودات، تصل بالغارة من بدئها إلى ذروتها الحاسمة. ونتدبر ﴿جَمْعًا﴾ هنا، فنلمح دلالتها البيانية، حين نذكر أن هذا اللفظ يأتي كثيراً في القرآن، للحشد الكاثر في المعركة، ومع مظنة القوة والغلبة كما في آيات: القمر ٤٤: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ . آل عمرتن ١٥٥: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ ومعها آية ١٦٦. القصص ٧٨: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ ؟ آل عمرن ١٧٣: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ . الأعراف ٤٨: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ . وسمى اليوم الآخر في القرآن يوم الجمع، لاحتشاد الخلق به بعد بعثهم: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ كما سمى موقف الحشر جمعاً:

стр. 94

﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ الكهف ٩٩. وأنظر معها ىيات: آل عمران ٢٥، الجاثية ٢٦ النساء ٨٧، الواقعة ٥٠، الأنعام ١٢، التغابن ٩، المرسلات ٣٨، الشورى ٩، ٢٩. كما استعمل الإجماع في حشد الرأي وتدبير الأمر وإحكام المكيدة، في مثل آيات: يوسف ١٥: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ . يوسف ١٠٢: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ . يونس ٧١: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ . طه ٦٤: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾ . وبكل ما لهذا اللفظ من دلالات الحشد، والتجمع، ومظنة القوة، يأتي في ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ فيوحى بما كان من إحتشاد هو مظنة قوة لهذا الجمع الذي أقتحمته العاديات ضبحاً، في إغارتها المبحة، وسط النقع المثار. هنا بلغ المشهد ذروته، ثم يترك للتصور أن يذهب كل مذهب فيما يعقب هذا الإقتحام المصبح المباغت، من تشتت حائر وإرتباك مبعثر، وإستسلام للمصير المحتوم. * * * وتمضي الآيات: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ .

стр. 95

الكنود وحيدة في القرآن. صيغة ومادة. وهو في اللغة: الكفور للنعمة، والبخيل، والعاصي. وربما كان أصل استعماله في الأرض لا تنبت شيئاً. وجاء في الكشاف، أن "الكنود بلسان كندة: العاصي، وبلسان بني مالك: البخيل، وبلسان مضر وربيعة: الكفور". والمعاني متقاربة على كل حال، وصلتها واضحة بالمعنى الذي رجحنا أنه الأصل، وهو الأرض لا تنبت شيئاً، فهي عاصية، وهي بخيلة، وهي كفور. وأقرب معانيها إلى آية العاديات، والله أعلم أنه الكفران بنعمة الله، وهو ما ذكره الراغب في (المفردات) . * * * ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ . أي يشهد على نفسه بكفران نعمة ربه، وليس أقوى منها شهادة..... وهذه الشهادة الدامغة تأتي في القرآن في مقام التحذير، والزجر المقرون بالوعيد، كالذي في آيات: الأنعام ١٣٠: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ . والأعراف ١٢٧، والبروج ١٧، والتوبة ١٧. بل إن البيان القرآني ينطق بهذه الشهادة، يوم الفصل. جوارح الإنسان وحواسه، وجلده، في مثل آيات: فصلت ٢٢: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ

стр. 96

أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ . النور ٢٤: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . يس ٦٥: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٦٤) الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ . وأصل الشهادة في اللغة من الشهود أي الحضور، والمشاهدة: المعاينة وما شهادة الإنسان على نفسه بكنود، وإقراره بكفران نعمة ربه، إلا من هذا الذي ألفناه في البيان القرآني، من إلزام بالحجة وتأكيد لفداحة الذنب وأعتراف به، في موقف الزجر والوعيد، حيث لا سبيل بعد مثل هذه الشهادة الدامغة، إلىتنصل من الذنب أو إدعاء البراءة منه. لكن عدداً من المفسرين أضاعوا هذا الملحظ البياني بقولهم: إن الضمير في ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ يعود إلى الله تعالى. مع أن المعنى إنما يقوى بأن يكون الإنسان شاهداً على نفسه، وهذا هو ما تؤيده آيات الشهادة التي استأنسنا بها في فهم الآية. ثم عادوا في آية ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ فجعلوا الضمير للإنسان، فتمزقت بهذا الصنيع وحدة السياق في الآيات الثلاث. وقالوا في تفسير الخير هنا إنه المال، واستأنسوا بآية الوصية الواجبة. ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ . البقرة ١٨٠.

стр. 97

وقيده "الراغب" بالمال الكثير: "لا يقال للمال خير حتى يكون كثيراً، وعلى ذلك قوله: وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ". وفي القرآن آيات أخرى، قد تؤيد تأويل الخير بالمال، بتوجيه السياق في مثل: المؤمنون ٥٦: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ . وجاء الخير مرة واحدة للخيل في آية (ص ٣٢) على لسان داود: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ . على أن لفظ الخير، أكثر ما يستعمل في القرآن بمعنى الأفضل. وقد أحصيت من هذا الاستعمال نحو ١٢٥ مرة، ويقترن بلفظ "أم" المعادلة، أو يجيء تمييزاً، أو معطوفاً عليه بأفعل التفضيل. كما يأتي في القرآن، نقضاً للشر صراحة في مثل آيات: الإسراء ١١: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ . يونس ١١: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ . الأنبياء ٣٥: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ . المعارج ٢١: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ .

стр. 98

أو مقابلاً بالسوء والضر: الأعراف ١٨٨: ﴿ولوكنت وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ . الأنعام ١٧: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ . ومعها آية يونس ١٠٧. واللغة تحتمل أن يكون الخير للمال، والخيل، وضد الشر، والخيار والفضيلة. غير أنسياق آية (العاديات) يرجح أن الخير فيها هو الخير المادي من مال أو شبهه، فهذا الإنسان الكفور بنعمة ربه، والشاهد على نفسه بالكنود، لا يكون حبه للخير الذي هو فضيلة، وإنما هو حب للمال شديد. والأصل في الشد: قوة العقد والوثاق والإحكام، مادياً كما في آية: محمد ٤: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ . ومعنوياً في مثل آيات: يونس ٨٨: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ . الدهر ٢٨: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾ . طه ٣١: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ . القصص ٣٥: ﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾ . ص ٢٠: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ .

стр. 99

كما يعبر القرآن، عمن بلوغ الرشد والقوة بصيغة: بلغ أو يبلغ أشده، في مثل آيات: الأنعام ١٥٢، الإسراء ٣٤، يوسف ٢٢، القصص ١٤، غافر ٦٧، الأحقاق ١٥، الكهف ٨٢، الحج ٥. أما صيغة شديد، فجاءت في القرآن، في نحو أربعين موضعاً، مضافة إلى عذاب الله، وبطشه، وأخذه، وعقابه في الآخرة، أو وصفاً لهذا البطش والأخذ والعذاب، في مقام الزجر والوعي: ﴿إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ . ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ . وجاءت مرة وصفاً للحديد: ﴿فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ ومرة على لسان لوط إذ قال لقومه في آية هو ٨٠: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ . وعلى لسان سليمتن منذراً متوعداً، في آية النمل ٢١: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (٢٠) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ . كما جاءت أربع مرات وصفاً لأولى البأس، والحرس، في آيات: الإسراء ٥، النمل ٣٣، الفتح ١٦، الجن ٨. كذلك جاءت الشدة، بصيغة أفعل التفصيل ﴿أشد﴾ في نحو خمسة وعشرين موضعاً، مميزاً بالقسوة، والبأس، والتنكيل، والكفر، والعتو، والعذاب، والبطش، والرهبة، والوطء، والعدواة، والخشية، والقوة. ومعها آية الصافات ١١: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ . وجاءت مرة واحدة مميزة بالحب في آية البقرة ١٦٥: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ . وغلبة الاستعمال القرآني لمادة الشدة، في موقف الزجر والإرهاب والوعيد،

стр. 100

يضيف بلا شك، إلى ما اكتفى المفسرون به في آية العاديات، من معنى البخل والإمساك وعدم الإنبساط، إيحاء بالزجر والوعيد، مع ما سبق الآية من شهادة الإنسان على نفسه بالكنود لربه. كما أنه يقوى بالآيات بعده. * * * ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ . بما فيها من نذير صادع وزجر رادع. والبعثرة لم تأت في القرآن إلا في هذه الآية وفي آية الإنفطار: ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ . وكلتاهما في بعثرة القبور يوم القيامة، وفيهما جاء الفعل مبنياً للمجهول، صرفاً للذهن إلى الحدث نفسه، وتركيزاً للإنتباه فيه. وفيهما أيضاً، انتقال سريع من بعثرة ما في القبور إلى الحساب العسير يحصل ما في الصدور وتعلم بع كل نفس ما قدمت وأخرت. والبعثرة لغة، فيها معنى التبديد والتفريق والإختلاط، وقلب بعض الشيء على بعض. وقالوا: بعثر الحوض، هدمه وجعل أسفله أعلاه. ود يلحظ فيها معنى التفتيش والكشف، فيقال: بعثر الشيء، استخرجه فيكشفه وأثار ما فيه. كما استعملت البعثرة في قلق الجوف وغثيان النفس. والمتبادر من مفهوم ﴿بعثر﴾ في آيتي العايات والإنفطار، هو التشتت والتفرق والإنتثار، وما يكون عنها من حيرة وضلال وإختلاط وإرتباك "يوم يكون الناس كالفراش المبثوث" ولكن اللفظ كذلك مع التفريق الإختلاط بما في الأصل اللغوي، من دلالة الإثارة والكشف، فيمهد لما بعده: ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ وقد جيء به فور البعثرة، مبنياً للمجهول كذلك، صرفاً عن كل ما عدا الحدث نفسه، على المألوف من آيات القيامة. ولم تأت مادة "حصل" إلا في آية العاديات: والتحصيل لغة: الجمع والتمييز. وأصله من الحوصل والحوصلة والحوصلاء،

стр. 101

وهي من الطير كالمعدة للإنسان، ومن الحوض مستقر الماء في عمقه الأقصى. ولهذه الدلالة اللغوية الأصلية، أثرها في معنى ﴿حُصِّلَ﴾ هنا، فكل ما يعمله الإنسان مستقر في أعماقه، مجموع في صدره، حتى يحين أوان كشفه بعد بعثرة ما في القبور للبعث والقيامة. والتحصيل لما ﴿فِي الصُّدُورِ؟﴾ إيذاناً بكشف المستور وإظهار المطوى المضمر - جلالة واضحة، لا نخطئها في استعمال القرآن للفظ الصدور: فالشيطان. ﴿يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ . وهو تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ غافر ١٩. ﴿يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ القصص ٦٩. ﴿أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ العنكبوت ١٠. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ النمل ٧٤. ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ آل عمران ٢٩ وتدبر هذه الآيات جميعاً، يرينا ما في تأويل آية العاديات: "إن معنى حصل، جمع في الصحف، أي أظهر محصلاً مجموعاً" من جور على المعنى القوى المثير لقوله تعالى: ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ فليس المقام هنا للجمع في الصحف، وإنما المقام للإنذار بيوم ينكشف فيه ما طوى في الصدور، ويظهر ما تخفي الضمائر، وقد كان الظن الكاذب به أن يظل خفياً مستوراً. * * * ويلفتنا هنا أت تأتي آية: ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ . بعد بعثرة ما في القبور وتحصيل ما في الصدور، فتصل بالمشهد المثير إلى

стр. 102

ذروة عنفه، ثم تدع ما بعد ذلك للخاطر يذهب فيه كل مذهب، وقد آل الأمر كله إلى العليم الخبير. ولسنا هنا بحاجة إلى القول بتضمن خبير لمعنى "مجاز لهم في ذلك اليوم" بل أولى منه أن نلحظ أن القرآن لم يستعمل الخبير قط، إلا مسنداً إلى الله تعالى أو اسماً من أسمائه الحسنى باستقراء مواضع الكلمة وهي نحو خمسة وأربعين. وتفسيره بالعليم غير دقيق، إذ جاء الخبير مقترناً بالعليم في آية التحريم ٣: ﴿قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ . ولقمان ٣٤ والحجرات ١٣: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ والنساء ٣٥: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ فدل ذلك على أن الخبرة غير العلم، وأفترن الخبير بالحكيم ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ في آيات الأنعام ١٨، ٧٣، وسبأ ١، وآية هود ١ ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ كما أفترن بالبصير في آية الشورى ٢٧: ﴿إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ . ومعها آيات: الإسراء ١٧، ٣٠، ٩٦ وفاطر ٣١. وتفرد الله وحده بوصف ﴿الْخَبِيرُ﴾ - وليس الأمر كذلك في العليم، حيث جاء وصفاً لغير الخالق في آيات: يوسف ٥٥، ٧٦، الحجر ٥٣، الشعراء ٣٤، ٣٧. وهذا التفرد يدل على أن الخبرة أخص من العلم، وهو ما يظهر بوضوح في آيات: فاطر ١٤: ﴿..... ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ . الفرقان ٥٨، ٥٩: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (٥٨) الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ .

стр. 103

ومن المعاني الحسية للخبر في اللغة: منقع الماء في أصوله بالجبل، والصرف الجيد من أول الجز، وأختبرت الشيء أو الشخص. فحصته وأمتحنته لتعرف حقيقة أمره. وإيثار لفظ ﴿خَبِير﴾ هنا، بعد أن ﴿حُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ ، مع تأكيده باللام وإن في أول الآية، يبلغ به الترهيب منتهاه، ثم يدع للخاطر بعد ذاك أن يتصور ما شاء، في ذلك الجو الحافل بالنذير والوعيد. * * * وهذه الوقفة الحاسمة، يبلغ بها القرآن ذروة المشهد العنيف لبعثرة ما في القبور وتحصيل ما في الصدور، تتسق مع مشهد الإغارة العنيفة في مستهل السورة، على وجه باهر من البيان المعجز. ولا أعرف أن أحداً من المفسرين حاول أن يربط بين المشهدين أو لمح ما بينهما من صلة هي معقد القسم ومجلى دقته البيانية. فالسورة، كمت قلنا آنفناً تبدأ بواو لبقسم لافته في قوة إلى المشهد المألوف، لإغارة عنيفة مفاجئة، تبغت القوم صبحاً فلا ينتبهون إلا وقد توسطت جمعهم ومزقت شملهم وبعثرتهم وسط النقع المثار. ويتمثل القوم ما عهدوا من مثل هذه الغارات المصحبة المباغتة، وما يعقبها من بعثرة وحيرة وإرتباك، توطئة بيانية لمشهد غيب لم يقع يستطيعون أن يدركوا صورة منه في ذلك الذي ألفوه وعاينوه...... ذلك هو مشهد البعث، يباغت القوم - وقد طال ما جحدوا نعمة الله وغرتهم الأماني - فإذا هم بعثروا من القبور حيارى ممزقين، وصدروا أشتاتاً مفرقين، ثم إذا بالأحداث تتلاحق سراعاً، مترابطة متدافعة، فليس بين بعثرة ما في القبور، وهول الموقف بين يدى الخبير، إلا أن يحصل ما في الصدور، لا تفلت منه خافية مضمرة، ولا غاتئبة مطوية مستورة في الأعماق، كما ليس بين العاديات ضبحاً، وتوسط الجمع، وتدبير الأمر، إلا أن تنطلق في إغارتها صبحاً، موريات قدحاً، مثيرات نقعاً!

стр. 104

وبين هذا المشهد المألوف الواقع، وذاك الغيب الذي سوف يقع يقيناً، يأتي المقسم عليه: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ صدق الله العظيم

стр. 105

سورة النازعات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (١) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (٢) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (٣) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (٤) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥) يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (٩) يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (١٠) أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (١١) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (١٢) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤) هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٦) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (١٩) فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصَى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢) فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٢٦) أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣) فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (٣٦) فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِ

стр. 106

يَ الْمَأْوَى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١) يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤٤) إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (٤٥) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦) ﴾ صدق الله العظيم

стр. 107

السورة مكية متأخرة، فهي الواحدة والثمانون على المشهور في ترتيب النزول نزلت بعد النبأ. وتبدأ بواو القسم، متلوة بخمس صفات متتابعة في آيات خمس: وقد أفسح حذف الموصوف فيها وإقامة الصفات مقامه، مجالاً واسعاً لتأويلات كثيرة بلغت في بعض كتب التفسير نحو عشرة أقوال. يطول الخلاف أولاً حول النازعات ما هي، وتتعدد الأقوال فيها ثم يحتكم كل قول منها في توجيه الآيات التي بعدها، مع الرد في كل حالة على بيان وجه التعظيم "للنازعات" بحكم وقوعها بعد واو القسم. فمن أقوالهم في النازعات: أنها الملائكة تنزع نفوس بني آدم - عم عبد الله وإبن عباس. وقيل: هي النجوم تنزع من أفق إلى أفق - عن الحسن وقتادة وأبي عبيدة. وقيل: هي النفوس تحن إلى أوطانها وتنزع إلى مذاهبها - عن السدي. وقيل: هي القسى تنزع بالسهام - عن عطاء وعكرمة. وقيل: هي الجماعات النازعات بالقسى - عن عطاء أيضاً. وقيل: هي المنايا تنزع النفوس - عن مجاهد. وقيل: هي الوحش تنزع إلى الكلأ - حكاه يحي بن سلام. وقيل: هي خيل الغزاة تنزع في أعنتها - جاء في الكشاف. وقيل: هي الريح تقلع القوم لشدة هبوبها - جاء في المفردات. وأشهر هذه الأقوال جميعاً، أنها الملائكة تنزع أرواح بني آدم، وهو أحد أقوال ثلاثة أختارها الزمخشري وأدار الآيات عليها، والقولان الآخران

стр. 108

هما: النجوم، وخيل الغزاة. واختار "الراغب" تفسيرها بالملائكة، أو الريح. * * * ومن تدبر السور المفتتحة بواو القسم، يبدو لنا أن القرآن يعدل في هذا الأسلوب عن الأصل اللغوي للتعظيم بالقسم إلى استعمال بلاغي، هو قوة اللفت إلى مادي محسوس وواقه مشهود، ليس مطنة مماراة، توطئة بيانية لمعنوي أو غيبي غير مدرك بالحس. على ما سبق الإلتفات إليه في سورتي الضحى، والعاديات. وهذا التوجية يمكن أن تقبله سور: العصر، والليل، والفجر، والشمس، والمرسلات، والذاريات، والتين، والطور، والقلم، والنجم..... وهي جميعاً من السور المكية. وأمام ذلك المألوف من أسلوب القرآن في اللفت بالواو إلى مادي مدرك، لا نطمئن إلي تفسير "النازعات" بما ذهب إليه أكثر المفسرين، من أنها الملائكة تنزع الأرواح، إذ ليست الملائكة في نزعها للأرواح، وسبقها إلى تدبير أمر الله، مما يدخل في نطاق الحسيات المدركة. كما يبدو مستبعداً في فهمنا. والله أعلم، أن يلفت إليها القرآن للاستدلال على البعث، من لا يؤمنون بملائكة تنزع الأرواح وتدبر شئون الكون بأمر الله. إذ لو كانوا مؤمنين بها. لصدقوا بالبعث واليوم الآخر. ونحن أكثر اطمئناناً إلى تفسير النازعات بالخيل المغيرة، دون تحديد لها بخيل الغزاة كما قال الزمخشري وغيره من المفسرين متأثرين بنزعة التعظيم في القسم بها، فما كان للمسلمين في العهد المكي خيل تغزو، ولا كان هناك دار سلام ودار حرب يخرج الغزاة منها وإليها، والقول بأن هذا سوف يكون بعد الهجرة، لا مجال له هنا مع هذا اللفت إلى واقع مشهود، توطئة للإقناع بغيب يمارون فيه! وقد لفت القرآن في (سورة العاديات) إلى الخيل عاديات ضبحاً مثيرات نقعاً مغيرات صبحاً، ليستحضر بها موقف البعث إذا بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور. وما نرى السياق في (النازعات) إلا شبيهاً يالذي في (العاديات) ؛

стр. 109

فالاستئناس بإحداهما في فهم الأخرى، أصح منهجاً من أن نبعد في التأويل إلى مسبح الملائكة في آفاقها الغيبية غير المنظورة ولا المدركة. * * * وما نطمئن إليه من تفسير (النازعات) بالخيل، يوجه الآيات بعدها في يسر وبلا تكلف، فهي تنزع في عدوها وتغرق فيه، وهو الملحظ نفسه في السبح الذي يجمع له السابح قوته. وبهذا النزع السابح، تسبق إلى الغاية فتدبر من الأمر ما أجمعت له في معاناة. وننظر في المفردات، فنرى النزع - وهو لغوياً بمعنى الجذب والشد والقلع، ومنه المنازعة شدة التجاذب في الخصومة - قد استعمل في القرآن ملحوظاً فيه قوة الجذب والمعاناة فيما يظن به الرسوخ والتأصل، سواء في ذلك الفعل في نزع الشيطان لباس أبوينا ﴿الأعراف ٢٧) ونزع موسى يده فإذا هي بيضاء للناظرين (الأعراف ١٠٨ والشعراء ٣٣) ونزع الله النعمة من الإنسان (هو ٩ وآل عمران ٣٦) ونزع ريح صرصر عاتية كفار عاد ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَع﴾ (القمر ٢٠) والصفة في لظى نار جهنم ﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾ ، أي الأطراف (المعرج ١٦) وآية النازعات غرقاً. والغرق في الأصل اللغوي بمعنى الرسوب في الماء، ويستعمل مجازاً في إغراق البلاء والنعمة. كما يقال أغرق النازع في القوس أستوفى مدها، وإغترق الفرس الخيل خالطها ثم سبقها، وامرأة تغترق نظرهم أي تشغلهم بالنظر إليها عن النظر إلى غيرها لحسنها. وفي القرآن جاءت مادة غرق، عدا آية النازعات، أثنتين وعشرين مرة. كلخا على اختلاف صيغها، فعلاً ومصدراً واسم مفعول، من الغرق بمعناه الأول القريب في أصل الوضع اللغوي بصريح سياقها في اليم والبحر والموج، أو في إغراق قوم موسى والكفار من قوم نوح. فسر الزمخشري ﴿غَرْقًا﴾ في النازعات، بأن الخيل تنزع نزعاً تغرق فيه الأعنة لطول أعناقها.

стр. 110

وأخذه أبو حيان من الإغراق في الشيء أي المبالغة فيه، قال: أغرق النازع في القوس بلغ غاية المد حتى ينتهي إلى الفصل، وذهب الفيروزابادى في القاموس إلى أن الغرق في الآية أقيم مقام المصدر الحقيقي وهو الإغراق. وقال الشيخ محمد عبده: الغرق في النزع هو الإتيان على الغايات منه، حين تنزع الكواكب عن قسى دوائرها. ونحمله في الخيل على النزع المغرق، بما فيه من عنف الجذب وقوة المعاناة. * * * ﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾ . لم ترد مادة "ن ش ط" في القرآن إلا في هذا الموضع. والنشط في اللغة يستعمل أصلاً في العقد الذي يسهل حله، ومنه الأنشوطة: العقدة يسهل حلها. وبئر نشاط: قربية القعر يخرج دلوها بجذبة واحدة. ثم قيل: أنشط البعير حله. فنشط أي أنطلق في سهولة. ومنه ثور ناشط: خارج من أرض إلى أرض. والتفت "الراغب" إلى ما في استعمال النشظ هنا من تنبيه على السهولة واليسر. ونؤثر أن نضيف إليه ما يربطه بأصله اللغوي، إفلاتاً من عقال. * * * ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾ . السبح: العوم، والأصل فيه أن يكون في الماء، ويستعار لغة للخيل فيقال لها السوابح. كما يجيء في القرآن لسبح النجوم في الفلك: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ولسرعة المضي في العمل: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ . والسبح من الخيل، إنما يكون في غير مجاله الذي هو الماء، وهذا يقتضي من تجمع القوى وعنف المعاناة، ما يلائم النزع المغرق. * * *
следующие страницы →