← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1390

الذريعة الى مكارم الشريعة

الراغب الأصفهاني

Полный текст (233 стр.). Показаны 211–233 · переход к 216.

стр. 211

فالخاص يفضلك بما تحسن، والعام بما تملك. واكتسابه من الوجوه التي ينبغي صعب، وتفريقه سهل، كما قال الشاعر: له مصعد صعب ومنحدر سهل ومن رام اكتسابه من وجهه صعب عليه، فالمكاسب الجليلة قليلة عند الحر العادل. ومن رضي بكسبه من حيث ما اتفق فقد يسهل عليه. والفاضل ينقبض عن اقتناء المال، ويسترسل في إنفاقه، ولا يريده لذاته، بل لاكتساب المحمدة به، ولا يجتمع عنده المال مدخرًا، لكن كما قال الشاعر (النضر بن جؤية) : لا يألف الدرهم الضروب صُرَّتنا ... لكن يمر عليها وهو منطلق إنا إذا أجتمعت يومًا دراهمنا ... ظلت إلى طرق المعروف تستبق وغير الفاضل يسترسل في اقتنائه، ويقبض في إنفاقه، ويطلبه لذاته لا لادخار الفضيلة به. والمال يحصل من وجهين: أحدهما: بسبب منسوب إلى الجد المحض والبخت الصرف، من غير اكتساب من صاحبه، كمن ورث مالًا، أو وجد كنزًا، أو قيض له من أولاه شيئًا. والثاني: أن يكتسب الإنسان، كمن يشتغل بتجارة أو صناعة فيدخر منها مالًا. وهذا الضرب لا يستغنى فيه عن الجد، ولهذا قيل: وعليَّ أن أسعى وليس ... عليَّ إدراك النجاح فحظ الجد في المال أكثر من حظ الكد بخلاف الأخلاق والأعمال الأخروية التي حظ الكد فيها أكثر، وقد نبَّه اللَّه تعالى على ذلك بقوله: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ) فاشترط في العاجلة مشيئته للمعطي وإرادته للمعطى له، ولم يشترط السعي، واشترط في الآخرة السعي لها مع الإيمان، ولما يشترط إرادته تعالى ومشيئته وإن كان ذلك لا يتعرى منهما. فحق العاقل أن يعني بما إذا طلبه ناله، وإذا ناله لم يخف زواله، ويقلل المبالاة بما إذ قدر له أتاه طلبه أو لم يطلبه. وقد قال بعض الحكماء: إن البخت بمنزلة امرأة صماء عمياء ورهاء (١) في حجرها

стр. 212

جواهر، وهي قاعدة على حجر مدور، يتبعها ناس كثير يلتمسون ما عندها، وهي لا تسمع قولًا ولا ترى وجهًا، وقد اعتزل عنها قوم قليلو العدد، وقعدوا ناحية، وفي كل ساعة تقبض قبضة مما في حجرها وتعطيها واحدًا من القوم لا تخص أتباعها، بل ربما تخطئهم وربما تعطيهم، كأنها المعنية بقول من قال من الشعراء: لا تمدحن ابن عباد وإن مطرت ... كفاه جودًا ولا تذممه إن ذمما فليس ييخل إبقاء على نشب ... ولن يجود بفضل المال معتزما لكنها خطرات من وساوسه ... يعطي ويمنع لا بخلًا ولا كرما وتارة تعرج على من أعطته فتسلبه سلبًا وتدوسه بحجرها دوسًا. وأما الفضائل الأخروية: فكما قيل: العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك، فإذا أعطيته كلك فأنت من إعطائه إياك بعضه على خطر، ولهذا قال تعالى: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) . سبب إخفاق العاقل وإنجاح الجاهل الحكمة تقتضي أن يكون العاقل الحكيم في أكثر الأحوال مقلًّا، وذلك أنه لا يأخذ المال إلَّا كما يجب من الوجه الذي يجب، وفي الوقت الذي يجب، ثم إذا أخذه وتناوله لم يدخره عن مكرمة تعن له. والجاهل أسهل عليه الجمع من حيث لا يبالي فيما يتناوله بارتكاب محظور واستباحة محجور. واستنزال الناس عما في أيديهم بالمكر، ومساعدتهم على ارتكاب الشر طمعًا في نفعهم له، وكثيرًا ما ترى من هم في جملة الموصوفين بقوله تعالى: (فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠) شاكين لبختهم، فبعضهم يغضب على الفلك، وبعض يعتب على القدر، وبعضهم يتجاوز الأسباب فيعاتب اللَّه تعالى، حتى قال بعض المجان عند قوله تعالى: (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ) زال الرا، ولو تولى غيره قسمة أرزاق الورى، جرت خطوب بيننا لكنها تحت العرا. وذلك لحرصهم على ارتكاب المقابح، ولجهلهم بما يقيض اللَّه لعباده من المصالح.

стр. 213

وقول الشاعر: هذا الذي ترك الألباب حائرة ... وصير العالم النحرير زنديقَا فالذي يصير بذلك زنديقًا فبأن يسمى الجاهل الشرير أولى من أن يسمى العالم النحرير، وقد قال حكيم: سوأة لمن أعطي العلم فجزع لفقد الذهب والفضة، ولمن أعطي السلامة والدعة فجزع لفقد التعب والألم، فثمرة العلم السلامة والدعة، وثمرة المال التعب والألم. تحقيق كون المال في أيدي الناس إن اللَّه تعالى أوجد أعراض الدنيا بلغة فاتخذها الناس عقدة، وجعل الدنيا منزلًا وممرًّا فصيروها موطنًا ومقرًّا، إلَّا قليلًا منهم فإنهم أنزلوها حيث أنزلها اللَّه تعالى، وهم الذين وصفهم بقوله: (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣) تاجروا بها ربَّهم، كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) . فأعراض الدنيا عارية في أيدي الناس مستردة، كما قيل: وما المال والأهلون إلا ودائع ... ولا بد يومًا أن ترد الودائع وهي من وجه منيحة: منحت الإنسان لينتفع بها مدة، ويذرها لينتفع بها من بعده. ومن وجه وديعة في يده: رخص له في استعمالها والانتفاع بها بعد أن لا يسرف فيها. لكن الإنسان لجهله ونسيانه لما عهد إليه بقوله: (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥) اغتز بها فظن أنها قد جعلت له هبة مؤبدة، فركن إليها واعتمد عليها، ولم يؤدِ أمانة اللَّه تعالى فيها، ثم لما طُولب بردها تمنع منه وضجر، ولم ينزع عنها إلا بنزع روحه أو كسر يده وبعضهم - وهم الأقلون - حفظوا ما عهد إليهم فتناولوها تناول العارية والمنيحة والوديعة، فأدوا فيها الأمانة، وعلموا أنها مسترجعة، فلما استردت منهم لم يعضوا ولم يجزعوا، وردوها شاكرين لما نالوه منها، ومشكورين لأداء الأمانة فيها. وقد ذكر بعض الحكماء في ذلك مثلًا فقال: إن مثل الناس فيما أعطوه من أعراض الدنيا مثل رجل دعا قومًا إلى داره، فأخذ طبقًا من ذهب، وجعل عليه بخورًا

стр. 214

ورياحين، فكان كلما دخل واحد منهم تلقاه به، ودفعه إليه، لا ليملكه، بل ليشمه ويستمتع به ويدفعه إلى من يجيء بعده، فمن كان جاهلًا برسومهم ظن أنه قد وهب له، فيضجر إذا استرجع منه، ومن كان عارفًا برسومهم أخذه بشكر، ورده بانشراح صدر، وطيب نفس. تفاوت أحوال المتناولين لأعراض الدنيا طلب الدنيا وتناولها على ثلاثة أضرب: فالأول: من يتناولها على أي وجه اتفق، راكنًا إلى المال غير متفكر في المآل، وإياه قصد ﵎ بقوله في ذم من ذمه: (يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) . والثاني، من يتناولها على الوجه الذي يجب تناولها عليه، وذلك أن يقتصر على ما لا يمكن التبلغ بأقل منه، من الوجه الذي يجب كما يجب. ولوجوب تناول هذا القدر قيل: مباحات الصوفية فريضة، وفريضتهم مباحة. بمعني أنه لا يقدم على تناول مباح حتى يضطر إليه، فيتحتم تناوله عليه، فيصير ما كان مباحًا تناوله فرضًا عليه، ويفعل من الواجبات فوق ما يجب عليه، مسارعًا إليه حتى يصير حكمها حكم النوافل. وقد روي: " من طلب رزقه على ما سن له فهو في جهاد "، وقال ﷺ لابن مسعود: " إن المؤمن ليؤجر في كل شيء حتى اللقمة يضعها في فيِّ امرأته "، ولم يعن أن كل أحد على كل حال يؤجر في ذلك، وإنما أراد تخصيص المؤمنين الذين يراعون حكم اللَّه في مكاسبهم وإنفاقهم ويتحرون في ذلك عبادة الله. والضرب الثالث: من يتوسع فىِ تناولها ويراعي فيها ما يجب، لكن يكون فيه وكيلًا للَّه تعالى فيقتصر منها لنفسه على تناول بلغته، ويجعل الباقي مصروفا إلى ما دعي إليه، فهذا أفضل كما تقدم ذكره، فإنه يصير بذلك من خلفاء اللَّه . فمن تناول الدنيا على أحد هذين الوجهين فقد ارتسم للًه في قوله تعالى:

стр. 215

(وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا) . وبالاعتبار بمثلهم قال تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) وقال: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥) فجعلها لهم إرثًا، ثم قال: (إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (١٠٦) أي: من تحرى فىِ تناول الدنيا عبادة اللَّه فإنه يبلغ بذلك مقصوده المذكور في قوله: (وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢) وقال: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) . والفضل هو الإحسان، فنبَّه جمذلك أن تناول المال إذا تُحري به الوجه الذي يجب كما يجب فهو فضل وإحسان يستحق به الثواب وعلى ذلك قوله: (وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ) وقال في مدح قوم يتناولون الدنيا كما يجب من حيث ما يجب: (رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ) . في بيان ما ورد من الآيات المتفاوتة الظاهر في شأن الدنيا من تصور الجوه الثلاثة التي تقدم ذكرها في تناول الدنيا سقطت شبهته فيما ورد من الآيات والأخبار المتفاوتة في الظاهر، من ذم الدنيا وأعراضها تارة، ومدحها تارة، وذلك أن ما جاء من ذمها فاعتبارًا بمن رضيها حظًّا لنفسه، وجعلها مبلغ مراده، كما قال تعالى: (وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا) . وما جاء من مدحها فباعتبار تناولها وإنفاقها على ما يحمد، وعلى ذلك ما قال أمير المؤمنين علي كرم اللَّه وجهه: " الدنيا دار نجاة لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزود منها. الناس فيها رجلان: رجل باع نفسه فأوبقها، ورجل ابتاع نفسه فأعتقها ". وعلى هذين الوجهين مدح تارة عمارة الأرضين فقال تعالى: (وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) وقال ﷺ : " من غرس غرسًا لم يأكل منه طائر ولا بهيمة إلا كان له صدقة ". وقد ذم مرة عمارتها فقال تعالى: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا)

стр. 216

وقد قال ﷺ : " الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها ". أحوال الناس في مراعاة أمور الدنيا والآخرة الناس في ذلك على ثلاثة أضرب: صنف: هم المنهمكون في الدنيا بلا التفات منهم إلى العقبى، وهم المسمون عبدة الطاغوت، وشر الدواب، ونحوهما من الأسماء. وصنف: مخالفون لهم غاية المخالفة، يراعون العقبى من غير التفات منهم إلى مصالح الدنيا. وصنف: متوسط بينهما قد وفوا الدارين حقهما. وهذا الصنف هم الأفضلون عند الحكماء، لأن بهم قوام أسباب الدنيا والآخرة، ومنهم عامة الأنبياء ﷺ ، لأن اللَّه تعالى بعثهم لإقامة مصالح المعاد والمعاش، ولأن أمورهم مبنية على الاعتدال الذي هو أشرف الأحوال، وأجدر أن يكون ثلاثتهم داخلين في قوله تعالى: (وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢) . فالمراعي للدنيا والآخرة على ما يحسن وكما يحسن هو من السابقين، وقد جعل قوم السابقين النساك الذين رفضوا الدنيا بالكلية محتجين بقوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) وقد خفي على هذا القائل أن أعظم عبادة اللَّه تعالى ما يكون عائدًا بمصالح عباده، وقد روى ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: " الخلق كلهم عيال الله فأحب الناس إليه أنفعهم لعياله ".

стр. 217

ولأنه كما يقبح أن يشتغل الإنسان بأمر بدنه ودنياه، لأنه يصير مضاد اللَّه في إبطال وتضييع أحد جزئيه المركب عليه، وكذلك يقبح أن يضيع الجزء الآخر الذي هو بدنه ودنياه، لأنه يصير مضاد اللَّه تعالى في إبطال ما أوجده وأتقنه. فإن قيل: فقد قيل: الناس ثلاثة: رجل شغله معاده عن معاشه وتلك درجة الفائزين، ورجل شغله معاشه عن معاده وتلك درجة الهالكين، ورجل مشتغل بهما وتلك درجة المخاطرين. قال: وقد علم أن الفائز أحسن حالا من المخاطر. قيل له: إن المنازل الرفيعة لا تنفك عن المخاطرة، ولم يقصد هذا القائل بذلك إلى أن يفضل الفائز، وإنما خوف أن يترشح لخلافة اللَّه من هو قاصر عنها، ويقوي ذلك ما روي أن بعض أولاد الملوك ممن تقوى في العلم والحكمة اعتزل الملك وزهد في الدنيا، فكتب إليه بعض الملوك قد اعتزلت ما نحن فيه فإن علمت أن ما اخترته من ذلك أفضل فعرفنا لنذر ما نحن فيه، ولا تحسبن أني أقبل منك قولًا بلا حجة. فكتب إليه: اعلم أنا عبيد لملك رحيم، بعثنا إلى حرب عدو، وعرفنا أن المقصد من ذلك قهره أو السلامة منه، فلما قربوا من الزحف صاروا فزقًا ثلاثة: متحرزًا: طلب السلامة منه فاعتزل، فاكتسب ترك الملامة، وإن لم يكتسب المحمدة. ومتهورًا: أقدم على غير بصيرة، فجرحه العدو وقهره، فاستجلب بذلك سخط ربه. وشجاعًا: أقدم على بصيرة، فقاتل وأبلى واجتهد فهو الفائز التام الفوز. وأنا لما وجدتني ضعيفًا رضيت بأدنى الهمتين وأدون المنزلتين، فكن أنت أيها الملك من أفضل الطوائف تكن أكرمهم عند اللَّه والسلام. بيان حال من يجوز له الاستكثار من أعراض الدنيا ومن لا يجوز له ذلك الاعتبار في تناول الدنيا والاستكثار منها أو الاستقلال والزهد فيها أو الرغبة، ليس بتناول القليل والكثير، بل بتناولها من حيث ما يجب، ووضعها كما يجب. قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم اللَّه وجهه: " لو أن رجلًا أخذ جميع ما في الأرض

стр. 218

وأراد به وجه اللَّه سمي زاهدًا، ولو أنه ترك جميع ما في الأرض ولم يرد به وجه اللَّه لا يسمى زاهدًا، ولما كان في ذلك للَّه عابدًا " (١) . فليكن أخذك ما تأخذه، وتركك ما تتركه للَّه لا لغيره. واعلم أن الحكيم إذا تناول أعراض الدنيا جرى مجرى راق حاذق، يتناول حيَّة قد عرف نفعها وضرها، وأمن سمها وشرها، فتحرى بتناولها الوجه الذي ينتفع هو به وينفع غيره، فهو مباح له يتناوله. وغير الحكيم إذا تناولها فهو كجاهل استحسن الحية واستلان مسها، فظن أنها مستصلحة، لأن يتقلد بها، فجعلها سخابًا في عنقه، فلدغته وقتلته، وما أحسن ما قال الشاعر في وصفها: هي دنيا كحية تنفث السم ... وإن كانت المجسة لانت فكما لا يجوز للجاهل بالرقية غير العارف بنفع الحية أن يقتدي بالراقي في تناوله الحية والتصرف فيها، كذلك لا يجوز للجاهل أن يقتدي بالحكيم في تناول أعراض الدنيا. وكما أن محال أن يسلك الأعمى طريقًا وعرًا يسلكه البصير من غير قائد " إذ هو غير آمن من أن يقع في وهده، فكذلك محال أن يسلك الجاهل مستبدًّا برأيه في تناول أعراض الدنيا طريقًا سلكه الحكيم العالم، إذ هو غير آمن من أن يقع في هاوية. وأيضًا فالدنيا غانية رعناء كما قال: شيم الغانيات فيها فلا أد ... ري أفي الغانيات تحسب أم لا وكما أن الغانية لا يجوز أن يدخل عليها ويخلو بها من الرجال إلَّا من كان مجبوبًا يؤمن عليها، كذلك الدنيا لا يجوز أن يتمكن منها إلَّا المقطوع عنها بالعفة والزهد، لئلَّا تغره، وذلك كأمير المؤمنين علي ﵁ قال: " يا حمراء، يا بيضاء، احمري وابيضي، وغري غيري، هذا جنائي وجناؤه فيه، إذ كل جان يده إلى فيه ".

стр. 219

ومن تصور ذلك علم أن اللَّه تعالى قد أباح الدنيا كلها لأوليائه، علمًا منهم أنهم لا يتناولونها إلَّا على ما يجب وكما يجب، وإذا تناولوها وضعوها كما يجب وحيث ما يجب، وعلى هذا قال: (إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨) وقال تعالى: (أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥) إلى غير ذلك من الآيات التي تقدم ذكرها. ما ينال أرباب الدنيا من العقوبات الدنيوية للَّه عقوبتان في معاقبة من تناول ما لا يجوز له تناوله من الدنيا، أو يتناوله من الوجه الذي يجوز له لكنه لم يوف حقه. إحدى العقوبتين: ظاهرة للبصر والبصيرة، وذلك عقوبة من غصب مالاً مجاهرة، أو سرقة خفية، وكمن منع حق اللَّه من الزكوات فإن عقوبات ذلك ظاهرة، وأمر السلطان بإقامتها. والثانية: خفية عن البصر مدركة ببصائر أولي الألباب كعقوبة من تناول مالًا من حيث لا يجوز تناوله، أو منعه من حيث لا يجوز منعه، لا على وجه فيه حد أمر السلطان بإقامته، فهذا عقوبته ما روي: " أيما عبد سكن قلبه حب الدنيا بلي بثلاث: شغل لا يبلغ مداه، وفقر لا يدرك غناه، وأمل لا يدرك منتهاه "، وما قال ﷺ : " من كانت الدنيا أكبر همه شتت اللَّه عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يبال اللَّه في أي واد من الدنيا أهلكه ". وعلى ذلك قال تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥) وقال: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا. وليس يعني قلة المعيشة، وإنما يعني ما يقاسي فيها من الغموم والهموم التي تكدر العيش عليه.

стр. 220

الإنفاق المحمود والإنفاق المذموم الإنفاق ضربان: ممدوح ومذموم. فمالممدوح: منه ما يكسب صاحبه العدالة، وهو بذل ما أوجبت الشريعة بذله، كالصدقة المفروضة، والإنفاق على العيال، ومنه ما يكسب صاحبه أجرًا وهو الإنفاق على من ألزمت الشريعة الإنفاق عليه، ومنه ما يكسب صاحبه الحرية، وهو بذل ما ندبت الشريعة إلى بذله، فهذا يكتسب من الناس شكرًا، ومن ولي النعمة أجرًا. والمذموم ضربان: إفراط: وهو التبذير والإسراف، وتفريط: وهو التقتير والإمساك، وكلاهما يراعى فيه الكيفية والكمية. فالتبذير من جهة الكمية أن يُعطي أكثر مما يحتمله حاله، ومن جهة الكيفية فبأن يضعه في غير موضعه، والاعتبار فيه بالكيفية أكثر منه بالكمية، فرب منفق درهمًا من ألوف وهو في إنفاقه مسرف وببذله مفسد ظالم، كمن أعطى فاجرة درهمًا، أو اشترى خمرًا. ورب منفق ألوفًا لا يملك غيرها هو فيها مقتصد وببذلها مجتهد، كما روي في شأن الصديق أبي بكر ﵁. وقد قيل لحكيم: متى يكون بذل القليل إسرافًا والكثير اقتصادًا، قال: إذا كان بذل القليل في باطل وبذل الكثير في حق. والتقتير من جهة الكمية أن ينفق دون ما يحتمله حاله، ومن حيث الكيفية أن يمنع من حيث يجب، ويضع حيث لا يجب. والتبذير عند الناس أحمد، لأنه جود لكنه أكثر مما يجب، والتقتير بخل، والجود على كل حال أحمد من البخل، لأن رجوع المبذر إلى السخاء سهل، وارتقاء البخيل إليه صعب، ولأن المبذر قد ينفع غيره وإن أضر بنفسه والمقتر لا ينفع غيره ولا نفسه. على أن التبذير في الحقيقة هو من وجه أقبح، إذ لا إسراف إلَّا وبجانبه حق مضيع، ولأن التبذير يؤدي بصاحبه إلى أن يظلم غيره، ولهذا قيل: الشحيح أعذر من الظالم؛ لأنه جاهل بقدر المال الذي هو سبب استبقاء النفس، والجهل رأس كل شر، والمتلاف المبذر ظالم من وجهين: لأخذه من غير موضعه، ووضعه في غير موضعه.

стр. 221

ولكثرة مذام الإسراف ذم اللَّه تعالى أعظم مما ذم به البخل فقال: (وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ) وقال: (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩) ملومًا من جهة من سألك فلم تجد ما تعطيه، وحسيرًا عن بلوغ مرادك وبهذا ألم المتنبي فقال: فلا ينحلل في المجد مالك كله ... فينحل مجد كان بالمال عقده فلا مجد في الدنيا لمن قل ماله ... ولا مال في الدنيا لمن قل مجده وليس الإسراف متعلقًا بالمال فقط، بل بكل شيء وضع في غير موضعه اللائق به، ألا ترى أن الله تعالى وصف قوم لوط بالإسراف لوضعهم البذر في غير المحرث، فقال: (إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١) . ووصف فرعون بقوله: (إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ (٣١) وقوله: (وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (٨٣) . حقيقة السخاء والجود والشح والبخل السخاء: هيئة للإنسان داعية إلى بذل المقتنيات، حصل معه البذل أو لم يحصل، وذلك خلق، ويقابله الشح، والجود: بَذْلُك المقتنى ويقابله البخل. هذا هو الأصل وإن كان قد يستعمل كل واحد منهما في موضع الآخر. ويدل على صحة هذا الفرق أنهم جعلوا الفاعل من السخاء والشح على بناء الأفعال الغريزية فقالوا: شحيح وسخي، وقالوا: جواد، وباخل، وأما قولهم: بخيل فمصروف عن لفظ الفاعل للمبالغة، كقولهم: راحم ورحيم. ولكون السخاء غريزة لم يوصف الباري به. وقد عظم اللَّه تعالى الشح وخوف منه، ولهذا قال ﷺ : " ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه "، فخص المطاع لينبه أن الشح في النفس ليس مما يستحق به الذم، إذ ليس هو من فعله، وإنما يذم بالانقياد له. وقال تعالى: (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) وقال: (وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ)

стр. 222

وقال النبي ﷺ : " لا يجتمع شح وإيمان في قلب عبد أبدًا ". فضيلة الجود وذم البخل الجود على ألسنة الورى محمود، ولذلك قيل: كفى بالجود حمدًا أن اسمه مطلقًا لا يقع إلَّا في حمد، وكفى بالبخل ذمًا أن اسمه مطلقًا لا يقع إلا في ذم. وقيل لحكيم: أي فعل للبشر أشبه بفعل الباري تعالى، فقال: الجود. وقال ﷺ : " الجود شجرة من أشجار الجنة، من أخذ بغصن من أغصانها أداه إلى الجنة، والبخل شجرة من أشجار النار من أخذ بغصن من أغصانها أداه إلى النار ". ومن شرفه أن الله قرن ذكرِه بالإيمان، ووصف أهله بالفلاح، والفلاح أجمع اسم لسعادة الدارين. فقال: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) إلى قوله: (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥) وقال: ((وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) . وحق للجود أن يقترن بالإيمان، فلا شيء أخص به وأشد مجانسة له منه، فمن صفة المؤمن انشراح الصدر: (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا) وهما من صفات الجواد والبخيل " لأن الجواد يوصف بسعة الصدر للإنفاق، والبخيل يوصف بضيق الصدر للإمساك. وقال النبى ﷺ : " أي دواء أدوأ من البخل ". والبخل ثلاثة أضرب: بخل الإنسان بماله، وبخله بمال غيره على غيره، وبخله على نفسه بمال غيره، وهو أقبح الثلاثة. والباخل بما في يده باخل بمال اللَّه على نفسه، وقد تقدم أن المال عارية في يد الإنسان

стр. 223

مستردة، ولا أحد أجهل ممن لا ينقذ نفسه من العذاب الدائم بمال غيره، سيما إذا لم يخف من صاحبه تبعة ولا علاقة، والكفالة الإلهية متكفلة بتعويض النفقة، فقد قال ﷺ : " اللَّهم عجل لمنفق خلفًا، وعجل لمسك تلفًا "، وقال: " إن الله ينزل المعونة على العبد بقدر المؤونة "، وقد روي: " من وسع وسع عليه ". أنواع الجود والمجود به الجود خمسة أضرب: جُود الإله تعالى: وهو البذل لكل أحد على قدر استحقاقه. وجُود الملوك: وهو بسط المال على العفاة غنيهم وفقيرهم. وجُود السوقة: الذين هما دون الملوك: وهو بذل المال للسؤال. وجُود الصعاليك: وهو البذل للندامى والعاشرين والشرب. وجُود عوام الناس: وهو الإحسان إلى الأقارب. والمحمود من ذلك كله الجود الإلهي، وهو بذل الموجود بقدر الطاقة لكل محتاج بقدر استحقاقه من غير امتنان ولا تأذية، فالمعطي ما يحتاج إليه لمن لا يحتاج إليه مسرف مضيع، والمعطي غيره شيئًا لرهبة واقٍ نفسه، والمعطي لرغبة في مثوبة، أو لمحمدة دنيوية تاجر. وقول أبي نواس حيث قال: فتى يشتري حسن الثناء بماله ... ويعلم أن الدائرات تدور فليس ببالغ في الوصف بالجود التام، بل وصف بتجارة محمودة، وأحسن منه قول

стр. 224

ابن الرومي: وتاجر البر لا يزال له ... ربحان في كل متجر تجره أجر وحمد وإنما ... طلب الأجر ولكن كلاهما اعتوره وقد أجاد بشَّار في قوله: ليس يعطيك للرجاء أو الخوف ... ولكن يلذ طعم العطاء.

стр. 225

الفصل السابع في ذكر الأفعال

стр. 226

في أنواع الأفعال الأفعال ضربان: إلهي، وإنساني. فالإلهي: أربعة أضرب: إبداع، وتكوين، وتربية، وإحالة. وجميع ذلك يسمى خلقًا من حيث كان وجود كل واحد بمقدار، والخلق في الأصل: التقدير المستقيم. فالأول: الإبداع: وهو إيجاد الشيء دفعة لا عن موجود، ولا بترتيب، ولا عن نقص إلى كمال، وليس ذلك إلَّا للباري ، وإن كانت العرب قد تستعمل الإبداع فيمن يحفر بئرا في مكان لم يحفر فيه من قبل، وفيمن نسج شعرًا أو أورد كلامًا لم ينسج على منواله من قبل. والثاني: التكوين: وهو إيجاد الشيء عن عدم بترتيب، ومن نقص إلى كمال، والمتكلمون قد يستعملون التكوين في موضع الإبداع، ولما هفوا عن حقيقة التكوين أنكروا واستبشعوا قول من قال: السماء ليست بمكونة، وقدروا أنه يقول: ليست بمبدعة ولا مخلوقة، وإنما أراد هذا القائل فيما ذكر أصحابه، ودلَّ عليه كلامه أن اللَّه تعالى أبدعها إبداعًا كما قال: (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) ولم يخلقها خلقة ناقصة في ابتداء نشأتها، ثم كملها شيئًا فشيئًا كالإنسان والحيوان والنبات. والثالث: رب الشيء: وهو تغذيته، وذلك استخلاف ما تحلل من الأبدان فيما

стр. 227

وجد عن كون ليبقى المدة المضروبة له، وبه قيل له تعالى: رب العالمين. والرابع: إحالة الشيء: وهو التغايير اللاحقة لجميع الكائنات في كيفياتها من طعم ولون ورائحة. والفعل الإنساني ثلاثة أضرب: نفساني فقط: وهو الأفكار والعلوم، وما ينسب إلى أفعال القلوب. وبدني: وهو الحركات التي يفعلها الإنسان في بدنه كالمشي والقيام والقعود. وصناعي: وهو ما يفعله الإنسان بمشاركة البدن والنفس، كالحرف والصناعات. الفرق بين العمل والفعل والصنع الفعل: لفظ عام يقال لما كان بإجادة أو غير إجادة، ولما كان بعلم أو بغير علم، وعن قصد أو غير قصد، ولما كان من الإنسان والحيوان والجمادات. وأما العمل: فإنه لا يقال إلَّا لما كان من الحيوان دون ما كان من الجمادات، ولما كان بقصد وعلم دون ما لم يكن عن قصد وعلم. قال بعض الأدباء: العمل مقلوب عن العلم، فإن العلم فعل القلب والعمل فعل الجارحة، وهو ييرز عن فعل القلب الذي هو العلم، وينقلب عنه. وأما الصنع: فإنه يكون من الإنسان دون سائر الحيوان، ولا يقال إلَّا لما كان بإجادة، ولهذا يقال للحاذق المجيد والحاذقة المجيدة: صنع وصناع. والصنع: قد يكون بلا فكر لشرف فاعله، والفعل قد يكون بلا فكر لنقص فاعله، والعمل لا يكون إلا بفكر لتوسط فاعله. والصنع أخص المعاني الثلاثة، والفعل أعمها، والعمل أوسطها، فكل صنع عمل، وليس كل عمل صنعًا، وكل عمل فعل، وليس كل فعل عملًا، وفارسية هذه الألفاظ تنبئ عن الفرق بينها، فإنه قيل للفعل: كار، وللعمل: كردار، وللصنع: كنش. أنواع الصناعات الصناعات ضربان: علمي وعملي.

стр. 228

فالعلمي: ما يستغنى فيه عن الاستعانة بالجوارح من اليد والرجل، كالمعارف الإلهية والحساب. والعملي: ما يحتاج فيه إلى الاستعانة بالجوارح، وذلك ضربان: الأول: شيء ينقضي بانقضاء حركة الصانع، كالرقص والزمر والمحاكاة. والثاني: شيء يبقى له أثر، وذلك ضربان: ضرب يبقى له أثر معقول لا محسوس، كالطب والبيطرة، وضرب يبقى له أثر محسوس كالبناء والكتابة. الأفعال الإرادية وغير الإرادية الأفعال التي تظهر من غير اللَّه إما تسخيري، وإما غير تسخيري. فالتسخيري: هو الذي يظهر ممن يظهر منه لا بقصد وإرادة منه، وقد يكون ذلك من الجماد والحيوان غير الناطق، وذلك نوعان: نوع بتسخير الباري تعالى، كإحراق النار الحديد، وتبريد الثلج الماء، وضرب بتسخير البشر كطحن الرحا، ودور الدولاب. وأما غير التسخيري فضربان: ضرب يكون من فاعله مبدأ الإرادة، وضرب لا يكون منه مبدأ الإرادة، والذي يكون منه مبدأ الإرادة ثلاثة: الأول: بحسب التمييز كمن تناول الخير دون الشر مؤثرًا له. والثاني: بحسب الغضب كمن بطش بمن يغضب عليه. والثالث: بحسب الشهوة كمن تناول ما اشتهاه لشهوته، والذي لا يكون منه مبدأ. الإرادة له ضربان: ضرب لا يكون منه مبدأ الإرادة ولا منتهاها، كمن رمى إلى غرض فأصاب شخصًا. وضرب لا يكون منه مبدأ الإرادة ولكن يكون منه منتهاها، كمن حصل في سفينة فخاف الغرق فكلف أن يلقي متاعه في البحر ليتخلص. والأفعال من الجمادات تقع بالتسخير فقط. ومن النبات تقع بالتسخير وبالنزاع الذي تقتضيه القوة الشهوية. ومن الحيوانات تقع بهما وبالغلبة التي تقتضيها القوة الغضبية، ومن الإنسان تكون بكل ذلك، وبالفكرة التي تقتضيها القوة العقلية.

стр. 229

ما يستحق به من الأفعال اللوم وما لا يستحق به ذلك الأفعال ضربان: إرادي وغير إرادي. والإرادي ضربان: ضرب عن روية، وضرب لا عن روية. فالذي عن روية ضربان: أحدهما: الذي عن روية تظن في غاية الشرف، وهو ما يكون بحسب النفس الناطقة، ويسمى الاختيار، وهو طلب ما هو خير له، ويستحق به أبدًا الحمد إذا كان على الحقيقة اختيارًا. والثاني: عن روية فيما ليس هو في غاية الشرف، وذلك إما بحسب القوة الغضبية: وهو دفع ما يضره، وإما بحسب القوة الشهوية. وكل منهما إذا كان بقدر ما يوجبه العقل يستحق به الحمد، وإذا كان زائدًا أو ناقصًا عما يوجبه العقل يستحق به الذم. والإرادي الذي عن غير روية واختيار ضربان: أحدهما: ما يفعله في نفسه. والثاني: ما يفعله بغيره. وكل واحد منهما ضربان: نفع وضر. فما قصد به نفع نفسه فقد يستحق به الحمد وما قصد به نفع غيره فقد يستحق به الحمد والشكر معًا، وما قصد به ضر نفسه فقد يستحق به الذم، وما قصد به ضر غيره فقد يستحق به الذم والعتب عليه. وغير الإرادي ثلاثة أضرب: الضرب الأول: أن يكون قسريا، وهو: ما يكون مبدؤه من خارج ولا يكون من أربابه معونة بوجه، كمن دفعته ريح فسقط على آنية فكسرها، فلا ملامة فيه بوجه. والثاني: أن يكون إلجائيَّا كمن أكرهه سلطان على أن يفعل فعلًا ما، وهذا متى كان الملجأ إليه قبيحا جدا، والسبب الملجئ إليه خفيفا يستحق مرتكبه الذم، كمن يُضرب ليقتل إنسانا، ومتى كان الملجأ إليه ليس بجد قبيح، والسبب الملجئ إليه عظيما، لا يستحق مرتكبه الذم كمن يوضع على حلقه السيف ويُهدٌد أن يُقتل إن لم يتكلم بكلام قبيح، وكلاهما يقال له: إكراه. والثالث: الخطأ، وهو ما يكون مبدؤه من صاحبه وذلك نوعان: أحدهما: ما تولد عن فعل وقع منه، وله أن يفعله، كمن يرمي هدفا فأصاب

стр. 230

إنسانًا، وذلك لا يستحق به ملامة، ما لم يقع من صاحبه تقصير في الاحتراز. والثاني: ما يتولد عن فعل ليس له أن يفعله، كمن شرب فسكر، فحمله سكره على أن كسر إناء أو ضرب إنسانًا، فإن ذلك يستحق الملامة وإن لم يرد كسر الإناء وضرب الإنسان، فقد ارتكب محظورًا أدى به إلى وقوع ذلك منه. فالضرب الأول يقال فيه: أخطأ فهو مخطئ، والثاني يقال فيه: خطئ فهو خاطئ؛ ولهذا قال أهل اللغة: خطئ ما كان على سبيل العمد، وأخطأ ما كان على سبيل السهو. الأسباب التي يمكن نسبة الفعل إليها أكثر الأسباب التي يحتاج إليها الفعل في وجوده عشرة أشياء: يحتاج في حصوله إلى فاعل يصدر عنه الفعل كالنجار، وإلى عنصر يعمل فيه كالخشب، وإلى عمل كالنجر، وإلى زمان، وإلى مكان يعمل فيهما، وإلى آلة يعمل بها كالمنجر والمنحت، وإلى غرض قريب كاتخاذ النجار الباب، وإلى غرض بعيد كتحصين البيت به، وإلى مثال يعمل عليه ويحتذي به، وإلى مرشد يرشده. وكل ذلك قد ينسب إليه الفعل فيقول: أعطاني زيد؛ إذا باشر الإعطاء، وأعطاني الله؛ لما كان هو الميسر له، وربما جمع بين السبب القريب والبعيد، فيقول: أعطاني اللَّه وزيد. قال الشاعر: حبانا بها جدنا والإله ... وضرب لنا أجذم صارم فنسب إلى السبب الأول وهو اللَّه تعالى، وإلى السبب المتأخر وهو الضرب، وإلى المتوسط وهو الجد، وقال تعالى: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا) وقال: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١) فأسند الفعل في الأول إلى الآمر به، وفي الثاني إلى المباشر له. وقد قال الشاعر في صفة درع: وألبسنيه الهالكي. وقال: كساهم محرق، فنسب الفعل إلى عاملها، وفي الثاني إلى مستعملها. وقال في صفة نباله: كستها ريشها مضرحية، فنسب كسوتها إلى الطائر الذي اتخذ ريشه فجعل لها. وقد قيل: يداك أوكتا، وفوك نفخ، فنسب الفعل إلى الآلة المتصلة، ويقال: سيف قاطع، فنسب الفعل إلى الآلة المنفصلة، وقيل: ضرب فيصل وفاصل، وطعن خائف،

стр. 231

فنسب إلى الخوف، وقيل: سر كاتم، وعيشة راضية؛ فنسب إلى المفعول. وقال تعالى: (حَرَمًا آمِنًا) فنسب إلى المكان، وقيل: يوم صائم وليل ساهر، وقد قيل: ... ... ... ... .. وما ليل المطي بنائم. فنسبه إلى الزمان. فلما كانت أفعاله على ذلك صح في الفعل الواحد أن يثبت لأحد الأسباب مرة، وينفي عنه مرة بنظرين مختلفين، وعلى ذلك قول الشاعر: أعطت من لم تعطه ولو انقضى ... حسن اللقاءحَرمت من لم يُحرم فأثبت له الفعل ونفاه عنه معًا بنظرين مختلفين. ويقال: هذا الخشب قطعته أنا لا السكين، ويقال: قطعته السكين ولم أقطعه، ويقال: فلان هداه اللَّه، وهداه الرسول، وهداه القرآن، وهداه فهمه، فنسب إلى كل ذلك. ويقال: وأضله اللَّه لما كان تعالى هو السبب الأول في وجوده، ووجود سببه المضل، ووجود الآلة، وإن لم يكن هو تعالى الداعي له إلى الضلالة، ويقال: أضله الشيطان لما كان هو الداعي إلى الضلال. ويقال: أضلته نفسه لما كانت هي التي تركت الاحتراز. وهذا فصل من تصوره لم يعتمد في تثبيت المعاني على مثلها من الألفاظ، فينظر من اللفظ إلى المعنى، بل ينظر في نحو هذا من المعنى إلى اللفظ. واعلم أن من أجل هذا الذي قدمنا ذكره قال قوم من المحصلين: لا شيء من الأفعال فاعله فاعل واحد على الحقيقة إلَّا اللَّه تعالى، فإن فعله يستغني عن المكان، والزمان، والآلة، والمادة، وعن مثال يحتذيه. ومن عداه تعالى من الفاعلين لا بد له من كل ذلك أو من بعضه، ولهذا لا يصح أن ينسب الإبداع إلى غيره تعالى لا حقيقة ولا مجازًا، ويصح أن يثبت فعل غير اللَّه على ما تقدم.

стр. 232

قال الشيخ أبو القاسم الراغب ﵀: هذا آخر ما قصدت تبيينه من هذا المعنى، وأختم القول بحمد اللَّه تعالى، والثناء عليه، والتضرع إليه في أن ينفعني وإخواني بما تحريته، ويجعلني ممن تذكر فذكر، وتبصر فبصر، واتعظ فوعظ، وتيقظ فأيقظ، فأعظم الهجنة أن يأمر من لم يأتمر، ويزجر من لا ينزجر، وأن يدعي الحكمة من إذا تلقته المحاسن لا تجتبيه، وإذا تلقته المساوئ لا تجتويه، يرى القذاة في عيون إخوانه فينكرها، ويترك الجذع المعترض في أجفانه لا يغيره، ينصح غيره ويغش نفسه: كمن كسا الناس من عري وعورته ... للناس بادية ما إن يواريها وكالمسن الذي يشحذ الحديد ولا يقطع، وكالحجر الصلد الذي يمر به الماء النافع فلا ينتفع هو به. وقد قال ﷺ : " إن اللَّه تعالى يؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم " (١) . فنرغب إليه تعالى أن يجعلنا برحمته ممن ائتمر لنبيه ﷺ حيث قال: " اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وغناك قبل فقرك، وحياتك قبل موتك " (٢) . فما أعظم في القيامة الحسرة والندامة إن لم يتغمدني اللَّه برحمته التي وسعت كل شيء، فسهِّل يا رب المجاز، ويسِّر لي الجواز، فقد حان حصادي وإن لم يصلح فسادي ولم يحصل رشادي، اللهم صل على خاتم النبيين محمد وآله أجمعين. وحسبنا اللَّه ونعبم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، أفضل ما صليت على أحد من خلقك صلاة لا تنقضي أبدًا، ولا تحصى عددًا. واغفر لكاتبه ولصاحبه ولوالديه ولجميع المسلمين، ولمن قال آمين يا رب العالمين.

стр. 233

وقع الفراغ من نساخة هذا الكتاب بمدينة عدن لعشر ليالٍ مضين من شهر ذي القعدة من شهور سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة (٥٩٢ هـ) . غفر اللَّه لكاتبه، ونفع به صاحبه، وألهمه لما فيه، واستعمله بما يرضيه بمحمد وآله الطاهرين. وصلى اللَّه على رسوله سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وسلم تسليمًا.