← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1390

الذريعة الى مكارم الشريعة

الراغب الأصفهاني

Полный текст (233 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

عظيم وشكره لازم. وقد حكي أن قومًا من الأوائل كانوا يعظمون " زحل " بالتقديس والتسبيح له وقالوا: إنه لا يعين على الحياة العرضية، بل هو سبب إنقاذنا من الدنيا الدنية، وقال بعض الأولياء في مناجاته: إلهي إن سألتك الحياة في دار الممات فقد رغبت في البعد عنك، وزهدت في القرب منك، فقد قال نبيك وصفيك: " من أحب لقاء اللَّه أحب اللَّه لقاءه، ومن كره لقاء اللَّه كره اللَّه لقاءه "، وقال بعضهم: إن كان في قلة الحاجة الدنيوية غنًى ففي انقطاع الحاجة كلها الغنى الأكبر، ولا انقطاع لها إلَا بمفارقة الدنيا. فالدنيا سبب فاقتنا والعبودية لغير اللَّه تعالى، وقبيح بالعاقل صحبة الفاقة والتخصص بعبودية غير رب العزة، والموت سبب كمال الإنسان، ومن رغب عن كماله فهو من الذين خسروا أنفسهم، ومن كره الموت أخرج من الدنيا كارهًا فيكون كعبد آبق رد إلى مولاه مأسورًا وقيد إلى حضرته مقهورًا، وشتان بين عبد دعاه مولاه فأتاه طوعًا وبين آبق أسر فأتي به قسرًا، وحق العاقل أن يكثر من ذكر الموت، فإن ذكره لا يقرب أجله ويفيده ثلاثة أمور: القناعة بما رزق، والمبادرة بالتوبة، والنشاط في العبادة، ولذلك قال ﷺ : " أكثروا ذكر هازم اللذات فإنه ما ذكره أحد وكان في ضيق إلا وسعه عليه، ولا في سعة إلا ضيقها عليه " وقيل: ذكر الموت يطرد فضول الأمل ويقل من غرور المنى، ويهون المصائب، ويحول بين الإنسان والطغيان. السرور والفرح السرور: انشراح الصدر بلذة فيها طمأنينة النفس عاجلَا وآجلًا، وذلك في الحقيقة إنما يكون إذا لم يخف زواله، ولا يكون ذلك إلَّا في القنيات الأخروية، ولذلك قيل: لا سرور في الدنيا على الحقيقة، والفرح هو انشراح الصدر بلذة عاجلة غير آجلة، وذلك يكون في اللذات البدنية الدنيوية " ولهذا قال تعالى: (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ) وقال تعالى: (وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا) فالفرح يدعو إلى النشاط، والنشاط يدعو إلى المرح، والمرح داعية الأشر، والأشر مقدمة

стр. 177

البطر وأكثر ما يكثر ذلك في الأحداث والصبيان بقدر ما يغلب عليهم من الغفلة، وقد ذمه اللَّه تعالى بقوله: (وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا) ، وقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) وقال تعالى: (ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (٧٥) وقال تعالى: (كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣) وقد يسمى الفرح سرورا والسرور فرحًا لكن على نظر من لا يعتبر الحقائق ويتصور أحدهما بصورة الآخر، ولذلك قيل: من طلب السرور بالخارجات عنه لم ينله. العذر والتوبة المذنب إذا عوتب أو خاف العتب لا ينفك عن أحد وجهين: إما أن يكون مصرًّا أو معتذرًا، فأما المصر: فقد يُستحسن في بعض الأحوال التجافي عنه، وقد سمع رجل حكيمًا وهو يقول: ذنب الإصرار أولى بالاغتفار، فقال: صدق ليس فضل من عفا عن السهو القليل كفضل من عفا عن العمد الجليل، وأما المعتذر: فهو المظهر لما يمحو به الذنب. وجميع المعاذير لا تنفك عن ثلاتة أوجه: إما أن يقول، لم أفعل، أو يقول: فعلت لأجل كذا فيبين ما يخرجه عن كونه ذنبًا أو يقول: فعلت ولا أعود، فمن أنكر وأنبأ عن كذب ما نسب إليه فقد برئت ساحته، وإن فعل وجحد فقد يعد التغابي عنه كرمًا وإيَّاه قصد الشاعر بقوله: تغابي وما بك من غفلة ... لفرط الحياء وفضل الكرم ومن أقر فقد استوجب العفو لحسن ظنه بك، قال بعض الحكماء: تجاوز عن مذنب لم يسلك بالإقرار طريقًا حتى أخذ من رجائك رفيقًا، وإن قال: فعلت ولا أعود فهذا هو التوبة وحق الإنسان أن يقتدي باللَّه تعالى في قبولها، وللتوبة شرائط فرضًا ونفلًا، ففرضها ترك الذنب مع ترك العود إليه، ونفلها التأسف لما سلف من الذنب والاستغفار له وترك بعض المباحات مقابلة لما كان من العصيان. واعلم أن للمذنب التائب إذا تاب توبة نصوحًا فضيلة على من لم يذنب من ثلاثة أوجه: الأول: أنه قد جرب العيوب وعرف مداخل الشيطان على الإنسان فيكون أهدى إلى الاحتراز من الشر، وقد قيل لحكيم: فلان لا يعرف الشر، فقال: ذالك أجدر أن يقع فيه. والثاني: أن المذنب التائب محتشم قد غلب الخوف على قلبه فيأتي باب مولاه، وهو خزيان منكسر، ومن لم يذنب ربما يعجب بنفسه ويذل بعفته وليس خدمة عبد قد عصى

стр. 178

ملكا وخرج عليه خارجيًّا، ثم عاد إليه وجلًا خائفًا فعفى عنه كخدمة من يذل بطاعته وعدم مخالفته. والثالث: أن التائب قد حلب الدهر الشطرين خيره وشره حلوه ومره، فهو أرفق بالمذنبين وأوفق لهما وأصلح للرياسة ممن يظن أن الذنب خارج عن طبيعة الإنسانية فيعجب بنفسه ويزري بغيره. الحلم والعفو الحلم: إمساك النفس عن هيجان الغضب، والتحلم: إمساكها عن قضاء الوطر منه إذا هاج، ولما كان الحلم من تأثير العقل وغير منفك عنه صار يعبر به عن كل عقل ظهر فعلًا كقوله في ذم الكفار على سبيل التعجب منهم: (أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٣٢) ومتى أطلق الحلم في حق الباري تعالى فإنه يراد به العمل بمقتضاه وهو العفو دون انفعال بعرض له، ولن يتم حلم الإنسان إلَا بإمساك الجوارح كلها، اليد عن البطش، واللسان عن الفحش، والسمع عن استماعه، والعين عن فضول النظر، وأقرب لفظ يستعمل في ضد الحلم: التذمر. وأما العفو والصفح: فهما صورتا الحلم ومخرجاه إلى الوجود، والعفو هو ترك المؤاخذة بالذنب، والصفح: ترك التثريب، واشتقاقه من تجاوز الصفحة التي أثبت فيها ذنوبه، أو اللإعراض بصفحة الوجه عن التلف إلى ما كان منه، وهو محمود إذا كان على الوجه الذي يجب. ولهذا قال تعالى: (فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥) فخصَّ تنبيهًا على ما يحمل منه وقد ندب اللَّه تعالى إلى ذلك بقوله: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ) فأمر بالحلم والعفو وقال: (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا) وقال: (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣) وقال: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ. والعفو إنما يستحب فيما إذا كانت الإساءة مخصوصة بالعافي كمن أخذ ماله، أو شتم عرضه، فأما إذا كانت الإساءة عائدة بالضرر على الشرع أو على جماعة الناس

стр. 179

فإنه إن كان فيها أدنى شبهة فللسلطان العفو لقوله ﷺ : " ادرؤوا الحدود بالشبهات " وإن لم يكن شبهة فليس له العفو؛ ولهذا قال تعالى في الزنى: (وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. وحق المعاقب أن لا يكون سبعًا في انتقامه، بل لا يعاقب حتى يزول غضبه؛ لئلا يقدم على ما ليس بواجب؛ ولذلك جرت سنة السلطان بحبس المجرم حتى ينظر في جرمه ويعيد النظر فيه. وقد قال بعضهم: ينبغي للسلطان أن يؤخر العقوبة حتى ينقضي سلطان غضبه، ويعجل مكافأة المحسن، ويستعمل الأناة فيما يحدث، ففي تأخير العقوبة إمكان العفو إن أحب ذلك، وفي تعجيل المكافأة بالإحسان مسارعة الأولياء إلى الطاعة، وقد أتي الإسكندر بمذنب فصفح عنه، فقال بعض جلسائه: لو كنت إياك لقتلته، فقال: فإذا لم أكن أنا إياك ولا أنت إياي فلست بقاتله، وانتهى إلى بعض أصحابه وهو يغتابه، فقيل له: لو أنهكته عقوبة فقال حينئذ: أبسط لسانًا وعذرًا في اغتيابي. واعلم أن لذة العفو أطيب من لذة التشفي، لأن لذة العفو يلحقها حمد العاقبة، ولذة العقوبة يلحقها ذم الندم، والعقوبة أَلْأَمُ حالات ذوي القدرة، وهي طرف من الجزع، ومن رضي أن لا يكون بينه وبين الظالم له إلَّا ستر رقيق فلينتصف، وقد نبه اللَّه تعالى على ذلك بلطيف من المقال، فقال تعالى: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) فسمى مجازاة المسيء بإساءته إساءة، وقال تعالى: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) فسمى المجازي على الاعتداء معتديًا؛ تنبيهًا على أنه قد كاد يكون إيَّاه. والعقوبات فيما بين الناس أقبحها ما كان فيما لم يظهر بالفعل، فقد قال بعض الملوك: إنما نملك الأجساد دون الضمائر، ونفحص عن الظواهر لا عن السرائر، فمن سلم ظاهره احتملت جرائره، فقد يهفو المرء ونيته سليمة، ويزل وطريقته مستقيمة.

стр. 180

ثوران الغضب وفضل كظمه الغضب في الإنسان بمنزلة نار تشتعل والناس يختلفون فيه، فبعضهم: كالحلفاء سريع الوقود وسريع الخمود، وبعضهم: كالغضى بطيء الوقود بطيء الخمود، وبعضهم: سريع الوقود بطيء الخمود، وبعضهم: على عكس ذلك وهو أحمدهم ما لم يكن مفضيًا به إلى زوال حميته وفقدان غيرته، واختلافهم تارة يكون بحسب الأمزجة فمن كان طبعه حارًّا يابسًا يكثر غضبه، ومن كان بخلافه يقل، وتارة يكون بحسب اختلاف العادة فمن الناس من تعود السكون والهدوء وهو المعبر عنه بالذلول والهين واللين، ومنهم من تعود الطيش والانزعاج فيحتد بأدنى ما يطرقه ككلب يسمع صوتًا فينبح قبل أن يعرف ما هو، وأسرع الناس غضبًا الصبيان والنساء، وأكثرهم ضجرًا الشيوخ، وأجل الناس شجاعة، وأفضلهم مجاهدة، وأعظمهم قوة من يكظم الغيظ، وعلى ذلك دلَّ قوله تعالى: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) فجعلهم من المحسنين. وقال النبي ﷺ وقد مرَّ بقوم يرفعون حجرًا فقال: " ألا أخبركم بأشدكم؟ ، من ملك نفسه عند الغضب ". واعلم أن نار الغضب متى كانت عنيفة تأججت واضطرمت واحتد منه غليان الدم في القلب وملأت الشرايين والدماغ دخانًا مظلمًا مضطرمًا يسودُ منه مجال العقل ويضعف به فعله، فكما أن الكهف الضيق إذا مُلِىءَ حريقًا اختنق فيه الدخان واللهب، وعلا منه الأجيج، فيصعب علاجه وإطفاؤه ويصير كل ما يدنو منه مادة تقويه. فكذلك النفس إذا اشتعلت غضبًا عميت عن الرشد، وصمت عن الموعظة، فتصير مواعظه مادة لغضبه، ولهذا حكي عن إبليس لعنه اللَّه أنه يقول: متى أعجزني ابن آدم فلن يعجزني إذا غضب، لأنه ينقاد لي فيما أبتغيه منه، ويعمل بما أريده وأرتضيه. وقد قيل: الغضب جنون ساعة، وربما أفضى إلى تلف باختناق حرارة القلب فيه، وربما كان سببًا لأمراض صعبة مؤدية إلى التلف.

стр. 181

وأسباب الغضب: العجب والافتخار والمراء واللجاج والمزاح والتيه والضيم والاستهزاء وطلب ما فيه التنافس والتحاسد وشهوة الانتقام، وحق من اعتراه غضبه أن يتفكر، فإن كان المغضوب عليه تحت يده فلا معنى لاستشاطته، إذ هو ممكن من الانتقام منه على سكون الجأش، وإن كان غضبه على من لا سبيل له عليه فلا معنى لتعذيبه نفسه في الحال، بل حقه أن يصبر حتى يتمكن منه، ثم يفعل بالواجب، وقد قال حكيم: سد طريق الغضب قبل تلهب ناره في لحمك ودمك، فإنما يمكن إطفاؤها قبل انتشارها، فأما إذا اشتعلت فلا سبيل إلى إطفائها، وقال سلطان لحكيم: كيف لي أن لا أغضب، فقال: بأن تكون في كل وقت ذاكرًا أنه يجب أن تُطع لا أن تُطاع فقط، وأن تَخدم لا أن تُخدم فقط، وأن تحتمل لا أن تُحتمل فقط، وأن تتحقق أن اللَّه يراك دائما، فإذا فعلت ذلك لم تغضب، وإن غضبت كان قليلاً. الغيرة والجوار الغيرة: ثوران الغضب حماية على أكرم الحرم وأكثر ما تراعى في النساء، وجعل اللَّه سبحانه هذه القوة في الإنسان سببًا لصيانة الماء وحفظًا للإنسان، ولذلك قيل: كل أمة وضعت الغيرة في رجالها وضعت العفهّ في نسائها، وقد يستعمل ذلك في صيانة كل ما يلزم الإنسان صيانته في السياسات الثلاث التي هي سياسة الرجل نفسه، وسياسة منزله وأهله، وسياسة مدينته وضيعته، ولذلك قيل: ليست الغيرة ذب الرجل عن امرأته ولكن ذبه عن كل مختص به، وقد قيل: الغيرة الذب عن كل ضعيف، وتسمى كراهية النعمة عند من لا يستحقها غيرة، والغيرة وإن كانت من قوة الإنسانية وواجب كونها في كل جيل فقد كثرت في العرب خاصةً كثرة متناهية حتى إن من دخل دار أحدهم والتجأ إلى فنائه عدوا فعله حرمة وجوارًا وذمارًا، بل قالوا: تعلق الدلو بالدلو القريبة أو تلامس الطنب بالطنب يوجب حرمة وجوارًا، بل كانوا يراعون ذلك في الوحشيات والهوام حتي سمي بعضهم: مجير الجراد، ومجير الغزال، ومجير الذئب، وسمي الغضب المقتضي للغيرة: الحفيظة، فيقال: أحفظني فلان، أي: أغضبني الغضب الذي أثار مني قوة الحفظ.

стр. 182

الغبطة والمنافسة والحسد الذي ينال الإنسانَ بسبب خير يصل إلى غيره على سبيل التمني أن يكون له مثله فهو غبطة، وإذا كان مع ذلك سعي منه أن يبلغ هو مثل ذلك من الخير أو ما هو فوقه فمنافسة، وكلاهما محمودان، وإن كان مع ذلك تمني زوال ما يصاحبه من غير استحقاق لزواله فحسد، والحسد: هو تمني زوال نعمة عمن يستحقها، ولربما كان مع ذلك سعي في إزالتها، والحاسد التام: هو الذي يكون حيث النفس تسعى في إزالة نعمة مستحقة من غير أن يكون طالبًا ذلك لنفسه، ولذلك قيل: الحاسد قد يرى زوال نعمتك نعمة عليه، وقال ﷺ : " المؤمن يغبط، والمنافق يحسد " فحمد الغبطة، وقد قال تعالى: (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦) فحثنا على التنافس إذا كان باعثًا لنا على طلب المحاسن، وذلك كقوله تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) وقول النبي ﷺ : " ثلاتة لا ينجو منها أحد: الظن والطيرة والحسد، وسأخبركم بالمخرج من ذلك فإذا ظننت فلا تتحقق، وإذا تطيرت فامض ولا تنثن، واذا حسدت فلا تبغ " أي: إذا أصابك غم بخير يناله غيرك فلا تبغ إزالته عنه. واعلم أن الحسد من وجه غاية البخل، لأن البخيل يبخل بمال نفسه والحاسد يبخل بمال الله تعالى، ولذلك قيل: الحاسد بخيل بما لا يملكه، ومن وجه هو أظلم ظالم، لأنه يظلم غيره في إزالة حاله ويظلم ربه فيما قدره، وقد قيل: الحسد والحرص ركنا الذنوب ومنهما أنتج ذنب إبليس وآدم فإبليس حسد آدم فصار لَعِينًا وطريدًا، وآدم حرص على ما نهى اللَّه عنه فأخرج من الجنة، فهما شجرتان تجتنى منهما سائر الرذائل، فمن قطع أسبابهما نجا، فإن قيل: فما وجه قول النبي ﷺ : " لا حسد إلا في اثنتين:

стр. 183

رجل آتاه اللَّه مالًا فجعله في حق، ورجل آتاه اللَّه حكمة فهو يقضي بها ويعلمها الناس "، قيل: إنما عني بالحسد هاهنا الغبطة، وقد سمي ذلك حسدًا من حيث إنه عبارة عن الغم الذي ينال الإنسانَ من خير يناله غيره ولا يناله هو، وعلى ذلك يقول الإنسان لولده: لا تحسد فلانًا فيما يتعلمه، أي: لا تتمن حاله. واعلم أن الحسد ضرب من الحماقة، لأن اغتمامه بما يناله ذووه وأهل بلده يقتضي أن يغتم أيضًا بما يناله أهل الصين والهند، على أن الخير الذي ينال ذويه إذا تفكر فيه هو أنفع له مما يناله الأباعد.

стр. 184

الفصل الخامس في العدل والظلم والمحبة والبغض

стр. 185

القول في العدل وفضله العدل لفظة تقتضي معنى المساواة، ولا تستعمل إلَّا باعتبار الإضافة، وهي في التعارف إذا اعتبرت بالقوة فهيئة في الإنسان يطلب بها المساواة، فإذا اعتبرت بالفعل فهو التقسيط القائم على الاستواء، وإذا وصف اللَّه تعالى بالعدل فليس يراد به الهيئة وإنما يراد به أن أفعاله واقعة على نهاية الانتظام، فالإنسان في تحري فعل العدالة يكون تام الفضيلة إذا حصل مع فعلد هيئة مميزة لتعاطيه، فقد يقع فعل الإنسان موصوفًا بالعدل ولا يكون ممدوحًا به نحو أن يقسط مراءاة أو توصلًا إلى نفع دنيوي أو خوف عقوبة السلطان. والعدل تارة يقال: هو الفضائل كلها من حيث إنه لا يخرج شيء من الفضائل عنه، وتارة يقال: هو أكمل الفضائل من حيث إن صاحبه يقدر أن يستعمله في نفسه وفي غيره، وهو ميزان اللَّه المبرأ من كل ذلة، وبه يستتب أمر العالم، ولذلك قال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ) وقال: (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٧) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (٨) وعبر عن العدل بالميزان إذا كان من أثره ومن أظهر أفعاله الحسية، وقد قال ﷺ : " بالعدل قامت السموات والأرض "، أي: لو كان شيء من موجودات العالم وأصوله زائدً عما هو عليه أو ناقصًا عنه لم يكن منتظمًا هذا النظام، ومن فضيلة العدل أن الجور الذي هو ضده لا يستتب إلا به، فلو أن لصوصًا تشارطوا فيما بينهما شرطاً فلم يراعوا العدل فيه لم ينتظما أمرهم، ومن فضله أن كل نفس سليمة تلتذ وترتاح بسماعه وتتألم من ضده، ولذلك يستحسن الجائر عدل غيره إذا رآه أو سمع به، وقد قيل: العدل لا يخاف الله، أي: من حيث العدل لا خوف عليه، ولحسن العدل والمساواة تتألم النفس من كل ما كان مركبًا في العالم ليس له نظام مستقيم فيكره العرج والعور ويتشاءم

стр. 186

به، ولتحري المساواة جعل الله تعالى أعضاء الإنسان الواقعة في الأطراف زوجين اثنين، وجعلها في الأوساط واحدًا واحدًا، وللاقتداء بذلك تحرى النقاشون بإزاء كل منقوش في جانب منقوشًا مثله في الجانب الآخر، لئلا تكون الصور معوجة، والعدل هو وسط أطرافه كلها جور، فالجور: هو الخروج عن الوسط بزيادة أو نقصان، ولذلك صار الجور والخطأ بالإضافة إلى العدل والصواب من حيز ما لا نهاية له، والعدل والصواب من حيز التناهي وإدراكه صعب عسر، ولصعوبة ذلك قال ﷺ : " استقيموا ولن تحصوا "، وتمدح فقال: (وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (٢٨) تنبيهًا أنه هو المتحقق بوصف العدل والصواب من كل شيء، وقد قال بعض الصوفية: رأيت النبي ﷺ في المنام فقلت: بلغني يا رسول اللَّه أنك قلت: " شيبتني سورة هود وأخواتها " فما الذي شيبك منها؟ ! فقال: " قوله تعالى: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ) ولما كان الوصول إلى ذلك عسرًا جدا صار ضابطه إذا تحرى فيه بجهده وإن أخطأ فيه معذورًا، بل مأجورًا، ولذلك قال ﷺ : " من اجتهد فأخطأ فله أجر ومن اجتهد فأصاب فله أجران ". أنواع العدل وما يستعمل ذلك فيه العدل ضربان: عدل مطلق: يقتضي العقل حسنه ولا يكون منسوخًا في شيء من الأزمنة ولا يوصف بالجور في حال، وذلك هو جذب الإحسان إلى من أحسن إليك وكف الأذية عمن كف أذاه عنك. وعدل مقيد: يعرف كونه عدلًا بالشرع ويمكن أن يكون منسوخًا في بعض الأحوال والأزمنة، وذلك مقابلة السوء بمثله كأحوال القصاص وأروش الجنايات، وكأخذ مال المرتد، وهذا النحو يصح أن يوصف على المجاز في بعض الأحوال بالجور، ولذلك قال

стр. 187

تعالى: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) فسمى جزاء السيئة سيئة من حيث إنه لو لم يكن معتبرًا بالسيئة المتقدمة كانت هي سيئة، وعلى ذلك: (إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٣٨) وبالنظر إلى النوع الأول والاعتبار به قال بعض المتكلمين: يعرف العدل والجور قبل الشرع، وبالنظر إلى النوع الثاني والاعتبار به قال بعضهم: لا يعرفان إلَا بالشرع، وعلى الجملة فالشرع مجمع العدالة وبه تعرف حقائقها، ولو توهمناه مرتفعًا لكان يؤدي إلى أن لا يكون عدل على الحقيقة في شيء من جزئيات الأفعال، ولا يكون في كثير من كلياتها، فالعدل المحمود هو الذي يتحرى فعله لا رياء ولا سمعة ولا رغبة ولا رهبة وإنما يكون تحريًا للحق عن سجية. والذي يجب أن يستعمل الإنسان معه العدل خمسة أشياء: الأول: بينه وبين رب العزة بمعرفة توحيده وأحكامه. والثاني: بين قوى نفسه، وذلك بأن يجعل هواه مستسلمًا لعقله، فقد قيل: أعدل الناس من أنصف عقله من هواه. والثالث: بينه وبين أسلافه الماضين في إيثار وصاياهم والدعاء لهم. والرابع: بينه وبين معامليه في أداء الحقوق، والإنصاف في المعاملات من البيع والشراء والكرامات وجميع المعاوضات والإجارات. والخامس: بث النصفة بين الناس على سبيل الحكم، وذلك إلى الولاة وخلفائهم. وأما الحكام العدول في الأرض فثلاثة: حاكم من اللَّه تعالى: وهو الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. والعامل والآمر به: وهو كل والٍ عدل. والناض المعتبر به: وأعلاه الدينار ومعناه بالفارسية " دين أورده " والناض من وجه كالحاكم ومن وجه كالآلة للحاكم يعتبر به إذا قيس عمل بعمل، ولما كانت الشريعة مجمع العدالة ومنبعها صار من امتنع عن التزامها وانتظامها أظلم ظالم، ولهذا قال : (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ) وقال: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ) ولكون الكفر ظلمًا قال تعالى: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢) فقابل المؤمن بالظالم.

стр. 188

ما يحسن ترك العدل فيه ترك العدل إلى الظلم عمدًا في جميع الأحوال مذموم، والخارج عنه إلى الظلم مستوجب بقدر خروجه عنه سخطًا من اللَّه ، إلَّا أن يتغمده اللَّه تعالى بعفوه، وأما الخارج عنه إلى الانظلام، أي: التزام الظلم فقد يحمد. والانظلام من حيث الكمية ثلاثة أضرب: انظلام في المال: وهو الاستخذاء للظالم في أخذ ماله. وانظلام في الكرامة: وهو الاستخذاء في بخس منزلته من التعظيم. وانظلام في النفس: وهو استخذاء لمن يؤله. وكل واحد يكون محمودًا ومذمومًا، ومن حيث الكيفية ضربان: محمود، ومذموم. فالمحمود: التغاضي عن حق له في المال أو فى الكرامة أو في النفس بقدر ما يحسن وفي وقت ما يحسن، وهو المعبر عنه بالانخداع والتغافل الذي قيل فيه: العقل مكيال ثلثه فطنة وثلثاه تغافل، وإيَّاه قصد معاوية ﵀ بقوله: " من خدعك فانخدعت، فقد خدعته "، وقال الشاعر: ممن يعز على الثناء فيخدع وذلك إذا كان في مال فمسامحة، وإذا كان في النفس فعفو، وإذا كان في الكرامة فتواضع. وأما على الوجه المذموم: ففي المال غبن، وفي الرأي غبن، وفي النفس والكرامة هوان ومذلة. وقد تقدم أن الإفضال والإحسان أشرف من العدل إذا كان الحكم بينك وبين غيرك، فأما إذا حكمت بين اثنين فليس إلَّا العدل، وإنما الإحسان إلى المتحاكمين " ولهذا قال تعالى: (وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ) وقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) وقال لمن له الحق: (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ) وقال يحى بن معاذ: اصحبوا الناس بالفضل لا بالعدل فمع العدل،

стр. 189

الاستقصاء، ومع الفضل الاستبقاء وإني لأرجو أن يحاسب اللَّه تعالى عباده بالفضل لا بالعدل، وقد أمرهم أن يصاحب بعضهم بعضًا بالفضل، وقد عظم الله تعالى أمر الإحسان والإفضال فقال: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) وقال: (وهل يأمر الحكيم بما لا يفعله، وكيف يترك الكريم التفضل ويقتصر على العدالة وقد بين أن الفضل أكرم وأفضل، تعالى عن أدنى المنزلتين، وكيف لا يرجى تفضله وأفعاله كلها عدل وعدله كله تفضل، لأنه مبتدئ بما لا يلزمه والابتداء بما لا يلزم تفضل، وهل يجوز أن يترك التفضل انتهاءً وقد تحراه ابتداءً؟!. الظلم الظلم: هو الانحراف عن العدل، ولذلك حدَّ بأنه: وضع الشيء في غير موضعه المخصوص به، وقد تقدم أن العدل يجري مجرى النقطة من الدائرة فتجاوزها من جهة الإفراط عدوان وطغيان، وإليه الإشارة بقوله تعالى: (قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا (١٦٧) والانحراف عنها في بعض جوانبها جور والظلم أعم الأسماء، ولما كان الظلم ترك الحق الجاري مجرى النقطة من الدائرة صار العدول عنه إما قريبًا وإما بعيدًا، فمن كان عنه أبعد كان رجوعه إليه أصعب " ولذلك قال تعالى: (وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) تنبيهًا أن الشيطان متى أمعن بهم في البعد من الحق صعب عليهم حينئذٍ الاهتداء، ولأجل من فعل بهم الشيطان ذلك قال تعالى: (أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٤٤) . وأما المستعمل معهم الظلم فخمسة، وهم الذين يجب استعمال العدل معهم وقد تقدم ذكرهم، الأول: رب العزة، الثاني: قوى النفس، الثالث: أسلاف الرجل، الرابع: معاملوه من الأحياء، الخامس: عامة الناس إذا تولى الإنسان الحكم بينهم، وقد قال بعض العلماء: أظلم الناس من جار على نفسه، ثم مَن جار على ذويه، ثم من جار على كافة الناس، وأفضلهم من عدل مع كافة الناس، ثم مع عشيرته، ثم مع نفسه وهذا قول وارد بنظر عامي، فإن الظالم لا يكون ظالماً لغيره حتى يظلم أولا نفسه، فإنه في أول ما يهم بالظلم فقد ظلم نفسه، فإذًا الظالم أَبْدأُ مبتدئ بظلم نفسه، والعادل مع

стр. 190

الناس إذا همَّ بالعدل وتحراه فقد عدل مع نفسه قبل أن يعدل مع غيره، وقد قال بعضهم الظلم ثلاثة: الظالم الأعظم: وهو الذي لا يدخل تحت شريعة اللَّه تعالى وإياه عنى بقوله تعالى: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣) . والأوسط: وهو الذي لا يلتزم حكم السلطان. والأصغر: هو الذي يتعطل عن المكاسب والأعمال فيأخذ منافع الناس ولا يعطيهم منفعة، ومن خرج عن تعاطي العدل بالطبع وبالخلق والتخلق والتصنع والرياء والرغبة والرهبة فقد انسلخ عن الإنسانية، ومتى صار أهل كل صقع على ذلك فتهارشوا وتغالبوا وأكل قويهم ضعيفهم ولم يبقَ فيهم أثر قبول لمن يمنعهم ويصدهم عن الفساد، فقد تقدم أن عادة الله سبحانه في أمثالهم إهلاكهم وإفناؤهم واستئصالهم عن آخرهم. الأسباب التي يحصل منها الأضرار جميع ذلك أربعة أسباب: الأول: الشرارة: كمن يضر بغيره مستلذًّا لفعله وذلك أخس الوجوه. والثاني: الشهوة: وهو أن يقصد إدراك شهوة ما، فرأى أنه لا يمكنه تحصيلها إلَّا بأن يضر بغيره، كعامة المتلصصة والعاثين في الأرض بالفساد. والثالث: الخطأ: وهو أن لا يقصد الإضرار بمن ضره بوجه، بل قصد فعلًا آخر، فاتفق منه ذلك، كمن رمى قرطاسًا في هدف فأصاب رجلًا، فهذا معذور من وجه. والرابع: الشقاوة: كمن حملته ريح فأوقعته على إنسان فمات ذلك الإنسان، فهذا معذور ومرحوم. المكر والخديعة والكيد والحيلة المكر والخديعة: متقاربان، وهما اسمان لكل فعل يقصد فاعله في باطنه خلاف ما يقتضيه ظاهره، وذلك ضربان: أحدهما مذموم: وهو الأشهر عند الناس والأكثر، وذلك أن يقصد فاعله إنزال

стр. 191

مكروه بالمخدوع وهو الذي قصده النبي ﷺ بقوله: " المكر والخديعة في النار " والمعنى: أنهما يؤديان بقاصدهما إلى النار. والثاني على عكس ذلك وهو أن يقصد فاعلهما إلى استجرار المخدوع والممكور به إلى مصلحة لهما كما يفعل بالصبي إذا امتنع من تعلم خير، وقد قال بعض الحكماء: المكر والخديعة محتاج إليهما في هذا العالم، وذلك أن السفيه يميل إلى الباطل ولا يميل إلى الحق ولا يقبله " لمنافاته لطبعه، فيحتاج أن يخدع عن باطله بزخارف مموهة كما يخدع الطفل عن الثدي عند الفطام، ولهذا قيل في مثل: مخرق بأنها الدنيا مخاريق، وسفسط فإن الدنيا سوفسطائية، وليس هذا حث على تعاطي الخبث، بل هو حث على جذب الناس إلى الخير بالاحتيال، ولكون المكر والخديعة ضربين: سيئًا وحسنًا قال اللَّه تعالى: (وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ (١٠) وقال تعالى: (فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤٢) اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ) وقال تعالى: (أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ) فخص في هذه الآيات السىء من المكر تنبيهًا على جواز المكر الحسن، فقال: (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤) . وأما الكيد: فإرادة متضمنة لاستتار ما يراد عمن يراد به، وأكثر ما يستعمل ذلك في الشر، ومتى قصد به الشر فمذموم، ومتى قصد به خير فمحمود، وعلى الوجه المحمود قال : (كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) وعلى ذلك الاستدراج منه أيضًا نحو قوله: (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣) فاستدراجه تغطية السبيل على الإنسان وتمكينه فيما يريد ليطلب بالآلات التي أعطاه، وذلك تكليف له لما يقدر عليه وإن كان فيه مشقة، ولتمكنه من إدراك ذلك قال تعالى: (أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (٩) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠) فمن جاهد في سبيله وأعمل فكره حتى ظفر به فسلكه على ما يجب وكما يجب سهل عليه الوصول وكان ذلك منه منة

стр. 192

وإحسانًا ولطفَا، ومن عطل معاونه من الفكرة والسمع والبصر حتى أضل طريقه كان ذلك منه خذلانًا وعذابًا له، وعلى نحو ما تقدم وصف نفسه تعالى بالحيلة والماحلة في قوله تعالى: (وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ (١٣) . وهذه الألفاظ لولا أن الباري أطلقها في مواضع مخصوصة قاصدًا لمعانِ صحيحة لما تجاسر بشر يعرف اللَّه تعالى أن يخطر ذلك بباله، فضلًا عن أن يجريه في مقاله، وإن قصد بها المعنى الصحيح تنزيهًا له وتعظيمًا. فيجب أن تتلى في القرآن حيثما وردت ولا يتعدى بها ذلك، وقد ذكر بعض المخلصين أن كثيرًا من الأوصاف الشريفة كالرحيم والغفور والودود ما كان واحد يتجاسر أن تطلق عليه لولا ورود السمع به في هذه الأسماء، لما في هذه الأسماء من الكيفية والكمية والانفعال في وضع اللغة، واللَّه تعالى منزه عن كل ذلك، وهذا فصل كبير يختص به غير هذا الكتاب. ماهية المحبة وأنواعها المحبة: ميل النفس إلى ما تراه وتظنه خيرًا، وذلك ضربان: أحدهما: طبيعي: وذلك في الإنسان وفي الحيوان، وقيل: قد يكون ذلك في الجمادات كالألف بين الحديد وحجر الغناطيس. والثاني: اختياري: وذلك يختص به الإنسان، وأما ما يكون بين الحيوانين فألفة، وهذا الثاني أربعة أضرب: الأول: للشهوة، وأكثر ما يكون بين الأحداث. والثاني: للمنفعة، ومن جنسه ما يكون بين التجار وأصحاب الصناعة الهنية وأصحاب المذاهب. والثالث: مركب من الضربين، كمن يحب غيره لنفع، وذلك الغير يحبه للشهوة. والرابع: للفضيلة، كمحبة المتعلم للعالم، وهذه المحبة باقية على مرور الأوقات، وهي المستثناة باتوله تعالى: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧) . وأما الضروب الأُخر: فقد تطول مدتها وتقصر بحسب طول أسبابها وقصرها. والصداقة: أخص من المحبة وقلما تقع بين جماعة ولا تستعمل إلا في الحيوان. وأما العشق: فمحبة بإفراط، وذلك إما بحسب اللذة فيكون مذمومًا، وإما بحسب

стр. 193

الفضيلة فيكون محمودًا، ولا يكون للنفع، فإن النفع يراد لغيره، والفضيلة واللذة يرادان لأنفسهما. فضيلة المحبة أحد أسباب نظام أمور الناس المحبة، ثم العدل، ولو تحاب الناس وتعاملوا بالمحبة لاستغنوا بها عن العدل، فقد قيل: العدل خليفة المحبة يستعمل حيث لا توجد المحبة، ولذلك عظم الله تعالى المنة بإيقاع المحبة بين أهل الملة فقال تعالى: (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ) وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦) أي: محبة في القلوب تنبيهًا أن ذلك أجلب للعقائد وهو أفضل من المهابة، فإن المهابة تنفر والمحبة تؤلف، وقد قيل: طاعة المحبة أفضل من طاعة الرهبة، فإن طاعة المحبة من داخل، وطاعة الرهبة من خارج، وهي تزول بزوال سببها، وكل قوم إذا تحابوا تواصلوا، وإذا تواصلوا تعاونوا، وإذا تعاونوا عملوا، وإذا عملوا عمروا، وإذا عمروا عمروا. ولفضل وقوع المحبة شرعًا شرع الله تعالى اجتماع أهل الملة الواحدة في مساجدهم كل يوم خمس مرات لإقامة صلاتهم، واجتماع أهل البلد الواحد كل أسبوع مرة في الجامع، واجتماع أهل المدينة وأهل السواد كل سنة مرتين في الجبانة، واجتماع أهل البلدان النائية في العمر مرة بمكة، كل ذلك ليتأكد باجتماعهم الأنس، وليقع بسبب ذلك الود. فضيلة الصداقة الصديق يحتاج إليه في كل حال: إما عند سوء الحال فليعاونوه، وإما عند حسن الحال فليؤانسوه وليضع معروفه عندهم، ومن ظن أنه يمكنه الاستغناء عن صديق مغرور، ومن ظن أن وجوده سهل فمعتوه. ولكثرة نفعه سئل حكيم عن الصديق فقال: هو أنت بالنفس إلا أنه غيرك بالشخص، ولعزة وجوده سئل عنه آخر فقال: هو اسم واقع على غير معنًى، فإنه حيوان غير موجود، ومن وجد إخوانا ذوي ثقة وجد بهم عيونًا وآذانًا وقلوبًا كلها له فيرى الغائب بصورة الشاهد واختيار من تركن إليه لتصادقه أمر صعب، إذ قد يتشيع لك الناقص فتظنه فاضلًا فيكون: كمن يحسب الشحم فيمن شحمه ورم.

стр. 194

المحبب في الناس من حببه اللَّه إلى الناس فقد أنعم عليه نعمة وسيعة كما أن من بغَّضه إليهم فقد جعل له نقمة فظيعة، والسبب فيمن يكون محببًا أن من رعاه اللَّه تعالى فصفى جوهره، وأطاب روحه، وحسن عمله حصل له نور يسري في مشاعر من يراه فيحبه، وإياه قصد تعالى بقوله لموسى ﷺ : (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي) وقال النبي ﷺ : " إذا أحب اللَّه عبدًا ألقى محبته على الماء فلا يشربه عبد إلَا أحبه، وإذا أبغض عبدًا ألقى بغضه في الماء فلا يشربه عبد إلَّا أبغضه "، ولما ألقى اللَّه تعالى على نبينا ﷺ من المحبة قلما كان يأتيه من ييغضه فيهم بقلبه إلَّا إذا رآه وقلب في آفاق وجهه طرفه، وألقى إلى كلامه سمعه أعجب به ففارقه على جميل. الحث على مصاحبة الأخيار ومجانبة الأشرار حق الإنسان أن يتحرى بغاية جهده مصاحبة الأخيار؛ فإنها قد تجعل الشرير خيرًا، كما أن مصاحبة الأشرار قد تجعل الخيِّرَ شريرًا، قال بعض الحكماء: من صحب خيرًا أصابته بركته فجليس أولياء الله لا يشقى ولو كان كلبًا ككلب أهل الكهف؛ فإن الله تعالى ذكره في كتابه العزيز فقال: (وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ) ولهذا أوصت الحكماء الأحداث بالبعد عن مجالسة السفهاء، قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم اللَّه وجهه: " لا تصحب الفاجر فيزين لك فعله ويود لو أنك مثله ". وقد قيل: جالسوا من تذكركم اللَّهَ رؤيتُه ويزيد في خيركم نطقه، وقد قيل: إياك ومجالسة الأشرار فإن الطبع يسرق من الطبع وأنت لا تدري، وقد قال النبي ﷺ : " مثل الجليس الصالح كمثل الداري إن لم يجذك من عطره علقك من طيب ريحه، ومثل الجليس السوء كمثل القين إن لم يحرقك بشرره علقك من نتن دخانه "،

стр. 195

وقد قال ﷺ : " المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل "، أي: أنه يجذبه خليله إلى دينه ومذهبه، ولقوة هذا المعنى وتأثيره في النفوس شاع على الألسنة قول الشاعر: عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدي وليس إعداء الجليس بجليسه في خلقه بمقاله وفعاله فقط، بل بالنظر إليه، فالنظر في الصورة يؤثر في النفوس أخلاقًا مناسبة لخلق المنظور إليه " فإن من دامت رؤيته لمسرور سر أو لمحزون حزن، وليس ذلك في الإنسان فقط، بل في الحيوانات والنبات. فإن الجمل الصعب قد يصير ذلولًا بمقارنة الذلل، والذلول قد ينقلب صعبًا بمقارنة الصعاب، والريحانة الغضة قد تذبل بمقارنة الذابلة، ولهذا يلتقط أصحاب الفلاحة الرمم عن الزرع، لئلَّا تفسدها ومعلوم أن الماء والهواء يفسدان بمجاورة الجيفة إذا قربت منهما، وذلك مما لا ينكره ذو تجربة، فإذا كانت هذه الأشياء قد بلغت في قبول التأثير هذا المبلغ فما الظن بالنفوس البشرية التي موضوعها على قبول صور الأشياء خيرها وشرها، فقد قيل: إنما سمي الإنس إنسًا، لأنه يأنس بما يراه إن خيرًا وإن شرًّا. وللإنسان في المعاشرة ثلاثة أحوال: إما أن يكون شكسًا، أي: قاسي الطبع، أو ملقًا أي: سلس الطبع، أو مساعدا، أي: تاركا للخلاف على مقتضى العقل وهو المحمود، وحق الإنسان في المعاشرة أن يتقوى من جهة الفكرة بالمطايبة فىِ الكلام، ومن جهة الغضب بالتحالم، ومن جهة الشهوة بالجود، وأن يتعرى عن أضداد ذلك، وأن يجامل المعاشرين والمعاندين والمشتهين منهم بالإخوان ويصابرهم ويكاشرهم طمعًا في رجوعهم إخوانًا واتقاء من شرورهم حتى يكون ظريفًا، فالظرف عبارة عن استجماع آلة العشرة من الطلاقة والاحتمال ولين الجانب. فضيلة التفرد عن الناس ورذيلته قد كثر اختلاف الناس في مفاضلة التفرد والاختلاط، فبعضهم آثر التفرد عن

стр. 196

الناس، وبعضهم آثر الاختلاط بهم، وقد أورد كل واحد في مذهبه أخبارا وآثارًا؛ وذلك بسبب اختلاف نظرهما وابتلاء أحدهما بمصاحبة من لم تحمد مصاحبته، ومصاحبة الآخر من تحمد صحبته، والأصل أن اجتماع الناس بعضهم مع بعض أمر ضروري لتعلق أمور بعضهم ببعض، ولهذا لما سمع أمير المؤمنين عمر ﵁ رجلًا يقول: اللَّهم اغنني عن الناس، فقال: يا رجل أراك تسأل اللَّه الموت، قل اللَّهم اغنني عن شرار الناس. فالناس لا يستغني بعضهم عن بعض ما داموا أحياء، ثم في المعاشرة والتفرد عن الأخيار الذين يفيدونك ويعينونك ولا يؤذونك مكروه سيما إذا لم تدرب في الفضل ولم تستغن عن اقتباس العلم، وأما عن الأنذال الذين يتدنس بمصاحبتهم فمحمود، وقد قيل: التفرد مكروه إلَّا لثلاثة: لسلطان لإنشاء تدبير المملكة، وحكيم لاستنباط الحكمة، ومتنسك لمناجاة رب العزة، فإن التفرد يبطل الإنسانية ولا يظهر من صاحبه فضيلة، ومن ظن بالتفرد خيرًا فلأجل أن ليس يظهر منه شيء، وهذا يشاركه فيه الموتى، وفضيلة الإنسان أن يكون خيرًا، لا أن يكون شريرًا، وإن كان زماننا هذا كما قال المتنبي: إنا لفي زمن ترك القبيح به ... من أكثر الناس إحسان وإجمال فحق العاقل الفاضل أن يجتمع مع العامة في ظواهر أحكام الشرع، وإقامة وظائف العبادات، وإنالتهم من الفضيلة بقدر الوسع، ويترفع عن منزلتهم في المعارف والأخلاق والأفعال الجميلة، ولمراعاة الحكم الظاهر قال ﵊: " عليكم بالسواد الأعظم "، ولمراعاة الترفع عن منزلتهم في المعارف والأخلاق قيل: المروءة التامة مباينة العامة، بل قيل: من استأنس باللَّه استوحش من الناس؛ وذلك لمخالفته إياهم في الخلق وللنهي عن الاغترار بكثير منهم، والركون إليهم، سيما من ليس قصده الآخرة وطلب الحق، قال تعالى: (إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ) وقال: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ) .

стр. 197

العداوة العدو: هو الذي يتحرى اغتيال الآخر ويضاده فيما يؤدي إلى مصالحه، ومنه قولهم: تعدى فلان على فلان، أي: فعل به فعل العدو وهو من قولهم: مكان ذو عدو، أي: متنافي الأجزاء ناب بمن حله، ويضاد العداوة الولاية واشتقاقه من وليه يليه، والولاء أعم من الصداقة والمودة. والعداوة ضربان: باطن: لا يدرك بالحس، وظاهر: يدرك بالحس. والتام العداوة اثنان: أحدهما: الشيطان: وهو أصل كل عدو يعادي معاداة جوهرية، وقد حذرنا اللَّه تعالى منه غاية التحذير بقوله: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا) وقال: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ) وقال: (إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ) وقال: (وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) . والثاني: الهوى المعبر عنه بالنفس في قوله تعالى: (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ) . وقول النبي ﷺ : " أعدى عدو لك نفسك التي بين جنبيك ". وكذا الغضب إذا كان فوق ما يجب، ولكون هذه القوة في الإنسان إذا أثيرت طريقًا للشيطان في وصوله إلينا، وكونها كالخليفة له سمَّاه النبي ﷺ باسمه فقال: " الهوى شيطان والغضب شيطان "، وقال تعالى حكاية عن موسى: (هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥) . وأما الظاهر من الأعداء فالإنسان، وذلك ضربان: ضرب: هو عدو مضطغن للعداوة: قاصد إلى الإضرار إما مجاهدة وإما مساترة،وذلك اثنان: واحد يعادي كل أحد، وهو كل إنسان سبعي الطبع، خبيث الطينة، مبغض لكل من لا يحتاج إليه في العاجل، بغيض إلى كل نفس، يهارش كل من

стр. 198

لا يخافه، كما قال الشاعرْ يسطو بلا سبب وتد ... ك طبيعة الكلب العقور ومثله هو الذي عني بقوله تعالى: (شَيَاطِينَ الْإِنْسِ) . والثاني: عدو خاص العداوة، وذلك إما بسبب الفضيلة والرذيلة كمعاداة الجاهل للعاقل، وإما بسبب تجاذب نفع دنيوي كالتجاذب في رياسة وجاه ومال، وإما بسبب لحمة وقرابة أو مجاورة مورثة للحسد كمعاداة بني الأعمام بعضهم لبعض، وذلك في كثير من الناس كالطبيعي. وقد قال رجل لآخر: إني أحبك. فقال له: قد علمت ذلك، فقال له: من أين علمته، فقال: لأنك لست لي بشريك ولا بنسيب ولا جار قريب، وأكثر المعاداة بين الناس إنما تتولد من شيء من ذلك. والثاني: عدو غير مضطغن للعداوة: ولكن يؤدي حاله بالإنسان إلى أن يقع بسببه في مثل ما يقع في كيد عدوه - فسمي عدوًّا لذلك، كالأولاد والأزواج. وعلى ذلك قوله تعالى: (إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ) وقال ﷺ : " ليس عدوك الذي إن قتلته آجرك اللَّه في قتله وإن قتلك أدخلك اللَّه الجنة، ولكن أعدى عدوك نفسك التى بين جنبيك، وامرأتك التي تضاجعك، وأولادك الذين من صلبك " فجعل ﷺ هؤلاء أعداء الإنسان لما كانوا سبب هلاكه الأخروي، لما يرتكبه من المعاصي لأجلهم، فيؤدي به إلى هلاك الأبد الذي هو شر من إهلاك المعادي الناصب إيَّاه. واعلم أنه لكون الإنسان - أو بعض الناس - مشاركًا للشيطان في المعاداة سمى اللَّه تعالى الأعداء شياطين الإنس والجن في قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا) . وقد سمى كل ما يتأذى به شيطانًا حتى قالوا: ما ليلة الفقير إلَّا شيطان مجنون يؤذي بروح الإنسان، والفقير هو اسم بئر فجعله ليلة ورودها شيطانًا لتأذيه بها.

стр. 199

الفصل السادس فيما يتعلق بالصناعات والمكاسب والإنفاق والجود والبخل

стр. 200

في حاجة الناس إلى اجتماعهم للتظاهر اعلم أنه لما صعب على كل أحد أن يحصل لنفسه أدنى ما تحتاج إليه إلَّا بمعاونة غيره له - فإن لقمة الطعام لو عددنا تعب تحصيلها من حين الزرع إلى حين الطحن والخبز وصناع آلاتها لصعب حصره - احتاج الناس أن يجتمعوا فرقة فرقة، متظاهرين متعاونين، ولهذا قيل الإنسان مدني بالطبع، أي: أنه لا يمكن التفرد عن الجماعة بعيشه، بل يفتقر بعضهم إلى بعض في مصالح الدين والدنيا، وعلى ذلك نبه ﷺ بقوله: " المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا "، وبقوله ﷺ : " مثل المؤمين في توادهم وتراحمهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى سائره بالسهر والحمى ". وقد قيل: الناس كجسد واحد متى عاون بعضه بعضًا استقل، ومتى خذل بعضه بعضًا اختل. تسخير اللَّه همم الناس للصناعات المختلفة وعناية كل واحد بما يتحراه لما احتاج الناس بعضهم إلى بعض سخر اللَّه تعالى كل واحد منهم لصناعة ما يتعاطاها، وجعل بين طبائعها وصنائعهم مناسبات خفية واتفاقات سماوية؛ ليؤثر كل واحد منهم حرفة من الحرف يشرح صدره لها، ويفرح بملابستها وتطيعه قواه لمزاولتها، ولو كلف صناعة أخرى ربما وجد متبلدًا فيها، ومتبرمًا بها. وقد سخرهم الله تعانى لذلك، لئلا يختاروا بأجمعهم صناعة واحدة، فتبطل الأقوات والمعاونات، ولولا ذلك لما اختاروا من الأسماء إلا أحسنها، ومن البلاد إلا أطيبها، ومن الصناعات إلا أجملها، ومن الأعمال إلا أرفعها، ولتفاخروا على ذلك. ولكن اللَّه تعالى بحكمته جعل كلًا منهم فيما هو فيه مجبرًا في صورة مختار، فالناس إما: راضٍ بصنعته لا يريد عنها حولًا كالحائل الذي يرضى بصناعته ويعيب الحجام، والحجام الذي يرضى بصناعته، ويعيب الحائل، وبهذا انتظم أمرهم كما قال تعالى:

стр. 201

(فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣) . وإما كاره لها، يكابدها مع كراهيته إياها، كأنه لا يجد عنها بديلًا، وعلى هذا دل قول النبي ﷺ : " كل ميسر لما خلق له "، بل صرح تعالى بذلك في قوله: (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا) وقوله تعالى: (وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ) وقوله تعالى: (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ) . ولهذا قال ﷺ : " لن يزال الناس بخير ما تباينوا فإذا تساووا هلكوا " فالتباين والتفرق والاختلاف في نحو هذا الموضع سبب الالتئام والاجتماع والاتفاق، كاختلاف صور الكتابة وتباينها وتعددها الذي لولاه لما حصل لها نظام، فسبحان اللَّه ما أحسن ما صنع وأحكم ما أسس، وأتقن ما دبر، ولهذا قيل: من حق من قيض اللَّه له صناعة مباحة فرزق منها أن يراعيها على ما يجب وكما يجب، وعليه دل قول النبي ﷺ : " من رزق من شيء فليلزمه ". كون الفقر وخوفه سبب انتظام أمر الناس حصول الفقر وخوفه المنتجان للحرص هما الباعثان على الجد واحتمال الكدر في منفعة الناس إما باختيار، وإما باضطرار، ولهذا قيل: رب ساع لقاعد، وهو أن الناس لو كفى كل واحد منهم أمره لأدى إلى فساد العالم، من حيث إنه لم يكن لأحد أن يتولى لغيره مهنة، وكان الواحد منهم يعجز عن القيام بمصالح نفسه كلها فيؤدي ذلك إلى فقر جميعهم. وقد قيل: قيام العالم بالفقر أكثر من قيامه بالغنى، لأن الصناعات القائمة بالغنى ثلاث: الملك، والتجارة، والكتابة، وسائرها قائم بالفقر.

стр. 202

فلو لم يكن الفقر وخوفه لما انتظم معاش العالم، فمن كان يتولى الحياكة والحجامة والدباغة والكناسة، ومن كان ينعَل المير والملابس من الشرق إلى الغرب، ومن الجنوب إلى الشمال. وعلى منفعة الفقر نبه قوله تعالى: (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) وقوله (وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ) . هذا مع أن من الناس من لو كفي أمر دنياه لكان يوجد منه من البغي والتسلط ما يؤدي إلى خراب البلاد وفساد العباد، بل كان يوجد منه ما يؤدي إلى هلاك نفسه في أسرع مدة، وعلى ذلك دلَّ قوله تعالى: (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ) . ومن تدبر صنع الله في ذلك وتأمل ما أشار إليه في هذه الآيات التي ذكرها ثم تعرض له الشبهة التي تعرض لمن يقول: إذا كان الله غنيا جوادًا واسعًا فلم خص بعض خلقه بالغنى، وجعل أكثرهم فقراء، ومن حق الغني الذي لا يفنى غناه، والجواد الذي لا يعرف لجوده منتهى ألَّا يخص بالعطية بعضًا دون بعض، وذلك أن الجواد الحق هو الذي يعطي كل أحد بقدر استحقاقه على وجه يعود بمصلحته ومصلحة غيره، وقد فعل تعالى ذلك بكثير من العباد. مناسبة بدن الإنسان لصناعته إن اللَّه تعالى فرق همم الناس للصناعات المتفاوتة، ويسر كلًّا لما خلق له، وجعل آلاتهم الفكرية والبدنية مستعدة لها، فجعل لمن قيضه لمراعاة العلم والمحافظة على الدين قلوبًا صافية وعقولًا بالمعارف لائقة، وأمزجة لطيفة، وأبدانًا لينة مستصلحة لما خلقوا له، وجعل لمن قيضه لمراعاة المهن الدنيوية والمحافظة عليها كالزراعة والبناء قلوبًا قاسية وعقولًا كنزة، وأمزجة غليظة، وأبدانًا خشنة. وكما أنه محال أن يصلح السمع للرؤية والبصر للسمع كذلك من المحال أن يكون من خُلق للمهنة يصلح للحكمة. وقد جعل اللَّه كل جنس من الفريقين نوعين: رفيعًا ووضيعًا.

стр. 203

فالرفيع: من تحرى الحذق في صناعته، وأقبل على عمله، وطلب مرضاة ربه بقدر وسعه، وأدى الأمانة بقدر جهده، ولم يشتغل عن عبادة اللَّه كما قال: (رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ) . وقال ﷺ : " إن الله يحب الصانع الحاذق "، ومدح الملائكة بوقوفهم حيث ما وقفوا، وإحكامهم لما ولوا، فقال تعالى: (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦) . وجوب التكسب التكسب في الدنيا وإن كان معدودا من المباحات من وجه، فإنه من الواجبات من وجه، وذلك أنه لما لم يكن للإنسان الاستقلال بالعبادة إلَّا بإزالة ضروريات حياته، فإزالتها واجبة، لأن كل ما لا يتم الواجب إلَّا به فواجب كوجوبه. وإذا لم يكن له إلى إزالة ضرورياته سبيل إلا بأخذ تعب من الناس فلا بد إذًا أن يعوضهم تعبا من عمله وإلَّا كان ظالمًا، فمن توسع في تناول عمل غيره في مأكله وملبسه ومسكنه وغير ذلك فلا بد أن يعمل لهم عملا بقدر ما يتناوله منهم، وإلَّا كان ظالما لهم، سواء قصدوا إفادته أو لم يقصدوها، فمن رضي بقليل من عملهم فلم يتناول من دنياهم إلَّا قليلًا يرضى منه بقليل من العمل، ولهذا قال ﷺ : " من رضي من الله بقليل الرزق رضي اللَّه منه بقليل العمل "، ومن أخذ منهم المنافع ولم يعطهم نفعًا فإنه لم يأتمر للَّه تعالى في قوله: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) ولم يدخل في عموم قوله: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) ولهذا ذم من يدعي التصوف فيتعطل عن المكاسب، ولم يكن له علم يؤخذ منه، ولا عمل صالح في الدين يقتدي به، بل يجعل همه عارية بطنه وفرجه. فإنه يأخذ منافع الناس ويضيق عليهم معاشهم، ولا يرد إليهم نفعًا، فلا طائل في مثلهم إلَّا بأن يكدروا المشارع، ويغلوا الأسعار، ولهذا الشأن كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ إذا نظر إلى ذي سيماء سأل عنه: أله حرفة، فإن قيل: لا، سقط من عينيه. وقد استحسن النبي ﷺ من وفد عبد القيس لما سألهم، فقال: " ما المروءة؟

стр. 204

فقالوا: العفة والحرفة. ومن الدلالة على قبح فعل من هذا صنيعة أن اللَّه تعالى ذم من يأكل مال نفسه إسرافًا وبدارًا، فما حال من يأكل مال غيره على ذلك ولا ينيلهم عوضًا، ولا يرد عليهم بدلًا. فمن كان مضطرًّا إلى كسب فحقه أن يقتصر على ما يسد به فقر وقته، ولا يحمل هم غده على يومه. فمن ينفق الساعات في جمع ماله ... مخافة فقر فالذي فعل الفقر ومن اقتصر على قدر ذلك فقد صار من المتوكلين الذين عناهم النبي ﷺ بقوله: " لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا ". مدح السعي وذم الكسل من تعطل وتبطل انسلخ من الإنسانية، بل من الحيوانية، وصار من جنس الموتى، وذلك أنه إنما خص الإنسان بالقوى الثلاث ليسعى في فضيلتها، فإن فضيلة القوة الشهوية تطالبه بالمكاسب التي تنميه، وفضيلة القوة الغضبية تطالبه بالمجاهدات التي تحميه، وفضيلة القوة الفكرية تطالبه بالعلوم التي تهديه، فحقه أن يتأمل قوته، ويسبر قدر ما يطيقه، فيسعى بحسبه لما يفيده السعادة ويتحقق أن اضطرابه سبب وصوله من الذل إلى العز، ومن الفقر إلى الغنى، ومن الضعة إلى الرفعة، ومن الخمول إلى النباهة. وأن من تعود الكسل ومال إلى الراحة فقد الراحة فحب الهوينا يكسب النصب، وقد قيل: إن أردت ألا تتعب فاتعب لئلَّا تتعب، وقيل: إياك والكسل والضجر فإنك إن كسلت لم تؤد حقًّا، وإن ضجرت لم تصبر على الحق. قال الشاعر: إن التواني أنكح العجز بنته ... وساق إليها حين أنكحها مهرا فراشًا وطيئًا ثم قال لها اتكي ... فقصرا كما لاشك أن تلدا الفقرا وقال يزيد بن المهلب: ما يسرني أن كفيت أمر الدنيا كله لئلا أتعود العجز، ولأن الفراغ يبطل الهيئات الإنسانية، فكل هيئة بل كل عضو ترك استعماله يبطل، كالعين

стр. 205

إذا غمضت، واليد إذا عطلت؛ ولذلك وضعت الرياضات في كل شيء. ولما جعل اللَّه تعالى للحيوان قوة التحرك لم يجعل له رزقًا إلَّا بسعي ما منه؛ لئلَّا تتعطل فائدة ما جعل له من قوة التحرك. ولما جعل للإنسان قوة الفكرة ترك من كل نعمة أنعمها تعالى عليه جانبًا يصلحه هو بفكرته، لئلا تبطل فائدة الفكرة، فيكون وجودها عبثًا. وتأمل حال مريم ﵍ وقد جعل لها من الرطب الجني ما كفاها مؤونة الطلب، وفيه أعظم معجزة، فإنه لم يخلها من أن يأمرها بهزها، فقال تعالى: (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥) . وكما أن البدن يتعود الرفاهية بالكسل، كذلك النفس بترك النظر والتفكر تتبلد وتتبله، وترجع إلى رتبة البهائم. فحق الإنسان ألا يذهب عامة أوقاته إلَّا في إصلاح أمر دينه ودنياه، ومتوصلًا به إلى إصلاح أمر آخرته، ومراعيًا لها، قال الحجاج: إن امرأ أتت عليه ساعة من عمره لم يذكر فيها ربه، أو يستغفر من ذنبه، أو يفكر في معاده لجدير أن تطول حسرته يوم القيامة. وإذا تأملت قول النبي ﷺ : " سافروا تغنموا "، ونظرت إليه نظرًا عاليًا علمت أنه حثك على التحرك الذي يثمر لك جنة المأوى، ومصاحبة الملأ الأعلى، بل مجاورة اللَّه تعالى. وذلك يحتاج إلى أربعة أشياء: معرفة المقصود المشار إليه بقوله تعالى: (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) . ومعرفة الطريق إليه المشار إليه بقوله تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ. وتحصيل الزاد البلغ المشار إليه بقوله تعالى: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) .

стр. 206

والمجاهدة في الوصول إليه كما قال تعالى: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ) . فبهذه الأشياء يأمن الغرور الذي خوفه اللَّه منه فىِ قوله تعالى: (وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٣٣) وهدذه من المعاني التي دونها هول العوالي، ولا ضير لمن رامها أن يتذرع بالصبر، فقد أصاب من قال: فقل لمرجي معالي الأمور ... بغير اجتهاد رجوت المحالا تقاسيم الصناعات ومراتبها وفضيلة بعضها على بعض الصناعات ثلاثة أفرب: إما أصول لا قوام للعالم دونها، وهي أربعة أشياء: الزراعة، والحياكة، والبناية، والسياسة. وإما مرشحة لكل واحد من هذه وخادمة لها، كالحدادة للزراعة، والحلاجة والغزالة للحياكة وإما ثمرة لكل واحد من ذلك ومزينة له، كالطحانة والخبازة للزراعة، والقصارة للحياكة، ومثل ذلك بالإضافة إلى العالم مثل أجزاء الشخص إلى الشخص سواء بسواء، فإنها على ثلاثة أضرب: إما أصول كالقلب والكبد والدماغ، وإما مرشحة لتلك الأصول وخادمة كالمعدة والعروق والشرايين، وإما مكملة لها ومزينة كاليد والحاجب. فأشرف أصول الصناعات السياسة وهي أربعة أضرب الأول: سياسة الأنبياء وحكمهم على الخاصة والعامة، ظاهرهم وباطنهم. والثاني: الولاة وحكمهم على ظاهر الخاصة والعامة دون باطنهم. والثالث: الحكماء وحكمهم على باطن الخواص. والرابع: الفقهاء والوعظة وحكمهم على بواطن العامة. وأشرف هذه السياسات الأربعة بعد النبوة إفادة العلم وتهذيب الناس به، وبيان ذلك

стр. 207

أن شرف الصناعة يتبين من أوجه: إما بحسب النسبة إلى القوة المبرزة لها كفضل معرفة الحكمة على معرفة اللغات، فإن الأولى متعلقة بالقوة العقلية، وهذه بالقود الحسية، والعقل أشرف من الحس. وإما بحسب عموم النفع كفضل الزراعة على الصياغة. وإما بحسب شرف الوضوع المعمول فيه كشرف الصياغة على الدباغة. وقد علم أن الحكمة تدرك بالقوة المفكرة، وهي أشرف قوة في الإنسان، وأنه يتوصل بها إلى جنة المأوى، وذلك أبلغ نفع، وموضوعها الذي تعمل فيه نفوس البشر، وهي أفضل موضوع يعمل فيه، بل أفضل موجود في هذا العالم. وإفادة العلم من وجه صناعة، ومن وجه عبادة، ومن وجه أجل خلافة للَّه تعالى، فإن اللَّه تعالى مع استخلافه قد فتح على قلبه العلم الذي هو أخص صفاته تعالى، فهو خازن لأجلِّ خزائنه، وقد أذن له في الإنفاق على كل أحد ممن لا يفوته الإنفاق عليه، وكلما كان إنفاقه على ما يجب، وكما يجب أكثر كان جاهه عند مستخلفه أوفر. في أن أصول الصناعات مأخوذة من الوحي أصول الصناعات والمكاسب مأخوذة عن وحي، وذلك أن نقص البشر وحاجة بعضهم إلى بعض أمر ظاهر، والناقص محتاج إلى الكامل، فلا يخلو: إما أن يكون قد أخذ ذلك واحد عن واحد بلا نهاية، وذلك إيجاب ما لا نهاية له وهو محال. وإما أن ينتهي إلى واحد من البشر علمه اللَّه الصناعات، إما بسماع من الملأ الأعلى، أو بإلهام أو منام، وهذا هو الوحي، فمعلوم لذي اللب أن قوى العقاقير وطبائع الحيوانات مما لا يمكن إدراك خواصها بأفهام البشر وتجربتهم، ورؤساء كل صناعة يقرون بذلك. فأهل النجوم يقولون: مبادئ النجوم من هرمس، ويقولون: هو الذي عرج بروحه إلى السماء واطلع على ذلك، ويقولون هو قبل إدريس ﷺ ، وكذلك أصحاب الطب يدعون مثل ذلك في معرفة الأدوية. واختصاص كل واحد من الموجودات بفعل له على حدته، وانحسار العقل عن توهم

стр. 208

ما هو أصلح لذلك الفعل منه، يحقق أنه صدر عن حكمة إلهية. في شأن الناض المتعامل به وبيان حكمة اللَّه تعالى فيه اعلم أن الناض أحد أسباب ما به قوام الحياة الدنيوية، ومتى توهمناه مرتفعًا تعسر على الناس تزجية معاشهم، وقد تقدم أن الناس يحتاج بعضهم إلى بعض، ولا يمكنهم التعايش ما لم يتظاهروا ويتولى كل واحد منهم عملًا يصير به معينًا للآخر مواسيًا له، ولما كان كل من واسى غيره فمن حقه أن يقابل بقدر مواساته لكن ربما لم يحصل عند صاحبه ما يريده هو فقيض اللَّه تعالى لهم هذا الناض علامة منه - جلَّ ثناؤه - ليدفعه الإنسان إلى من يوليه نفعًا فيحمله إلى من عندد مبتغاه فيأخذ منه قدر عمله، ثم جاء ذلك الآخر إلى الأول بتلك العلامة أو بمثلها، وطلب منه مبتغى هو عنده دفعه إليه لينتظم أمرهم بذلك، وذلك قيل: الدرهم حاكم صامت، وعدل ساكت، وحكم من اللَّه تعالى نافذ، وقد قيل لهذا المعنى سمي في لغة الفرس الدينار (دين أورد) ، أي: الدين أتى به والدين فارسية معربة، ولما كان ذلك حاكمًا عظم الله تعالى، وعيد من احتبسه ومنع الناس من التعامل به، فقال تعالى: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ) وذلك أنه يصير باحتباسه إياهما كمن احتبس حاكمين للناس بهما تتمشى أمور معاشهم، ولذلك قال النبي ﷺ : " الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في جوفه نار جهنم "، لأن اتخاذه الذهب والفضة آنية يؤدي إلى منع الناس عن تصريفه في معاملاتهم وتضييقه عليهم مكاسبهم. مدح المال وذمه المال إذا اعتبر بكونه أحد أسباب قوام الحياة الدنيوية فهو عظيم الخطر كما تقدم، وإذا اعتبر بسائر القنيات فهو صغير الخطر " إذ هو أخس القنيات. والقنيات ثلاتة: نفسية وبدنية وخارجة، والخارجة أدونها وأدون الخارجات الناض، لأنه خادم غير

стр. 209

مخدوم، وسائر القنيات خادم من وجه ومخدوم من وجه؛ لأن النفس يخدمها البدن والبدن يخدمه المأكل والملبس وهما يخدمهما المال، فالمال من حقه أن يكون خادما لغيره من القنيات، وأن لا يكون شيء من القنيات خادمًا له، وإن كان كثير من الناس لجهلهم يجعلون جاههم وأبدانهم ونفوسهم خدمًا للمال وعبيدا، وهم الذين ذمهم النبي ﷺ بقوله: " تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش ". ولعظم موقع المال عند من لم يتجاوز المحسوسات، قال تعالى حكاية عن بعض أنبيائه فيما خاطب به أمته: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢) . ولعظم منافعه في الأمور الدنيوية قال تعالى: (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا) ونبه على حقارة قدره بالإضافة إلى أحوال الآخرة فقال: (لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩) وخوف من أعجب باقتنائه وذمه فقال: (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦) وقال تعالى: (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) فحق الإنسان أن يعلم أن المقتنيات الدنيوية آلات موضوعة في خان على طريق سفره يصلح للانتفاع بها ما دام نازلًا في ذلك الخان، فيتناول منه مقدار البلغة ويتسلى عن الباقي عند الرحلة، ويستهجن لنفسه أن يكذب ويغضب ويحزن ويرتكب القبائح بسببها. واعلم أن الناض الذي هو العين والورق حجر جعله اللًه سبحانه سببا للتعامل به - كما تقدم ذكره آنفًا - وهو خادم غيره، فقبيح بالحر المترشح لنيل الفضائل والاقتداء بالبارئ جلت عظمته - وهو يأمل الوصول إلى الغنى الأكبر - أن يتهافت على المال ويتناول أكثر مما يحتاج إليه، ويجعل نفسه أقل رقيق له وأخسه كما قيل: فرق ذوي الأطماع رق مخلد، ويكون معتكفَا فيه على حجر يعبده كما قال تعالى: (يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ) . والذي أرى أن إبراهيم ﷺ لما سأل اللَّه تعالى فقال: (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) لم يرد إلَّا أن يحسره وذريته عن محبة الأعراض الدنيوية الصارفة عن اللَّه، فمثله وولده يتنزه عن أن يشفق من

стр. 210

اعتقاده في حجر أنه هو صانعه وأنه يستحق عبادته. وقد قال في موضع آخر إشارة إلى ما يعم في هذا المعنى وغيره: (يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢) وقد قال بعض الحكماء: مثل الإنسان وشغفه بهذا الحجر، بل سائر الأعراض الدنيوية كمثل قوم كانوا في سفينة يقصدون أفضل بلد وأطيبه، فانتهت بهم السفينة إلى جزيرة أرادوا الخروج إليها والتفسح فيها للطهارة، والجزيرة ذات أسود وأساود، فأمروا بالخروج وأن يكونوا على حذر، فلما خرجوا إليها رأوا فيها حجارة مزخرفة وأزهارًا مستحسنة مختلفة، فأعجبهم ذلك وشغفوا به وأمعنوا في الجزيرة وتباعدوا عن المركب ونسوا أنفسهم ومقصدهم وبقوا لاهين بما رأوا من ذلك، حتى سارت السفينة فثارت عليهم الأسود والأساود تفترسهم وتنهشهم فلن يغن عنهم ما خدعهم وألهاهم من تلك الأحجار والأزهار، فصاروا كما قال تعالى حكاية عمن هذه حاله: (مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (٢٩) . ذكر المال والأدب في اقتنائه والوجوه التي منها يحصل قد تقدم أن المال من الخيرات المتوسطة، لأنه كما قد يكون سببًا للخير فقد يكون سببًا للشر، لكن لما كان في أكثر الأحوال موجبًا كرامة أصحابه وتعطم أربابه حتى صدق قول الشاعر فيما قال: الناس أعداء لكل مدقع ... صفر اليدين وإخوة للمكثر قيل: رأيت ذا المال مهيبًا مكرمًا، وقد قال النبي ﷺ : " نعم المال الصالح للرجل الصالح "، واستُصوب قول طلحة ﵁ في دعائه: اللهم ارزقني مجدًا ومالًا فإنه لا يصلح المجدُ إلَّا بالمال، ولا يصلح المالُ إلا بمراعاة المجد، ونظر المتنبى هذا النظر حيث قال: فلا مجد في الدنيا لمن قل ماله ... ولا مال في الدنيا لمن قل مجده وقال بعض الحكماء: اطلب العلم والمال تحوي الرئاسة، فالناس خاص وعام

стр. 211

فالخاص يفضلك بما تحسن، والعام بما تملك. واكتسابه من الوجوه التي ينبغي صعب، وتفريقه سهل، كما قال الشاعر: له مصعد صعب ومنحدر سهل ومن رام اكتسابه من وجهه صعب عليه، فالمكاسب الجليلة قليلة عند الحر العادل. ومن رضي بكسبه من حيث ما اتفق فقد يسهل عليه. والفاضل ينقبض عن اقتناء المال، ويسترسل في إنفاقه، ولا يريده لذاته، بل لاكتساب المحمدة به، ولا يجتمع عنده المال مدخرًا، لكن كما قال الشاعر (النضر بن جؤية) : لا يألف الدرهم الضروب صُرَّتنا ... لكن يمر عليها وهو منطلق إنا إذا أجتمعت يومًا دراهمنا ... ظلت إلى طرق المعروف تستبق وغير الفاضل يسترسل في اقتنائه، ويقبض في إنفاقه، ويطلبه لذاته لا لادخار الفضيلة به. والمال يحصل من وجهين: أحدهما: بسبب منسوب إلى الجد المحض والبخت الصرف، من غير اكتساب من صاحبه، كمن ورث مالًا، أو وجد كنزًا، أو قيض له من أولاه شيئًا. والثاني: أن يكتسب الإنسان، كمن يشتغل بتجارة أو صناعة فيدخر منها مالًا. وهذا الضرب لا يستغنى فيه عن الجد، ولهذا قيل: وعليَّ أن أسعى وليس ... عليَّ إدراك النجاح فحظ الجد في المال أكثر من حظ الكد بخلاف الأخلاق والأعمال الأخروية التي حظ الكد فيها أكثر، وقد نبَّه اللَّه تعالى على ذلك بقوله: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ) فاشترط في العاجلة مشيئته للمعطي وإرادته للمعطى له، ولم يشترط السعي، واشترط في الآخرة السعي لها مع الإيمان، ولما يشترط إرادته تعالى ومشيئته وإن كان ذلك لا يتعرى منهما. فحق العاقل أن يعني بما إذا طلبه ناله، وإذا ناله لم يخف زواله، ويقلل المبالاة بما إذ قدر له أتاه طلبه أو لم يطلبه. وقد قال بعض الحكماء: إن البخت بمنزلة امرأة صماء عمياء ورهاء (١) في حجرها

стр. 212

جواهر، وهي قاعدة على حجر مدور، يتبعها ناس كثير يلتمسون ما عندها، وهي لا تسمع قولًا ولا ترى وجهًا، وقد اعتزل عنها قوم قليلو العدد، وقعدوا ناحية، وفي كل ساعة تقبض قبضة مما في حجرها وتعطيها واحدًا من القوم لا تخص أتباعها، بل ربما تخطئهم وربما تعطيهم، كأنها المعنية بقول من قال من الشعراء: لا تمدحن ابن عباد وإن مطرت ... كفاه جودًا ولا تذممه إن ذمما فليس ييخل إبقاء على نشب ... ولن يجود بفضل المال معتزما لكنها خطرات من وساوسه ... يعطي ويمنع لا بخلًا ولا كرما وتارة تعرج على من أعطته فتسلبه سلبًا وتدوسه بحجرها دوسًا. وأما الفضائل الأخروية: فكما قيل: العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك، فإذا أعطيته كلك فأنت من إعطائه إياك بعضه على خطر، ولهذا قال تعالى: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) . سبب إخفاق العاقل وإنجاح الجاهل الحكمة تقتضي أن يكون العاقل الحكيم في أكثر الأحوال مقلًّا، وذلك أنه لا يأخذ المال إلَّا كما يجب من الوجه الذي يجب، وفي الوقت الذي يجب، ثم إذا أخذه وتناوله لم يدخره عن مكرمة تعن له. والجاهل أسهل عليه الجمع من حيث لا يبالي فيما يتناوله بارتكاب محظور واستباحة محجور. واستنزال الناس عما في أيديهم بالمكر، ومساعدتهم على ارتكاب الشر طمعًا في نفعهم له، وكثيرًا ما ترى من هم في جملة الموصوفين بقوله تعالى: (فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠) شاكين لبختهم، فبعضهم يغضب على الفلك، وبعض يعتب على القدر، وبعضهم يتجاوز الأسباب فيعاتب اللَّه تعالى، حتى قال بعض المجان عند قوله تعالى: (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ) زال الرا، ولو تولى غيره قسمة أرزاق الورى، جرت خطوب بيننا لكنها تحت العرا. وذلك لحرصهم على ارتكاب المقابح، ولجهلهم بما يقيض اللَّه لعباده من المصالح.

стр. 213

وقول الشاعر: هذا الذي ترك الألباب حائرة ... وصير العالم النحرير زنديقَا فالذي يصير بذلك زنديقًا فبأن يسمى الجاهل الشرير أولى من أن يسمى العالم النحرير، وقد قال حكيم: سوأة لمن أعطي العلم فجزع لفقد الذهب والفضة، ولمن أعطي السلامة والدعة فجزع لفقد التعب والألم، فثمرة العلم السلامة والدعة، وثمرة المال التعب والألم. تحقيق كون المال في أيدي الناس إن اللَّه تعالى أوجد أعراض الدنيا بلغة فاتخذها الناس عقدة، وجعل الدنيا منزلًا وممرًّا فصيروها موطنًا ومقرًّا، إلَّا قليلًا منهم فإنهم أنزلوها حيث أنزلها اللَّه تعالى، وهم الذين وصفهم بقوله: (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣) تاجروا بها ربَّهم، كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) . فأعراض الدنيا عارية في أيدي الناس مستردة، كما قيل: وما المال والأهلون إلا ودائع ... ولا بد يومًا أن ترد الودائع وهي من وجه منيحة: منحت الإنسان لينتفع بها مدة، ويذرها لينتفع بها من بعده. ومن وجه وديعة في يده: رخص له في استعمالها والانتفاع بها بعد أن لا يسرف فيها. لكن الإنسان لجهله ونسيانه لما عهد إليه بقوله: (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥) اغتز بها فظن أنها قد جعلت له هبة مؤبدة، فركن إليها واعتمد عليها، ولم يؤدِ أمانة اللَّه تعالى فيها، ثم لما طُولب بردها تمنع منه وضجر، ولم ينزع عنها إلا بنزع روحه أو كسر يده وبعضهم - وهم الأقلون - حفظوا ما عهد إليهم فتناولوها تناول العارية والمنيحة والوديعة، فأدوا فيها الأمانة، وعلموا أنها مسترجعة، فلما استردت منهم لم يعضوا ولم يجزعوا، وردوها شاكرين لما نالوه منها، ومشكورين لأداء الأمانة فيها. وقد ذكر بعض الحكماء في ذلك مثلًا فقال: إن مثل الناس فيما أعطوه من أعراض الدنيا مثل رجل دعا قومًا إلى داره، فأخذ طبقًا من ذهب، وجعل عليه بخورًا

стр. 214

ورياحين، فكان كلما دخل واحد منهم تلقاه به، ودفعه إليه، لا ليملكه، بل ليشمه ويستمتع به ويدفعه إلى من يجيء بعده، فمن كان جاهلًا برسومهم ظن أنه قد وهب له، فيضجر إذا استرجع منه، ومن كان عارفًا برسومهم أخذه بشكر، ورده بانشراح صدر، وطيب نفس. تفاوت أحوال المتناولين لأعراض الدنيا طلب الدنيا وتناولها على ثلاثة أضرب: فالأول: من يتناولها على أي وجه اتفق، راكنًا إلى المال غير متفكر في المآل، وإياه قصد ﵎ بقوله في ذم من ذمه: (يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) . والثاني، من يتناولها على الوجه الذي يجب تناولها عليه، وذلك أن يقتصر على ما لا يمكن التبلغ بأقل منه، من الوجه الذي يجب كما يجب. ولوجوب تناول هذا القدر قيل: مباحات الصوفية فريضة، وفريضتهم مباحة. بمعني أنه لا يقدم على تناول مباح حتى يضطر إليه، فيتحتم تناوله عليه، فيصير ما كان مباحًا تناوله فرضًا عليه، ويفعل من الواجبات فوق ما يجب عليه، مسارعًا إليه حتى يصير حكمها حكم النوافل. وقد روي: " من طلب رزقه على ما سن له فهو في جهاد "، وقال ﷺ لابن مسعود: " إن المؤمن ليؤجر في كل شيء حتى اللقمة يضعها في فيِّ امرأته "، ولم يعن أن كل أحد على كل حال يؤجر في ذلك، وإنما أراد تخصيص المؤمنين الذين يراعون حكم اللَّه في مكاسبهم وإنفاقهم ويتحرون في ذلك عبادة الله. والضرب الثالث: من يتوسع فىِ تناولها ويراعي فيها ما يجب، لكن يكون فيه وكيلًا للَّه تعالى فيقتصر منها لنفسه على تناول بلغته، ويجعل الباقي مصروفا إلى ما دعي إليه، فهذا أفضل كما تقدم ذكره، فإنه يصير بذلك من خلفاء اللَّه . فمن تناول الدنيا على أحد هذين الوجهين فقد ارتسم للًه في قوله تعالى:

стр. 215

(وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا) . وبالاعتبار بمثلهم قال تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) وقال: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥) فجعلها لهم إرثًا، ثم قال: (إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (١٠٦) أي: من تحرى فىِ تناول الدنيا عبادة اللَّه فإنه يبلغ بذلك مقصوده المذكور في قوله: (وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢) وقال: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) . والفضل هو الإحسان، فنبَّه جمذلك أن تناول المال إذا تُحري به الوجه الذي يجب كما يجب فهو فضل وإحسان يستحق به الثواب وعلى ذلك قوله: (وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ) وقال في مدح قوم يتناولون الدنيا كما يجب من حيث ما يجب: (رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ) . في بيان ما ورد من الآيات المتفاوتة الظاهر في شأن الدنيا من تصور الجوه الثلاثة التي تقدم ذكرها في تناول الدنيا سقطت شبهته فيما ورد من الآيات والأخبار المتفاوتة في الظاهر، من ذم الدنيا وأعراضها تارة، ومدحها تارة، وذلك أن ما جاء من ذمها فاعتبارًا بمن رضيها حظًّا لنفسه، وجعلها مبلغ مراده، كما قال تعالى: (وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا) . وما جاء من مدحها فباعتبار تناولها وإنفاقها على ما يحمد، وعلى ذلك ما قال أمير المؤمنين علي كرم اللَّه وجهه: " الدنيا دار نجاة لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزود منها. الناس فيها رجلان: رجل باع نفسه فأوبقها، ورجل ابتاع نفسه فأعتقها ". وعلى هذين الوجهين مدح تارة عمارة الأرضين فقال تعالى: (وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) وقال ﷺ : " من غرس غرسًا لم يأكل منه طائر ولا بهيمة إلا كان له صدقة ". وقد ذم مرة عمارتها فقال تعالى: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا)
следующие страницы →