Полный текст (233 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
الكتاب: الذريعة إلى مكارم الشريعة
المؤلف: أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى (المتوفى: ٥٠٢هـ)
تحقيق: د. أبو اليزيد أبو زيد العجمي
دار النشر: دار السلام - القاهرة
عام النشر: ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م
عدد الأجزاء: ١
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
نسأل اللَّه تعالى أن يجعل لنا بجوده الذي هو سبب الوجود - نورًا يهدينا إلى الإقبال عليه، ويميل بنا إلى الإصغاء إليه، ويدلنا على حسن معاملته، والقوة على النفاذ في طاعته، وأن يجعلنا من جملة من ضمن أن يحرسهم من غائلة الشيطان، حيث قال: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) ، وجعلهم الشيطان مثنوية اليمين حيث قال: (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣) .
مقدمة المؤلف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال الشيخ أبو القاسم الحسين بن محمد بن المفضل الراغب ﵀: كنت قد أشرت فيما أمليته من كتاب " تحقيق البيان في تأويل القرآن " إلى الفرق بين أحكام الشريعة ومكارمها، فإن المكارم المطلقة هي اسم لما لا يتحاشى من وصف الباري جل ثناؤه بها أو
بأكثرها) نحو الحكمة، والجود، والحلم، والعلم، والعفو، وإن كان وصفه تعالى بذلك على حد أشرف مما يوصف به البشر، وإن الأحكام تتناول ذلك وتتناول) العبادات.
وإنه باكتساب المكرمة يستحق الإنسان أن يوصف بكونه خليفة اللَّه المعني
بقوله: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) ، وبقوله تعالى: (وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩) .
стр. 3
وقوله: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ.
وأشرت أن خلافة الله لا تصح إلا بطهارة النفس، كما أن أشرف العبادات لا تصح إلا بطهارة الجسم.
وقد استخرت اللَّه الآن، وعملت في ذلك كتابًا ليكون ذريعة إلى مكارم الشريعة، وبينت كيف يصل الإنسان إلى منزلة العبودية التي جعلها الله تعالى شرفًا للأتقياء،
وكيف يترقى عنها إذا وصلها إلى منزلة الخلافة التي جعلها اللَّه تعالى شرفا للصديقين والشهداء.
فبالجمع بين أحكام الشرع ومكارمه علمًا، وإبرازهما عملًا يكتسب العلا،
ويتم التقوى، ويبلغ إلى جنة المأوى.
ورغبني أيها الأخ الفاضل - وفقك اللَّه وأرشدك، وأعاذك من شر نفسك - في تصنيفه ما رأيت من تشوقك أن تزين ما وليه اللَّه من حسن خَلْقك وخُلُقك بما تتولاه من تحسين أدبك، وإكمال مروءتك، فما أجدر رواك الصبيح أن تحصِّل وراءه الرأي الصحيح.
حتى تصادف أُترجًّا يطيب معًا ... حملًا ونَورًا فطاب العود والورق
فما أقبح المرء أن يكون حسن جسمه باعتبار قبح نفسه جنة يعمرها بوم، وصرمة يحرسها ذئب، كما قال حكيم لجاهل صبيح الوجه: أما البيت فحسنٌ وأما ساكنه فرديءٌ، وأن يكون باعتباره بكثرة ماله وحسن أثاثه ثورًا عليه حلى، فقد سمَّى بعضُ الحكماء الأغنياءَ الأغبياءَ تيوسًا صوفها درر، وحمرًا جلالها حبر، ودخل حكيم على رجل فرأى دارًا مستجدة، وفرشًا مبسوطة، ورأى صاحبها خلوًا من الفضيلة
стр. 4
فبزق في وجهه، فقال له: ما هذا السفه أيها الحكيم، فقال: بل هذه حكمة، إن البزاق ليرمي إلى أخس مكان في الدار، ولم أر في دارك أخس منك، فنبه بذلك على دناءة الجهل، وأن قبحه لا يزول بادخار القَنيَّات.
فكن أيها الأخ عالمًا، وبعلمك عاملًا، تكن من أولياء اللَّه الذين (لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) ، واحذر الشيطان أن يسبيك، ويغريك بأعراض
الدنيا وزخارفها، فيجعلك من أوليائه ويخوفك بوساوسه، كما قال تعالى: (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ) .
واعلم أنه قبيح بذي العقل أن يكون بهيمة وقد أمكنه أن يكون إنسانًا، أو إنسانًا وقد أمكنه أن يكون ملكًا، وأن يرضى بقنية معارة، وحياة مستردة، وله أن يتخذ قنية مخلدة، وحياةً مؤبدة:
فلم ير في عيوب الناس شيء كنقص القادرين على التمام
وإن أردت أن تعرف بقاء العلماء الأتقياء فاعتبر ما قال أمير المؤمنين ﵁: " مات خزَّان الأموال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وآثارهم في القلوب موجودة ".
стр. 5
وإن أردت أن تشاهدهم في الجنة يتنعمون فاستعد حال حارثة حيث قال للنبي ﷺ : أصبحت مؤمنًا حقا.
فقال رسول اللَّه ﷺ : " لكل حق حقيقة، فما حقيقة إيمانك، فقال في جملة جوابه: وكأني أنظر إلى أهل الجنة في الجنة يتزاورون، فصدقه ﷺ فقال له: " عرفت فالزم ".
ولا يخدعنك عن طلب ذلك وإدراكه (الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (١٩) ،
فقد وصفهم اللَّه تعالى بالصمم والعمى إذ قال: (مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠) .
ثم ذمهم بقوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢١) ،
ثم فرق بينهم وبين من ضادهم فقال: (مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٢٤) .
فأخبر اللَّه تعالى أنهم لا يسمعون ولا يبصرون لفقدان سمع القلب وبصره اللذين بهما تنال حقائق المسموعات والمبصرات.
وهذا الكتاب يشتمل على سبعة فصول وأبواب.
стр. 6
ذكر الفصول وأنواعها:
الفصل الأول: في أحوال الإنسان وقواه وفضيلته وأخلاقه:
(وتحته مباحث) : مثل
أهل الدنيا وما رشحوا له - ماهية الإنسان وكيفية تركيبه - في قوى الإنسان - تعاون القوى الروحانية وكيفية إدراكها - بيان فضيلة الإنسان على سائر الحيوانات - ما به يفضل الإنسان - كون منزلة الإنسان بين البهيمة والملَك - ما لأجله أوجد الإنسان -
السياسة التي بها يستحق خلافة اللَّه تعالى الفرق بين مكارم الشريعة وبين العبادة وعمارة الأرض - كون طهارة النفس شرطًا في صحة خلافة اللَّه تعالى وكمال عبادته -
فيما يفزع إليه في طهارة النفس - بيان منازعة الهوى والعقل - الفرق بين ما يسومه الهوى وما يسومه العقل - فى ذكر الخاطر الذي يعرض من جهة العقل والهوى -
حصول الخلق المحمودة بطهارة النفس - الفرق بين الطبع والسجية والخلق والعادة والهوى - إمكان تغيير الخلق - صعوبة إصلاح القوة الشهوية وما في هذه القوة من النفعة والمضرة، ازدياد الإنسان في الفضائل والرذائل بتعاطيها - الفرق يين ما يحمد ويذم من التخلق - سبب اختلاف الناس فىِ أخلاقهم - وجوب اكتساب الفضيلة المحمودة - أنواع نعم اللَّه تعالى الموهوبة والمكسوبة - حاجة بعض هذه الفضائل إلى بعض - الفضائل المضيفة بالإنسان - الفضائل الجسمانية - ما يتولد من الفضائل النفسية - الفضائل التوفيقية - ما في تلازم الفضائل النفسية بعضها بعضًا -
البواعث على فعل الخير وتحري الفضائل - الموانع من تحري الفضِائل - الارتقاء في درجات الفضائل والانحدار عنها إلى أقصى الرذائل - بيان عادة الله في تهذيب الذين ترددوا في الرذائل حتى فسدت أخلاقهم - أصناف الناس.
стр. 7
الفصل الثاني: في العلم والعقل والنطق وما يتعلق بها وما يضادها
(وتحته) :
فضيلة العقل - أنواع العقل - المكتسب من العقل الدنيوي والأخروي - منازل العقل واختلاف أساميها بحسبها - جلالة العقل وشرف العلم - الفرق بين العلم والعقل وبين العلم
والمعرفة والدراية والحكمة - توابع العقل - ثمرة العقل من معرفة اللَّه تعالى الضرورية والمكتسبة وغاية ما يبلغه الإنسان من ذلك - وجوب بعثة الأنبياء ﵈ وقلة الاستغناء عنهم - ما يعرف به صحة النبوة - كون العقل والرسل هادين الخلق إلى الحق - تعذر إدراك العلوم النبوية على من لم يتدرب في العلوم العقلية - الإيمان والإسلام والتقوى والبر - في الإيمان - في أنواع الجهل - في معنى قول النبي ﷺ : " الإيمان بضع وسبعون بابًا " - كون العلم مركوزا في نفوس الناس - حصر أنواع المعلومات - ما يعرف به فضيلة العلوم - استحسان معرفة أنواع العلوم - معاداة بعض الناس لبعض العلوم -الحث على تناول البلغة من كل علم والاقتصار عليه - أحوال الناس في استفادة العلم وإفادته - ما يجب على المتعلم أن يتحراه مع المعلم - ما يجب أن يتحراه المعلم مع المتعلمين منه - وجوب منع الجهلة عن حقائق العلوم والاقتصار بهم على قدر أفهامهم -
وجوب ضبط المتصدين للعلم ومضرة إهمال ذلك - ذكر من يصلح لوعظ العامة - الحال التي يجب أن يكون عليها الواعظ - صعوبة المعيار الذي تعرف به حقائق العلوم - كراهية الجدال للعوام وذمه على كل حال - ما يجب أن يعامل به الجَدل المماحك -
الوجوه التي تقع فيها الشبهة والخلاف - بيان اختلاف الناس في الأديان والمذاهب - النطق والصمت - الصدق ومدحه والكذب وذمه - ما يحسن ويقبح من الصدق
والكذب - أنواع الكذب والسبب الداعي إليه - الذكر الحسن من المدح والثناء - الشكر - الغيبة والنميمة - الكلام المستقبح - المزاح والضحك - الحلف.
стр. 8
الفصل الثالث: فيما يتعلق بالقوى الشهوية
(وتحته) :
الحياء - كبر الهمة - الوفاء والغدر - المشاورة - النصح - كتمان السر - التواضع والكبر - الفخر - العجب -
أنواع اللذات وتفاصيلها - ما يحسن تناوله من المطعم والمشرب وما يقبح -
ما يحسن تعاطيه من المنكح وما يقبح - ذكر العفة - القناعة والزهد - الورع.
الفصل الرابع: فيما يتعلق بالقوى الغضبية: ما ينبع من القوى الغضبية
الحميَّة - أنواع الصبر ومدحه - الشجاعة - أنواع الفزع والفرق بين ما يحمد منها وما يذم -
مداواة الغم وإزالة الخوف - أحوال الناس في محبة الموت والاحتيال لقلة المبالاة به - السرور والفرح - العذر والتوبة - الحلم والعفو - ثوران الغضب وفضل كظمه - الغيرة والجُوار - الغبطة والمنافسة والحسد.
الفصل الخامس: في العدل والظلم والمحبة والبغض
(وتحته) :
ذكر العدالة وفضيلتها - أنواع العدالة وما يستعمل ذلك فيه - ما يحسن ترك العدالة فيه - ذكر الظلم - الأسباب التي يحصل منها الأضرار - ذكر المكر والخديعة والكيد والحيلة -
ماهية المحبة وأنواعها - فضيلة المحبة - فضيلة الصداقة - ذكر المحبب في الناس - الحث على مصاحبة الأخيار ومجانبة الأشرار - فضيلة التفرد عن الناس ورذيلته - العداوة والغدر.
الفصل السادس: فيما يتعلق بالصناعات والمكاسب والإنفاق والجود والبخل
(تحته) :
حاجة الناس في اجتماعهم إلى التظاهر - تسخير اللَّه لهمم الناس للصناعات المختلفة وعناية كل أحد بما يتحراه - كون الفقر وخوفه سبب نظام أمر الناس. مناسبة الأبدان للصناعات - وجوب التكسب - مدح السعي وذم الكسل - تقاسيم الصناعات وفضيلة بعضها على بعض - في أن أصول الصناعات مأخوذة عن وحي - في بيان الناض المتعامل به وبيان حكمة اللَّه تعالى فيه - مدح المال وذمه - ذكر المال والأدب
في اقتنائه والوجوه التي منها يحصل - سبب إخفاق العاقل وإنجاح الجاهل - تحقيق كون المال في أيدي الناس - تفاوت أحوال المتناولين للأعراض الدنيوية - في بيان ما ورد من
стр. 9
الآيات المتفاوتة الظاهر في شأن الدنيا - أحوال الناس في مراعاة أمور الدنيا والآخرة -
بيان حال من يجوز له الاستكثار من أعراض الدنيا ومن لا يجوز له ذلك -
ما ينال أرباب الدنيا من العقوبات الدنيوية - ذكر الإنفاق الممدوح والإنفاق المذموم - حقيقة السخاء والجود والشح والبخل - فضيلة الجود وذم البخل - أنواع الجود والمجود به.
الفصل السابع: في ذكر الأفعال:
(وتحته) :
أنواع الأفعال - الفرق بين الفعل والعمل والصنع - أنواع الصناعات - الأفعال الإرادية وغير الإرادية - ما يستحق به من الأفعال اللوم وما لا يستحق به ذلك - الأسباب التي يمكن نسبة الفعل إليها.
стр. 10
الفصلُ الأول في أحوال الإنسان وقواه وفضيلته وأخلاقه
стр. 11
مثل أهل الدنيا وما رشحوا له
الإنسان في هذه الدار كما قال أمير المؤمنين عليٌّ ﵀: الناس سفر، والدنيا دار ممر لا دار مقر، وبطن أمه مبدأ سفره، والآخرة مقصده، وزمان حياته مقدار مسافته وسنوه منازله، وشهوره فراسخه، وأيامه أمياله، وأنفاسه خطاه، يسار به سير السفينة براكبها، كما قيل: شعر.
رأيت أخا الدنيا وإن كان خافضًا ... أخا سفر يُسرى به وهْوَ لا يدري
وقد دعي إلى دار السلام كما قال تعالى: (لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ) ،
وقال تعالى: (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ) ،
وتوجه به إليها نحو أشرف الزهرات وألذ الثمرات (جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) ،
بل إلى (وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) .
لكن لما كان الطريق إليها مضلة مظلمة قد استولى عليها أشرار ظلمة، جعل اللَّه تعالى لنا من العقل الذي ركبه فينا وكتابه الذي أنزله علينا نورًا هاديًا، ومن عبادته التي أمرنا بها حصنا واقيا
فقال في وصف نوره: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ)
، فجعل المصباح مثلًا للعقل، والمشكاة مثلًا لصدر المؤمن، والزجاجة لقلبه،
والشجرة المباركة وهي الزيتونة للدين، وجعلها لا شرقية ولا غربية، تنبيها أنها مصونة عن التفريط والإفراط، كما قال تعالى: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ)
، والزيت للقرآن، وبين أن القرآن يمد العقل مدَّ الزيت المصباح، وإنه يكاد
يكفي لوضوحه وإن لم يعاضده العقل، ثم قال: (نُورٌ عَلَى نُورٍ) ، أي
стр. 12
نور القرآن ونور العقل، وبين أنه يخص بذلك من يشاء. وقال في وصف ما جعله اللَّه لنا من الحصن: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) ، أي المتحصنين بعبادتي فمن لم يقم برعاية نوره وحماية حصنه عمه في دجاه، وتمكن من استغوائه
عداه. كما قال تعالى: (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) ، فمن لم يتزود من دنياه زاده كما أمر اللَّه تعالى بقوله: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) ، جاءت رحلته فيُسْترجع منه ما أعير من جسده، وذات يده ليتحسر حين لا يغنيه تحسره، ويقول: (يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا) ، ويقول: (فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ) ، فحينئذ (لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا) ، وأيضًا فإن الإنسان من وجه في دنياه حارث، وعمله حرثه، ودنياه محرثته، ووقت موته وقت حصاده، والآخرة بيدره، ولا يحصد إلا ما زرعه، ولا يكيل إلا ما حصده، ولهذا قال تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠) ،
وكما أن في البيدر مكاييل وموازين وأمناء وحفاظا ومشاهدين، وكتابًا، كذلك في الآخرة مثل ذلك، كما قال تعالى: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)
стр. 13
وقال: (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)
وقال: (وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ) .
وكما أن في البيدر تذرية وتمييزًا بين النقاوة والحطام كذلك في الآخرة تمييز بين الحسنى والآثام، كما قال تعالى: (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٣٧)
وقال في أعمال الكفار: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا)
وقال تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٨)
وقال: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)
فمن عمل لآخرته بورك في كيله ووزنه، وحصل له منه زاد الأبد كما قال تعالى: (وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩)
ومن عمل للدنيا خاب سعيه، وبطل عمله كما قال اللَّه تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)
فأعمال الدنيا كشجرة الخلاف بل كالدفلي والحنظل في الربيع يرى غض الأوراق حتى إذا جاء حين الحصاد لم ينل طائلًا، وإذا أحضر مجتناه البيدر لم يفد نائلًا، ومثل أعمال الآخرة
كشجرة الكرم والنخل المستقبح المنظر في الشتاء فإذا جاء وقت القطاف والاجتناء أفادتك زادًا، وادخرت منها عدة وعتادًا. وإلى نحوها أشار تعالى بقوله: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (٢٦)
стр. 14
ولما كانت زهرات الدنيا رائقة الظاهر خبيثة الباطن نهى اللَّه تعالى عن الاغترار بها
فقال: (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٣١) .
واللَّه تعالى يؤيد بفضله من يشاء وهو الباري.
ماهية الإنسان وكيفية تركيبه
الإنسان مركب من جسم مدرك بالبصر، ونفس مدركة بالبصيرة، وإليهما أشار تعالى بقوله: (إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢)
فالإشارة بالروح إلى النفس، وإضافته تعالى الروح إليه تشريفًا لها، وعنى بها النفس المذكورة في قوله تعالى: (أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ) ، ووجود النفس في
الإنسان لا يحتاج إلى أن يدل عليه لوضوح أمره، بل ينبه الجاحد لها والغافل عنها بأنها هي التي بحصولها في الجسم تحصل الحياة والحركة والحس والعلم والرأي والتمييز،
ويكون الجسم متصرفًا بها وحاملًا ومستحسنًا ومستطابا ومحببا، وبفقدها عدم هذه الأشياء فيصير جيفة يحتاج إلى عدة تحمله، وهي محل الأعراض الروحانية كالجسم
стр. 15
في كونه محلَا للأعراض الجسمانية، وقد حث اللَّه تعالى على التدبر في النفس والتفكر فيها، وجعل معرفتها مقرونة بمعرفته تعالى في قوله: (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)
وقال تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) .
وكان يقال في الأم السالفة: من أنكر الباري رجم لكونه جاحدًا، ومن أنكر النفس رجم لكونه جاهلًا، وقيل: كان في كتب اللَّه المنزلة: اعرف نفسك يا إنسان تعرف ربك، وقال ﷺ : " أعرفكم بربه أعرفكم بنفسه "، بل قد قال تعالى: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ) ، تنبيهًا لهم أنهم لما نسوه تعالى دلَّ
نسيانهم إيَّاه على نسيانهم لها.
وقالت الحكماء: قد ركب اللَّه الإنسان تركيبًا محسوسًا معقولًا، على هيئة العالم وأوجده شبه كل ما هو موجود في العالم حتى قيل: الإنسان هو عالم صغير ومختصر للعالم الكبير؛ وذلك ليدل به على معرفة العالم، فيتوصل بهما إلى معرفة صانعهما، فغاية معرفة الإنسان لبارئه تعالى أن يعرف العالم، فيعلم أنه موجَد، وأن له موجِدًا ليس مثله، تعالى اللَّه عن ذلك علوًّا كبيرًا.
في قوى الانسان:
قد جعل اللَّهْ للإنسان خمس قوى، يدل على وجودها فيه ما يظهر من تأثيراتها:
قوة الغذاء: وبها النشأة والتريية والولادة.
стр. 16
وقوة الحس: وبها الإحساس واللذة والألم.
وقوة التخيل: وبها تصور أعيان الأشياء بعد غيبوبتها عن الحس.
وقوة النزوع: وبها يكون الطلب للموافق والهرب من المخالف، والرضا والغضب والإيثار والكراهة.
وقوة التفكر: وبها يكون النطق والعقل والحكمة والروية والتدبير والمهنة والرأي والمشورة.
فأما القوى المدركة منها فخمس: الحواس الخمس، والخيال، والفكر، والعقل، والحفظ.
فأما الحواس فلكل واحد منها إدراك مخصوص:
فللمسِّ عشر إدراكات: الحرارة، والبرودة، والرطوبة، واليبوسة، واللين والخشونة، والصلابة، والرخاوة، والثقل والخفة.
وللذوق سبع: الحلاوة، والمرارة، والملوحة، والحمو ضة، والحرافة، والعفوصة، والتفاهة.
وللشم اثنان: الطيب، والنتن.
وللسمع اثنان: الصوت البسيط، والكلام المركب منه.
وللبصر أحد عشر إدرا كًا: النور، والظلمة، واللون، والجسم، وسطحه، وشكله ووضعه، وأبعاده، وحركاته، وسكناته، وأعداده.
فأدون هذه الإدراكات اللمس ثم الذوق ثم الشم، فالنفس لا تكاد تستعين بها إلا فيما يعود نفعها إلى صلاح الجسم.
стр. 17
وأرفع الإدراكات العقل ثم الفكر ثم التخيل ثم الحس، إلا أن العقل والفكر يدركان الأشياء الروحانية.
فأما السمع والبصر فمتوسطان، لأنهما يخدمان النفس والجسم، وخدمتهما للنفس أكثر، ويدركان الأشياء الجسمانية.
والتخيل متوسط بين العقل والفكر وبين السمع والبصر، فيأخذ تارة من
السمع والبصر ويسلم إلى العقل والفكر وذلك في حال اليقظة، ويأخذ تارة من العقل والفكر ويسلمه إلى السمع والبصر وذلك في حال النوم.
ولما كان مبدأ تأثير هذه القوى من الدماغ قيل: مسكن الفكرة وسط الدماغ، ومسكن الخيال مقدَّمُه، ومسكن الحفظ والذكر مؤخَّره. ولما كان قوام الدماغ، بل قوام الجسم كله من القلب الذي منه منشأ الحرارة الغريزية صار في كلام الناس يعبَّر عن هذه القوى تارة بالدماغ فيقال: لفلان دماغ إذا قويت منه هذه القوى المدركة، وفلان خالي الدماغ إذا ضعفت فيه هذه القوى. ويعبر عنها تارة بالقلب والثاني أكثر، وعلى ذلك قوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧) .
ولما كان أكثر إدراك الحقائق بهذه القوى المدركة، وكانت الفكرة خادمة للعقل، والتخيل خادفا للعقل والفكر تارة، وللسمع والبصر تارة خص اللَّه بالذكر القلب - وهو أحد الطرفين - والسمع والبصر وهو الطرف الآخر؛ ولذلك عظم اللَّه المنَّة على الإنسان
стр. 18
بإعطائه إيَّاه هذه الثلاثة، وحمد من استعملها، وذم من أهملها فقال (سبحانه) : (وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ) ،
وقال في ذم من لا ينتفع بها: (لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)
وقال: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١)
أي لا يفهمون.
المعنى أنهم لا يسمعون الأصوات أو لا ييصرون الذوات، وجعلهم بكمًا من حيث إنهم لا يوردون معنى مستنبطًا بالفكر مدركًا بالعقل.
واعلم أن السمع والبصر كالأخوين يخدم كل واحد منهما صاحبه في إدراكه، فقد ينوب السمع عن البصر في إبلاغ القلب بما يأخذه عن اللفظ فيدرك في ساعة ما لا يدركه البصر في برهة، وينوب البصر عن السمع في إبلاغ القلب بمطالعة الكتب ما لا يدركه السمع في مدة سيما إذا كان المخاطب ناقص العبارة، أو غير متثبت في الكلام، أو دق المعنى وغمض عن الإفهام.
تعاون القوى الروحانية وحيفية إدراكها
القوى الروحانية متعاونات في إدراكهن لرسوم المعلومات، فإن الخيال يتصور عن المحسوس فتبقى فيه صورته الروحانية فينتقش بها كما تنقش الشمع بصورة الختم، ثم يأخذها الفكر، فيميز بعضها عن بعض بنور العقل، فيبحث عن خواصها ومنافعها، ومضارها، ثم يؤديه إلى القوة الحافظة، فإن أراد إبرازه قولًا سلط عليه القوة الناطقة
فيعبر عنه باللسان، وإن أراد إبرازه فعلًا سلط عليه القوة العاملة فتوجده الجوارح.
وقد ضرب بعض الحكماء مثلًا لهذه القوى يقرب منه تصور تأثيراتها فقال: إن
القوة الفكرة ومسكنها وسط الدماغ بمنزلة الملك يسكن وسط المملكة، والخيالية ومسكنها مقدم الدماغ جارية مجرى صاحب بريده، والحافظة ومسكنها مؤخر الدماغ جارية مجرى خازنه، والقوة الناطقة جارية مجرى ترجمانه، والعاملة جارية مجرى
стр. 19
كاتبه، والحواس جارية مجرى جواسيسه وأصحاب الأخبار الصادقي اللَّهجات فيما يرفعونه من الأخبار، فيلتقط كل واحد الخبر من الصقع الذي وكل به فيرفعه إلى صاحب البريد، وصاحب البريد يسقط منه ما يراه حشوًا، ويرفع الباقي صافيًا إلى حضرة الملك فيميزه ويعرف منافعه ومضاره، ويسلمه إلى خازنه إلى وقت الحاجة فحينئذ يتقدم بإخراجه.
قالوا: وكما أن للملك أفعالًا يستعين فيها بغيره، وأفعالًا ينفرد هو فيها بنفسه، والأفعال التي يتولاها بنفسه أشرف مما يفوضها إلى غيره، فكذلك للقوة المفكرة أفعال تفوضها إلى غيرها، وأفعال تختص هي بها، وهي الرؤية والفكر والاعتبار والتصور والقياس والفراسة، فهذه الأشياء تدبير الأمور، فبالفكر استخراج الغوامض، وبالاعتبار تحصيل التجربة، وبالقياس استنباط المجهول بتوسط المعلوم، وبالفراسة الاطلاع على الأسرار.
ونحو هذا المثل مما روي أن كعب الأحبار قال: " دخلت على أم المؤمنين عائشة ﵂
فقلت: الإنسان عيناه هاد، وأذناه قمع، ولسانه ترجمان، ويداه جناحان، ورجلاه بريد، والقلب ملك، فإذا طاب القلب طاب جنوده، فقالت: هكذا سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول.
стр. 20
بيان فضيلة الإنسان على سائر الحيوانات
للإنسان فضل على الحيوانات كلها في نفسه وجسمه:
أما فضله في نفسه فبالقوة المفكرة التي بها العقل والعلم والحكمة والتمييز والرأي، فإن البهائم وإن كانت كلها تحس وبعضها يتخيل فليس لها فكر ولا رويَّة ولا استنباط المجهول بالمعلوم، ولا تعرف علل الأشياء وأسبابها.
وليس في قوتها تعلم الصناعات الفكرية، وإنما يتعلم بعضها بعض الصناعات المتخيلة وأقواها في ذلك الفيل والقرد.
وأما فضله في جسمه فباليد العاملة، واللسان الناطق، وانتصاب القامة الدالة على استيلائه على كل ما أوجد في هذا العالم، وقد نبه الله تعالى على ذلك بقوله: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)
وبقوله: (وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ)
ولم يعن الصورة التخطيطية فقط، بل عناها والصورة المعقولة، ولتشريفه
تعالى إياه بذلك قال: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠) .
ومن زعم أن الإنسان خلق خلقة ناقصة عن الوحشيات من حيث إنه لم يكف
الملبس كما كفيته، ولم يعط سلاحًا في ذاته كما أعطي كثير منها، فنظره ناقص؛ إذ قد أعطي الإنسان بدل ذلك التمييز الذي يمكنه أن يتخذ به كل ملبس وكل سلاح حسب ما يريده، فيتناوله متى أراد، ويضعه متى أحب.
ثم لو أعطي الإنسان بعض الأسلحة التي أعطيتها الوحشيات لم يمكنه أن يستعمل غيره كالوحشيات، وأيضًا فلو أعطي ذلك لكان من الحق أن لا يعطى التمييز؛ لأنه حينئذ كان يستغني عنه فتبطل فائدته، وفعل الله تعالى منزه عن ذلك.
فإن قيل: وكيف قال تعالى: (وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨) ،
فاستضعفه
стр. 21
قيل: ضعفه بالإضافة إلى الملأ الأعلى لما فيه من الحاجات البدنية التي قد كفيها أولئك.
واعلم أن كل ما أوجد في هذا العالم فإنما أوجد لأجل الإنسان، إما لانتفاعه به كالخيل والبغال والحمير، أو الأغذية له كالبقر والغنم والحبوب والثمار، وإما لانتفاع ما ينتفع به الإنسان كالعشب والحشرات، وما لا يعرف الإنسان نفعه فليس يخرج عن كونه نافعًا، وقد بين الحكماء نفع جلها، وما لا سبيل لبعضنا أو لكلنا إلى معرفة نفعه
فليس جهلنا به قادحا في حكمة اللَّه تعالى في إيجاده. ورب شيء جهلنا نفعه
وقد سخر لمعرفته بعض الحيوان؛ كالشجر الذي فيه العسل بالقوة. وما سخر لمعرفته واستخراجه إلا النحل، وما أليق من أنكر حكمة اللَّه تعالى لجهله أن يُنشد:
عليَّ نحت القوافي من مقاطعها ... وما عليَّ إذا لم تفهم البقر
واللَّه أعلم.
بيان ما به يفضل الإنسان
الإنسان وإن كان هو بكونه إنسانًا أفضل موجود فذلك بشرط أن يراعي ما به صار إنسانًا، وهو العلم الحق والعمل المحكم، فبقدر وجود ذلك المعنى فيه يفضل؛ ولهذا قيل: الناس أبناء ما يحسنون، أي ما يعرفون ويعملون من العلوم والأعمال الحسنة.
يقال: أحسن فلان إذا علم وإذا عمل حسنًا.
أما الإنسان من حيث ما يتغذى وينسل فنبات، ومن حيث ما يحس ويتحرك
فحيوان، ومن حيث الصورة التخطيطية فكصورة في جدار.
وإنما فضيلته بالنطق وقواه ومقتضاه؛ ولهذا قيل: ما الإنسان لولا اللسان إلا بهيمة مهملة أو صورة ممثلة، فالإنسان يضارع الملك بقوة العلم والنطق والفهم، ويضارع البهيمة بقوة الغذاء والنكاح، فمن صرف همته كلها إلى تربية الفكر بالعلم والعمل
فخليق أن يلحق بأفق الملك فيسمى ملكًا وربانيًّا كما قال تعالى: (إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١) ،
ومن صرف همته كلها إلى تربية القوة الشهوية باتباع اللذات
стр. 22
البدنية، يأكل كما تأكل الأنعام فخليق أن يلحق بأفق البهائم، فيصير إما غمرًا كثور أو شرهًا كخنزير، أو ضريًا ككلب، أو حقودً كجمل، أو متكبرًا كنمر، أو ذا روغان كثعلب، أو يجمع ذلك كله فيصير كشيطان مريد، وعلى ذلك قوله تعالى: (وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ) .
ولكون كثير ممن صورته صورة إنسان وليس هو في الحقيقة إلا كبعض الحيوان، قال اللَّه تعالى في الذين لا يعقلون عن اللَّه: (إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)
وقال: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢)
وقالل تعالى: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٥) .
فبين أن الذين كفروا ولم يستعملوا القوة التي جعلها اللَّه لهم هم شر
الدواب، وقال تعالى: (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١)
أي مثل واعظ الكافرين كمثل ناعق الأغنام تنبيهًا أنهم فيما يقال لهم كالبهائم، وبهذا النظر عبر الشاعر عن بعض
من ذمَّه فقال:
اللؤم أكرم من وبر ووالده ... واللؤم أكرم من وبر وما ولدا
ولم يقل " ومن ولدا " تنبيهًا أنه لا يستحق أن يقال له: من، لكونه بهيمة.
وعلى هذا قال المتنبي:
حولي بكل مكان منهم خِلَقٌ تُخطي ... إذا جئمتَ في استفهامها بِمَنِ
ولما ذكرنا لم يكن بين بعض هذه الأنواع وبعضها من التفاوت ما بين إنسان وإنسان فإنك قد ترى واحدًا كعشرة، بل واحدًا كمائة، وعشرة أخرى هدرة دون واحد، كما قيل لامرأة في منامها: أعشرة هدرة أحب إليك أم واحد كعشرة، فقالت:
стр. 23
بل واحد كعشرة لا بل ترى واحدًا كألف وألفًا مثل واحد كما قال القائل:
ولم أر أمثال الرجال تفاوتت ... لدى المجد حتى عد ألف بواحد
بل قد ترى واحدًا كعشرة آلاف، وترى عشرة آلاف دون واحد.
كما قال ﷺ : وهو أصدق الناس قيلًا: " الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة ".
والإبل في تعارفهم اسم لمائة بعير، فمائة إبل هي عشرة آلاف، بل لو قيل: قد نرى واحدًا
كعالم وعالماً مثل واحد لجاز. كما قال ﷺ : "وزنت بأمتي فرجحتهم ".
وعلى هذا قال أبو نواس:
وليس للَّه بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد
كون الإنسان بين البهيمة والملك
الإنسان لما ركب تركيبًا بين بهيمة وملك - فشبه بالبهيمة بما فيه من الشهوات البدنية، من المآكل والمشارب والمناكح، شبهه بالملك بما فيه من القوى الروحانية من الحكمة والعدالة والجود - صار واسطة بين جوهرين: وضيع ورفيع؛ ولهذا قال تعالى: (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠) ،
فالنجدان من وجه العقل والهوى، ومن وجه الآخرة والدنيا، ومن وجه الإيمان والكفر، ومن وجه الهدى والضلال، ومن وجه موالاة اللَّه تعالى وموالاة الشيطان المذكورتان في قوله تعالى: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ) .
стр. 24
ومن وجه النور والظلمة المذكورتان في هذه الآية، أي الفضيلة والنقيصة، أو من وجه الحياة والموت المذكوران في قوله تعالى: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ) ،
فمن وفقه اللَّه للهدى، وأعطاه قوى لبلوغ المدى فراعى نفسه وزكاها، فقد أفلح، ومن حرم التوفيق فأهمل نفسه ودسَّاها فقد خاب وخسر، كما قال تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)
ما لأجله أوجد الإنسان
الإنسان من حيث هو إنسان كل واحد كالآخر كما قيل:
فالأرض من تربة والناس من رجل
وإنما شرفه بأنه يوجد كاملًا في المعنى الذي أوجد لأجله، وبيان ذلك أن كل
نوع أوجده اللَّه تعالى في هذا العالم، أو هدى بعض الخلق إلى إيجاده وصنعه فإنه أوجد لفعل يختص به، ولولاه لما وجد، وله غرض لأجله خُصَّ بما خمصَّ به، فالبعير إنما خصَّ بذلك ليحملنا وأثقالنا إلى بلد لم نكن بالغيه إلا بشق الأنفس، والفرس ليكون لنا جناحًا نطير به، والمنشار والمنحت لنصلح بهما الباب والسرير ونحوهما، والباب لنحرز به البيت، والفعل المختص بالإنسان ثلاثة أشياء:
١ - عمارة الأرض المذكورة في قوله تعالى: (وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا)
وذلك تحصيل ما به تزجية المعاش لنفسه ولغيره.
٢ - وعبادته المذكورة في قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)
стр. 25
وذلك هو الامتثال للباري في أوامره ونواهيه
٣ - وخلافته المذكورة في قوله تعالى: (وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩)
وغيرها من الآيات، وذلك هو الاقتداء بالباري سبحانه على
قدر طاقة البشر في السياسة باستعمال مكارم الشريعة.
ومكارم الشريعة هي الحكمة، والقيام بالعدالة بين الناس، والحلم، والإحسان، والفضل، والقصد منها أن تبلغ إلى جنة المأوى، وجوار رب العزة تعالى.
وكل ما أوجد لفعل ما فشرفه بتمام وجود ذلك الفعل منه، ودناءته بفقدان ذلك الفعل منه؛ كالفرس للعدو، والسيف للقطع والعمل المختص به في القتال، ومتى لم يوجد فيه المعنى الذي أوجد لأجله كان ناقصًا، فإما أن يطرح طرحًا، وإمَّا يرد إلى منزلة النوع الذي هو دونه، كالفرس إذا لم يصلح للعدو في الكر والفر اتخذ حمولة
أو أعد أكولة، (والسيف إذا لم يصلح للقطع اتخذ منشارًا) .
فمن لم يصلح لخلافة اللَّه تعالى، ولا لعبادته، ولا لعمارة أرضه فالبهيمة خير
منه " ولذلك قال تعالى في ذم الذين فقدوا هذه الفضيلة: (إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ) ، (أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩) .
стр. 26
السياسة التي بها يستحق خلافة اللَّه تعالى
قد تقدم أن الخلافة تستحق بالسياسة، وذلك بتحري مكارم الشريعة، والسياسة ضربان:
أحدهما: سياسة الإنسان نفسه وبدنه وما يختص به.
والثاني: سياسة غيره من ذويه وأهل بلده، ولا يصلح لسياسة غيره من لا يصلح لسياسة نفسه، ولهذا ذم اللَّه تعالى من ترشح لسياسة غيره، فأمر بالمعروف ونهى عن المنكر وهو غير مهذب في نفسه، فقال: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤)
وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)
وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) ،
أي هذبوها قبل الترشح لتهذيب غيركم.
وبهذا النظر قيل: " تفقهوا قبل أن تسودوا " تنبيهًا أنكم لا تصلحون للسيادة قبل معرفة الفقه، والسياسة العامة، ولأن السائس يجري من المسوس مجرى ذي الظل من الظل، ومن المحال أن يستوي الظل وذو الظل أعوج، ولاستحالة أن يهتدي المسوس مع كون السائس ضالّا قال اللَّه تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) ،
فحكم أنه محال أن يكون مع أتباع الشيطان لا يأمر إلا بالفحشاء والمنكر.
الفرق بين محارم الشريعة وبين العبادة وعمارة الأرض
أما مكارم الشريعة فمبدؤها طهارة النفس باستعمال التعلم، واستعمال العفة
والصبر والعدالة، ونهايتها التخصص بالحكمة والجود والحلم والإحسان. فبالتعلم
стр. 27
يتوصل إلى الحكمة، وباستعمال العفة يتوصل إلى الجود، وباستعمال الصبر تدرك الشجاعة والحلم، وباستعمال العدالة تصحح الأفعال.
ومن حصل له ذلك فقد تذرع الكرمة المعنية بقوله تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)
وصلح لخلافة اللَّه (تعالى) ، صار من الربانيين والشهداء والصديقين.
واعلم أن العبادة أعم من المكرمة، فإن كل مكرمة عبادة، وليس كل عبادة
مكرمة، ومن الفرق بينهما أن للعبادات فرائض معلومة وحدودًا مرسومة، وتاركها يصير ظالماً متعديًا، والمكارم بخلافها، ولن يستكمل الإنسان مكارم الشرع ما لم يقم بوظائف العبادات، فتحري العبادات من باب العدل، وتحري المكارم من باب الفضل والنفل، ولا يقبل تنفل من أهمل الفرض، ولا تفضل من ترك العدل، (بل لا يصح تعاطي الفضل إلا بعد العدل) ، فإن العدل فعل ما يحب، والتفضل الزيادة على ما يحب، وكيف يصح تصور الزيادة على شيء هو غير حاصل في ذاته؛ ولهذا قيل: لا يستطع الوصول من ضيع الأصول.
فمن شغله الفرض عن الفضل فمعذور، ومن شغله الفضل عن الفرض فمغرور، وقد أشار تعالى بالعدل إلى الأحكام، وبالإحسان إلى المكارم بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ)
وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)
ففعل الخير هو الزيادة على العبادة.
وأما عمارة الأرض فالقيام بما فيه تزجية لحياة الناس وصلاح معاشهم، والإنسان الواحد من حيث إنه لم يكف أمر معاشه بانفراده في مأكله وملبسه ومسكنه، ولم يكن له سبيل إلى ثباته في الدنيا إلا بما يسد جوعته، ويستر عورته، ويقيه من الحر والبرد،
стр. 28
لم يكن له بد من تحصيل ذلك من الوجه المباح له؛ ولذلك قال تعالى: (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩)
، ومتى كان سعي العبد في ذلك على الوجه الذي يجب وكما يجب يكون سعيه عبادة وجهادًا في سبيل اللَّه، كما قال ﷺ : " من طلب الرزق على ما يسن فهو في جهاد، ومن لم يكن على
ذلك فسعيه هباء منثور "، كما قال تعالى: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) .
وكان فيما يتولاه خادمًا للناس، مسخرا بلا إرادة منه لخدمتهم، حتى كأنه من جملة البهائم التي سخرها اللَّه تعالى لعباده، وامتن عليهم بها في قوله تعالى: (وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً) .
كون طهارة النفس شرطًا في صحة خلافة الله تعالى وكمال عبادته
لا يصلح لخلافة اللَّه تعالى ولا يكمل لعبادته وعمارة أرضه إلا من كان طاهر
النفس قد أزيل رجسه ونجسه، فللنفس نجاسة كما أن للبدن نجاسة، لكن نجاسة البدن تدرك بالبصر ونجاسة النفس لا تدرك إلا بالبصيرة، وإياها قصد بقوله:
(إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ)
وبقوله: (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)
وبقوله: (كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢٥) .
وإنما لم يصلح لخلافة اللَّه تعالى إلا من كان طاهر النفس، لأن الخلافة هي
الاقتداء به على قدر طاقة البشر في تحري الأفعال الإلهية) ، ومن لم يكن طاهر
النفس لم يكن طاهر القول والفعل؛ فكل إناء بالذي فيه ينضح، (ولن يخلو مسك
стр. 29
سوء عن عرف سوء) ، ولهذا قيل: من طابت نفسه طاب عمله، ومن
خبثت نفسه خبث عمله، وقال ﷺ : " المؤمن أطيب من عمله والكافر أخبث من عمله " بل قد أشار تعالى إلى ذلك بقوله: (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ)
وبقوله: (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا)
ولأجل أنه لا يطيب عمل من خبثت نفسه قال تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى)
وقال بعضهم في قوله ﷺ : " لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ": إنه أشار بالبيت إلى القلب وأشار بالكلب إلى الحرص والحسد ونحوهما، ونبَّه أن نور اللَّه تعالى لا يدخله إذا كان فيه ذلك، واستدل لذلك بأن الحرص يقال له: الكلب، فإنه يقال:
فلان أحرص من الكلب.
ويقوي ذلك ما روي: أن التقوى لا تسكن إلا قلبا نظيفًا. وإلى الطهارتين أشار بقوله تعالى: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)
وكنى بالثياب عن البدن، قال الشاعر:
ثياب بني عوف طهارى نقية ... وأوجههم عند المشاهد غران
وقال تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣)
وقال تعالى: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ)
وقال: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢) .
وقد قال بعض العلماء: إنما سمي الحواريون بذلك؛ لأنهم كانوا يطهرون نفوس الناس بلإفادتهم الدين والعلم.
من قولهم: حورته، أي بيضته، وما روي أنهم كانوا قصارين فإشارة إلى هذا
المعنى، وإن كان من لم يتخصص بمعرفة الحقائق تصور من هذا التفسير المهنة المعروفة بين الناس.
стр. 30
فيما يفنى إليه في طهارة النفس
الذي تطهر به النفس حتى تترشح لخلافة الله تعالى، وتستحق به ثوابه هو العلم
والعبادات الموظفة التي هي سبب الحياة الأخروية، كما أن الذي به يطهر البدن هو الماء
الذي هو سبب الحياة الدنيوية، ولذلك أسماها (اللَّه تعالى) الحياة، وسمى ما أنزل من كتابه الماء، فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ)
فسمَّى العلم والعبادة حياة من حيث إن النفس متى فقدتهما هلكت هلاك
الأبد، كما قال في صفة الماء: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠)
وقال تعالى: (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا)
قال ابن عباس ﵂: عنى بالماء القرآن، إذ كان به طهارة النفس، وبالأودية القلوب احتملته بحسب ما وسعته.
قال بعض العلماء في قوله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨)
وفي قوله: (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ) ،: إنه عنى به القرآن، لقوله: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) .
وأجدر بصحة قوله تعالى، فإن الماء المنزل من السماء المختص بالطهارة الذي لا يسد غيره من المياه مسدَّه هو هذا الماء، أعني كلام رب العزة، فأما المختص بطهارة البدن فقد يسد غيره مسدَّه في الطهارة، لأن الذي ينبع من الأرض يعمل عمله.
والذي يلزم تطهيره من النفس هو القوى الثلاث: قوة الفكر بتهذييها حتى تحصل الحكمة والعلم، وقوة الشهوة بقمعها حتى تحصل العفة والجود، وقوة الحمية بإسلاسها حتى تنقاد للعقل فتحصل الشجاعة والحلم، ويتولد من اجتماع ذلك العدالة.
فجميع الرذائل تنبعث من فساد هذه القوى الثلاث: أما فساد الفكرة فيتولد منه
الجربزة والبله، وأما فساد القوة الشهوية فيتولد منه الشره أو خمود الشهوة، وأما فساد الحمية فيتولد منه التهور أو الجبن، ومن محصول هذه الأشياء أو حصول
стр. 31
بعضها يحصل إما الظلم وإما الانظلام، فجميع أصول الفضائل الخلقية أربعة،
وجميع الرذائل الخلقية ثمانية.
بيان منازعة الهوى للعقل
اعلم أن مثل نفس الإنسان في بدنه كمثل والٍ في بلده، وقواه وجوارحه بمنزلة صناع وعملة، والعقل له كمشير ناصح عالم، والشهوة فيه كعبد سوء جالب للميرة،
والحمية له كصاحب شرطة، والعبد الجالب للميرة خبيث ماكر يتمثل للوالي بصورة الناصح وفي نصحه ذنب العقرب، ويعارض الوزير في تدبيره، ولا يغفل ساعة عن منازعته ومعارضته، وكما أن الوالي في مملكته متى استشار في تدبيراته وزيره دون هذا العبد الخبيث، وأدب صاحب شرطته وجعله مؤتمرًا لوزيره، وسلطه على هذا العبد وأتباعه
حتى يكون هذا العبد مسوسًا لا سائسًا، ومدَّبرًا لا مدبِّرًا استقام أمر بلده. فكذلك النفس أيضًا متى استعانت بالعقل في التدبير، وأدبت الحمية وسلطتها علي الشهوة وقواها
استتب أمرها وإلا فسدت، ولهذا حذرنا اللَّه تعالى غاية الحذر من اتباع الهوى فقال: (وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)
وقال في ذم من اتبعه: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ)
وقال تعالى: (أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ)
وقال في مدح من عصاه: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)
وقال ﵊: " أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك "
إشارة إلى الهوى.
стр. 32
والعقل وإن كان أشرف القوى وبه صار الإنسان خليفة اللَّه تعالى في العالم فليس دأبه إلا الإشارة إلى الصواب كطبيب يشير على المريض بما يرى فيه بُرأه، فإن قبل منه المريض وإلا سكت عنه، ولذلك جعل له الحمية لتكون نائبة عنه في الدافعة والممانعة؛ ولهذا لا يتبين
فضيلة العقل لمن لا حمية له وبهذا النظر قيل: المهين من لا سفيه له، وقال الشاعر (النابغة) :
تعدو الذئاب على من لا كلاب له ... وتتقي مربض المستأسد الحامي
وأيضًا مثل النفس في البدن مثل مجاهد بعث إلى ثغر كي يراعي أحواله، وعقله خليفة مولاه ضم إليه ليسدده ويرشده ويشهد له وعليه فيما يفعله إذ عاد إلى حضرة مولاه
وبدنه بمنزلة فرس دفع إليه ليركبه، وشهوته كسائس حبيث ضم إليه ليتفقد فرسه، ولا قدر لهذا السايس عند المولى، والقرآن بمنزلة كتاب أتاه من مولاه، وقد ضمن كل ما يحتاج إليه عاجلًا وآجلًا كما وصفه تعالى بقوله: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ)
وبقوله تعالى: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ)
والنبي ﷺ رسول الله أتاه بالكتاب ليبين له ما يشكل عليه مما يقرؤه من الكتاب.
وقبيح أن ينسى هذا الوالي مولاه، ويهمل خليفته فلا يراجعه فيما يبرمه وينقضه، ويصرف همه كله إلى تفقد فرسه وسائسه، ويقيم سائس فرسه مقام خليفة ربه.
ومن وجه آخر الإنسان من حيث ما جعله اللَّه عالمًا صغيرًا وجعل بدنه كسمدينة والعقل كملك مدبر فيها، وقواه من الفكرة والخيال والحواس كجنده وأعوانه، والأعضاء كرعيته، والشهوة كعدو ينازعه في مملكته ويسعى في إهلاك رعيته، صار بدنه كرباط وثغر، ونفسه كمقيم فيه مرابط، فإن جاهد عدوه فهزمه وقهره على ما يجب وكما يجب حمد أثره إذا عاد إلى حضرته كما ضمنه تعالى حيث قال: (فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥)
فدفاع الهوى أعظم جهاد كما قال ﷺ ، وقد سئل: أي الجهاد أفضل فقال: " جهادك هواك ". وإن ضيع ثغره وأهمل رعيته ذم أثره إذا عاد إليه
стр. 33
كما قال ﷺ : " كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته " وأن اللَّه تعالى يقول للكافر
يوم القيامة: " يا راعي السوء أكلت اللحم وشربت اللبن ولم ترد الضالَّة ولم تجبر الكسير، اليوم أنتقم منك ".
وأيضا مثل العقل مثل فارس متصيد وشهوته كفرسه، وغضبه ككلبه، فمتى كان الفارس حاذقًا وفرسه مروضًا، وكلبه معلما، فهو قمين بإدراك حاجته من الصيد، ومتى كان أخرق وفرسه جموحًا أو حرونًا، وكلبه عقورًا فلا فرسه ينبعث تحته منقادًا ولا كلبه يسلس معه مطيعًا، فهو قمين أن يعطب فضلًا عن أن لا يدرك ما طلب.
وللإنسان مع هواه ثلاثة أحوال:
الأولى: أن يغلبه الهوى فيملكه كما قال تعالى: (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ) .
والثانية: أن يغالبه فيقهره مرة ويُقهر مرة، وإيَّاه قصد بمدح المجاهدين، وعناه النبي ﷺ بقوله: " جاهدوا أهواءكم كما تجاهدون أعداءكم ".
والثالثة: أن يغلب هواه ككثير من الأنبياء وبعض صفوة الأولياء، وهذا المعنى قصد بقوله تعالى: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)
وله قصد النبي ﷺ بقوله: " ما من أحد إلا وله شيطان وإن اللَّه تعالى أعانني عليه حتى ملكته "، فإن الشيطان يتسلط على الإنسان بحسب وجود الهوى فيه، واللَّه أعلم بالحقيقة.
стр. 34
الفرق بين ما يسومه العقل وبين ما يسومه الهوى
من شأن العقل أن يرى ويختار أبدًا الأفضل والأصلح في العواقب، وإن كان على النفس في المبدأ مؤنة ومشقة، والهوى على الضد من ذلك فإنه يؤثر ما يدفع به المؤذي في الوقت، وإن كان يعقب مضرة من غير نظر منه في العواقب كالصبىِ الرمد الذي يؤثر أكل الحلاوات واللعب في الشمس على أكل الإهليلج والحجامة، ولهذا قال
النبي ﷺ : " حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات ".
وأيضًا فإن العقل يري صاحبه ما له وما عليه، والهوى يري صاحبه ما له دون
ما عليه ويعمي عليه ما يعقبه من المكروه، ولهذا قال ﵊: " حبُّك الشيء يعمي ويصم "
ولذلك ينبغي للعاقل أن يتهم رأيه أبدًا في الأشياء التي هي له
لا عليه، ويظن أنه هوى لا عقل، ويلزمه أن يستقصىِ النظر فيه قبل إمضاء العزيمة، وحتى قيل: إذا عرض لك أمران فلم تدر أيَّهما أصوب فعليك بما تكرهه لا بما تهواه. فأكثر الخير في الكراهية، قال اللَّه تعالى: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ)
وقال تعالى: (فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩) .
وأيضًا فإن ما يرى العقل يتقوى إذا فزع فيه إلى اللَّه تعالى بالاستخارة، وتساعد عليه العقول الصحيحة إذا فزع إليها بالاستشارة، وينشرح له الصدر إذا استعين فيه
стр. 35
بالعبادة. وما يشير به الهوى فبالضد من ذلك.
وأيضًا فالعقل يرى ما يرى بحجة وعذر، والهوى يرى ما يرى بشهوة وميل.
وربما تشبَّه الهوى بالعقل فيتعلق بشهوة مزخرفة ومعذرة مموهة كالعاشق إذا سئل عن عشقه، والمتناول لطعام رديء إذا سئل عن فعله.
قال بعض العلماء: إذا مال العقل نحو مؤلم جميل والهوى نحو ملذ قبيح فتنازعا
بحسب غرضيهما وتحاكما إلى القوة المدبرة بادر نور اللَّه تعالى إلى نُصرة العقل
ووساوس الشيطان إلى نُصرة الهوى كما قال تعالى: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ) .
فمتى كانت القوة المدبرة من أولياء الشيطان ومحبيه لم تر نور الحق فعميت عن نفع الأجل، واغترت بلذة العاجل، فجنحت إلى الهوى، كما قال تعالى: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ) .
ومتى كانت من حزب اللَّه وأوليائه اهتدت بنوره، فاستهانت بلذة العاجل، وطلبت سعادة الآجل كما قال تعالى: (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١) وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (٢٠٢) .
ومما نبَّه به على فساد الهوى قوله تعالى: (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ)
أي لو أعطي كل إنسان ما يهوى - مع أن كل واحد يهوى أن يكون أغنى الناس وأعلاهم منزلة، وأن ينال في الدنيا الخير الأبدي بلا مزاولة (ولا يعلم أنه أعطى ذلك) لكان فيه فساد العالم بأسره.
وقيل في قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (٢٦)
ضرب الشجرة الطيبة مثلًا للعقل، والخبيثة مثلًا للهوى،
стр. 36
ففرع الطيبة النور والإسلام، وفرع الخبيثة الكفر والضلال. فإن قيل: ما الفرق بين الشهوة والهوى، قيل: الشهوة ضربان: محمودة ومذمومة.
فالمحمودة من فعل اللَّه سبحانه، وهي قوة جعلت في الإنسان لتنبعث بها النفس لنيل ما يظن فيه صلاح البدن.
المذمومة من فعل البشر ... وهي استجابة النفس لما فيه لذتها البدنية، والهوى هو هذه الشهوة الغالبة إذا استتبعت الفكرة، وذلك أن الفكرة بين العقل والشهوة، فالعقل فوقها والشهوة تحتها، فمتى ارتفعت الفكرة ومالت نحو العقل صارت رفيعة فولدت المحاسن، وإذا اتضعت ومالت نحو الهوى والشهوة صارت وضيعة وولدت المقابح.
والنفس قد تريد ما تريد بمشورة العقل تارة وبمشورة الهوى تارة، ولهذا قد يسمى الهوى إرادة.
في ذكر الخاطر الذي يعرض من جهة العقل والهوى
أول ما يعرض من ذلك السانح ثم الخاطر، وإلى ذلك أشار النبي ﷺ بقوله: " إن للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة، فأما لمة الملك فوعد بالخير وتصديق بالحق، وأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق "، ثم قرأ: (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨)
ثم من بعدهما الإرادة ثم العزم ثم العمل.
فالسانح علة الخاطر، والخاطر علة الإرادة، والإرادة - وهي الهمة - علة العزم، والسانح والخاطر يعبر عنهما بالهاجس والواجس ويتجافى عنهما ما لم يصيرا إرادة وعزمًا.
فحق الإنسان إذا خطر له خاطر أن يسبره عاجلًا، فإن وجده خيرًا رباه حتى يجعله فعلًا، وإن وجده شرًّا بادر إلى قلعه وقمعه قبل أن يصير إرادة، ويطهر قلبه منه تطهير أرضه من خبيثات النبات، وهذا المعنى أراد الحسن ﵀ بقوله: رحم اللَّه عبدًا وقف عند همه، فإن كان للَّه أمضى وإلا كف.
قال بعض الحكماء: إن تداركت الخطرة اضمحلت وإلا صارت شهوة، وإن
стр. 37
تداركت الشهوة تلاشت وإلا صارت طلبًا، وإن تداركت الطلب تلاشى وإلا صار عملًا.
وقال بعض الحكماء: إن ولي اللَّه سبحانه إذا أتته لمة الشيطان انزعج لذلك، ورأى ببصيرته ظلمة، ووجد روعة، فإذا أتته لمة الملك انشرح صدره، وأولياء الشيطان بخلافه. قال اللَّه تعالى: (وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥) .
والله ولي الرشاد.
حصول الخلق المحمود بطهارة النفس
قد تقدم أن طهارة النفس تكون لإصلاح القوى الثلاث:
فإصلاح الفكرة: بالتعلم حتى يميز بين الحق والباطل في الاعتقاد، وبين الصدق والكذب في المقال، وبين القبيح والجميل في الفعال.
وإصلاح الشهوة: بالعفة حتى تسلس للجود والمواساة المحمودة بقدر الطاقة.
وإصلاح الحمية: بإسلاسها حتى يحصل الحلم؛ وهو كف النفس عن قضاء وطر الغضب، وتحصل الشجاعة؛ وهي كف النفس عن الخوف وعن الحرص المذمومين.
وبإصلاح القوى الثلاث يحصل للنفس العدالة والإحسان، وهذه جماع المكارم، وطهارة النفس وحسن الخلق الممدوح يقول النبي ﷺ : " أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم أخلاقًا وألطفهم بأهله "، ويعني باللطافة بالأهل تهذيبهم وتأديبهم المشار إليه بقوله
تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) .
والممدوح أيضًا بقوله ﷺ : " أحبكم إليَّ أحاسنكم أخلاقًا الموطئون أكنافًا الذين يألفون ويؤلفون "
стр. 38
وقيل: جماع المكارم في قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)
وذلك أنه بالإيمان يحصل العلم والحكمة، وذلك بإصلاح الفكرة، وبالمجاهدة بالأموال والأنفس تحصل العفة والجود اللذان هما تابعان لإصلاح الشهوة، والشجاعة والحلم اللذان هما تابعان لإصلاح الحمية، وعلى ذلك قوله تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩) .
وقال النبي ﷺ في تفسير ذلك: " هو أن تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك "، فالعفو عمن ظلمك نهاية الحلم والشجاعة، وإعطاء من حرمك نهاية الجود، ووصل من قطعك نهاية الإحسان، واللَّه أعلم.
الفرق بين الطبع والسجية والخلق والعادة
الطبع: أصله من طبع السيف: اتخاذ الصورة المخصوصة من الحديد، وكذلك الطبيعة والضريبة اعتبارًا بضرب الدراهم، والنحتية اعتبارًا بالنحتة، والنجر اعتبارًا بنجر الخشب، والغريزة اعتبارًا بما غرز عليه. وكل ذلك اسم للقوة التي لا سبيل إلى تغييرها
والشيمة اسم للحالة التي عليها الغريزة، اعتبارًا بالشامة في أصل الخلقة.
والسجية: اسم لما يسجى عليه الإنسان من قولهم: عين ساجية، أي فاترة خِلْقة، وأكثر ما يستعمل ذلك كله فيما لا يمكن تغييره.
وأما الخُلُق في الأصل فهو كالخَلق كقولهم الشَرْب والشرُب، والصَّرْم والصُّرُم، لكن الخُلُق يقال في القوى المدركة بالبصيرة، والخَلْق في الهيئات والأشكال والصور المدركة بالبصر، وجعل الخلق تارة للقوة الغريزية، ولهذا قال ﵊:
" فرغ الله من الخلق والخلق والرزق والأجل "،
وتارة يجعل اسمًا للحالة المكتسبة
стр. 39
التي يصير بها الإنسان خليقًا أن يفعل شيئًا دون شيء، كمن هو خليق بالغضب لحدة مزاجه، ولهذا خص كل حيوان بخلق في أصل خلقته، كالشجاعة للأسد، والجبن للأرنب، والمكر للثعلب.
ويجعل الخلق تارة من الخلاقة وهي الملابسة، وكأنه اسم لما مرن عليه الإنسان من قواه بالعادة، وقد روي: " أفضل الأعمال الخلق الحسن " وروي: " ما أعطى اللَّه أحدًا أفضل من خلق حسن " فجعل الخلق مرة للهيئة الموجود في النفس التي يصدر عنها الفعل بلا فكر.
وجعل مرة اسمًا للفعل الصادر عنه باسمه، وعلى ذلك أسماء
أنواعها نحو العفة والعدالة والشجاعة، فإن ذلك يقال للهيئة والفعل جميعًا، وربما تسمى الهيئة باسم، والفعل الصادر عنها باسم، كالسخاء والجود، فإن السخاء اسم للهيئة التي عليها الإنسان، والجود اسم للفعل الصادر عنها، وإن كان قد يسمَّى كل واحد باسم الآخر من فضله.
وأما العادة: فاسم لتكرير الفعل أو الانفعال، من عاد يعود، وبها يكمل الخلق، وليس للعادة فعل إلا تسهيل خروج ما هو بالقوة في الإنسان إلى الفعل.
فأمَّا أن تجذب السجية إلى خلاف ما خلقت له، فمحال، فالسجيَّة فعل
الخالق والعادة فعل المخلوق، ولا ييطل فعل المخلوق فعل الخالق، ولكن ربَّما يقوي العادة قوة محكمة حتى تعد سجية، وبهذا النظر قيل: العادة طبيعة ثانية.
стр. 40
إمكان تغيير الخلق
اختلف الناس في الخلق فقال بعضهم: هو من جنس الخلقة ولا يستطيع أحد تغييره عما جبل عليه إن خيرًا وإن شرًّا كما قيل:
وما هذه الأخلاق إلا غرائز ... فمنهن محمود ومنها مذمم
ولن يستطيع الدهر تغييرخلقة ... بنصح ولا يسطيعه متكرم
ويعلق هذا القائل أيضًا بقول النبي ﷺ : " من آتاه الله وجهًا حسنًا وخلقًا حسنًا فليشكر اللَّه "
وما روي من قوله ﷺ : " فرغ اللَّه من الخلق والخلق " الخبر، ومحال أن يقدر المخلوق على تغيير فعل الخالق .
وقال بعضهم: يمكن ذلك، واستدل عليه بما روي: " حسنوا أخلاقكم "، ولو لم يكن لما أمر به.
وقال: إن اللَّه تعالى خلق الأشياء على ضربين:
أحدهما: بالفعل ولم يجعل للعبد فيه عملًا، كالسماء والأرض والهيئة والشكل.
والثاني: خلقه خلقة ما وجعل فيه قوة، ورشح الإنسان لإكماله، وتغيير حاله وإن لم يرشحه لتغيير ذاته، كالنواة التي جعل فيها قوة النخل.
وسهل للإنسان سبيلًا إلى أن يجعله بعون اللَّه نخلة، أو أن يفسده إفسادًا.
قال: والخُلق من الإنسان يجري هذا المجرى في أنه لا سبيل للإنسان إلى تغيير القوة التي هي السجية، وجعل له سبيلًا إلى إسلاسها، ولهذا قال اللَّه تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)
ولو لم يكن كذلك لبطلت فائدة المواعظ والوصايا، والوعد والوعيد، والأمر والنهي، ولما جوَّز العقل أن يقال للعبد
لم فعلتَ، ولم تركتَ، وكيف يكون هذا في الإنسان ممتنعًا وقد وجدناه فىِ بعض
следующие страницы →