← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1390

الذريعة الى مكارم الشريعة

الراغب الأصفهاني

Полный текст (233 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ففرع الطيبة النور والإسلام، وفرع الخبيثة الكفر والضلال. فإن قيل: ما الفرق بين الشهوة والهوى، قيل: الشهوة ضربان: محمودة ومذمومة. فالمحمودة من فعل اللَّه سبحانه، وهي قوة جعلت في الإنسان لتنبعث بها النفس لنيل ما يظن فيه صلاح البدن. المذمومة من فعل البشر ... وهي استجابة النفس لما فيه لذتها البدنية، والهوى هو هذه الشهوة الغالبة إذا استتبعت الفكرة، وذلك أن الفكرة بين العقل والشهوة، فالعقل فوقها والشهوة تحتها، فمتى ارتفعت الفكرة ومالت نحو العقل صارت رفيعة فولدت المحاسن، وإذا اتضعت ومالت نحو الهوى والشهوة صارت وضيعة وولدت المقابح. والنفس قد تريد ما تريد بمشورة العقل تارة وبمشورة الهوى تارة، ولهذا قد يسمى الهوى إرادة. في ذكر الخاطر الذي يعرض من جهة العقل والهوى أول ما يعرض من ذلك السانح ثم الخاطر، وإلى ذلك أشار النبي ﷺ بقوله: " إن للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة، فأما لمة الملك فوعد بالخير وتصديق بالحق، وأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق "، ثم قرأ: (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨) ثم من بعدهما الإرادة ثم العزم ثم العمل. فالسانح علة الخاطر، والخاطر علة الإرادة، والإرادة - وهي الهمة - علة العزم، والسانح والخاطر يعبر عنهما بالهاجس والواجس ويتجافى عنهما ما لم يصيرا إرادة وعزمًا. فحق الإنسان إذا خطر له خاطر أن يسبره عاجلًا، فإن وجده خيرًا رباه حتى يجعله فعلًا، وإن وجده شرًّا بادر إلى قلعه وقمعه قبل أن يصير إرادة، ويطهر قلبه منه تطهير أرضه من خبيثات النبات، وهذا المعنى أراد الحسن ﵀ بقوله: رحم اللَّه عبدًا وقف عند همه، فإن كان للَّه أمضى وإلا كف. قال بعض الحكماء: إن تداركت الخطرة اضمحلت وإلا صارت شهوة، وإن

стр. 37

تداركت الشهوة تلاشت وإلا صارت طلبًا، وإن تداركت الطلب تلاشى وإلا صار عملًا. وقال بعض الحكماء: إن ولي اللَّه سبحانه إذا أتته لمة الشيطان انزعج لذلك، ورأى ببصيرته ظلمة، ووجد روعة، فإذا أتته لمة الملك انشرح صدره، وأولياء الشيطان بخلافه. قال اللَّه تعالى: (وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥) . والله ولي الرشاد. حصول الخلق المحمود بطهارة النفس قد تقدم أن طهارة النفس تكون لإصلاح القوى الثلاث: فإصلاح الفكرة: بالتعلم حتى يميز بين الحق والباطل في الاعتقاد، وبين الصدق والكذب في المقال، وبين القبيح والجميل في الفعال. وإصلاح الشهوة: بالعفة حتى تسلس للجود والمواساة المحمودة بقدر الطاقة. وإصلاح الحمية: بإسلاسها حتى يحصل الحلم؛ وهو كف النفس عن قضاء وطر الغضب، وتحصل الشجاعة؛ وهي كف النفس عن الخوف وعن الحرص المذمومين. وبإصلاح القوى الثلاث يحصل للنفس العدالة والإحسان، وهذه جماع المكارم، وطهارة النفس وحسن الخلق الممدوح يقول النبي ﷺ : " أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم أخلاقًا وألطفهم بأهله "، ويعني باللطافة بالأهل تهذيبهم وتأديبهم المشار إليه بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) . والممدوح أيضًا بقوله ﷺ : " أحبكم إليَّ أحاسنكم أخلاقًا الموطئون أكنافًا الذين يألفون ويؤلفون "

стр. 38

وقيل: جماع المكارم في قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥) وذلك أنه بالإيمان يحصل العلم والحكمة، وذلك بإصلاح الفكرة، وبالمجاهدة بالأموال والأنفس تحصل العفة والجود اللذان هما تابعان لإصلاح الشهوة، والشجاعة والحلم اللذان هما تابعان لإصلاح الحمية، وعلى ذلك قوله تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩) . وقال النبي ﷺ في تفسير ذلك: " هو أن تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك "، فالعفو عمن ظلمك نهاية الحلم والشجاعة، وإعطاء من حرمك نهاية الجود، ووصل من قطعك نهاية الإحسان، واللَّه أعلم. الفرق بين الطبع والسجية والخلق والعادة الطبع: أصله من طبع السيف: اتخاذ الصورة المخصوصة من الحديد، وكذلك الطبيعة والضريبة اعتبارًا بضرب الدراهم، والنحتية اعتبارًا بالنحتة، والنجر اعتبارًا بنجر الخشب، والغريزة اعتبارًا بما غرز عليه. وكل ذلك اسم للقوة التي لا سبيل إلى تغييرها والشيمة اسم للحالة التي عليها الغريزة، اعتبارًا بالشامة في أصل الخلقة. والسجية: اسم لما يسجى عليه الإنسان من قولهم: عين ساجية، أي فاترة خِلْقة، وأكثر ما يستعمل ذلك كله فيما لا يمكن تغييره. وأما الخُلُق في الأصل فهو كالخَلق كقولهم الشَرْب والشرُب، والصَّرْم والصُّرُم، لكن الخُلُق يقال في القوى المدركة بالبصيرة، والخَلْق في الهيئات والأشكال والصور المدركة بالبصر، وجعل الخلق تارة للقوة الغريزية، ولهذا قال ﵊: " فرغ الله من الخلق والخلق والرزق والأجل "، وتارة يجعل اسمًا للحالة المكتسبة

стр. 39

التي يصير بها الإنسان خليقًا أن يفعل شيئًا دون شيء، كمن هو خليق بالغضب لحدة مزاجه، ولهذا خص كل حيوان بخلق في أصل خلقته، كالشجاعة للأسد، والجبن للأرنب، والمكر للثعلب. ويجعل الخلق تارة من الخلاقة وهي الملابسة، وكأنه اسم لما مرن عليه الإنسان من قواه بالعادة، وقد روي: " أفضل الأعمال الخلق الحسن " وروي: " ما أعطى اللَّه أحدًا أفضل من خلق حسن " فجعل الخلق مرة للهيئة الموجود في النفس التي يصدر عنها الفعل بلا فكر. وجعل مرة اسمًا للفعل الصادر عنه باسمه، وعلى ذلك أسماء أنواعها نحو العفة والعدالة والشجاعة، فإن ذلك يقال للهيئة والفعل جميعًا، وربما تسمى الهيئة باسم، والفعل الصادر عنها باسم، كالسخاء والجود، فإن السخاء اسم للهيئة التي عليها الإنسان، والجود اسم للفعل الصادر عنها، وإن كان قد يسمَّى كل واحد باسم الآخر من فضله. وأما العادة: فاسم لتكرير الفعل أو الانفعال، من عاد يعود، وبها يكمل الخلق، وليس للعادة فعل إلا تسهيل خروج ما هو بالقوة في الإنسان إلى الفعل. فأمَّا أن تجذب السجية إلى خلاف ما خلقت له، فمحال، فالسجيَّة فعل الخالق والعادة فعل المخلوق، ولا ييطل فعل المخلوق فعل الخالق، ولكن ربَّما يقوي العادة قوة محكمة حتى تعد سجية، وبهذا النظر قيل: العادة طبيعة ثانية.

стр. 40

إمكان تغيير الخلق اختلف الناس في الخلق فقال بعضهم: هو من جنس الخلقة ولا يستطيع أحد تغييره عما جبل عليه إن خيرًا وإن شرًّا كما قيل: وما هذه الأخلاق إلا غرائز ... فمنهن محمود ومنها مذمم ولن يستطيع الدهر تغييرخلقة ... بنصح ولا يسطيعه متكرم ويعلق هذا القائل أيضًا بقول النبي ﷺ : " من آتاه الله وجهًا حسنًا وخلقًا حسنًا فليشكر اللَّه " وما روي من قوله ﷺ : " فرغ اللَّه من الخلق والخلق " الخبر، ومحال أن يقدر المخلوق على تغيير فعل الخالق . وقال بعضهم: يمكن ذلك، واستدل عليه بما روي: " حسنوا أخلاقكم "، ولو لم يكن لما أمر به. وقال: إن اللَّه تعالى خلق الأشياء على ضربين: أحدهما: بالفعل ولم يجعل للعبد فيه عملًا، كالسماء والأرض والهيئة والشكل. والثاني: خلقه خلقة ما وجعل فيه قوة، ورشح الإنسان لإكماله، وتغيير حاله وإن لم يرشحه لتغيير ذاته، كالنواة التي جعل فيها قوة النخل. وسهل للإنسان سبيلًا إلى أن يجعله بعون اللَّه نخلة، أو أن يفسده إفسادًا. قال: والخُلق من الإنسان يجري هذا المجرى في أنه لا سبيل للإنسان إلى تغيير القوة التي هي السجية، وجعل له سبيلًا إلى إسلاسها، ولهذا قال اللَّه تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠) ولو لم يكن كذلك لبطلت فائدة المواعظ والوصايا، والوعد والوعيد، والأمر والنهي، ولما جوَّز العقل أن يقال للعبد لم فعلتَ، ولم تركتَ، وكيف يكون هذا في الإنسان ممتنعًا وقد وجدناه فىِ بعض

стр. 41

البهائم ممكنًا، فالوحش قد ينقل بالعادة إلى التأنس، والجامح إلى السلاسة. لكن الناس في غرائزهم مختلفون، فبعضهم جبلوا جبلة سريعة القبول، وبعضهم جبلوا جبلة بطيئة القبول، وبعضهم في الوسط، وكل لا ينفك من أثر القبول وإن قل. وأرى أن من منع من تغيير الخلق فإنه اعتبر القوة نفسها، وهذا صحيح فإن النوى محال أن ينبت الإنسان منه تفاحًا. ومن أجاز تغييره فإنه اعتبر إمكان ما في القوة إلى الوجود وإفساده بإهماله كالنوى فإنه يمكن أن يتفقد فيجعل نخلًا وأن يترك مهملا حتى يتعفن ويفسد، وهذا صحيح أيضًا. فإذن اختلافهما بحسب اختلاف نظريهما. صعوبة إصلاح القوة الشهوية وما في هذه التوة من المنفعة والمضرة أصعب هذه القوى الثلاث مداواة قمع الشهوة، لأنها أقدم القوى وجودًا في الإنسان، وأشدها به تشبّثًا، وأكثرها منه تمكنًا، فإنها تولد معه وتوجد فيه وفي الحيوان الذي هو جنسه، بل في النبات الذي هو جنس جنسه، ثم توجد فيه قوة الحمية، ثم آخرًا توجد فيه قوة الفكر والنطق والتمييز. ولا يصير الإنسان خارجًا من جملة البهائم، وأسر الهوى إلا بإماتة الشهوات البهيمية أو بقهرها وقمعها إن لم يمكنه إماتتها، فهي التي تضره وتغره، وتصرفه عن طريق الآخرة، وتثبطه. ومتى قهرها وأماتها صار الإنسان حرًّا نقيا، بل يصير إلهيًّا ربانيًّا، فتقل حاجاته ويصير غنيًّا عما في يد غيره، وسخيًّا بما في يده، ومحسنًا في معاملاته. فإن قيل: فإذا كانت قوة الشهوة بهذه المثابة في الإضرار، فأي حكمة اقتضت أن

стр. 42

يبلى بها الإنسان؟. قيل: الشهوة إنما تكون مذمومة إذا كانت مفرطة، وأهملها صاحبها حتى ملكت القوى، فأما إذا أُدِّبَت فهي المبلغة إلى السعادة، وجوار رب العزة، حتى لو تصورت مرتفعة لما أمكن الوصول إلى الآخرة، وذلك أن الوصول إلى الآخرة بالعبادة، ولا سبيل إلى العبادة إلا بالحياة الدنيوية، ولا سبيل إلى الحياة الدنيوية إلا بحفظ البدن، ولا سبيل إلى حفظ البدن إلا بإعادة ما يتحلل منه، ولا يمكن إعادة ذلك إلا بتناول الأغذية، ولا يمكن تناول الأغذية إلا بالشهوة، فإذًا الشهوة محتاج إليها، ومرغوب فيها، وتقتضي الحكمة الإلهية إيجادها وتزيينها كما قال تعالى: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) . لكن مثلها كمثل عدو تخشى مضرته من وجه، وترجى منفعته من وجه، ومع عداوته لا يستغنى عن الاستعانة به، فحق العاقل أن يأخذ نفعه ولا يسكن إليه، ولا يعتمد عليه إلا بقدر ما ينتفع به. وما أصدق في ذلك قول المتنبي إذا تصور في وصف الشهوة، وإن قصدها فما أجود ما أراد: ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى ... عدوًّا له ما من صداقته بد وأيضًا فهذه الشهوة هو المشوقة لعامة الناس إلى لذات الجنة من المأكل والمشرب والمنكح، إذ ليس كل الناس يعرف اللذات المعقولة. ولو توهمناها مرتفعة لما تشوقوا إلى ما وعدوا به من قول النبي ﷺ : " فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ".

стр. 43

في ازدياد الإنسان في الفضائل والرذائل بتعاطيها كل متعاطٍ لفعل من الأفعال النفسية فإنه يتقوى به بالازدياد منه، إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر، فباحتمال صغار الأمور يمكن احتمال كبارها، وباحتمال كبارها يستحق الحمد كما قال أمير المؤمنين ﵁: " الإيمان يبدو نكتة بيضاء في القلب، كلما ازداد الإيمان ازداد ذلك البياض، وإذا استكمل العبد الإيمان ابيضَّ قلبه كله، وإن النفاق ييدو لمظة سوداء، وكلما ازداد النفاق ازداد ذلك السواد، فإذا استكمل النفاق اسودَّ القلب كله. والإنسان يكمل في الفضيلة بأربع درجات: اثنين في الاعتقاد، وهما: أن يعتقد الجميل ويجعل اعتقاده عن براهين واضحة وأدلة قاطعة، لا عن شبهات واهية، وإقناعات متداعية. واثنين في الفعل؛ وهما: أن يترك العادات السيئة فيجعلها بحيث يبغضها فبتجنب الرذيلة يتوصل إلى الفضيلة، وأن يتعود العادات الحسنة فيجعلها بحيث يؤثرها ويتنعم بها، كما قال ﷺ : " وجعل قرة عيني في الصلاة ". وكما أنه يكمل بأربع درجات فإنه ينتكس بأربع درجات: درجتين في الاعتقاد، وهما: أن لا يعتقد شيئًا من العلوم الحقيقية فيبقى عنها غفلًا، وأن يعتقد عن تقليد اعتقادًا فاسدًا، فيتلطخ به. ودرجتين في العمل، وهما: أن لا يتعود العادة الجميلة رأسًا، وأن يتعود العادة القبيحة. فمن صار في الفضيلة إلى الدرجة الرابعة فهو ممن شرح اللَّه صدره للإسلام فهو على نور من ربه، ومن صار في الرذيلة إلى الدرجة الرابعة فهو من الذين وصفهم اللَّه تعالى بقوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (٢٣) ثم قال:

стр. 44

(أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤) وقيل لحكيم: ألا تعظ فلانًا، فقال: ذلك على قلبه قفل ضاع مفتاحه، فلا سبيل إلى معالجة فتحه. وللإنسان مع كل فضيلة ورذيلة ثلاثة أحوال: إما: أن يكون فىِ ابتدائها، فيقال: هو عبدها وابنها، ولهذا قال بعضهم: من لم يخدم العلم لم يرعه. والثاني: أن يتوسطها فيقال: هو أخوها وصاحبها. والثالث: أن ينتهي فيها بقدر وسعه، ويتصرف فيها كما أراد فيقال: هو سيدها وربها، ومنه قيل: فلان رباني في العلم، فإن رب الشيء هو الذي - ربه، وسيده هو الذي يملك سواده، - أي جميعه. وغاية الفاضل في الفضيلة أن تقع منه الفضائل أبدًا من غير فكر ولا رَويَّة، لغلبة قواها عليه، وبعد ما ينافيها منه، كالصانع الحاذق في صنعته. وغاية الرذل في الرذيلة أن تقع منه الرذائل لغلبة قواها عليه، ولهذا حُدَّ الخُلُق بأنه: حال للإنسان داعية إلى الفعل من غير فكر ولا رويَّة. الفرق بين ما يحمد ويذم من التخلق الفرق بين الخلق والتخلق أن التخلق معه استثقال واكتئاب، ويحتاج إلى بعث وتنشيط من خارج، والخلق معه استخفاف وارتياح ولا يحتاج إلى بعث من خارج. والتخلق والتشبه بالأفاضل ضربان: ضرب محمود: وذلك ما كان على سبيل الارتياض والتدرب، ويتحراه صاحبه سرَّا

стр. 45

وجهرًا على الوجه الذي ينبغي وبالمقدار الذي ينبغي وإياه قصد الشاعر بقوله: ولن تستطيع الخلق حتى تخلقا بل قد قال ﷺ : " ما العلم إلا بالتعلم، وما الخلق إلا بالتخلق ": وضرب مذموم: وذلك ما كان على سبيل المراءاة، ولا يتحراه صاحبه إلا حيث يقصد أن يُذكر به، ويسمى ذلك رياءً وتصنعًا، وتشيعًا، ولن ينفك صاحبه من اضطراب يدل على تشيعه كما قال (في) كليلة (ودمنة) : الطبع المتكلف كلما زدته تثقيفًا ازداد تعقيفًا، وعلى ذلك قال الشاعر أبو الطيب المتنبي: وأسرع مفعول فعلت تغيرًا ... تكلف شيء في طباعلك ضده وإياه قصد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵀ بقوله: " من تخلق للناس بغير ما فيه فضحه الله " وحال التشبع كالجرح يندمل على فساد فلا بد أن ينبعث ولو كان بعد حين: فإن الجرح ينفر بعد حين ... إذا كان البناء على فساد وكما أن العضو المفلوج لا يطاوع صاحبه في تحريكه وإن جاهده، فمتى حركه إلى اليمين تحرك نحو الشمال، كذلك أيضًا الشره والظلوم والمتهور وإن جاهدوا أنفسهم فإن قواهم تأبى مطاوعتهم، وقد ذم النبي ﷺ ذلك بقوله: " المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور "، تنبيهًا أنه كاذب بقوله وفعله، فيتضاعف وزره. وقد حمل على ذلك قوله: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦) ، وإيَّاه قصد

стр. 46

النبي ﷺ بقوله: " الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء". وأقبح الرياء النفاق في الدين، وأقبح النفاق ما كان في أصل الاعتقاد، وهو إظهار الإيمان مع استبطان الكفر، ولذلك جعل الله عقابهم أعظم فقال: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ) . سبب اختلاف الناس في أخلاقهم جميع الفضائل النفسية ضربان: نظري وعملي، وكل ضرب منهما يحصل على وجهين: أحدهما: بتعلم بشري يحتاج فيه إلى زمان وتدرب وممارسة، ويتقوى الإنسان فيه درجة فدرجة، وإن كان فيهم من يكفيه أدنى ممارسة، وفيهم من يحتاج إلى زيادة ممارسة، وذلك بحسب اختلاف الطبائع في الذكاء والبلادة. والثاني: يحصل بفضل إلهي نحو: أن يولد إنسان فيصير من غير تعلم من البشر عالمًا كعيسى ابن مريم، ويحى بن زكريا، وغيرهما من الأنبياء ﵈ الذين حصل لهم من المعارف من غير ممارسة ما لم يحصل للأنبياء غيرهم. وقد ذكر بعض الحكماء أن ذلك يحصل لغير الأنبياء أيضًا في الفينة بعد الفينة. وكل ما كان بتدرب فقد يكون بالطبع كصبي يوجد صادق اللهجة، وسخيا وجريئًا، وآخر على عكس ذلك، وقد يكون بالتعلم والعادة، فمن صار فاضلًا طبعَا وعادةً وتعلمَا فهو كامل الفضيلة، ومن كان رذلًا بثلاثتها فهو كامل الرذيلة.

стр. 47

وجوب اكتساب الفضيلة المحمودة حق الإنسان في كل فضيلة أن يكتسبها خلقًا، ويجعل نفسه ذات هيئة مستعدة لذلك، سواء أمكنه أن يبرز ذلك فعلًا أو لم يمكنه، وذلك بأن يكون على هيئة الأسخياء والشجعان والحكماء والعدول، وإن لما يكن ذا مال يبذله، ولا عرض له مقام تظهر فيه نجدته، ولا معاملة بينه وبين غيره تبرز فيها عدالته. وقد قيل لبعض الحكماء: هل من جود يعم به الورى، قال: نعم، أن تحسن خلقك وتنوي لكل أحد خيرًا. وقال ﷺ : " إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم ". واعلم أن كل فعل يحتاج فيه إلى إيجاده وتزيينه وتجويده دنيويًّا كان أو أخرويًّا لكن متى كان أخرويًّا يحتاج فيه مع ذلك إلى أمور لا يتم ولا يكمل إلا بها، (وهي أنه يجب أن يتعاطاه) قصدًا إلى المكرمة وإلا لم يعتد بها) . كما قال تعالى: (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥) . وأن يتحراه بخلوص طوية كما قال تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) وألا يقصد به جلب منفعة دنيوية أو دفع مضرة، فإنه يكون بفعله ذلك تاجرًا، ويجب عند بعض المحققين ألا يطلب به منفعة أخروية أيضا، فقد قيل: " من عبد اللَّه بعوض فهو لئيم " ومن فعل ذلك بانشراح صدر فهو أولى ممن يفعله بمجاهدة نفس، ولهذا قال ﷺ : " إن استطعت أن تعمل للَّه في الرضا باليقين فاعمل وإلا ففي الصبر على ما تكره خير كثير "، وقولهم: " الحق مر " فهو باعتبار من لم تتهذب

стр. 48

نفسه، ولم يزل مرضه. فمن يك ذا فم مر مريض ... يجد مرَّا به الماء الزلالا فأما من كمل فإنه يستطيب الحق وإن كان ثقيلًا، كما قال ﷺ : " وجعل قرة عيني في الصلاة ". ومن أصلح وهذب نفسه فقد حاز أعظم المآلين. فمن ملك نفسه وقواها، وهذبها وزكاها فقد اطلع به على ملكوت السموات والأرض، وملك أطوع جيش بلا عطاء يلزمه، وقد نبَّه اللَّه تعالى على ذلك بقوله: (إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٠) فجعل النبوة مخصوصة فيهم، وجعل الملك عاما لهم تنبيهًا على المعنى الذي ذكرت، وعلى ذلك قوله تعالى: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤) ونذكر بعد ذلك أنواع نعم اللَّه تعالى وما يكتسب منها، واللَّه ولي الفضل والإحسان. أنواع نعم اللَّه تعالى الموهوبة والمحتسبة نعم اللَّه تعالى وإن كانت لا تحصى مفصلة كما قال سبحانه: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا) فإنها بالقول المجمل خمسة أنواع: الأول: وهو أعلاها وأشرفها السعادة الأخروية وإيَّاها قصد بقوله تعالى: (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨) وذلك هو الخير المحض والفضيلة الصرف، وهو أربعة أشياء: بقاء بلا فناء، وقدرة بلا عجز، وعلم بلا جهل، وغنى بلا فقر. ولا يمكن الوصول إلى ذلك إلا باكتساب الفضائل النفسية واستعمالها، كما قال تعالى: (وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩) وأصول ذلك أربعة أشياء: العقل وكماله العلم، والعفة وكمالها الورع، والشجاعة وكمالها المجاهدة، والعدالة وكمالها الإنصاف، وهي المعبَّر عنها بالدين. ويكمل ذلك بالفضائل البدنية

стр. 49

وهي أربعة أشياء: الصحة، والقوة، والجمال، وطول العمر. ويتم بالفضائل المطيفة بالإنسان، وهي أربعة أشياء: المال، والأهل، والعز، وكرم العشيرة، ولا سبيل إلى تحصيل ذلك إلا بتوفيق الله ، وذلك بأربعة أشياء هدايته، ورشده، وتسديده، وتأييده. فجميع ذلك خمسة أنواع هي عشرون ضربًا، ليس للإنسان مدخل في اكتسابها إلا فيما هو نفسي فقط. واعلم أن الفضيلة الكاملة والسعادة الحقيقية هي الخيرات الأخروية وما عداها فتسميته بذلك إما لكونه معاونًا في بلوغ ذلك، أو نافعًا فيه. فكل ما أعان على خير وسعادة فهو خير وسعادة. وهذه الأشياء التي هي معينة ونافعة في بلوغ السعادة الأخروية متفاوتة الأحوال، فمنها ما هو نافع في جميع الأحوال، وعلى كل وجه. ومنها ما هو نافع في حال دون حال، وعلى وجه دون وجه، وربما يكون ضره أكثر من نفعه. فحق الإنسان أن يعرفها بحقائقها حتى لا يقع الخطأ عليه في اختياره الوضيع على الرفيع، وتقديمه الخسيس على النفيس. والناس في تحري ذلك قسمان: طالب خير، وهارب من شر. كما قيل: كل يحاول حيلة يرجو بها ... دفع المضرة واجتلاب المنفعة والمرء يغلط في تصرف حاله ... فلربما اختار العناء على الدعة لكن قد يحسب الشحم فيمن شحمه ورم، ويقدر في الشيء أنه رزق نافع ) وحشوه سم ناقع) ، ولذلك يحق على العاقل أن يجلي بصيرته، ويعرف من كل ما يطلب حقيقته لئلَّا يكون كمن أراد حبلًا يتنطق به، فرأى حيَّة فظنها مبتغاه، فأخذها فلدغته. وفد قسمت الخيرات على وجه آخر فقيل: الخيرات ثلاث: مؤثرة لذاتها، ومؤثرة لغيرها، ومؤثرة تارة لذاتها وتارة لغيرها. فالمؤثرة لذاتها السعادة الأخروية والنفسية. والمؤثرة لغيرها الدراهم والدنانير، فإنا لو تصورنا ارتفاع الضرورات التي تستدفع بها لكانت هي والحصباء سواء.

стр. 50

والمؤثرة تارة لذاتها وتارة لغيرها كصحة الجسم، فمعلوم أن الرِّجل وإن أريدت للمشي فالإنسان يريد أن يكون صحيح الرجل وإن استغنى عن المشي، ويقال أيضًا: الخيرات ثلاث: نافع، وجميل، ولذيذ. والشرور ثلائة: ضار، وقبيح، ومؤلم. وكل واحد من ذلك ضربان: أحدهما: مطلق، وهو الذي يجمع الأوصاف الثلاثة في الخير كالحكمة فإنها نافعة، وجميلة، ولذيذة، وفي الشر كالجهل فإنه ضار وقبيح ومؤلم. والثاني: مقيد: وهو الذي جمع شيئًا من أوصاف الخيرات، وشيئًا من أوصاف الشرور، فربَّ نافع مؤلم كجدع قصير أنفه، فإنه وإن نفعه في إدراك الثأر فقد آذاه، وربَّ نافع قبيح كالحمق، فإنه وإن نفع من حيث ما قيل: استراح من لا عقل له، فهو جد قبيح. وربَّ نافع من وجه ضار من وجه، كمن في سفينة فخاف الغردق فألقى متاعه في الماء، فخلصت السفينة. وكل ما نفعه، وجماله، ولذته أطول مدة وأعم فائدة، فهو أفضل. فحق على العاقل أن يرغب إلى اللَّه في أن يعطيه ما فيه مصلحته مما لا سبيل له بنفسه إلى اكتسابه، وأن يبذل جهده مستعينًا باللَّه فىِ اكتساب ما له كسبه، وبلوغ الأعلى فالأعلى منه على الترتيب، فبذلك يشرف، ومن ضيَّع أنفس المقتنيات مع التمكن من تحصيله فهو دنيُّ الهمة، راضٍ بخسيس الحال. وأشرفها ما إذا حصل لم يغضب ولم يحتج في حفظه إلى أعوان، وكان نافعًا عاجلًا وآجلًا ومطلقا في كل حال، وكل زمان، وكل مكان، وذلك هو الفضائل النفسية ولا سيما العقل والعلم. فأما القنيات الخارجية نحو المال والجاه فإنها يقال لها: الخيرات المتوسطة؛ لأنها تنجذب إلى الفضيلة مرة وإلى الرذيلة مرة ولأنها سبب للخيرات إذا كانت مع العقل، وسبب الشرور إذا كانت مع الجهل، وقد نبَّه اللَّه تعالى على كون ذلك سببًا للشرِّ بقوله: (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ) وبقوله: (وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا)

стр. 51

ولذلك قيل: السعيد هو الخيِّر العاقل غنيًّا كان أو فقيرًا، قويّا كان أو ضعيفًا. فإن قيل: ما الخير والسعادة والفضيلة والنافع، وهل بينها فرق،. قيل: أما الخير المطلق فهو المختار من أجل نفسه، والمختار غيره لأجله، وهو الذي يتشوقه كل عاقل، بل قد قيل: هو الذي يتشوقه الكل بلا مثنوية، فإن الكل يطلب في الحقيقة الخير وإن كان قد يعتقد في الشر أنه خير فيختاره. فمقصده الخير ويضاده الشر وهو المجتوى من أجل نفسه، والمجتوى غيره من أجله. قال النبي ﷺ " لا خير في خير بعده النار، ولا شر في شر بعده الجنة " فجعل الخير المطلق الجنة، والشر المطلق النار كما ترى، وقد يقال لكل ما يتوصل به إلى الخير: خير، ولهذا سمى اللَّه تعالى المال خيرًا في قوله: (إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) لكن المال والجاه في الحقيقة قد يكون خيرا لبعض الناس وشرًّا لبعضهم، فمعلوم أنه كان شرًّا لمن قال تعالى فيه: (الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) . وأما السعادة المطلقة فحسن الحياة في الآخرة، وهي الأربع التي تقدم ذكرها من البقاء بلا فناء، والقدرة بلا عجز، والعلم بلا جهل، والغنى بلا فقر. وقد يقال لا يتوصل به إلى هذه السعادات الأربع: سعادة، وهي الستة عشر المتقدمة، ويضادها الشقاوة. وأما الفضيلة فاسم لما يحصل به الإنسان ميزة على الغير، وهي اسم لما يتوصل به إلى السعادة، ويضادها الرذيلة. وأما النافع فهو ما يعين على بلوغ الفضيلة والسعادة والخير، والنافع في الشيء ضربان: ضروري: وهو ما لا يمكن الوصول إلى المطلوب إلا به؛ كالعلم والعمل الصالح للمكلفين في البلوغ إلى النعيم الدائم.

стр. 52

وغير ضروري: وهو الذي قد سد غيره مسدَّه كالسكنجبين في كونه نافعًا في قمع الصفراء، فإن ذلك قد يسد غيره مسدَّه. وكل نافع قد يسمى فضيلة وسعادة وخيرًا لكونه مبلغًا إلى ذلك، وموصلًا إليه. حاجة بعض هذه الفضائل إلى بعض قد ثبت بما تقدم أن الخيرات والفضائل خمسة أنواع: أخروية، ونفسية، وبدنية، وخارجية، وتوفيقية. فيجب أن يعلم أن بعض ذلك محتاج إلى بعض، إما حاجة ضرورية بحيث لو لم يوجد ذلك لم يصح وجود الآخر أو حاجة نافعة) بحيث لو لم يوجد لاختل حال الآخر، وذلك أن السعادة الحقيقية الأخروية لا سبيل إلى الوصول إليها إلا باكتساب الفضائل النفسية، ولذلك قال اللَّه تعالى: (وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩) فنبه أنه لا مطمع لمن أراد الوصول إليها إلَّا بالسعي، ولا سبيل إلى تحصيل الفضائل النفسية إلا بصحة البدن وقوته، ولأنه لا غنى بكمال الفضائل النفسية والبدنية عن الفضائل الخارجية، فإنه وإن أمكن أن يتصور حصولها لمن لا أهل له ولا مال ولا عشيرة فإنها لا تكمل إلا بها. الفضائل المطيفة بالإنسان قد تقدم أن ذلك بالقول المجمل أربعة أشياء: المال، والأهل، والعز، وكرم العشيرة. وإن هذه الأشياء نافعة في بلوغ الفضيلة الحقيقية والسعادة الأخروية، وجارية مجرى الجناح المبلغ وإن لم تكن الحاجة إليها في بلوغ ذلك ضرورية. فأما المال: فصاحبه يتمكن من فضائل إذا فقده ثكل بلوغها، فمعلوم أن كثيرًا من القُرب كالزكاة، والحج، يثكله الفقير، فإن الفقير في تحري المكارم كساع إلى الهيجا بغير سلاح، وكباز متصيد بلا جناح، وفضله مغطى كماء تحت الأرض، ونار كامنة في الصخر، وما أصدق ما قال الشاعر: والمرء يرفعه الغنى ... والفقر منقصة وذل

стр. 53

وقال المتنبي (في ديوانه: فلا مجد للدنيا لمن قل ماله ... ولا مال في الدنيا لمن قل مجده وكان النبي ﷺ يقول: " اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفة والغنى "، وقال ﷺ : " نعم العون على تقوى الله المال " وأما الأهل: فنعم العون على بلوغ السعادة، فمن كثر أهله وخالصوه، صار له بهم عيون، وآذان، وأيد، وقد قال تعالى حاكيًا عن لوط ﷺ : (لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠) وقال الشاعر: ألم تر أن جمع القوم يخشى ... وأن حريم واحدهم مباح وقال ﷺ في نفع الولد: " إذا مات الرجل انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية بعد موته، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له ". وقال ﷺ : " ريح الولد من رائحة الجنة "، وقال ﷺ : " نعم العون على الدين المرأة الصالحة " فالمرأة مزرعة الرجل قيضها الله تعالى له ليزرع فيها زرعه، كما قال تعالى: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ) وقال تعالى: (آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا) . وأما العز: فبه يتأبى عن تحمل الذل، ومن لا عز له لا يمكنه أن يذود عن حريمه، ولذلك قيل: " الدين والسلطان أخوان توأمان وقرينان مؤتلفان، ومؤديان إلى عمارة البلاد وصلاح العباد " وقيل: الدين أس والسلطان حارس، وما لا أس له فمهدوم، وما لا حارس له فضائع. وسمى اللَّه تعالى الحجة سلطانًا لقهرها أولي البصائر، وقال

стр. 54

عزَّ اسمه: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ. وأمما كرم العشيرة: فإنه يقال له: الحسب والشرف، والشرف أخص بمآثر الآباء والعشيرة، ولذلك قيل للعلوية: أشراف، ومن الناس من لا يعد شرف الأصل فضيلة، ويقول: المرء بنفسه. واستدل بقول أمير المؤمنين ﵁: " الناس أبناء ما يحسنون " وبقوله: " قيمة كل امرئ ما يحسنه ". وقول الشاعر: كن ابن من شئت واكتسب أدبًا ... يغنيك محموده عن النسب وقول الحكيم: الشرف بالهمم العالية لا بالرمم البالية. وليس كذلك كما ظن، لأن كرم الأعمام والأخوال مخيلة لكرم المرء، ومظنة له، فالفرع وإن كان قد يفسد أحيانًا فمعلوم أن أصله يورثه الفضيلة والرذيلة، فإنه لا يكون من النخل الحنظل، ولا من الحنظل النخل، ولذلك قال الشاعر: وما يك من خير أتوه فإنما ... توارثه آباء آبائهم قبل وهل ينبت الخطي إلا وشيجه ... وتغرس إلا في منابتها النخل وقيل: إن السري إذا سرى فبنفسه ... وابن السري إذا سرى أسراهما ويبين ذلك أن الأخلاق نتائج الأمزجة، ومزاج الأب كثيرًا ما يتأدى إلى الابن، كالألوان والخلق والصور، ومن أجل تأديها إليه، قال ﵊: " تخيروا لنطفكم وانكحوا الأكفاء "، وقال ﷺ : " إياكم وخضراء الدمن " قيل: يا رسول اللَّه وما خضراء الدمن، قال: " المرأة الحسناء في المنبت السوء ". وما ذكر في نحو قول أمير المؤمنين ﵁: " الناس أبناء ما يحسنون " فهو حث

стр. 55

للناس على اقتباس العلم، ونهي عن الاقتصار على مآثر الآباء، فإن المآثر الموروثة قليلة الغناء، سريعة الفناء، ما لم تضامَّها فضيلة النفس، لأن ذلك إنما يحمد لكي يوجد الفرع مثله. ومتى أخلف الفرع وتخلف فإنه يخبر بأحد شيئين: إما بتكذيب من يدعي الشرف لعنصره. وإما بتكذيبه في انتسابه إلى ذلك العنصر، وما فيهما حظ لمختار، فالمحمود أن يكون الأصل في الفضائل راسخًا، والفرع به شامخًا، كما قال الشاعر: زانوا قديمهم بحسن حديثهم ... وكريم أخلاق بحسن خصال ومن لم يجتمع له الأمران فلأن يكون المرء شريف النفس دني الأصل أولى من أن يكون دني النفس شريف الأصل، قال الشاعر: إذا الغصن لم يثمر وإن كان شعبة ... من الثمرات اعتده الناس في الحطب فما الحسب الموروث لا در دره ... بمحتسب إلا بآخر مكتسب ومن كان عنصره في الحقيقة سنيًّا وفي نفسه دنيًّا فذلك أتى إما من إهماله نفسه وسومها، وإما لتعوده عادات قبيحة، وصحبة أشرار، وغير ذلك من العوارض المفسدة للعناصر الكريمة، فليس سبب الرذيلة شيئا واحدًا. الفضائل الجسمية قد استهان قوم بذلك، وقالوا: كفى بالمرء أن يكون صحيح البدن بريئا من الأمراض الشاغلة عن تحري الفضائل العقلية، وليس كذلك، فالبدن للنفس بمنزلة الآلة للصانع، والسفينة للربان، اللتين بهما صار صانعًا وربانًا. وجميع أجزاء البدن بالقول المجمل أربعة: العظام التي تجري للبدن مجرى الألواح للسفينة. والعصب الذي يجري له مجرى الرباط الذي تشد به الألواح. واللحم الذي يجري له مجرى الحشو للرباطات. والجلد الذي يجري مجرى الغشاء لجميعها.

стр. 56

فإذا اعتدلت هذه الأربعة بأن يعتدل فيها الأربع القوى، وهي الجاذبة، والممسكة، والهاضمة، والدافعة سمي ذلك الصحة، ولولا صحة البدن لما حصل الانتفاع به. وأما القوة: فهي جودة تركيب هذه الأركان الأربعة، وهي العظام والعصب واللحم والجلد، وما يتبعها. وبها يصلح البدن للسعي والتصرف في أمور الدنيا والآخرة. وأما الجمال: فنوعان: أحدهما: امتداد القامة الذي يكون عن اعتدال الحرارة الغريزية، بأن الحرارة إذا حصلت دفعت أجزاء الجسم إلى العلو، كالنبات إذا نجم، كلما كان أطلب للعلو في منبته كان أشرف في جنسه. وللاعتبار بذلك استعمل في كل ما جاد في جنسه العالي والفائق، وكثر المدح بطول القامة نحو قول القائل: كأن زرود القبطرية علقت ... علائقها منه بجذع مقوم وقول آخر: أشيم طويل الساعدين كأنما ... نياط نجاد سيفه بلواء الثاني من الجمال: أن يكون مقدودًا قوي العصب، طويل الأطراف، ممتدها، رحب الذراع، غير مثقل باللحم والشحم كما قيل: فتى قُدَّ قَدَّ السيف لا متضائل ... ولا رهلًا لباته وبآدله ولا نعني بالجمال هاهنا ما يتعلق به شهوات الرجال والنساء، فذلك أنوثية، وإنما يعني به الهيئة التي لا تنبو الطباع عن النظر إليها، وهو أدل شيء على فضيلة النفس، لأن نورها إذا أشرق تأدى إلى البدن إشراقها. وكل شخص فله حكمان: أحدهما: من قبل جسمه وهو منظره، والآخر: من قبل نفسه وهو مخبره، فكثيرًا ما يتلازمان، ولذلك فزع أصحاب الفراسة في معرفة أحوال النفس أولًا إلى الهيئات البدنية حتى قال بعض الحكماء: قَلَّ صورة حسنة يتبعها نفس رديئة، فنقش الخواتيم مقروء من الطين، وطلاقة الوجه عنوان ما في النفس. وليس في الأرض قبيح إلا ووجهه أحسن ما فيه، وقال ﷺ " اطلبوا الحاجات من حسان الوجوه "، وقال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: " إذا بعثتم رسولًا فاطلبوا

стр. 57

حسن الوجه، حسن الاسم ". فالوجه والعين يظهر فيهما آثار النفس كالمرآة يستدل بها عليها، ولذلك يظهر فيهما أثر سرور النفس وحزنها، ورضاها وسخطها، ولذلك عبر بالوجه عن الجملة، وعن رئيس القوم، فقيل: فلان وجه القوم وعينهم، حتى قال تعالى: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) . وكون الوجه المقبول في دلالته على فضيلة النفس - وإن لم يكن حكمًا لازمًا - فهو على الأعم والأكثر. وحكي أن المأمون استعرض جيشًا فمر به رجل قبيح الوجه، فاستنطقه فرآه ألكن، فأمر بإسقاطه، وقال: إن الروح إذا كانت ظاهرة كانت صبَّاحة، وإذا كانت باطنة كانت فصَّاحة، وأراه لا ظاهر له ولا باطن. وكفاك من البيان في فضل كمال الجسم قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ) وقال: (وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً) . وأما طول العمر: فلولاه لقل حظ الإنسان من السعادات الدنيوية التي لولاها لما نيلت السعادة الأخروية، واللَّه ولي الفضل والإحسان وعليه المعول والتكلان. ما يتولد من الفضائل النفسية: أمهات الفضائل النفسية وإن كن أربعا، فلها بنات هن أمهات لفضائل أخر. وبيان ذلك أن العقل متى تقوى تولد من حسن نظره جودة الفكر، وجودة الذكر، ومن حسن فعله الفطنة وجزالة الرأي، وتولد من اجتماع أربعتها جودة الفهم، وجودة الحفظ. والشجاعة متى تقوت تولد منها الجود في حال النعمة، والصبر في حال المحنة، والصبر يزيل الجزع ويورث الشهامة المختصة بالرجولية، كما قيل. خلقنا رجالًا للتجلد والأسى ... وتلك الغواني للبكا والمآتم والعفة إذا تقوت ولدت القناعة، والقناعة تمنع عن الطمع في مال الغير فتولد الأمانة.

стр. 58

والعدالة إذا تقوت تولد الرحمة، والرحمة هي الإشفاق من أن يفوت ذا حق حقه، فهي تولد الحلم، والحلم يقتضي العفو، والإنسانية والكرم يجمعان هذه الفضائل، وذلك أن الإنسانية هي الفضائل النفسية المختصة بالإنسان، وبقدر ما يكتسبه الإنسان يستحقها، وفيها تفاضل كثير كما تقدم في الفرق ما بين الإنسان والإنسان. فمنهم من قد ارتفع حتى لحق أفق الملك، فلو تصورنا ملكًا جسميا لكان إيَّاه، لارتفاعه عن الإنسانية إلا بالصورة التخطيطية، وعلى هذا قوله تعالى: (إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١) . ومنهم من اتضع حاله حتى صار في أفق البهائم، فلو تصورنا كلبًا أو حمارًا منتصب القامة متكلمًا لكان هو إيَّاه، لانسلاخه من الإنسانية إلا بالصورة التخطيطة، وعلى هذا قوله تعالى: (إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ) . ومنهم من هو في أواسط هذين، في درجة من درجات لها كثيرة، ولهذا صح أن يقال: فلان أكثر إنسانيَّة من فلان. وما يختص به لفظ الإنسانية فهو الأفعال والأخلاق المحمودة، وأما المذمومات من الأخلاق فتشارك الإنسان فيها البهائم والشياطين. وأما المروءة: فلها اشتقاقان: ففي أحدهما: يقتضي أن تكون هي والإنسانية متقاربتين، وهو أن يجعل من قولهم: تمرأ الصعام، وأمرأه إذا تخصص المريء لموافقته الطبع، وكأنها اسم للأخلاق والأفعال التي تقبلها النفوس السليمة فعلى هذا تكون اسمًا للأفعال المستحسنة كالإنسانية. والثاني: أن تكون من المرء فتجعل اسمًا للمحاسن التي يختص بها الرجل دون المرأة فتكون كالرجولية، وذلك أخص من الإنسانية، إذ الإنسانية يشترك فيها الرجال والنساء، والمروءة أخص، فكثير مما يكون فضيلة للمرأة يكون رذيلة للرجل، كالبله والخفر والبخل والجبن، ولهذا قيل: أفضل أخلاق الرجال أرذل أخلاق النساء. فالكيس والشجاعة والجود رذيلة لهن.

стр. 59

وقيل لمعاوية ﵀: ما المروءة، فقال: إطعام الطعام، وضرب الهام، وقيل للأحنف فقال: أن لا يفعل في السر ما يستحي منه في العلانية، وقيل لآخر فقال: جماعها في قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) . وأما الكرم: فاسم لجميع الأخلاق والأفعال المحمودة إذا ظهرت بالفعل، والحرية مثله، لكن يقال ذلك فيمن لا تستعبده المطامع والأغراض الدنيوية. وذكر بعض الحكماء أن الحرية تقال في المحاسن الصغيرة والكبيرة، (والكرم لا يقال إلا في المحاسن الكبيرة) ، كمن ينفق مالًا في تجهيز جيش في سبيل اللَّه تعالى، أو تحمل حمالة يرفأ بها دماء قبيلة. فكل كرم حريةً، وليس كل حرية كرمًا، وأيضًا فالحرية تتعلق بالتلطف عن الأخذ أكثر، والكرم يتعلق بالإنفاق أكثر، ويضاد الكرم اللؤم، والحرية العبودية، أعني الذكورة في قول الشاعر: والعبد لا يطلب العلاء ولا ... يعطيك شيئًا إلا إذا رهبا وكما أن الكرم أعم من الجود فاللؤم أعم من البخل، ولا يدخل في الحرية والكرم النساء، لأنهن مستخدمات، بل مستعبدات، ولذلك روي: " لو أمر اللَّه مخلوقًا بعبادة مخلوق لأمر النساء بعبادة أزواجهن ".

стр. 60

فإن قيل: ما حقيقة قول اللَّه تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) قيل: لما كان الكرم اسمًا للأفعال المحمودة التي تقدم ذكرها، وهذه الأفعال إنما تكون فاضلة إذا كان فعلها عن علم، وقصد بها أشرف الوجوه، أي وجه اللَّه تعالى، وذلك هو التقوى، فليس التقوى إلا العلم وتحري الأفعال المحمودة، فإذًا كل من كان أتقى كان أكرم. والعزيز: الذي يأبى تحمل المذلة، واشتقاقه من العزاز بالفتح الأرض الصلبة، كالمتظلف في الامتناع من تناول الشهوات المذلة، وأصله من الظلف أي الأرض الصلبة. وقد فرق بعض الحكماء بين الكريم والعزيز فقال: الكريم يأبى أن يعصى له، والعزيز يأبى أن يعصى عليه. والظرف: اسم لحالة تجمع عامة الفضائل النفسية والبدنية والخارجية تشبيهًا بالظرف الذي هو الوعاء، ولذلك قال أعرابي: فلان حاضن الشرف ومقر الفضل، ولكونه واقعًا على ذلك قيل لمن حصل له علم وشجاعة ظريف، ولمن حسن لباسه وأثاثه ورياشه ظريف، فالظرف أعم من الحرية والكرم. وأما الفتوة: فكالمروءة، فإنها اسم لما يختص به الفتى من الفضائل الإنسانية، لكن هي بالرجولية أشبه، وقد استعارت الصوفية لفظ الفتوة للتصوف، لكونها مشاركة له في جميع أفعالها إلا في الغرض، فإن غرض الفتيان استجلاب محمدة الأقران، وغرض المتصوفة استجلاب محمدة الرحمن، بل مجرد مرضاته تعالى. وأما الحسب: فقد يقال فيما يختص الإنسان به، فيعده من مآثره، وقد يقال فيما يؤثر عن آبائه، والشرف نحوه لكن أكثر ما يقال فيما يؤثر عن الآباء. في الفضائل التوفيقية: التوفيق: موافقة إرادة الإنسان وفعله قضاء اللَّه سبحانه وقدره، وهو وإن كان في الأصل موضوعًا على وجه يصح استعماله في السعادة والشقاوة فقد صار متعارفًا في السعادة فقط.

стр. 61

والاتفاق: مطاوعة التوفيق، لكن قد يستعمل في السعادة والشقاوة جميعا، فيقال: اتفاق جيد، واتفاق رديء. والتوفيق: مما لا يستغني الإنسان عنه في كل حال، كما قيل لحكيم: ما الذي لا يستغني عنه أحد في كل حال، فقال: التوفيق، وأنشد: إذا لم يكن عون من اللَّه للفتى ... فأكثر ما يجني عليه اجتهاده فالسعادة التوفيقية هي الهداية، والرشد، والتسديد، والتأييد. فيجب أن يعلم أن لا سبيل لأحد إلى شيء من الفضائل إلا بهداية اللَّه تعالى ورحمته، فهو مبدأ الخيرات ومنتهاها، كما قال تعالى: (أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠) وخاطب الناس فقال: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١) . وقال ﷺ : " ما أحد يدخل الجنة إلا برحمة الله "، أي: بهدايته. قيل: ولا أنت يا رسول اللَّه، فقال: " ولا أنا إلا أن يتغمدني اللَّه برحمته وهدايته "، تنبيهًا أنه لو توهمت رحمته مرتفعة ابتداءً وانتهاءً ما كان لنا سبيل إلى ذلك. وللهداية ثلاث منازل في الدنيا: الأول: تعريف طريق الخير والشر المشار إليهما بقوله تعالى: (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠) وقد خوَّل اللَّه تعالى الهدى كل مكلف، بعضه بالعقل، وبعضه بألسنة الرسل، وإياه عني بقوله تعالى: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى) . والثاني: ما يمد به العبد حالا فحالًا بحسب استزادته من العلم والعمل الصالح، وإياه عني بقوله: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧) . والثالث: نور الولاية التي هي في أفق نور النبوة، وإياه عني بقوله تعالى: (قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى) فأضاف ذلك إلى لفظ اللَّه تعظيما له،. ثم قال: (هُوَ الْهُدَى) فجعله الهدى المطلق (وعناه) بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا) أي نورًا تفرقون به بين الحق والباطل، وكل ذلك يسمى النور والحياة نحو: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا) . وقال: (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ) .

стр. 62

بتحري هذه المنازل الثلاث يتوصل إلى الهداية للجنة الذكورة في قوله تعالى: (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ) . والرشد: عناية إلهية تعين الإنسان عند توجهه في أموره فتقويه على ما فيه صلاحه وتُفتره عما فيه فساده، وأكثر ما يكون ذلك من الباطن نحو قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (٥١) وكثيرًا ما يكون ذلك بتقوية العزم أو بفسخه وإليه توجه قوله: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) . والتسديد: أن يُقوم إرادته وحركاته نحو الغرض المطلوب، لتهجم عليه في أسرع مدة يمكن الوصول فيها إليه، وهو المسؤول بقوله تعالى: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) . والنصرة من اللَّه تعالى معونة الأنبياء والأولياء وصالحي العباد بما يؤدي إلى إصلاحهم عاجلًا وآجلا، وذلك يكون تارة من خارج كمن يقيضه اللَّه تعالى فيعينه، وتارة من داخل بأن يقوي قلوب الأولياء أو يلقي رعبًا في قلوب الأعداء، وعلى ذلك قوله تعالى: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) وقوله: (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣) . وأما ما يختص بسعادة الدنيا ولا يعتبر فيه العاقبة فيقال له: الدولة والدول، وعلى هذا قوله تعالى: (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) . وقوله في وصف الفيء: (كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ) . والتأييد: تقوية أمره من داخل بالبصيرة، ومن خارج بقوة البطش، ومن الأول قوله تعالى: (إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ) . والعصمة: فضل إلهي يقوى به الإنسان على تحري الخير وتجنب الشر حتى يصير كمانع له من باطنه، وإن لم يكن منعًا محسوسًا، وإيَّاه عني بقوله تعالى: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ) . وقد روي أن يوسف رأى صورة يعقوب ﷺ وهو عاضٌّ على إبهامه، فأحجم (١) ، وليس ذلك ينافي التكليف كما تصوره بعض المتكلمين، فإن ذلك كان تصوَّرًا منه وتذكرًا لما كان قد حذره منه، وعلى هذا قال تعالى: (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤) ومن عصمته تعالى أنه يكرر الوعيد

стр. 63

على من يريد عصمته لئلا يغفل ساعة عن مراعاة نفسه، كقوله تعالى للنبي ﷺ : (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) . واعلما أن رشده تعالى للعبد، وتسديده، ونصرته، وعصمته، تكون بما يخوله من الفهم الثاقب، والسمع الواعي، والقلب المراعي، وتقييض المعلم الناصح له، والرفيق الموافق، وإمداده من المال بما لا تقعد به عن مغزاه قلته، ولا تشغل عنه كثرته، ومن العشيرة والعز ما يصونه عن سفه السفهاء، وعن الغض منه من جهلة الأغنياء، وأن يخوله من كبر الهمة، وقوة االعزيمة ما يحفظه عن التشوق للدنية، والتأخر عن بلوغ كل منزلة سنية. في تلازم الفضائل النفسية بعضها بعضًا العقل والشجاعة والعفة والجود والعدالة وسائر الفضائل تتلازم، فإن العقل إذا أشرق عقل صاحبه عن الإقدام على ما يورثه مذمة، ويحمله على الإقدام على المخاوف التي تورثه محمدة، وعلى أن يسمح بفضل ما في يده لمن يحتاج إليه، وأن يبذل لكل ذي حق حقه، وذلك هو العفة، والشجاعة، والجود، والعدالة. وكذلك إذا كان عدلًا يحمله عدله على ترك ما ليس له مما لا يجوز له تناوله. وأن لا يحجم عما يلزمه الإقدام عليه، وأن لا يبخل بفضل ما في يده. وإذا كان شجاعًا لا تقهره شهوته على تناول ما لا يجوز له تناوله، وعلى ظلم غيره، ولا يخاف الفقر فيبخل، ولهذا النظر جعل بعض الشعراء الشجاعة سماحة، والسماحة شجاعة، فقال أبو تمام:

стр. 64

أيقنت أن من السماح شجاعة ترمي ... وأن من الشجاعة جودَا وجعل النبي ﷺ دفع الشهوة جهادًا فقال: " جهادك هواك " وجعلت العفة جودًا فقيل: الجود جودان: جود بما في يدك، وجود عما في يد غيرك، وهو أعظمهما. وهذه الفضائل إذا حصلت حصل بها الإنسانية والحرية والكرم، وعنها يتأصل الإسلام، والإيمان، والتقوى، والإخلاص. البواعث على فعل الخير وتحري الفضائل البواعث على فعل الخيرات الدنيوية ثلاثة: أدناها: الترغيب والترهيب ممن يرجى نفعه ويخشى ضره. والثاني: رجاء الحمد وخوف الذم ممن يعتد بحمده وذمه. والثالث: تحري الخير وطلب الفضيلة. فالأول: من مقتضى الشهوة وذلك من فعل العامة، والثاني: من مقتضى الحياء وهو من فعل السلاطين وكبار أبناء الدنيا، والثالث: من مقتضى العقل، وذلك من فعل الحكماء. ولهذه المنازل الثلاث قيل: خير ما أعطي الإنسان عقل يردعه، فإن لم يكن فحياء يمنعه، فإن لم يكن فخوف يقمعه، فإن لم يكن فمال يستره، فإن لم يكن فصاعقة تحرقه فتريح منه العباد والبلاد. وكذلك البواعث على الخيرات الأخروية ثلاثة: الأول: الرغبة في ثواب اللَّه تعالى والمخافة من عقابه، وذلك منزلة العامة. الثاني: رجاء حمده ومخافة ذمه، وذلك منزلة الصالحين. والثالث: طلب مرضات اللَّه تعالى فىِ المتحريات، وذلك منزلة النبيين، والصديقين، والشهداء، وهي أعزها وجودًا، ولذلك قال بعضهم: أفضل ما يتقرب به العبد إلى اللَّه تعالى أن يعلم أنه لا يريد العبد من الدنيا والآخرة غيره، قال الله تعالى:

стр. 65

(وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) وقيل لرابعة: ألا تسألين اللَّه في دعائك الجنة، فقالت: الجار قبل الدار. وبهذا النظر قال بعضهم: من عبد اللَّه بعوض فهو لئيم. وقال بعض العلماء: هذه المنازل الثلاث منازل الظالم والمقتصد والسابق، وأجدر أن تكون هذه منازل هؤلاء الثلاثة لما روي عنه ﷺ أنه قال: " سائل العلماء، وخالط الحكماء، وجالس الكبراء "، وقد قال بعض العلماء: مساءلة العلماء ترغبك من اللَّه في ثوابه، وتخوفك من عقابه، ومخالطة الحكماء تقربك من الحمد وتبعدك عن الذم، ومجالسة الكبراء تزهدك فيما عدا فضل الباري. الموانع من تحري الفضائل وذلك ضربان: قصور، وتقصير. فأا القصور: فبأن لا يكون له المعانىِ العشرة التي قدمناها، ولا التمكن من اكتسابها، أو يكون له ذلك ولكن يعوقه عن استعماله عائق من مرض أو شغل ضروري يعذره، كحاجته إلى السعي فيما يسد به جوعته، ويستر به عورته، وهما عدم الوسع المذكور في قوله تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) ودواء الأمرين الفزع إلى اللَّه والتضرع إليه أن يجبر نقصه بتمام جوده وسعة رحمته. وأما التقصير: فأربعة أشياء: الأول: أن يكون إنسان لا يعرف الحق من الباطل، ولا الجميل من القبيح فبقي غفلًا، ودواءه سهل وهو التعليم الصائب. والثاني: أن يكون قد عرف ذلك لكن لم يتعود فعل الصالح، وزين له سوء عمله فرآه حسنًا، فتعاطاه، وأمره أصعب من الأول، لكن يمكن أن يقهر على العادة الجميلة

стр. 66

حتى يتعودها وإن كان قد قيل: ترك العادة شديد. والثالث: أن يعتقد في الباطل والقبيح أنه حق وجميل وتربى على ذلك، ومداواة هذا أصعب جدًّا، فقد صار ممن طبع على قلبه، إذ قد تنقش بنقش خسيس ككاغد كتب فيه ما يؤدي حذفه منه إلى خرقه وفساده. والرابع: أن يكون مع جهله وتربيته على الاعتقاد الفاسد شريرًا في نفسه يرى الخلاعة وقهر الناس فضيلة، وذلك أصعب الوجوه، وإلى نحوه قصد من قال: من التعذيب تأديب الذئب ليتهذب، وغسل المسح ليبيض. فالأول من هؤلاء الأربعة يقال له: الجاهل، والثاني يقال له: جاهل وضال، والثالث يقال له: جاهل وضال وفاسق، والرابع يقال له: جاهل وضال وفاسق وشرير. الارتقاء في درجات الفضائل والانحدار عنها إلى أقصى الرذائل للإنسان في منازل الفضائل مرتقى صعب ومنحدر سهل، وعلى الارتقاء فيها حث ربنا ﵎ بقوله: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) وبقوله: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) ومدح قومًا بقوله: (أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١) وعن الانحدار منها نهى بقوله تعالى: (وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١) وبقوله: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ) وذم قومًا شأنهم ذلك بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (٢٥) وبقوله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ (٣٢) وبقوله: (وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا) فإن الآية تقتضي هذا المعنى وإن كان ظاهرها يدل على الجهل

стр. 67

الذي يورثه الهرم. فالخيرات يترقى فيها فيبلغ إلى أشرف المنازل بأربع درجات، وينحدر عنها فيبلغ إلى أرذل المنازل بأربع درجات. فأما درجات الارتقاء: فأولاها: أن يرتدع الإنسان عن المآثم ويهجرها، ويندم عليها، ويعزم على ترك معاودتها، وذلك أول درجة التائبين المطعين لله ورسوله. وثانيها: أن يقوم بالعبادات الموظفة عليه، ويسارع فيها بقدر وسعه، وذلك درجة الصالحين. وثالثها: أن يتحرى بعلمه الحقيقي تعاطي الحسنات من غير تلفتٍ منه إلى المحظورات بمجاهدة هواه، وإماتة شهواته، وذلك منزلة الشهداء. ورابعها: أن يكون مع هذه الأحوال المتقدمة يرضى ظاهرًا وباطنًا بقضاء اللَّه وقدره فلا يتزعزع تحت حكمه، ولا يتسخط شيئًا من أمره، ويعلم أن اللًه تعالى أولى به من نفسه، وذلك درجة الصديقين. وهذه المنازل الأربع هي المراد بقوله تعالى: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) . وأجدر أن تكون هذه المنازل الأربع هي المأمور بها فىِ قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠) . واعلم أن منزلة الرضا أشرف المنازل بعد النبوة، فمن رضي عن اللَّه فقد رضي اللَّه عنه " لقولى تعالى: (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) فجعل أحد الرضائين مقرونًا بالآخر، فمن بلغ هذه المنازل فقد عرف خساسة الدنيا، واطلع على جنة المأوى، وخطب مودة الملأ الأعلى، وحظى بتحيتهم المعنية بقوله تعالى: (وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤) .

стр. 68

وأما درجات الانحدار والارتداد عنها: فأولاها: الكسل عن تحري الخيرات، ويورثه ذلك الزيغ المعني بقوله تعالى: (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) . وثانيها: الغباوة: وهي ترك النظر، وبغض العمل، فيورثه ذلك رينًا على قلبه، وهو المعني بقوله تعالى: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) . وثالثها: الوقاحة وهي أن يرتكب الباطل ويراه في صورة الحق ويذب عنه، فيورثه ذلك قساوة القلب، كما قال تعالى: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً) . ورابعها: الانهماك في الباطل وهو أن يستحسنه فيحبه، ويُحسِّنه ويحببه إلى غيره فيورثه ذلك ختمًا على قلبه، وإقفالًا عليه. كما قال تعالى: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ) وقال: (أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤) . فالكسل سبب الغباوة، والغباوة سبب الوقاحة، والوقاحة سبب الانهماك في الباطل، كما أن الزيغ يوجب الرين، والرين يوجب القساوة، والقساوة توجب الختم والإقفال. فحق الإنسان أن يراعي نفسه في الابتداء، ولا يترخص في ارتكاب الصغائر فيؤديه ذلك إلى ارتكاب الكبائر. كما قيل: إن الأمور دقيقها ... مما يهيج به العظيم وقد قال اللَّه تعالى: (فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (٨٣) فدل أن قعودهم أول مرة أدى بهم إلى أن صار محكومَا عليهم أنه لا يتأتى منهم الخروج معه ﷺ بوجه.

стр. 69

في بيان عادة الله تعالى في تهذيب الذين تردُّوا في الرذائل حتى فسدت أخلاقهم الناس متى تركوا تعاطي الإحسان والأفضال وتحري العدالة فيما يينهم، فلا يأتونها لا خلقًا ولا تخلقًا، ولا رياءً ولا سمعة، ولا رغبةً ولا رهبةً، فصاروا في تعاطي الشر سواسية كأسنان الحمار (، عدمت فيهم الفضيلة كما قال النبي ﷺ : " لن يزال الناس بخير ما تباينوا فإذا تساووا هلكوا ". فحينئذ إن بقي في نفوسهم أثر قبول الخير أنشأ اللَّه فيهم من يهديهم باللسان والسيف المحق كبعثة النبي ﷺ في العرب لما بقي فيهم من أثر الخير من تعظيم الشهر الحرام، والبيت الحرام، والوفاء بالذمام. وإن قلَّ فيهم أثر قبول الخير سلط الله عليهم سيفًا جائرًا كما قال تعالى: (وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٢٩) وكما قال ﷺ : " إنَّ اللَّه ينتصف من أوليائه بأوليائه ومن أعدائه بأعدائه "، وعاملهم بما عامل به بني إسرائيل حيث سلط عليهم بختنصر، وقد ذكر ذلك في قوله تعالى: (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (٥) . وإن عدم منهم أثر القبول بعث عليهم عذابًا يفنيهم، إما طوفانًا أو صيحة أو نارًا محرقة أو ريحًا فيها عذاب أليم، أو الجراد والقمل والضفادع والدم؛ ليطهر منهم البلاد، ويريح منهم العباد، كما صنع اللَّه تعالى بعاد، وثمود، وقوم نوح، وقوم

стр. 70

لوط، وذلك كالأرض إذا استولى عليها الشوك والدغل فلا بد من نسفها، وتسليط النار عليها حتى تعود بيضاء. أصناف الناس الناس ضربان: خاص، وعام. فالخاص: من قد تخصص من العارف بالحقائق دون التقليدات ومن الأعمال بما يتبلغ به إلى جنة المأوى، دون ما يقتصر به على الحياة الدنيا. والعام: إذا اعتبر بذلك فالذين يرضون من العارف بالتقليدات، ومن أكثر الأعمال بما يؤدي إلى منفعة دنيوية. وإذا اعتبرنا بأمور الدنيا: فالخاص: من يتخصص من البلد بما ينخرم بافتقاده إحدى السياسات المدنية، والعام: من لا ينخرم بافتقاده شيء منها. وهم من وجه آخر ثلاثة: خاصة، وعامة، وأوسطهم المسمَّون في كلام العرب بالسوقة. فالخاص: هو الذي يسوس ولا يساس، والعام: الذي يساس ولا يسوس، والوسط: الذي يسوسه من فوقه، وهو يسوس من دونه. ومن جهة أخرى ثلاثة أضرب: أصحاب الشهوات: وهمهم الجدة واليسار والأكل والشرب والبِغال. وأصحاب الكرامة والرياسة: وهمهم المدح واجتلاب المحمدة والصيت. وأصحاب الحكمة: وكل واحد منهم يستعظم من هو من جنسه، ولهذا احتاج السلطان أن يتخصص بكل ذلك ويستبد به ليكون معظماً، عند كل ضرب من الناس، فيعظمه أصحاب الحكمة لحكمته، وأصحاب الكرامة لكرامته، والرياسة لرئاسته، وأصحاب الشهوات لماله وكثرة قيناته. ومن وجه آخر ثلاثة أضرب: ملكي، وشيطاني، وإنسي. فالملكي: الذي يستعمل القوة العاقلة بقدر جهده وهم المؤمنون حقًّا، والشيطاني: هو الذي يستعمل القوة الشهوية من غير تلفت إلى مقتضى العقل، والإنسي: الذي خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا، وهم المذكورون في قوله تعالى: (فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤)

стр. 71

وهم المؤمن والفاسق والكافر، وهم المذكورون في قوله تعالى: (وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) . ومن وجه آخر: مصطفي، ومسترذل. والمصطفي: الأبرار، وهم ثلاثة أضرب: ظالم ومقتصد وسابق. وهم المذكورون فى قوله تعالى: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ) . وهم أيضًا - أعني الأبرار - ثلاثة أضرب: أنبياء: للمشاهدة والهداية لقوله تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) . وحكماء: وهم الأولياء للمراقبة والرعاية لقوله تعالى: (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤) . وعوام: للمجاهدة والكفاية وهم المذكورون في قوله تعالى: (يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ) . وهم أيضًا ضربان: عبد بالطبع، وإن كان ملكًا، وملك بالطبع، وإن كان عبدًا مسترقًا، والملك من فضل بالفضائل النفسية التي بها يصير الإنسان بحيث يصح أن يوصف بأنه ربَّاني وإلهي وملكي، ويصلح أن يكون خليفة الله في أرضه. والعبد من قال النبي ﷺ فيه: " تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار، تعس فلا انتقش، وإذا شيك فلا انتقش ".

стр. 72

وقال بعض الحكماء: ما من إنسان إلا وفيه خلق من أخلاق بعض الحيوانات وبعض النبات، ليكون الإنسان مشاركًا لها في الجنسية، وإن كان مباينًا لهما في النوعية، فمن الناس غشوم كالأسد، وعابث كالذئب، وخب كالثعلب، وشره كالخنزير، وخاضع كالكلب، وجامع كالنمل، ووقح كالذباب، وبليد كالحمار، وألوف كطير الوفا، وصنع كالسرقة، وأنف كالأسد والنمر، وغيور كالديك، وهادل كالحمام. ومنهم حسن المنظر والخبر كالأترج، ومنهم بخلاف ذلك كالعفص والبلوط، ومنهم قبيح المنظر وحسن المخبر كالجوز واللوز، ومنهم حسن المنظر قبيح الخبر كالحنظل والدفلى. والمؤمن الخير هو فىِ الحيوانات كالنحل يأخذ أطياب الأشجار فلا يقطف ثمرًا، ولا يكسر شجرًا، ولا يؤذي بشرًا. ثم يعطي الناس ما يكثر نفعه، ويحلو طعمه، ويطيب ريحه، وفي الأشجار هو كالأترج يطيب حملًا، ونورًا، وعودًا، وورقًا، ورائحة وطعما. والمنافق والشرير هو في الحيوانات كالقمل والأرضة، وفي الأشجار كالكشوت، مثل الكشوت فلا أصل ولا ورق، ولا نسيم ولا ظل ولا زهر، يفسد الثمار، وييبس الأشجار، وكالثمرة التي قل ورقها وكثر شوكها، وصعب مرتقاها.

стр. 73

الفصل الثاني في العقل والعلم والنطق وما يتعلق بها وما يضادها

стр. 74

فضيلة العقل العقل أول جوهر أوجده اللَّه تعالى، وأشرفه، بدلالة ما روي عن النبي ﵊ أنه قال: " أول ما خلق الله تعالى العقل، فقال له: أقبل، فأقبل، ثم قال له أدبر فأدبر، ثم قال: وعزتي وجلالي ما خلقت اكرم علي منك، بك آخذ، وبك أعطي، وبك أثيب، وبك أعاقب ". ولو كان على ما توهمه قوم أنه عرض لما صح أن يكون أول مخلوق، لأنه محال وجود شيء من الأعراض قبل وجود جوهر يحمله، وقال ﵊: " لا دين لمن لا عقل له، لا يعجبنكم إسلام امرئ حتى تعرفوا عقدة عقله ". ومن هذا الوجه الذي أشار إليه النبي ﷺ قالت الحكماء: من لم يكن عقله أغلب خصال الخير عليه كان حتفه في أغلب خصال الشر عليه. وبالعقل صار الإنسان خليفة اللَّه، ولو توهم مرتفعًا لارتفعت الفضائل عن العالم فضلا عن الإنسان. وبما غرسه اللَّه تعالى منه في الإنسان اهتدى من وفقه اللَّه تعالى إلى تزكية نفسه المذكورة في قوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠) وحصل به حرث الآخرة المذكورة في قوله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ) وثمرة حرث الآخرة على التفصيل سبعة أشياء:

стр. 75

بقاء بلا فناء، وقدرة بلا عجز، وعلم بلا جهل، وغنًى بلا فقر، وأمن بلا خوف، وراحة بلا شغل، وعز بلا ذل. وإلى العقل أشار بقوله تعالى: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ) . فمعنى نور السموات والأرض أي منور السموات والأرض، والنور هو العقل، وقد تقدم وجه ضرب هذا المثل. والعقل يقال على ضربين: أحدهما: بغير إضافة وهو المذكور بأنه أول مخلوق، والثاني: بالإضافة إلى آحاد الناس، فيقال: عقل فلان. وهو من الأول بمنزلة الضوء من الشمس. أنواع العقل العقل عقلان: غريزي، وهو القوة المتهيئة لقبول العلوم، ووجوده في الطفل كوجود النخلة في النواة، والسنبلة في الحبة. ومستفاد: وهو الذي تتقوى به تلك القوة، وهذا المستفاد ضربان: ضرب يحصل للإنسان حالًا فحالًا بلا اختيار منه فلا يعرف كيف حصَّله ومن أين حصَّله. وضرب باختيار منه فيعرف كيف حصله ومن أين حصَّله وحصوله بقدر اجتهاده في تحصيله. ولكون العقل غريزيًّا ومستفادًا. قال أمير المؤمنين علي ﵁: " العقل عقلان: مطبوع ومسموع، ولا ينفع مسموع إذا لم يك مطبوع " كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع، وإلى الأول أشار النبي ﷺ بقوله: " ما خلق اللَّه تعالى خلقًا أكرم عليه من العقل "، وإلى الثاني أشار بقوله ﷺ لعلي ﵁: " إذا تقرب الناس إلى خالقهم بأبواب البر، فتقرب إليه أنت بعقلك تسبقهم بالدرجات والزلفى عند اللَّه والناس في الدنيا والآخرة " وقال: " ما اكتسب أحد شيئًا أفضل من عقل يهديه إلى
следующие страницы →