Полный текст (251 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
الكتاب: القَولُ البَدِيعُ في الصَّلاةِ عَلَى الحَبِيبِ الشَّفِيعِ
المؤلف: شمس الدين أبو الخير محمد بن عبد الرحمن بن محمد السخاوي (المتوفى: ٩٠٢هـ)
الناشر: دار الريان للتراث
عدد الأجزاء: ١
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
стр. 2
تعريف بالمؤلف:
هو: الإمامُ العلَّامةُ الحافظُ / شمس الدين أبو الخير محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر بن عثمان بن محمد السخاوي - نسبة إلى سخا شمال مصر - الشافعي، (٨٣١ هـ الموافق ١٤٢٨ - ٩٠٢ هـ) .
مؤرخ كبير وعالم حديث وتفسير وأدب شهير من أعلام مؤرخي عصر المماليك. ولد وعاش في القاهرة، ومات بالمدينة المنورة سافر في البلدان سفرا طويلا وصنف أكثر من مائتي كتاب أشهرها الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع ترجم نفسه فيه بثلاثين صفحة.
[مولده]
ولد شمس الدين السخاوي في ربيع الأول سنة ٨٣١ هـ، الموافق ١٤٢٨م، في حارة بهاء الدين - في تلك الفترة - قريبا من مدرسة شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني بالقرب من باب الفتوح - حاليا - بالقاهرة، وبعدها انتقل إلى ملك لأبيه مجاور لمسكن ابن حجر العسقلاني.
[نشأته العلمية]
بداية؛ أرسله أبوه إلى المؤَدِّب الشَّرف عيسي بن أحمد المقسي الناسخ فأقام عنده فترة قصيرة، ثم نقله أبوه إلى زوج أخته الفقيه الصالح البدر حسين بن أحمد الأزهري أحد أصحاب الشيخ يوسف الصَّفِّي المالكي فقرأ عنده القرآن.
بعدها بفترة، توجه به أبوه إلى الفقيه الشيخ الشمس محمد بن أحمد النحريري السعودي الضرير - مؤدب البرهان بن خَضِر والجلال بن الملقِّن وابن أسد وغيرهم من العلماء الكبار في هذا العصر لاستكمال تعلم القرآن وعلوم تجويده، وحفظ منه فوائد ونوادر في الأدب، وقرأ عليه بعض الحديث، وبعدها انتقل بأمر من السعودي الضرير إلى الشيخ الشهاب بن أسد فحفظ عنده كتاب عمدة الأحكام للحافظ عبد الغني المقدسي، وكتاب التنبيه - ألفه عم السخاوي -، وكتاب المنهاج الأصلي وألفية بن مالك وكتاب النخبة، وكذلك قرأ عليه القرآن بقراءة أبو عمرو وابن كثير المقرئ، وكذلك تدرب على القراءة والمطالعة، حتى صار يشارك غالب من يتردد عليه في فهم القرآن والفقه وغيره.
كانت من عادة السخاوي أنه كلما حفظ كتابا عرضه على شيوخ عصره لكن لم يأخذ عنهم؛ ومنهم:
المحب بن نصر الله البغدادي الحنبلي.
الشمس بن عمَّار المالكي.
الشيخ النور التلواني - نسبة لتلوانة.
الجمال عبد الله الزيتوني - نسبة لمنية الزيتون.
الشيخ الزين عُبادة، ومعه الشمس البِسَاطِي، وجده.
بعدها حفظ ألفية العراقي وكتاب شرح النخبة وغالب كتاب الشاطبية وبعض كتاب جامع المختصرات، ومقدمة الساوي في العروض وكتب أخرى كثيرة لم يكمل حفظها.
بعد ذلك قرأ بعض القرآن علي الشيخ النور البلبيسي - نسبة لبلبيس - إمام الأزهر، وقرأ على الشيخ الزين عبد الغني الهيثمي على رواية بن كثير، وسمع كثيرا من الروايات السبعة والعشرة على الشيخ الزين رضوان العُقْبِي، والشيخ الشهاب السكندري وغيره من مشايخ هذا العصر. بل يقول السخاوي أنه سمع الفاتحة وبداية سورة البقرة على شيخه بقراءة بن أسد وجعفر السنهوري وغيرهما من مشايخ القراءات في هذا العصر.
حفظ القرآن وهو صغير، ثم حج في سنة خمس وثمانين وجاور سنة ست وسبع وأقام منهما ثلاثة أشهر بالمدينة المنورة ثم حج سنة اثنين وتسعين وجاور سنة ثلاث وأربع ثم حج سنة ست وتسعين وجاور إلى أثناء سنة ثمان وتوجه إلى المدينة فأقام بها أشهر أو صام رمضان بها ثم عاد في شوال إلى مكة وأقام بها مدة ثم رجع إلى المدينة وجاور بها حتى مات سنة اثنتين وتسعمائة يوم الأحد الثامن والعشرين من شعبان ودفن بالبقيع بجوار مشهد الإمام مالك.
يعتبر الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ، كتاريخ للتاريخ الإسلامي فقد سمع السخاوي الكثير عن أستاذه وشيخه الحافظ ابن حجر العسقلاني المتوفى ٨٥٢ هـ. وقد لازمه أشد الملازمة وحمل عنه ما لم يشاركه فيه غيره. وأخذ عنه أكثر تصانيفه وقال عنه هو أمثل جماعتي.
[مؤلفاته]
ترك السخاوي تراثا علمياً ناصعاً في الحديث والتاريخ، منه ـ في الحديث:
المقاصد الحسنة في الأحاديث المشتهرة على الألسنة.
الأخبار المكللة في الأحاديث المسلسلة.
الغاية في شرح الهداية.
شرح الشمائل النبوية لالترمذي.
التحفة المنيفة فيما وقع من حديث أبي حنيفة.
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث.
في التاريخ:
الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع.
التبر المسبوك في ذيل السلوك.
بغية العلماء والرواة في أخبار القضاة (ذيل رفع الإصر) .
التوبيخ لمن ذم أهل التاريخ.
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي شرف قدر سيدنا محمد الرسول الكريم، وخصنا بالصلاة عليه، وأمرنا بذلك في القرآن الحكيم، ومَنَّ علينا باتباع هذا النبي الرحيم، وحبب إلينا اقتفاء آثاره في القديم والحديث، وخص أهل هذا الشأن بالخصال الجميلة والفضل الجسيم، وجعلهم أولى الناس برسوله السيد العظيم؛ لإكثارهم كتابة وقراءة وسماعا من الصلاة والتسليم عليه، اللهم صلِ على سيدنا محمد وآله وصحبه أولى الفضل العميم صلاة وسلاماً دائمين يضيء نورهما جنح الليل البهيم.
стр. 4
القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع
المقدمة
أما بعد فإن الله بقدرته وسلطانه، ورأفته وإحسانه، بعث سيدنا محمد ﷺ ، وشرف وركم، الدين القويم، والمنهج المستقيم، والخلق العظيم، والخلق السليم، وارساه رحمة للعالمين، ونجاة لمن آمن به من الموحدين، وإماماً للمتقين، وحجة على الخلائق أجمعين، وشفيعاً في المحشر ومفخراً للمعشر، ومزيلاً للغمة، عن جميع الأمة، أرسله على حين فترة نت الرل فهدى به لا قوم الطرق وأوضح السبل، وأفترض على العباد طاعته وتعزيزه، وتوقيره ورعايته، والقيام بحقوقه، وإمتثال ما قرره في مقهومه ومنطوقه، والصلاة عليه والتسليم، ونشر شريعته بالعلم والتعليم، وجعل الطرق مسدودة عن جنته، إلا لمن سلك طريقه واعترف بمحبته، وشرح له صدره ورفع له ذكره ووضع عنه وزره، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره، فيا سعة من وفق لذلك، ويا ويح من قصر عن هذه المسالك، وصلى الله وسلم عليه، وزاده فضلاً وشرفاً لديه، وكنت بحمد الله في تحصيل سنته ملازماً، وتتبع آثاره وضبطها هائماً، رجاء لحصول الثواب وقصداً لقرع الباب، فيألني بعض الأصدقاء المحبين، من الفضلاء المتعبدين، ممن يتعين إجابة رسول الله، لتحقق فضله وكثرة أفضاله، أن أجمع كتاباً في الصلاة على سيد البشر، استجلاباً من الله للصلات والبشر، يكون عمدة لمن رجع إليه، وكفاية لمن عول عليه، وعدة في الوسائل، وقربة للجميل من الخصائل، ونجاة من أهل الدارين، وأكتساباً
стр. 5
للمواهب السنية وما يندفع به الشين، غير مطيل في ذلك بالإسناد، ليسهل تحصيله لأولى التوفيق والسداد، ومعقباً كل حديث بعزوه لمن رواه، مبيناً غالباً صحته أو حسنه أو ضعفه لدفع الأشياء، ذاكرا نبذة يسيرة من الفوائد المأثورة، والنوادر المشهورة، والحكايات المسطورة، مما يتضمن المعنى المذكور، المضاعف لفاعله الخير والأجر، سالك في ذلك كله مسلك الإختصار، دون الهذر والإكثار، فاعتذرت له بمعاذير لم يلتفت إليها، ولا عول في العدول عن مقصده عليها، فعند ذلك أخذت في سبب التقتير عن مدارك قصده، خشية التنفير عن مصادقته ووده، فإذا البحر عميق، والمجا غريق، ومقام النبوة بالفضائل حقيق، ومن قال وجد مكان القول ذا سعة ولكن أين اللسان المطيق المنطيق، وأين العبارة التي تذيق طعم الشفاء ولا تضيق، غير أنها إضافة ونسبة، ورتبة في التصنيف دون رتبة، وعاجز وأعجز، ولو وعد أح من نفيه استيفاء هذا الباب لما أنجز، لكن المرجو من فضل الله ذي المن والجود، أن يكون هذا التأليف إماماً في كثرة الجمع وحائز الجل المقصود، وقد رتبته على مقدمة وخمسة أبواب وخاتمة.
أما المقدمة ففي تعريف الصلاة لغة وإصطلاحاً وحكمها ومحلها والمقصود بها وختمتها بنبذة من فوائد الآية الشريفة التي هي أصل الباب.
стр. 6
أبواب الكتاب
الباب الأول: في الأمر بالصلاة على رسول الله ﷺ وكيفية ذلك على اختلاف أنواعه والأمر بتحسين الصلاة عليه والترغيب في حضور المجالس التي تصلي فيها عليه وأن علامة أهل السنة الكثرة منها وأن الملائكة تصلي عليه على الدوام وامهار آدم لحوا ﵉ الصلاة عليه وأن بكاء الصغير مدة صلاة عليه والأمر بالصلاة عليه لذا صلى على غيره من الرسل وما ورد في الصلاة على غير الأنبياء والرسل والخلاف في ذلك، وختمته بفائدة حسنته في أفضل الكيفيات في الصلاة وفي غير ذلك وفصول سبعة عشر مهمة.
الباب الثاني: في نوايا الصلاة على رسول الله ﷺ لمن صلى عليه من صلاة الله وملائكته ورسوله وتكفير الخطايا وتزكية الأعمال ورفع الدرجات ومغفرة الذنوب واستغفارها لقائلها وكتابة قيراط مثل أحد من الأجر والكيل بالمكيال الأوفى وكفاية أمر الدنيا والآخر لمن جعل صلاته كلها صلاة عليه ومحق الخطايا وفضلها على عتق الرقاب والنجاة بها من الأهوال وشهادة الرسول بها ووجوب الشفاعة ورضى الله ورحمته والامان من سخطه والدخول تحت ظل العرش ورجحان الميزان وورود الحوض والامان من العطش والعتق من النار والجواز على السراط ورؤية المقعد المقرب من الجنة قبل الموت وكثرة الأزواج في الجنة ورجحانها على أكثر من عشرين غزوة وقيامها مقام الصدقة للمعسر وأنها
стр. 7
زكاة وطهارة وينمو المال ببركتها وتقضي بها مائة من الحوائج بل أكثر وأنها عبادة وأحب الأعمال إلى الله وتزين المجالس وتنفي الفقر وضيق العيش ويلتمس بها مظآن الخير وأن فاعلها أولى الناس به وينتفع هو وولده وولد ولده بها ومن أهتديت في صحيفته ثوابها وتقرب إلى الله وإلى رسوله وأنها نور وتنصر على الأعداء وتطهر القلب من النفاق والصدا وتوجب محبة الناس ورؤية النبي ﷺ في المنام وتمنع من اغتياب صاحبها وهي من أبرك الأعمال وأفضلها وأكثرها نفعاً في الدين والدنيا وغير ذلك من الثواب المرغب للفطن الحريض على اقتناء ذخائر الأعمال وإجتناء الثمرة من نضاير الأمال في العمل المشتمل على هذه الفضائل والمناقب الكريمة والفوائد الجمة العميمة التي لا توجد في غيره من الأعمال، ولا تعرف لسواه من الأفعال والأقوال ﷺ تسليماً كثيرة، وختمته بفصول مهمة.
والباب الثالث: في التحذير من ترك الصلاة عليه عندما يذكر ﷺ بالدعاء بالإبعاد والأخبار له بحصول الشقا ونسيان طريق الجنة ودخول النار والوصف بالجفاء وأنه أبخل الناس والتنفير من ترك الصلاة عليه لمن جلس مجلساً وإن من لم يصل عليه لا دين له وغير ذلك وختمته أيضاً بفوائد نفيية.
والباب الرابع: في بليغه ﷺ سلام من يسلم عليه ورده السلام وغير ذلك من الفوائد والتتمات.
والباب الخامس: في الصلاة عليه ﵌ في أوقات مخصوصة كالفراغ من الوضوء ونحوه وفي الصلاة وعند إقامتها وعقبها وتأكد ذلك بعد الصبح والمغرب في التشهد والقنوت وعند القيام للتهجد وبعده والمرور بالمساجد ورؤيتها ودخولها والخروج منها وبعد إجابة المؤذن ويوم الجمعة وليلتها وخطبة الجمعة والعيدين والاستسقاء والكسوفين وفي أثناء تكبيرات العيد وعلى الجنازة وعند إدخال الميت في القبر وفي رجب وشعبان وعند رؤية الكعبة وفوق الصفا والمروة والفراغ من التلبية واستلام الحجر وفي الملتزم وعشية عرفة ومسجد الخيف وعند رؤية المدينة وزيارة قبره ووداعه ورؤية اثاره الشريفة ومواطئه ومواقفه مثل بدر وغيرها وعند الذبيحة وعقد البيع وكتابة الوصية والخطبة للتزويج وفي
стр. 8
طرفي النهار وعند أرادة النوم والسفر وركوب الدابة ولمن قل نومه وعند الخروج إلى السوق أو الدعوة ودخول المنزل وأفتتاح الرسائل وبعد البسلمة وعند الهم والكرب والشدائد والفقر والغرق والطاعون وفي أول الجعاء وأوسطه وآخره وعند طنين الأذن وخدر الرجل والعطاس والنسيان واستحسان الشيء ونهيق الحمير وأكل الفجل والتوبة من الذنب وما يعرض من الحوائج وفي الأحوال كلها ولمن أتهم هو بريء وعند لقاء الإخوان وتفرق القوم بعد اجتماعهم وختم القرآن ولحفظه وعند القيام من المجلس وكل موضع يجتمع فيه لذكر الله افتتاح كل كلام وعند ذكره ونشر العلم وقراءة الحديث والإفتاء والوعظ وكتابة اسمه وثواب كتابتها وما قيل فيمن أغفله وغير ذلك ﵌ وفي أثناء ذلك فوائد حسنة وتنبيهات مهمة.
وأما الخاتمة: ففي جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال وما شترط في ذلك وفيها أمور مهمة ثم اسود اسماء الكتب المصنفة في هذا الباب وأبين ما وقفت عليه منها ثم أذكر اسماء الكتب التي أنتفعت بها في هذا التأليف المرجو حصول النفع به في الدارين وقصدت بجعله خمسة أبواب رجاء أن يحفظني الله تعالى في الحواس الخمس وسميته (القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع) والله اسأل أن ينفع به كاتبه وجامعه وناظره وسامعه وأن يحفني فيه بالإخلاص باطناً وظاهراً ويكون لي في الشدائد والكروب عوناً وناصراً ويحشرني في الزمرة المحمدية، ويرزقني الفهم الصالح في الكتاب والسنة النبوية بمنه وكرمه، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً.
стр. 9
تعريف الصلاة لغة واصطلاحاً
المقدمة في تعريف الصلاة لغة واصطلاحاً وحكمها محلها والمقصود بها أما أصلها لغة فيرجع إلى معنيين احدهما الدعاء والتبرك فمنه: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ ، وقوله وصلاة السول وقوله، ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ ومنه الصلاة على الجنازة أي الجعاء للميت أنشدوا:
وقابلها الريح في دنها وصلى على دنها وارتم
قال أبو عمر النميري ومنه قول الأعشى:
لها حارس لا يبرح الجهر ينهها وإن ما دعت صلى عليها وزمزما
وسمي الدعاء صلاة لأن قصد الداعي جميع المقاصد الحسنة الجميلة والمواهب السنية الرفيعة أولاً وآخراً ظاهراً وباطناً دينا ودنيا بحسب إختلاف السائلين ففيه معنى الجمعية كما سيأتي والله أعلم.
والمعنى الثاني، العبادة، ومنه قوله ﵊ إذا دعى أحدكم إلى طام فإن كان صائماً فليصل وقد فير بالمعنى الأول أيضاً وهو الأكثر وقيل أن الصلاة في اللغة الدعاء وهو على نوعين دعاء عبادة ودعاء مسألة فالعابد داع كالسائل وبهما فير قوله تعالى أدعوني أستجب لكم فقيل أطيعوني أثبكم وقيل سلوني أعطكم وقوله ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ .
стр. 10
قال ابن القيم: والصواب أن الدعاء يعم النوعين قال وبهذا تزول الإشكالات الواردة على اسم الصلاة الشرعية هل هو منقول عن موضوعه في اللغة فيكون حقيقة شرعية لا مجازاً شرعياً فعلاً هذا تكون الصلاة باقية على مسماها في اللغة وهو الدعاء والدعاء دعاء عبادة ودعاء مسألة والمصلي من حين تكبيره إلى سلامه بين دعاء العبادة ودعاء المسألة فهة في صلاة حقيقة لا مجازاً ولا منقولة ولكن خص اسم الصلاة بهذه العبادة المخصوصة كسائر الألفاظ التي يخصها أهل اللغة والعرف ببعض مسماها كالدابة والرأس ونحوهما فهذا غاية تخصيص اللفظ وقصره على بعض موضوعه وهذا لا يوجب نقلاً ولا خروجاً عن موضوعه الأصلي انتهى.
ولما ذكر العلامة اللغوي مجد الدين اختلاف العلماء هل هي الدعاء أو مشتقة من الصلاة بالقصر وهي النار أو الملازمة أو الترحم أو التعظم أو غير ذلك مما ذكر عن الحليمي عقب ذلك بقوله ونحن بتأييد الله وتوفيقه لا نعرج على شيء مما ذكروه وعندنا فيها قول هو القول إن شاء الله تعالى.
وذلك أن مادة ص ل وو ل ي موضوعه لأصل واحد وملحوظ لمعنى مفرد وهو الضم والجمع وجميع تفاريعها راجعة إلى هذا المعنى وكذلك سائر تقاليبها كيف ما تصرفت وتقلبت كان مرجعها إلى هذا المعنى وبيان ذلك أن ص ل ومنها الصلاة وسط الظهر من الإنسان ةمن كل ذي أربع وقيل ما أنحدر من الوركين كل ذلك لما فيه من الإنضمام والإجتماع ومنه صلاة بالنار شواه لأنه ينضم ويجتمع اجزاؤه وصلا يده سخنها وادفاها لأنضمام الحرارة إليها وصلاه خاتله وخدعه لأنه ينضم ويجتمع لخدعه كإنضمام الصياد منه الصلاية لمدق الطيب يجمع فيه الطيب والمصلي من أفراس الحلبة يجمع مع السابق والصلاة كنايس اليهود لاجتماعهم فيها ومنها ص ول منه صال على قرنه صولا إذا سطا عليه ووثب إليه والمصولة المكنسة لأنه يجمع بها الكناسة والصيلة بالكسر عقدة في العدبة والمصول شيء يجمع فيه الحنظل وينقع لتذهب مرارته والتصويل كنس نواحي البيدر أي جمع مل تفرق منها.
الثالثة: ل وص تقول لا ص لوصا إذل لمح من خلل الباب كالمختفي وكذلك لا وص ملاوصة واللصوص واللواص والملوس الفالوذ لانعقاده وانجماعه
стр. 11
واللواص أيضاً العسل لذلك أو لاجتماعه في الخلية ولا ص حاد عن الطريق كأنه طلب الإختفاء والإجتماع وكذلك ل ي ص.
والرابعة: ل ص وو ل ص ي تقول لصاه يلصوه ولصا إليه إذا أنضم إليه لريبة وكذلك لصى يلصى كرمى يرمي ولصى يلصى كرضى يرضي.
والخامسة: وص ل وصله وصلا وصله لامه ووصل الشيء ووصل إلى الشيء وصولا ووصلا وصلة بلغه وأجتمع به وأنتهى إليه ومنه الوصيلة الناقة التي وصلت بين عشرة البطن والشاة التي ولدت سبعة أبطن عناقين عناقين فظهر بذلك معنى الضم والجمع في جميع مواد الكلمة فيميت الأفعال المشروعة المخصوصة صلاة لما فيها من اجتماع الجوارح الظاهرة والخواطر الباطنة وإزاحة المصلي عن نفيه جميع المفرقات والمكدرات وجمعه جميع المهمات المجتمعات للحاظر المسكنات أو لاشتمالها على جميع المقاصد والخيرات وكونها أصل العبادات وأم الطاعات انتهى.
وتستعمل الصلاة بمعنى الاستغفار أيضاً ومنه قوله ﷺ أني بعثت إلى أهل البقيع لأصلي عليهم إنه فير في الراوية الأخرى أمرت أن أستغفر لهم وتستعمل بمعنى البركة ومنه قوله ﷺ اللهم صل على آل أبي أوفى وتستعمل بمعنى القراءة ومنه قوله ﴿لَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ وبمعنى الرحمة والمغفرو وأما قول الأعشى:
تراوح من صلاة المليك فطورا سجودا وطورا جوارا
فالمراد به الصلاة الشرعية التي فيها الركوع والسجود والحوار هنا الرجوع إلى القيام والقعود إذا تقرر هذا فليعلم أن الصلاة يختلف حالها بحسب حال المصلي والمصلي له والمصلي عليه ففي البخاري عن أبي العاليه أن معنى صلاة الله على نبيه ثناؤه عليه عند ملائكته ومعنى صلاة الملائكة عليه الدعاء له وكذا روينا في أواخر الثامن من حديث الخرساني عن الربيع بن أنس في قوله أن الله ملائكته يصلون على النبي قال صلاة الله عليه ثنلؤه عند ملائكته وصلاة الملائكة عليه الجعاء له وقوله يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه أدعوا له وعند ابن أبي خاتم في تفييره عن
стр. 12
سعيد بن جبير مقاتل بن حيان هو الذي يصلي عليكم يغفر لكم ويأمر الملائكة أن يستغفروا لكم وعن ابن عباس أن معنى صلاة الملائكة الدعاؤ بالبركة وقد علق ذلك البخاري عنه فقال وقال ابن عباس يصلون يبركون وتقل الترمذي عن سفيان الثوري وغير واحد من أهل العلم قالوا صلاة الرب الرحمة وصلاة الملائكة الاستغفار وهو منقول عن ابي العالية والضحاك إلا أنهما قالا صلاة الملائكة الدعاء وقال الضحاك بن المزاحم أيضاً صلاة رحمته وفي رواية عنه مغفرته وصلاة الملائكة الدعاء أخرجهما إسماعيل القاضي من طريقه فكأنه يريد الدعاء بالمغفرة نحوها ورجع الشيخ شهاب الذين القرافي أن الصلاة من الله المغفرة وكذا فيرها الأرموي والبيضاوي وقال الإمام فخر الدين الرازي والأمدي أنها الرحمة.
وروى ابن أبي حاتم في تفييره أيضاً عن الحسن أن بني إسرائيل سألوا موسى هل يصلي ربك قال فكان لك كبر في صدر موسى فأوحى الله إليه أخبرهم أني أصلي وأن صلاتي وأن رحمتي سبقت غضبي وهو في معجمي الطبراني الأوسط والصغير عن عطاء بن أبي رياح عن أبي هريرة عنه رفعه قلت يا جبرائيل أيصلي ربك جل ذكره قال نعم قلت ما صلاته قال سبوح قدوس سبقت رحمتي غضبي وعنابن حاتم أيضاً من طريق عطاء المذكور في قوله تعالى أن الله ولا ملائكته يصلون على النبي قال صلاته ﵎ سبوح قدوس سبقت رحمني غضبي وقال المبرد الصلاة من الله الرحمة ومن الملائكة رقة تبعث على استدعاء الرحمة وتعقب بأن الله تعالى غاير بين الصلاة والرحمة في قوله تعالى أولئك عليهم صلات من ربهم ورحمة وكذلك فهم الصحابة المغايرة من قوله صلوا عليه وسلموا تسليماً حتى سألوا عن كيفية الصلاة مع ما تقدم من ذكر الرحمة في تعليم السلام حيث جاء بلفظ السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته وأقرهم النبي ﷺ فلو كانت الصلاة بمعنى الرحمة لقال لهم قد علمتم ذلك في السلام وقد قال ابن الإعرابي الصلاة من الله الرحمة ومن الآدميين وغيرهم من الملائكة والجن الركوع والسجود والدعاء والتسبيح ومن الطير والهوام التسبيح قال تعالى كل قد علم صلاته وتسبيحه وقال ابن عطية صلوات الله على عبيده عفوه ورحمته وبركته وتشريفه أياهم في الدنيا والآخرة وقال في قوله تعالى هو الذي يصلي عليكم
стр. 13
وملائكته صلاة الله على العبد هي رحمته له وبركته لديه ونشره الثناء الجميل عليه وصلاة الملائكة دعاؤهم وقال غيره صلاة الملائكة رقة ودعل وقال الراغب الصلاة في اللغة الدعاء والتبريك والتحميد ومن الله التزكية، ومن لملائكة الإستغفار ومن الناس الدعاء وقال الزمخشري لما كان من شأن المصلي أن يتعطف في ركوعه وسجوده أستعير لمن يتعطف على غيره حنوا عليه وترؤفا كعائد المريض في انعطافه عليه والمرأة في حنوها على ولدها ثم كثر حتى استعمل في الرحمة والترؤف ومنه قولهم صلى الله عليك أي ترحم وترأف حكاه المجد اللغوي وقال بعده فإن قلت هو الذي يصلي عليكم إن فيرته بترحم وترأف فما تصنع بقوله تعالى ملائكته قلت هي مثل قولهم اللهم صلي على المؤمنين جعلوا لكونهم مستجابي الدعوى كأنهم فاعلون للرحمة والرأفة وقال الماوردي هو اسم مشترك لمعان فمن الله في أظهر الوجوه الرحمة ومن الملائكة الاستغفار ومن المؤمنين الدعاء وقال إنما أكدها بالعطف مع اختلاف اللفظ لأنه أبلغ - انتهى.
وجوز الحليمي أن يكون الصلاة بمعنى السلام عليه فإن شيخنا وفيه نظر وحديث كعب وغيره يعني من الإحاديث الآتية يرد على ذلك وأولى الأقوال ما تقدم عن أبي العالية أن معنى صلاة الله تعالى على نبيه ثناؤه وتعظيمه وصلاة الملائكة وغيرهم طلب ذلك له من الله تعالى والمراد طلب الزيادة لا طلب أصل الصلاة وقيل صلاة الله على خلقه تكون عامة فصلاته على انبيائه هي ما تقدم من الثناء والتعظيم وصلاته على غيرهم الرحمة فهي التي وسعت كل شيء ونقل عياض عن بكر القشيري قال الصلاة على النبي من الله تشريف وزيادة تكرمه وعلى من دون النبي رحمة.
وبهذا التقرير يظهر الفرق بين النبي ﷺ وبين سائر المؤمنين حيث قال الله تعالى أنه الله وملائكته يصلون على النبي وقال قبل ذلك في السورة المذكورة هو الذي يصلي عليكم وملائكته ومن المعلوم أن القدر الذي يليق بالنبي ﷺ من ذلك أرفع مما يليق بغيره والإجماع منعقد على أن في هذه الآية من تعظيم النبي ﷺ والتنويه به ما ليس في غيرها - أنتهى.
стр. 14
وجعل الحليمي أن معنى صلاة الله تعالى على نبيه تعظيمه له فقال في شعب الإيمان له إما الصلاة في اللسان فهي التعظيم وقيل للصلاة المعهودة صلاة لما فيها من حني الصلاة وهو وسط لأن انحناء الصغير للكبير إذا رآه تعظيماً منه له في العادات ثم سموا قرائتها أيضاً صلاة إذ كان المراد من عامة ما في الصلاة من قيام وقعود وغيرهما تعظيم الرب ثم توسعوا فيموا كل دعاء صلاة إذا كان الدعاء تعظيماً للمدعو بالرغبة إليه والتبؤس له وتعظيماً للمدعو به بإبتغاء ما يبتغي له من فضل الله تعالى وجميل نظره وقيل الصلاة لله أي الأذكار التي يراد بها التعظيم المذكور والإعتراف له بحلالة القدر وعلو الرتبة وكلها لله تعالى أي هو مستحقها لا يليق بأحد سواه فإذا قلنا اللهم صل على محمد فإنما نريد اللهم عظم محمداً في الدنيا باعلاء ذكره وإظهار دينه وإبقاء شريعته وفي الآخرة بتشفيعه في أمته وإجزال أجره ومثوبته وإبداء فضله للأولين والأخرين بالمقام المحمود وتقديمه على كافة المقربين والشهود قال وهذه الأمور وإن كان الله تعالى قد أوجبها للنبي صلى الله عليه وسلك فإن كان شيء منها ذات درجات ومراتب فقد يجوز إذا صلى عليه واحد من أمته وأستجيب دعؤه فيه أن يزاد للنبي ﷺ بذلك الدعاء في كل شيء مما سميناه رتبة ودرجة ولهذا كانت الصلاة مما يقصد بها قضاء حقه ويتقرب بادائها إلى الله ويدل على أن قولنا اللهم صلي على محمد صلاة منا عليه لنا لا نملك إيصال ما يعظم به أمره ويعلو به قدره إليه إنما ذلك بيد الله تعالى فصح أن صلاتنا عليه الدعاء بذلك وابتغاؤه من الله جل ثناؤه قال وقد يكون للصلاة على رسول الله ﷺ وجه آخر وهو أن يقال الصلاة على رسول الله ﷺ كما يقال السلام على رسول الله والسلام على فلان وقد قال الله ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ ومعناه لتكن أو كانت الصلاة على رسول الله ﷺ كما يقال صلى الله عليه أي كانت من الله عليه الصلاة أو لتكن الصلاة من الله عليه ووجه هذا أن التمني على الله سؤال ألا ترى أنه يقال غفر الله لك ورحمك فيقوم ذلك مقام اللهم أغفر له اللهم أرحمه والله أعلم - انتهى.
كلام الحليمي: وقوله أن معنى الصلاة عليه التعظيم قال شيخنا لا يعكر
стр. 15
عليه عطف آله وأزواجه وذريته عليه فإنه لا يمتنع أن يدعي لهم بالتعظيم إذ تعظيم كل أحد بحسب ما يليق به وما تقدم عن أبي العالية أظهر فإنه يحصل به استعمال لفظ الصلاة بالنسبة إلى الله تعالى وإلى ملائكته وإلى المؤمنين المأمورين بذلك بمعنى واحد ويؤيده أنه لا خلاف في جواز الترحم على غير الأنبياء وأختلف في جواز الصلاة على غير الأنبياء ولو كان معنى قولنا اللهم صل على محمد اللهم أرحم محمداً أو ترحم على محمد لجاز لغير الأنبياء وكذا بمعنى التزكية وكذا الرحمة لسقط الوجوب في التشهد عند من يوجبه بقول المصلي في التشهد السلام عليك إيها النبي ورحمة الله وبركاته ويمكن الإنفصال بأن ذلك وقع بطريق القصد فلا بد من الإتيان به ولو سبق الإتيان بما يدل عليه.
فائدة: روينا في فضل الصلاة على النبي ﷺ لإسماعيل القاضي عن محمد بن سيرين أنه كان يدعو للصغير كما يدعو للكبير فقيل له أن هذا ليس له ذنب فقال النبي ﷺ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وقد أمرت أن أصلي عليه قلت والحكمة في الثاني تؤخذ مما قدمناه قريباً وكذا مما سأتي في المقدمة أيضاً في قبيل الكلام على تفيير الآية وقد قال الفاكهاني أن لصلاة عليه عبادة لنا وزيادة حسنات في أعمالنا قال وفيه نكتة أخرى بديعة هي أنه أحب الخلق إلى الله ونحن إنما نذكره بأذكار الله لنا فهو الذاكر في الحقيقة ومن أحب شيئاً أكثر من ذكره انتهى. أو نقول ونحن نصلي عليه صلى الله علينا فيستلزم إكثار صلاته علينا ومن أحب شيئاً أكثر من ذكره قاله شيخنا.
(فائدة في طلب المغفرة للصغير)
وأما الحكمة في طلب المغفرة للصغير مع أنه لا يلحقه اثم فهي كما قال شيخنا ﵀ إذا سئل عن قولهم في دعاء الجنازة اللهم أغفر لصغيرنا وكبيرنا يحتمل أوجهها أحدها أن يكون المراد بطلبها له تعليقها ببلوغه إذا بلغ وفعل ما يحتاج إليها. ثانيها أن يكون طالبها له ينصرف إلى والديه أو إلى أحدهما أو إلى من رباه. ثالثها أنه ينصرف إليه برفع منزلته مثلاً كما في البالغ الذي لا ذنب له إذا فرض كمن مات بعد بلوغه بقليل أو بعد إسلامه الخالص بقليل. رابعها أنه يتخرج على
стр. 16
أحد أقوال العلماء في الأطفال والمراهقين وكذا من بلغ العشر من السنين فإن كل ذلك محتمل لأن المسألة إجتهادية فيحسن الجعاء لهم بإعتبار ذلك والله أعلم.
(حكم الصلاة)
وأما حكمها: فقد قال شيخنا ﵀ أن حاصل ما وقف عليه من كلام العلماء فيه عشرة مذاهب أولها: قول ابن جرير الطبري وغيره كم لامستحبات وأدعى الطبري الإجماع على ذلك وأعترض عليه في ذلك وومن لمح بالإعتراض عليه أبو اليمين بن عساكر حيث قال: وحمل بعضهم ما ورد من الأمر بذلك في الآية على الندب لا على الوجوب ولا يسلم لهذا القائل قوله ولا يسلم من الإعتراض عليه فيه فإنه أدعى على ذلك الإجماع وهو محل النزاع انتهى.
وقد أول بعض العلماء هذا القول بما زاد على المرة الواحدة وهو متعين والله أعلم.
ثانيها: إنها واجبة في الجملة بغير حصر لكن أقل ما يحصل به الأجزاء مرة وأدعى بعض المالكية الإجماع عليه وعبارة ابن القصار منهم المشهور عن أصحابنا إن ذلك واجب في الجملة على الإنسان وفرض عليه أن يأتي بها مرة من دهره مع القدرة على ذلك ذكر الفاكهاني عقب هذا ما لخصه يحتمل أن يكون أحترز بقوله المشهور عن قول الطبري يعني الماضي ويحتمل أن لا مفهوم لذلك وإنما أراد أشتهر من قول الأصحاب لا إن ثم مخالفاً، وقال القاضي أبو محمد بن نصر الصلاة على النبي ﷺ واجبة في الجملة وقال ابن عبد البر أجمع العلماء أن الصلاة على النبي ﷺ فرض على كل مؤمن لقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ، ثالثها تجب مرة في العمر في صلاة أو في غيرها وهي مثل كلمة التوحيد وهو محكي عن أبي خليفة وصرح به من المقلدين أبو بكر الرازي ونقل أيضاً عن مالك والثوري والأوزاعي أعني وجوبها في العمر مرة واحدة لأن الأمر مطلق لا يقتضي تكراراً والماهية تحصل بمرة قال عياض وابن عبد البر وهو قول جمهور الأمة انتهى.
стр. 17
وممن قال به ابن حزم أيضاً وقال القرطبي المفير لا خلاف في وجوبها في العمر مرة وأنها واجبة في كل حين وجوب السنن الموكدة وسبقه ابن عطية فقال الصلاة على النبي ﷺ في كل حال واجبة وجوب السنن الموكدة التي لا يسع تركها ولا يغفلها إلا من لا خير فيه.
رابعها: تجب في العقود آخر الصلاة بين قول التشهد وسلام التحليل وإليه ذهب الشافعي ومن تبعه وتعقب من أحتج بوجوبها في هذا المحل من الشافعية كأبن خزيمة والبيهقي بحديث ابن مسعود الأتي حيث قال فيه في بعض طرقه إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا بأنه لا دلالة فيه على ذلك بل إنما يفيد إيجاب الإتيان بهذه الألفاظ على من صلى على النبي ﷺ في التشهد وعلى تقدير أنه يدل على إيجاب أصل الصلاة فلا يدل على هذا المحل المخصوص ولكن قرر البيهقي ذلك بأن الآية لما نزلت وكان النبي ﵌ قد علمهم كيفية السلام عليه في التشهد والتشهد داخل الصلاة فيألوا عن كيفية الصلاة فعلمهم فدل على أن المراد بذلك إيقاع الصلاة عليه في التشهد بعد الفراغ من التشهد الذي تقدم تعليمه لهم - وأما إحتمال أن يكون ذلك خارج الصلاة فهو بعيد كما قال عياض وغيره لكن قال إبن دقيق العيد ليس فيه تنصيص على أن الأمر به مخصوص بالصلاة وقال قد كثر الاستدلال به على وجوب الصلاة عليه في الصلاة.
وقرر بعضهم الاستدلال بأن الصلاة عليه واجبة بالإجماع وليست عليه خارج الصلاة واجبة بالإجماع فتعين أن تجب في الصلاة.
قال وهذا ضعيف لأن قوله لا تجب في غير الصلاة بالإجماع إن أراد به عيناً فهو صحيح لكن لا يفيد المطلوب لأنه يفيد أنه تجب في أحد الموضوعين لا بعينه.
وزعم القرافي في الذخيرة أن الشافعي هو المستدل بذلك ورد بنحو ما ورد به إبن ديقي العيد.
قال شيخنا: ولم يصب في نسبة ذلك الشافعي والذي قاله الشافعي في الأم: فرض الله الصلاة على رسول الله ﷺ بقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ
стр. 18
وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ، فلم يكن فرض الصلاة عليه في موضع أولي منه في الصلاة ووجدنا الجلالة على النبي ﷺ بذلك ثم ساق حديث أبي هريرة وكعب الآتي ذكرهما ثم قال الشافعي فلما روي أن النبي ﷺ كان يعلمهم التشهد في الصلاة وروي عنه أنه علمهم كيف يصلون عليه في الصلاة لم يجز أن تقول التشهد في الصلاة واجب والصلاة عليه فيه غير واجبة.
وقد تعقب بعذ المخالفين هذا الاستدلال من أوجه أحدها ضعف شيخ الشافعي في حديث أبي هريرة المشار إليه الثاني تقدير صحته فقوله فيه يعني في الصلاة لم يصرح بالقائل يعني الثالث قوله في حديث كعب الآتي أنه كان يقول في الصلاة وإن كان ظاهرة أن المراد الصلاة المكتوبة لكنه يحتمل أن يكون المراد بقوله في الصلاة أي صفة الصلاة عليه هو إحتمال قوي لأن أكثر الطرق عن كعب يدل على أن السؤال وقع من صفة الصلاة لا عن محلها.
الرابع أنه ليس في الحديث ما يدل على تعيين ذلك في التشهد خصوصاً بينه وبين السلام من الصلاة وقد اطنب قوم في نسبة الشافعي في ذلك إلى الشذوذ منهم أبو جعفر الطبري وعبارته أجمع جميع المتقدمين والمتأخرين من علماء الأمة على أن الصلاة عليه غير واجبة في التشهد ولا سلف للشافعي في هذا القول ولا سنة يتبعها وكذا قال أبو الطحاوي وأبو بكر بن المنذر والخطابي وأورد عياض في الشفاء مقالاتهم وقال شارح العمدة من كتب الحنفية قيل لم يقله أحد قبله وذكر ابن بطال في شرحه على البخاري أن كل من روى التشهد من الصحابة لم يذكر الصلاة على النبي ﵌ وعلم أبو بكر وعمر التشهد على المنبر كذلك بحضرة المهاجرين والأنصار من غير نكير فمن أوجب ذلك فقد رد الآثار وما مضى عليه السلف وأجمع عليه الخلف وروته الأمة عن نبيها ﷺ انتهى وكل ذلك ليس بحيد فقد قال شيخ شيوخنا الحافظ أبو الفضل العراقي قد سمعت غير واحد من مشائخنا ينكرون على القاضي عياض إنكاره على الشافعي ونسبته إلى الشذوذ بذلك في كتاب موضوعه ضرف المصطفى مع كونه يحكي في الشفاء الخلاف في طهارة بوله ودمه واستحسن ذلك منه لزيادة شرفه بذلك فكيف ينكر
стр. 19
قوله بوجوب الصلاة عليه وهو زيادة شرف له انتهى على أنه قد أنتصر جماعة للشافعي فذكروا أدلة نقلية ونظرية ودفعوا دعوى الذوذ فنقلوا القول بالوجوب عن جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من فقهاء الأمصار ﵃.
فأما المحكي عن الصحابة والتابعين فأصح ما ورد في ذلك عنهم ما سيأتي في الباب الأخير عن ابن مسعود موقوفاً فإن ابن مسعود ذكر أن النبي ﷺ علمهم التشهد في الصلاة وأنه قال ثم ليتخير من الجعاء فلما أثبت عن ابن مسعود الأمر بالصلاة عليه قبل الدعاء دل على أنه أطلع على زيادة ذلك بين التشهد والدعاء وأندفعت حجة من تمسك بحديث ابن مسعود في دفع ما ذهب إليه الشافعي مثل ما ذكر عياض حيث قال وهذا تشهد ابن مسعود الذي علمه له النبي ﷺ ليس فيه ذكر الصلاة عليه وكذا قال الخطابي أن في آخر حديث ابن مسعود إذا قلت هذا فقد قصيت صلاتك لكن رد عليه بأن هذه الزيادة مدرجة وعلى تقدير ثبوتها فيحمل على أن مشروعية الصلاة عليه وردت بعد تعليم التشهيد ويتقوى ذلك بحديث عمر فيه أن الدعاء موقوف حتى يصلي على النبي ﷺ ويقول ابن عمر لا تكون صلاة إلا بالصلاة على النبي ﷺ ويقول الشعبي كما سأذكر جميع ذلك في الباب الأخير إن شاء الله تعالى وذكر الماوردي عن محمد بن كعب القرظي وهو من التابعين كقول الشافعي رحمة الله عليه بل قال شيخنا ﵀ ما نصبه لم ارو عن أحد من الصحابة والتابعين التصريح بعدم وجوب إلا ما نقل عن إبراهيم النخعي مع أنه يشعر بأن غيره كان قائلاً بالوجوب فأنه عبر بالأجزاء ما سيأتي والله أعلم، أما فقهاء الأمصار فلم يتفقوا على مخالفة الشافعي رحمه الله تعالى في ذلك بل جاء عن أحمد روايتان والظاهر أن رواية الوجوب هي الأخيرة فإن أبا زرعة الجمشقي نقل في مسائله عنه قال كنت أتهيب ذلك ثم تبينت فإذا الصلاة على النبي ﷺ واجبة انتهى.
قال صاحب المعني فظاهر هذا أنه رجع عن قوله الأول إلى هذا وعن
стр. 20
إسحاق بن راهوية الجزم به في العمد فقال إذا تركها عمداً بطلت صلاته أو سهواً رجوت أن يجزيه وهي آخر الروايتين عنه كما أشرا إليه حرب في مسائله والخوف أيضاً عند المالكية ذكرها ابن الحاجب في سنن الصلاة ثم قال على الصحيح فقال شارحة ابن عبد السلام يريد أن في وجوبها قولين وهو ظاهر كلام ابن المواز منهم بفرضيتها يريد أنها ليست من فرائض الصلاة وقد حكى ابن القصار والقاضي عبد الوهاب أن ابن المواز يراها فريضة في الصلاة كقول الشافعي ﵁ وحكى أبو يعلي العبدي المالكي عن مذهبهم ثلاثة أقوال الوجوب والسنة والندب والزم العراقي في شرح الترمذي له من قال من الحنفية بوجوب الصلاة عليه كما ذكر كالطحاوي ونقل السروجي في شرح الهدايا تصحيحه عن اصحاب المحيط والتحفة والمفيد والغنية من كتبهم أن يقولوا بوجوبها في التشهد لتقدم ذكره في أخر التشهد قال شيخنا: ولهم أن يلتزموا ذلك لكن لا يجعلونه شرطاً في صحة الصلاة، وروى الطحاوي أن حرملة أنفرد عن الشافعي بإيجاب ذلك وأنتصروا له وناصروا علبه انتهى وقد نقل ابن عبد البرفي الاستذكار عن حرملة أنه حكى عن الشافعي أن محلها في التشهد الأخير وأنه صلى قبل ذلك لم يجزه قال ولا يكاد يوجد هذا القول عن الشافعي إلا من رواية حرملة وغير حرملة إنما يروى عنه أن الصلاة على النبي ﵌ فرض في كل الصلاة وموضعوها التشهد الأخير قبل التسليم ولم يذكروا إعادة في من وضعها قبل التشهد الأخير إلا أن أصحابه قد تقلدوا رواية حرملة ومالوا إليها وناظروا عليها قلت: واستدل ابن خزيمة ومن تبعه كالبيهقي للوجوب بحديث فضالة الآتي في الباب الأخير وطعن ابن عبد البرفي الاستدلال به للوجوب فقال لو كان كذلك لأمر المصلي بالإعادة كما أمر المسيء صلاته وكذا أشار إليه أبن حزم وأجيب بإحتمال أن يكون الوجوب وقع عند فراغه ويكفي التمسك بالأمر في دعوى الوجوب وقال جماعة منهم الجرجاني من الحنفية لو كان فرضاً للزم تأخير البيان عن وقت الحاجة لأنه علمهم التشهد وقال فليتخير من الدعاء ما شاء ولم يذكر الصلاة عليه واجيب بإحتمال إلا تكون فرضت جينئذ وقال العراقي أيضاً قد ورد هذا في الصحيح بلفظ ثم ليتخير وثم للتراخي فدل على أنه كان هناك شيء بين التشهد والدعاء وأن الدعاء لا
стр. 21
يعقب التشهد بل أمره بما يعجب المصلي من الجعاء مقتض لتقديم الصلاة على النبي ﷺ كما ثبت ذلك في حديث فضاله المشار إليه.
واستدل بعضهم بما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رفعه إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير فليستعذ بالله من أربع الحديث وعلى هذا عول من جزم بإيجاب هذه الإستعادة في التشهد وتكون الصلاة على النبي ﵌ مستحبة عقب التشهد لا واجبة وفيه ما فيه وأنتصر ابن القيم ﵀ للشاعي فقال أجمعوا على مشروعية الصلاة عليه في التشهد وإنما أختلفوا في الوجوب والاستحباب وفي تمسك من لم يوجيه بعمل السلف الصالح نظراً لأن عملهم كان بوفاقه إلا أن كان يريد بالعمل الاعتقاد فيحتاج إلى نقل صريح عنهم بأن ذلك ليس بواجب قال وإني يوجد ذلك قال وإما قول عياض أن الناس شنعوا على الشافعي فلا معنى له فأي شناعة في ذلك لأنه لم يخالف نصاً ولا إجماعاً ولا قياساً ولا مصلحة راجحة بل القول بذلك من محاسن مذهبه ولله در القائل:
إذا محاسني اللاتي أدل بها كانت ذنوباً فقل لي كيف اعتذر
وأما نقله الإجماع فقد تقدم رده وإما دعواه أن الشافعي أختار تشهد ابن مسعود فيدل على عدم معرفته باختيارات الشافعي فإنه اختار تشهد ابن عباس وأما ما أحتج به جماعة من الشافعية من الأحاديث المرفوعة المصرحة في ذلك فإنها ضعيفة كحديث سهل بن سعد وعايشة وأبي مسعود وبريدة وغيرهم وقد استوعبها البيهقي في الخلافيات ولا بأس بذكرها للتقوية لا إنها تنهض بالحجة انتهى والأحاديث المشار إليها سيأتي في محلها إن شاء الله تعالى تنبيه ما قدمناه من وجوبها في التشهد الأخير هو المشور وقد أغرب الجرجاني في الشافي والتحريز فحكي قولين للشافعي في وجوبها وقال بعدم الوجوب ابن المنذر أيضاً وهو معدود من الشافعية وقال أبو اليمن بن عساكر أدعى أحد أئمة العصر ولم أسمع ذلك منه من منتحلي مذهب الإمام إذ ليس على وجوب الصلاة على رسول الله ﷺ في تشهد الصلاة دلالة وإشاعته شيعته ونقلته عنه قال هذه المقالة ودعواه يخدش وجه تقليده لأمامه وبعث في عضد اقتدائه به وإيتامه كيف وقد أورده الإمام في مسنده سنداً وأورده باسناده طرف حديثه المصرح به مما رواه أبو حاتم في صحيحه وأبو
стр. 22
الحسن الدارقطني في سننه وحكم فيه بصحته مما أزداد به دليله في ذلك تأبداً وتأكداً وتكثير الآدلة في المستند من الحديث الأول ونقله ليس من عمل الراسخين في العلم بل السبيل إلى معرفة صحة ذلك أن تجمع طرق الحديث والله أعلم خامسها يجب في التشهد وهو قول الشعبي وإسحق بن راهوية: سادسها تجب في الصلاة من غير تعيين المحل نقل ذلك عن أبي جعفر الباقر سابعها: يجب الإكثار منها من غير تقييد بعدد قاله أبو بكر بن بكير من المالكية وعبارته أفترض الله تعالى على خلقه أن يصلوت على نبيه ويسلموا ولم يجعل ذلك لوقت معلوم فالواجب أن يكثر المرء منها ولا يغفل عنها انتهى.
قلت: وعن بعض الملكية قال الصلاة على النبي ﷺ فرض إسلامي جملي غير مقيد بعدد ولا وقت معين والله أعلم ثامنها كلما ذكر قاله الطحاوي وجماعة من الحنفية والحليمي والشيخ أبو حامد الاسفرائيني وجماعة من الشافعية وقال ابن العربي من المالكية أنه الأحوط قلت وعبارة الطحاوي يجب كلما سمع ذكر النبي ﷺ من غيره أو ذكره بنفيه انتهى.
وجعل الحليمي في شعب الإيمان له تعظيم النبي ﵁ من شعب الإيمان وقرر أن التعظيم منزلة فوق المحبة ثم قال فحق علينا أن نحبه ونبجله ونعظمه أكثر وأوفر من إجلال كل عبد سيده وكل ولد والده قال وبمثل هذا نطق الكتاب ووردت أوامر الله تعالى ثم ذكر الآيات والأحاديث وما كان من فعل الصحابة معه الدال على كما تعظيمه وتبجيله في كل حال وبكل وجه ثم قال هذا من الذين رزقوا مشاهدته وإما اليوم فمن تعظيمه الصلاة والسلام عليه كلما جرى ذكره قال الله تعالى إن الله وملائكته يصلون على النبي الآية فأمر عباده بها بعد أخبارهم أن ملائكته يصلون على نبيهم بأن الملائكة مع إنفكاكهم عن التقيد بشريعته يتقربون إلى الله تعالى بالصلاة والتسليم عليه فنحن أولى وأحق وأحرى وأخلق قلت وما قاله من إنفكاك الملائكة عن التقيد بشريعته قد أقره البيهقي وليس بمتفق عليه نعم نقل الإمام فخر الدين الرازي في أسرار التنزيل له الإجماع على أنه ﷺ لم يكن مرسلاً إلى الملائكة وكذا قاله النسفي لكن نوزعا في هذا النقل بل رجح الشيخ السبكي أنه كان مرسلاً إليهم وأحتج بأشياء ليس هذا
стр. 23
محلها والله أعلم ومما يستدل به لهذا المذهب أعني وجوب الصلاة على النبي ﷺ كلمات ذكر الآية الكريمة فإن الأمر للوجوب ويحمل على التكرار أبداً بناء على أن الأمر يدل عليه وقد أنشد الشهاب بن أبي حجلة من قصيدة له:
صلوا عليه كلما صليتم لتروا به يوم النجاة نجاح
صلوا عليه كل ليلة جمعة صلوا عليه عشية وصباحا
صلوا عليه كلما ذكر اسمه في كل حين غدوة ورواحا
فعلى الصحيح صلاتكم فرض إذا ذكر اسمهوسمعتموه صراحا
صلى عليه الله ما شب الدجى وبدا مشيب الصبح فيه ولاحا
انتهى:
ولما ذكر الفاكهاني حديث البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي قال هذا يقوي قول من قال بوجوب الصلاة عليه كلما ذكر وهو الذي أميل إليه قلت ونقل ابن بشكوال عن محمد بن فرح الفقيهة أنه كان ينشد بين حسان:
هجوت محمداً واجبت عنه وعند الله في ذاك الجزاء
ويزيد فيه ﷺ فيقال له ليس يتزن هكذا فيقول أنا لا أترك الصلاة على النبي ﷺ ثم عقبة بن بشكوال بقوله:
﵀ لقد كان يعجبني ما كان يفعله نفع الله بنيته في ذلك انتهى.
وقد اختلف القائلون بالوجوب كلما ذكر هل هو على العين فتجب على كل فرد فرداً والكفاية فإذا فعل ذلك البعض سقط عن الباقين فالأكثرون قالوا بالأول ومن القائلين بالثاني أبو الليث السمرقندي من الحنفية في مقدمته المعروفة قال شيخنا وقد تمسك القائلون بالوجوب كلما ذكر من حيث النقل بأن الأحاديث يعني الآتية التي فيها الدعاء بالرغم والإبعاد والشقا والوصف بالبخل والجفا وغير ذلك مما يقتضي الوعيد فإن الوعيد على الترك من علامات الوجوب ومن حيث المعنى بأن فائدة الأمر بالصلاة عليه مكأفاته على إحسانه وإحسانه مستمر فيتأكد إذا ذكر وتمسكوا أيضاً بقوله: لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً فلو
стр. 24
كان إذا ذكر لا يصلي عليه لكان كآحاد الناس ويتأكد ذلك إذا كان المعنى بقوله دعاء الرسول كدعاء المتعلق بالرسول قال الحليميإذا قلنا بوجوب الصلوة كلما ذكر فإن أتحد المجلس وكان مجلس علم ورواية سنن أحتمل أن يقال الغافل عن الصلاة عليه كلما جرى ذكره إذا ختم المجلس بها اجزاه لأن المجلس إذا كلن معقوداً لذكره كان كله حالة واحدة كاذلكر المتكرر وإن لم يكن المجلس كذلك فإني أرى كلما ذكر أن يصلي عليه ولا أرخص في تأخير ذلك إذ ليس ذكره بأقل من حق العاطس قال ومن ترك الصلوة عليه عند ذكره ثم صلى عليه في المستقبل بعد التوبة والإستغفار رجونا أن يكفر عنه ولا يطلق عليه اسم القضاء والله أعلم واجاب من لم يوجب ذلك بأجوبة منها أنه قول لا يعرف عن أحد من الصحابة ولا التابعين فهو قول مخترع ولو كان على عمومه للزم المؤذن إذا اذن سامعه وللزم القارئ إذا مر ذكره في القرآن وللزم الداخل في الإسلام إذا تلفظ بالشهادتين ولكان في ذلك من المشقة والحرج ما جاءت الشريعة السمحة بخلافه ولكان الثناء على الله كلما ذكر أحق بالوجوب ولم يقولوا به قلت وفي هذا الأخير نظر فقد صرح بوجوبه أيضاً منهم جماعة وفي بعض شروح الهداية أنه لو تكرر اسم الله في مجلس واحد يكفيه ثناء واحد وفي مجلسين يجب لكل مجلس وكذا لو تكرر ذكره ﷺ في مجلس كفاه أيضاً مرة على الصحيح لكن من المجتبي تكرر الوجوب وفرق بينه وبين تكرار ذكر الله حيث يكفي ثناء واحد بأنه مأمور بالصلاة غير مأمور بالثناء وكذلك لو تركه لا يبقى دينا عليه بخلاف الصلاة كذا قيل قال والفرق الصحيح أن يقال أن كل وقت وقت لأداء الثناء لأنه لا يخلو عن تجدد نعم الله تعالى الموجبة للثناء فلا يكون وقتاً للقضاء كقضاء الفاتحة في الآخريين بخلاف الصلاة قلت وهذا الفرق ليس بظاهر ما صرح به بعض شراح الهداية من محققي شيوخنا وفي الجامع الكبير من كتبهم لفخر الإسلام تكراراً اسمه واجب لحفظ السنة إذ به قوام الدين والشرائع وفي إيجاب الصلوة في كل ذلك حرج فوجب وضعه ولأنه لو وجب عند ذكره لا تجد فراغاً عن الصلوة عليه مدة العمر إذا الصلاة عليه لم تخل عن ذكره وأجيب عن هذا بأنه إذا أتحد المجلس يجب التداخل كما في سجدة التلاوة إلا أنه يستحب والحالة هذه تكراراً الصلاة دون السجود انتهى ونسب إلى المتقدمين منهم القول بالوجوب مع عدم التداخل وفرقوا بينها وبين السجود بأن السجدة حق الله
стр. 25
فياغ فيها التداخل بخلاف الصلوة فإنها حق العبد فلم يسغ فيها التداخل لأن العبد وإن عظمت منزلته لا يوازي حقه حق الله تعالى في وضع الحرج لحاجته وغنى الله تعالى ويحتاج إلى تأمل وقد أطلق القدوري وغيره من الحنفية أن القول بوجوب الصلوة عليه كلما ذكر مخالف للإجماع المنعقد قبل قائله لأنه لا يحفظ عن أحد من الصحابة أنه خاطب النبي ﷺ فقال يا رسول الله صلى الله عليك ولأنه لو كان كذلك لم يتفرغ السامع لعبادة أخرى وأجابوا عن الأحاديث بأنها خرجت مخرج المبالغة في تأكيد ذلك وطلبه وفي حق من أعتاد ترك الصلوة ديدناً وفي الجملة لا دلالة على وجوب تكرر ذلك بنكرر ذكره ﵌ في المجلس الواحد وأحتج الطبري بعدم الوجوب أصلاً مع ورود صيغة الأمر بذلك بالإتفاق من جميع المتقدمين والمتأخرين من علماء الأمة على أن ذلك غير لازم فرضاً حتى يكون تاركه عاصياً قال فدل ذلك على أن الأمر فيه للندب ويحصل الإمتثال لمن قاله ولو كان خارج الصلاة وما أدعاه من الإجماع معارض بدعوى غيره الإجماع على مشروعية ذلك في الصلاة إما بطريق الوجوب وإما بطريق الندب ولا يعرف عن السلف لذلك مخالف إلا ما أخرجه ابن أبي سيبة والطبري عن إبراهيم النخعي أنه كان يرى إن قول المصلي في التشهد السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته يجزي عن الصلاة ومع هذا لم يخالف في أصل المشروعية وإنما أدعى أجزاء السلام عن الصلاة والله أعلم تاسعها في كل مجلس مرة ولو تكرر ذكره مراراً حكاه الزمخشري وعن الأوزاعي في الكتاب يكون فيه ذكر النبي ﷺ مراراً قال إن صليت عليه مرة واحدة أجزاك قلت وحكى الترمذي عن بعض أهل العلم قال إذا صلى الرجل على النبي ﷺ مرة أجزا عنه ما كان في ذلك المجلس ﷺ انتهى.
وقد تقدم قريباً ما يأتي ههنا والله الموفق عاشرها في كل دعاء أيضاً قلت وقد أختلف في وجوب الصلاة عليه أيضاً في مواطن ويتأكد في أخرى كما سأذكر جميع ذلك مبيناً في الباب الأخير إن شاء الله تعالى.
(الصلاة على النبي تجب بالنذر)
ومما يستفاد ههنا شيئان أحدهما أن الصلاة على النبي ﷺ تجب بالنذر لأنها من أعظم القربات وأفضل
стр. 26
العبادات وأجل الطاعات لقوله ﷺ من نذر أن يطيع الله فليطعه الثاني لو خاطب النبي ﵌ في عصره مصلياً لزمه الجواب بالنطق في الحال لكن قال بعض المالكية يحتمل أن يجيبه بقطع النافلة أو يجيبه بالصلاة عليه أو بلفظ القرآن وكل ذلك خلاف الظاهر والله الموفق.
(محل الصلاة)
وأما محلها فيؤخذ مما أوردناه من بيان الآراء في حكمها وكذا من الباب الأخير.
(المقصود بالصلاة)
وأما المقصود بها فقال الحليمي المقصود بالصلاة على النبي ﷺ التقرب إلى الله تعالى بإمتثال أمره وقضاء حق النبي ﷺ وتبعه ابن عبد السلام فقال ليست صلاتنا على النبي ﷺ شفاعة منا له فإن مثلنا لا يشفع لمثله ولكن الله أمرنا بالمكافأة لمن أحسن إلينا وأنعم علينا فإن عجزنا عنها كافيناه بالجعاء فارشدنا الله لما علم عجزنا لمن أحسن إلينا وأنعم علينا فإن عجزنا عنها كافيناه بالدعاء فارشدنا الله لما علم عجزنا عن مكافأة نبينا إلى الصلاة عليه لتكون صلاتنا عليه مكافأة بإحسانه إلينا وأفضاله علينا إذ لا إحسان أفضل من إحسانه ﷺ وقال أبو محمد المرجاني صلاتك عليه في الحقيقة لما كان نفعها عائداً عليك صرت في الحقيقة داعياً لنفيك وقال ابن العربي فائدة الصلاة عليه ترجع إلى الذي يصلي عليه لدلالة ذلك على نصوح العقيدة وخلوص النية وإظهار المحبة والمداومة على الطاعة والإحترام للواسطة الكريمة انتهى.
وقال غيره من أعظم شعب الإيمان الصلاة على النبي ﷺ محبة له لحقه وتوفيراً له وتعظيماً والمواظبة عليها من باب شكره ﷺ وشكره واجب لما عظم منه من الإنعام فإنه سبب نجاتنا من الجحيم، ودخولنا في دار النعيم، وإدراكنا الفوز بأيسر الأسباب ونيلنا السعادة من كل
стр. 27
الأبواب ووصولنا إلى المراتب السنية والمناقب العلية بلا حجاب، ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ .
(إفراد الصلاة عن التسليم لا يكره وكذا العكس)
تنبيه: استدل بحديث كعب وغيره مما سيأتي على أن أفراد الصلاة عن التسليم لا يكره وكذا العكس لأن تعليم السلام تقدم قبل تعليم الصلاة فأفرد التسليم مدة في التشهد قبل الصلاة عليه وقد صرح النووي ﵀ في الأذكار وغيره بالكراهة وأستدل بورود الأمر بهما معاً في الآية قال شيخنا وفيه نظر نعم يكره أن يفرد الصلاة ولا يسلم أصلاً أما لو صلى في وقت وسلم في وقت آخر فإنه يكون ممتثلاً انتهى. وقد كان عبد الرحمن بن مهدي يستحب أن يقول ﷺ ولا يقول ﵇ لأنه ﵇ تحية تحية المولى رواه ابن بشكوال وغيره والله الموفق.
نبذة يسيرة من فوائد قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ هذه الآية مدنية والمقصود منها أن الله تعالى أخبر عباده بمنزلة نبيه ﷺ عنجه في الملأ الأعلى بأنه يثنى عليه عند الملائكة المقربين وأن الملائكة يصلون عليه ثم أمر أهل العالم السفلي بالصلاة عليه والتسليم ليجتمع عليه من اهلي العالمين العلوي والسفلي جميعاً.
حللت بهذا حلة بعد حلة بهذا فطاب الواديان كلاهما
وفي الكشاف روى أنه لما نزل قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ قال أبو بكر ما خصك الله يا رسول الله بشرف إلا وقد أشركنا فيه فنزلت ولم أقف على أصله حتى الآن والآية بصيغة المضارعة الدالة على الدوام والإستمرار لتدل على أنه وجيع ملائكته يصلون على نبينا ﷺ دائماً أبداً وغاية مطلوب الأولين والأخرين صلاة واحدة من الله تعالى واني لهم بذلك بل لو قيل للعاقل إيما أحب إليك أن تكون أعمال جميع الخلائق في صحيفتك أو صلاة
стр. 28
من الله تعالى عليك لما أختار غير الصلاة من الله تعالى فما ظنك بمن يصلي عليه ربنا سبحانه وجميع ملائكته على الدوام والإستمرار فكيف يحسن بالؤمن أن لا يكثر من الصلاة عليه أو بغفل عن ذلك قاله الفاكهاني ولعله نظر في أول كلامه إلى أن ذلك سيق مساق الإمتنان أو إلى أن الجملة ذات الوجهين كما تدل بخبرها على التجدد والحدوث تدل بمبتدأها على الاستقرار والثبوت ... فحينئذ الجمع بينهما يدل على ما ذكر وقد ذكر أهل المعاني أن الحكمة في العدول عن مستهزئ في قوله تعالى ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ قصد استمرار اإستهزاء وتجدده وقتاً فوقتاً وأفاد أيضاً أنه ليس في القرآن ولا غيره فما علم صلاة من الله على غير نبينا ﵌ فهي خصوصية أختصه الله بها دون سائر الأنبياء انتهى.
وقد ذكروا في هذه الآية الشريفة فوائد منها ما رواه الواحدي عن أبي عثمان الواعظ سمعت الإمام سهل بن محمد يقول هذا التشريف الذي شرف الله تعالى به محمداً ﷺ بقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ الآية أتم وأجمع من تشريف آدم ﵇ بأمر الملائكة له بالسجود لأنه لا يجوز أن يكون الله مع الملائكة في ذلك التشريف وقد أخبر الله سبحانه عن نفيه بالصلاة على النبي ﷺ ، ثم عن الملائكة فتشريف يصدر عنه أبلغ من تشريف يختص به الملائكة من غير أن يكون الله تعالى معهم في ذلك ومنها أن من كان قليل النوم يقرؤها عند منامه فيقول ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ الآية ذكره ابن بشكوال عن عبدوس الرازي أنه وصفه لإنسان قليل نوومه وسيأتي ذكره في الباب الأخير أيضاً إن شاء الله تعالى ومنها ما ذكره ابن أبي الدنيا ومن طريقه ابن بشكوال عن ابن أبي فديك سمعت بعض من أدركت يقول بلغنا أنه من وقف عند قبر النبي ﷺ فتلا هذه الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ثم قال صلى الله عليك يا محمد حتى يقولها سبعين مرة ناداه ملك صلى الله عليك يا فلان لم تسقط لك حاجة ومنها ما أسنده بأن بشكوال عن أحمد بن محمد بن عمر اليماني قال كنت بصنعاء فرأيت رجلاً والناس مجتمعون عليه فقلت ما هذا قالوا هذا رجل كان يؤم بنا في شهر رمضان وكان حسن الصوت بالقرآن فلما بلغ ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ قرأ يصلون على
стр. 29
النبي فخرس وجذم وبرص وعمى وأقعد فهذا مكانه ومنها نا قاله القاضي عياض نقلاً عن بعض المتكلمين في تفيير كهيعص أن الكاف كاف كفاية الله تعالى لنبيه ﵊ قال الله تعالى ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ والهاء هداية له قال ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ والياء تأييده له قال تعالى ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾ والعين عصمة له قال الله تعالى ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ والصاد صلاته عليه قال ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ الآية ومنها ما حكاه في الشفا أيضاً عن أبي بكر بن فورك أن بعض العلماء تناول قوله ﵊ وجعلت قرة عيني في الصلاة أي في صلاة الله علي وملائكته وأمره الأمة بذلك إلى يوم القيامة فتكون الألف واللام على هذا واقعة على معهود الشرعية المعهودة لما فيها من المناجاة وكشف المعارج وشرح الصدر والله أعلم ومنها ما ذكره الواحدي عن الأصمعي قال سمعت المهدي على منبر البصرة يقول إن الله أمركم بأمر بدأفيه بنفيه وثنى بمرئكة قدسه فقال تشريفاً لنبيه وتكريماً ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ، آثره بها من بين الرسل الكرام وأتحفكم بها من بين الأنام فقابلوا نعمه بالشكر وأكصثروا من الصلاة عليه في الذكر انتهى.
وكان الخطباء سلكوا مسلكه في عادتهم الحسنة بإيراد ذلك في خطبهم ولو ذكروع تاماً لكان حسناً والله أعلم ومنها أنه عبر فيها بالله دون غيره من اسمائه أما لأنه قيل أنه اسم الله الأعظم ولم يسم به أحد غير الله سبحانه وقد فير به قوله تعالى ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ وأما لغير ذلك والله أعلم ومنها أنه عبر فيها بالنبي ولم يقل على محمد كما وقع لغيره من الأنبياء صلاة الله وسلامه عليهم كقوله ﴿يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ و ﴿يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا﴾ و ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ و ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ و ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ و ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ﴾ و ﴿يا يحي خذا يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ وأشباه هذا لما في ذلك من الفخامة والكرامة التي اختص بها عن سائر الأنبياء إشعاراً بعلو المقدار وإعلاماً بالتفضيل على سائر الرسل الأخيار ولما ذكر النبي ﵌ مع الخليل ذكر الخليل باسمه وذكر الحبيب بلقبه فقال ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ وهذه فضيلة عظيمة قد نوه العلماء بذكرها وشرفها وجعلها من المراتب العلية
стр. 30
وكل موضع سماه باسمه إنما هو لمصلحة تقتضي ذلك أهمه والألف واللام فيه يحتمل أن تكون للعهد فقد تقدم ذكر النبي ﷺ قبل ولكن الأولى أن يكون للغلبة كالمدينة والنجم والكتاب فكأنه المعروف الحقيق به المقدم على سائر الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين وآل كل سائر الصحابة أجمعين.
(تحقيق لفظ النبي)
وهو أعنى لفظ النبي بترك الهمزة وبالهمزة والأولى إعدامه وقد قرئ بهما في السبعة والكلمة أما من النبأ وهو الخبر والمعنى أن الله تعالى أطلعه على غيبه وأعلمه أنه نبيه قال تعالى ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ فهم فعيل بمعنى فاعل لأنه ينبئ الخلق ويجوز أن يكون بمعنى مفعول قال تعالى ﴿فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ وقيل أشتقاقه من النبوة وهي الرفعة سمي به لرفعة محله هكذا قاله بعضهم قال المجد اللغوي وليس بشئ وإنما الصواب النباة المكان المرتفع قلت وهكذا هو في الشفا حيث قال وعند من لم يهمزه من النبوة وهو ما أرتفع من الأرض معناه أن له لارتبة شريفة ومكانة نبيهة عند مولاه منيفة انتهى.
ويحتمل أن يكون من النبيء الذي هو الطريق المستقيم قال ابن سيدة النبي المخبر عن الله قال سيبويه الهمزة فيه لغة ردية لقلة استعمالها لا لأن القياس يمنع من ذلك ألا ترى إلى قول رسول الله ﷺ وقد قال له اعرابي يا بنئ الله من قولهم نبأت من أرض إلى أرض إذا أخرجت منها إلى أخرى والمعنى يا من خرج من مكة إلى المدينة فأنكر عليه ﷺ الهمزة وقال أنا معشر قريش لا تنبز ويروى لا تنبزا باسمي فإنما أنا نبي الله وفي لفظ لست نبيء الله ولكن نبي الله قال ابن سيدة أنكر ﵇ الهمزة في اسمه فرده على قائله لأنه لم يدر ما سماه فاشفق أن يمسك عن ذلك وفيه شيء يتعلق بالشرع فيكون بالإمساك عنه مبيح محظوراً وحاظراً مباح والجمع أنبياء ونباء وأنباء قال العباس بن مرداس السلمي:
يا خاتم النباء أنك مرسل بالحق كل هدى السبيل هداكا
стр. 31
أن الاله بنى محبة في خلقه ومحمداً اسماكا
إذا تقرر هذا فلم تزل تتشعب القالة في الاختلاف والنزاع.
(الفرق بين النبي والرسول)
الفرق بين النبي والرسول قال بعضهم الرسول الذي أرسل للخلق بإرسال جبرئيل إليه عياناً ومحاورته شفاها والنبي الذي تكون نبوته إلهاماً ومناماً فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً نقله الواحدي وغيره عن الفراء.
وقال النووي في كلام الفراء نقص فإن ظاهرة أن النبوة المجردة لا تكون برسالة ملك وليس كذلك وحكى القاضي عياض قولاً إنهما مفترقان من وجه إذ قد اجتمعا في النبوة التي هي الإطلاع على الغيب والإعلام بخواص النبوة أر الرفعة بمعرفة ذلك وحوز درجتها وأفترقا في زيادة الرسالة التي للرسول وهو الأمر بالإنذار والإعلام قال وذهب بعضهم إلى أن الرسول من جاء بشرع مبتدأ ومن لم يأت به نبي غير رسول وإن أمر بالإبلاغ والإنذار وقيل الرسول من كان صاحب معجزة وصاحب كتاب ونسخ شرع من قبله ومن لم يكن مجتمعاً فيه هذه الخصال فهم نبي غير مرسل وقال الزمخشري الرسول من الأنبياء من جمع إلى المعجزة الكتاب المنزل عليه والنبي غير الرسول من لم ينزل عليه كتاب وإنما أمر أن يدعو إلى شريعة من قبله كل هذه الأقوال قد حكاها المجد اللغوي قال وانا لا أذكر في ذلك إن شاء الله تعالى إلا قول من هجيراه التحقيق والتنيين وديدنة إزاحة القناع عن وحوه الدقائق بالكشف المبين.
(النبوة أفضل من الإرسال)
قال ابن عبد السلام في قواعده فإن قيل: أيهما أفضل النبوة أو الإرسال قلت النبوة أفضل لأن النبوة أخبار عما يستحقه الرب سبحانه تعالى من صفات الإجلال ونعوت الكمال وهي متعلقة بالله تعالى من طرفيها والإرسال دونها لأنه أمر بالإبلاغ إلى العباد فهم متعلق بالله من أحد طرفيه أفضل مما تعلق به من أحد طرفيه والنبوة
стр. 32
سابقة على الإرسال فإن قوله سبحانه لموسى ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ متقدم على قوله ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ فجميع ما تحدث به قبل قوله ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ نبوة وما أمر به بعد ذلك من التبليغ فهو إرسال.
والحاصل أن النبوة راجعة إلى التعرف بالاله وبما يجب للاله والإرسال راجع إلى أمره الرسول بأن يبلغ عنه إلى عبادة أو إلى بعضهم ما أوجبه عليهم من معرفته وطاعته وإجتناب معصيته انتهى، ويحتاج إلى تأمل، ومنها أنه غير فيها بقوله وملائكته ولم يقل والملائكة لعدم الفرق بين الصيغتين فإن كلا منهما يفيد العموم والأولى تعرفت بالإضافة التي جاءت للتشريف والتعظيم، والثانية بال وقيل أن في الآية حذفاً تقديره أن الله يصلي وملائكته يصلوا والله أعلم.
والملائكة لا يحصي عددها إلا الله لأن منهم الملائكة المقربين وحملة العرش وسكان سبع سموات أو خزنة الحنة والنار والحفظة على أعمال بني آدم كما في قوله يحفظونه من أمر الله والموكلين بالبحار والسحاب والامصار والأرحام والنطف والتصوير ونقخ الأرواح في الأجساد وخلق النبات وتصريف الرياح وجري الأفلاك والنجوم وإبلاغ صلاتنا على رسول الله ﵌ زكتابة الناس يوم الجمعة والتأمين على قراءة المصلين وقول ربنا ولك الحمد. والداعين لمنتظر الصلاة واللاعنين لمن هجرت فراش زوجها إلى غير ذلك مما وردت به الأحاديث الصحيحة وغيرها وأكثر ذلك موجود في كتاب العظمة لأبي الشيخ بن حيان الحافظ.
وفي تفيير الطبري من طريق كنانة العدوى أن عثمان سأل النبي ﷺ عن عدد الملائكة الموكلين بالآدمي فقال: لكل آدمي عشرة ملائكة بالليل وعشرة بالنهار. وواحد عن يمينه وآخر عن شماله وأثنان من بين يديه ومن خلفه وأثنان على شفتيه ليس يحفظان عليه إلا الصلاة على محمد، وأثنان على جبينه وآخر قابض على ناصيته فإن تواضع رفعه إن تكبر وضعه والعاشر يحرسه من الحية أن تدخل فاه: يعني إذا نام. وقيل إن كل إنسان معه ثلاثمائة وستون ملكاً وليس في العالم العلوي والعالم والسفلي مكان إلا وهو معمور بالملائكة الذين ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ
стр. 33
مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ، وقد ثبت في المستدرك للحاكم من حديث عبد الله بن عمرو وإن الله جزأ الخلق عشرة أجزاء فجعل الملائكة تسعة أجزاء وجزأ سائر الخلق الحديث، وفي حديث المعراج المتفق على صحته أن البيت المعمور يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا لم يعودوا آخر ما عليهم.
وفي حديث أبي ذر عند الترمذي وإبن ماجة والبزار مرفوعاً اطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا وعليه ملك واضع جبهته ساجداً الحديث، وفي جابر مرفوعاً عند الطبراني ونحوه من حديث عائشة عند الطبراني ما في السماوات السبع موضع قدم ولا شبر ولا كف إلا وفيه ملك قائم أو راكع أو ساجد ومعلوم أن الجميع يصلون على سيدنا رسول الله ﷺ بنص القرآن حيث كانوا وأين كانوا وهذا مما خصه الله به دون سائر الأنبياء والمرسلين.
ومنها أنه تعالى قال فيها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ولم يقل الناس وإن كان الكفار مخاطبين بالفروع الإسلامية على الصحيح لأن الصلاة عليه ﷺ من آجل القرب فخص بها المؤمنون. قلت وقد استثنى شيخ الإسلام البلقيني من قولهم الكفار مخاطبون بفروع الشريعة مسائل منها معاملتهم الفاسدة المقبوضة. ومنها أنكحتهم الفاسدة، ومنها عدم الحد في شرب الخمر، ومنها كل خطاب جاء فيه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لا يدخل الكفار فيه والله أعلم.
تنبيهان: أحدهما قد كثر السؤال عن الحكمة في تأكيد التسليم بالمصدر دون الصلاة وأجاب الفاكهاني بما حاصله أن الصلاة مؤكدة بأن وكذا باعلامه تعالى أنه تعالى يصلص عليه وملائكته ولا كذلك السلام فحسن تأكيده بالمصدر إذ ليس ثم ما يقوم مقامه. وأجاب شيخنا رحمه الله تعالى بجواب آخر ملخصه أنه لما وقع تقديم الصلاة على السلام في اللفظ وكان للتقديم مزية في الإهتمام حسن إن يؤكد السلام لتأخر مرتبته في الذكر لئلا يتوهم قلة الإهتمام به لتأخره، ورأيت في كتاب ابن بنون أن السلام قد جاء ما يتضي تأكيده مثل قوله ﵇ أن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام، وقوله إذا سلم علي أحد رد الله علي روحي وفي هذا نظر والعلم عند الله تعالى.
стр. 34
(ما الحكمة في إضافة الصلاة إلى الله تعالى وملائكته دون السلام)
التنبيه الثاني: سئل شيخنا عن إضافة الصلاة إلى الله تعالى وملائكته دون السلام وأمر المؤمنين بها وبالسلام فأجاب بأنه يحتمل أن يقال السلام له معنيان التحية والإنقياد فؤمر به المؤمنون لصحتها منهم والله وملائكته لا يجوز منهم الإنقياد فلم يضف إليهم دفعاً للإيهام والله أعلم.
стр. 35
الباب الأول
في الأمر بالصلاة على رسول الله ﷺ
في الأمر بالصلاة على رسول الله ﷺ وفي أي وقت كان. وكيفية ذلك على اختلاف أنواعه والأمر بتحسين الصلاة عليه والترغيب في حضور المجالس التي يصلي فيها عليه، وإن علامة أهل السنة الكثرة منها وإن الملائكة تصلي عليه على الدوام، وإمهار آدم لحواء ﵉ الصلاة عليه وأن بكاء الصغير مدة صلاته عليه والأمر بالصلاة عليه إذا صلى على غيره من الرسل وما ورد في الصلاة على غير الأنبياء والرسل والخلاف في ذلك.
ذكر أبو ذر فيما نسبه شيخنا إليه من غير عزو أن الأمر بالصلاة على النبي ﷺ كان في السنة الثانية من الهجرة وقيل في ليلة الإسراء. وفي فضل شعبان لابن أبي الصيف اليمني بلا إسناد أنه قيل أن شعبان شهر الصلاة على محمد المختار لأن آية الصلاة عليه ﵌ نزلت فيه، وعن ابن عمر وأبي هريرة ﵃ قالا قال رسول الله ﷺ صلوا علي صلى الله عليكم أخرجه ابن عدي في الكامل والنميري من طريقه وعن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ صلوا علي فإن صلاتكم علي زكاة لكم وسيأتي تخريجه في الباب الثاني وعن عبد الله بن عمرو ﵄ رفعه صلوا علي فإنها لكم أضعافاً مضاعفة ذكره الديلمي بلا إسناد تبعاً لأبيه، وعن أبي ذر ﵁ قال أوصاني رسول الله ﷺ أن أصليها
стр. 36
في السفر والحضر يعني صلاة الضحى وأن لا أنام إلا على وتر وبالصلاة على النبي ﷺ أخرجه بقي بن مخلد وابن بشكوال من طريقه وفي سنده يعلي بن الأشدق وهو ضعيف.
ويروى عنه ﷺ مما لم أقف على سنده أنه قال أكثروا من الصلارة علي لأن أول ما تسألون في القبر عني ﷺ ، وعن أبي مسعود الأنصاري البدري واسمه عقبة بن عمرة ﵁ قال اتانا رسول الله ﷺ ونحن في مجلس سعد بن عبادة فقال له بشير بن سعد أمرنا الله أن نصلي عليك يا رسول الله فكيف نصلي عليك فيكت رسول الله ﷺ حتى تمنينا أنه لم يسأله ثم قال فيكت رسول الله ﷺ وقولوا اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم أنك حميد مجيد واسلام كما قد علمتم رواه مسلم وهو عند مالك في الموطأ وأبي داود والترمذي والنسائي والبيهقي في الدعوات بنحوه وزادوا فيه في العالمين أنك حميد مجدي، وليس عند أبي داود والسلام كما قد علمتم وقد ترجم عليه أبو داود والصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد.
وقوله علمتميروى بفتح العين وتخفيف اللام وبضم العين وتشديد اللام وهذا الحديث لفظه عن أحمد وإبن حبان في صحيحه والدارقطني والبيهقي في سنتهما، أقبل رجل حتى بين يدي رسول الله ﷺ ونحن عنده فقال يارسول الله أما السلام عليك فقد عرفناه فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا في صلاتنا صلى الله عليك قال فصمت رسول الله ﷺ حتى أحببنا أن الرجل لم يسأله فقال إذا أتتم صليتم فقولوا اللهم صل على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم أنك حميد مجيد وصححه الترمذي وابن خزيمة والحاكم وقال الدارقطني اسناده حسن متصل وقال البيهقي اسناده صحيح قلت وفيه ابن إسحق لمكنه قد صرح بالحديث في روايته فصار حديثه مقبولاً صحيحاً على شرط مسلم كما ذكره الحاكم وعند إسماعيل
стр. 37
القاضي في فضل الصلاة له من طرق عن عبد الرحمن بن بشير بن مسعود مرسلاً قال قيل يا رسول الله أمرنا لأن نسلم عليك وأن نصلي عليك فقد علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك قال تقولون اللهم صل على آل محمد كما صليت على آل إبراهيم اللهم بارك على محمد كما باركت على آل إبراهيم وفي بعض طرقه عند إسماعيل قلنا أو قيل بالشك والله أعلم.
وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال لقيني كعب بن عجزة ﵁ فقاغل إلا هدى لك هدية أن النبي ﷺ خرج علينا فقلنا يا رسول الله قد علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك قال قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم أنك حميد مجيد اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم أنك حميد مجيد متفق عليه وفي لفظ البخاري على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في الموضعين ونحو ذلك عند الطبري وأخرج الحديث أحمد والأربعة إلا أن أبا داود والترمذي لم يذكرا الهدية، وأول حديثهما أن كعب بن عجزة قال يا رسول الله وذكر الحديث، وفي رواية الترمذي من الزيادة قال عبد الرحمن ونحن نقول وعلينا معهم وكذا هي عند السراج من الطريق التي عند الترمذي وعند إسماعيل القاضي من طريقين آخرين عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن وأخرجهما أحمد في المسند من حديث يزيد وزاد في آخره قال يزيد فلا أدري أشيء زاده عبد الرحمن من قبل نفيه أو رواه كعب ويزيد استشهد به مسلم وهذه الزيادة أيضاً عند الطبراني من طريق الحكم بسند رواته موثقون بلفظ اللهم صل على محمد إلى قوله وآل إبراهيم وصل علينا معهم وبارك مثله وفي آخره وبارك علينا معهم وللشافعي عن كعب عن النبي ﷺ أنه كان يقول في الصلاة اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم وبارك على محمد وآل محمد ما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم أنك حميد مجيد أخرجه البيهقي من طريقه وفي بعض طرق الحديث عند سعيد بن منصور وأحمد والترمذي وإسماعيل القاضي والسراج وأبي عوانة والبيهقي والخلعي والطبراني بسند جيد.
سبب هذا السؤال ولفظه لما نزلت ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا
стр. 38
الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ، جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله هذا السلام عليك قد عرفناه فكيف الصلاة عليك الحديث، وهو عند إسماعيل القاضي أيضاً عن الحسن مرسلاً لما نزلت ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ، قالوا يارسول الله هذه السلام عليك قد علمنا كيف هو فكيف تأمرنا أن نصلي عليك قال تقولون اللهم أجعل صلاتك وبركاتك على محمد كما جعلتها على إبراهيم أنك حميد مجيد ورواه ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور نحوه في آل الموضعين، وعند إسماعيل أيضاً عن إبراهيم مرسلاً أنهم قالوا يا رسول الله قد علمنا السلام عليك فكيف الصلا عليك قال قولوا اللهم صل على محمد عبدك ورسولك وأهل بيته كما صليت على إبراهيم أنك حميد مجبد ةعن أبي سعيد الخدري واسمه سعد بن مالك ابن سنان ﵁ قال قلنا يارسول الله ذها السلام عليك قد عرفناه فكيف نصلي عليك قال قولوا اللهم صل على محمد عبدك ورسولك كما صليت على إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وفي رواية وآل إبراهيم أخرجه البخاري وأحمد والنسائي وأبن ماجه والبيهقي وابن أبي عاصم، وعن أبي حميد الساعدي، واختلف في اسمه ﵁ قال قالوا يارسول الله كيف نصلي عليك قال قولوا اللهم صل على محمد وعلى ازواجه وذرياته كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على إبراهيم أنك حميد مجيد متفق عليه وأخرجه مالك وأحمد وأوبو داود والنسائي وأبن ماجة وغيرهم لكن عند أحمد وأبي داود على آل إبراهيم في الموضعين وعند أبن ماجه كما باركت على آل إبراهيم في العالمين وعن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال إذا تشهد أحدكم في الصلاة فليقل اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وبارك على محمد وآل محمد وأرحم محمد وآل محمد كما صليت وبارمت وترحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد أخرجه الحاكم في المستدرك شاهداً وأغتر قوم بذلك فصححوه ووهموا فإنه رواة يحي بن السباق وهو مجهول عن رجل مبهم وأخرجه البيهقي عن الحاكم وهو عند الدارقطني وأبي حفص بن شاهين بسند فيه عبد الوهاب بن مجاهد وهو ضعيف بلفظ علمني رسول الله ﷺ التشهد كما كان يعلمنا السورة من القرآن التحيات لله والصلوات والطيبات
стр. 39
السلام عليك يا أيها النبي ورحمة وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله اللهم صل على محمد وعلى أهل بيته كما صليت على إبراهيم أنك حميد مجيد اللهم صل علينا معهم اللهم بارك على محمد وعلى أهل بيته كما باركت على آل إبراهيم أنك حميد مجيد اللهم بارك علينا معهم صلوات الله وصلاة المؤمنين على محمد النبي الأمي السلام عليك ورحمة الله وبركاته ورواه ابن أبي عاصم بلفظ قلنا يا رسول الله قد عرفنا السلام عليك فكيف نصلي عليك قال قولوا اللهم أجعل صلاتك ورحمتك وبركاتك على سيد المرسلين وإمام المتقسن وخاتم النبيين محمد عبدك ورسولك أما الخير ورسول الرحمة اللهم أبعثه مقاماً محموداً يغبطه به الأولون والآخرون اللهم صل على محمد وأبلغه الوسيلة والدرجة الرفيعة من الجنة اللهم أجعل في المصطفين محبته وفي المقربين مودته وفي الأعلين ذكره أو قال داره والسلام عليه ورحمة الله وبركاته اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم أنك حميد مجيد اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم أنك حميد مجيد وفيه المسعودي وهو ثقة ولكنه أختلط.
وعن عبد الله بن عباس ﵄ قال قالوا يا رسول الله قد عرفنا السلام عليك فكيف الصلاة عليك قال قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وبارك علة محمد وعلى آل محمد صليت وباركت على إبراهيم أنك حميد مجيد أخرجه النميري في فضل الصلاة له وقال أنه غريب، قلت وهو عنده من وجه آخر عن يونس بن خباب أنه خطب بفارس فقال ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ فقال أنبائي من سمع ابن عباس بقول هكذا أنزل فقلنا أو فقالوا يا رسول الله علمنا السلام عليك فكيف الصلاة عليك فقال اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم أنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم أنك حميد مجيد ورواه ابن جرير أيضاً وسنده ضعيف لضعف بعض رواتخ ولأن يونس لم يسم من حدثه عن ابن عباس ولم يأت بهذا اللفظ إلا من هذا الطريق.
وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال عد رسول الله - صلى الله عليه
стр. 40
وسلم - في يده وقال عد جبرئيل ﵇ في يدي وقال جبرئيل هكذا نزلت بهن من عند رب العزة جل وعلى اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم وترحم على محمد وعلى آل محمد كما ترحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم وتحنن على محمد وعلى آل محمد كما تحننت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم سلم على محمد وعلى آل محمد وعلى آل محمد كما سلمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد أخرجه أبو القاسم التيمي وإبن بشكوال وغيرهما مسلسلاً أيضاً ورجال سنده فيهم من أتهم بالكذب والوضع فالحديث بسبب ذلك تألف وعند النسائي والخطيب وغيرهما عن علي ﵁ أيضاً أنهم قالوا يا رسول الله كبف نصلص عليك قال قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وفي إسناده اختلاف على رواية حبان بن يسار فروى عنه عن عبيد الله بن طلحة عن محمد بن علي عن نعيم المجمر عن أبي هريرة أخرجه أبو داود وفيه اللهم صل على محمد النبي الأمي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته وروى عنه عن عبد الرحمن بن طلحة عن محمد بن الحنفية عن أبيه علي بن أبي طالب كما سقناه أخرجه النسائي والأولى أرجح ويحتمل أيكون الحبان فيد سندان وسيأتي بلفظ آخر وسيأتي بلفظ آخر قريباً.
وعن موسى بن طلحة بن عبيد الله التيمي عن أبيه ﵁ أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال كيف نصلي عليك يا نبي الله قال قولوا اللهم صل على محمد كما صليت على إبراهيم أنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم أنك حميد مجيد أخرجه أحمد والطبري ولفظه أتى رجل النبي ﷺ فقال سمعت الله تعالى يقول ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ الآية فكيف الصلاة عليك وأخرجه أبو نعيم في الحلية وسنده صحيح لكنه معلول فقد روى عن موسى عن زيد بن حارثة وقيل ابن خارجة وهو الصحيح وهذه الرواية عند الطحاوي والنسائي وأحمد والبغوي في معجم الصحاح
следующие страницы →