← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1392

المال في القرآن الكريم

محمود محمد غريب

Полный текст (95 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الكتاب: المَالُ في القُرْآنِ المؤلف: محمود محمد غريب، من علماء الأزهر الشريف والموجه الديني لشباب جامعة القاهرة وافقت وزارة الإعلام العراقي على نشره ٢١٨ / ١٩٧٦ الطبعة: الأولى ١٣٩٦ هـ - ١٩٧٦ م - بغداد عدد الأجزاء: ١ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ في هذا اللقاء *لا تبعية في الزكاة حق الفقير. إخفاء الصدقة. وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * حق الجماعة الاحكتار. لَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ما يضر بالجماعة ممنوع. الجمود والسيولة. * قيمة الإنسان في الإسلام. الخلود لا يشترى بالمال. * الفقر الشريف الفقر الذي امتدحه الإسلام. التوكل والتواكل الربا والفطرة. القرض الحسن. * آية الدين وشهادة النساء. * مصادر الكسب. اليد العاملة يكرمها. والعاطلة يعلمها. والعاجزة يطعمها. والعابثة يقطعها.

стр. 3

* عمل الرجال شرف. وعمل النساء ضرورة. وعمل الأمم حياة. أمة تصنع السدود. * الميراث الإسلامي منهجه في تفتيت التركة. عدالة ميراث النساء. * وبعد..... * * *

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى، وسلام على النبي المصطفى. أما بعد: نظرة الإسلام للمال تدل على أصالة هذا الدين فهي تخالف النظرة الدينية السابقة عليه. ذلك لأن طغيان المادِّيَّة في الفكر اليهودي يقابله روحانية النصرانية وانشغالها بملكوت السماء تاركة (ما لقيصر لقيصر.... وما لله لله) وقد وضع الإسلام منهجه في المال على الأُسُس الآتية.

стр. 5

أولاً: ملكية المال لله قال تعالى ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (سورة النور آية ٣٣) ثانياً: الإنسان مستخلف في المال فقط قال تعالى ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ (سورة الحديد آية ٧) ثالثاً: مالك المال حرٌّ في تنمية ماله وهذه الحرية مشروطة بعدم الضرار بالجماعة الإنسانية والجماعة لها حق معلوم في هذا المال أقل هذا الحق ألا تضرَّ الجماعة بهذا المال. رابعاً: المال وسيلة لا غاية وهو ممدوح في القرآن إذا كان طاهر المصدر. طيب الإنفاق. * * *

стр. 6

وبشيء من الإيجاز والعمق أقدم للقارئ الكريم هذه السطور موضحاً ومدافعاً. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. محمود غريب

стр. 7

المال وسيلة نظرة الإسلام للمال واضحة. فهو يرى المالَ وسيلةً لا غاية. ويعتبر المالَ خيراً إذا كان في يد مؤمن وأنفقه مالكه في مجال الخير. ليحققَ به عفة في الدنيا. وسعادة في الآخرة. قال تعالى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (سورة البقرة آية ١٨٠) وقال جل ذكره ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ (سورة العاديات آية ٧) والمراد من الخير في الآيتين هو المال

стр. 8

لذلك امتدح الرسول ﷺ المال الصالح في يد العبد الصالح وما دام المال مال الله.... والإنسان مستخلَفٌ فيه فقط فالإسلام يبني على ذلك التشريعات الآتية: * * *

стр. 9

حق الفقير أكَّد الإسلامُ حقَّ الفقيرِ في المال. واعتبر الجزء الذي يصل إلى الفقير هو محض حقه المعلوم في مال الغني. ذلك لأن مالك المال عندما يدفع للفقير جزءاً من ماله فإنه يبرئ ذمته. ويطهّر ماله. ويرضي ربه وقد أكد القرآن هذا المعنى. قال تعالى ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (سورة الأنعام آية ٤١) ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ﴾ (سورة الأسراء آية ٢٦) ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (سورة المعراج آية ٢٤)

стр. 10

والقرآن عندما يؤكد هذا المعنى فإنه يصحح فهم الذين يدّعون أن الإسلام يهدف من الزكاة إيجاد نوع من التبعية للغني. وأسأل ... من أين تأتي التبعية والفقير يأخذ محض حقه المعلوم؟ بل وكثيراً ما يدفع صاحبُ المال زكاة أمواله إلى بيت مال المسلمين. والدولة تقوم بتوصيله للفقير عطاء وخدمات. من أين تأتي التبعية إذاً؟ ومن لطائف القرآن أنه لم يستعمل كلمة "حقه" إلا فيما يأخذه الفقير من مال أو ثمر، على أن الإسلام قد راعى مشاعر الفقير وحافظ على إنسانيته حفاظاً شديداً. وذلك عندما أمر بإخفاء الصدقة. وعدم المنَّ بها

стр. 11

كما أوصى باختيار نوع الصدقة التي تقدم للفقير والآن مع نصوص القرآن. * * * إخفاء الصدقة: قال تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (سورة البقرة آية ٢٧٢) والذي أفهمه من الآية الكريمة. أنها قسمت الصدقات إلى قسمين. قسم يُعطَى للمشاريع الخيرية، فإعلانه ممدوح شرعاً لتحريض على فعل الخير - مع الحرص على الإخلاص. وقسم يُعطَى للفقير فيجب إخفاءه حرصاً على كرامته

стр. 12

قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وقد أخبر النبي ﷺ أن من تصدق فأخفى صدقته مع السبعة أصناف الذين يظلهم الله بظله يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه. وإخفاء الصدقة حفاظ على مشاعر الفقير. * * *

стр. 13

ثانياً: تحريم المنِّ حرمّ الإسلام المنَّ على الفقير بعد إعطائه الصدقة قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢) قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٢٦٤) وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (سورة البقرة)

стр. 14

أمَّا قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ (سورة الدهر آية ٩) فأحبُّ أن أوضح أن القرآن قد صوَّر حالتهم النفسية من الإخلاص بقوله تعالى ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ فهم لم يقولوا ذلك بألسنتهم ولكن علم الله ذلك في قلوبهم. فكأنَّ لسان حالهم يقول للفقراء هذا الكلام. * * * ثالثاً: اختيار الصدقة أوجب القرآن على المؤمنين اختيار الصدقات. فلا يجوز اختيار الرديء من الثمر استهانةً بالفقير قال تعالى ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (سورة آل عمران آية ٩٢)

стр. 15

وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ كل هذه المعاني تؤكد مراعاة الإسلام لمشاعر الفقير واحترام شخصه. قل لي - بالله عليك - من أين تأتي التبعية والفقيرُ يأخذُ حقَّه المعلوم؟ * * * حق الجماعة احترم الإسلامُ الملكيةَ الفردية. ومع ذلك أكَّد حق الجماعة في المال.

стр. 16

فجعل للمالك الحق في التصرف في ماله بشرط عدم الإضرار بالجماعة. ١ - حرَّم الاحتكار فلا يجوز للمالك أن يحتكر أقوات الناس طلباً لرفع الثمن. وموقف الإسلام من الاحتكار شديد. فقد جاء في صحيح مسلم "لا يحتكر إلاّ مخطئ" وروي عن النبي ﷺ : من احتكر أقوات المسلمين أربعين يوماً ثم تصدق بها لا يقبل الله منه. * * * ٢ - كما حرَّم بخس الثمن. فلا يجوز للمشتري أن يستغل حاجة البائع وينقص الثمن

стр. 17

قال تعالى: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ قإذا قالت المادِّيَّة: إن الحياة فرص، والبائع سيقبل بأي ثمن. قال الإيمان المتدفق في القلوب: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (سورة هود آية ٨٦) * * * ٣ - حرَّم التنمية بما يضرُّ الجماعة مراعاةً لحقوق الجماعة حَرَّم الإسلامُ على صاحب المال إنتاجَ أو بيعَ ما يضرُّ الجماعة. * سواء كان الضرر لدينهم كبيع كتب الإلحاد. * أو الضرر لعقولهم كبيع الخمور والمخدرات. * أو الضرر لصفوفهم كبيع السلاح للأعداء. إن الإسلام يمزج بين الاقتصاد والعقيدة حتى

стр. 18

يجعل من ضمير المسلم رقيباً على تصرفاته. وقد سجَّل القرآن الحوار البديع الذي دار بين سيدنا شعيب النبي وبين قومه قال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤) وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥) بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (٨٦) قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ (سورة هود) وواضح ان القوم تعجبوا من نبيهم عندما طلب منهم تنظيم المال تنظيماً تراعى فيه حقوق الجماعة وحقوق الفقراء.

стр. 19

كما أن الآية تربط بين العقيدة والتطبيق العملي للإيمان. لأن حلَّ المشاكل الاقتصادية في ضوء الفكر القرآني دليل على صدق الإيمان ورسوخه في النفس وهذا ما يهدف إليه الحوار المذكور. إن القرآن يعالج مشاكل اليوم بأخبار الأمس وهذا بعض هدف القصة القرآنية. * * * ٤ - الجمود والسيولة احتراماً لحق الجماعة في المال يكره الإسلام جمود الثروات. إن تنمية الأموال - في الأعمال النافعة - أداه لرسالة المال. وقد فرض الإسلام الزكاة في المال المحبوس - الذي لا يستخدم في المشاريع النافعة - كما

стр. 20

فرضها في المال المستخدم في التنمية. وذلك حتى يدفع أصحابَ رؤوس الأموال إلى تنمية أموالهم. إن المال الجامد ينقص منه كل عام ١/٤٠ من قيمته وذلك قيمة الزكاة. وقد أمر النبي ﷺ الأوصياء على اليتامى أن يتاجروا في أموال اليتامى حق لا تأكلها الصدقة. والإسلام ينزع ملكية الأراضي الزراعية التي يدفعها الإمام إلى من يحييها ويزرعها فتمضي أعوام ثلاثة ولم تزرع الأرض. ينزعها الإسلام ويعطيها لمن يزرعها. إن حبس الأرض وتعطيلها عن رسالتها ظلم

стр. 21

للجماعة التي تنتظر الثمر ليعم الرخاء - حسب قانون العرض والطلب - وظلم للفقير الذي ينتظر الثمر ليأخذ حقه منه قال تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (سورة الأنعام آية ١٤١) إن جمود المال - لأيِّ سبب - هو انحراف عن رسالة المال. * * * قيمة الإنسان البشرية لا تعرف ميزاناً عادلاً للرجال. وأكثر ما تقيس الرجل بما في يديه. من عاش قُوِّم بما ملك. ومن مات تساءلوا عمَّا ترك. وقد اعترض اليهود على "طالوت" - الذي اختاره الله ملكاً عليهم - لأنه لم يؤت سعة من المال!

стр. 22

قال تعالى: ﴿قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ (سورة البقرة آية ٢٤٨) إن مقياس الرجال عند اليهود - وعند المادِّيَّة في كل عصر - هو المال. * * * فلما جاء الإسلام قرّر ميزاناً جديداً للرجال. جعل الرجل بما في قلبه ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (سورة الحجرات آية ١٣) * إن الرجل الخسيس لا يرفع من خِسَّته أن يملك خزائن الأرض. قال تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ (سورة الليل آية ١١)

стр. 23

* "إن صاحبَ العرشِ عظيمٌ، فهو لا يرفعُ إليه خَسيساً. وهو غنيٌّ فهو لا يكرم أحداً من أجل ما يملك". * وأبو لهب عندما انحرف عن الكفر ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ (سورة المسد آية ٢) * وإذا لم يصادف ثراءُ اليدِ كرمَ النفسِ فلا خلود ولا كرامة. قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾ (أول سورة الهمزة) إنَّ الخلود لا يشترى بالمال. وأي مقياس للرجال بغير التقوى خطأ عظيم.

стр. 24

قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ (سورة سبأ آية ٣٨) إن مقياس الرجال في الإسلام إيمان وخلق. فمن تمتع بهما فلا يضرُّه أن يملك الدنيا. ولا يَنقصُ من قدره كفاف العيش. الفقر الشريف: عرفنا ميزان الرجال في الإسلام. ف هل يمدح الإسلام الفقر ؟ القارئ لبعض النصوص الكريمة يمكن أن يفهم هذا. وأعداء الإسلام يصورون هذا الدين مُخَدِّراً للفقراء ليصبروا على ذل الفقر. ونحن نظلم هذا عندما نخطئ فهمه.

стр. 25

إن الإسلام لم يخاصم الدنيا ولم يصدَّ الناسَ عنها كل ما في الأمر أنه لم يأمر المسلمين بحب الدنيا اكتفاء بما في طبيعتهم البشرية من حبها. أنه لم يأمر الآباء بحب الأبناء اكتفاء بما في فطرة الأب من حب أولاده. والإسلام يحرص على الاعتدال في طلب الدنيا وفي طلب الآخرة. قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (سورة القصص آية ٧٧) * * *

стр. 26

وعلينا أن نفهم الفقر الذي امتدحه الإسلام. إنه - طبعاً - ليس الفقر الناشئ عن الكسل وترك العمل الجاد.... لا. * إنه فقر ناشئ عن الجهاد في سبيل الله. إن المشركين جرَّدوا المهاجرين من كل شيء لكي يسمحوا لهم بالهجرة مع النبي ﷺ . قال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ (سورة البقرة آية ٢٧٤) هذا نوع من الفقر الذي يحترمه الإسلام والذي

стр. 27

تعنيه الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة التي امتدحت الفقر. * * * * ومثل هذا النوع - في التكريم - فقر سببه الوقوف مع الحق. إن كلمة الحق مرة. وكم جرَّتْ على أصحابها المتاعبَ ولكنَّها ضريبةُ الإيمان وأمانة الفتوى نوع من كلمة الحق. * ومن ذلك فقر سببه العفاف عن المحرمات وتحري لقمة العيش الحلال. كأني بامرأة فقيرة تقول لزوجها (عند خروجه للبحث عن لقمة العيش) يا فلان.... تحرَّ لقمة العيش الحلال. فنحن نصبر على الجوع ولا نصبر على حرِّ النار. * * *

стр. 28

فخلف من بعدهم خلف تقاعسوا عن الحياة باسم الدين ورضوا بالهوان باسم التوكل على الله * إن الجنديَّ المجاهد متوكل على الله * والزارع المجد متوكل على الله * والطالب الساهر في المذاكرة متوكل على الله * والتاجر الصدوق متوكل على الله فأيُّ تعارضٍ بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله. أن التوكل على الله قوة للنفس تدفعها للأنتاج قال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (سورة آل عمران آية ١٥٩) وحديث النبي ﷺ عن التوكل صورة من الحركة الدائمة وليس متّكأً للأحلام. قال رسول الله ﷺ : لو توكلتم

стр. 29

على الله حق التوكل لرزقكم كما يرزق الطير. تغدوا خماصاً.... وتروح بطاناً فالطير تغدوا وتروح في طلب الرزق. وهل يطلب من الطير غير ذلك؟ هذا هو التوكل الصحيح * * * ومن الطريف أن أحد العلماء لقي رجلاً في طريقه للحج وليس معه زاد قال له الشيخ: كيف تسافر بلا زاد؟ قال الرجل: أنا متوكل على الله. قال الشيخ: أتسافر وحدك أم مع القافلة؟ قال الرجل: مع القافلة. قال الشيخ: بل أنت متوكل على القافلة. * * *

стр. 30

الربا والفطرة الفطرة السليمة تحرِّم الربا. لأن المرابي يترقب عسرات الناس ولا يرجو لهم الخير. وقد أدرك العرب في الجاهلية قبح مال الربا. فعندما أعادت قريش بناء الكعبة - وقد هدمتها السيول - كان أول شرط للبناء هو: عدم قبول أي مال من الذين يخرجون أموالهم بالربا. وذلك حتى لا تبنى الكعبة إلا من مال طاهر. وهذه لغة الفطرة. * * * فلما جاء الإسلام ذمَّ الربا منذ العهد المكي ففي سورة الروم - وهي مكية - جاء قوله تعالى:

стр. 31

﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ (سورة الروم آية ٣٩) وواضح أن منهج القرآن في مكة يتفق مع حال المسلمين فيها. فلما قامت دولة الإسلام - في المدينة - قال الإسلام الكلمة الأخيرة في موضوع الربا. إنَّ الكلمة الأخيرة قرآنٌ يُقرأ وسلوكٌ في الحياة

стр. 32

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩) وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠) وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (سورة البقرة) * * * وفي مجال التطبيق العملي لسيادة الشريعة الإسلامية أعلن النبي ﷺ : كل ربا موضوع "ولصاحب المال رأس ماله فقط"

стр. 33

وجدير بالذكر أن أول من طبق عليه النبي ﷺ هذا القرار.... هو العباس بن عبد المطلب ﵁ عَمُّ النبي ﷺ قال النبي ﷺ : "كل رباً موضوع وربا العباس موضوع كله." أيّ عدالة هذه؟! إنَّ كل الناس أمام تشريع السماء سواء. * * * القرض الحسن عندما أغلق الإسلام باب الربا شجَّع القرض الحسن. وأغرى صاحبَ المال بالأجر العظيم على القرض إن النبي الكريم ﷺ أخبر أنَّ أجرَ المسلم على القرض الحسن أكبرُ من أجره على الصدقة.

стр. 34

لأن الصدقة "عادةً" فيما تتسامح فيه النفوس بخلاف القرض فإنه في المبالغ الكبيرة التي تشح بها النفوس. روي عن النبي العظيم ﷺ أنه قال: "رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ مَكْتُوبًا الصَّدَقَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا وَالْقَرْضُ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ فَقُلْتُ يَا جِبْرِيلُ مَا بَالُ الْقَرْضِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّدَقَةِ قَالَ لِأَنَّ السَّائِلَ يَسْأَلُ وَعِنْدَهُ وَالْمُسْتَقْرِضُ لَا يَسْتَقْرِضُ إِلَّا مِنْ حَاجَةٍ". * * * والإسلام - الذي أمر الموسر بالقرض الحسن -

стр. 35

أمر المدين أن يُسارع إلى سداد الدين بمجرد وجوده إن تأخير السداد ظلم. قال ﷺ : مطلُ الغنيِّ ظلم. أما إذا حلَّ الأجل والمدين معسراً فالإسلام يبارك صاحب المال إذا أمهله. إن الإسلام رغَّب في فكِّ رقاب العبيد ليتمتعوا بالحرية. وفك رقاب المدين من ذُلِّ الدَّين أولى وهذا فهم مقبول في قوله تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ (سورة البلد آية ١٣) سلام على من فَكَّ الرقاب من الرق وحرَّرها، وسلام على من يرحم المَدين من ذُلِّ الدَّين. وللرسول الكريم كلمات خالدات ... "حوسب فيمن قبلكم رجل فلم ير في صحيفته

стр. 36

خير. غير أنه كان يقرض الناس" وكان يقول لعماله: إذا رأيتهم الرجل معسراً فأمهلوه. قال الله نحن أحق بذلك منه أدخلوه الجنة..... أجل.... أدخلوه الجنة..... ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ (سورة الرحمن آية ٦١) * * *

стр. 37

آية الدين وشهادة النساء من يبلغ حواء أن شهادتها تعدل شهادة رجلين في الأمور التي تخصصت فيها النساء * * *

стр. 38

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢) وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (سورة البقرة)

стр. 39

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ الأمر بكتابة الدين دليل على احترام الإسلام للمال. وسواء كان المال نقداً - أي مبلغاً مدفوعاً إلى أجل مسمى. أو كان الدين بيع سَلَم، وهو أن يدفع المشتري الثمن ويتفق مع البائع على وقت التسليم - مع ذكر كل مواصفات البيع حتى لا يحدث خلاف عند التسليم - وبيع السلم جائزٌ شرعاً تيسيراً لتعامل الناس. * * * وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ. استدعاء كاتب محايد أفضل من كتابة أحد الطرفين (الدائن أو المدين)

стр. 40

وهذا الكاتبُ مأمورٌ أن يكتب بالعدل. فلا يميل لأحد الطرفين. كما أنه مكلف بالكتابة - فرضاً - إذا تعين هو بالذات لعدم وجود غيره وذلك حتى لا تضيع الحقوق. إن الله - الذي علمَّه الكتابة - هو الذي أمره أن يكتب قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ﴾ * * * إملاء العقود وبعد حضور الكاتب. فمن يملي صيغة العقد؟ * الدائن يمثل جانب القوة. وهو يريد أن يستوثق لماله وأنْ يعجِّل مدة السداد. * والمدين يريد أن يتمَّ العقد بأيِّ صيغة لأنه محتاج إلى المال.
следующие страницы →