← Общие книги

Общие книги · id 13921

مذكرات مالك بن نبي - العفن

مالك بن نبي

Полный текст (203 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

أما أنا فكنت أفسر موقف مصالي كمجرد غيرة، وذهب بي الحال إلى اعتبارها شرعية في أعماقي. فكنت أقول في نفسي أن حماسنا للتدخل بصفة مباشرة في حياة إخواننا العمال قد يثير حفيظة مصالي وتخوفه من أن يرانا نستولي على تعاطف بعض أنصاره، فكنت أرى في هذا الافتراض بعض الظرف المخفف لموقفه. ثم إن نقاشا داخليا بدأ يشغل ضميري. فقد بدأ الحديث في الحي اللاتيني عن قدوم (فيدرالية منتخبي قسنطينة) بقيادة رئيسها بن جلول. وقد كنت إصلاحيا حادا، إر درجة أني تجرأت (في سنة ١٩٣٣!) واقترحت ابن باديس رئيسا شرفيا لجمعية الطلبة الجزائريين مثيرا اندهاش كل من نارون الذي طرد من الاجتماع، وبومنجل الذي سجل موقفي لتبليغه لرئيسه ماسينيون. فكان المشكل يطرح على ضميري في صيغة معضلة: بن باديس أم بن جلول؟ وبما أني لم أتردد لحظة في الحسم لصالح (العلماء)، فقد كنت أبدي تعاطفي مع مصالي الذي كان يتودد حينها ل (علمائنا) تماما كما كان يتودد لظل الأمير خالد. وعليه فإني كنت اعتبر نفسي حليفه في هذه النقطة بالذات رغم أني لم أكن في صفه. ولم أكن أعرف، من جهة أخرى، أن (العلماء) سيصبحون، سنوات بعدها، حماة لابن جلول عندما كنت أهاجمه ك (خائن) في وقت كانت الجزائر تضعه في الذروة، وأخص من العلماء الشيخ العربي التبسي. وأدرك الآن أن (العلماء) كانوا يتحسسون في شخصي الشاهد العصي في وقت رأوا فيه أنه من (الإسلام) التفاهم مع متواطئ مع الاستعمار عوض التفاهم مع الذي يكيل له الاتهام.

стр. 72

وقد بدأ النقاش الذي أحتدم في ضميري والذي فصلت فيه لصالح (العلماء)، وبالنتيجة لصالح مصالي، يضعف بفعل همومي الأخرى. فوضع عائلتي لا يزال يؤرقني، وعملي يتعبني. ثم أضيفت قضية إصلاحية، ستورطني (كما أدرك اليوم) دون رجعة في منطق الإدارة الاستعمارية وتحكم على والدي نهائيا. حصل أن صدر تلك السنة (مقرر ميشال) المشهور والذي يقضي بمنع المساجد على (العلماء). غير أن الشيخ العقبي لم يكن ليتحمل فكرة منعه من الذهاب للصياح والتصبب عرقا، كل مساء، في مسجد الجزائر العاصمة، فنشر باسم (العلماء) رسالة مفتوحة طبع منها آلاف النسخ، ولم يدر ما يصنع بهذا العدد الكبير، فمن السهل قول شيء ولكن من الصعب تحقيقه. فأرسل لي المخزون إلى باريس. طلب مني الإصلاح الجزائري خدمة، فلا تتصوروا أني سأرفض أداءها. شرعت بداية في تحريض الطلبة الجزائريين، ثم حررت باسمهم رسالة مفتوحة موجهة للإدارة. ولم تذهب جمعية الطلبة إلى حد التجرؤ ورفض تحمل مسؤولية رسالتي، غير أن بومنجل اقترح تهذيب نصها لأنها، كما قال، تتضمن بعض العنف. آه! كم أفهم الآن مسببات وأهداف الأشياء. كان علي أن أقبل تهذيب بعض فقرات رسالتي التي نشرت في الجزائر بالفرنسية في جريدة (La Défense)(الدفاع) وباللغة العربية في جريدة كان يتولى عبابسة نشرها في العاصمة، وانتقدت فيها ما اسميته بـ (المساعدين المكلفين بالصلاة) الذين فرضتهم الإدارة أئمة على المساجد. ولتوزيع رسالة (العلماء) المضادة لـ (مقرر

стр. 73

ميشادل)، قمت من جهة أخرى، بتجنيد بعض الطلبة مثل إبراهيم بن عبد الله. وقد قبلوا، مثلي، حمل وتوزيع المنشور في حي معين بوضعها في صناديق البريد. فال (العلماء)، لم يمدوني ولو بفلس واحد لمواجهة مصاريف المهمة في مدينة كل شيء فيها بثمن وبخاصة الانتقال من نقطة إلى أخرى بوسيلة ميترو الأنفاق. وقدرت ورفاقي أنه من الأفضل إرسال المنشور لبعض المخاطبين عبر البريد. فشاركنا في جمع مساهمات لتشكيل (صندوق للدعاية). وبهذه الطريقة استطعنا أن نوصل الخطاب إلى برلمانيين وكتاب وصحفيين، وبينما كنا نكد ونجهد أنفسنا من باب إلى آخر، كان ممثلو (الوطنية) يتباهون في مقاهي الحي اللاتيني وينتظرون موعد مهرجانهم الخطابي القادم. ولم تكن نتيجة جهدنا مخيبة وكانت الجريدة الوحيدة التي لمسنا فيها أمرا يعنينا هي (l'Action) (النشاط) الملكية التي تحدثت عن (أفاعي المسلمين) وهي تتناول موضوعا لم أعد أدري ما هو. أما (العلماء)، فلم أعثر لهم على أثر، رغم أني حررت رسالة للشيخ العقبي لحثه على صرف النظر عن (مقرر ميشال) وعدم الاهتمام به ولكن دون اجتياز عتبة المساجد الممنوعة. لقد اقترحت أن يؤم المصلين خارج المدينة، لأداء الصلاة تحت السماء أي تحت القبة الحقيقية للمسجد، والتي أم تحتها محمد ﷺ صحابته عندما كانوا مضطهدين. وبديهيا أنني أفهم -أو قل لم أفهم- القصور البين ل (العلماء) في هذه النقطة بالذات.

стр. 74

لقد خاطبت الشيخ العقبي لأني كنت أراه أكثر حماسة. ولكن، يجب أن أقول الآن وعلى ضوء تجربة طويلة، أن علماءنا كانوا دوما على قدر من الجهل يحجبهم عن إدراك الأفكار وعلى قدر من الجبن لتطبيقها إذا كانت ثمة بعض الأخطار. إنهم يحبون الجنة طبعا، ولكن على شرط وصولها بتأن وببطن شبعان وبفكر خاو وأن ينتظرهم ملك - أقصد مازحا شكل ملك - يقول لهم: (ادخلوا، أيها السادة، أنا أعلم أنكم تعبتم كثيرا في الحياة الدنيا غير أن فرش ناعمة تنتظركم.) ولكن ماسينيون يفهم الأفكار، وقد يكون لاحظ فكرتي، كما سيلاحظ بعد ستة عشر سنة، بعد صدور (شروط النهضة) ويعلق عليه بقوله: (هذا خطر حقيقي على الاستعمار). وبدأت شخصيا أتحسس وأعي هذا (الخطر) من أفكاري تماما كما بدأت أحس (بالخطر) الخاص لماسينيون على مستقبلي الذي لا يزال بعيدا، وعلى وضع عائلتي، فضلا عن والدي، الذي قرر بعد محاولات فاشلة لإدماجه في العمل، أن يؤدي فريضة الحج مصحوبا بوالدتي. وقد كتب لي ليعلمني بالأمر رسالة مؤثرة أبكت زوجتي، بينما كنت على العكس، فرحا متمنيا أن يبقى والداي اللذان نفرا من الاستعمار بأرض الحجاز حيث خططت للإقامة بعد نهاية دراساتي لأن شعورا غامضا اعتراني بأني لن أقوم بشيء في الجزائر. وانتهت سنتي الدراسية على وقع هذا الآمل.

стр. 75

رحيل والدتي كنت على عجلة من أمري للعطلة ورؤية الوالدين بعد أن أخبراني بعودتهما من مكة. والحق أن هذه العودة أصابتني ببعض الخيبة. غير أن التأملات وتصورات الحجيج الذين تشرف والداي أن يكونا ضمنهم، كانت تصرح بمخيلتي في القطار والباخرة اللذين حملاني إلى الجزائر. لقد كنت مستعجلا لأطرح عليهما أسئلة حول المملكة السعودية التي ابتهجت لإنشائها في ١٩٢٦ عقب نهاية دراستي بمدرسة قسنطينة. ولم أتوقف من يومها عن متابعة أخبار تطور الوهابية، التي شبهتها في البداية بسلفيتي قبل أن أفضلها تدريجيا. وصلت إلى تبسة في مثل هذه الحالة النفسية. وأذكر الوقار الخاص الذي قبلت به يد والدتي. وبدا لي البيت الذي كنا نسكنه -ولا زلنا - وكأنه يشع نورا وأنه أكثر إضاءة، وكانت أجواء مكة والمدينة حاضرة تحت سماء تبسة التي ظهرت لي أكثر إشراقا. أحضرت لي أمي الكثير من الهدايا والذكريات من الأماكن المقدسة وأخص بالذكر مسبحة من المرجان الأحمر. ثم بدأت، وهي المرأة النبيهة، فحدثتني عن العناية الإلهية التي مكنتها من تجاوز حاجز الجمارك في مدينة عنابة دون أن تدفع شيئا عما حملت من نفائس: حزام فضة من الضفائر لزوجتي، هدايا لشقيقاتي وطاقيات حجازية

стр. 76

لأبنائهن ومسبحات للجميع وأطقم للقهوة والشاي للببت. فبعد نزولهما من الباخرة، ووالدتي العرجاء تجر عكازيها ووالدي يحمل حقيبتين ثقيلتين، هرع إليهما أحد سكان عنابة من أثرياء المدينة المحترمين ودعاهما للنزول ضيفين عنده، فرحا باستقبال حاجين تقيين في منزله. ودون أن يفكرا بتاتا في الإجراءات الجمركية، توجه والدي ببراءة وبغير قصد نحو عربة مضيفهما العنابي. ولم ينتبه رجال الجمارك إلا بعد أن اتخذت أمي مكانا في العربة واضعة عكازيها أمامها فقدروا أنه من الأفضل أن لا يحرجا إمرأة بعرجتها. - وهكذا، قالت لي أمي وهي ضاحكة، لم أدفع شيئا، فلو قدر ودفعت حسب الثمن الذي دفعه بقية الحجاج، فربما لم يكن بحوزتي ما يكفي لتسديد المستحق ولكان لزاما أن أدع لهم نصف الهدايا. وقد أضحكتني هذه الواقعة البريئة فيما أضافت والدتي: - يا ولدي، إن الله يحفظ الأمناء دون علمهم. وهكذا وعلى امتداد أسبوع، لم يكن الحديث في المنزل إلا على الحج. ولوالدتي فن نادر في الرواية. وكان لها حس ثاقب في الملاحظة وعمق في الشعور ووضوح في الفكر، فكانت حكاياتها تسحرني. أو تثير شفقتي وزيادة عن ذلك، كنت أتعلم منها. فكنت أحج معها في فكري. وانتابني شعور لا يمكن وصفه عندما حدثتني عن الجو الذي تندفع فيه آلاف الأرواح نحو الله في تجرد تام عبر النداء الخالد المعهود: (لبيك اللهم لبيك).

стр. 77

وكانت روايات والدتي من الصدق في بساطتها إلى حد أنها تؤثر في نفسي أحيانا. فكنت أنسحب فجأة إلى غرفتي لأخفي دموعي. وكانت أمي ذات النباهة والعمق في الروح تحس بأوقات التأثر الشديد فتجد طريقة لمنحي فرصة للانسحاب. وكانت تبدي لي أحيانا ملاحظات عجيبة. فقد حدثتني يوما مثلا بأن ساحة المسجد الحرام بمكة يعج بالحمام. وكان هذا الحمام الذي يقتات بفضل المؤمنين يطير جيئة وذهابا ويحوم على هواه ويحط في (ميزاب الرحمة). وأضافت بأنها لاحظت بأن الطيور لا تحلق أبدا فوق الكعبة. أعرف أن لوالدتي عقل وضعي ودقيق. غير أن الملاحظة شدتني وأثارت تعجبي، فأردت المزيد من التوضيحات، فاسترسلت: - طبعا، يا بني فأنا أيضا تعجبت للأمر. فعاودت الملاحظة مرات عدة وفي أوقات مختلفة، فاقتنعت بما رأيت. كما روت لي انطباعاتها حول الأماكن والناس والسلطات. السلطات السعودية، كما قالت، تقوم بمهامها بالتمام وعلى أحسن ما يرام في كل ما يخص راحة الحجيج والنظام العام. ويقوم جنود شباب على حراسة ابن سعود عندما يقوم بالطواف حول الكعبة. ويبدو لي أنهم يحبونه كثيرا. كما قدمت لي تفاصيل عدة عن الطبخ والحياة ومظاهر الناس الذين شاهدتهم: - يبدو لي أن نساء مصر، على الأقل اللواتي رأينا، أكثر جرأة منا نحن نساء الجزائر. ثم أضافت: لا أعتقد أني رأيت من بينهن نساء أجمل من نسائنا.

стр. 78

سألتها عن مسائل الأمن المثالية التي يقال أن ابن سعود رسخها في الأماكن المقدسة: - بالفعل يا ولدي، فقد رأيت بأم عيني الأمر ... كنت أحبذ الذهاب لمسجد الرسول في المدينة المنورة في ساعات الفراغ للتعبد في الهدوء السائد تحت القبة. وفي مرة من المرات، وكان الوقت بين صلاتي العصر والمغرب، كنت وحيدة منزوية في ركن من أركان المسجد فوقعت عيني على محفظة نقود وكانت قريبة مني , ففكرت في الحاج المسكين الذي ضاعت منه فجمعتها. عند عودتي إلى الفندق حيث كنا نقيم سلمتها لوالدك ليسلمها بدوره إلى مدير الفندق معتقدين أنه سيفي بالمطلوب أفضل منا، نحن الأجانب. غير أن صاحب الفندق رفض استلام اللقيطة لمعرفته بالقوانين المشددة في حال كهذه. ولم يقبل سوى بإعلام الشرطة فقط. فلما قدم الموظف دون تأخر، وأظنه محافظ الشرطة، شرح لنا بأن اللقيطة يجب أن تبقى مكانها ولا يمكن أن تجمعها إلا السلطات. وبما أننا مجرد حاجين، يجهلان التنظيمات والقوانين، فقد استثناني وعفا عني وشكرني باسم صاحب المحفظة. فأنت ترى يا ولدي أن شريعة الله المقدسة مطبقة هناك بكل صرامة. كنت أعرف هذا الأمر، غير أني كنت أفضل سماع انطباعات وأحاسيس والدتي وكنت أعلم أنها تجد متعة في تبليغي أفكارها. وكان الإحساس الوحيد الذي حدثتني عنه وكررته على مسامعى ببعض الفروق والأسف باد في النبرة هي قصة فتاة سوداء، كانت أمه لدى عائلة مكية.

стр. 79

(لقد ترجتني هذه الفتاة المسكينة، ذات الثلاثين سنة أن ابتاعها , وبعد أن استشرت والدك، اتخذت قرارا في هذا الشأن. غير أن المخلوقة المسكينة. لم تطلب حريتها، لأنها لم تكن تعاني سوء المعاملة من أسيادها كما أنها فضلا عن ذلك تحت حماية قوانين مشددة. لم ترد إلا مرافقتنا إلى الجزائر. غير أن إمكاناتنا لم تسمح لنا بشرائها ودفع تكاليف سفرها في آن واحد. فشرحت الأمر للفتاة المسكينة ففضلت البقاء عند أسيادها الطيبين. وإني نادمة الآن فلو أننا تصرفنا ببعض التقشف لحملناها معنا). وبعد توقف لبرهة أضافت: - كانت ستأكل من الرغيف الذي كتبه الله لها. وكانت تتنهد كلما تذكرت القصة. لم أذكر مطلقا أني أمضيت هذا المقدار من الوقت من قبل مثل هذه الأشهر الثلاثة من العطلة. توسمت فيها جانبا جديدا وحماسة دينية وصيغة صوفية كانت تجذبني. للأسف كان الوقت يمضي مسرعا. وبدأت أفكر في العودة، وفي الدخول المدرسي. كما أن والدتي بدأت تفكر في الموضوع كذلك، ففي إحدى الأمسيات وبينما كنا ندردش على عادتنا، قالت لي فجأة: - لماذا لا تستقدم زوجتك. - ولكن يا أمي كيف علمت؟ أجبتها مقاطعا. - يا بني، إن للأم قلبا يخبرها. - إذن سأخبرك يا أمي، فأنا فعلا متزوج شرعا وزوجتي تسمت باسم خديجة.

стр. 80

- إنه اسم جميل. من الأفضل أن تستقدم خديجة لتمضي معنا فصل الشتاء هنا. - ولكن يا أمي ألم تفكري في دراستي، وضياع سنة. - أ ٥! الدراسة، الدراسة، لك من الوقت ما يكفي لها. - ولكن يا أمي أنت لك الوقت لرؤية كنتكي. أجبتها وأنا أفكر بأن هذه هي رغبتها. لم أفكر في غير ذلك تحت سماء صافية تتألق فيها النجوم. كان جو ذلك المساء لطيفا وهادئا بعد تناول الطعام. خرج أبي على عادته من المنزل، ولم أدر أين كانت شقيقاتي. كان رأس ابنة شقيقتي على ركبة والدتي التي تداعب خصلات شعر النائمة الصغيرة وهي تتأمل السماء الصافية. وبما أن والدتي تفضل إطفاء النور في هذه الساعة المبهجة، فقد لفنا ضوء خافت يناسب المشاعر العميقة. فقالت لي والدتي التي كانت متأملة سارحة الفكر وهي تنظر إلى النجوم: - يا بني، عليك ربما أن تخرج. أما أنا فلم أصل العشاء بعد. كنت بالفعل أفكر في حضور درس يلقيه ذلك المساء الشيخ الإبراهيمي في ساحة الولي سيدي بن سعيد. - ليلة سعيدة، أمي، هل أحمل عنك لطيفة؟ - لا، ليس هناك ضرورة سأضع رأسها على البلاط، فالجو حار. ليلة سعيدة يا بني. غادرت البيت بنوع من الغبطة في النفس، غبطة لم تكن إلا والدتي لتمنحها لي. وصلت زاوية الولي حيث كان الحضور كثيفا.

стр. 81

وبدا لي الشيخ الإبراهيمي الذي أراه للمرة الأولى أقل تشبها بالقدامى من (العلماء) الجزائريين. وقد اعجبتنى بلاغته. ولكنى لاحظت على الخصوص نباهة عقله التي كانت تمس مشكل اجتماعي لم يكن بمقدور أي (عالم) أن يجاريه كما أتصور. فقد تكلم عن التربية بكثير من اللباقة والدقة. لقد عمق حديثه السلفية في روحي أكثر. وأبدى جميع الناس إعجابهم به. فجأة دوى صوت رصاصة في أحد الشوارع المحاذية، فانقطع الإعجاب والسحر. وأسر أحد الناس الذي وصل لتوه في أذن أحد الذين كانوا بجنبه أن الأمر يتعلق بعملية أخذ بالثأر، وتناهى اسم الضحية إلى مسامعنا وكان لرجل طيب. لم أعد استمع للخطيب بل أفكر في هذه المأساة التي انفجرت في مكان ليس بعيدا. ولخصت مأساة العالم الإسلامي فيها. يقتل إنسان طيب. إنها أخلاقنا، قلت في نفسي. يا لها من وحشية. رأيت في أمي بعض الحزن. ثم قالت لي عندما رأتني أعد حقائبي: - أي بني، ها هو موعد عودتك قد اقترب. فهل ستلقاني السنة القادمة؟ لقد نطقت بهذه الكلمات وهي تبتسم. غير أن كلامها هذا أذهلني. - بمثل هذا الكلام سأحمل معي أفكارا سوداء. أفضل أن أبقى هنا واستقدم خديجة. وأضافت أمي التي كانت تبتسم لأن تأثري كان يعجبها باعتباره دليلا رقيقا على محبة يكنها ابن لوالدته: لا يا ولدي، ولكن أرسل

стр. 82

صورتها فقط. إني أريد أن أرى كنتي. هل هي طويلة القامة؟ إني لا أحب النساء القصيرات. أخذت من جيبي صورة لزوجتي كنت قد تلقيتها منها، ومددتها لها قائلا: - أجل إن خديجة طويلة القامة، ربما أكبر قليلا منك. - ولكن الكبر أصابني ولم تترك الأمراض مني شيئا. سأتأمل صورتها بروية بعد أن تخرج وأشعل النور. لقد كانت أكثر ساعات يومي حلاوة ثم بدأ الليل يخيم ويلف ساحتنا الصغيرة ويحيط ملامح والدتي بهالة، وقد كانت تتخيل تقاسيم كنتها من الصورة. وإلى موعد مغادرتي، جرت بيننا سلسلة من الأسئلة عن زوجتي، حول قدراتها المنزلية وأخلاقها وروابطها العائلية. وكنت أحس من كل سؤال انشغالا أموميا كانت تزيله إجابتي: فالأم لا تمنح كنوزها لأي كان. غير أن قلقا مبهما سكنني بعد هذا الحديث: - لا تتعبي نفسك يا أمي ثم إنك تحسين بالألم. ثم أضفت مؤكدا وأنا أقبل يدها إذ استعد للمغادرة: يجب أن تستدعي طبيبا. - كان الله في رعايتك وحفظك يا ولدي. إذا مرضت فهو الذي سيشفيني. أما التعب فإن لطيفة الصغيرة تساعدني كثيرا وتقرب لي كل ما يبعد عن متناولي.

стр. 83

- سأنهي دراساتي في العاجل وستأتي خديجة لتجنبك كل المتاعب وتدعك لصلاتك ودعائك. لقد كانت والدتي بالفعل ربة بيت فائقة، على علتها، وكانت تقوم بكل شيء من طهي وغسيل ونظافة لأن إمكانياتنا لا تسمح باستقدام خادمة. أحسست، وأنا أودعها، بنظرتها العميقة وهي تلفني بحدة جعلت يدي ترتعش على الحقيبة. كانت واقفة في السلم. عندما وصلت الباب التفت فرأيت لآخر مرة عينيها الجميلتين مغرورقتين بالدموع: - أه يا أمي إنك تبكين. - توكل على الله، يا بني رعاك الله، أنا لا أبكي، ثم سكبت على السلم كأس من ماء، الماء الذي يدل في الرمزية الإسلامية على ضمان العودة. اجتزت عتبة المنزل وأغلقت الباب دون أن أحس بأني أصبحت بعيدا، بعيدا جدا عن والدتي التي لن أراها أبدا في هذه الحياة الدنيا. وكالعادة، كانت العودة إلى باريس في جو الدخول: البيئة الصاخبة للحي اللاتيني والأحاديث مع الأصدقاء والزملاء بعد غيبة دامت ثلاثة أشهر. ثم استئناف حياة الجد والكد ببرامجها وساعاتها وأفراحها وأتراحها. كنت لا أزال أسكن وزوجتي في ذات العمارة التي آوتنا السنة السابقة، غير أننا غيرنا الشقة وأصبحنا مستأجرين لدى تاجر أصباغ كانت زوجته تشتغل سائر اليوم في المتجر الكائن في الطابق الأرضي مما يجعلنا في راحة تامة.

стр. 84

ضاعفت من الجهد في العمل لأن تضحية والدي كانت تثقل ضميري أكبر من أي وقت مضى. ولم أعد أظهر في نادي اتحاد الشبان المسيحيين إلا مرات متباعدة. غير أن رفاقي كانوا يزورونني يوم الأحد. وكانت زوجتي تعد لنا طبقا من الحلوى ونتبادل أطراف الحديث طوال الزوال , وكان موضوع مناقشاتنا يدور، كما هو الحال لدى الجميع، حول صعود هتلر إلى سدة الحكم. وكان المشكل اليهودي مطروحا. فكانت المواقف منقسمة بين المؤيدين والمعارضين. (المعارضون) كانوا يبتهجون عند كل فضيحة على غرار فضيحة ستافيسكي (١)، التي كادت هذه السنة أن تقضي على الحكومة. (المساندون) كانوا ينظمون صلوات من أجل (اليهود المساكين) الذين يلاحقهم البطش وتغلق متاجرهم في ألمانيا. ثم إني حضرت محاضرة لماسينيون لم أعد أتذكر أين ألقاها. وتحدث هو الآخر عن هذا (الاضطهاد الأعمى). وكان مما قال: - لقد كلمتني امرأة يهودية مسكينة هذه الأيام قائلة أنه لم يبق (لجنسها الملعون غير الانتحار). غير أن هذه التمثيلية وهذا التظاهر أثارا تعجبي، ففكرت: تغلق المساجد في الجزائر وتحدث ملاحقات في فلسطين ولا يندد أحد. تغلق محال في برلين، فيستتبع الحدث سخطا عاما.

стр. 85

طرحت على عقلي قضية الضمير والدين المسيحي بكل قوة، فأصبحت تشغلني وحاولت أن أفهم المشكلة. وساح فكري في مسائل تاريخية حاولت بكل شغف أن أجد لها تفسيرا. فقد اعتقدت أن الفكر المسيحي مرتبط عاطفيا وفكريا، ومتواصل مع فكر الحواري بولس (Paul) . من كان القديس بولس هذا الذي ينشط ويلهم كل الفلسفة المسيحية منذ تسعة عشر قرن؟ وبدأت أدرس بكل قوة الإنجيل والقرآن. فظهرت لى حقيقة تاريخية. لقد اضطهد بولس التلاميذ الأولين للمسيح في أورشليم حيث كان يتابع دروسه التلمودية. وهذه الحقيقة تؤكدها وتشهد عليها الصيحة التي ينسبها الكتاب المقدس إلى عيسى ﵇ بعد وفاته، عندما التقى القديس بولس وهو في طريقه إلى دمشق: - لماذا تضطهدني يا بولس؟ ونحن نعرف بقية القصة: أصبح بولس، بسحر ساحر، حواري الدين الجديد ومؤسس الفلسفة الجديدة الناشئة وأقعدها على فكرة (انتخاب إسرائيل). وكانت ثمة أسئلة أخرى تفرض نفسها علي: لماذا سعى بولس دوما لتحويل رفيقه تيموتي (Timothée) وصرفه عن (بلدان الشرق) حتى وكأنه يريد أن يخص أوروبا دون سواها بالدين المسيحي. ثم إني كنت أرى في تاريخ إسرائيل ظاهرة محيرة: عندما أزفت ساعة الشتات، أي الخروج الثاني لهم خارج فلسطين، توجه اليهود نحو أوروبا التي لا تزال حينها متوحشة ودون تجارة،

стр. 86

عوض التوجه نحو آسيا المتحضرة التي كانت تزدهر فيها التجارة. لم يطرح أي مؤرخ هذا السؤال الذي بدا لي مسلمة قطعية. وكان الجواب يفرض نفسه على ضميري. لقد أحس اليهود غريزيا أن نفوذهم سيكون في أوروبا، أي في البلدان الوحيدة التي يمكن لهم أن يسيروا فيها الأفكار والرجال على هواهم. تجلت لي لدغة العقل اليهودي (للروح المسيحية) في الصيحة التي أطلقها القيلسوف الكاثوليكي ماريتان (Maritain) الذي أجاب، بالمناسبة، شابا نصرانيا، تأثر بجو معاداة السامية السائد في تلكم الأيام، وهو يحدثه عن عيسى: (إني أمضي نصف عمري وأنا منحني أمام قدمي يهودي قلبه ممزق). هذه العناصر تترتب في ذهني وكأنها أجزاء من عقيدة ترى في اليهودي المحرك الخفي للحروب الصليبية والاستعمار مرورا بمحاكم التفتيش، وهي عقيدة لا يمكن إدراكها من خلال بطرس المتنسك، ذلكم الجاهل الوحشي. ثم لاحظت كيف بدأ فكري يلح تدريجيا الميدان الخفي حيث أرى فاعلا وحيدا هو اليهودي، بينما لم يظهر لي المسيحي سوى أداة، رغم بعض وعيه، فهو إنسان يحمل حقيبته ويذهب كل صباح إلى مكتبه، إنسان يحمل مزودته ويذهب إلى مصنعه خدمة لأغراض إسرائيل في هذا العالم. ورغم أني كنت أعي الخطورة الكبيرة لأفكاري، فإني كنت أجاهر بها في كل مكان. وكنت أحدث بها أصدقائي مساء كل سبت في

стр. 87

الهوقار وكانوا لا يشاطرونني آرائي. غير أن صالح بن ساعي قال لي سبع سنوات بعدها: - لقد كنت محقا، فاليهودي يؤدي كل شيء. لقد أدركت أنت الأمر في عالم الأفكار أما أنا فقد أخذت وعيا بذلك في عالم المال والأعمال. وكانت حججي لا تنصب على أشكال الأشياء ولكن على مضمونها، مما سيجعل مني (العقل الأخطر) الذي يمكن أن يتجلى لدى أحد (الأهالي) من سكان المستعمرات في شمال إفريقيا، وأنا أعي المسألة اليوم جيدا. واليوم حيث اعتقد أن نهايتي قريبة بطريقة أو بأخرى، فإني لا أفكر في أي فخر: فلا أعتقد أن ملفي الحقيقي موجود لدى الحاكم العام أو في وزارة الداخلية وإنما في الفاتيكان أو في المجمع الديني اليهودي. وأنا واثق أن الذي يدرك الوزن النسبي للأمور سيفهمني بكل بساطة. ومهما يكن، وكلما تعمقت في الأشياء، بدت لي مقاربة (الوطنيين) و (العلماء) سطحية، فالطرف الأول يعتقد أن بإمكانه حل قضية سياسية بالمهرجانات الخطابة في قاعة بوهلييه أو في قاعة لا ميتييل (١)، أما الطرف الثاني فكان يعتقد أنه بمقدوره حله بالنحو العربي. غير أني حافظت على الصلة بالطرف الأول وكنت أدافع دوما عن الطرف الثاني، وكنت أقول أننا سنضع أنا ومحمد بن ساعي - بعد الدراسة - الأسس الحقيقية لسياسة جزائرية.

стр. 88

ثم إن (الوطنية) (١) بدأت تبرز أهدافها الربحية في باريس: فمصالي افتتح مقهى شرقيا في مومبارناس سماه (تلمسان) ... ويجب الإقرار أني لم أنظر في حينها الأمر بملامة باعتبار أن من واجبـ (قائد الوطنية) أن يضمن قوت عائلته بطريقة أو بأخرى. إلا أنها، وللأسف، الطريق المعبدة (للوطنية الجزائرية)، الطريق التي يسلكها حتما كل مغامر، يتطلع إلى فتح مطعم شعبي أو مقهى عربي، أو قيادة نقابة أصحاب المطاعم. غير أننا لا زلنا-باستثناء مصالي- في مرحلة النشوة العاطفية. والمثير هو أنه في الوقت الذي ابتعدت فيه عن (الوطنية) أصبح بومنجل وطنيا وأصبح فيما أذكر، محرر جريدة (L'Oumma) (الأمة) إلى جانب الهادي نويرة وتونسيين آخرين. وللحقيقة فإني كنت أخطو، أنا المنهجي المنظم والكريم، خطوات متأنية على درب الخطأ، درب الوطنية الاشتراكية. وسيكون الخطأ قاضيا وسيظهر لي أنني لم أكن منظما ولكن كنت كريما فقط. فعشر سنوات بعد الواقعة، كان علي أن أتعلم أن الوطنية الاشتراكية أدت إلى تكريس المبتغى اليهودي المرسوم منذ ألف سنة بإنشاء نزعة توحيدية أوروبية وسيادتها على العالم المستعمر. ولكني كنت بعيدا عن هذه الحقيقة.

стр. 89

كما أن حماسي الوطني الاشتراكي كانت تبرره الأحداث الدولية نفسها. لقد كانت السلطات الانجليزية تضطهد الفلسطينيين وكان المفتي الأكبر يستغيث باستمرار. ومن جهة أخرى، أعلنت الصحافة فجأة في حدود شهر ماي أن (أحداثا خطيرة يتم الإعداد لها على حدود الحجاز). فكان للخبر وقع على نفسي، لأن السلفي، بل قل الوهابي، الذي كنت وقتها، فهم بصورة دقيقة جدا معناه. فهمت أن اليهود، وهم يتحركون كمستشارين علنيين أو خفيين للاستعمار، قد أعدوا مؤامرة ضد ابن سعود. كنت أعلم أنهم وبعد أن استعملوا ضده كل (الأسلحة الداخلية) (انتفاضات متعددة قادها الدرويش وابن رفادة وغيرهما)، فسيلجأون إلى (الأسلحة الخارجية). ولم أجانب الصواب. كانت الفاشية الموسولونية تسعى وقتها لبعث الإمبراطورية الرومانية. عشت أياما في تأثر بالغ. فكنت أدعو الله في صلواتي، والدموع في عيني، أن يحبط الحسابات الخفية التي كانت تريد استعمال الإمام يحيى لتحطيم ابن سعود. كنت أتبين إيطاليا بصورة جلية وراء إمام اليمن، ومن بعدها انجلترا وفرنسا، ثم اليهود من وراء الجميع. وبعد أن رجعت يوما من قضاء بعض حاجاتها، روت لي زوجتي أنها سمعت رجلين يتحدثان أمام متجر. قال أحدهما: - سوف تدمر انجلترا هؤلاء المتعصبين ومعهم ابن سعود. وعندما تثاقلت زوجتي في مشيتها لتسترق السمع أكثر، دخل الرجلان المتجر. وفي الغد أو بعده، نشرت الصحف خبرا مفاده أن

стр. 90

الجيش السعودي بقيادة الأمير فيصل قد أفشل بمناورة سريعة كل خطة الحرب التي أعدها الإمام يحيى إذ تم الاستيلاء على ميناء الحديدة في ظرف أربع وعشرين ساعة، كما تم حرق أو إغراق جميع المركبات التي سلحت بغرض الاستيلاء على جدة وساعد على ذلك انتفاضة داخلية، وفر حاكم مدينة الحديدة سباحة حاملا معه محتوى الخزينة العامة قبل أن يلحق به جنديان سعوديان ويعودا به ويسلم للسلطات. لم يحصل نهب ولا عنف ولا تجاوزات من قبل السلطات الوهابية. وقد لفتت جميع هذه التفاصيل انتباهي وكانت لها مغزى عندي. وقد أوردت الصحافة الأحداث وتحدثت عنها كما يجري الحديث عن كارثة مجملة بمشاريع وأفكار ونتائج. لقد خسر موسولوني بوضوح، أما الآخرون فاندحروا كذلك إلا أنهم لم يفصحوا عن خيبتهم التي أبانتها عناوين الصحف التي كانت تتضمن تعليقات عن الوضع الذي خلقته (قبائل متزمتة ومتوحشة تسمى الوهابية). ولم أزدد إلا فهما وإدراكا لأهداف الاستعمار وحقيقته. ولهذا فقد أصبت بالخيبة المريرة إثر مطالعتي، بعد الأحداث بوقت، في مجلة (الشهاب) مقالا لابن باديس يتأسف فيه على (إراقة دماء الإخوة المسلمين) , هذا ما استخلصه الشيخ الموقر من هذه المأساة التي تقابل فيها روح الإسلام و (خيانة) المسلمين. تحسرت على السلفية الجزائرية ونظرتها الضيقة والجبانة. لم تزدني نهاية السنة الدراسية إلا إغراقا في معادلاتي وفي مخططاتي الرياضية. وكنت على عجلة للذهاب للعطلة , وفي يوم من

стр. 91

الأيام، وجدت لدى عودتي من المدرسة رسالة من زوج شقيقتي، حررها بإملاء من والدتي، التي أمدني بشأنها بأخبار جيدة. ولكنها طلبت قدوم زوجتي في الحين إلى تبسة. كنت أعرف الكثير عن العقل السامي والمهذب لوالدتي فافترضت أنها ترغب فقط في إعداد زواج ابنها حسب الأصول والمقتضيات. وفي كل الظروف لم أكن لأخطئ لعلمي أن والدتي كانت تأسف على زواجي الذي لم يحدث تحت إشرافها وفي منزلها. فكأنما لم أتزوج أصلا. وهكذا بدأت أساعد زوجتي بفرح وغبطة لإعداد سفرها. وغادرت بعد ثلاثة أو أربعة أيام. ولم يبق لي إلا عشرين يوما للانتهاء من الامتحانات وللحاق بها. طلبت من الحاكم العام الاستعادة من تخفيض في سعر تذكرة السفر إلى النصف فأجابني بأن ليس لي الحق لأن والدي من (المالكين) (propriétaire) (ونحن لا نملك سوى سكننا)، في ذات الوقت الذي استفاد من التخفيض طلبة في الهندسة من سيدي بلعباس من أبناء المعمرين. ولتمام القصة فقط، فقد كنت طالبا متفوقا أي استحق التخفيض. ومهما يكن، فقد كنت سعيدا يوم مغادرتي باريس. وأثناء الطريق، في القطار أو في الباخرة، كنت أتخيل والدتي وزوجتي تخيطان معا وهما في انتظاري. وكنت أتصور تبادل آرائهما حول عديد من المسائل. فأنا أعلم أن والدتي فضولية تحب الإطلاع وأن زوجتي حبوبة وذات رقة وستشبع فضولها. وكنت أعلم أيضا أن في مقدور زوجتي أن تحول حياتنا العائلية وأن لأمى من الذكاء ما يشجعها على ذلك.

стр. 92

وصلت إذن بنشوة طالب اجتهد وعمل جيدا وابن وزوج تنتظره العائلة. ولم يكن ثمة ما يفسد هذه النشوة. وفي محطة تبسة، وجدت عددا كبيرا من الأصدقاء في انتظاري. سماء تبسة تعجبني دائما. وكان لجمالها غير الحسي- لأن السحب نادرة في فصل الصيف- يتناغم مع طبعي السعيد. عندما تجاوزنا أسرار المحطة، انتبهت أن والدي غاب عن استقبالي. فأبديت ملاحظة في هذا الشأن وأنا ابتسم للصديق العزيز، الشيخ صادق، ﵀، وقد كان يشد على معصمي الأيمن برقة وحنان. فزاد في الضغط على معصمي. واخترق نور حزين فكري وتوجهت للشيخ صادق صارخا بعد أن توقفت: ماذا أصاب والدي؟ طأطأ رأسه وضغط أكثر على معصمي: - لا إن والدك في صحة جيدة ... غير أن العجوز ... فصحت: ماذا؟ - رحمها الله، أجابني الصديق بتهتهة. أحسست وكأن الأرض انشقت من تحت قدمي وسقطت فى هاوية، لم أدر ما نوع الهاوية التي تنبثق منها الآلام الكبرى التي تحيط فجأة بالضمير وتقضي عليه. فكان النواح وخارت قواي وانطلقت في الدموع كالطفل. أحاط بي الأصدقاء ليربطوا على قلبي بصداقتهم. بيد أني اعتقدت أن لا شيء يستطيع أن يخفف عني اللوعة من يومها. ثم انطلقت أجري حتى وصلت المنزل ولم أكن أدري لفرط الصدمة أني لن أجد والدتي أبدا.

стр. 93

الخونة - الأبطال على الدرب كانت عطلتنا صعبة للغاية، فقد خيم الحزن على البيت الذي كان طلقا ضاحكا بوجود والدتي. أما والدي فبدا وكأن لا عزاء له. في حين أحسست بشعور اليتم وكنت أزور يوميا تقريبا قبر الراحلة العزيزة. زوجتي المسكينة، من جهتها، أصابها التيه أمام هذا المصاب الذي بدت عاجزة تجاه الموقف. في البلد أيضا كان هناك حداد لم يظهر للعين وبدأ يجول في العقول. جرى ذلك، كما يذكر، في الصائفة المشهودة التي رفض فيها شوطان (١) Chautemps استقبال وفد بقيادة بن جلول، فقدم جميع المنتخبين المسلمين في الجزائر استقالتهم. عندما وصلت عنابة قبل أن أبلغ الخبر الحزين الذي كان ينتظرني بتبسة كنت شاهدا على حماس أدرك جيدا عمقه وبعده السياسي. كان سي الجندي وسي الجنيدي أكثر العنابيين الذين عرفتهما طيبة ومودة، وكانا يقودان حركة الاستقالات التي جاءت ردا على صفعة شوطان. فكان الأعضاء يضعون احتجاجاتهم في مكتب سي الجندي.

стр. 94

ثم انتقلت الحمى التي أصابت منطقة قسنطينة لتعم باقي الولايات. إنه أول عمل سياسي بهذا الحجم يسجل في الجزائر. غير أن القادة كانوا من طينة الرجال الذين يستغلون لصالحهم مثل هذه الظروف النادرة التي تبين كيف يكون الشعب الجزائري حاضرا عندما يدغدغ شعوره وشرفه. ولكن هل كان ثمة شعور في قلب ابن جلول أو في قلوب نائبيه المدعو الدكتور بومالي أو المدعو بن جامع، هذا الأخير لا أحد يعرف كيف رقي إلى رتبة أمين اتحادية المنتخبين؟ بل أنا أعرف الآن الكثير عن ذلك. كان الشك يخامر ذهني وسيبدي لي المستقبل أني على صواب. غير أن الكثيرين كانوا يلومونني في تبسة عندما أعبر عن شكوكي في قدرات وإمكانات بن جلول، وأخصهم الشيخ العربي التبسي. وكنت ألاحظ أن هذا الأخير ليس لديه إحساس، كما هو شأني، بأن حركة بن جلول ليست سوى مجرد تلهية تصد عن حركة الإصلاح. وقد تبينت جيدا وأقولها صراحة أن إنشاء فدرالية المنتخبين إنما هو بمثابة دفن للسلفية، فالأولى كانت تجذب الضمير الشعبي نحو (الفرنسة) والثانية نحو الأسلمة. ولم يدرك الشيخ العربي أيا من هذه المعاني ولم يكن لديه حدس بهذه الأحداث ولم يفهم تحليلي وإثباتاتي. على أن نيته كانت حسنة رغم ذلك (١). وهكذا بدأت العوارض الأولى للبغضاء تتجلى بيننا وزادها استفحالا سوء نية الشيخ والعجب وغياب النزاهة لديه.

стр. 95

وزيادة على ذلك، وباستثناء عودة محمد وصالح بن ساعي وعلي بن أحمد، ﵀، لم أكن أتفق حول هذه النقطة مع أحد، حتى مع الخالدي الذي أنهى دراسته الثانوية , أما أنا فلم تكن لدي صعوبة في تمتين مواقفي المناهضة لبن جلول، لأن الأحداث كانت للأسف تثبت حججى. فقد تناهى إلى سمعي ذات مساء أن الدكتور بومالي، عليه رحمة الله، وصل إلى تبسة، فبدت لي هذه الزيارة في الليل غامضة، فرغبت في لقاء الرجل والتحدث إليه. التقيته بالفعل خلال نزهة بالمدينة وهو يتحدث مع أحدهم وهو المدعو ولد فيلالي محمد الذي تبين أنه عميل للمكتب الثاني، وقد اعترف هو شخصيا بالأمر بعد ذلك. قدمني قريبي مسكادجي إلى الدكتور بومالي الذي لم أكن أعرفه من قبل. فباشر الحديث عن غرض زيارته الليلية. لقد قدم تبسة لتعليق حركة الاستقالات التي بدأت ترتسم وتلوح في الأفق. قد يكون تعجبي ارتسم على محياي إذ خاطبني قائلا: - إن الوالي استدعاني ليحذرني إن لم تعلق الاستقالات فسيضطر لاستدعاء الجيش ... الزواوة (Les zouaves)، كما أوضح لي للتدليل على خطورة الوضع. لقد كنت أمام أول خائن - بطل (Traitre - héros) للفديرالية. أدركت المسألة للتو وتركت غضبي ينفجر أكثر من اللزوم إذ صرخت:

стр. 96

- يفهم من كلامك أن السيد الوالي قد أرسل عبرك إنذارا أخيرا للسكان. ربما كانت هذه أول مرة يواجه فيها بومالي معارضه، وهو الذي اعتقد أنه من الواجب أن يشرح لي نبل مهمته فقال: يجب أن تفهم أني لا يمكن أن أدع السكان يتجهون إلى المذبحة. - إن مذبحة يرتكبها الزواوة أفضل من صفعة شوطان، أجبت محدثي الذي اندهش ولم تكن لحيته الكثه تكفي لتستر الإحراج الذي أوقعته فيه أو الزيف المحيط بكامل شخصه. تقدم محمد الفيلالي الذي كان بعيدا، بعض الخطوات وقال: - سي بومالي الجماعة في انتظارك! لاحظت كيف أنه اجتهد لينقذ شريكه من الإحراج. إنه اليقين المادي الأول الذي بحوزتي حول أبطال الفيدرالية. أصبح موقفي المناهض لابن جلول أكثر منهجية واشتد سوء تفاهمي مع العربي التبسي. وأضحت عزلتي في تبسة تزداد لتبلغ أوجها. انفجرت اضطرابات ٥ أوت ١٩٣٤ بقسنطينة كأنها صاعقة. وانتشرت تداعياتها في كامل المقاطعة لتعم بعدها تدريجيا باقي الوطن، لتتجاوزه للخارج. قتل بعض اليهود واغتالت الشرطة بعض المواطنين العرب في المدينة. رفضنا في تبسة أن تمس الأقلية اليهودية بسوء إلى حد أننا بتنا نحرس المدعو مورالي تحت شرفة بيته بعد أن قدرنا أنه كان أكثر أبناء جاليته عرضة للانتقام، وكان

стр. 97

إمام المدينة جليلا إذ رافق في إحدى المرات يهوديا مسكينا اعتدى عليه شخص مارق. بيد أن هذه الأحداث ستفرز في الجزائر أثرا سياسيا كبيرا. فقد ظهرت لنا من هذا التاريخ مسألة الصنم بن جلول، دون أن يفهم هو نفسه ماذا جرى له، وأنا على يقين بذلك. لقد نطح شرطيا كان ينظر إليه بازدراء، في ساحة (الغاليت) بقسنطينة غير أن ضربة رأس بن جلول أفقدت الجزائر وعيها، وهي التي خرجت في ذلك اليوم عن السبيل التي رسمها لها الإصلاح بغموض. فأنصار الإصلاح أنفسهم لم يفهموا مطلقا المعنى العميق للأحداث، وأمدوا هم أيضا الصنم الجديد بأصواتهم الانتخابية. حتى الشيخ بن باديس الذي ظهر أثناء الأحداث العصيبة وهو متحل بشجاعة سامية، وبكرامة تامة، كان أبعد من أن يعي مغزى الأحداث. وأخيرا، ورغم أنفي، فإن بن جلول رفع إلى درجة (الحكيم) والبطل الوطني رقم واحد. حتى الصحافة المصرية تحدثت عنه كبطل للإسلام. ولم يشك أحد في الجزائر في معرفة من كان وراء التنظيم المحكم للتمثيليه. ولم يتبادر الشك إلى الأذهان حتى عندما رفضت (فيدرالية المنتخبين المسلمين) أموالا وجهتها لجنة إسلامية في فلسطين لصالح (الضحايا المسلمين في قسنطينة). فحتى بعد هذا العمل الشنيع الذي قام به (الحكيم) لم يرتفع صوت للتنديد به. هكذا كان حال الجزائر في سبتمبر ١٩٣٤.

стр. 98

بما أنني كنت سأغادر الوطن عبر سكيكدة فقد ارتأيت أنه من الواجب أن أتوقف بقسنطينة لرؤية البطل الذي تتحدث عنه الجزائر قاطبة، طولا وعرضا، والذي كان الناس يسمون أبناءهم باسمه تيمنا وكذا أنواع من القماش. ثم بدأت (طريقة بن جلون) تطبع لباس الحرير للمتزوجين الجدد، وفسق داعرات بسكرة اللواتي كن يتغنين بنبي الله الجديد. عندما وطأت قدماي عيادة الدكتور بن جلول، كنت لا أزال أشعر بالإحساس الذي يواجه الإنسان وهو يقابل شخصية كبيرة ذات وزن وقيمة، أو حتى الشعور الذي ينتابه عند لقاء (قاطع طريق كبير). وكانت الخيبة التامة. فقد بدا لي الرجل عاديا في تفكيره وحركاته. ففي هذه العيادة التي ستصبح لعشرية كاملة القلب النابض للبلاد، رأيت المثقف (الأهلي) (indigène) الأكثر فظاظة في حياتي. الخطة الانتخابية كانت أسمى أفكار هذا الرجل السياسي الكبير. رأيته محاطا بمساعديه فرحات عباس وآخرين، والكل منحن ومنكب على حساب عدد الأصوات التي يمكن أن تمنحها هذه البلدة أو تلك. عجبت لرجل ولد ليملأ الكلمات المتقاطعة في صحيفة وضيعة وملء الفراغات في ألعاب الجرائد، كيف أصبح قائدا لبلد رهنت مستقبلي ومستقبل عائلتي في سبيل مستقبله. فقد بدأت أشعر أكثر فأكثر بمثل هذا الإحساس وتراودني الأفكار بشأنه. حاولت دون جدوى أن أسمو بمستوى الحديث. كان ذلك مستحيلا، بل أني أحسست أن الرجل كان محرجا، عندما ذكرت له بعض الأفكار حول المشكل التاريخي والنفسي والاجتماعي الذي

стр. 99

يقع في قلب المأساة الجزائرية. ففهمت من ساعتها أن كل ما لا يخص الانتخابات لا يدخل في ميدان السياسة، من وجهة نظر (الحكيم). وعندما هممت بمغادرته، ظن أن من الواجب أن يقنعني برهبانيتي، فقال بنبرة تعاطف حتى يقنعني بخطئي: - أنتم الشباب، تريدونها صوفية. لا أعرف إن كانت صدرت مني حركة إشفاق على هذه (الواقعية) الجديرة بواقعية عجوز قسنطينية مقتنعة أن واد الرمال هي حدود الكون، وأن أفكارها المسبقة تمثل عالم الأفكار الماضية والحاضرة والمستقبلية. غير أني لما أقوم بعملية إسقاط على المستوى الإداري على الرجل الذي قابلته في الحين والأفكار التي ألهمني بها، فإني لم أر (مستقبلا سعيدا) للجزائر. اللهم إلا إذا .... أه! كم كنت استعجل وبن ساعي إنهاء دراستنا. أما راهنا فإني كنت احتقفل ببعض الآمال في (العلماء) وفي فريق مصالي. وصلت باريس في مثل هذه الاستعدادات النفسية لإنهاء دراستي. غير أن هذه السنة بدأت سيئه. فقد حل في المدرسة مدرب أظهر لي البغض والمقت. هل كان موقفه يعبر عن آثار أحداث قسنطينة في نفس صهيونية؟ كان شعره المتجعد يوحي لي بالأمر، علاوة على لون بشرته. كما أن عينيه القاتمتين توجهان لي ومضات كالسهام. فلو كان في ظروف أخرى لكنت سخرت من موقف هذا الغر الذي قدم إلينا من المدرسة العليا للكهرباء.

стр. 100

غير أن الحداد الذي أعقب رحيل والدتي قد ملأ روحي. وكان الظلم يثير حفيظتي. وقد عزمت مرة على تأديبه إلا أن الاحترام الذي أكنه للمدير أثناني عن الانسياق وراء هذه الرغبة. ومن جانب آخر، فإن موقفي من هذا المدرب هو موقف شخص اخترق نفسيته. وهكذا كان السخط يتعاظم من الجانبين إلى درجة أني قررت في آخر الثلاثي وقبل أعياد الميلاد أن أذهب إلى مدينة درو حيث كانت زوجتي في ضيافة أمها. في هذه الأثناء، سنحت لي الفرصة التعرف في المدرسة على بعض التلاميذ الجزائريين الذين التحقوا بالسنة الأولى كبوقادوم وبواعنيني. كان بواعنيني أكثرهم جدية وودا، وقد أصبح صديقا لي ولم أبخل على مساعدته لاستيعاب مادة حساب التوجيه والكهرباء النظرية. وبقيت باتصال مع هذا الفريق من الطلبة المهندسين حتى أثناء وجودي بدرو وكنت أتوسم فيهم اتجاها جديدا للطبقة المثقفة الجزائرية التي كانت إلى عهد قريب تختار دراسة الحقوق والطب. وكنت أسعى لتبليغ مواطني كل تعلقي الشديد بالتقنية وأسباب ذلك. ولم أكن أضيع وقتي في درو بل كنت ألتهم البرنامج الخاص بهندسة مسح الأراضي بالمراسلة مع مدرسة الأشغال العمومية إذ كنت أعتقد أن هذا التخصص سيكمل بنجاح تكويني كمهندس كهربائي، عزمي وحزمي أكثر من ذي قبل، على التحول والإقامة بالحجاز حيث كنت أفكر في أن أعمل في مجالات الطرقات والمناجم. وتحت ضغط الظروف، أصبحت اتصالاتي بـ (الوطنية الجزائرية) قليلة في الوقت الذي بدأ فيه حضورها بباريس يتسع ويأخذ أهمية. ومن جهة أخرى، فقد غادر فريد

стр. 101

زين الدين العاصمة الفرنسية بعد أن قدم أطروحة في القانون بامتياز، فتشتت جماعة (الجامعة العربية). عندما أحل بباريس -مرة أو مرتين في الشهر- كنت أذهب لاتحاد الشبان المسيحيين وأزور بواعنيني. غير أني كنت التقي الأخوين بن ساعي وكذا علي بن أحمد. ورغم خلافاتنا واختلافاتنا فقد كانت رؤانا تتقارب وبخاصة أنها كانت على طرفي نقيض مع أفكار الآخرين. كان علي بن أحمد وبن ساعي يريان في مصالي مجرد شرطي، وكنت أرى فيه إنسانا نزيها دون أن يرقى هو نفسه إلى (وطنيته) فيحققها. وكنت متفقا مع أصدقائي حول عدم فعالية هذه القوة العمياء وعلى خطورتها إذ يمكن أن تصبح أداة في يد الإدارة الاستعمارية. وكان ما يصدمني دائما هو (البوليتيك) Boulitique)) ، هذا الشيء الذي يقال ويعاد إلا أنه لا يطبق بسبب غياب مذهب، فالبوليتيك لا يطرح أبدا مسألة الوسائل. كان مصالي يبدو لي من نوع (البوليتيك) على غرار بن جلول ولكنه كان أكرم وأكثر حفظا للوجه وأكثر عفة. بيد أني لم أر مطلقا، سواء لدى (العلماء) أو لدى غيرهم، أثرا لما يسمى السياسة (Politique)، فالسياسة ليست ما يقال بل ما ينجز. وللأسف كان علينا أن ننتظر طويلا حتى ظهور القضية الفلسطينية، لنرى تشكيل (روح سياسية) في العالم الإسلامي لا تطرح المشكلة الانتخابية كمشكل أساسي ولكن تتحدث عن مشاكل الإنسان والتراب والزمن، سواء عبرت عنها بهذه الكلمات أو بعبارات أخرى أقل منهجية ونسقا.

стр. 102

أما مشكلة الثقافة فلم يحن الوقت بعد لسياسي جزائري أن يفهمها على أنها هي أساس السياسة وقاعدتها. وسوف أكون أول من طرح مشكلة الثقافة في الجزائر بعد خمس عشر سنة دون أن يشجعني المسؤولون. والأمر أبعد من ذلك كما سأبين لاحقا. ومهما يكن فإن الأخبار التي استجمعها في الحي اللاتيني عندما أكون في باريس عابرا، تعلن عن تعاظم شهرة بن جلول في البلاد. كان نجمه يسطع هناك في البلاد. وكان نجم مصالي يتلألأ هنا في فرنسا. أصبح علي بن أحمد منغلقا على نفسه أكثر من أي وقت مضى، وامتدت شكوكه لتصل إلى الأمين الحسيني الذي كان يرى فيه شخصا غريبا استخلف به الإنجليز مفتي القدس. حتى تشابه الملامح الجسدية الضرورية حتى يقوم شخص مقام شخص آخر لم تكن لتثني علي بن محمد عن رأيه إذ كان يرى أن المسألة ممكنة بفضل الجراحة التجميلية. محمد بن ساعي أيضا أصبح منطويا. وكان يشك في كل الناس , وإلى عادته في البصق على يمينه ويساره وهو يتحدث، أضاف هوسا جديدا مقلقا، فكان لا يتحدث دون أن يلتفت من حوله لينظر إن لم يكن هناك من يسمع كلامه. كانت هذه الآثار الأولى للإحساس بالاضطهاد التي بدأنا نشعر به في مجموعتنا. فقد أزعج بن ساعي في دراسته، وكانت أطروحته في جامعة السوربون تحت وحمة

стр. 103

ماسينيون. وكان صديقي يشكو من تقييد في اختيار موضوعها (١). وقد تحول اشمئزازه إلى هوس وإحساس بالاضطهاد والمضايقة. إلا أن حالته كانت في الواقع أكثر تعقيدا إذ يجب أن تضاف مأساة غامضة عند هذا الفتى الذي بقي طاهرا عفيفا حتى سن الثلاثين لخجله أمام الفتيات. غير أن هذا الخجل أصبح يستبد به مع كل ما يحرك الحواس والعواطف، إلى درجة أنه أصبح يتخذ مواقف تثير السخرية بطريقة لا يمكن تصورها. أذكر مرة أننا كنا ذات مساء من هذه السنة جالسين في مقهى بالحي اللاتيني، حيث كنت مع محمد بن ساعي وبن عبد الله , كنت أحدثهم عن موضوع من المواضيع ذات الصلة بالعالم الإسلامي، لأننا لم نكن نتحدث إلا عن هذه المسألة. أحسست فجأة بأن بن ساعي غاب تماما عن الحديث. ولاحظت بأنه كان يطوي ورقة صغيرة كان يرسم فيها للتو. اعتقدت بداية أنه كان يدون ملاحظات حول موضوع حديثنا، على عادته. غير أني أدركت أنه كان يريد أن يتوجه بكلمة لفتاة كانت جالسة مع زميلتها في طاولة مجاورة. وبمجرد ما أدركت أني كنت أتعب نفسي سدى، وثبت بغضب وانتزعت منه الورقة وسلمتها للمعنية بها وخاطبتها: - آنستي، لم أطلع على فحوى الورقة، صدقيني، إلا أن قلبي رق لهذا الفتى، أرجو أن تباديله نفس الإحساس.

стр. 104

ضحكت الفتاة مع زميلتها واحمر وجه صديقي واحتج وتذمر ساخطا قبل أن يتابع الحديث بجدية. هذا هو بن ساعي من زاوية معينة , إلا أنه كان مثالا للاستقامة وكان يجسد الدقة والحرص وأكثر من ذلك كان هو أستاذي في فلسفة الإسلام. وأنا مدين له هنا بالتحية التي سبق لي أن وجهتها له في الإهداء الذي صدرت به كتابـ (الظاهرة القرنية). فقد علمني ومكنني من الولوج ل (روح) القرآن بطريقة لم يكن لأستاذ أزهري أن يقدر عليها. وقد أفادني معناه للقيمة الخلقية وأرشدني أكثر من مرة. واعتقد، أيضا، أن أفكاري هي ذات الأفكار التي لم تنضج عنده أو قل أنها لم تقطف فتهاجر عندي. عندما كنا نتناقش حول القضايا كان هو الذي يقدم الأفكار في الغالب وكنت أرتبها وأضمنها معنى مذهبيا. وما أكثر المشكلات التي تناولناها أنا وبن ساعي! والفضل لصديقي فهو الذي كشف لى موقعة صفين المشهورة وأثار انتباهي لها، وقد منحتها فيما بعد معنى منهجيا في دورة الحضارة الإسلامية وأطوارها. (١) وكان الموضوع الوحيد الذي لم نتفق بشأنه هو (العلماء) إذ كنت مع الجمعية وكان هو ضدها على غرار علي بن أحمد. بيد أن اختلافنا لم يكن منصبا حول مضمون المسألة، فقد كان نشاط أعضاء الجمعية يبدو لي سطحيا خاصة بعد أن قدموا جمعهم

стр. 105

ووضعوه تحت إمرة بنجلول وتصرفه، ولكن حول الفرص فقط، وعلى العموم نبقى متفقين. وبالطبع لم نكن غير مكترثين أمام القضايا والأحداث العالمية، فقد كنا نتابع تطورات الحرب الأهلية في إسبانيا والحرب في إثيوبيا. غير أن جل اهتمامنا كان متابعة ماسينيون في محاضراته حول الإسلام التي كان يلقيها بباريس. واعتقد أني حكمت على نفسي بعد حضوري محاضرة من محاضرات المستشرق الكبير التي ألقاها في مقر اتحاد الشبان المسيحيين. ومن دون ميعاد التقيت مع الإخوة بن ساعي وعلي بن أحمد. وعلى عادته فكلما رأى ماسينيون مسلمين بين الحضور في القاعة، عالج موضوع محاضرته بحذر. غير أن علي بن محمد وبطبعه الاستفزازي، وهو ما كنت أستهجنه فيه، كان يفصح أكثر مما يجب عن أي شيء لم يعجبه. في هذه الأمسية بالذات وبعد أن أنهى البروفيسور ماسينيون تدخله أمام حضور أبدى انتباها كبيرا لكلام المحاضر، طلب علي بن أحمد الكلمة. وكان وقحا إلى درجة كبيرة إذ وصف ماسينيون، دون مواربة، بالكذاب. وقد ندد الحضور به واحتج بالصفير، فتدخلنا نحن المسلمين إلى جانب المسيحيين ضد صديقنا الذي لم يغفل أن يدعي بأنه (المستشار التقني للحزب الوطني) (نجم شمال إفريقيا). وأنا ألح على أن هذا محض ادعاء لا يقوم على أساس ولكنه سيقدم حجة ضدي سنة بعد هذه الحادثة.

стр. 106

وعلى أية حال، غادر علي بن أحمد القاعة بعد أن ترك انطباعا سيئا ونظرة سلبية للمسلمين. همس صالح بن ساعي في أذني طالبا ضرورة إصلاح الزلل. طلبت الكلمة، وبعد أن خاطبت ماسنيون بأدب جم ووقار، قدمت له بعض التوضيحات حول الحركة الوهابية التي حصر وجودها في منطقة الحجاز. وكل من تغيب عنه خطورة الأفكار الدينية في الميدان السياسي، وفي الميدان الاستعماري على الوجه الأخص، لا يمكن أن يدرك خطورة الموقف الذي أظهرته أمام (المستشار التقني) للحكومة الفرنسية (ولكنه مستشار حقيقي، هذه المرة). لقد أكدت في حضوره أن الوهابية ليست ظاهرة عربية بل ظاهرة إسلامية. وأضفت بأنها مسألة شبيهة بالبروتستانتية في المسيحية، علاوة على أني أنا شخصيا وهابي. إن كل من يدرك أن كلمات مثل هذه توجه باحترام وتقدير لكاثوليكي في وسط بروتستانتي وإلى كاثوليكي (١) يعمل كذلك مستشارا تقنيا، فلا شك أنه سيحس غضبة ماسينيون الباردة المغلفة بابتسامة. وتأثرت القاعة ربما بعد التشبيه الذي قمت به بين الوهابية والبروتستانتية فصفقت لتدخلي. ها هي زلة علي بن أحمد قد أصلحت غير أني شعرت وأنا أجلس أن خطئي كان أشد وأعظم. كانت ملامح ماسينيون دكناء وهو ما زال يبتسم، بينما راح الإخوة بن ساعي يثنيان علي علي مهنئين (بموقفي المثير للإعجاب). فكرت

стр. 107

في والدي الذي زدت وضعه سوء للتو، وتأملت في كلمة قالها ماسينيون في عرضه والموقف الذي اتخذه بشأن رشيد رضا. لقد توقف عن الحديث دقيقة وكأنه مستعرق بتفكير باطني، وختم قولته بهذه العبارة: - المهم أن هذا الرجل مات! عندما انتهت المحاضرة التففنا حول البروفيسور. كان يحمل خريطة جغرافية كبيرة استعان بها في محاضرته وطواها وحملها تحت إبطه. وكان يستعد ليركب مترو الأنفاق في هذه الساعة المتأخرة للعودة إلى منزله. لقد تأثرت ببساطة هذا العالم المسيحي وحضر مخيلتي تحذلق (بئر العلم) المسلم في الجزائر الذي يبدي وجها مكشرا ويظهر الاستياء ويتأفف من تعب يحرص على إبرازه بعد درس صغير يلقيه في الفقه. هذا دون أن ننسى العديد من المرافقين الذين يحملون عنه أغراضه. عندما وصلنا أسفل حجرة الثياب ليأخذ معطفه الواقي من المطر، أخذني أحد التلاميذ الجزائريين جانبا، والذي يبقى في نظري فتى طيبا مهما قيل عنه، وأقصد هنا شريط، ويشغل حاليا منصب المتصرف الإداري المنتدب لدى مجلس الاتحاد الفرنسي، وقال لي: - هل تعلم أن البروفيسور ماسينيون لا يكن لك ودا بالمطلق. أجبته وأنا أحيي ماسينيون وهو خارج: - وهذا ما اعتقده. رغم أني تخلفت عن الدروس خلال سنة ١٩٣٥ في المدرسة، فلم تكن السنة دون جدوى على دراستي. فقد عززت تكويني في

стр. 108

الرياضيات حتى أضيف ورقة رابحة في يدي كأستاذ بالحجاز، إذا اقتضى الأمر. وفكرت أني سأكون أكثر فائدة بتأسيس مدرسة تقنية إعدادية في المدينة المنورة حتى لا يغادر تلاميذي المفترضين إلى أوروبا إلا لاستكمال دراستهم لا للشروع في الدراسة في صف المهندسين. كما ظننت أنه ليس من الضروري أن أقضي سنة أخرى بباريس للظفر بشهادة من المدرسة الخاصة للميكانيكا والكهرباء. ففي نظري كان لدي كل التكوين المتعلق بها وهذا يكفيني لا لأباشر تحقيق مشاريعى. وعليه تقدمت بطلب الحصول على جواز سفر لي ولزوجتي التي بدأت بإعداد الملابس التي تناسب البلاد الحارة. وفي انتظار أن يكتمل التجهز للسفر، ذهبت إلى منطقة نورمانديا للعمل كحارس في مخيم صيفي على بعد كيلومترات من ليزيو. ولم تكن لدي أية رغبة في العودة لمدينة تبسة لأمضي العطلة فيها هذه السنة. فقد خبا اهتمامي بالجزائر بعد وفاة والدتي وها أنا أخطط لدفع والدي باللحاق بي بعد أن أستقر بأرض الحجاز. وقد كانت الأسابيع القليلة التي أمضيتها قرب ليزيرو في أرض نورماديا المعطاءة بمثابة وداع للحضارة في أوروبا. وفي حدود منتصف سبتمبر، أخبرتني زوجتي أن السلطات قد سلمت لنا الجوازين. وبعد انقضاء العطلة في المخيم الصيفي، عدت إلى درو لإعداد آخر مستلزمات السفر. وأخيرا اتخذنا القرار بالسفر في العشرة أيام الأولى من شهر أكتوبر. واتفقنا على أن أذهب صباحا إلى باريس لتأشير الجوازين على أن

стр. 109

تلتحق بي زوجتي في الزوال حتى نركب سويا القطار المتجه مساء إلى مرسيليا لنبحر في السفينة المتجهة نحو الإسكندرية أو السويس. ودعت حماتي ذات صباح من أكتوبر واتجهت رأسا لسفارة مصر بباريس. كانت القاعة التي كنت انتظر فيها دوري غاصة بالنساء والرجال، عسكريين ومدنيين. وكنت المسلم الوحيد في القاعة. وربما رجوت في أعماق نفسي من خلال هذه الصفة أن أستفيد من معاملة خاصة بدت لي طبيعية كتعويض عادل عن كل المزايا وأنواع التفضيل التي يجدها الأوروبي تلقائيا عند المسلم في أي ظرف وشرط. وفي انتظار دوري، تفرست في الحضور في القاعة بعد أن سلمت جوازي السفر للحاجب المصري الذي أخذهما مني بمجرد وصولي. حاولت أن استخلص من ملامح كل واحد منهم سببا لسفره إلى مصر. فبدا لي أن العسكريين منهم في إجازة سيقضونها في مستعمرة من المستعمرات الفرنسية وكان عليهم أن يعبروا إليها عن طريق مصر. أما المدنيين فقد أحسست فيهم الشبهة والريب. أما النساء فقد أدركت أن أغلبهن سيذهبن لبيع مفاتن أوروبا للبشوات وكبار التجار في مصر الذين يقضون إجازتهم الفصلية في الإسكندرية. وعلى الجملة فقد كنت الوحيد الذي جاء يطلب تأشيرة لسفر له صلة، على تواضعها، بمستقبل الإسلام ومصالحه. وبينما كنت استرجع هذه التخمينات، كان الحاجب في حركة ذهاب وإياب، يظهر في قاعة الانتظار ثم يختفي، يسلم هذا جوازه ويطلب من ذاك معلومة إضافية ويقود آخر إلى مكتب من مكاتب

стр. 110

السفارة. وكان انطباعي الكامل أن طلبات جميع الحضور قد لبيت دون أي رفض. وأخيرا جاء دوري. لم يقدم لي الحاجب جوازي السفر الاثنين وإنما طلب مني أن أتبعه. وكنت أعتقد أن لدى (أخي في الدين. من السفارة فضولا مقبولا لرؤية مهندس جزائري ينوي الذهاب إلى الأماكن المقدسة في هذا الفصل من السنة. أدخلت قاعة واسعة وجدت فيها رجلين سلمت عليهما. طلب مني الحاجب أن أتقدم نحو أحدهما ظهر لي أنه الأهم بسبب مكان مكتبه المقابل لباب الدخول. دعاني للجلوس ليبدأ الاستجواب، وتداولا علي بالأسئلة. أدركت بسرعة أنه ما كان لمثقف مسلم جزائري أن يطلب تأشيرة من سفارة جلالة الملك فؤاد الأول ولكن من (الكي دورسي) (١) وأدركت أنني شخص غير مرغوب فيه بمصر حفاظا على المصالح الفرنسية. ورغم ذلك حاولت أن أقنع مخاطبي أني لا أطلب تأشيرة للإقامة في بلاد الفراعنة ولكن مجرد تأشيرة عبور. وزدت على ذلك أني مستعد لأدفع تكاليف تنقل شرطي يرافقني من ميناء الإسكندرية التي أضطر فيها أن أغادر السفينة - لعدم وجود خط مباشر- إلى ميناء بور سعيد أو السويس حيث أبحر نحو جدة. غير أن ممثلي جلالته كانا متصلبين في موقفهما. وللخروج من الإحراج قام الشخص المهم منهما، وكان مسلما في حين يبدو أن زميله قبطيا، وطرح علي السؤال التالي:
следующие страницы →