وعلى أية حال، غادر علي بن أحمد القاعة بعد أن ترك انطباعا سيئا ونظرة سلبية للمسلمين. همس صالح بن ساعي في أذني طالبا ضرورة إصلاح الزلل. طلبت الكلمة، وبعد أن خاطبت ماسنيون بأدب جم ووقار، قدمت له بعض التوضيحات حول الحركة الوهابية التي حصر وجودها في منطقة الحجاز.
وكل من تغيب عنه خطورة الأفكار الدينية في الميدان السياسي، وفي الميدان الاستعماري على الوجه الأخص، لا يمكن أن يدرك خطورة الموقف الذي أظهرته أمام (المستشار التقني) للحكومة الفرنسية (ولكنه مستشار حقيقي، هذه المرة).
لقد أكدت في حضوره أن الوهابية ليست ظاهرة عربية بل ظاهرة إسلامية. وأضفت بأنها مسألة شبيهة بالبروتستانتية في المسيحية، علاوة على أني أنا شخصيا وهابي.
إن كل من يدرك أن كلمات مثل هذه توجه باحترام وتقدير لكاثوليكي في وسط بروتستانتي وإلى كاثوليكي (١) يعمل كذلك مستشارا تقنيا، فلا شك أنه سيحس غضبة ماسينيون الباردة المغلفة بابتسامة. وتأثرت القاعة ربما بعد التشبيه الذي قمت به بين الوهابية والبروتستانتية فصفقت لتدخلي. ها هي زلة علي بن أحمد قد أصلحت غير أني شعرت وأنا أجلس أن خطئي كان أشد وأعظم. كانت ملامح ماسينيون دكناء وهو ما زال يبتسم، بينما راح الإخوة بن ساعي يثنيان علي علي مهنئين (بموقفي المثير للإعجاب). فكرت
стр. 107
في والدي الذي زدت وضعه سوء للتو، وتأملت في كلمة قالها ماسينيون في عرضه والموقف الذي اتخذه بشأن رشيد رضا. لقد توقف عن الحديث دقيقة وكأنه مستعرق بتفكير باطني، وختم قولته بهذه العبارة:
- المهم أن هذا الرجل مات!
عندما انتهت المحاضرة التففنا حول البروفيسور. كان يحمل خريطة جغرافية كبيرة استعان بها في محاضرته وطواها وحملها تحت إبطه. وكان يستعد ليركب مترو الأنفاق في هذه الساعة المتأخرة للعودة إلى منزله. لقد تأثرت ببساطة هذا العالم المسيحي وحضر مخيلتي تحذلق (بئر العلم) المسلم في الجزائر الذي يبدي وجها مكشرا ويظهر الاستياء ويتأفف من تعب يحرص على إبرازه بعد درس صغير يلقيه في الفقه. هذا دون أن ننسى العديد من المرافقين الذين يحملون عنه أغراضه.
عندما وصلنا أسفل حجرة الثياب ليأخذ معطفه الواقي من المطر، أخذني أحد التلاميذ الجزائريين جانبا، والذي يبقى في نظري فتى طيبا مهما قيل عنه، وأقصد هنا شريط، ويشغل حاليا منصب المتصرف الإداري المنتدب لدى مجلس الاتحاد الفرنسي، وقال لي:
- هل تعلم أن البروفيسور ماسينيون لا يكن لك ودا بالمطلق.
أجبته وأنا أحيي ماسينيون وهو خارج:
- وهذا ما اعتقده.
رغم أني تخلفت عن الدروس خلال سنة ١٩٣٥ في المدرسة، فلم تكن السنة دون جدوى على دراستي. فقد عززت تكويني في
стр. 108
الرياضيات حتى أضيف ورقة رابحة في يدي كأستاذ بالحجاز، إذا اقتضى الأمر. وفكرت أني سأكون أكثر فائدة بتأسيس مدرسة تقنية إعدادية في المدينة المنورة حتى لا يغادر تلاميذي المفترضين إلى أوروبا إلا لاستكمال دراستهم لا للشروع في الدراسة في صف المهندسين.
كما ظننت أنه ليس من الضروري أن أقضي سنة أخرى بباريس للظفر بشهادة من المدرسة الخاصة للميكانيكا والكهرباء. ففي نظري كان لدي كل التكوين المتعلق بها وهذا يكفيني لا لأباشر تحقيق مشاريعى. وعليه تقدمت بطلب الحصول على جواز سفر لي ولزوجتي التي بدأت بإعداد الملابس التي تناسب البلاد الحارة. وفي انتظار أن يكتمل التجهز للسفر، ذهبت إلى منطقة نورمانديا للعمل كحارس في مخيم صيفي على بعد كيلومترات من ليزيو. ولم تكن لدي أية رغبة في العودة لمدينة تبسة لأمضي العطلة فيها هذه السنة. فقد خبا اهتمامي بالجزائر بعد وفاة والدتي وها أنا أخطط لدفع والدي باللحاق بي بعد أن أستقر بأرض الحجاز.
وقد كانت الأسابيع القليلة التي أمضيتها قرب ليزيرو في أرض نورماديا المعطاءة بمثابة وداع للحضارة في أوروبا. وفي حدود منتصف سبتمبر، أخبرتني زوجتي أن السلطات قد سلمت لنا الجوازين. وبعد انقضاء العطلة في المخيم الصيفي، عدت إلى درو لإعداد آخر مستلزمات السفر.
وأخيرا اتخذنا القرار بالسفر في العشرة أيام الأولى من شهر أكتوبر. واتفقنا على أن أذهب صباحا إلى باريس لتأشير الجوازين على أن
стр. 109
تلتحق بي زوجتي في الزوال حتى نركب سويا القطار المتجه مساء إلى مرسيليا لنبحر في السفينة المتجهة نحو الإسكندرية أو السويس. ودعت حماتي ذات صباح من أكتوبر واتجهت رأسا لسفارة مصر بباريس. كانت القاعة التي كنت انتظر فيها دوري غاصة بالنساء والرجال، عسكريين ومدنيين. وكنت المسلم الوحيد في القاعة. وربما رجوت في أعماق نفسي من خلال هذه الصفة أن أستفيد من معاملة خاصة بدت لي طبيعية كتعويض عادل عن كل المزايا وأنواع التفضيل التي يجدها الأوروبي تلقائيا عند المسلم في أي ظرف وشرط. وفي انتظار دوري، تفرست في الحضور في القاعة بعد أن سلمت جوازي السفر للحاجب المصري الذي أخذهما مني بمجرد وصولي. حاولت أن استخلص من ملامح كل واحد منهم سببا لسفره إلى مصر. فبدا لي أن العسكريين منهم في إجازة سيقضونها في مستعمرة من المستعمرات الفرنسية وكان عليهم أن يعبروا إليها عن طريق مصر. أما المدنيين فقد أحسست فيهم الشبهة والريب. أما النساء فقد أدركت أن أغلبهن سيذهبن لبيع مفاتن أوروبا للبشوات وكبار التجار في مصر الذين يقضون إجازتهم الفصلية في الإسكندرية. وعلى الجملة فقد كنت الوحيد الذي جاء يطلب تأشيرة لسفر له صلة، على تواضعها، بمستقبل الإسلام ومصالحه.
وبينما كنت استرجع هذه التخمينات، كان الحاجب في حركة ذهاب وإياب، يظهر في قاعة الانتظار ثم يختفي، يسلم هذا جوازه ويطلب من ذاك معلومة إضافية ويقود آخر إلى مكتب من مكاتب
стр. 110
السفارة. وكان انطباعي الكامل أن طلبات جميع الحضور قد لبيت دون أي رفض. وأخيرا جاء دوري. لم يقدم لي الحاجب جوازي السفر الاثنين وإنما طلب مني أن أتبعه. وكنت أعتقد أن لدى (أخي في الدين. من السفارة فضولا مقبولا لرؤية مهندس جزائري ينوي الذهاب إلى الأماكن المقدسة في هذا الفصل من السنة.
أدخلت قاعة واسعة وجدت فيها رجلين سلمت عليهما. طلب مني الحاجب أن أتقدم نحو أحدهما ظهر لي أنه الأهم بسبب مكان مكتبه المقابل لباب الدخول. دعاني للجلوس ليبدأ الاستجواب، وتداولا علي بالأسئلة.
أدركت بسرعة أنه ما كان لمثقف مسلم جزائري أن يطلب تأشيرة من سفارة جلالة الملك فؤاد الأول ولكن من (الكي دورسي) (١) وأدركت أنني شخص غير مرغوب فيه بمصر حفاظا على المصالح الفرنسية. ورغم ذلك حاولت أن أقنع مخاطبي أني لا أطلب تأشيرة للإقامة في بلاد الفراعنة ولكن مجرد تأشيرة عبور.
وزدت على ذلك أني مستعد لأدفع تكاليف تنقل شرطي يرافقني من ميناء الإسكندرية التي أضطر فيها أن أغادر السفينة - لعدم وجود خط مباشر- إلى ميناء بور سعيد أو السويس حيث أبحر نحو جدة. غير أن ممثلي جلالته كانا متصلبين في موقفهما. وللخروج من الإحراج قام الشخص المهم منهما، وكان مسلما في حين يبدو أن زميله قبطيا، وطرح علي السؤال التالي:
стр. 111
- وستؤدي بالطبع فريضة الحج في مكة بما أنك ستذهب إلى الحجاز؟
كنت لم أزل نصف مغفل بخصوص الشعور الإسلامي الذي منحته لمخاطبي فأجبته:
- ربما سأقوم بفريضة الحج أيضا.
سقطت في الفخ. فهذا ما كان ينتظره كجواب ليتخلص مني. أخرج بنشوة المنتصر ملفا من درج مكتبه وقال لي:
- في مثل هذه الحال، سيدي، يجب الخضوع للأنظمة الدولية الخاصة بالحج، يجب إيداع مبلغا ضروريا من المال في سفارتنا لإجلائك وقت الحاجة وأن تفي بجميع أنواع التطعيم المطلوبة.
لم يكن معي المبلغ الذي طلبه ولم يكن معي ما يكفيني من مال حتى أقوم بجولة حول إفريقيا حتى أصل من خلالها إلى الحجاز أو باب المندب. وأوضحت له أني لم آت للسفارة بصفتي حاجا وإنما كمهندس يرغب في الإقامة في بلد مسلم. رأيت فيه بعض التردد فنظر إلى زميله القبطي، إلا أن هذا الأخير أنهى التردد بصورة قطعية:
- يقول السيد بأنه سيؤدي كذلك فريضة الحج، في حال كهذه يجب تطبيق النظام المعمول به.
من الواضح أن الموقف قد حسم، غير أني حافظت على اتزاني واستدرت نحو القبطي وأبديت له الملاحظة التالية:
- سيدي، لم أقل أني سأذهب للحج. عندما نصل باريس، فإننا لا نأتي بالضرورة من أجل (برج إيفل) ولكنك عندما تطرح السؤال على أجنبي قدم العاصمة الفرنسية، فمن الطبيعي أن يجيبك بأنه قد
стр. 112
يزور مآثرها ويطلع على معالمها. وربما يصل بك الحال أن تبادر وتطلب منه أن يدفع مسبقا ثمن زيارته لبرج إيفل. قلتها وأنا أنظر إليهما في عينيهما بالتناوب.
ثم خيم بيننا صمت ثقيل وأخذت جوازي الاثنين من فوق المكتب، من أمام الموظف المسلم، وقمت وحدقت فيه ثم قلت له: - شكرا جزيلا، سيدي. ثم انصرفت.
كل خطة حياتي انقلبت. وأدركت للمرة الأولى وبصورة واضحة عفن العالم الإسلامي واستبقني إحساس بالمصير الذي ينتظرني بين هذا العفن وتقنية المسيحية.
في الأوقات الحرجة كنت دائما اتخذ قرارات سريعة أرجع فيها إلى الحكمة الإلهية عندما تنحرف خطاي فجأة عن هدف كنت قد رسمته. وقد أظهرت لي هذه الفلسفة في موقف سفارة مصر تجاهي، إشارة يبين لي الله سحانه وتعالى من خلالها أنه من الضروري أن أقضي عاما آخر بباريس للظفر بشهادة مهندس من المدرسة الخاصة للميكانيكا والكهرباء.
وبالفعل فقد حالفني الحظ إذ وجدت غرفة صغيرة غير مؤثثة في الطابق السادس لعمارة تقع على مسافة خمس دقائق من مدرستي. كان مالكها من نوع الرجال الذين يقضون أسبوعهم في دعة وراحة أمام نار هادئة ليذهبوا يوم الأحد للكنيسة للإقرار والاعتراف بذنوبهم، أي النموذج الصافي الممثل للجمهورية الفرنسية الثالثة، وقد أرغمني على دفع سنتين مسبقا بسب اسمي ربما.
стр. 113
فرحت زوجتي كثيرا وأقرت بأني لي بعض الحظ السعيد إذ اكتشف دائما مأوى مناسبا. وخلال شهر كامل، وبينما استغرقت في دراساتي التي شغلتني عن أي شيء آخر، قامت هي بأعمال الخياطة والتثبيت والصيانة والفراش والتسوية وإعداد حياة سعيدة في حجرتنا الوحيدة. لقد كانت زوجتي آلة متعددة الأشغال باستطاعتها أن تقوم بأشغال الدهان والفراش والخياطة والنجار والبستاني. وكانت تؤدي ذلك بأحسن الأذواق، فأعدت الغرفة بطريقة كادت أن تتسبب في هلاك المالك العجوز، عندما تجرأ وصعد الطوابق الست يوما، لينظر كيف يعيش إنسان من (الأهالي) (Indigène) . فعندما فتحت له زوجتي الباب، وفي الوقت الذي كان يتوقع أن يرى ركنا تندثر فيه الأمتعة القديمة في فوضى، وجد غرفة صغيرة مرتبة أيما ترتيب ترغم فيها ربة البيت بإعداد الأكل وحتى الغسيل. ولم يكن عند الرجل العجوز إلا ضمير المالك. وكان ضمير يحركه بعض الشعور فأحس صاحبه ببعض الارتباك وهو على مدخل شقتنا.
قضينا في هذه الغرفة الصغيرة في الطابق السادس من بناية باريسية تسعة أشهر من أوهامنا حول المستقبل. كانت زوجتي تعد نفسها لدور ربة البيت وكنت استعد لمهنة مهندس.
وكانت جماعة أصدقائنا من اتحاد الشبان المسيحيين تزورنا كل يوم أحد تقريبا. وكانت أوقات ممتعة إذ كانت زوجتي تحسن كيف تضفي بعض البهجة على لقائنا بإعداد بعض الحلوى فيسر بها أصدقاؤنا الذين لم يزالوا عزابا.
стр. 114
أثناء بقية الأسبوع، كانت الزيارة الوحيدة لنا هي تلك التي يقوم بها محمد بن ساعي مساء كل الجمعة. وكنا نسهر متأخرين مستعرضين المشكلات التي تواجه العالم الإسلامي. وهذه السهرات هي بداية تذوقي واهتمامي بمختلف هذه المشكلات. وكنا ندقق بعمق المسائل التي نتناولها، أنا وبن ساعي. وكان الفقر الخلقي والفكري للعالم الإسلامي يبدو لنا مرعبا أمام عالم غربي له روح أوروبية وتقنية ديكارتية.
ويتعاظم الفراغ الرهيب الذي نحس به بمجرد ما نغوص في المشكلات. وكنا ندرك أننا المسلمون الوحيدون الذين كنا نتناقش في مثل هذه القضايا. فحتى (العلماء) -أي المسلمين الأقرب منا-كانوا بعيدين عن النظر إلى الأشياء بعمق. فكان جوهر المأساة الدنيوية غائبا عنهم تماما. فقد كانوا هم أنفسهم صيغا بنجلونية بصبغة إصلاحية خفيفة. كانت الآية الكريمة ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾ تتداول في الأوساط الإصلاحية، غير أن الحركة الإصلاحية تعطي انطباعا بأنها تسعى لتجسيد هذا التغيير الأساسي بوسائل البلاغة العربية فقط. فقد كان الأمر يبدو لنا وكأنه إصلاح النحويين. فالمشكل الإنساني بقي كاملا دون تغيير وحتى في معطياته الآنية والبديهية كالجهل والمجاعة.
ويحصل أحيانا، إثر مناقشاتنا مساء الجمعة، أن نتخذ، أنا وصديقي، قرارا عمليا. ففي إحدى المرات وبعد أن أدركنا فراغ (المطالب الحازمة) لبن جلول في ميدان التدريس علما بأن هذه
стр. 115
(المطالب) لا تحل المشكل الخطير للأمية وإنما تعمل على إدامته واستفحاله، قررنا أن نعرض المسألة ليس على الساحة الإدارية وإنما على الضمير الجزائري. وهكذا قمت بتحرير مقال عرضت فيه كيف يجب أن تحل المشكلة بإمكانياتنا الذاتية وأشرح من خلاله كيف أن (المطالب) تصب في خانة مصالح الإدارة الاستعمارية التي كانت على يقين بأن المسلمين لا يقومون بشيء أبدا من تلقاء أنفسهم. وقد بينت (وسائل) حل المشكلة بتوزيع عدد الأميين على عدد المثقفين حتى الذين كانوا في طور الابتدائي، وكنت مدركا تماما أني حولت خطة المشكلة جذريا وبطريقة خطرة جدا.
وكانت الطريقة فعالة، وبالتالي خطرة في نظر الإدارة التي سترى نفسها مرغمة إما على العمل جديا لحل المشكلة أو أن ترى ظهور مبادرات خاصة تشكل دولة داخل دولة. غير أني لم أتحدث في مقالي بالطبع إلا عن (المبادرات) دون أن أتحدث عن آثارها. وكان من الضروري أن أخذ في الحسبان (عقلية الأهالي) (l'esprit indigène) العاجز عن إدراك المرامي الخفية إلى درجة أن مقالي لم ينشر في صحيفة (La Défense) (الدفاع) التي تلقت المقال. وأنا أدرك الآن ماذا أوحى هذا المقال للإدارة الاستعمارية بخصوصي. وأفهم على الوجه الأخص كيف يتلقى ماسينيون، المستشار التقني لهذه الإدارة، هذا المقال الخطير، صاحبه جزائري لم تكن تحركه (العقلية الأهلية)، بل كان يسعى لإحداث نظام يمكن أن يفرض موقفا جديدا على الإدارة الاستعمارية الميكيافلية.
стр. 116
نعم، ها أنا أدرك الآن، للأسف، أن الشخص الوحيد الذي كان يفهمني هو ماسينيون. كما أن الوضع لم يتغير بعد ستة عشر سنة من (المطالب) العقيمة. والسؤال هو ما هو الثمن الذي دفعته عائلتي كل هذه السنوات الستة عشر؟
ومهما يكن وبعد أن خيبت صحيفة (La Défense) ظننا قررنا، أنا وبن ساعي، أن نتوجه إلى صحيفة (L Entente) (الوفاق) لسان حال التيار البنجلولي التي كانت تصدر بقسنطينة، وكان ذلك حول موضوع آخر. وكان أكثر ما يؤلمنا هو الغياب التام لروح جماعية في الجزائر، حيث كان البرجوازي يقفل عائدا في المساء إلى منزله المريح دون أن يتأثر بتاتا بالطفل الذي يكون قد صادفه في طريقه وهو في الشارع نائم تحت حائط.
كيف نخلق هذه الروح الجماعية؟ لا ريب أن الله هو الذي يحدد الأمور بقوله سبحانه: (كن)، فتكون.
ولكن كيف نحقق أشياء بوسائل بشرية بسيطة دون اللجوء إلى المنهجية التعليمية التدريجية؟
فقررنا بالتالي أن نتوجه بمنشور مجهول المصدر (تفاديا لكل شعور بالعجب الشخصي والخيلاء) لبعض البرجوازيين الجزائريين وللسيد بن جلول شخصيا، واعتقدنا أن غياب اسم يمكن أن يمس بشهرته وبهالته سيجعله يمنح الإشهار الضروري لرسالتنا في صحيفته، كل هذا في مصلحة إخواننا البسطاء الجائعين. وفي الواقع فقد كنا نتوجه في النص إلى (أخواتنا المسلمات). وعندما لخصته
стр. 117
قبل أن أشرع في تحريره، رأيت الدموع في عيني بن ساعي. وكنت أقاسمه رقة الشعور والتأثير الذي سعيت تضمين رسالتي بهما. وكان النداء، بالفعل، مؤثرا يحرك الشفقة. وقد احتفظ بن ساعي على ما اعتقد بالنسخة , وقد حمل إمضاء بسيطا هو (رفقاء الإسلام).
وقد شكلنا، أنا وصديقي، صندوقا صغيرا جمعنا فيه عشرين فرنكا لتغطية نفقات إرسال بعض النسخ إلى جميع جهات الجزائر.
تتوالى الأيام وتتلاحق ونحن ننتظر بقلق صدى ندائنا في الصحيفة الناطقة باسم فديرالية المنتخبين في قسنطينة. ربما لم يجد بن جلول وفرحات عباس - هذا الأخير بدأ يخطو خطوته الأولى في ساحة (البوليتيك) (١) - أية مصلحة في نص ليست له صلة بالمطالب أو الانتخابات. غير أني مدرك الآن أن الإدارة سجلته بكل عناية وبتوقيع (رفقاء الإسلام) الذي لا شك أنه أثار قلق ماسينيون.
وهكذا فإن لم تشتهر (جمعيتنا) ويرفع ذكرها فتعرف مباشرة في الحياة العامة الجزائرية، فلا بد أنها أثارت انتباه الإدارة حول هذا الجانب الجديد ل (العقلية الأهلية)، وجانبها الأخطر الذي انتبهنا له مبكرا، أنا وصديقي بن ساعي وقتذاك. وأنا أدرك جيدا الآن مرامي الإشهار الذي قام به الوسط الاشتراكي بباريس في سنة ١٩٣٦ لصالح (النشاط الوطني) لمصالي.
стр. 118
كانت المهرجانات الخطابية لمصالي تتعدد بالفعل في العاصمة الفرنسية بمشاركة بومنجل طبعا، الذي بدأت هالة البطل الوطني تصبغ عليه.
نعم أفهم كل هذا، وبخاصة أنني وعلي بن أحمد وبن ساعي كنا ندرك الأمر في تلك الحقبة ونحن نرى الخطر الذي تمثله وطنية المنصات هذه التي يغيب فيها كل انشغال ذي طابع اجتماعي. وقد أثرت انتباه بوقادوم الذي ترك مقاعد الدراسة ليفتح محل مقهى ومطعم (وطني)، إذ قلت له:
- إن من الصعوبة الجمة أن تكون رجلا واحدا من أن تدهش آلاف المستمعين وتجذب اهتمامهم بالخطب الوطنية.
بيد أن الطريق قد خططت: فالمثقف الجزائري لم يتطلع للظفر بمنصب نائب الوالي فحسب بل يسعى لدور يدر ربحا كذلك هو دور (الوطني) (Nationaliste).
في نهجنا، كل بشيء عرضة للخسارة مع شعب لا يفهم المواقف المثيرة ومع إدارة استعمارية تعرف بالمقابل كيف تقدر الخطورة الفعلية للأمور. من الممكن، في النهج (الوطني) أن نظفر على الأقل بشهرة أو بمطعم. واختار بوقادوم ومعه ثلة من الشباب نهح الوطنية في هذا العام، وهم الذين سعيت لأبقيهم في خطنا المبهم. وأنا أتفهم الأمر.
لم أقطع الصلة أيضا بمصالي الذي كنت أراه أقل خطورة، رغم كل شيء، مقارنة بقيم الشهرة والرياء التي كانت تحرك (البوليتيك) الجزائري في قسنطينة. وبقي كبير الوطنيين من جهته يكن لي بعض
стр. 119
المجاملة عندما نلتقي. ولم أكن لأتخلف عن إبداء اعتراضاتي أو أن أبلغها له في كل ما ظهر لي غير عاد في تنظيمه أو في موقفه الشخصي. ويجب القول بأنه كان يتقبل هذه الاعتراضات برحابة صدر. وهكذا حصل في يوم من الأيام أن أرسلت له ملاحظاتي عبر شاب مثقف من محيط بوقادوم بخصوص موقف مزعج اتخذه في حضور شخصين من باريس ذهبا لمقابلته بتوصية مني في مقهى (تلمسان). استقبل مصالي الصديقين اللذين أرادا ربما قياس مدى قوة مراس الوطنية الجزائرية , بيد أنه قام بمراقصة شابة أرمينية، كانت تعمل نادلة في مطعمه، عوض التحلي بموقف مشرف كما كنت أتمنى، وقد ترك الزائرين يحكمان عليه عوض التحدث إليه. بلغته إذن ملاحظاتي في هذا الشأن وتقبلها بصورة جيدة غير أنه اعترض أمام حامل الرسالة أني كنت (متشددا) بعض الشيء وأن كل ما في الأمر أن لكل لحظة موقفا يناسبها ومن الضروري أن يسترخي الإنسان ويروح عن نفسه بعض الشيء.
وفهمت مرة أخرى أن مصالى رجل نزيه ولكن كان عليه أن يكتفي بهذه الصفة وكفى.
وعلى أية حال فإن المصالية بدت لي أقل تعريض المستقبل للخطر من البنجلونية التي تجلت مرة أخرى روحها المجافية للإسلام.
قامت جريدة (Le Temps) (الزمن) الفرنسية، لسبب لم أعد أذكره، بشتم الإسلام والمسلمين، ويجب أن أقر هنا أني لم أطلع بتاتا على المقال الذي حوى الشتم. بيد أني اطلعت في ظرف وجيز على
стр. 120
المقال الحقير الموسوم (فرنسا هي أنا)، الذي قدر من خلاله، المساعد الرئيسي لبن جلول - وأقصد هنا فرحات عباس - بأنه من الضروري الرد على صحيفة (Le Temps) . لقد كان مقالا سافلا وكفى. وهكذا دخل البطل الوطني رقم اثنين أو ثلاثة معترك (البوليتيك) من باب الفضيحة. فقد أنكر بكل بساطة وجود الجزائر بصفتها (أمة)، مدعيا أنه (بحث في كل مكان، حتى في رماد المقابر دون أن يعثر على شهادة بوجودها).
اغتاظ علي بن أحمد واستشاط غضبا، أصفر وجه بن ساعي وكنت مشوش الذهن. ما العمل؟ نصح بن ساعي بالتريث وانتظار رد فعل الوطنيين و (العلماء). كان الردان دون المستوى. فقمت بتحرير مقال، لا شك أن بن ساعي يحتفظ بنسخة منه (١)، وتم تداوله في الحي اللاتيني والإطلاع على محتواه وخاصة من قبل السيد كسو بشخصيا. وقد قدم هذا الأخير إلى العاصمة الفرنسية حاملا الشارة الاشتراكية في انتظار منصب، لا أعرف ما هو، في حكومة بلوم التي تشكلت حديثا. وعلى أية حال فإن الاشمئزاز
стр. 121
الكبير الذي انتابني وأنا أحرر المقال سيوحي إلي اللفظة الجديدة التي أصبحت كلاسيكية اليوم في الجزائر. فقد عنونت مقالي: (مثقفون أم مثيقفون؟ (١)).
وألقيته كالبصاق في وجه فرحات عباس.
وقد انتظرنا، أنا ومحمد بن ساعي، بتلهف شديد صدور المقال في صحيفة (La Défense) لصاحبها الأمين لعمودي الذي أرسلته له
بالبريد المضمون.
وخاب انتظارنا, فشهران بعدها وبمناسبة وصول وفد المؤتمر الإسلامي الجزائري الذي كان قد ولد في جو من الحماس الشعبي، بفضل جهود لعمودي نفسه، شرح لنا هذا الأخير رفضه نشر مقالي لأنه (يتسم بالعنف). لقد كان (يتضمن درجة من العنف بحيث لن يترك أملا لفرحات عباس في الساحة السياسية).
وأضاف لعمودي:
- لدينا قلة من رجال السياسة ولا ينبغي تحطيمهم. حكمة (الأهالي) (sagesse(indigène) هذه سأجدها وبمزيد من غياب الوعي لدى (العلماء) الذين لاموني لوما شديدا لتهجماتي على بن جلول وزمرته، زمرة استولت على قيادة المؤتمر الإسلامي، وهو العمل السياسي الوحيد الذي رأى النور في الجزائر منذ أن أصبح هناك (بوليتيك) جزائري.
стр. 122
ما إن وصل وفد المؤتمر إلى باريس حتى قمنا بالطبع بزيارة أعضائه، أنا وبن ساعي.
نزل الوفد ومن ضمن أعضائه (العلماء)، في الفندق الكبير. تأسفت لممثلي الإصلاح وللكرامة الدينية في الإصلاح، فهذا الفندق لا يمكن أن يناسبـ (رجال سياسة) جديين ولكنه يواتي أمثال بن جلول وفرحات عباس وحتى مصالي ربما. غير أنه لا يناسب إنسانا يمثل كرامة دينية ... ويفهمني القارئ. ولم أغفل أن أعبر بصراحة عن عتابي لابن باديس الذي صادفته في بهو الفندق محاطا بالعقبي والإبراهيمي وشخصيات أخرى كالمحامي المعمم خفيف الروح الأستاذ بلقاضي، ﵀. وكان هذا المحامى هو الذي حاول إقناعى بالضرورة البروتوكولية لنزول الوفد بالفندق الكبير. فحتى محاميا من الأهالي لا يدرك مرامي وخفايا بروتوكول يفرض أن مكانا تنزل فيه فاتنات وغانيات ومن رواده أصحاب الملايين، لا يصلح أن يكون مكانا ل (عالم)، أو قسيس أو حتى رجل سياسة جدي.
كما صدمتني جميع التفاصيل. ففي مدخل الفندق استقبلنا أنا وبن ساعي من قبل الشيخ عبد الرحمان يعلاوي الذي كان يمثل جمعية العلماء بطريقة ذكية، ولا يزال يمثلهم اليوم رسميا. فالشيخ المحترم تلقانا مبتسما مادا يده للمصافحة ليخبرنا بكل برودة أن الوفد في زيارة للمدينة حيث سيلتقي أعضاء من البرلمان الفرنسي. وقد اكتسبنا بن ساعي وأنا، وأخص نفسي أكثر بالمزية، حاسة تمكننا من استشعار رجال ماسينيون. وبما أن المستشار التقني
стр. 123
للحكومة الفرنسية المكلف بالشؤون الإسلامية، لا يمكن أن يبقى غير مكترث بوجود الوفد في باريس فأدركت أن الاتصال به غير مرغوب فيه لدى (السلطات العليا). وبناء عليه، قررت مع ذلك أن أدخل الفندق لأتحقق بنفسي من الأمر ... وبهذا الإصرار استطعنا أن نشاهد جماعة (العلماء) التي كانت تهمنا دون سواها في الفندق. وقد أحسست بأن ملاحظاتي كانت تحرج ابن باديس كثيرا دون أن ينبس بكلمة. فكان هو الذي دفع ثمن محادثتنا إذ اختفى العقبي دون أن أدري أين؟ بينما جلس الإبراهيمي بحذر منزويا عن جماعتنا. ثم ظهر لنا بن جلول، وبعد تحية عابرة ذهب ليجلس بعيدا ليرتشف مشروبا كحوليا بصحبة مندوبة جميلة، تم انتدابها على الأرجح خصيصا لدى رئيس (الوفد الأهلي)، كما يمكن أن نتصور.
كان المشهد بائسا يثير الشفقة: فقد صاحبت الفاحشة والمشروبات الكحولية وفدا ضم الأعضاء البارزين للإصلاح الجزائري.
وأدركت من يومها أنه لا يرجى خير كثير من الأزهر والزيتونة وكلية الجزائر.
كما لم أكن متفقا على أي من المبادئ التي تأسس عليها تشكيل وفد الانديجين وسفره. وقلت ذلك للتو لمحدثي دون أن يخرج ابن باديس من صمته. وعبرت عن دهشتي بداية من تسليم رئاسة المؤتمر لبن جلول بينما بدا لي من الطبيعي أن تعود قيادته لجمعية (العلماء). وقد أجيبت بأن السبب هي اللغة الفرنسية التي يجهلها (العلماء). والواقع، وأنا أدرك الأمر أفضل اليوم، أن لرجل الزيتونة والأزهر رد فعل
стр. 124
نسوي أمام المسؤولية الحقيقية. وقد أعطاني العربي التبسي والشيخ خير الدين الدليل القطعي، بعد إحدى عشرة سنة بعد ذلك، أثناء رمضان سنة ١٩٤٧ عندما كان علي أن أقدم للشرطة إما ضميري وإما حياتي. فقد أجمع الشيخان المحترمان أن أرضخ للشرطة بدل مقاومتها، وهذا ما تمليه علي مصلحتي، إلا أنها مصلحة تخيلها ضميران من الأهالي. لا نستبق الأمر، إذ سأعود للحادثة في الجزء الثالث من هذا العرض.
مهما يكن، فقد كبرت أربعا على (العلماء) وأقمت عليهم الحداد منذ سنة ١٩٣٦ هذه، واعتبرتهم أعجز من فهم فكرة ناهيك عن تصورها وتنفيذها.
كما أن ابن باديس الذي بقي بباريس بعض الأسابيع بعد أن غير الفندق الذي نزل به أول مرة (مما يدل على أن انتقاداتي أتت أكلها)، كان يقضي أمسياته بمقهى الهقار أين كان يلتقي بن ساعي) (١). وكان يعرض وقتها الفيلم المشهور (نداء الصمت، L'appel du silence) الذي أثار حماس جميع الباريسيين التواقين لمشاهدة الذكرى القوية للأب دو فوكو. وذات مساء طرقت فكرة مخيلة بن ساعي، وهي فكرة
стр. 125
كان فريقنا وحده هو القادر على تصورها وفهمها، وتتمثل في دعوة بن باديس لمشاهدة الفيلم الكبير , وكانت نية صديقي هي إعطاء الزعيم الإسلامي درسا ولكن بطريقة خفية، حول مفهوم المهمة والرسالة , فكان ما يحيرنا أنا وأصدقائي هو بالضبط الفتور الكبير لزعماء الإصلاح الجزائري الذين كانوا ينتظرون قدوم العامة إليهم حتى كراسيهم، عوض نقل الكلمة الطيبة حتى في أكثر أماكن لهو هذه العامة مجونا وفسادا. وقد قدر بن ساعي أن الدرس كان ضروريا للشيخ بن باديس للاعتبار. بيد أن هذا الأخير كان مدعوا في ذلك المساء وفي ذات الوقت المخصص لعرض الفيلم من طرف صاحب مقهى الهقار الذي اقترح عليه فيلما آخر موضوعه تسلية خالصة. والفرق هو أن مالك الهقار يمتلك سيارة بينما ليس لبن ساعي سوى فكرة.
وظفرت السيارة بالشيخ ابن باديس.
ويمكن أن يدرك الأثر النفسي، علي وعلى بن ساعي، الذي تركه الموقف الغريب للشيخ بن باديس، ﵀، غير أن الشيخ الموقر خصنا بمفاجأة أخرى. فعوض أن يتوجه إلينا (وخاصة أنا الذي حملت لواء (العلماء) بباريس واقترحت اسم رئيسهم للرئاسة الشرفية لجمعية الطلبة الجزائريين زمن المرحوم نارون)، قام الشيخ بإسناد مصالح جمعية (العلماء) بباريس للشيخ الورتيلاني الذي كان ربما نجمه يسطع في صنعاء أو القاهرة حيث يمكن للكلمات البراقة والمفخمة أن تقوم مقام الأفكار ولكنها تعجز عن ذلك في بلد غربي يفرض ليس فقط معرفة دقيقة بخصوصياته ولكن يتطلب أفكارا
стр. 126
واضحة ومظبوطة حول مشكلات المجتمع الإسلامي. ولإدراك معنى هذا الفعل، يجب إسقاطه على المستوى الإداري. في ذلك اليوم، كان باستطاعة ماسينيون أن يفهم جيدا أن يتصرف معي ومع بن ساعي، كيفما يحلو له دون أن يحرك الوسط الإسلامي ساكنا مطلقا. وقد أدركت المسألة في حينها وفهمت أننا كنا في نظر ماسينيون معزولين ومكشوفين دون أدنى حماية. وقلت ذلك لابن ساعي وكنا نذكر بعضنا بهذه الحقيقة ونحن نردد الحديث النبوي المشهور: (بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا، فطوبى للغرباء).
غير أن ماسينيون كان مبتهجا ومرتاحا - وأنا أتفهم شعوره! -وهو يرى موظفا مكلفا بتسيير الضمير المسلم بباريس عوض أن يتولى الأمر دعاة مسلمون تكونوا في المدرسة الديكارتية.
وأريد أن أسجل هنا انطباعاتي حول معرض باريس الذي نظم سنة ١٩٣٦ حيث زرته رفقة بواعنيني. فمشهد معرض باريسي هو في الغالب. مفيد جدا لمسلم سكنته أفكارنا. فقد رأينا جناحا يديره يهودي كان يحاول إخفاء هويته وكان يقدم الآلية التي تحرك عجلة ماكينة وعجلة ... التاريخ. وبجانبه كان مسلم - مشرقي أو مغربي -يقدم سجادة وثيرة وعطور مثيرة. الأول كان يركز على كل ما يخلق القوة والثاني يدعو إلى الراحة والدعة ... لم أر مطلقا هذا المشهد براحة ومن غير أن أكترث.
стр. 127
المرحلة الثانية
المنبوذ
стр. 128
في جوان ١٩٣٦، وقبل أسبوعين أو ثلاثة من الامتحان الأخير الذي كان علي أن أتقدم له لنيل شهادة مهندس من المدرسة الخاصة للميكانيكا والكهرباء، استيقظت صباحا والدموع في مقلتي. كنت أعيش مثل هذه الحالة أحيانا عند الاستيقاظ من النوم منذ رحيل والدتي التي رأيتها ربما في المنام مرة أخرى. غير أن تباشير الصباح التي انسابت من الكوة الصغيرة لباب حجرتنا الصغيرة في الطابق السادس، أعادت وعيي إلى الحقيقة، فاستبشرت بالأفق الساحر الذي يتراءى أمام عيني: سوف أصبح مهندسا وكنت أعي أني من أفضل الأقلام الجزائرية. كنت أعلم وكنت أرى ماذا يمكن أن يجني المرء بمثل هذه الرتبة وبقلم مثيل. وكان طيف والدتي يمر أمام عيني في خضم هذا المستقبل الواعد. لم أعلم وقتها ما هو النقيض الذي انبثق من أعماق وعيي، وبالتحديد من أكثر جوانبه غورا وعمقا، أقصد شعوري الباطني. أدركت فقط أن هذا النقيض انتزع مني شهيقا وأتذكر الدعاء الذي تمتمته بين الدموع:
- إلهي، إني لا أريد نصيبي في هذه الدنيا، بل أريده في الآخرة. ثم انصرف فكري إلى المهام اليومية لطالب جدي ونجيب ينتظره امتحان مصيري. غير أن تذكر ما حصل هذا الصباح بقي في ذاكرتي كمعلم غرزه القدر في وجودي ليأذن لمرحلة جديدة.
فكم من مرة فكرت في هذه المسألة من يومها؟ وكم من مرة سأفكر فيها؟ لقد مرت عليها ست عشرة سنة.
стр. 129
وبالفعل، لم أنل شيئا إلى يومنا، ولم أرج حتى الآن شيئا في الدنيا. وينتابني خوف رهيب عندما أرى الغنى يهدد آفاقي الشخصية. فالدعاء الذي دعوته من ست عشرة سنة خلت أصبح نوعا منذ اللغز، ونوعا من القدر المحتوم في حياتي.
ولقد تلقيت بالفعل في مدة قصيرة خيبة أملي الكبرى الأولى في جويلية ١٩٣٦ حيث تسارعت أحداث كثيرة في حياتي. كنت من الطلبة النجباء في دفعتي. ولم تكن عندي نقطة ضعف إلا في الرسم. غير أن مصادفة أراها من أسعد المصادفات جعلت موضوع الامتحان رسما كنت قد تدربت عليه من قبل. ثم إن المرء لا يواجه الرسوب من أجل الرسم عندما تكون عنده نقاط جيدة. ومن جانب آخر، طرح علي أستاذ الكهرباء التقنية سؤالا من خارج المقرر، ومنحني نقطة أمام بقية المرشحين وهو يقول: -لم تحفظ درسك وحسب بل فهمته. هنأني بواعنيني -صهر كسوس- على جوابي بتأثر نابع من وطنيته.
لقد كنت سعيدا. غير أني ذهبت لمقابلة المدير ليطمئن قلبي تماما، هذا المدير الذي اعتبرته (قديسا) وطالما كنت معجبا به لعلمه ولتواضعه الكبير. وكنت سعيدا بالحديث معه طيلة الأربع سنوات التي استغرقتها دراستي. ومن جانبه، كان يستقبلني دوما بتلطف لم يكن خافيا علي. استقبلني على عادته، غير أني لاحظت توا بأن ابتسامته المعهودة غابت هذه المرة عن قسمات وجهه. قلت في نفسي بأن مرد ذلك هو التعب الذي انجر عن فترة الامتحانات. وبعد أن عرضت عليه
стр. 130
موضوع زيارتي، رأيت فجأة وميضا، لم أعهده من قبل، يتلألأ من عينه. ثم خاطبني بكل برودة، وهو لا يزال واقفا لينبهني إلى أن الدقائق ثمينة: - السيد بن نبي، لم يظلمك أحد في هذه المدرسة، أليس كذلك؟ كان لهذه العبارة التي تلفظ بها رجل يكن لي دوما الاحترام أثر الماء البارد أو الصعقة الكهربائية. فأدركت أن تأثير ماسينيون وصل المدرسة عن طريق التعبد والتضرع. حييته بإيماء وقلت قبل أن أغادر: - استسمحكم السيد المدير.
يجب تصور الآثار المتعددة لهذا اللقاء القصير على ضميري. لم أكن أتصور مطلقا أن (رجلا قديسا) يقبل بالتآمر على طالب وهو يتذرع بمسوغ (العدالة). وظهرت لي بشاعة القضية. ويا لها من بشاعة! فقد كنت ذاكرة دفعتي في العديد من المواد. فكمان زملائي يطلبون مني حلولا لمسألة أو شرحا لنظرية من النظريات.
زد على ذلك أن أحد زملائي من الهند الصينية أصابته الدهشة بعد النتائج وحدث في الموضوع بويعناني كما روى لي هذا الأخير: - أنا أبعد من أن يكون لي تكوين بن نبي ولن أحصل على الشهادة السنة القادمة. والحال هذه، فإني أنوي تسجيل نفسي في مدرسة أخرى لأتم دراستي.
لم يفهم هذا المواطن الهند الصيني أن المقاسات والمعايير التي خضعت لها كانت استثنائية ولم تستهدف في شخصي مجرد فرد مستعمر من الأهالي، بل قضية أخرى أكثر دقة. فقد كان المعنى هو ضرورة توقيف نفسي وضمير وذكاء في الحال.
стр. 131
كان الانشغال منصبا في المفهوم الاستعماري على المخطط المعد للجزائر المثير للقلق أصلا ولم يلتفت للمخطط المخصص للهند الصينية. ومهما يكن من أمر فقد أدركت من الوهلة الأولى للقائي بالمدير أني سأصبح حائزا على لقبـ (طالب سابق) للمدرسة الخاصة للميكانيكا والكهرباء لكن دون شهادة موقعة من طرف نائب كاتب الدولة المكلف بالتعليم العالي والتقني.
كانت الضربة قاسية. فقد تم المساس بكبريائي الشرعى وبمصالحي المادية بعد ما أجلت سفري حتى أتسلح بشهادة رسمية، كوثيقة ضمان.
ثم أني أحسب أن والدي دفع ما يكفي من تضحيات إلى درجة أني ظننت أن من الواجب أن استغني عن مساعدته، وكنت أصرف من المبلغ الذي خصصته أنا وزوجتي لسفرنا وإقامتنا بالحجاز.
طرحت مشكلة مواجهة أعباء الحياة فجأة علي وعلى زوجتي بطريقة لم تكن في الحسبان، فعدنا إلى درو.
يجب أن أقول أني قمت بمسعى لدى الحكومة الإيطالية ملتمسا التدريب في مصنع للمصابيح الكهربائية. فعلى عادتي ودون أن أضيع دقيقة واحدة، قمت بهذا المسعى قبل الانتهاء من الامتحانات. وقد استخلصت من الرد السلبي أن (مهندسا من الأهالي) غير مرغوب فيه سيان في روما كما في باريس.
كانت الأحداث في الجزائر تتسارع , عاد وفد المؤتمر الإسلامي لعرض نتائح مهمته. وعاد (العلماء) أيضا، وما كان لهم أن يقوموا بصفة رسمية بهذه الزيارة، وأكثر من ذلك ما كان لهم أن ينضووا
стр. 132
تحت لواء بن جلول وفرحات عباس. ثم أن ميرانتي (Mirante) انتظر عودتهم وأعد لهم مؤامرة محبوكة بإتقان. نتذكر وقائع قتل كحول. لقد أحدثت الواقعة هلعا في صفوف أبطال الفديرالية. ونتذكر العودة المفاجئة لبن جلول إلى فرنسا أين التقى في ميناء مرسيليا بمراسل صحيفة (Marseille - Matin) (١) (صباح مرسيليا)، ونستحضر الكلام الغريب والإجرامي للبرجوازي الصغير القادم من قسنطينة الذي بلغ مصف البطل الوطني الأول بإرادة الإدارة الاستعمارية وغباوة الأهالي.
- (لولا فرنسا، لكنت مجرد سماش) (٢) هكذا استهل البطل الوطني كلامه.
ربما لا يكفي هذا الإطراء الموجه للاستعمار النابع من مصدر واحد على غرار (فرنسا هي أنا) لتهدئة عطايا بيجو (Bugeaud) . يجب تقديم شيء عملي للاستعمار. فأضاف بن جلول:
- (ليس لي أي شيء مشترك أتقاسمه مع أناس أيديهم ملطخة بالدماء.)
стр. 133
لقد عنى بكلامه (العلماء) بكل وضوح. وهذا يعني التنديد بالمؤتمر الإسلامي. كنت وبن ساعي نترقب الأسوأ. وهكذا تناهى إلى سمعنا خبر توقيف العقبي.
كان الشيء الوحيد الذي يمكن أن ينقذ الحركة الجزائرية هو دعوة المؤتمر لمواجهة تكالب الاستعمار. غير أن المؤتمر قد سد وكان المفتاح بأيدي بن جلول. لم يكن (العلماء) سوى مجموعة مسكينة من الخانعين الفاترين، من غير اقتدار يسمو بهم لمستوى الوضع، فقد كانوا يستظلون بعدالة الإله ويستكينون إليها لمواجهة الظلم الشرس الذي حاق بهم. فأي إنسان يدرك قيمة المبدأ السلفي أو لديه مجرد إلمام بسيط بالفلسفة السياسية، لا يمكن أن يفهم سفر هؤلاء العلماء إلى باريس ولا، الأحرى، خضوعهم لبن جلول. بعد اندلاع هذه الأحداث، فهمنا جيدا أنا وعلي بن أحمد وبن ساعي، أن الحركة الجزائرية ستنقلب وتنتكس وتتراجع. وعندما أسجل ذلك بعد خمس عشرة سنة في كتابـ (شروط النهضة) حيث قلت أن (المؤتمر بلغ القمة ولكنه هوى بعد ١٩٣٦)، لم يفهم الكثير من الأهالي الأندجين (les indigènes) وقتها شيئا. لأن عقلهم المتحجر الفظ لا يعرف ترتيب العناصر والعوامل، فهم يرون في الفوران الحالي المنبثق من الأحداث الدولية تقدما لا يربطونه بالجهد، أي لا يعزونه للإرادة وإنما للصدفة.
آه! لو لم تقع الحرب العالمية التي كانت بمثابة رحمة من الله لشعوب الأندجين، لرأى محترفو البوليتيك الجزائريون أين سيكون موقعنا وكيف يكون حالنا اليوم بقيادة بن جلول وزمرته. أما الذين
стр. 134
يطرحون المسائل كما ينبغي، فإن سنة ١٩٣٦، شكلت في الجزائر منعطفا أضاعت من خلاله البلاد دفعة واحدة جني عشرات السنين من الجهود المضنية والمريرة التي تجسدت بشكل رائع في (المؤتمر) الذي لم يدرك أهميته إلا الإدارة الاستعمارية.
وقد أدركت مجموعتنا كذلك الأمر جيدا ولكن ما هي الوسائل التي كانت في متناولنا للتأثير في الضمير الشعبي الذي نومه بن جلول. كما أن ضروريات الحياة كانت تضغط علينا وتحد من نشاطنا. فبن ساعي فقد الأمل في الظفر بشهادته بعد أن أخضعه ماسينيون (١) لمراقبته الشديدة، أما علي بن أحمد فكان يقدم درسا أسبوعيا لمجموعة من العمال تحت إشراف مصالي الذي بدأ، كما أكد لي صديقي، ينظر للأمر بريبة واستهجان، لأن بومنجل كان هناك يحرص، أي بعبارة أخرى، كان ماسينيون يراقب.
أما أنا وبعد أن أدركت أني لن أستطيع أن أفعل شيئا في بلد خاضع لفرنسا فقد بدأت أخطط للسفر للمشرق.
وقد عززني في فكرتي هذه وفد جامعي قدم من مصر، علاوة على لقاء بالصدفة في الحي اللاتيني بيهودي كان تلميذا سابقا بمدرستي وكنت أعرف قيمته النسبية كمهندس.
стр. 135
شرح لي هذا المهندس كيف كان يشتغل في مؤسسة خاصة بأجهزة التبريد بمدينة الإسكندرية حيث أكد لي أنه كان منعما بهذا العمل الذي يكسبه قوتا جيدا. وكان ذلك باديا على ملامحه. ثم أخبرني هذا اليهودي، الذي كان روسيا ثم أصبح فرنسيا، أنه تحصل على الجنسية المصرية. كنت أعلم أنه من السهل عليه وهو اليهودي الإقامة في بلاد الفراعنة مني أنا المسلم. غير أن الأمل كان يحدوني مع البعثة الجامعية المصرية التي وصلت إلى باريس. قدمت دروسا فى اللغة الفرنسية لبعض أعضائها كما تعرفت على رؤساء البعثة الشيوخ تاج ودراز (١) وعفيفي الذين وعدوني بالمساعدة للحصول على تأشيرة من سفارتهم. مع هذه المساعدة التي افتقرت إليها السنة الماضية، كنت متيقنا تقريبا بالحصول على تأشيرتي.
أجل! ولكن ماسينيون يحرص ويراقب. فكللت جميع مساعي الشيوخ لدى سفارتهم بالفشل المطلق. فأدركت أنه إذا كان من اليسير على مهندس يهودي أن يذهب ليقيم في مصر، فإن الأمر يستحيل على مهندس مسلم. واعتقد أنني لم أكن بعيدا جدا عن الردة عن الإسلام في تلكم الأيام، هذا الإسلام الذي خانه المسلمون والذي لم أر فيه أي روح أو مهب عقل. إني أسجل هذه النقطة لأن لها أهميتها فيما بعد. لقد أدركت بعدها أن هذا بالذات هو هدف ماسينيون: إلهامي بغضا شديدا لإخواني في الدين. وكان بن ساعي يثور عندما أحدثه عن حنقى وغضبي على المسلمين.
стр. 136
ومهما يكن فقد استسلمت لفشلي مع سفارة مصر فقررت أن أدق باب مندوبيه افغانستان. كان الاستقبال حارا غير أن رئيس المفوضية نصحني أن أتوجه بطلبي إلى (مكتب الهندسة الفرنسية) للحصول على توصية تقدمني بموجبها للحكومة الأفغانية كمهندس. بخلاصة فقد أرسلني الدبلوماسي المحترم مباشرة، ولكن بحسن نية، إلى ماسينيون. انسحبت إذن ولكن بعد أن علمت أن صالح بن ساعي قد دق هذه الباب كمهندس زراعي بعد أن بقي عاطلا عن العمل لمدة ثلاث سنوات. فبدأت أعرف أن الاستعمار يمكن أن يقبل محامين وصيادلة وأطباء من الأهالي ولكنه يرفض في الغالب المهندسين. ومن باب أولى إذا كان هؤلاء المهندسون تحركهم روح كالتي تحركني وتحرك صالح بن ساعي.
كنت أفهم جيدا ذلك ولكني لم أفهم، أو قل لم أرد أن أتقبل فكرة أننا نواجه صعوبات وعراقيل حتى من إخواننا في الدين. وازداد إدراكي أكثر لهذا الواقع. كان على أحد أعضاء البعثة المصرية أن يسافر إلى لندن فحملته رسالة ورجوته أن يسلمها للمفوضية السعودية بمجرد وصوله. شرحت للدبلوماسي السعودي في الرسالة قضيتي وصلاتي الوهابية وكل ما انجر عن ذلك بالنسبة لمسلم مستعمر، وذكرت ما جرى لوالدي الذي كان ضحية أفكاري وحدثته عن قدراتي سواء كتقني أو كمرب. حررت الرسالة بالفرنسية حتى أستطيع أن أقول فيها كل ما أريد في صفحة ونصف. وترقبت الجواب. جاء الرد فعلا، وكم كان
стр. 137
مخيبا. فالدبلوماسي الذي كانت لديه بكل تأكيد كل إمكانيات قراءة رسالتي أو تحويلها لحكومته، وهي وجهتها الأصلية، طلب
مني أن أحرر طلبي بالعربي. أدركت في الحال أن الدبلوماسي النزيه كان إنسانا شرقيا لا يمكن أن يفهم مأساة مثقف مسلم أراد أن ينقذ من الاستعمار أفكاره الأخلاقية وقدراته التقنية أكثر من مستقبله الشخصي. لم يفهم حتى السبب البسيط الذي حداني بأن أوجه له رسالتي عن طريق خاص عوض أن أستعمل البريد الذي يخضع بطبيعة الحال للرقابة الإدارية. كان باختصار يطلب مني أن أضع مسعاي تحت هذه المراقبة، إذ لا يمكنني بداهة أن أجد كل يوم شخصا يحمل مراسلتي. لم يبق لي سوى تنفيذ المطلوب. حررت رسالتي كيفما كان باللغة العربية وأرسلتها بالبريد ثم انتظرت الرد الذي لم يأت ولن يأتي أبدا. ولكني علمت عاما بعدها عن طريق شيخ حاج من تبسة أنه سمع بمكة أن مهندسا من تبسة سيقدم للإقامة بالحجاز. وبما أن الشيخ يعرفني وأدرك أن الشخص الذي كان موضوع الحديث هو أنا شخصيا فقد سألني: - لماذا لم تسافر هناك؟
كان هذا هو الصدى الوحيد الذي وصلني بخصوص الطلب الذي تقدمت به في مرحلة عصيبة من حياتي. وأكثر ما كان يحز في نفسي ويؤلمها هو موقف المسلمين، الخواص منهم والرسميون، الذين خاطبتهم آنذاك، وهو موقف يوافق تماما الرغبة العادية والرقابة
стр. 138
المحكمة المفهومة للإدارة الاستعمارية. وبالنسبة لي، سيستوي الماء والخشب للأسف طوال الست عشرة سنة القادمة (١).
وأنا ألخص اليوم هذه الحالة فأقول بأن قابلية الاستعمار عند الأهالي (indigènes) هي أهم وسيلة في متناول الاستعمار. بيد أنه يجب، أن أعيش سنوات عديدة أخرى لأرى الأمور بصورة أكثر دقة وأكثر تركيزا. فأنا لم أصلها بعد.
بعد أن فقدت الأمل من جانب السفارة المصرية والمفوضية السعودية، صممت رغم ذلك على مغادرة فرنسا عبر ألبانيا. تحصلت على التأشيرة بسهولة متناهية بمفوضية هذا البلد بباريس مع إعفاء من دفع ثمن الطابع. وبعد أن تركت زوجتي بدرو (Dreux)، ركبت القطار ذات مساء في اتجاه إيطاليا ومنها سأبحر من باري (Bai) في الباخرة المتجهة إلى دورازو (Durazzo) . لم أخبر حتى زوجتي بهذا السفر الذي كان ممتعا حتى باري. وبعد العشاء، أخذت طريق الميناء، وكان الإبحار كما قيل لي بباريس على الساعة العاشرة ليلا. أردت اقتصاد ثمن العربة فوصلت منهكا تماما، لأن الميناء كان بعيدا جدا عن وسط المدينة وكنت أحمل حقيبتين ثقيلتين، كانت إحداهما مليئة بالكتب التقنية أي كل علمي.
يا لها من خيبة! لما وصلت، علمت أن الباخرة تبحر كل يومين وأن الرحلة القادمة ستكون يوم غد.
стр. 139
آه! كم من مرة لعنت فيها هذا الاختلاف المشؤوم في التوقيت. اضطررت أن أقفل عائدا للمدينة مع كل حمولتي. وفي الغد صباحا وبينما أنا على شرفة المقهى حيث قدم لي فنجان قهوة وكوب من الماء، سمعت صوتا نسويا ورائي يسألني:
- سيدي هل أنت فرنسي؟ بدا لي ذلك من خلال لكنتك عندما تحدثت مع النادل.
كانت امرأة في العقد الرابع من العمر وبصحبة ابنتها ذات الأربعة عشر ربيعا تقريبا.
بدأ الحديث. أخبرتني السيدة أنها أقامت بعض الأسابيع بتيرانا. وسيتخيل القارئ أني سأطرح عليها بالطبع كثيرا من الأسئلة حول هذه المدينة التي نويت السفر إليها والتي أجهل عنها كل شيء. كانت الأجوبة تحط تدريجيا من الصورة التي رسمتها في مخيلتي عن الحياة في ألبانيا. هل القدر هو الذي وضع هذه المرأة في طريقي أم ميكيافيلي؟ لا أزال إلى اليوم أطرح السؤال دون أن أستطيع أن أجيب عنه بتأكيد وحزم. على أي حال قررت أن أستزيد التفاصيل بنفسي في القنصلية الفرنسية. فتم تأكيد معلومات المرأة جميعها دون استثناء. هل يتعلق الأمر بإرهاق معنوي وجسدي أو مجرد سذاجة أهلية (indigène)؟ غير أني تركت نفسي تحت تأثير ما سبق، فلم تعد لدي رغبة في الذهاب إلى ألبانيا حيث لم أر أي أفق، إذا وجب علي أن أقيم لمدة طويلة نسبيا في انتظار مغادرة محتملة نحو مصر التي كنت أرى فيها مخارج أكثر. غير أن هذا الاحتمال
стр. 140
تضاءل وصرف من ذهني، فقد أخبرت بأن القنصل المصري في تيرانا لا يمكن أن يمنح لي تأشيرة لبلاده دون أن يستمزج رأي زميله بباريس، باعتباره المعتمد إقليميا بالنسبة لمكان صدور الجواز.
سقطت مرة أخرى تحت رحمة باريس أي ماسينيون. بكل تأكيد، أدركت أن هذا الرجل يقف حاجزا أمام كل المخارج التي أحاول عبرها أن أنجو من مقرعة الاستعمار.
اضطرني الحال إلى العودة إلى باريس دون أن أفعل شيئا في ظل افتقاري لمبلغ يمكنني الوصول إلى تيرانا أو مدينة باري. وقبل أن أغادر الأراضي الإيطالية، حسبت من الواجب أن أرسل كلمة تضامن للعقبي الذي كان يقبع في السجن (١). أنا أعرف أن هذه الالتفاتة القادمة من أرض أجنبية لا يمكن إلا أن يكون لها وقع حسن على الأقل على معنويات السجين. غير أن الحالة لا يستوعبها عقل الأهالي، وهو الأمر الذي سأدركه خلال الثمانية عشر شهرا من السجن التي قضيتها في السجن، بعد تحرير فرنسا.
على أية حال، أخذت طريق العودة، وكم هي مضنية وشاقة عودة رجل يشعر بثقل نظام برمته يحط عليه ولا يرى أملا من النجاة منه. تمنيت لو ينحرف القطار سائلا الله في الوقت نفسه أن ينجي المسافرين الآخرين.
تسربت فكرة خبيثة بالانتحار في أعماقي. لقد كنت كالحيوان المتوحش الذي كان يلطم رأسه بشدة على القضبان في نوبة هيجان وهو يحس أنه سجين قفص.
стр. 141
بعد وصولي باريس، ذهبت إلى الإخوة بن ساعي، لم أجد سوى صالح الذي عاد من عمله الليلي كحمال في محطة ليون للقطار. لقد تعب كثيرا حتى عثر على هذا العمل الشاق. وكان غرضه هو ضمان لقمة العيش فقط، وهذا في حد ذاته كثير على مهندس من الأهالي. وهو ما كنت أدركه أكثر فأكثر. وكان صالح قد نبهني للأمر وهو يقص علي مغامراته الأخيرة سعيا وراء عمل عند شركتي رونو أو سيتروان للسيارات، لقد كان طلبه يرفض في مصلحة تشغيل العمال اليدويين البسطاء بمجرد ما كان القائمون يعلمون بصفته. وقد أعدت الكرة أنا شخصيا هذه التجربة القاسية خلال الشهرين أو الثلاثة الموالية. وقد استخلصت أنه ما من شركة صناعية كبيرة في فرنسا إلا وتلقت تعليمات دقيقة بخصوص اليد العاملة الشمال إفريقية وبالطبع عندما يخص الأمر (مثقفا) يهتم بالأفكار ويتسرب في صفوف العمال البسطاء. يجب اكتساب مخيلة واسعة أو تجربة كبيرة لإدراك هذه الأفكار الدقيقة التي هي جوهر العقلية الاستعمارية.
أه! كم أفهم الآن كيف أن هواة على شاكلة فرحات عباس لا يدركون مرامى الاستعمار الذي يتحدثون عنه. يجب أن يواجه المرء الوحش عن قرب وجها لوجه وأن يحس بقبضته الخانقة، يجب أن يفتن في مصيره وفي عمقه ليدرك ما معنى الاستعمار.
كيف السبيل لإفهام هواة (البوليتيك) الاندجين، الدقائق الأليمة لإنسان يطالع من صحيفة المساء عروض التشغيل اليدوي، وكيف يتفادى عنوة المناصب والأعمال التي تناسب كفاءته وتتماشى وذوقه
стр. 142
لعلمه بعدم جدوى التقدم لها باعتبارها مجالات محرمة عليه، فتبقى له الأشغال المذلة ويسعى لها باكرا دون أن ينال منها شيئا وهو يتقدم لها كعامل بسيط ومجهول.
كيف السبيل لإفهام أن هذا هو جوهر الاستعمار الذي يحط من الإنسان ذي القيمة إلى آخر حد، حتى يفقده الشعور بقيمته، وهذا هو هدفه.
كان محمد بن ساعي للأسف قد بلغ هذا الانحدار الذي يوصل للهوة السحيقة (١). أدركنا الأمر أنا وأخوه صالح وتأسفنا كثيرا وتألمنا لحاله. صالح قاوم ببسالة. أما أنا فإن الله تعالى قد منحني وسيلة لتجديد جلدي عند كل سلخة. فكلما أحسست بتعب وإرهاق بعد
стр. 143
أيام كاملة من البحث المضني عن العمل من غير جدوى، أعود لمنزلي بقرية درو. وهناك استعيد معنى كرامتي وقيمتي. وكنت كلما عدت إلى بيتي أتناول كتبي للمذاكرة لأني لم أرد أن أضيع تكويني كمهندس فقد كنت أشعر أن ذلك هو الهدف الذي يسعى له ماسينيون، المستشار التقني للحكومة الفرنسية. وكنت ألزم نفسي بمراجعة شاملة مرة كل ثلاثة أشهر لأهم المواد من رياضيات وإليكترونيك وميكانيكا.
بيد أني أجد ماسينيون دوما في طريقي مهما كان المسلك الذي اتخذه.
لقد ظهر لي أن لا طائل من وراء المساعي التي أقوم بها والجهود التي أبذلها، وتيقنت أني لن أنال شيئا إن لم ألجأ إلى دعم معين.
كنت قد التقيت من سنتين خلتا بتبسة بكاهن طيب احتفظت بذكرى رائعة معه وسجلت عنوانه. طرقت ذهني فكرة الاتصال به ومراسلته. شرحت له حالة القلق التي أصابت مهندسا فاجأته الأزمة وهو في أخريات دراسته وكيف أنه يكتفي بطيبة نفس بعمل بسيط من قبيل مجرب الآلات الكهربائية أو عامل ميكانيكي في مخبر للقياسات الكهرائية.
أجابني الراهب الطيب بالبريد ووعدني بكل دعمه كما أخبرني بأنه اتصل في الحال بـ (صديق ذي مركز مرموق ويظهر كثيرا من المودة للمسلمين).
خمنوا من هو هذا الصديق؟ إنه ماسينيون نفسه. فبعد أيام، وصلتني رسالة من (صديق المسلمين) هذا يدعوني فيها للقائه
стр. 144
وأفهمني بأن المنصب الذي أبحث عنه (مطلوب بعض الشيء). بالكاد لم يضف أن المنصب مطلوب من أحد (الأهالي).
كانت النية الحسنة للراهب مفاجئة وكتبت له للتو شاكرا مسعاه بكل صدق. أما ماسينيون فإني قررت أن ألتقيه مع علمي المسبق بنتيجة الحديث معه.
سألني هذا الرجل الذي يعرفني كما يعرف إبليس المؤمن، في مستهل حديثه:
- دراستك التقنية كانت في قسنطينة، أليس كذلك؟
إن أي إنسان يعرف معنى الذهنية اليسوعية سيدرك معنى هذا السؤال الذي لا أريد أن أعالج أهميته معالجة مشوهة هنا حتى لا أطيل الحديث. كظمت غيظي رغم ذلك وتظاهرت، من جهتي، بأني لا أعرفه أكثر وكأني أراه لأول مرة في حياتي. ويجب التنبيه من جهة أخرى أن اليسوعي لا يرتاح في جو يسمه النفاق والتظاهر الكاذب. كان ماسينيون مرتاحا في هذا الجو الغامض الذي أوجده سؤاله بعيننا. ثم سألني بغتة:
- أين عرفت هذا الكاهن؟
أجبته وأنا أضغط على مقاطع الكلمات:
- عرفت السيد الكاهن الذي فاتحكم في شأن مسعاي بتبسة، يا سيدي. في الواقع، استدعاني المستشار التقني للحكومة الفرنسية ليطلع
على أفكاري وأحاسيسي وليعرف أين وصلت.
стр. 145
وأعتقد أن إجاباتي لم تكن لتطمئنه لا من ناحية أفكاري ولا من جهة شعوري. ثم قام من مكتبه ليأذن بنهاية الحديث دون أن ينبس ولو بكلمة عن موضوع الاستدعاء. ولم يبق لي إلا أن أذكره به بما يشبه التهكم وأنا أحييه لمغادرة مبناه، فأجابني حين وضعت رجلي على الدرج: - نعم، نعم ... سأكاتبك في الموضوع. من الطبيعي أنه لم يكن ثمة شيء يرجى من جهته. غير أن التجربة أفادتني بيقين مزدوج. الأول أني سأجد ماسينيون دوما في طريقي، والثاني هو أن الضمير المسيحي ليس حرا في قراراته، لأن الكاهن لا يمكن أن يتصرف كما أراد من أجلي، رغم أنه تمنى ذلك وأنا متيقن، دون أن يمر بالنظام المركزي لل (الشؤون الإسلامية). وبديهيا أيضا أن ماسينيون يقف على رأس منصب هام في هذا النظام. وستكون لي فيما بعد جميع الأدلة التي تمنحها تجربة طويلة أن ماسينيون كان على اتصال بالمكتب الثاني وبالمنظمة الكهنوتية. ثم أنني بدأت أحس منذ سنة ١٩٣٦ أن المكتب الثاني بدأ يضيق الخناق على عائلتي وعلي شخصيا. فبالفعل، ورغم توافر عدة مناصب خاصة بالخوجة وشغورها في عدة بلديات وخاصة بتبسة بعد وفاة صاحبه حلايمية الشريف، ﵀، فإن والدي حرم من إعادة الإدماج رغم توسط أهالي مرموقين ومؤثرين على غرار والد الشيخ بن غراب.
ومن جهة أخرى، ولسبب أجهله، طلبت من مدرستي شهادة (طالب سابق) بها، وأصر المدير لدى كاتبته لملاقاتي رغم أني عقدت العزم على تجنبه. شعرت بأن لدى الرجل ندما على فعلته الشنيعة