← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 13922

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الاعتكاف للبيوع

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 579 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

التعليقة الكبيرة في مسائل الخلاف علي مذهب الإمام المبجل أحمد بن محمد بن حنبل «الشامل لبعض كتاب الاعتكاف وكتاب الحج وبعض كتاب البيوع» «المجلد الرابع من أصل أحد عشر مجلداً» تصنيف القاضي أبي يعلى الفراء محمد بن الحسين بن محمد بن خلف البغدادي الحنبلي المولود ببغداد سنة ٣٨٠ هـ والمتوفى بها سنة ٤٥٨ هـ رحمه الله تعالى

стр. 2

الرابع من التعليقة الكبيرة في مسائل الخلاف علي مذهب الإمام الأعظم المبجل إمام الأئمة ورباني هذه الأمة أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني ﵃ تصنيف الشيخ الإمام العلامة وحيد عصره وفريد دهره القاضي أبي يعلى محمد بن الحسين بن محمد بن الفراء الحنبلي البغدادي ﵁ فيه من الأبواب بعض الاعتكاف، وكتاب الحج، وبعض كتاب البيوع المشتمل على مسائل الربا من كتب الفقير إلى الله تعالى محمد بن أحمد بن المنجا الحنبلي التنوخي ملكة أحمد بن أحمد بن أحمد [ … ] بن محمد [ … ] الحنبلي في سنة ست وستين وثمان مئة من كتب الفقير السيد فيض الله المفتي في السلطنة العلية العثمانية عفي عنه

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً [كتاب الاعتكاف] ١ - مسألة لا يصح الاعتكاف إلا في مسجد تقام فيه الجماعات: نص عليه في رواية ابن منصور، فقال: الاعتكاف في مسجد تقام فيه الصلاة، وقد ذكره الخرقي في «مختصره». وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: في أي المساجد اعتكف جاز. دليلنا: ما روى أبو بكر النجاد في «كتابه» فقال: ثنا عبد الله قال: ثنا عثمان قال: ثنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : «كل مسجد له إمام [و] يؤذن فيه، فهو جائز». روى الدارقطني بإسناده عن حذيفة، عن النبي ﷺ قال: «كل مسجد له مؤذن وإمام، فالاعتكاف فيه يصلح».

стр. 4

فلولا أن مسجد الجماعة شرط، لم يكن لذكره وتخصيصه فائدة. فإن قيل: فقد قال الدارقطني: الضحاك لم يسمع من حذيفة! قيل: لأنه أكبر ما فيه، والمرسل عندنا حجة. فإن قيل: هذا الحديث قد طعن عليه السلف؛ لأن أبا بكر النجاد روى بإسناده عن حذيفة: أنه قال لعبد الله بن مسعود: ألا تعجب من قوم بين دارك ودار أبي موسى يزعمون: أنهم معتكفون؟! فقال: لعلهم أصابوا وأخطأت. وروي: أنه قال لعبد الله: عكوفاً بين دارك ودار أبي موسى، وأنت لا تغير! وقال النبي ﷺ : «لا اعتكاف إلا في مسجد يجمع فيه». وقال ابن مسعود: ما يدريك لعلك أخطأت وأصابوا، أو حفظوا ونسيت؟ وروي: أن حذيفة أتى ابن مسعود فقال: إني رأيت أناساً معتكفين بين دارك ودار أبي موسى، وكان بينهما مسجد، فقال عبد الله: لعلهم علموا وجهلت، وحفظوا ونسيت، فقال حذيفة: إنه لا اعتكاف إلا في ثلاث مساجد: مسجد الحرام، ومسجد المدينة، والمسجد الأقصى.

стр. 5

قيل له: لم يكن اعتراض ابن مسعود على الحديث الذي رواه عن النبي ﷺ ، وإنما كان اعتراضه عليه فيما يذهب إليه من انه لا يجوز الاعتكاف إلا في مسجد نبي، وهذا مذهب معروف لحذيفة، وأنه لا يجوز الاعتكاف إلا في مسجد نبي، وليس احتجاجنا بمذهب حذيفة، وإنما احتجاجنا بروايته. وأيضاً فالمسألة إجماع الصحابة، روي ذلك عن علي وابن عباس وعائشة: فروى النجاد بإسناده عن عاصم بن ضمرة، عن علي قال: لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة. وروى بإسناده عن قتادة، عن ابن عباس: لا اعتكاف إلا في مسجد تقام فيه الصلاة. وروى بإسناده عن عروة، عن عائشة: أنها قالت: لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة.

стр. 6

وروى بإسناده عن الزهري قال: مضت السنة أنه لا يجوز الاعتكاف إلا في مسجد جماعة تجمع فيه الجمعة. وهو قال جماعة من التابعين: الحسن، وجابر بن زيد، وعطاء، وكحول، والزهري، وعكرمة، وإبراهيم، ذكره النجاد في "كتابه" بإسناده. ولأن صلاة الجماعة فرض عندنا، فلو أجزنا الاعتكاف في مسجد لا تقام فيه الصلاة، أدى ذلك إلى ترك الاعتكاف والخروج منه لطلب الجماعات، وذلك يتكرر في اليوم والليلة خمس دفعات، فلم يجز؛ لأن الاعتكاف هو لزوم المسجد، وحبس النفس عليه. فإن قيل: فكان يجب أن تشترط مسجداً تقام فيه الجمع لئلاً يؤدي ذلك إلى الخروج لطلب الجمع، وقد أجزت الاعتكاف في مسجد لا تجمع فيه الجمعة، كذلك الجماعة. قيل له: الجمع لا تتكرر، إنما تجب في الجمعة مرة، فلا يؤدي ذلك إلى ترك الاعتكاف. وقد نص أحمد على جواز الاعتكاف في غير المسجد الجامع في رواية الأثرم، وقد سئل عن الاعتكاف في غير المسجد الجامع، فلم ير به بأساً.

стр. 7

ووجدنا أن للتكرار تأثيراً، ألا ترى أن من يتكرر دخوله إلى مكة من الحطابة، يجوز دخوله بغير إحرام، ومن لا يتكرر لا يدخله [ــــا] إلا بإحرام؟ وأيضاً: فإن الاعتكاف عبادة من شرطها المسجد، فاختصت بمسجد مخصوص. دليله: الطواف. فإن قيل: الطواف أخص، ألا ترى أنه لا يجوز إلا في المسجد الحرام؟ قيل: لا يمتنع أن يتساويا في تعلقهما بمسجد مخصوص، وإن كان أحدهما أعم، ألا ترى أن الطواف والذبح يتفقان في اختصاصهما بالحرم، وإن كان الطواف أخص؛ لأنه يختص [ب] المسجد، والذبح يعم جميع الحرم! واحتج المخالف بأنه مسجد بني لصلاة الجماعة، فصح الاعتكاف فيه. دليله: المسجد الذي تقام فيه الصلاة. والجواب: أن مسجد الجماعة لا يؤدي إلى ترك الاعتكاف، وليس كذلك ما هنا؛ لأنه يؤدي إلى تركه على التكرار من الوجه الذي بينا.

стр. 8

أو نقول: ليس إذا جاز في مسجد الجماعة جاز في غيره؛ كالطواف يجوز في المسجد الحرام، ولا يجوز في غيره. وإن قاسوا على المسجد الذي لا تقام فيه الجمعة، فالفرق بينهما ما ذكرناه ٢ - مسألة لا يصح اعتكاف المرأة في بيتها: أومأ إليه أحمد في رواية أبي داود، وقد سئل عن المرأة تعتكف في بيتها، فذكر النساء تعتكفن في المساجد، ويضرب لهن فيه بالخيم، وقد ذهب هذا من الناس. وهو قول مالك والشافعي. قال أبو حنيفة: يجوز اعتكافها في مسجد بيتها. دليلنا: ما روى النجاد بإسناده عن كثير مولى ابن سمرة: أن امرأةً أرسلت إلى رسول الله ﷺ : أني أريد أن أعتكف العشر الأواخر فما ترى؟ قال: "ادخلي المسجد، واقعدي في طست، فإذا امتلأ، فليهراق عنك". فوجه الدلالة: أنه أمرها [بالاعتكاف] بالمسجد، ولم يجعل

стр. 9

ذلك عذراً في تركه. ولأن كل موضع لا يصح اعتكاف الرجل فيه، لا يصح اعتكاف المرأة فيه. دليله: الشوارع والطرقات. أو نقول: كل موضع يجوز لها المقامة فيه في حال الجنابة والحيض، لا يصح الاعتكاف فيه. دليله: ما ذكرنا. ولأنها عبادة لا تصح من الرجل إلا في المسجد، فلا تصح من المرأة إلا في المسجد. دليله: الطواف. ولأن ما كان شرطاً في صحة اعتكاف الرجل، كان شرطاً في صحة اعتكاف المرأة. دليله: النية واللبث. ويبين صحة ذلك: أن ما يفسد اعتكافه يفسد اعتكافها؛ كالمباشرة ونحوه. فإن قيل: قد أجمعنا على الفرق بينهما في موضع الاعتكاف واللبث؛ لأن عندكم يكره للشابة أن تعتكف في المسجد، ونحن نمنعها من ذلك، وهما في اللبث والنية سواء!

стр. 10

قيل: قد قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله سئل عن النساء يعتكفن؟ قال: نعم، ولم يخص الشابة من غيرها. وقياس قوله: أنه يكره للشابة؛ لأنه قد نص [على] ذلك في خروجها لصلاة العيدين، وأنه مكروه. فعلى هذا إذاً: افترقا في كراهة الحضور، مما يوجب الفرق في المحل بدليل: أنه يكره للشابة حضور الجمع، ثم حضور موضع الجماعة شرط في صحتها، وكذلك يكره لها الطواف نهاراً، ومع هذا فالمسجد شرط في طوافها. واحتج المخالف بما روي عن النبي ﷺ : أنه أراد أن يعتكف، فخرج إلى المسجد لاعتكافه، فراى قباباً مضروبة، فقال: "ما هذه؟ " فقيل له: هذه لعائشة، وهذه لحفصة، وهذه لزينب، فقال: "آلبر يردن بهن؟! " وأمر بنقض القباب، وأخر الاعتكاف. فدل على أن المرأة لا تعتكف في المسجد، لأنه لو جاز لها ذلك لما غضب. والجواب: أن الخبر يدل على الكراهة، ونحن نقول: إنها إذا كانت شابة، فإنه يكره لها أن تعتكف في المسجد، وتصلي فيه. نص عليه في الصلاة في رواية حنبل، وقد سئل في خروج النساء

стр. 11

إلى العيد، فقال: هؤلاء يفتن الناس إلا أن تكون امرأة طعنت في السن. فيجوز أن يكون النبي ﷺ أنكر لهذا المعنى، ويجوز أن يكون أنكر لأنه لم يحب ظهورهن في المسجد، وللزوج أن يمنع امرأته عن مثله، وإن [كان] ذلك قربة؛ كما يمنعها من حج التطوع، وإن وجدت المحرم، وكان الطريق آمناً. واحتج بما روي عن عائشة ﵂: أنها قالت: لو علم النبي ﷺ ما أحدث النساء بعده لمنعهن المساجد؛ كما منعت نساء بني إسرائيل. والجواب: أن هذا محمول على الشباب بدليل ما ذكرنا. واحتج بأن بيتها موضع يستحب أداء الصلوات المفروضة والمسنونة فيه، فجاز أن يكون موضعاً للاعتكاف. دليله: المسجد. وإذا ثبت أنه يجوز أن يكون موضعاً له، ثبت أن للمرأة أن تعتكف فيه. والجواب: أن كونه موضعاً تستحب فيه صلاتها لا يدل على أنه موضع للاعتكاف؛ لأن بيت الرجل تستحب فيه صلاة النافلة، وليس

стр. 12

بموضع لاعتكافه، وإن كان الاعتكاف نافلة. ولأنه لو كان معتبراً بموضع استجاب الصلاة الفريضة، لوجب أن لا يصح اعتكافها في المسجد؛ لأنه ليس بموضع استحباب صلاتها فيه. ثم المعنى في الأصل: أنه محل لاعتكاف الرجل، أو لأنه موضع بني لذكر الله والصلاة، وليس كذلك البيوت والمساكن؛ لأنه ليس بمحل لاعتكاف الرجل، ولأنه مبني لمصالح الدنيا، فهو كالشوارع، ولأنه يجوز للجنب والحائض والنفساء المقام فيه؛ كالشوارع. واحتج بأنها ممنوعة من الخروج إلى المسجد واللبث فيه، فلا يجوز أن يكون ذلك شرطاً في صحة اعتكافها. والجواب: أنها ممنوعة من الخروج إلى الجامع يوم الجمعة، ولا تصح جمعتها مع ذلك إلا مع الإمام. وكذلك [هي] ممنوعة من الخروج لحج التطوع، ولا يصح فعلها للحج والعمرة إلا بالخروج إلى مكة، وحضور تلك الأماكن، كذلك هاهنا. ٣ - مسألة يصح الاعتكاف بغير صوم في أصح الروايتين: نص عليها في رواية حنبل، وعلي بن سعيد، والميموني:

стр. 13

فقال في رواية حنبل: إن صام كان أحوط له. وظاهر هذا: أنه غير واجب. وقال - أيضاً - في رواية الميموني: أكثرهم يوجب عليه الصيام مع الاعتكاف، إلا أن حديث عمر حين قال: نذرت أن أبيت ليلةً في المسجد الحرام، فقال له النبي ﷺ : "أوف بنذرك". وكان رأيت أبا عبد الله في هذا الموضع يجعله حجة لمن لم يوجب عليه الصيام. وقال - أيضاً - في رواية علي بن سعيد: ومن يعتكف بالليل، فليس عليه صوم، ولكن يحتار للمعتكف أن يصوم. وظاهر هذا: أنه غير واجب عليه الصوم، وبه قال الشافعي. وروى الأثرم عنه - وقد سئل عن المعتكف: يصوم؟ - قال: نعم يصوم، هو أكثر ما جاء فيه، فعاوده السائل، فقال: نعم، إذا اعتكف وجب عليه الصوم. ونقل حنبل عنه في موضع آخر - وقد سئل عن الاعتكاف في غير شهر رمضان - فقال: لا يكون إلا في شهر إلا النذر، فإن كان نذراً فلا تأثير، وإنما الاعتكاف في شهر رمضان؛ لأنه لا اعتكاف إلا بصوم. وظاهر هذا: أنه واجب فيه الصوم، وبه قال أبو حنيفة ومالك.

стр. 14

وجه الرواية الأولى: ما روى حنبل بإسناده عن ابن عمر قال: كان على عمر ﷺ اعتكاف ليلة في المسجد الحرام في الجاهلية، فسأل النبيصلى الله عليه وسلم، وأمره النبي ﷺ : أن يعتكف، ويف [ـي] بنذره. فوجه الدلالة: أنه أمره بالوفاء به في ليلة مفردة مع امتناع جواز الصوم في الليل، فدل على أنه ليس من شرطه الصوم. فإن قيل: قد روي في خبر آخر: أنه قال: نذرت أن أعتكف يوماً وليلةً. فيحمل الأمر على أنه سأله عن الأمرين، فقال: "أوف بنذرك"؛ يعني: في النهار الذي يصح فيه الصوم. قيل له: المعروف ما ذكرناه، وما ذكروه لا يضر؛ لأنه يحتمل أن يكونا نذرين مختلفين: أحدهما: ليلة مفردة، فأمره بالوفاء بها. والآخر: يوم وليلة، فأمره بالوفاء. وأيضاً روى أبو الحسن الدارقطني بإسناده عن ابن عباس، عن النبي ﷺ : أنه قال: "ليس على المعتكف صيام، إلا أن يجعله على نفسه".

стр. 15

فإن قيل: هذا الخبر غير معروف عن ابن عباس، وإنما هو موقوف على علي، وقد روي عنه مثل مذهبنا. قيل له: قد روينا [هـ] عن أبي الحسن مسنداً في "سننه"، وهو من علم الحديث بموضع. فإن قيل: قد روي عن ابن عباس وابن عمر: أنها قالا: لا اعتكاف إلا بصوم، فلو كان الحديث صحيحاً لم يخالفه ابن عباس! قيل له: مخالفة الراوي للحديث لا تدل على ضعفه؛ لجواز أن يكون قد نسي سماعه. ولهذا قلنا في قول ابن عباس: (بيع الأمة طلاقها): لا يمنع الاحتجاج بروايته عن النبي ﷺ : أن عائشة اشترت بريرة، فأعتقتها، فخيرها رسول الله. ولو كان بيع الأمة طلاقها لما خيرها رسول الله، فتركنا قول ابن عباس، واحتججنا بروايته. فإن قيل: يحتمل أن يكون معناه: ليس على من يلبث في المسجد ويقعد فيه صوم، إلا أن يوجب الاعتكاف على نفسه، فحينئذ يلزمه الصوم.

стр. 16

قيل له: من يلبث في المسجد، ولا يعتقد الاعتكاف، لا يكون معتكفاً، والنبي ﷺ نفى الصيام عمن هو معتكف بقوله: "ليس على المعتكف صوم" فاقتضى ذلك النفي عن المعتكف اعتكافاً شرعياً. فإن قيل: يحتمل أن يريد به: ليس على المعتكف في رمضان صوم آخر لأجل الاعتكاف. قيل له: النفي عام يقتضي ليس عليه صوم؛ لا لأجل الاعتكاف، ولا لغيره. على أنه قد يلزم المعتكف صوم لأجل الاعتكاف، وهو أنه إذا نذر اعتكاف شهر غير رمضان، فإنه يلزمه اعتكاف شهر وصومه، وهذا الصوم إنما لزمه لأجل الاعتكاف. والقياس: أنها عبادة يصح استفتاحها بالليل، فوجب أن لا يكون الصوم شرطاً في صحتها. أصله: الصلاة والحج والعمرة والزكاة والطهارة. ولا يلزم عليه من نذر أن يعتكف شهراً بصوم: أنه يصح، بل الاعتكاف صحيح، ولكن لا يجزئ عن فرضه؛ كما إذا نذر اعتكاف شهر متتابع، فاعتكف شهراً متفرقاً، فإنه يكون اعتكافاً صحيحاً، ولكن لا يعتد به عن نذره، كذلك هاهنا. فإن قيل: قد اتفقنا على الفرق بين الاعتكاف وبين سائر العبادات؛

стр. 17

لأنكم تقولون: الصوم مشروع فيه استحباباً، ونحن نقول: وجوباً، وليس كذلك سائر العبادات؛ لأنه ليس بمشروع ولا واجب، فبان الفرق بينهما. قيل له: هذا لا يمنع صحة الاعتبار؛ لأن الصلاة يستحب لها كمال اللباس، وما زاد على ستر العورة ليس بشرط فيها؛ كما ليس بشرط في صحة سائر العبادات، وافتراقهما في استحباب كمال اللباس لا يوجب افتراقهما في الإيجاب. فإن قيل: يجوز أن يكون ابتداء الاعتكاف يخلو من الصوم، ويكون شرطاً في استدامته؛ كما كانت القراءة شرطاً في استدامة الصلاة دون ابتدائها. قيل له: القراءة ليست بشرط، وإنما هي ركن من أركان الصلاة كالركوع والسجود، وأما ما كان شرطاً، فابتداؤها واستدامتها فيه سواء، كاستقبال القبلة وستر العورة. ولأن ما لم يكون شرطاً في صحة الاعتكاف بالليل لم يكون شرطاً فيه بالنهار، وقياساً على سائر الأذكار والأفعال، وعكسه الكون في المسجد والإيمان والعقل.

стр. 18

فإن قيل: ليس من حيث لم يكن شرطاً ليلاً يجب أن يكون نهاراً؛ كما أن اللبث في المسجد ليس بشرط في حال خروجه لحاجة الإنسان، وهو شرط في حالة أخرى، كذلك هاهنا. قيل له: حاجة الإنسان يستوي فيها الليل والنهار، وكان يجب - أيضاً - أن يستوي في ذلك الليل والنهار. فإن قيل: الصوم يصح بالنهار، ولا يصح بالليل، فجاز أن يشترط في أحدهما، ولا يشترط في الآخر. قيل له: الصوم يصح في صلاة النهار، ولا يصح في صلاة الليل، وهما متفقان في أن الصوم ليس بواجب في أحدهما، وكذلك التسبيح وقراءة القرآن والصلاة تصح بالنهار، وليس بشرط فيه. ولأن الليل زمان يصح فيه الاعتكاف، فجاز إفراده بالاعتكاف كالنهار. وقد قيل: إن الصوم عبادة مقصودة في نفسها من فروع الدين، فلم يكن شرطاً في صحة عبادة أخرى؛ كالصوم مع الصلاة، والصلاة مع الحج. ولا يلزم عليه الإيمان؛ لقولنا: من فروع الدين. فإن قيل: الاعتكاف لا يكون عبادة إلا بالصوم، فلا معنى لقولك: وجب أن لا يكون الصوم شرطاً في عبادة أخرى. قيل له: كون الصوم شرطاً فيها عندك لا يمنع أن يكون عبادة بنفسه؛

стр. 19

كالصلاة من شرطها التيمم، ثم لا يخرج أن يكون كل واحد منهما عبادة، وكذلك من شرط صحة الصلاة الإيمان، وكل واحد منهما عبادة منفردة. واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي المَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧]. والاعتكاف لفظ شرعي مفتقر إلى البيان، والله - تعالى - لم يبين صفته، فاجتجنا إلى بيان من غيره، فوجنا النبي ﷺ لم يعتكف إلا بصوم، فيكون فعله بياناً للجملة المذكورة في الكتاب، وفعله إذا وقع موقع البيان كان كالوجود في لفظ الآية، ولو وجد في لفظها كان الصوم شرطاً في الاعتكاف، كذلك إذا ثبت بفعله. والجواب: أن النبي ﷺ قد بين الواجب وبين المستحب، فيحمل هذا على بيان الاستحباب دون الإيجاب، كما ذكرنا. واحتج بما روى هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا اعتكاف إلا بصوم". وروي موقوفاً على عائشة. والجواب: أنه محمول على أن لا اعتكاف كامل إلا بصوم، كما قال: "لا إيمان لمن لا أمانة له"، و "لا صلاة لجار المسجد إلا في

стр. 20

المسجد"، ونحو ذلك. واحتج بما روي عن عمر: أنه قال: يا رسول الله! إني نذرت أن أعتكف يوماً في الجاهلية، فقال له النبي: ﷺ "اعتكف، وصم". وقال عمر: (في الجاهلية) قالوا: معناه: أنه نذر قبل فتح مكة في حال كان أهلها في الجاهلية، وليس معناه: أنه نذر في حال الشرك؛ لاتفاقهم على: أن من نذر في حال الكفر أن يعتكف لم يلزمه بعد الإسلام شيء. والجواب: أننا نحمل قوله: "وصم" على طريق الاستحباب دون الإيجاب، بدليل ما تقدم. واحتج بأن ما ليس له أصل في الفرض لا يلزم بالنذر، بدليل: أنه لو قال: لله علي أن أقعد في الشمس، أو أعود مريضاً، أو أدخل هذه الدار، لم يلزمه شيء. واتفقوا على: أن الاعتكاف يلزم بالنذر، وليس له أصل في

стр. 21

الفرض، فعلم: أنه إنما يلزم لما يتضمن ما له أصل في الفرض، وهو الصوم. ولا يلزم عليه العمرة؛ لأن العمرة هي الصواف والسعي، ولهما أصل في الفرض، وهو الحج، وإذا فاته الحج وجب عليه التحلل منه بالطواف والسعي. والجواب: أن له أصلاً في الفرض، وهو الوقوف بعرفة. فإن قيل: الوقوف ليس من شرطه اللبث؛ لأنه لو مر بها ماراً، ولم يلبث، جاز. قيل له: إلا أن الكون شرط فيه. وعلى أنه قد يلزم بالنذر ما كان قربة، وإن لم يكن له أصل في الفرض، بدليل: أنه لو نذر عيادة المرضي، والصلاة على الجنازة، وأن يهدي داره وعبده، لزم بالنذر، وإن لم يكن له أصل في الفرض، كذلك النذر لا يمتنع أن يلزم بالنذر لكونه قربة، وإن لم يكن له أصل بالفرض. واحتج بأنه لبث في مكان مخصوص، فوجب أن لا يكون قربةً إلا بانضمام معنى آخر إليه، كالوقوف بعرفة. والجواب: أنا نقلبه، فنقول: وجب أن لا يكون من شرطه الصوم، ودليله: الوقوف. فإن قيل: ليس هذا القلب من ضد الحكم الذي علقناه على علتنا. قيل له: إلا أنك تصرح بالمقصود؛ لأن المقصود هاهنا إثبات

стр. 22

الصوم ونفيه، ونحن صرحنا به، وكان أولى، مع انا نقول بموجب هذه العلة، وهو: أنه لا يكون قربة إلا بانضمام معنى آخر، وهو النية. فإن قيل: تريد أنه لا يصير قربة إلا بانضمام معنى آخر إليه، ويكون ذلك المعنى قربة. قيل له: فالنية عندنا قربة. على أنهم لا يجدون هذا المعنى في الأصل؛ لأن الإحرام هو اعتقاد مثل النية سواء. ٤ - مسألة إذا نذر اعتكاف يومين لزم اعتكاف يومين وليلة؛ يدخل المسجد قبل طلوع الفجر، ويبقى فيه ذلك اليوم وليلته واليوم الثاني، ويخرج بعد غروب الشمس من اليوم الثاني: وكذلك لو نذر اعتكاف عشر بعينه؛ كالعشر الأواخر من رمضان، لم تدخل ليلة العشر فيه. قال في رواية الأثرم: كنت أحب أن يدخل معتكفة بالليل، لكن حديث عائشة: أن النبي ﷺ كان يدخل إذا صلى الغداة. والمراد بهذا: العشر الأواخر من شهر رمضان.

стр. 23

وهو قول مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: يلزمه اعتكاف يومين وليلتين؛ يدخل المسجد بعد غروب الشمس، فيمكث ليلة ويومها، وليلة أخرى ويومها. دليلنا: ما احتج به أحمد: أن النبي ﷺ كان يدهل إذا صلى الغداة، وكان اعتكافه العشر. ولأن الأيام ليس عبارة عن الليالي، وغنما يدخل فيها ما يـ[ت]ـخللها على وجه التبع؛ لاستحالة وجود يومين إلا بأن يتخللهـ[مـ]ـا ليلة، والليلة الأولى لم ينتظمها لفظ الإيجاب، ولم يوجبها الحكم من جهة التبع، فلم يلزمه الاعتكاف في الليلة الأولى. والذي يبين صحة هذا، وأن اليوم اسم لبياض النهار، وأنه لو نذر أن يعتكف يوماً يلزمه الاعتكاف بياض النهار، وهو ما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس، ولا تجب معه ليلة، فوجب أن لا يدخل الليل في اسم الأيام؛ كما لو نذر أن يعتكف رجب، لم يدخل في ذلك شعبان. ولأن الليلة الأولى زمان لا يتناوله لفظ الناذر، ولا يتخلل ما تناوله لفظه، فلا يلزمه اعتكافه. أصله: ما قبل الليلة المختلف فيها، وبعد اليوم المختلف فيه. واحتج المخالف بأنه متى ذكر جمع من الأيام أو الليالي دخل ما بإزائه من العدد الآخر، بدلالة قوله تعالى: ﴿ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًا﴾ [مريم:١٠]،

стр. 24

وقال في آية أخرى: ﴿ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إلاَّ رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١] والقضية واحدة، فعبر تارة بذكر الأيام، وتارة بذكر الليالي، فعلمنا: أن إحدى العبارتين مفيد [ة] ما تفيده الأخرى. ألا ترى أنه حين أراد التفرقة بين الوقتين في العدد لم يقتصر على إطلاق إحدى العبارتين دون بيان الأخرى بعدد ما، فقال: ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾ [الحاقة:٧]؛ لأنه لو لم يفصل لكان المعقول سبع أيام بعدد الليالي المذكورة. وقال: ﴿ووَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف: ١٤٢]، فعقل منه الليالي بأيامها. وقال النبي ﷺ : "الشهر تسع وعشرون ليلة"، وفي لفظ آخر: "تسع وعشرون يوماً". ولأنه يستحيل وجود جمع الأيام إلا ويتخللها الليالي، فلذلك جمع الليالي، فعلمنا: أن جمع أحد الوقتين يقتضي من الوقت الآخر مثله. والجواب: أن ما ذكروه من قصة زكريا، وقصة مرسى، فإنما عرفناه بالدليل، لا أن اللفظ اقتضى ذلك، فحملناه على حقيقة لفظه، وما أجمعنا على أنه تابع له.

стр. 25

٥ - مسألة وإذا نذر اعتكاف أيام يتخللها يوم الجمع، فاعتكف في مسجد من المساجد، وخرج لصلاة الجمع، لم يبطل اعتكافه: وقد قال أحمد في رواية الأثرم: المعتكف يعود المريض، ويشهد الجنازة، ويشهد الجمع. وقال - أيضاً - في رواية أبي داود في المعتكف: يركع في المسجد بعد الجمع بقدر ما كان يركع. وقيل له: فيتعجل إلى الجمع؟ قال: أرجو. وبه قال أبو حنيفة. وقال مالك والشافعي: إذا أوجب على نفسه اعتكافاً متتابعاً يتخلله الجمع، فعليه أن يعتكف في الجامع، فإن اعتكف في غيره، ثم خرج على الجمع بطل اعتكافه. دليلنا: ما رواه أحمد عن أبي بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي كرم الله وجهه: المعتكف يعود المريض، ويشهد الجنازة، ويشهد الجمع. قال أحمد: عاصم هو عندي حجة. ولأن الجمعة واجبة، ولابد من حضورها، فإذا أوجب على نفسه اعتكافاً علم أنه لم يمنع به نفسه من أداء ما لابد منه، فيصير الخروج لأجله مستثنى من النذر، فلا يبطل اعتكافه، كما يقول في حاجة الإنسان.

стр. 26

وإن شئت قلت: حرج من معتكفه لما لابد منه، فوجب أن لا يبطل اعتكافه قياساً على الخروج لحاجة الإنسان. ولا يلزم عليه إذا خرج لصلاة الجماعة؛ لأنه إن كان في مسجده جماعة فلا حاجة به إليه، وإن لم يجد فيه جماعة لم يصح اعتكافه. وأيضاً: فإنه غير ممتنع الدخول في العبادة في وقت يعلم أنه يخرج منها قبل إتمامها: مثل: أن يدخل في صلاة الجمعة، وقد بقي من الوقت مقدار ركعة، فإنه يجوز، وإن كان يعلم: أنه يتخللها ما يقطعها، وهو خروج الوقت عندهم. وكذلك المسبوق بركعة يجوز له الدخول مع الإمام مع علمه: أنه يصير منفرداً في آخرها، وإن كنا نعلم: أن انفراد المأموم قبل الإمام يبطل. وهذا دليل جيد. واحتج المخالف بأن العبادة التي من شرطها التتابع إذا دخل فيها مع علمه بأنه يخرج منها، وأمكنه التحرز، فإذا لم يفعل لزمه استئنافها؛ كمن دخل في صوم الشهرين المتتابعين في شعبان، وهو يعلم أن يخرج منه إلى صوم رمضان، لزمه الاستئناف؛ لأنه يمكنه التحرز. وكذلك حيض المرأة ومرضها في أثناء الشهرين لا يمكن الاحتراز منه.

стр. 27

والجواب: أنا لا نسلم الأصل، بل نقول: إن التتابع لا ينقطع بدخول شهر رمضان، وكذلك لو ابتدأ به من أول ذي الحجة أفطر وبنى، ولم يبطل تتابعه، فسقط ما قاله. وقد نص أحمد على هذا في رواية ابن إبراهيم وغيره. على أن هذا يبطل بمن كان في جواره مسجدان؛ أحمدهما أقرب إلى داره، فاعتكف في الأبعد، وخرج إلى منزله لحاجة الإنسان؛ فإنه لا يبطل اعتكافه، وإن كان يمكنه التحرز من تلك الزيادة في المشي. وعلى أنه لا يجوز أن يقال: يعتكف في الجامع؛ لأنه لم يلزمه بنذره، ولا يجوز أن يقال: يترك الجمع؛ لوجوبها عليه، لم يبق إلا أنه يخرج لحاجته إلى ذلك، كما يخرج لحاجة الإنسان. واحتج بأنه خرج من معتكفه لإقامة صلاة، فصار كما لو خرج لصلاة الجنازة، أو صلاة أخرى. والجواب: أنه ليس له حاجة إلى الخروج للصلاة المفروضة؛ لأنه يمكنه أن يصليها في معتكفه. وأما صلاة الجنازة، فقد قال في رواية الأثرم وحنبل: يخرج لأجلها؛ لأنها صلاة فريضة لا يمكنه فعلها في المسجد، فهي كالجمع. فعلى هذا: لا فرق بينها وبين الجمعة. وروى المروذي عنه: لا يجوز ذلك بغير شرط.

стр. 28

وهو اختيار الخرقي. فعلى هذا: لا حاجة إلى الخروج إلى ذلك؛ لأنها فرض على الكفاية، ولم يتعين وجوبها عليه. ٥ - مسألة إذا قال: (الله على أن أعتكف شهراً) لزمه أن يتابع، وإن فرق لم يجزه: وهو قول أبي حنيفة ومالك. وقال الشافعي: يجزئه. دليلنا: أن الاعتكاف يصح بالليل والنهار، فأشبه اليمين، والعدة، ومدة الإيلاء والعنة. ولو قال: (والله لا أكلم فلاناً شهراً) لم يجز له أن يفرق؛ للعلة التي ذكرنا، وكذلك مدة العدة. وإن شئت قلت: حكم علقه بمدة يصح في جميعها أشبه ما ذكرنا. ولا يلزم عليه إذا نذر صيام شهر وأطلق؛ لأن فيه روايتين: إحداهما: من شرط التتابع كالاعتكاف. نص عليه في رواية محمد بن الحكم في رجل قال: (علي أن أصوم عشرة أيام) يصومها متتابعاً، وإذا قال: (شهراً) فهو متتابع، وإذا

стр. 29

قال: (ثلاثين يوماً) فله أن يفرق. فقد نص على التتابع في الشهر، وفي العشرة، وأسقط في ثلاثين يوماً، ولا فرق بينهما، ولعله سهو من الراوي. فعلى هذا: لا فرق بين الاعتكاف وبين الصوم. والثانية: ليس من شرطه التتابع. قال في رواية أبي طالب فيمن نذر أن يصوم شهراً لم يسم؛ هل يصومه متتابعاً، أو متفرقاً؟ قال: متتابعاً أعجب إلي. وظاهر هذا: أن التتابع مستحب، وليس بواجب. فعلى هذا: لا يلزم على العلة؛ لقولنا: معنى يصح بالليل والنهار، والصوم لا يصح بالليل. وقد ناقض بعضهم هذه العلة كمن نذر صلوات وصدقات: أن ذلك يصح بالليل والنهار، وليس من شرطه التتابع، وهذا لا يلزم. فإن قيل: اليمين تقتضي أن لا يكون ابتداء الوقت متصلاً بها - أيضاً - اتصال ما بعده من الأوقات، وليس كذلك النذر؛ لأنه لا يقضي أن يكون ابتداء الوقت متصلاً، فلا يقضي اتصال ما بعده. قيل له: فيجب أن نفرق بين أن تقول: (لله على أن أصوم يوماً) وبين أن تقول: (والله لا أكلم فلاناً يوماً) فنجيز التفريق في الصوم، ولا نجيزه في اليمين؛ لأن اليمين تقتضي أن يكون ابتداء الوقت متصلاً بها، والنذر لا يقتضي اتصال ابتداء الصوم به، واتفقوا: أنه لا فرق بينهما،

стр. 30

فبطل هذا الاعتبار. وعلى أنه لو قال: (والله لا كلمته شهراً من هذه السنة) فإنه [لا] يقتضي أن يكون ابتداء الوقت متصلاً؛ لأن له أن يعين أي شهر شاء من السنة"، ومع هذا فإنه يقتضي اتصاله إذا عينه. فإن قيل: التتابع إنما شرطناه في اليمين؛ لأن الهجرة في الشرع والعادة هي متابعة الترك للكلام، وليس كذلك اعتكاف أيام؛ لأنه قد يكون متفرقاً ومتتابعاً في العادة. قيل له: العادة - أيضاً - في الاعتكاف التتابع، ولم يفعل رسول الله ﷺ الاعتكاف إلا في مدة متتابعة، فلا فرق بينهما. ولأنها قربة ليس فيها تمليك مال يمكن أن يؤتى بها على الانفصال، وإذا نذرها غير متميزة لم يكن له التفريق، كما لو نذر عتق رقبة، لم يجز أن يعتق متفرقاً. ولا يلزم عليه إذا قال: (لله على أن أتصدق بدرهم) فله تفريقه. ولا يلزم عليه إذا نذر صوم شهر؛ لأنه لا يتصل. وقياس آخر هو: أن الاعتكاف عبادة يصح إيقاعها في جميع أجزاء الوقت الذي تضمنه لفظه، فلا يجوز أن يفرقه. دليله: صوم يوم واحد. وفيه احتراز منه إذا قال: (لله على أن أصوم شهراً)؛ لأنه يجوز

стр. 31

تفرقته على إحدى الروايتين؛ لأنه لا يصح إيقاعه في جميع أجزاء الوقت. فإن قيل: المعنى في صوم اليوم: أنه لا يجوز تفريق أجزائه بالشرع، فحمل مطلق النذر على ما تقرر في الشرع، وليس كذلك الاعتكاف؛ لأنه يجوز تفريق أجزائه؛ لأنه يصح اعتكاف يوم. ولأن اسم اليوم عند العرب يقع على ما بين طلوع الفجر وغروب الشمس. ولهذا قلنا: لو نذر اعتكاف يوم، لم يجز له تفريقه على قول بعض أصحابنا؛ لأن اليوم اسم لما بين طلوع الشمس وغروبها. وهذا معدوم في الأيام؛ لأنه اسم للمتفرق والمجتمع. قيل: هذا يبطل باليمين؛ فإنه إذا حلف على أن لا يكمله عشرة أيام، فإن ذلك عبارة عن المجتمع والمتفرق، ومع هذا فإنه يقتضي التتابع، كذلك في النذر. وقولهم: (إن الاعتكاف يصح بتفريق أجزائه) يبطل باليمين؛ لأنه يصح تفريق المدة، وهو أن يحلف لا يكلمه نصف يوم، ومع هذا لو حلف على يوم كامل اقتضى التتابع. وعلة الفرع تبطل بالصلاة والحج، لأن أفعال الصلاة تتفرق؛ لأن السجود يكون بانفراده، وهو سجود التلاوة، والقيام في صلاة الجنازة، والطواف والسعي في العمرة.

стр. 32

واحتج المخالف بأنها عبادة يجوز تفرقتها، فلا يجب التتابع فيها بمطلق النذر. دليله: إذا نذر صوم شهر. وربما قالوا: علقة بمدة مطلقة، فلم يكن من شرطه التتابع كالصوم. والجواب: أن صوم شهر لا يقع إلا متفرقاً، فلا يجب التتابع فيه بمطلق النذر، وليس كذلك الاعتكاف؛ لأنه يصح إيقاعه في جميع أجزاء الوقت الذي يتضمنه لفظه. فنظير مسألتنا من الصوم: أن يوجب على نفسه صوم يوم: أنه لا يجوز إلا متصلاً متتابعاً، كالاعتكاف شهراً. فإن قيل: تتابع الصوم هو المتابعة بين أيامه. يدل عليه: إذا شرط التتابع وجب، ولم تعتبر الليالي، ولهذا قال: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء:٩٢] وأراد: تتابع أيامه. قيل له: فهذا هو الديلي؛ لأن عشرة أيام عبارة عن الليالي والأيام، واللفظ تناولها، وما أوجبه يصح في بعضها، فلم يوجب نذره الاتصال؛ لأن التتابع ما لا يتفرق. وتتابع الصوم هو توالي الأيام، وذلك تفريق من وجه، فلم يلزم بموجب اللفظ ما لم يشرطه. واحتج بأن اسم (الشهر) و (الثلاثين يوماً) يتناول ما بين الهلالين، ويتناول ثلاثين يوماً متفرقة، وإذا أتى بما يصح أن يتناوله مطلق نذره

стр. 33

أجزأه، كما لو تابع. والجواب: أن اسم (الشهر) و (الثلاثين يوماً) يتناول ما بين الهلالين، ويتناول ثلاثين يوماً في اليمين. ثم اتفقوا: أنه لو امتنع من المحلوف عليه ثلاثين يوماً متتابعاً جاز، وإذا امتنع ثلاثين يوماً متفرقة لم يجز، كذلك الاعتكاف. واحتج بأنه لو قال: (لله على أن اعتكف شهراً بعينه) لم يكن من شرطه التتابع، بدليل: أنه متى ترك شيئاً منه قضاه، ولم يستأنف، فأن لا يكون من شرطه التتابع إذا أبهمه أولى. والجواب: أن في ذلك روايتين: إحداهما: يستأنف شهراً متتابعاً. والثانية: يبني على ما مضى. نص عليهما في الصيام فيمن نذر صيام شهر بعينه، فأفطر لغير عذر: فنقل صالح: يتم الشهر الذي أفطر، ويقضي الذي أفطر، ويكفر كفارة يمين. ونقل غيره: يبتدئ شهراً. وهو اختيار الخرقي، ذكره في كتاب "النذور".

стр. 34

وإن قلنا: يستأنف شهراً، فلا كلام. وإن قلنا: يبني، فهناك المتابعة من جهة الوقت، فلم تبطل بالتفريق، كصوم شهر رمضان، والمتابعة هاهنا لا من جهة الوقت، فهي كمتابعة صوم الظهار، فبطل التفريق. ٧ - مسألة إذا وطئ المعتكف ناسياً بطل اعتكافه: وقد قال أحمد في رواية حنبل وابن منصور: إذا وقع المعتكف على امرأته انتقض اعتكافه، وعليه الاعتكاف من قابل. وبهذا قال أبو حنيفة ومالك. وقال الشافعي: لا يفسد. دليلنا: أنه جماع مخصوص في حال اعتكافه، فأبطله. دليله: العامد. أو نقول: وطئ في الفرج أشبه العامد؛ لأن المنع من الجماع في حال الاعتكاف لا يختص الصوم بدلالة: أنه ممنوع في حال لا يضح فيه الصوم - هو ليالي الاعتكاف - فيجب أن لا يختلف حكم السهو

стр. 35

والعمد، كالخروج من المسجد. أو نقول: ما ينافي الاعتكاف يستوى عمده وسهوه، كالخروج من المسجد. فإن قيل: الكون في المساجد مأمور به، فاستوى في تركه العمد والسهو، والجماع منهي عنه، فاختلف فيه العمد والسهو. قيل: الحلاق وقتل الصيد وتقليم الأظفار منهي عنه، يستوي عمده وسهوه، والوقوف بعرفة مأمور به، ويفرق بين عمده وخطئه إذا وقف في غير يوم عرفة. فإن قيل: الحج تعظم المشقة فيه، فلهذا لم يلزمه القضاء مع الخطأ. قيل: لو أخطؤوا الطريق، أو أخطأ الواحد والاثنان العدد، وجب القضاء، وإن عظمت المشقة. فإن قيل: الحج لا يأمن مثله في القضاء. قيل: خطـ[ــأ] الواحد لا يأمن مثله. ولا يصح قياسهم على جماع الناسي في الصيام والحج؛ فإنه عندنا كالعمد سواء. واحتج المخالف بما روي عن النبي ﷺ : أنه قال: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان".

стр. 36

والجواب: أنه محمول على رفع المأثم، كما تقدم. واحتج بأنه استمـ[ـتـ]ـع ناسياً، فلم يفسد اعتكافه. دليله: لو قبل ناسياً. والجواب: أن تلك المباشرة لا تفسد الصوم، وليس كذلك هاهنا؛ لأن هذا استمتاع يفسد جنسه الصوم، أو جماع مخصوص في حال الاعتكاف أشبه العمد. وإن قاسوا على جماع الناسي في الصيام والحج، لم نسلمه، ونقول: يفسدهـ[ـمـ]ـا كالعامد. ٨ - مسألة إذا وطئ عامداً في حال الاعتكاف، وجبت عليه كفارة الوطء في أصح الروايتين: نص عليها في رواية حنبل، وذكر له قول ابن شهاب: من أصاب في اعتكافه، فهو كهيئة المظاهر، فقال أبو عبد الله: إذا كان نهاراً، وجبـ[ــت] عليه الكفارة. وقال في موضع آخر من "مسائل حنبل": إذا واقع المعتكف أهله بطل اعتكافه، وكان عليه أياماً مكان ما أفسد، ويستقبل ذلك، ولا كفارة عليه إذا كان الذي وقع ليلاً، وليس هو واجب، فتجب فيه الكفارة.

стр. 37

وهذا - أيضاً - يدل على: أنه تجب عليه الكفارة إذا كان الاعتكاف واجباً بالنذر، وإنما لم يوجبه هاهنا؛ لأنه غير واجب. وقوله: (إذا كان ذلك نهاراً) قصد به إذا كان الاعتكاف واجباً عليه نهاراً، ولم يوجبه على نفسه ليلاً، فأما إن أوجب اعتكافه شهراً متتابعاً، أو أياماً متتابعة، فإن الليل والنهار سواء في ذلك. وبهذا قال الحسن البصري والزهري فيما حكاه ابن المنذر عنهما. وروى أبو داود عنه: إذا جامع المعتكف، فلا كفارة عليه. فقد أطلق القول بإسقاط الكفارة. وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي. وجه الرواية الأولى: أن الاعتكاف عبادة يحرم فيها الوطء، ويفسدها، فوجب فيها كفارة. دليله: الصيام والحج. ولا يلزم عليه الصلاة والطواف؛ لأن الوطء هنا يفسد الطهارة، وبفساد الطهارة فسد الطواف والصلاة. وإن شئت قلت: لبث في مكان مخصوص، أشبه الحج. أو تقول: عبادة تختص المسجد، أشبه الحج. وإن شئت قلت: عبادة تبيح الكلام وتحرم الوطء، وأشبه الصوم والحج، وفيه احتراز من الصلاة؛ لأنها تحرم الكلام. فإن قيل: لو كان مثل الصيام والحج لو جبت الكفارة العظمى.

стр. 38

قيل: هكذا نقول: لأن أحمد ذكر له قول الزهري: هو كهيئة المظاهر، فقال أحمد: إذا كان نهاراً وجبت الكفارة. فظاهر هذا: أن كلامه رجع إلى ما قاله الزهري. واحتج المخالف بأنها عبادة لا يدخل في جبرانها المال بدليل أنها لا تسقط إلى مال، ولا تكفره عنه بعد وفاته، فلم تجب بإفسادها كفارة. دليله: الصلاة، وعكسه: الصيام والحج. والجواب: أن حنبل وابن إبراهيم قد نقلا عنه فيمن مات وعليه اعتكاف: اعتكف عنه وليه. وعلى أن المعنى في الصلاة: أنها لا تفسد بالوطء، وهذه يحرمها الوطء ويفسدها، فهي كالصيام والحج. ٩ - مسالة إذا قبل، أو لمس، فلم ينزل فقد أساء، وعندي: أنه لا يفسد اعتكافه: وهو قول أبي حنيفة. وقال مالك: يفسد. وللشافعي قولان:

стр. 39

أحدهما: مثل قولنا. والثاني: مثل قول مالك. دليلنا: أن كان مباشرة لا تبطل الصوم، فإنها لا تبطل الاعتكاف. دليله: اللمس لغير شهوة. وكلما حرم الوطء ودواعيه، كان للوطء مزية على ما حرم معه، كالصيام والحج؛ للوطء مزية على القبلة والمباشرة في باب الإفساد، وفي باب الكفارة أيضاً، كذلك في باب الاعتكاف يجب أن يكون له مزية في الإفساد. واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي المَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧] ولم يخص. والجواب: إنما نحمله على الجماع، كما ذكرنا. واحتج بأن هذه مباشرة يقتضي الاعتكاف تحريمها، فوجب أن تفسده، وإن لم يكون معها إنزال، كالجماع. والجواب: أن الجماع يفسد الصوم، ولا تفسد [هـ] المباشرة بغير إنزال، كذلك الاعتكاف. فإن قيل: الصوم لا يحرم القبلة، والاعتكاف يحرمها. قيل له: إذا تأمن ما القبلة، وليس له أن يفعل في الصوم والاعتكاف جميعاً.

стр. 40

١٠ - مسألة فإن باشرها فيما دون الفرج فأنزل، فسد اعتكافه: وقال الشافعي في "الإملاء": لا يفسد الاعتكاف من الجماع إلا ما يوجب الحد. دليلنا: أنها مباشرة تأثر في فساد الصوم، فأثرت في الاعتكاف، كالوطء. أو نقول: عبادة يخرج منها بالوطء، فأبطلها الإنزال من غير وطء، كالصوم. واحتج المخالف بأنها عبادة تختص بمكان، فلم تفسد بمباشرة من غير جماع، كالحج. والجواب: أنه يبطل بالطواف. فإن قيل: هناك تبطل الطهارة، فيبطل الطواف. قيل: فقد أبطل بها، وإن كان بينهما واسطة. على أن الحج لا يخرج منه بالإفساد، فهو آكد، وفي مسألتنا يخرج منه بالإفساد، فأشبه الصيام.
следующие страницы →